ووليِّها على النِّكاحِ مِنْ غيرِ عَقدٍ، فأعطَى الخاطِبُ إيَّاها لأجْلِ ذلكَ شيئًا مِنْ غيرِ الصَّداقِ، فماتَتْ قبلَ العَقدِ: ليسَ له استِرجاعُ ما أعطاهُم. انتهى؛ لأنَّ عدَمَ التَّمامِ ليسَ مِنْ جِهتِهم، وعلى قياسِ ذلكَ لو ماتَ الخاطِبُ لا رُجوعَ لوَرثتِه.
وما قُبضَ بسَببِ النِّكاحِ -كالَّذي يُسمُّونَه المأكَلةَ- فحُكمُه حكمُ المَهرِ فيما يُسقِطُه أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويكونُ ذلك لها، ولا يَملكُ منه الوليُّ شيئًا، إلَّا أنْ تَهبَه له بشَرطِه، إلَّا الأبَ فله أنْ يأخُذَ بالشَّرطِ وبلا شَرطٍ مِنْ مالِها ما شاءَ بشَرطِه، وما كُتِبَ فيه المَهرُ لها ولو طَلُقَتْ، قالهُ الشَّيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له.
ولو فُسخَ النكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كفَسخِها لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدُّخولِ رُدَّ للزَّوجُ كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هَديةً؛ لدَلالةِ الحالِ على أنهُ وهَبَ بشرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرُّجوعَ، كالهبةِ بشَرطِ الثَّوابِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: قلتُ: قِياسُ ذلكَ لو وهَبَتْه هي شَيئًا قبلَ الدُّخولِ ثمَّ طلَّقَ ونحوه.
وكذا يُرَدُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختِياريةٍ مُسقِطةٍ للمهرِ، كفَسخِها لعَيبِه ونَحوه قبلَ الدُّخولِ؛ لدَلالةِ الحالِ على أنهُ وهَبَ بشرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرُّجوعَ، كالهبةِ بشَرطِ الثَّوابِ.
وتَثبتُ الهديةُ للزوجةِ مع فَسخٍ للنِّكاحِ مُقرِّرٍ له -أي للصَّداقِ- مِنْ
стр. 8437
وَطءٍ أو خَلوةٍ، أو لنِصفِه كطَلاقٍ ونحوِه، فلا رُجوعَ له في الهديةِ إذنْ؛ لأنَّ زَوالَ العَقدِ ليسَ مِنْ قِبَلها، وهوَ المُفوِّتُ على نَفسِه.
وإنْ كانَتِ العَطيةُ لغيرِ العاقدِينِ بسَببِ العَقدِ، كأُجرةِ الدلَّالِ ونَحوِها كأُجرةِ الكيَّالِ والوزَّانِ قالَ ابنُ عَقيلٍ في «النَّظريات»: إنْ فُسخَ بَيعٌ بإقالةٍ ونحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ مِنْ العاقدَينِ لم يَرُدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقفِ الفَسخُ على تراضِيهما كالفَسخِ لعَيبٍ ونحوِه رَدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللُّزومِ وعَدمِه، وقِياسُ المَبيعِ نكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كَفاءةِ الزَّوجِ، أو ظُهورِ عَيبٍ في أحَدِهما فيَردُّه، أي يَردُّ الخاطِبُ ما أخَذَه مِنْ الزَّوجينِ أو مِنْ أحَدِهما بسَببِ توسُّطِه التَّزويجَ؛ لأنه أخَذَ على عَقدٍ لم يَسلمْ، ولا يَردُّ المأخوذَ إنِ انفَسخَ النكاحُ لردَّةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).
стр. 8438
حكمُ ذِكرِ عُيوبِ الخاطِبِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنه يَجوزُ ذِكرُ مَساوئِ الخاطِبِ، وأنَّ هذا ليسَ مِنْ الغِيبةِ المُحرَّمةِ.
قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ لمَن استشارَه أحَدُ الزَّوجينِ ذِكرُ الأشياءِ التي تَسوءُ ممَّا يَعلمُه في الآخَرُ مِنْ العُيوبِ، للتَّحذيرِ منه بما يُفهَمُ مِنْ تَلويحٍ؛ ولا يَجوزُ التَّصريحُ إذا استَغنَى عنهُ، ولا يَقتصرُ على ذِكرِ مَساوئِ الزَّوجِ فقط.
ومَحلُّ جَوازِ ذِكرِ المَساوئِ لمَن استَشارَه إذا كانَ هناكَ مَنْ يَعرفُ حالَ المَسؤولِ عنه غيرُ ذلكَ المَسؤولِ، وإلَّا وجَبَ عليهِ الذِّكرُ؛ لأنه مِنْ بابِ النَّصيحةِ لأخيهِ المُسلمِ.
وقيلَ: إذا استَشارَه وجَبَ عليه ذِكرُ العُيوبِ، وإنْ لم يَستشرْه نُدبَ له ذِكرُ العُيوبِ.
والدَّليلُ على جَوازِ ذِكرِ المَساوئِ ما رواهُ مُسلمٌ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ
стр. 8439
أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وكيلُه بِشَعيرٍ فسَخطَتْه، فقالَ: واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَتْ ذلك له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلك امرأةٌ يَغشَاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنهُ رَجلٌ أعمَى تَضعينَ ثِيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذِنيني»، قالَتْ: فلمَّا حلَلْتُ ذكَرْتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا جَهمٍ خطَبانِي، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أمَّا أبو جَهمٍ، فلا يَضعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، انكِحِي أُسامةَ بنَ زَيدٍ» فكَرهْتُه، ثمَّ قالَ: «انكِحِي أُسامةَ»، فنكَحْتُه، فجعَلَ اللهُ فيه خيرًا، واغتبَطْتُ به» (١)(٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ استُشيرَ في خاطِبٍ أو مَخطوبةٍ أو غيرِهما ممَّن أرادَ الاجتماعَ عليهِ لنَحوِ مُعامَلةٍ أو مُجاوَرةِ كالرِّوايةِ عنهُ أو القَراءةِ عليه ذكَرَ المُستشارُ مَساويهِ -أي عُيوبَه- بصِدقٍ ليَحذَرَ، بَذْلًا للنَّصيحةِ الواجِبةِ، لا للإيذاءِ والوَقيعةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ ﵄: «أمَّا أبو جَهمٍ فلا يَضعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له … » (٣).
وهل هذا على سَبيلِ الوُجوبِ أم النَّدبِ؟ قَولانِ في المَذهبِ، الصَّحيحُ
стр. 8440
أنه للوُجوبِ، فيَجبُ عليه أنْ يَذكرَ عُيوبَه، كما يَجبُ على مَنْ عَلِمَ بالمَبيعِ عَيبًا أنْ يُخبِرَ به مَنْ يُريدُ شِراءَه مُطلَقًا، بلِ الأعراضُ أشَدُّ حُرمةً وضَررًا مِنْ الأموالِ؛ لأنَّ فيه تَكشُّف بُضعٍ وهتْكَ سَوأةٍ، وذُو المُروءةِ يَسمحُ في الأموالِ ما لا يَسمحُ في الأعراضِ.
وهلْ لا يَذكرُها إلَّا بعدَ الاستِشارةِ؟ أم أنه يَجبُ ذِكرُها ابتداءً مِنْ غيرِ استشارةٍ؟ قولانِ: أصَحُّهما أنَّ له ذِكرَها ابتداءً.
ومَحلُّ ذِكرِ المَساوِي عندَ الاحتياجِ إليه، فإنِ اندَفعَ بدُونِه بأنْ لم يَحتجْ إلى ذِكرِها كقولِه: «لا تَصلحُ لكَ مُصاهَرتُه» ونَحوَه ك: «لا تَصلحُ لكَ مُعامَلتُه» وجَبَ الاقتصارُ عليه ولم يَجُزْ ذِكرُ عُيوبِه، قالَه في «الأذكار تَبعًا ل «الإحياء»، وهوَ المُعتمَدُ وإنْ نظَرَ فيهِ الأذرَعيُّ، وقياسُه أنه إذا اندَفعَ بذِكرِ بعضِها حَرُمَ عليه ذِكرُ شَيءٍ منِ البعضِ الآخَرِ، كما قالَه ابنُ النَّقيبِ، وإنِ اقتَضَى كلامُ المُصنِّفِ خِلافَه.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وغِيبةُ الكافرِ مُحرَّمةٌ إنْ كانَ ذِميًّا؛ لأنَّ فيها تَنفيرًا لهم عن قَبولِ الجِزيةِ وتَركًا لوَفاءِ الذمَّةِ، ولقولِه ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ ذمِّيًّا وجَبَتْ له النَّارُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ في صحَيحِه، ومباحَةٌ إنْ كانَ حَربيًّا؛ لأنَّه ﷺ كانَ يأمُرُ حسَّانَ أنْ يَهجوَ المُشركينَ.
والحاصِلُ أنَّ الغِيبةَ -وهي ذِكرُ الإنسانِ بما فيهِ ممَّا يَكرَهُ، ولو في مالِه أو وَلدِه أو زَوجتِه أو نحوِ ذلكَ- مُحرَّمةٌ، سواءٌ أذَكَرَه بلَفظٍ أم كِتابةً أم
стр. 8441
إشارةً بيَدٍ أو رأسٍ أو جَفنٍ أو نحوِ ذلكَ مُحرَّمةٌ، لكنَّها تُباحُ للأسبابِ المَذكورةِ، بل قد تَجبُ بَذلًا للنَّصيحةِ كما مرَّ.
قالَ البارِزِيُّ: ولو استُشيرَ في أمرِ نَفسِه في النكاحِ فإنْ كانَ فيه ما يُثبتُ الخيارَ وجَبَ ذِكرُه للزَّوجةِ، وإنْ كانَ فيه ما يُقلِّلُ الرغبةَ عنه ولا يُثبتُ الخيارَ كسُوءِ الخلُقِ والشُّحِّ استُحبَّ، وإنْ كانَ شيءٌ مِنْ المَعاصِي وجَبَ عليه التوبةُ في الحالِ وستْرُ نَفسِه. اه.
ووُجوبُ هذا التَّفصيلِ بَعيدٌ، والأوجَهُ كما قالَ شيخُنا أنَّه يكْفِيه قولُه: «أنا لا أصلُحُ لكُم»، وسُمِّيتْ عيوبُ الإنسانِ مَساوِيَ لأنَّه يَسوؤُه ذِكرُها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وعلى مَنْ استُشيرَ في خاطِبٍ أو مَخطوبةٍ أنْ يَذكرَ ما فيه مِنْ مَساوئَ -أي عُيوبٍ- وغَيرِها، ولا يكونُ غِيبةً مُحرَّمةً إذا قصَدَ به النصيحةَ؛ لحَديثِ «المُستَشارُ مُؤتمَنٌ» (٢)، وحديثِ «الدِّينُ النَّصيحةُ» (٣).
وإنِ استُشيرَ في أمرِ نَفسِه بيَّنَه وُجوبًا كقولِه: «عندي شَحٌّ، وخُلُقي شَديدٌ» ونَحوهما؛ لعُمومِ ما سبَقَ (٤).
стр. 8442
حُكمُ العَقدِ بعدَ الخِطبةِ المحرَّمةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ النكاحِ على المرأةِ الَّتي حَرُمَتْ خِطبتُها، كمَن خُطِبَتْ ثمَّ خطَبَها آخَرُ على الخِطبةِ وعقَدَ عليها، أو خُطِبتْ في عدَّتِها تَصريحًا أو تَعريضًا وعُقِدَ عليها، هل يَصحُّ عَقدُ النكاحِ عليها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ العَقدَ على مَنْ حَرُمتْ خِطبتُها صَحيحٌ مع الحُرمةِ، كعَقدِ الثَّاني على المَخطوبةِ لغيرِه، وكعَقدِ الخاطِبِ على المُعتدَّةِ في عِدَّتها؛ لأنَّ أكثَرَ ما فيه تَقدُّمُ حَظرٍ على العَقدِ فلم يُؤثِّرْ فيه.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قولُه ﷺ : «لا يَبِعِ الرَّجلُ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبْ بعضُكم على خِطبةِ بعضٍ»، وفي رِوايةٍ: «لا يَبعِ الرَّجلُ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطبْ على خِطبةِ أخيهِ، إلَّا أنْ يأذَنَ له»، وفي رِوايةٍ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمنِ، فلا يَحِلُّ للمُؤمنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطبَ على خِطبةِ أخيه حتَّى يذَرَ»، هذه الأحاديثُ ظاهرةٌ في تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبةِ أخيه، وأجمَعُوا على تَحريمِها إذا كانَ قد صُرِّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يَتركْ.
فلو خطَبَ على خِطبتِه وتزوَّجَ والحالةُ هذهِ عَصَى وصَحَّ النكاحُ ولم يُفسَخْ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ داودُ: يُفسَخُ النكاحُ، وعن
стр. 8443
مالكٍ رِوايتانِ كالمَذهبينِ، وقالَ جَماعةٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ: يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ لا بعدَه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وخِطبةُ الرَّجلِ على خِطبةِ أخيهِ مُحرَّمةٌ … فإنْ فعَلَ فنِكاحُه صَحيحٌ، نصَّ عليه أحمَدُ فقالَ: لا يُفرَّقُ بينَهُما، وهو مَذهبُ الشَّافعيِّ، ورُويَ عن مالكٍ وداودَ أنه لا يَصحُّ، وهو قِياسُ قولِ أبي بكرٍ؛ لأنه قالَ في البيعِ على بَيعِ أخيهِ: هو باطِلٌ، وهذا في مَعناه، ووجْهُه أنهُ نِكاحٌ مَنهيٌّ عنهُ، فكانَ باطِلًا كنِكاحِ الشِّغارِ.
ولنا: إنَّ المُحرَّمَ لم يُقارِنُ العَقدَ، فلم يُؤثِّرْ فيهِ كما لو صرَّحَ بالخِطبةِ في العدَّةِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولم يَختلفِ العُلماءُ في أنه إذا لم يَكنْ رُكونٌ ولا رضًى أنَّ النكاحَ جائِزٌ.
واختَلفُوا إذا وقَعَ النكاحُ معَ الثَّاني بعدَ الرُّكونِ إلى الأولِ والرِّضى بهِ، فقَولُ مالكٍ ما ذكَرْنا، وقد رُويَ عنه أنه يُفسخُ على كلِّ حالٍ، ورُويَ عنه أنه لا يُفسخُ أصلًا، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، وقَولُ الشَّافعيِّ أنهُ لا يُفسخُ، واختُلفَ عنهُ: هل هو عَاصٍ بفِعلِه ذلكَ أم لا؟
وقالَ داودُ: يُفسخُ النكاحُ على كلِّ حالٍ.
стр. 8444
وقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا تزوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ بعدَ أنْ ركَنَتْ إلى غيرِه فدخَلَ بها فإنه يَتحلَّلُ الَّذي خطَبَها عليهِ ويُعرِّفُه بما صنَعَ، فإنْ حلَّلَه وإلَّا فلْيَستغفرِ اللهَ مِنْ ذلكَ، وليسَ يَلزمُه طَلاقُها، وقد أَثِمَ فيما فعَلَ، وقالَ ابنُ وَهبٍ: إنْ لم يَجعلْه الأولُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ فلْيُطلِّقْها، فإنْ رَغبَ فيها الأولُ وتزوَّجَها فقدْ بَرِئَ هذا مِنْ الإثمِ، وإنْ كَرهَ تَزويجَها فلْيُراجِعْها الَّذي فارَقَها بنِكاحٍ جَديدٍ، وليسَ يَقضِي عليهِ بالفِراقِ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: إنما مَعنى النَّهيِ في أنَّ يَخطبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ في رَجلَينِ صالحَينِ، وأمَّا إذا كانَ الَّذي خطَبَها أوَّلًا فركَنَتْ إليه رَجلُ سُوءٍ فإنهُ يَنبغِي للوليِّ أنْ يَحُضَّها على تَزويجِ الرَّجلِ الصَّالحِ الذي يُعلِّمُها الخيرَ ويُعِينُها عليهِ.
قالَ أبو عُمرَ: تَحصيلُ مَذهبِ مالكٍ في نكاحِ مَنْ خطَبَ على خِطبةِ أخيهِ في الحالِ الَّذي لا يَجوزُ له أنْ يَخطبَ فيها أنه إنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فُرِّقَ بينَهُما، وإنْ كانَ دخَلَ مضَى النِّكاحُ وبِئْسَ ما صنَعَ.
وقالَ الشَّافعيُّ: هي مُصيبةٌ ويَستغفِرُ اللهَ منها، والنكاحُ ثابِتٌ دخَلَ أو لم يَدخلْ، وهو مع هذا مَكروهٌ لا يَنبغِي لأحَدٍ أنْ يَفعلَه.
وبمِثلِ ما قالَ الشَّافعيُّ يقولُ أبو حَنيفةَ وأصحابُه وجَماعةٌ، وهو القِياسُ؛ لأنَّ النكاحَ لو كانَ فاسِدًا مُحرَّمًا غيرَ مُنعقِدٍ لم يَصحَّ بالدُّخولِ، وعلى أصل مالكٍ: إنَّما يَصحُّ بالدُّخولِ مِنْ النكاحِ ما كانَ
стр. 8445
فَسادُه في الصَّداقِ، وأمَّا ما كانَ فَسادُه في العقدِ فمُحالٌ أنْ يَصحَّ بالدُّخولِ، والنكاحُ مُفتقِرٌ إلى صِحةِ العَقدِ، وقد يَنعقِدُ مع السُّكوتِ عنِ الصَّداقِ، فافهَمْ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ مَنْ ارتَكبَ الحُرمةَ وخطَبَ مَنْ ركَنَتْ لغيرِ فاسقٍ وعقَدَ فإنَّ نكاحَه يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ وُجوبًا بطَلاقٍ مِنْ غيرِ مَهرٍ، فإنْ دخَلَ مضَى النكاحُ وبِئسَ ما صنَعَ.
وإذا وقَعَتِ الخِطبةُ أو المُواعَدةُ في العدَّةِ وتزوَّجَها ولم يُعثَرْ على ذلكَ حتَّى وَطئَ في العدَّةِ أو قبَّلَها أو باشَرَ أو وَطئَها بعدَ انقضاءِ العدَّةِ تأبَّدَ تَحريمُها، أي المُعتدَّة مِنْ مَوتٍ أو طَلاقٍ أو المُستبْرَأة مِنْ زنًا منهُ أو مِنْ غيرِه أو غَصبٍ أو مِلكٍ أو شُبهةِ مِلكٍ، فيتأبَّدُ تَحريمُها بمُقدِّماتِ النكاحِ، أي المُستنِدةِ لعَقدٍ.
أمَّا إنْ قبَّلَ المُعتدَّةَ أو المُستبْرَأةَ مِنْ غيرِه في العدَّةِ مِنْ غيرِ وطءٍ بلا عَقدٍ أو زَنَى بها في العدَّةِ فإنها لا تَحرمُ عليهِ، بل يَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَها إذا حلَّتْ؛ لأنه لم يُرِدْ بالزنا تَعجيلَ شيءٍ، وكذا إذا طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا في عدَّتِها فإنها لا تَحرمُ عليهِ بذلكَ؛ لأنه لم يُمنَعْ منها لأجْلِ العدَّةِ، بل لكَونِها لم تَتزوَّجْ بعدَه بزَوجٍ.
وكذا مَنْ تزوَّجَ خامسةً، فإنهُ يُفسخُ ولا يتأبَّدُ تَحريمُها عليهِ بذلكَ
стр. 8446
الوطءِ، بل يَجوزُ له إذا حلَّتْ للأزواجِ أنْ يتزوَّجَها إذا طلَّقَ إحدَى الأربَعِ أو ماتَتْ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ومَن عقَدَ على مُعتدَّةٍ نكاحًا في عدَّتها فهو مَفسوخٌ على كلِّ حالٍ، ويُفرَّقُ بينَهُما فُرقةَ فَسخٍ مِنْ غيرِ طَلاقٍ ولا مِيراثٍ بينَهُما لو ماتَ أحَدُهما، فانْ فُرِّقَ بينَهُما قبلَ الدُّخولِ جازَ له خِطبتُها بعدَ انقِضاءِ عِدَّتها، وإنْ لم يُفرَّقْ بينَهُما إلَّا بعدَ دُخولِه بها في عدَّتِها لم يَحلَّ له نكاحُها أبدًا عندَ مالكٍ وأصحابِه على ما رُويَ عن عُمرَ في ذلكَ، فإنْ عقَدَ لها في عدَّتها ولم يَدخلْ بها إلَّا بعدَ انقِضاءِ عدَّتها فقدِ اختُلفَ عن مالكٍ وأصحابِه في تأبيدِ تَحريمِه هاهُنا؛ فرُويَ عنه أنهُ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَنكحُها أيضًا أبَدًا؛ لأنَّ وطْأَه لها كانَ بالعقدِ المُنعقِدِ عليها في عدَّتها، فكأنَّه وَطئَها في عدَّتها، وهو قَولُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي سلَمةَ، وهو تَحصيلُ المَذهبِ، واختارَه ابنُ القاسِمِ، ورُويَ عن مالكٍ أيضًا أنها تَحلُّ له خِطبتُها بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها، وهو قَولُ المُغيرةِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ المَخزوميِّ ومُحمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ دينارٍ، وقالَ عبدُ الملكِ بنُ الماجشُون: وعلى المُغيرةِ وابن دِينارٍ كانَتْ تَدورُ الفُتيَا بالمَدينةِ، يعني بعدَ مالكٍ، واللهُ أعلَمُ (٢).
стр. 8447
مَنْ أرسَلَ آخَرَ يَخطبُ له فخطَبَها لنَفسِه:
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: ذكَرَ إسماعيلُ بنُ أبِي أُويسٍ قالَ: سَمعْتُ مالِكًا يقولُ: أكرَهُ إذا بعَثَ الرَّجلُ رَجلًا يَخطبُ له امرأةً أنْ يَخطبَ الرَّسولُ لنَفسِه، وأراها خِيانةً، قالَ: ولم أسمَعْ أحَدًا أرخَصَ في ذلكَ.
قالَ أبو عُمرَ: ذلكَ عندِي على أنَّه لم يَذكرِ الرَّجلَ المُرسِلَ له، ولو ذكَرَه وذكَرَ نفْسَه لم يَكنْ بذلكَ بأسٌ على حَديثِ عُمرَ المَذكورِ، واللهُ أعلَمُ … وهو ما رواهُ ابنُ وَهبٍ في «مُوطَّئِه» قالَ: أخبَرَنا مَخْرمةُ بنُ بُكيرٍ عن أبيه عن عُبيدِ اللهِ بنِ سَعدٍ عنِ الحارثِ بنِ أبي ذُبابٍ أنَّ جَريرًا البَجليَّ أمَرَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ أنْ يَخطبَ عليهِ امرأةً مِنْ دَوسٍ، ثمَّ أمَرَه مَروانُ بنُ الحَكمِ مِنْ بعدِه أنْ يَخطبَها عليه، ثمَّ أمَرَه عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ بعدَ ذلك، فدخَلَ عليها فأخبَرَها بهِم الأولَ فالأولَ، ثمَّ خطَبَها مَعهُم لنَفسِه، فقالَتْ: واللهِ ما أدرِي أتلْعَبُ أم أنتَ جادٌّ؟ قالَ: بل جادٌّ، فنكَحَتْه فولَدَتْ له ولَدَينِ (١).
وقالَ الحطَّابُ ﵀: قالَ البِساطيُّ: حُكمُ الرَّسولِ الخاطِبِ حُكمُ الاثنينِ، فإذا ركَنَتْ لمُرسِلِه لم يَجُزْ له أنْ يَخطبَ لنفسِه، وإلَّا جازَ. انتهى
السابعُ: إذا وكَّلَ رَجلٌ رجلًا على أنْ يزوِّجَه امرأةً فتزوَّجَها الوَكيلُ لنَفسِه فهي له، بخِلافِ الوكيلِ على شِراءِ سِلعةٍ فيَشتريها لنَفسِه، ففيهِ خِلافٌ مَذكورٌ في كِتابِ الوَكالةِ.
стр. 8448
قالَ اللَّخميُّ لمَّا تكلَّمَ على مَسألةِ الشِّراءِ ما نَصُّه: ولا يَلزمُ على هذا النِّكاح إذا وكَّلَه على أنْ يُزوِّجَه امرأةً فتزوَّجَها لنَفسِه، فهيَ زَوجةٌ للوَكيلِ، ولا مَقالَ للآمِرِ؛ لأنَّ المرأةَ لها غرَضٌ فيمَن تتزوَّجُه، فلا يَلزمُها أنْ تَكونَ زَوجةً لمَن لم تَرْضَ به.
ولو وُكِّلَ رَجلٌ على تَزويجِ امرأةٍ ففعَلَ وأظهَرَ أنهُ الزَّوجُ، وأشهَدَ في الباطِنِ أنَّ العَقدَ للآمِرِ، لم تَكنْ زَوجةً للوكيلِ، وكانتِ الزَّوجةُ بالخِيارِ بينَ أنْ تَرضَى أنْ تكونَ زَوجةً للآمِرِ أو تَفسخَ النِّكاحَ. انتهى (١).
стр. 8449
فصل في أحكامِ النَّظرِ واللَّمسِ
هذا الفَصلُ يَحتوي على أحكامِ النَّظرِ واللَّمسِ في حَقِّ المَخطوبةِ والأجنَبيةِ الَّتي لا يُريدُ نِكاحَها وذَواتِ المَحارمِ.
أولاً: حُكمُ النَّظرِ إلى المَخطوبةِ:
شرَعَ الإسلامُ لِمَنْ أرادَ أنْ يَنكحَ امرأةً أنْ يَنظرَ إليها قبلَ الخِطبةِ، وهذا ممَّا لا خِلافَ فيهِ بينَ عُلماءِ الأمَّةِ، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في إباحةِ النَّظرِ إلى المرأةِ لِمَنْ أرادَ نِكاحَها (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيهِ استِحبابُ النَّظرِ إلى وجهِ مَنْ يُريدَ تزوُّجَها، وهو مَذهبُنا ومَذهبُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ وسائرِ الكُوفيِّينَ وأحمَدَ وجَماهيرِ العُلماءِ، وحكَى القاضي عن قَومٍ كَراهتَهُ، وهذا خطَأٌ مُخالِفٌ لصَريحِ هذا الحَديثِ ومُخالفٌ لإجماعِ الأمَّةِ على جَوازِ النَّظرِ للحاجةِ عندَ البيعِ والشِّراءِ والشَّهادةِ ونحوِها (٢).
стр. 8450
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنه لا بأسَ بالنَّظرِ إلى المَرأةِ إذا أرادَ أنْ يتزوَّجَها، وهو قَولُ مالكٍ والثَّوريِّ والكُوفيِّينَ والشافعيِّ وأحمدَ (١).
واستَدلُّوا على جَوازِ النَّظرِ إلى المَخطوبةِ بما يلي:
قَول اللهِ تعالَى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ففي هذهِ الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى مَنْ يُريدُ زواجَها؛ لأنهُ لا يُعجِبُه حُسنُهنَّ إلَّا بعدَ رُؤيتِهنَّ (٢).
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ قالَ: «كُنَّا عندَ النبيِّ ﷺ جُلوسًا فجاءَتْه امرأةٌ تَعرِضُ نفْسَها عليه، فنظَرَ إليها رسولُ اللهِ ﷺ فصعَّدَ النَّظرَ فيها وصوَّبَه فلمْ يُرِدْها» (٣).
وعنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ قالَ: «أتَيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرْتُ له امرأةً أخطُبُها، فقالَ: اذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنهُ أجدَرُ أنْ يُؤدَمَ بينَكُما، فأتيتُ امرأةً مِنْ الأنصارِ فخطَبْتُها إلى أبوَيها وأخبَرتُهما بقولِ النَّبيِّ ﷺ فكأنهُما كَرِهَا ذلكَ، قالَ: فسَمِعَتْ ذلكَ المرأةُ وهي في خِدْرِها فقالَتْ: إنْ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أمَرَكَ أنْ تَنظُرَ فانظُرْ، وإلَّا فأَنشدُكَ، كأنَّها
стр. 8451
أعظَمَتْ ذلكَ، قالَ: فنظَرْتُ إليها فتزَوَّجتُها، فذكَرَ مِنْ مُوافَقتِها» (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «كُنْتَ عندَ النبيِّ ﷺ فأتَاهُ رَجلٌ فأخبَرَه أنهُ تزوَّجَ امرأةً مِنْ الأنصارِ، فقالَ لهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : أنظَرْتَ إليها؟ قالَ: لا، قالَ: فاذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنَّ في أعيُنِ الأنصارِ شَيئًا» (٢)، قيلَ: كانَ في أعيُنِهنَّ عَمشٌ، وقيلَ: صِغَرٌ، وكانَ بعضُ الوَرِعينَ لا يُنكِحونَ كرائِمَهم إلَّا بعدَ النَّظرِ احتِرازًا مِنْ الغُرورِ.
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا خطَبَ أحَدُكم المَرأةَ فإنِ استَطاعَ أنْ يَنظُرَ إلى ما يَدعوهُ إلى نِكاحِها فلْيَفعلْ، قالَ: فخطَبْتُ جارِيةً فكُنتُ أتَخَبَّأُ لها حتَّى رأيْتُ منها ما دَعاني إلى نِكاحِها وتزوُّجِها، فتزَوَّجتُها» (٣).
وعن مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ قالَ: سَمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إذا ألقَى اللهُ في قَلبِ امرِئٍ خِطبةَ امرأةٍ فلا بأسَ أنْ يَنظُرَ إليها» (٤).
ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ يَقتضِي التَّمليكَ، فكانَ للعاقِدِ النَّظرُ إلى المَعقودِ عليهِ، كالنَّظرِ إلى الأمَةِ المُستامَةِ.
стр. 8452
ولأنهُ إذا عَرفَها قبلَ النكاحِ دامَ الودُّ، وإنَّ النكاحَ يَصحُّ وإنْ لم يَرَها، فإنه لم يُعلِّلِ الرُّؤيةَ بأنهُ يَصحُّ معَه النِّكاحُ، فدَلَّ على أنَّ الرُّؤيةَ لا تَجبُ، وأنَّ النِّكاحَ يَصحُّ بدُونِها.
ولأنَّ النِّساءَ يُرضَى بهنَّ في العادةِ على الصِّفاتِ المُختلِفةِ؛ لأنَّ المَقصودَ بالنكاحِ المُصاهَرةُ والاستِمتاعُ، وذلكَ يَحصلُ مع اختِلافِ الصِّفاتِ، فهذا فَرقٌ شَرعيٌّ مَعقولٌ في عُرفِ النَّاسِ، ولو قالَ: «ظنَنْتُها أحسَنَ ممَّا هيَ، أو ما ظَننْتُ فيها هذا» ونحوَ ذلكَ كانَ هوَ المُفرِّطَ حيثُ لم يَسألْ عن ذلكَ ولم يَرَها ولا أرسَلَ مَنْ رآها، وليسَ مِنْ الشَّرعِ ولا العادَةِ أنْ تُوصَفُ له في العَقدِ كما تُوصِفُ الإماءُ في السَّلَمِ، فإنَّ اللهَ صانَ الحَرائرَ عن ذلكَ وأحَبَّ سِتْرَهنَّ، ولهذا نُهِيَتِ المرأةُ أنْ تَعقدَ نكاحًا، فإذا كُنَّ لا يُباشِرْنَ العَقدَ فكيفَ يُوصَفْنَ!؟ وأمَّا الرَّجلُ فأمرُه ظاهِرٌ يراهُ مَنْ يَشاءُ، فليسَ فيه عَيبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ، والمرأةُ إذا فرَّط الزَّوجُ فالطَّلاقُ بيَدِه (١).
وقالَ الدَّهْلويُّ ﵀: السَّببُ في استِحبابِ النَّظرِ إلى المَخطوبةِ أنْ يكونَ التزوُّجُ على رويَّةٍ، وأنْ يكونَ أبعَدَ مِنْ النَّدمِ الَّذي يَلزمُه إنِ اقتَحمَ في النكاحِ ولمْ يُوافِقْه فلمْ يَردَّه، وأسهَلُ للتَّلافي إنْ رَدَّ، وأنْ يكونَ تزوَّجَها على شَوقٍ ونَشاطٍ إنْ وافَقَه، والرَّجلُ الحَكيمُ لا يَلجُ مَولِجًا حتَّى يَتبيَّنَ خيْرَه وشَرَّه قبلَ وُلوجِه (٢).
стр. 8453
مِقدارُ ما يَراهُ مِنْ المَخطوبةِ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلمينَ على إباحةِ نظَرِ الخاطِبِ إلى وجهِ المَخطوبةِ وكَفَّيها؛ لأنهُ ليسَ بعَورةٍ، وهو مَجمَعُ المحاسِنِ ومَوضعُ النَّظرِ (١).
إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا هل يَجوزُ له النَّظرُ إلى غَيرِ الوجهِ والكَفَّينِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنهُ يُباحُ للخاطِبِ أنْ يَنظرَ إلى الوَجهِ والكفَّينِ فقَطْ -وزادَ الحَنفيةُ في رِوايةٍ: والقَدَمينِ-؛ لأنهُما ليسَا بعَورةٍ؛ ولأنهُ يُستَدلُّ بالوَجهِ على الجَمالِ أو ضِدِّه، وبالكفَّينِ على خُصوبةِ البدَنِ أو عَدمِها، فأغناهُ ذلكَ عنِ النَّظرِ إلى غيرِه.
قالَ النَّوويُّ ﵀: هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الأكثرِينَ، وقالَ الأوزاعيُّ: يَنظرُ إلى مَواضعِ اللَّحمِ، وقالَ داودُ: يَنظرُ إلى جَميعِ بدَنِها، وهذا خطأٌ ظاهِرٌ منابِذٌ لأصولِ السُّنةِ والإجماعِ (٢).
وقالَ الشَّافعيُّ ﵀: «وإذا أرادَ أنْ يتزوَّجَ المَرأةَ فليسَ له أنْ يَنظرَ إليها حاسِرةً، ويَنظرُ إلى وَجهِها وكَفَّيها وهي مُتغطِّيةٌ، بإذنِها وبغَيرِ إذنِها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قالَ: الوَجهُ والكفَّانِ».
стр. 8454
قال الماوَرديُّ ﵀: إذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ جازَ له أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكفَّيها لا غير (١).
قالُوا: لأنَّ غيرَ الوجهِ والكفَّينِ عَورةٌ، ولأنها المَواضعُ التي تَظهرُ مِنْ الزِّينةِ المُشارِ إليها بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، والحِكمةُ مِنْ الاقتصارِ على ذلكَ أنَّ في الوجهِ ما يُستدَلَّ به على الجَمالِ، وفي اليدَينِ ما يُستدلُّ به على خُصوبةِ البدَنِ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها إذا أرادَ تَزويجَها، وإنْ كانَ لشَهوةٍ، وإنَّما يُباحُ النَّظرُ إلى الوَجهِ والكفَّينِ وإنْ خافَ أنْ يَشتهيَها لقَولِه ﷺ للمُغيرةِ بنِ شُعبةَ حينَ خطَبَ امرأةً: «انظُرْ إليها، فإنهُ أحرَى أنْ يُؤدَمَ بَينكُما»، ولأنَّ مَقصودَه إقامةُ السُّنةِ لا قَضاءُ الشَّهوةِ.
وإذا لم يُمكِنْه النَّظرُ يَجوزُ إرسالُ نحوِ امرأةٍ تَصفُ له حالَها بطَريقِ الأَولى ولو غيرَ الوَجهِ والكفَّينِ (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يُندبُ للخاطِبِ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها خاصَّةً قبلَ العَقدِ؛ لِيَعلمَ بذلكَ حقيقةَ أمرِها؛ لأنَّ الوجهَ يَدلُّ على الجَمالِ وعَدمِه،
стр. 8455
واليَدانِ يَدُلَّانِ على خَصابةِ البَدنِ وطَراوتِه وعلى عَدمِ ذلكَ، إذا لم يَقصدْ لذَّةً وإلَّا حَرُمَ.
ويُمنَعُ ما زادَ على الوَجهِ والكفَّينِ؛ لأنهُ عَورةٌ، اللهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ قد وكَّلَ امرأةً، فيَجوزُ لها مِنْ حَيثُ إنها امرأةٌ.
ويكونُ النَّظرُ بعِلمٍ منها أو مِنْ وَليِّها، ويُكرهُ استِغفالُها؛ لِئلَّا يَتطرَّقَ أهلُ الفسادِ لنَظرِ مَحارمِ الناسِ ويَقولونَ: «نحنُ خُطَّابٌ».
ومَحلُّ كَراهةِ الاستِفغالِ إنْ كانَ يَعلمُ أنهُ لو سأَلَها في النَّظرِ تُجيبُه إنْ كانَتْ غيرَ مُجبَرةٍ، أو إذا سأَلَ وَليَّها يُجيبُه لذلكَ إذا كانَتْ مُجبَرةً، أو جَهِلَ الحالَ، وأمَّا إذا عَلِمَ عدمَ الإجابةِ حَرُمَ النَّظرُ إنْ خَشيَ فِتنةً، وإلَّا كُرِهَ وإنْ كانَ نظَرُ وَجهِ الأجنَبيةِ وكَفَّيها جائِزًا؛ لأنَّ نظَرَهما في مَعرضِ النكاحِ مَظنةُ قَصدِ اللذَّةِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: مَنْ أرادَ نكاحَ امرأةٍ فلهُ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها، خِلافًا لمَن منَعَ ذلكَ جُملةً، ولِمَن أباحَه إلى جَميعِ جَماعةِ البدَنِ سِوى السَّوأتَينِ، ولأبي حَنيفةَ في إباحة ظَهرِ القدَمَينِ؛ لقولِه ﷺ : «إذا أرادَ أحَدُكم أنْ يَتزوَّجَ المرأةَ فلْيَنظرْ إلى وَجهِها
стр. 8456
وكَفَّيها» (١)، فخَصَّ ذلكَ دُونَ غيرِه، فسقَطَ كلُّ مَذهبٍ يُخالِفُه (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀: قالَ الجُمهورُ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ الخاطِبُ إلى المَخطوبةِ، قالُوا: ولا يَنظرُ إلى غيرِ وَجهِها وكَفَّيها، وقالَ الأوزاعيُّ: يَجتهدُ ويَنظرُ إلى ما يُريدُ مِنها إلَّا العَورةَ، وقالَ ابنُ حَزمٍ: يَنظرُ إلى ما أقبَلَ منها وما أدبَرَ منها، وعن أحمَدَ ثَلاثُ رِواياتٍ: الأُولى: كالجُمهورِ، والثَّانيةُ: يَنظرُ إلى ما يَظهرُ غالِبًا، والثَّالثةُ: يَنظرُ إليها مُتجردِّةً (٣).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنْ المَخطوبةِ إلى ما يَظهرُ مِنها غالِبًا كوَجهٍ ورَقبةٍ ويَدٍ وقَدمٍ، ويُكرِّرُ النَّظرَ ويتأمَّلُ المَحاسِنَ، ولو بلا إذنٍ إنْ أَمِنَ الشَّهوةَ مِنْ المَرأةِ؛ لأنهُ ﷺ لمَّا أَذِنَ في النَّظرِ إليها مِنْ غيرِ عِلْمِها عُلِمَ أنهُ أَذِنَ في النَّظرِ إلى جَميعِ ما يَظهرُ غالِبًا؛ إذْ لا يُمكِنُ إفرادُ الوَجهِ بالنَّظرِ مع مُشارَكةِ غيرِه في الظُّهورِ، ولأنهُ يَظهرُ غالِبًا
стр. 8457
أشبَهَ الوَجهَ، فإنْ لم يَتيسَّرْ له النَّظرُ أو كَرهَه بعَثَ إليها امرأةً ثِقةً تَتأمَّلُها ثمَّ تَصِفُها لهُ؛ ليَكونَ على بَصيرةٍ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في إباحةِ النَّظرِ إلى وَجهِها؛ وذلكَ لأنهُ ليسَ بعَورةٍ، وهو مَجمعُ المَحاسِنِ ومَوضعُ النَّظرِ، ولا يُباحُ له النَّظرُ إلى ما لا يَظهرُ عادةً.
وحُكيَ عن الأوزاعيِّ أنه يَنظرُ إلى مَواضعِ اللَّحمِ، وعن داوُدَ أنهُ يَنظرُ إلى جَميعِها؛ لظاهِرِ قَولِه ﵇: «انظُرْ إليها».
ولنَا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنهُ قالَ: «الوَجهُ وباطِنُ الكَفِّ»، ولأنَّ النَّظرَ مُحرَّمٌ أُبيحَ للحاجَةِ، فيَختصُّ بما تَدعُو الحاجَةُ إليهِ، وهوَ ما ذكَرْنا، والحَديثُ مُطلَقٌ، ومَن يَنظرُ إلى وَجهِ إنسانٍ سُمِّيَ ناظِرًا إليهِ، ومَن رآهُ وعَليهِ أثوابُه سُمِّيَ رائِيًا لهُ، كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٦].
فأمَّا ما يَظهرُ غالِبًا سِوَى الوَجهِ كالكفَّينِ والقدَمَينِ ونحوِ ذلكَ ممَّا تُظهِرُه المرأةُ في مَنزلِها ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: لا يُباحُ النَّظرُ إليهِ؛ لأنهُ عَورةٌ، فلمْ يُبَحِ النَّظرُ إليهِ كالذي
стр. 8458
لا يَظهرُ، فإنَّ عبدَ اللهِ رَوى أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «المرأةُ عَورةٌ» حَديثٌ حسَنٌ، ولأنَّ الحاجَةَ تَندفعُ بالنَّظرِ إلى الوَجهِ، فبَقيَ ما عدَاهُ على التَّحريمِ.
والثانيةُ: له النَّظرُ إلى ذلكَ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ حَنبلٍ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ إليها وإلى ما يَدعُوه إلى نِكاحِها مِنْ يَدٍ أو جِسمٍ ونحوِ ذلكَ.
قالَ أبو بَكرٍ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ إليها عِنْدَ الخِطبةِ حاسِرةً، وقالَ الشَّافعيُّ: يَنظرُ إلى الوَجهِ والكفَّينِ.
ووَجهُ جَوازِ النَّظرِ إلى ما يَظهرُ غالِبًا أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أَذِنَ في النَّظرِ إليها مِنْ غيرِ عِلمِها عُلِمَ أنهُ أَذِنَ في النَّظرِ إلى جَميعِ ما يَظهرُ عادَةً؛ إذْ لا يُمكِنُ إفرادُ الوجهِ بالنظرِ مع مُشارَكةِ غيرِه له في الظُّهورِ، ولأنهُ يَظهرُ غالبًا فأبيحَ النَّظرُ إليه كالوَجهِ، ولأنها امرأةٌ أُبيحَ له النَّظرُ إليها بأمرِ الشَّارعِ، فأبيحَ النَّظرُ منها إلى ذلكَ كَذَواتِ المَحارِمِ.
وقد رَوى سَعيدٌ عن سُفيانَ عن عَمرِو بنِ دينارٍ عن أبي جَعفرٍ قالَ: «خطَبَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ابنةَ عليٍّ، فذكَرَ مِنها صِغَرًا، فقالُوا له: إنَّما ردَّكَ، فعاوَدَه فقالَ: نُرسِلُ بها إليكَ تَنظرُ إليها، فرَضِيَها، فكشَفَ عن ساقَيها فقالَتْ: أرسِلْ، لَولا أنَّكَ أميرُ المُؤمنينَ لَلَطمْتُ الذي في عَينكَ» (١).
стр. 8459
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا النَّظرُ إلى المَرأةِ عندَ الخِطبةِ فأجازَ ذلكَ مالكٌ إلى الوَجهِ والكفَّينِ فقَطْ، وأجازَ ذلكَ غيرُه إلى جَميعِ البدَنِ عَدا السَّوأتَينِ، ومنَعَ ذلك قَومٌ على الإطلاقِ، وأجازَ أبو حَنيفةَ النَّظرَ إلى القدَمَينِ مع الوجهِ والكفَّينِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم أنهُ ورَدَ الأمرُ بالنَّظرِ إليهنَّ مُطلَقًا، وورَدَ بالمَنعِ مُطلَقًا، وورَدَ مُقيَّدًا، أعنِي بالوَجهِ والكفَّينِ على ما قالَه كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] إنهُ الوَجهُ والكَفَّانِ، وقياسًا على جَوازِ كَشفِهما في الحَجِّ عندَ الأكثَرِ (١).
هل يُشتَرطُ إذنُ المَخطوبةِ للنَّظرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ المَخطوبةِ، هل يَجوزُ النَّظرُ إليها بغيرِ عِلمِها أو عِلمِ وَليِّها إذا كانَتْ مُجبَرةً؟ أم لا بُدَّ مِنْ إذنِها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءُ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنهُ يَجوزُ النَّظرُ إليها بغيرِ عِلمِها؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إذا خطَبَ أحَدُكم امرأةً فلا جُناحَ عليه أنْ يَنظرَ إليها إذا كانَ إنَّما يَنظرُ إليها لخِطبتِه وإنْ كانَتْ لا تَعلمُ» (٢).
стр. 8460
وعَن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا خطَبَ أحَدُكم المَرأةَ فإنِ استَطاعَ أنْ يَنظُرَ إلى ما يَدعوهُ إلى نِكاحِها فلْيَفعلْ، قالَ: فخطَبْتُ جارِيةً فكُنتُ أتَخَبَّأُ لها حتَّى رأيْتُ منها ما دَعاني إلى نِكاحِها وتزوُّجِها، فتزَوَّجتُها» (١)، واكتِفاءً بإذنِ الشَّارعِ، ولأنه إنْ كانَ النَّظرُ مُباحًا لم يَفتقرْ إلى إذنٍ، وإنْ كانَ مَحظورًا لم يُستَبحْ بالإذنِ.
ولأنها إذا عَلِمَتْ رُبَّما تَصنَّعتْ وتَجمَّلتْ بما ليسَ فيها، ففيهِ نَوعُ غرورٍ (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا بأسَ بالنَّظرِ إليها بإذنها وغَيرِ إذنِها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَنا بالنَّظرِ وأطلَقَ، وفي حديثِ جابرٍ: «فكُنتُ أتخَبَّأُ لها»، وفي حَديثٍ عنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنه استَأذنَ أبَوَيها في النَّظرِ إليها فكَرِهاهُ، فأَذِنتْ له المرأةُ» رواهُ سَعيدٌ.
ولا يَجوزُ له الخَلوةُ بها؛ لأنها مُحرَّمةٌ، ولم يَرِدِ الشَّرعُ بغيرِ النَّظرِ، فبَقيَتْ على التَّحريمِ، ولأنهُ لا يُؤمَنُ معَ الخَلوةِ مُواقَعةُ المَحظورِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَخلوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ، فإنَّ ثالثَهُما الشَّيطانُ»، ولا يَنظرُ إليها نظَرَ تَلذُّذٍ وشَهوةٍ، ولا لرِيبةٍ.
стр. 8461
قالَ أحمَدُ في رِوايةِ صالِحٍ: يَنظرُ إلى الوَجهِ، ولا يَكونُ عن طَريقِ لذَّةٍ، وله أنْ يُردِّدَ النظرَ إليها ويَتأمَّلَ مَحاسِنَها؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ إلَّا بذلكَ (١).
ونَصَّ الحَنابلةُ أيضًا على أنَّ عدَمَ إذنِها أَولى (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ثمَّ مَذهبُنا ومَذهبُ مالكٍ وأحمدَ والجُمهورِ أنهُ لا يُشتَرطُ في جَوازِ هذا النَّظرِ رِضاها، بل له ذلك في غَفلتِها ومِن غيرِ تَقدُّمِ إعلامٍ، لكنْ قالَ مالكٌ: أكرَهُ نَظرةً في غَفلتِها مَخافَةً مِنْ وُقوعِ نَظرةٍ على عَورةٍ، وعن مالِكٍ رِوايةٌ ضَعيفةٌ أنه لا يَنظرُ إليها إلَّا بإذنِها، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قد أَذِنَ في ذلكَ مُطلَقًا ولم يَشتَرطِ استِئذانَها، ولأنها تَستحِي غالبًا مِنْ الإذنِ، ولأنَّ في ذلكَ تَغريرًا، فرُبَّما رَآها فلمْ تُعجِبْه، فيَتركُها فتَنكسرُ وتَتأذَّى، ولهذا قالَ أصحابُنا: يُستحَبُّ أنْ يكونَ نظَرُه إليها قبلَ الخِطبةِ، حتَّى إنْ كَرهَها ترَكَها مِنْ غيرِ إيذاءٍ، بخِلافِ ما إذا ترَكَها بعدَ الخِطبةِ، واللهُ أعلَمُ.
قالَ أصحابُنا: وإذا لم يُمكِنْه النَّظرُ استُحبَّ له أنْ يَبعثَ امرأةً يَثقُ بها تَنظرُ إليها وتُخبِرُه، ويكونُ ذلكَ قبلَ الخِطبةِ؛ لِمَا ذكَرْناهُ (٣).
стр. 8462
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وقالَ الجُمهورُ أيضًا: يَجوزُ أنْ يَنظرَ إليها إذا أرادَ ذلكَ بغيرِ إذنها، وعن مالكٍ رِوايةٌ: يُشترطُ إذنُها، ونقَلَ الطَّحَاويُّ عن قَومٍ أنه لا يَجوزُ النَّظرُ إلى المَخطوبةِ قبلَ العَقدِ بحالٍ؛ لأنها حِينئذٍ أجنَبيةٌ، ورُدَّ عليهم بالأحادِيثِ المَذكورةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ النَّظرَ يكونُ بعِلمٍ مِنها أو مِنْ وَليِّها، ويُكرهُ استِغفالُها؛ لئلَّا يَتطرَّقَ أهلُ الفسادِ لنَظرِ مَحارمِ النَّاسِ ويَقولونَ: «نحنُ خُطَّابٌ».
ومَحلُّ كَراهةِ الاستِفغالِ إنْ كانَ يَعلمُ أنهُ لو سأَلَها في النَّظرِ تُجيبُه إنْ كانَتْ غيرَ مُجبَرةٍ، أو إذا سأَلَ وَليَّها يُجيبُه لذلكَ إذا كانَتْ مُجبَرةً، أو جَهِلَ الحالَ، وأمَّا إذا عَلِمَ عدمَ الإجابةِ حَرُمَ النَّظرُ إنْ خَشيَ فِتنةً، وإلَّا كُرِهَ وإنْ كانَ نظَرُ وَجهِ الأجنَبيةِ وكَفَّيها جائِزًا؛ لأنَّ نظَرَهما في مَعرضِ النكاحِ مَظنةُ قَصدِ اللذَّةِ (٢).
стр. 8463
حُكمُ نَظرِ المَرأةِ إلى الخاطِبِ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ المرأةَ مِثلُ الرَّجلِ، فيَجوزُ لها أنَّ تَنظرَ إلى الرَّجلِ؛ لأنه يُعجبُها منه ما يُعجبُه مِنها.
قالَ الحَنفيةُ: يَحلُّ لها أنْ تَنظرَ للخاطِبِ مع خَوفِ الشَّهوةِ؛ للاشتِراكِ في العلِّةِ المَذكورةِ في الحَديثِ، قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: بل هي أَولى منهُ في ذلكَ؛ لأنهُ يُمكِنُه مُفارَقةُ مَنْ لا يَرضاها، بخِلافِها (١).
وقالَ المالِكيةُ: مِثلُ الرَّجلِ المَرأةُ، يُندَبُ لها أنْ تَنظرَ منهُ الوَجهَ والكفَّينِ، وإنما اقتُصرَ في الرُّؤيةِ على الوَجهِ والكفَّينِ؛ لأنه يُستَدلُّ بالوجهِ على الجَمالِ وعَدمِه، وبالكفَّينِ على خِصبِ وصَلابةِ البَدنِ وطَراوتِه، فلا حاجَةَ لِما وَراءَ ذلكَ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَجوزُ للمَرأةِ إذا أرادَتْ أنْ تَتزوَّجَ برَجلٍ أنْ تَنظرَ إليه؛ لأنهُ يُعجبُها منهُ ما يُعجبُه منها، ولهذا قالَ عُمرُ ﵁: «لا تُزوِّجُوا بَناتِكُم مِنْ الرَّجلِ الدَّميمِ؛ فإنهُ يُعجِبُهنَّ منهُم ما يُعجبُهمْ مِنهنَّ» (٣).
стр. 8464
وقالَ الحنابلةُ: وتَنظرُ المَرأةُ إلى الرَّجلِ إذا عزَمَتْ على نكاحِه؛ لأنه يُعجبُها منهُ ما يُعجبُه منها، والمَذهبُ أنها تَنظرُ إلى ما عَدا ما بينَ سُرَّتِه ورُكبتِه.
قالَ ابنُ الجَوزيِّ في كِتابِ «النِّسَاء»: ويُستحبُّ لمَن أرادَ أنْ يُزوِّجَ ابنتَه أنْ يَنظرَ لها شابًّا مُستحسَنَ الصُّورةِ، ولا يُزوِّجُها دَميمًا، وهوَ القَبيحُ (١).
هلْ يُشترطُ في النَّظرِ إلى المَخطوبةِ أمْنُ الفِتنةِ والشَّهوةِ أم لا؟
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ على أنه لا يُشتَرطُ في النَّظرِ إلى المَخطوبةِ أمنُ الفِتنةِ أو الشَّهوةِ أو ثَورانِها.
قالَ الحَنفيةُ: ولو أرادَ أنْ يَتزوجَ امرأةً فلا بأس بأنْ يَنظرَ إليهَا وإنْ خافَ أنْ يَشتهيَها؛ لقَولِه ﷺ للمُغيرةِ بنِ شُعبةَ حينَ خطَبَ امرأةً: «انظُرْ إليها، فإنَّه أحرَى أنْ يُؤدَمَ بَينكُما»، ولأنَّ مَقصودَه إقامةُ السُّنةِ لا قَضاءُ الشَّهوةِ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يُباحُ النَّظرُ إليها وإنْ خافَ الفِتنةَ لغَرضِ التزوُّجِ (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يُندَبُ للخاطِبِ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها إذا لم يَقصدْ لذَّةً، وإلَّا حَرُمَ (٤).
стр. 8465
وأمَّا الحَنابلةُ فقالُوا: يَنظرُ إليها إنْ أَمِنَ الشَّهوةَ -أي ثَورانَها- مِنْ غيرِ خَلوةٍ، وإلَّا فلا (١).
حُكمُ تَكرارِ النَّظرِ للمَخطوبةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنهُ يَجوزُ له تَكرارُ النَّظرِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إذا ألقَى اللهُ في قَلبِ امرِئٍ خِطبةَ امرَأةٍ فلا بأسَ أنْ يَنظُرَ إليها» (٢)، ولا يُمكِنُه تأمُّلُ ذلكَ إلَّا بأنْ يُكرِّرَ النَّظرَ إليها (٣).
قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ النَّظرُ إلى المَخطوبةِ، لكنْ لو اكتَفَى بالنَّظرِ إليها بمرَّةٍ حَرُمَ الزَّائدُ؛ لأنه أُبيحَ للضَّرورةِ، فيَتقيَّدُ بها.
وإذا لم يُمكِنْه النَّظرُ يَجوزُ إرسالُ نحوِ امرأةٍ تَصفُ له حالَها بطَريقِ الأَولى ولو غيرَ الوَجهِ والكفَّينِ (٤).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ أرادَ أنْ يَخطبَ امرأةً فله أنْ يُكرِّرَ النَّظرَ إليها إنِ احتَاجَ إليه؛ ليَتبيَّنَ هَيئتَها فلا يَندمَ بعدَ النِّكاحِ؛ إذْ لا يَحصلُ الغَرضُ غالبًا بأولِ نَظرةٍ، وهل يَتقيَّدُ بثَلاثٍ لأنَّ بها تَندفعُ الحاجةُ؟ أم بحَسبِ
стр. 8466
الحاجةِ؟ قَولانِ في المَذهبِ، ومِن ثَمَّ لو اكتَفَى بنَظرةٍ حَرُمَ ما زادَ عليها؛ لأنه نَظرٌ أُبيحَ لضَرورةٍ، فلْيَتقيَّدْ بها، وسَواءٌ في ذلكَ أخافَ الفِتنةَ أم لا.
وإذا لم تُعجِبْه سكَتَ ولا يَقولُ: «لا أُريدُها»، ولا يَترتَّبُ على سُكوتِه مَنعُ خِطبتَها؛ لأنَّ السُّكوتَ إذا طالَ وأشعَرَ بالإعراضِ جازَتْ، وضَررُ الطُّولِ دُونَ ضررِ «لا أُريدُها» فاحتُملَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يُباحُ لِمَنْ أرادَ خِطبةَ امرأةٍ وغلَبَ على ظَنِّه إجابتُه أنْ يَنظرَ إلى ما يَظهرُ غالِبًا كوَجهٍ ورَقبةٍ ويَدٍ وقَدمٍ، ولهُ أنْ يُكرِّرَ النَّظرَ مِرارًا، ويَتأمَّلُ مَحاسِنَها بلا خَلوةٍ؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ إلَّا بذلكَ إنْ أَمِنَ ثَوَرانَ الشَّهوةِ، ولا يَحتاجُ إلى إذنها في ذلكَ، بل عَدمُ إذنِها أَولى (٢).
حُكمُ تزيُّنِ المرأةِ الخَليَّةِ وتَعرُّضِها للخُطَّابِ:
أجازَ فُقهاءُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ للمرأةِ الخَليَّةِ عن زَوجٍ أنْ تَتحلَّى وتَتزيَّنَ للخُطَّابِ؛ لِمَا رواهُ مسلمٌ عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ أنَّ أباهُ كتَبَ إلى عُمرَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الأرقَمِ الزُّهريِّ يَأمرُه أنْ يَدخلَ على سُبيعةَ بنتِ الحارِثِ الأسلَميةِ فيَسألَها عن حَديثِها وعمَّا قالَ لها رسولُ اللهِ ﷺ حينَ استَفتَتْه، فكتَبَ عمرُ بنُ عبدِ اللهِ إلى عبدِ اللهِ
стр. 8467
بنِ عُتبةَ يُخبرُه أنَّ سُبيعةَ أخبَرَتْه أنها كانَتْ تحتَ سَعدِ بنِ خَولةَ وهو في بَني عامرِ بنِ لُؤيٍّ وكانَ ممَّنْ شَهدَ بَدرًا، فتُوفِّيَ عنها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ، فلم تَنشَبْ أنْ وضَعَتْ حمْلَها بعدَ وَفاتِه، فلمَّا تعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها تجَمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بَعْكَكٍ -رَجلٌ مِنْ بَنِي عبدِ الدَّارِ- فقالَ لها: مالي أَراكِ مُتجمِّلةً؟! لعَلَّكِ تَرجينَ النكاحَ، إنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكِحٍ حتَّى تَمُرَّ عليكِ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ، قالتْ سُبيعةُ: فلمَّا قالَ لي ذلكَ جمَعْتُ عَليَّ ثيابي حينَ أمسَيْتُ، فأتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فسَألتُه عن ذلكَ، فأفتَانِي بأني قد حَلَلْتُ حينَ وضَعْتُ حَمْلِي، وأمَرَني بالتزوُّجِ إنْ بَدَا لي» (١).
قالَ الحَنفيةُ: وتَحليةُ البَناتِ بالحُليِّ والحُلَلِ لِيرغَبَ فيهنَّ الرِّجالُ سنَّةٌ (٢).
أمَّا المالِكيةُ فقالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ القَطَّانِ: ولها أنْ تَتزيَّنَ للناظرِينَ، بل لو قيلَ بأنه مَندوبٌ ما كانَ بَعيدًا، ولو قيلَ: «إنهُ يَجوزُ لها التعرُّضُ لِمَنْ يَخطبُها إذا سَلِمَتْ نيَّتُها في قَصدِ النِّكاحِ» لم يَبعُدْ. انتهى
قالَ الحطَّابُ: هل يُستحبُّ للمرأةِ نظَرُ الرَّجلِ؟ لم أَرَ فيه نَصًّا للمالِكيةِ، والظَّاهرُ استِحبابُه وِفاقًا للشَّافعيةِ قالُوا: يُستحَبُّ لها أيضًا أنْ تَنظرَ إلى وَجهِه وكَفَّيه.
стр. 8468
وقد قالَ ابنُ القَطَّانِ: إذا خطَبَ الرَّجلُ امرأةً هل يَجوزُ له أنْ يَقصدَها مُتعرِّضًا لها بمَحاسِنِه الَّتي لا يَجوزُ إبداؤُها إليها إذا لم تَكنْ مَخطوبةً، ويَتصنَّعَ بلبسِهِ وسِواكِه ومِكحلتِه وخِضابِه ومَشيِه ورُكبتِه؟ أم لا يَجوزُ له إلَّا ما كانَ جائِزًا لكلِّ امرأةٍ؟ هو مَوضعُ نَظرٍ، والظَّاهرُ جَوازُه، ولم يَتحقَّقْ في المَنعِ إجماعٌ.
أمَّا إذا لم يَكنْ خطَبَ ولكنَّه يَتعرَّضُ لنَفسِه ذلكَ التعرُّضَ للنِّساءِ فلا يَجوزُ؛ لأنه تعرُّضٌ للفِتنِ وتَعريضٌ لها، ولولا الظَّاهرُ ما أمكَنَ أنْ يُقالَ ذلكَ في المرأةِ الَّتي لم تُخطَبْ، على أنَّا لم نَجزِمْ فيه بالجَوازِ. انتهى مِنْ «مُختصَر أحكامِ النَّظرِ» للقَبَّابِ (١).
ويَرَى الحَنابلةُ أنه يَجوزُ الاختِضابُ للأيِّمِ؛ لِمَا ورَدَ عن جابرٍ مَرفوعًا: «يا مَعشَرَ النِّساءِ اختَضِبْنَ، فإنَّ المرأةَ تَختَضِبُ لزَوجِها، وإنَّ الأيِّمَ تَختضِبُ تَعرَّضُ للرِّزقِ مِنْ اللَّهِ » (٢). أي لِتُخطَبَ وتَتزوَّجَ (٣).
لمسُ المَخطوبةِ أو غيرِها مِنْ الأجنبيَّاتِ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلمينَ على أنه لا يَجوزُ لمسُ المَخطوبةِ؛ لأنها أجنَبيةٌ عنهُ، وإنْ أَمِنَ الشَّهوةَ في ذلكَ؛ لوُجوبِ الحُرمةِ وانعِدامِ
стр. 8469
الضَّرورةِ في ذلكَ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «لَأنْ يُطعَنَ في رَأسِ أحَدِكم بمِخيَطٍ مِنْ حَديدٍ خَيرٌ له مِنْ أنْ يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ لَهُ» (١).
قالَ الحَنفيةُ: ولا يَجوزُ للخاطِبِ أنْ يمَسَّ وَجهَها ولا كَفَّيها وإنْ أَمِنَ الشَّهوةَ؛ لوُجوبِ الحُرمةِ وانعِدامِ الضَّرورةِ والبَلوى، ولأنَّ المَسَّ أغلَظُ، فمُنِعَ بلا حاجَةٍ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَجوزُ مَسُّ المَخطوبةِ ولو لِأعمى، بخِلافِ النَّظرِ؛ إذ لا حاجَةَ إليهِ، والأعمَى يُرسِلُ مَنْ يَنظرُ له (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ ﵀: (الكَبيرةُ الثَّانيةُ والأربَعونَ والثَّالثةُ والأربَعونَ والرَّابعةُ والأربَعونَ بعدَ المِائتَينِ: نَظر الأجنَبيةِ بشَهوةٍ مع خَوفِ فِتنةٍ، ولَمسُها كذلكَ، وكَذا الخَلوةُ بها بأنْ لم يَكنْ معَهُما مَحرَمٌ لأحَدِهما يَحتشِمُه، ولوِ امرَأةً كذلكَ، ولا زَوجٍ لِتلكَ الأجنَبيةِ) أخرَجَ الشَّيخانِ وغيرُهما عن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «كُتِبَ على ابنِ آدمَ نَصيبُه مِنْ الزِّنا، مُدرِكُ ذلكَ لا مَحالَةَ، العَينانِ زِناهُما النَّظرُ، والأذُنانِ زِناهُما الاستِماعُ، واللِّسانُ زِناهُ الكَلامُ، واليَدُ زِناها البَطشُ، والرِّجلُ زِناها الخُطَا، والقَلبُ يَهوَى ويَتمنَّى، ويُصدِّقُ ذلكَ
стр. 8470
الفَرْجُ أو يُكذِّبُه»، وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «واليَدانِ تَزنِيانِ فزِناهُما البَطشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ فزِناهُما المَشيُ، والفَمُ يَزني فزِناهُ القُبَلُ»، وفي روايةٍ صَحيحةٍ: «العَينانِ تَزنِيانِ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ، والفَرْجُ يَزني»، والطَّبرانِيُّ بسَندٍ صَحيحٍ: «لَأن يُطعَنَ في رَأسِ أحَدِكم بمِخيَطٍ -أي بنَحوِ إبرَةٍ أو مِسلَّةٍ، وهوَ بكَسرِ أوَّلِه وفَتحِ ثالِثِه- مِنْ حَديدٍ خَيرٌ له مِنْ أنْ يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ لَهُ» (١).
إرسالُ مَنْ يَنظرُ إلى المَخطوبةِ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ للخاطِبِ أنْ يُرسِلَ امرأةً تَنظرُ إلى المَخطوبةِ إنْ لم يَستطِعِ النَّظرَ إليها.
قالَ الحَنفيةُ: إذا لم يُمكِنْه النَّظرُ يَجوزُ إرسالُ نحوِ امرأةٍ تَصفُ له حالَها بطَريقِ الأوَلى ولو غيرَ الوَجهِ والكفَّينِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: للخاطِبِ تَوكيلُ رَجلٍ أو امرأةٍ في النَّظرِ إلى المَخطوبةِ، فإذا وكَّلَهُما يُندَبُ لهُما النظرُ كما يُندبُ إلى مُوكِّلِهما وهو الخاطِبُ، فيَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِ ويَدِ المَخطوبةِ لا غير.
وأمَّا المَرأةُ فيَجوزُ لها أنْ تَنظرَ إلى ما عَدَا الوَجهِ والكفَّينِ، مِنْ حِيثُ إنها امرأةٌ لا مِنْ حَيثُ إنها وَكيلةٌ؛ إذِ الموكِّلِ لا يَجوزُ له نظَرُ الزائدِ على الوَجهِ والكفَّينِ.
стр. 8471
قالَ العدَويُّ ﵀: واستُظهِرَ جَوازُ فِعلِ المصريِّينَ مِنْ فَتحِ فَمِها ونَظرِ أسنانِها، لكنَّ ظاهِرَ قَولِهم: «يَنظرُ الوَجهَ للجَمالِ واليَدينِ لخِصبِ البدَنِ» يَردُّ ذلكَ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ لم يَتيسَّرْ للخاطِبِ نَظرُه إليها بعَثَ امرأةً أو نحوَها تَتأمَّلُها وتَصفُها له؛ لأنه ﷺ بعَثَ أمَّ سُليمٍ إلى امرأةٍ وقالَ: «انظُرِي عُرقوبَها (٢) وشُمِّي عَوارِضَها (٣)» (٤)، ويُؤخَذُ مِنْ الخبَرِ أنَّ للمَبعوثِ أنْ يَصفَ للباعِثِ زائِدًا على ما يَنظرُه، فيَستفيدُ بالبَعثِ ما يَستفيدُه بنَظرِه.
وهل يُقيَّدُ البَعثُ بعَدمِ التيسُّرِ؟ أم على إطلاقِه وإنْ تيسَّرَ؟
وهل له أنْ يَجمعَ بينَ النَّظرِ والبَعثِ لأنَّ في كلٍّ منهُما فَضيلةً ليسَتْ في الآخَرِ؟ أو لا لأنَّ أحَدَهما مُحصِّلٌ للغَرضِ؟ ومَحلُّ التردُّدِ حيثُ أتى بأحَدِهما ولم يَترتَّبْ عليه جَزمٌ بأحدِ الطَّرفينِ مِنْ الفعلِ والتَّركِ.
стр. 8472
وهل للمَرأةِ المُرسَلةِ أنْ تَصفَ له جَميعَ البدنِ؟ أم لا تَصفُ له مِنْ بَدنِها إلَّا ما يَجوزُ له النظرُ إليهِ؟ قَولانِ في المَذهبِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ لم يَتيسَّرْ له النظرُ إليها أو كَرهَه بعَثَ إليها امرأةً ثِقةً تتأمَّلُها ثمَّ تَصفُها له؛ ليَكونَ على بَصيرةٍ (٢).
ثانيًا: حُكمُ النَّظرِ إلى الأجنَبيةِ:
لا يَخلو نَظرُ الرَّجلِ الأجنَبيِّ إلى المرأةِ الأجنَبيةِ مِنْ أحَدِ أمرَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ لسَببٍ أو لغيرِ سَببٍ، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ تكونَ شابِّةً تُشتهَى أو عَجوزًا.
الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ النَّظرُ لأجنَبيةٍ شَابَّةٍ تُشتهَى لغيرِ سَببٍ:
الناظِرُ للمرأةِ الأجنَبيةِ الشابَّةِ لغيرِ سَببٍ إمَّا أنْ يأمَنَ على نَفسِه الشَّهوةِ أو لا يأمَنُ.
أولًا: أنْ يأمَنَ على نَفسِه الفِتنةَ والشَّهوةَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ هل يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إلى المَرأةِ الأجنَبيةِ وإنْ أَمِنَ على نَفسهِ الشَّهوةَ أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في مُقابِلِ الصَّحيحِ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَجوزُ مع الكَراهةِ أنْ يَنظرَ إلى الوجهِ والكفَّينِ مِنْ المرأةِ
стр. 8473
الأجنَبيةِ إذا أَمِنَ على نَفسِه الفِتنةَ وأَمِنَ مِنْ الشَّهوةِ، ولا يأثَمُ بالنَّظرِ لغَيرِ شَهوةٍ، ويَبقَى على عَدالتِه، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وفسَّرَ ذلكَ عَليٌ وابنُ عبَّاسٍ ﵄ بالكُحلِ والخَاتمِ، والمُرادُ مَوضِعُهما، أي الوَجهُ والكَّفُ، ولأنَّ في إبداءِ الوجهِ والكَفِّ ضَرورةً.
وعن عائِشةَ ﵂ «أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بَكرٍ دخَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ وعليها ثِيابٌ رِقَاقٌ، فأعرَضَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: يا أسماءُ إنَّ المرأةَ إذا بلَغَتِ المَحيضَ لمْ تَصلُحْ أنْ يُرَى منها إلَّا هذا وهذا، وأشارَ إلى وَجهِه وكَفَّيْهِ» (١)، ولأنه ليسَ بعَورةٍ، فلمْ يَحرمِ النَّظرُ إليهِ بغَيرِ رِيبةٍ كوجهِ الرَّجلِ.
وروَى عَليٌّ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أردَفَ الفَضلَ بنَ العبَّاسِ خَلْفَه في حجَّةِ الوَداعِ، فأتَتِ امرأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ إلى النبيِّ ﷺ تَستَفتيهِ، فجعَلَ الفَضلُ يَنظرُ إليها وتَنظرُ إليهِ، فلَوَى النبيُّ ﷺ عُنُقَ الفَضلِ، فقالَ العبَّاسُ ﵁: لَوَيْتَ عُنقَ ابنِ عمِّكَ، فقالَ ﷺ : رأيتُ شَابًّا وشابَّةً فلمْ آمَنِ الشَّيطانَ عليهِما» (٢)، وفي هذا دَليلٌ على جَوازِ النَّظرِ عندَ أَمنِ الفِتنةِ مِنْ حَيثُ أنه لم يأمُرْها النبيُّ ﷺ بتَغطيةِ وَجهِها، ولو لم
стр. 8474
يَفهمِ العبَّاسُ أنَّ النَّظرَ جائزٌ ما سَألَ، ولو لم يَكنْ ما فَهِمَه جائِزًا لَمَا أقَرَّه عليهِ.
قالَ المالِكيةُ: الوَجهُ والكفَّانِ ظاهِرُهما وباطِنُهما ليسَا بعَورةٍ، فيَجوزُ النَّظرُ لهُما بلا لذَّةٍ ولا خَشيةِ فِتنةٍ مِنْ غيرِ عُذرٍ ولو شَابةً، وقالَ مالِكٌ: تأكُلُ المرأةُ معَ غيرِ ذِي مَحرِمٍ ومعَ غُلامِها، وقد تَأكلُ مع زَوجِها وغيرِه ممَّنْ يُؤاكِلُه، ابن القطان: فيهِ إباحةُ إبداءِ المرأةِ وجْهَها ويَدَيها للأجنَبيِّ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ الأكلُ إلَّا هَكذا (١).
وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: مَفهومُ كَلامِ المُصنِّفِ يَقتضِي أنَّ رُؤيةَ وَجهِ الشَّابةِ لغيرِ عُذرٍ فيهِ الحَرجُ -أي الإثمُ-، وظاهِرُه: ولو لغيرِ قَصدِ اللَّذةِ، وهو أحَدُ قَولينِ؛ لأنَّ نظَرَ وجهِ الشابَّةِ مَظنةٌ للالتِذاذِ، والقَولُ الآخَرُ: لا حرَجَ عندَ عدمِ قَصدِ الالتِذاذِ؛ لأنَّ القَلشانِيَّ نقَلَ عنِ ابنِ مُحرزٍ أنَّ النَّظرَ إلى وجهِ الأجنَبيةِ مَكشوفًا بغيرِ لذةٍ جائِزٌ، وقالَ القَرافِيُّ في تَرجمةِ عيسَى الغُبْرينيِّ عنِ ابنِ ناجِي عندَ قَولِ «المُدوَّنة»: (وجائزٌ أنْ يَنظرَ إلى شَعرِ المرأةِ ووَجهِها) أنَّ القَولَ بالمَنعِ أنكَرَه الحُفَّاظُ مِنْ أهلِ عَصرِه، وأفهَمَ تَمثيلُ المُصنِّفُ العُذرَ بالشاهِدِ والطَّبيبِ أنَّ التَّعليمَ ليسَ مِنْ العُذرِ، فلا يَجوزُ النَّظرُ إلى وَجهِ الشَّابةِ عندَ تَعليمِ عِلمٍ أو قُرآنٍ، وظاهِرُه: ولو عَرَا عن قَصدِ اللَّذةِ، ولعَلَّ وجْهَه: لأنَّ مُداوَمةَ النَّظرِ يَنشأُ عنها الالتِذاذُ غالبًا،
стр. 8475
بخِلافِ النَّظرِ إلى وَجهِ الذَّكرِ فيَجوزُ، ويَنبغِي تَقييدُه بما إذا لم يَخْشَ المُعلِّمُ بإدامَةِ النَّظرِ إليه الافتِتانَ به، وإلَّا حَرُمَ النَّظرُ إليه مِنْ غيرِ خِلافٍ.
واعلَمْ أنَّ المرأةَ إذا كانَ يُخشَى مِنْ رُؤيتِها الفِتنةُ وجَبَ عليها ستْرُ جَميعِ جَسدِها، حتَّى وجْهِها وكَفَّيها، وأمَّا إنْ لم يُخْشَ مِنْ رُؤيتِها ذلكَ فإنما يَجبُ عليها ستْرُ ما عدَا وَجهِها وكَفَّيها، ولِمَا قالَه القاضي عِياضٌ وغيرُه مِنْ أنه لا يَجبُ على المرأةِ ستْرُ وَجهِها وكَفَّيها وإنَّما يُستحبُّ لها ذلكَ، وعلى الرَّجل غَضُّ بَصرِه عنِ النَّظرِ إليها بشَهوةٍ، هذا مُلخَّصُ كَلامِهم.
وأقولُ: الَّذي يَقتضيهُ الشَّرعُ وُجوبِ سَتْرِها وجْهَها في هذا الزَّمانِ، لا لأنهُ عَورةٌ، وإنَّما ذلكَ لِمَا تُعُورِفَ عندَ أهلِ هذا الزمانِ الفاسدِ أنَّ كشْفَ المرأةِ وجْهَها يُؤدِّي إلى تَطرُّقِ الألسِنةِ إلى قَذفِها، وحِفظُ الأعراضِ واجِبٌ كحِفظِ الأدْيانِ والأنسابِ، وحرَّرَ المَسألةَ.
(وقد أُرخِصَ) أي سُومِحَ (في ذلكَ) أي في النَّظرِ إلى وَجهِ الشابَّةِ وكَفَّيها (للخاطِبِ) لنَفسِه إذا كانَ قصَدَ مُجرَّدَ عِلمِ صِفتِها فقط (١).
ولا يُباحُ له النَّظرُ إلى قَدمَيها عندَ الحَنفيةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ لا تَتحقَّقُ في كَشفِ القَدمِ؛ إذِ المرأةُ تَمشي في الجَوربَينِ والخُفَّينِ، فتَستغنِي عن إظهارِ القدَمَينِ، فلا يجوزُ النَّظرُ إليهما.