قالَ العدَويُّ ﵀: واستُظهِرَ جَوازُ فِعلِ المصريِّينَ مِنْ فَتحِ فَمِها ونَظرِ أسنانِها، لكنَّ ظاهِرَ قَولِهم: «يَنظرُ الوَجهَ للجَمالِ واليَدينِ لخِصبِ البدَنِ» يَردُّ ذلكَ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ لم يَتيسَّرْ للخاطِبِ نَظرُه إليها بعَثَ امرأةً أو نحوَها تَتأمَّلُها وتَصفُها له؛ لأنه ﷺ بعَثَ أمَّ سُليمٍ إلى امرأةٍ وقالَ: «انظُرِي عُرقوبَها (٢) وشُمِّي عَوارِضَها (٣)» (٤)، ويُؤخَذُ مِنْ الخبَرِ أنَّ للمَبعوثِ أنْ يَصفَ للباعِثِ زائِدًا على ما يَنظرُه، فيَستفيدُ بالبَعثِ ما يَستفيدُه بنَظرِه.
وهل يُقيَّدُ البَعثُ بعَدمِ التيسُّرِ؟ أم على إطلاقِه وإنْ تيسَّرَ؟
وهل له أنْ يَجمعَ بينَ النَّظرِ والبَعثِ لأنَّ في كلٍّ منهُما فَضيلةً ليسَتْ في الآخَرِ؟ أو لا لأنَّ أحَدَهما مُحصِّلٌ للغَرضِ؟ ومَحلُّ التردُّدِ حيثُ أتى بأحَدِهما ولم يَترتَّبْ عليه جَزمٌ بأحدِ الطَّرفينِ مِنْ الفعلِ والتَّركِ.
стр. 8472
وهل للمَرأةِ المُرسَلةِ أنْ تَصفَ له جَميعَ البدنِ؟ أم لا تَصفُ له مِنْ بَدنِها إلَّا ما يَجوزُ له النظرُ إليهِ؟ قَولانِ في المَذهبِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ لم يَتيسَّرْ له النظرُ إليها أو كَرهَه بعَثَ إليها امرأةً ثِقةً تتأمَّلُها ثمَّ تَصفُها له؛ ليَكونَ على بَصيرةٍ (٢).
ثانيًا: حُكمُ النَّظرِ إلى الأجنَبيةِ:
لا يَخلو نَظرُ الرَّجلِ الأجنَبيِّ إلى المرأةِ الأجنَبيةِ مِنْ أحَدِ أمرَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ لسَببٍ أو لغيرِ سَببٍ، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ تكونَ شابِّةً تُشتهَى أو عَجوزًا.
الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ النَّظرُ لأجنَبيةٍ شَابَّةٍ تُشتهَى لغيرِ سَببٍ:
الناظِرُ للمرأةِ الأجنَبيةِ الشابَّةِ لغيرِ سَببٍ إمَّا أنْ يأمَنَ على نَفسِه الشَّهوةِ أو لا يأمَنُ.
أولًا: أنْ يأمَنَ على نَفسِه الفِتنةَ والشَّهوةَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ هل يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إلى المَرأةِ الأجنَبيةِ وإنْ أَمِنَ على نَفسهِ الشَّهوةَ أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في مُقابِلِ الصَّحيحِ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَجوزُ مع الكَراهةِ أنْ يَنظرَ إلى الوجهِ والكفَّينِ مِنْ المرأةِ
стр. 8473
الأجنَبيةِ إذا أَمِنَ على نَفسِه الفِتنةَ وأَمِنَ مِنْ الشَّهوةِ، ولا يأثَمُ بالنَّظرِ لغَيرِ شَهوةٍ، ويَبقَى على عَدالتِه، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وفسَّرَ ذلكَ عَليٌ وابنُ عبَّاسٍ ﵄ بالكُحلِ والخَاتمِ، والمُرادُ مَوضِعُهما، أي الوَجهُ والكَّفُ، ولأنَّ في إبداءِ الوجهِ والكَفِّ ضَرورةً.
وعن عائِشةَ ﵂ «أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بَكرٍ دخَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ وعليها ثِيابٌ رِقَاقٌ، فأعرَضَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: يا أسماءُ إنَّ المرأةَ إذا بلَغَتِ المَحيضَ لمْ تَصلُحْ أنْ يُرَى منها إلَّا هذا وهذا، وأشارَ إلى وَجهِه وكَفَّيْهِ» (١)، ولأنه ليسَ بعَورةٍ، فلمْ يَحرمِ النَّظرُ إليهِ بغَيرِ رِيبةٍ كوجهِ الرَّجلِ.
وروَى عَليٌّ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أردَفَ الفَضلَ بنَ العبَّاسِ خَلْفَه في حجَّةِ الوَداعِ، فأتَتِ امرأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ إلى النبيِّ ﷺ تَستَفتيهِ، فجعَلَ الفَضلُ يَنظرُ إليها وتَنظرُ إليهِ، فلَوَى النبيُّ ﷺ عُنُقَ الفَضلِ، فقالَ العبَّاسُ ﵁: لَوَيْتَ عُنقَ ابنِ عمِّكَ، فقالَ ﷺ : رأيتُ شَابًّا وشابَّةً فلمْ آمَنِ الشَّيطانَ عليهِما» (٢)، وفي هذا دَليلٌ على جَوازِ النَّظرِ عندَ أَمنِ الفِتنةِ مِنْ حَيثُ أنه لم يأمُرْها النبيُّ ﷺ بتَغطيةِ وَجهِها، ولو لم
стр. 8474
يَفهمِ العبَّاسُ أنَّ النَّظرَ جائزٌ ما سَألَ، ولو لم يَكنْ ما فَهِمَه جائِزًا لَمَا أقَرَّه عليهِ.
قالَ المالِكيةُ: الوَجهُ والكفَّانِ ظاهِرُهما وباطِنُهما ليسَا بعَورةٍ، فيَجوزُ النَّظرُ لهُما بلا لذَّةٍ ولا خَشيةِ فِتنةٍ مِنْ غيرِ عُذرٍ ولو شَابةً، وقالَ مالِكٌ: تأكُلُ المرأةُ معَ غيرِ ذِي مَحرِمٍ ومعَ غُلامِها، وقد تَأكلُ مع زَوجِها وغيرِه ممَّنْ يُؤاكِلُه، ابن القطان: فيهِ إباحةُ إبداءِ المرأةِ وجْهَها ويَدَيها للأجنَبيِّ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ الأكلُ إلَّا هَكذا (١).
وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: مَفهومُ كَلامِ المُصنِّفِ يَقتضِي أنَّ رُؤيةَ وَجهِ الشَّابةِ لغيرِ عُذرٍ فيهِ الحَرجُ -أي الإثمُ-، وظاهِرُه: ولو لغيرِ قَصدِ اللَّذةِ، وهو أحَدُ قَولينِ؛ لأنَّ نظَرَ وجهِ الشابَّةِ مَظنةٌ للالتِذاذِ، والقَولُ الآخَرُ: لا حرَجَ عندَ عدمِ قَصدِ الالتِذاذِ؛ لأنَّ القَلشانِيَّ نقَلَ عنِ ابنِ مُحرزٍ أنَّ النَّظرَ إلى وجهِ الأجنَبيةِ مَكشوفًا بغيرِ لذةٍ جائِزٌ، وقالَ القَرافِيُّ في تَرجمةِ عيسَى الغُبْرينيِّ عنِ ابنِ ناجِي عندَ قَولِ «المُدوَّنة»: (وجائزٌ أنْ يَنظرَ إلى شَعرِ المرأةِ ووَجهِها) أنَّ القَولَ بالمَنعِ أنكَرَه الحُفَّاظُ مِنْ أهلِ عَصرِه، وأفهَمَ تَمثيلُ المُصنِّفُ العُذرَ بالشاهِدِ والطَّبيبِ أنَّ التَّعليمَ ليسَ مِنْ العُذرِ، فلا يَجوزُ النَّظرُ إلى وَجهِ الشَّابةِ عندَ تَعليمِ عِلمٍ أو قُرآنٍ، وظاهِرُه: ولو عَرَا عن قَصدِ اللَّذةِ، ولعَلَّ وجْهَه: لأنَّ مُداوَمةَ النَّظرِ يَنشأُ عنها الالتِذاذُ غالبًا،
стр. 8475
بخِلافِ النَّظرِ إلى وَجهِ الذَّكرِ فيَجوزُ، ويَنبغِي تَقييدُه بما إذا لم يَخْشَ المُعلِّمُ بإدامَةِ النَّظرِ إليه الافتِتانَ به، وإلَّا حَرُمَ النَّظرُ إليه مِنْ غيرِ خِلافٍ.
واعلَمْ أنَّ المرأةَ إذا كانَ يُخشَى مِنْ رُؤيتِها الفِتنةُ وجَبَ عليها ستْرُ جَميعِ جَسدِها، حتَّى وجْهِها وكَفَّيها، وأمَّا إنْ لم يُخْشَ مِنْ رُؤيتِها ذلكَ فإنما يَجبُ عليها ستْرُ ما عدَا وَجهِها وكَفَّيها، ولِمَا قالَه القاضي عِياضٌ وغيرُه مِنْ أنه لا يَجبُ على المرأةِ ستْرُ وَجهِها وكَفَّيها وإنَّما يُستحبُّ لها ذلكَ، وعلى الرَّجل غَضُّ بَصرِه عنِ النَّظرِ إليها بشَهوةٍ، هذا مُلخَّصُ كَلامِهم.
وأقولُ: الَّذي يَقتضيهُ الشَّرعُ وُجوبِ سَتْرِها وجْهَها في هذا الزَّمانِ، لا لأنهُ عَورةٌ، وإنَّما ذلكَ لِمَا تُعُورِفَ عندَ أهلِ هذا الزمانِ الفاسدِ أنَّ كشْفَ المرأةِ وجْهَها يُؤدِّي إلى تَطرُّقِ الألسِنةِ إلى قَذفِها، وحِفظُ الأعراضِ واجِبٌ كحِفظِ الأدْيانِ والأنسابِ، وحرَّرَ المَسألةَ.
(وقد أُرخِصَ) أي سُومِحَ (في ذلكَ) أي في النَّظرِ إلى وَجهِ الشابَّةِ وكَفَّيها (للخاطِبِ) لنَفسِه إذا كانَ قصَدَ مُجرَّدَ عِلمِ صِفتِها فقط (١).
ولا يُباحُ له النَّظرُ إلى قَدمَيها عندَ الحَنفيةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ لا تَتحقَّقُ في كَشفِ القَدمِ؛ إذِ المرأةُ تَمشي في الجَوربَينِ والخُفَّينِ، فتَستغنِي عن إظهارِ القدَمَينِ، فلا يجوزُ النَّظرُ إليهما.
стр. 8476
ولأنَّ إباحةَ النَّظرِ إلى وَجهِ الأجنبيةِ وكَفَّيها للحاجةِ إلى كَشفِها في الأخذِ والعَطاءِ، ولا حاجةَ إلى كَشفِ القدَمَينِ، فلا يُباحُ النظرُ إليهما.
وعن أبي حَنيفةَ أنه يُباحُ النَّظرُ إلى قدَمَيها؛ لأنَّ فيه بعضَ الضَّرورةِ؛ لأنَّ المرأةَ تَضطرُّ إلى المَشيِ فتَبدُو قَدمُها، فصارَ كالكَفِّ، ولأنَّ الوجهَ يُشتهَى والقدَمَ لا تُشتُهى، فإذا جازَ النَّظرُ إلى وَجهِها فقَدمُها أَولى.
وعن أبي يُوسفَ أنه يُباحُ النَّظرُ إلى ذِراعَيها أيضًا؛ لأنه قد يَبدُو مِنها عادةً، خُصوصًا إذا جَردَّتْ نفْسَها للخَبْزِ والطَّبخِ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ عِندَهم والحَنابلةُ في المَذهبِ والقُرطبيُّ مِنْ المالِكيةِ -وهو اختِيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَنظرَ إلى عَورةِ حُرَّةٍ كَبيرةٍ بلَغَتْ حَدَّ أنْ تُشتهَى، وكذا وَجهُها وكَفَّاها
стр. 8477
مِنْ كُلِّ يَدٍ عندَ خوفِ فِتنةٍ، وكذا عندَ الأمنِ مِنْ الفِتنةِ مِنْ غيرِ شَهوةٍ؛ لأنَّ النظرَ مَظنَّةٌ للفِتنةِ ومُحرِّكٌ للشَّهوةِ، قالَ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، واللَّائقُ بمَحاسِنِ الشَّريعةِ سَدُّ البابِ والإعراضُ عن تَفاصيلِ الأحوالِ، كالخَلوةِ بالأجنبيةِ.
ولقولِ النبيِّ ﷺ لعَليٍّ: «يا عليُّ لا تُتبِعْ النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّ لكَ الأُولى وليسَتْ لكَ الآخِرةُ» (١)، ومعنَى «لا تُتبِعْ النَّظرةَ النَّظرةَ» أي: لا تَجعلْ نَظرتَكَ إلى الأجنَبيةِ تابِعةً لنظرَتِكَ الأُولى الَّتي تقَعُ بَغتةً، وليسَتْ لكَ النَّظرةُ الآخِرةُ؛ لأنها تكونُ عن قَصدٍ واختِيارٍ فتأثَمُ بها أو تُعاقَبُ.
وعن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: «سَألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن نَظرِ الفُجاءةِ فأمَرَني أنْ أَصرِفَ بَصرِي» (٢)، فلمَّا كانَتِ النَّظرةُ الثانيةُ حِرامًا لأنها عنِ اختِيارٍ خُولِفَ بينَ حُكمِها وحُكمِ ما قبلَها إذا كانَتْ بغيرِ اختِيارٍ، دَلَّ ذلكَ على أنه ليسَ لأحدٍ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِ امرأةٍ إلَّا أنْ يكونَ بينَها وبينَه مِنْ النِّكاحِ أو الحُرمةِ.
ولأنَّ في إباحةِ النَّظرِ إلى المرأةِ إذا أرادَ تَزويجَها دَليلًا على التَّحريمِ عندَ عدمِ ذلكَ؛ إذ لو كانَ مُباحًا على الإطلاقِ فمَا وَجهُ التَّخصيصِ لهذهِ (٣).
стр. 8478
ثانيًا: أنْ لا يأمَنَ على نَفسِه الشَّهوةَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا يَجوزُ النَّظرُ مِنْ الرَّجلِ البالغِ إلى المرأةِ الأجنبيةِ لغيرِ سَببٍ إنْ خَشِيَ على نَفسِه فِتنةً تَدعو إلى الاختِلاءِ بها لجِماعٍ أو مُقدِّماتِه بالإجماعِ، وكذا لو نظَرَ إلى الوَجهِ والكفَّينِ بشَهوةٍ - وهو قَصدُ التلذُّذِ بالنَّظرِ المُجرَّدِ- وأَمِنَ الفِتنةَ حَرُمَ قَطعًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، ولأنه إذا حَرُمَ نَظرُ المرأةِ إلى عَورةِ مِثلِها فأَولى الرَّجلُ.
ولقَولِه ﷺ : «العَينانِ تَزنِيانِ»، وليسَ زِنَا العَينَينِ إلَّا النَّظرَ عن شَهوةٍ، ولأنَّ النَّظرَ عن شَهوةٍ سَببُ الوقوعِ في الحَرامِ، فيكونُ حَرامًا.
ورَوى عَليٌّ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أردَفَ الفَضلَ بنَ العبَّاسِ خَلْفَه في حجَّةِ الوَداعِ، فأتَتِ امرأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ إلى النبيِّ ﷺ تَستَفتيهِ،
стр. 8479
فجعَلَ الفَضلُ يَنظرُ إليها وتَنظرُ إليهِ، فلَوَى النبيُّ ﷺ عُنُقَ الفَضلِ، فقالَ العبَّاسُ ﵁: لَوَيْتَ عُنقَ ابنِ عمِّكَ، فقالَ ﷺ : رأيتُ شَابًّا وشابَّةً فلمْ آمَنِ الشَّيطانَ عليهِما» (١). ففي هذا تحريم النظر إلى الأجنبية (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على تَحريمِ النَّظرِ إلى الأجنَبيةِ وذَواتِ المَحارِمِ بشَهوةٍ (٣).
وجعَلَ ابنُ حَجرٍ الهيثَميُّ النَّظرَ للأجنَبيةِ بشَهوةٍ مِنْ الكَبائرِ، فقَالَ ﵀: (الكَبيرةُ الثَّانيةُ والأربَعونَ والثَّالثةُ والأربَعونَ والرَّابعةُ والأربَعونَ بعدَ المِائتَينِ: نَظر الأجنَبيةِ بشَهوةٍ مع خَوفِ فِتنةٍ، ولَمسُها كذلكَ، وكَذا الخَلوةُ بها بأنْ لم يَكنْ معَهُما مَحرَمٌ لأحَدِهما يَحتشِمُه، ولوِ امرَأةً كذلكَ، ولا زَوجٍ لِتلكَ الأجنَبيةِ) أخرَجَ الشَّيخانِ وغيرُهما عن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «كُتِبَ على ابنِ آدمَ نَصيبُه مِنْ الزِّنا، مُدرِكُ ذلكَ لا مَحالَةَ، العَينانِ زِناهُما النَّظرُ، والأذُنانِ زِناهُما الاستِماعُ، واللِّسانُ زِناهُ الكَلامُ، واليَدُ زِناها البَطشُ، والرِّجلُ زِناها الخُطَا، والقَلبُ يَهوَى ويَتمنَّى، ويُصدِّقُ ذلكَ الفَرْجُ أو يُكذِّبُه»، وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «واليَدانِ تَزنِيانِ فزِناهُما
стр. 8480
البَطشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ فزِناهُما المَشيُ، والفَمُ يَزني فزِناهُ القُبَلُ»، وفي روايةٍ صَحيحةٍ: «العَينانِ تَزنِيانِ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ، والفَرْجُ يَزني» (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ النَّظرُ لأجنَبيةٍ شابَّةٍ تُشتهَى لسَببٍ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنهُ يَجوزُ النَّظرُ إلى المرأةِ الشابَّةِ الأجنَبيةِ للحاجَةِ والضَّرورةِ إلى ما يَحرمُ النظرُ إليهِ.
قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ للقاضي إذا أرادَ أنْ يَحكمَ عليها وللشَّاهدِ إذا أرادَ أنْ يَشهدَ عليها أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وإنْ خافَ الشَّهوةَ؛ لأنهُ مُضطرٌّ إليه في إقامةِ الشَّهادةِ، أصلُه شُهودُ الزِّنا الَّذينَ لا بُدَّ مِنْ نظَرِهم إلى العَورةِ إذا أرادُوا إقامةَ الشَّهادةِ، ومَعلومٌ أنَّ النَّظرَ إلى الفرْجِ في الحُرمةِ فوقُ النَّظرِ إلى الوَجهِ، ومع ذلكَ سقَطَتْ حُرمتُه لِمَكانِ الضَّرورةِ، فهذا أَولى.
ولا يَحلُّ له أنْ يَمسَّ وجْهَها ولا كَفَّيها وإنْ كانَ يأمَنُ الشَّهوةَ؛ لقِيامِ المُحرِّمِ وانعِدامِ الضَّرورةِ، بخِلافِ النَّظرِ؛ لأنَّ فيهِ ضَرورةً، ولأنَّ اللَّمسَ أغلَظُ مِنْ النظرِ، ولأنَّ الشَّهوةَ فيهِ أكثَرُ، وهذا إذا كانَتْ شابَّةً تُشتهَى، أمَّا إذا كانَتْ عَجوزًا لا تُشتهَى لا بأسَ بمُصافحَتِها ومَسِّ يَدِها؛ لانعِدامِ خَوفِ الفِتنةِ.
وأمَّا النَّظرُ لتَحمُّلِ الشَّهادةِ إذا اشتَهَى قيلَ: مُباحٌ، كما في حالَةِ الأداءِ، والأصَحُّ أنه لا يُباحُ؛ لأنه يُوجَدُ مَنْ لا يَشتهِي يَشهدُ، فلا ضَرورةَ.
стр. 8481
ويَجوزُ للطَّبيبِ أنْ يَنظرَ إلى مَوضعِ المَرضِ منها عِنْدَ الدَّواءِ؛ لأنه مَوضعُ ضَرورةٍ، وإنْ كانَ في مَوضعِ الفَرْجِ فيَنبغِي أنْ يُعلِّمَ امرأةً تُداويها، فإنْ لم تُوجَدِ امرأةٌ تُداويها وخافوا عليها أنْ تَهلكَ أو يُصبيَها بَلاءٌ أو وَجعٌ لا يُحتمَلُ ستَرُوا منها كُلَّ شَيءٍ إلَّا المَوضعَ الَّذي فيه العِلةُ، ثمَّ يُداويها الرَّجلُ ويَغضُّ بصَرَه ما استَطاعَ إلَّا مِنْ مَوضعِ الجُرحِ، وكذلكَ نَظرُ القابِلةِ والختَّانِ على هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ النَّظرُ إلى الشابَّةِ لعُذرٍ مِنْ شَهادةٍ عليها إذا باعَتْ أو اشتَرَتْ أو تزوَّجَتْ، فيَجوزُ للشُّهودِ النَّظرُ إليها ليَتحقَّقُوا صِفاتِها ويَكتبُوها، أعني صِفاتِ الوَجهِ والسِّنِّ والقَدِّ، وهذا إذا كانوا لا يَعرفونَها، وأمَّا إنْ عَرفَوها فلا يَنظرُوا إليها، ويَكتفُوا بسِماعِ كَلامِها، وكذلكَ إنْ أخبَرَهم بها مُخبِرٌ فحصَلَ لهم العِلمُ بذلكَ.
وقالَ ابنُ شَعبانَ: يَنبغِي أنْ لا يَشهدَ لشابَّةٍ أو عليها إلَّا مَنْ يَبلغُ سِتِّينَ سَنةً مِنْ الشُّهودِ، ومِن الشَّهادةِ لها الشَّهادةُ على جُرحٍ فيها، وهل هو مَأمومةٌ أو جِائفةٌ أو غَيرُهما، وشبهُ الشَّهادةِ عليها نَظرُ الطَّبيبِ والجَرائحيِّ إذا كانَ في الوَجهِ أو في اليَدينِ والرِّجلينِ، وأمَّا في الفَرْجِ فلا يَجوزُ.
стр. 8482
واختُلفَ إذا كانَ في سائرِ الجَسدِ، فقِيلَ: يَضعُ عليهِ الثَّوبَ ويَنظرُ إليه، وقيلَ: لا يَنظرُ إليهِ إلَّا النِّساءُ.
قالَ النَّفراويُّ ﵀: أمَّا لو كانَ مَطلوبُ الطَّبيبِ في عَورتِها فإنه يَبقُرُ الثَّوبَ عن المَوضعِ المَألومِ ليَنظرَ إليه الطَّبيبُ، وظاهِرُه: ولو كانَ المَرضُ بفَرْجِها؛ للضَّرورةِ، ويَنبغِي أو يَتعيَّنُ أنَّ مَحلَّ ذلكَ إذا كانَ الطَّبيبُ لا يَتوصَّلُ إلى مَعرفةِ ذلكَ إلَّا برُؤيتِه بنَفسِه، وأمَّا لو كانَ الطَّبيبُ يَكتفِي برُؤيةِ النِّساءِ ويَصفْنَه له فلا أظَنُّ أحَدًا يقولُ بجَوازِ رؤيةِ الرَّجلِ لفَرْجِ المرأةِ.
وأمَّا لو كانَ المَشهودُ عليهِ مِنْ أنواعِ عُيوبِ الزَّوجةِ الَّتي يدَّعِيها الزَّوجُ؛ فإنْ كانَ في وَجهِها وكَفَّيها فيَشهدُ عليهِ الرِّجالُ، وأمَّا إنْ كانَ في نحوِ ظَهرِها أو بَطنِها أو غيرِ ذلك ممَّا هو خارجٌ عن فَرْجِها فلا يَشهدُ عليهِ إلَّا النِّساءُ، ولا تَحلُّ رُؤيةُ الرِّجالِ له ولو رَضيَتِ المَرأةُ، وأمَّا لو كانَ بفَرجِها فتُصدَّقُ المرأةُ في نَفيِه، إلَّا أنْ تُمكِّنَ النِّساءَ مِنْ رؤيةِ فَرْجِها فتُقبَلُ شَهادتُهنَّ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يجوزُ النَّظرُ والمَسُّ للحاجةِ إليهِما لفَصدٍ وحِجامةٍ وخِتانٍ وتَوليدٍ وعِلاجٍ ولو في فَرجٍ للحاجةِ المُلجِئةِ إلى ذلك؛ لأنَّ في التحريمِ حِينئذٍ حرَجًا، فللرَّجلِ مُداواةُ المرأةِ وعَكسُه، ولْيَكنْ ذلك بحَضرةِ مَحرمٍ أو زَوجٍ أو امرأةٍ ثِقةٍ.
стр. 8483
ويُشترطُ عَدمُ امرأةٍ يُمكِنُها تَعاطي ذلكَ مِنْ امرأةٍ وعَكسُه، وأنْ لا يكونَ ذِميًّا مع وُجودِ مُسلمٍ، وأنْ لا تكونَ كافِرةً أجنَبيةً مع وجودِ مُسلمةٍ على الأصَحِّ.
ولو لم نَجدْ لعِلاجِ المرأةِ إلَّا كافرةً ومُسلمًا فالظَّاهرُ كما قالَ الأذرَعيُّ أنَّ الكافِرةَ تُقدَّمُ؛ لأنَّ نظَرَها ومَسَّها أخَفُّ مِنْ الرَّجلِ.
ويُشترطُ في الطَّبيبِ أنْ يكونَ أمينًا، فلا يُعدَلُ إلى غيرِه مع وُجودِه، وأنْ يأمَنَ الافتِتانَ ولا يَكشفَ إلَّا قدْرَ الحاجةِ.
ويُعتبَرُ في النَّظرِ إلى الوَجهِ والكفَّينِ مُطلَقُ الحاجةِ، وفي غيرِهما ما عَدا السَّوأتينِ تأكُّدُها، بأنْ يكونَ ممَّا يُبيحُ التَّيممَ كشدَّةِ الضَّنى.
ويُعتبَرُ في النَّظرِ إلى السَّوأتَينِ مَزيدُ تأكُّدِها، بأنْ لا يُعَدَّ التكشُّفُ بسَببِها هَتكًا للمُروءةِ.
ويُباحُ النَّظرُ مِنْ الأجنَبيِّ للوَجهِ فقطْ لِمُعامَلةٍ مِنْ بَيعٍ وغيرِه، وشَهادةٍ تَحمُّلًا وأداءً، حتَّى يَجوزُ النَّظرُ إلى الفرْجِ للشَّهادةِ على الزِّنا والوِلادةِ، وإلى الثَّديِ للشَّهادةِ على الرَّضاعِ.
وإذا نظَرَ إليها وتَحمَّلَ الشهادةَ عليها كُلِّفَت الكَشفَ عن وَجهِها عندَ الأداءِ إنْ لم يَعرفْها في نِقابِها، فإنْ عرَفَها لم يَفتقرْ إلى الكَشفِ.
ويَجوزُ النَّظرُ إلى عانةِ ولَدِ الكافرِ ليَنظرَ هل أنبَتَ أم لا؟ ويَجوزُ للنِّسوةِ أنْ يَنظُرْنَ إلى ذكَرِ الرَّجلِ إذا ادَّعَتِ المرأةُ عَبالَتَه وامتنَعَتْ مِنْ التَّمكينِ.
стр. 8484
هذا كلُّه إذا لم يَخَفْ فِتنةً، فإنْ خافَها لم يَنظرْ، إلَّا إنْ تَعيَّنَ عليهِ فيَنظرُ ويَضبطُ نفْسَه.
ويُباحُ النَّظرُ للتعلِيمِ والتعلُّمِ، سواءٌ كانَ واجِبًا أو مَندوبًا، وكذا الصَّنائعُ المُحتاجُ إليها بشَرطِ فقْدِ جِنسٍ ومَحرَمٍ صالحِ وتَعذُّرِه مِنْ وراءِ حِجابٍ ووُجودِ مانعِ خَلوةٍ.
ويُباحُ له النَّظرُ في جَاريةٍ يُريدُ الرَّجلُ شِراءَها، أو عَبدٍ تُريدُ المرأةُ شِراءَه، وكالحاكِمِ يُحلِّفُ المرأةَ ويَحكمُ عليها.
وإنَّما يَنظرُ في جَميعِ ما تقدَّمَ بقَدرِ الحاجةِ؛ لأنَّ ما جازَ للضَّرورةِ يُقدَّرُ بقدَرِها، فيَنظرُ في المُعامَلةِ إلى الوَجهِ فقط، وفيما إذا اشتَرَى جارِيةً أو اشتَرَتْ عبدًا ما عدا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، ولا يُزادُ على النَّظرةِ الواحدةِ إلَّا أنْ يَحتاجَ إلى ثانِيةٍ للتحقُّقِ فيَجوزُ.
وكلُّ ما حَرُمَ نظَرُه مُتصِلًا حَرُمَ نظَرُه مُنفصِلًا، كشَعرِ عانَةٍ ولو مِنْ رَجلٍ وقُلامةِ ظُفرِ حُرَّةٍ ولو مِنْ يَدَيها (١).
وقالَ الإمامُ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: ستْرُ العَوراتِ والسَّوءاتِ واجبٌ، وهو مِنْ أفضَلِ المُروءاتِ وأجمَلِ العاداتِ، ولا سيِّما في النِّساءِ الأجنَبياتِ، لكنَّه يَجوزُ للضَّروراتِ والحاجاتِ.
стр. 8485
أمَّا الحاجاتُ: فكَنَظرِ كُلِّ واحِدٍّ مِنْ الزَّوجينِ إلى صاحِبِه، وكذلكَ نظَرُ المالِكِ إلى أمَتِه الَّتي تَحلُّ له، ونظَرُها إليه، وكذلكَ نظَرُ الشُّهودِ لتَحمُّلِ الشَّهاداتِ، ونظَرُ الأطبَّاءِ لحاجَةِ المُداواةِ، والنَّظرُ إلى الزَّوجةِ المَرغوبِ في نِكاحِها قبلَ العَقدِ عليها إنْ كانَتْ ممَّن تُرجَى إجابتُها.
وكذلكَ يَجوزُ النَّظرُ لإقامَةِ شَعائرِ الدِّينِ، كالخِتانِ وإقامَةِ الحَدِّ على الزُّناةِ، وإذا تَحقَّقَ الناظِرُ إلى الزَّانيَينِ مِنْ إيلاجِ الحشَفةِ في الفَرْجِ حَرُمِ عليهِ النَّظرُ بعدَ ذلكَ؛ إذْ لا حاجةَ إليهِ، وكذلكَ لو وقَفَ الشَّاهدُ على العَيبِ أو الطَّبيبُ على الدَّاءِ فلا يَحلُّ له النَّظرُ بعدَ ذلك؛ لأنهُ لا حاجَةَ إليه لِذلكَ؛ لأنَّ ما أُحِلَّ إلَّا لضَرورةٍ أو حاجةٍ يُقدَّرُ بقَدرِها ويُزالُ بزَوالِها.
وأمَّا الضَّروراتُ: فكَقَطعِ السِّلعِ المُهلِكاتِ ومُداواةِ الجِراحاتِ المُتلِفاتِ، ويُشترطُ في النَّظرِ إلى السَّوءاتِ لقُبحِها مِنْ شِدَّةِ الحاجةِ ما لا يُشترطُ في النَّظرِ إلى سائِرِ العَوراتِ، وكذلكَ يُشترطُ في النَّظرِ إلى سَوأةِ النِّساءِ مِنْ الضَّرورةِ والحاجةِ ما لا يُشترطُ في النَّظرِ إلى سَوأةِ الرِّجالِ؛ لِمَا في النَّظرِ إلى سَوآتِهنَّ مِنْ خَوفِ الافتِتانِ، وكذلكَ ليسَ النَّظرُ إلى ما قارَبَ الرُّكبتَينِ مِنْ الفَخِذينِ كالنَّظرِ إلى الأليتَينِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يُباحُ للشَّاهدِ نظَرُ مَشهودٍ عليها تَحمُّلًا وأداءً عندَ المُطالَبةِ منه؛ لتَكونَ الشَّهادةُ واقِعةً على عَينِها، قالَ أحمَدُ: لا يَشهدُ على امرأةٍ إلَّا أنْ يكونَ قد عرَفَها بعَينِها.
стр. 8486
ويُباحُ له أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها مع الحاجةِ لِمَنْ يُعامِلُها في بَيعٍ وإجارةٍ ونحوِ ذلكَ كقَرضٍ وغيرِه، فيَنظرُ لوَجهِها لِيَعرفِها بعَينها فيَرجعَ عليها بالدَّركِ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ كَراهةُ ذلكَ في حَقِّ الشابَّةِ دونَ العَجوزِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولعَلَّه كَرِهَه لمَن يَخافُ الفِتنةَ أو يَستغنِي عنِ المُعامَلةِ، فأمَّا مع الحاجةِ وعَدمِ الشَّهوةِ فلا بأسَ (١).
ويُباحُ لطَبيبٍ نَظرُ ولَمسُ ما تَدعُو الحاجةُ إلى نَظرِه ولَمسِه، حتَّى ظاهِرَ فَرجِها وبَاطنِه؛ لأنه مَوضعُ حاجةٍ، ولو ذِميًّا، ولْيَكنْ ذلكَ مع حُضورِ مَحرَمٍ أو زَوجٍ؛ لأنهُ لا يأمَنُ مع الخَلوةِ مُواقَعةَ المَحظورِ؛ لقولِه ﷺ : «لا يَخلوَّنَّ رَجلٌ بامرأةٍ إلَّا كانَ الشَّيطانُ ثالثَهُما» مُتفَقٌ عليهِ.
ويَستُرُ منها ما عدا مَوضعَ الحاجةِ؛ لأنها على الأصلِ في التَّحريمِ.
ومِثلُ الطَّبيبِ في ذلَك مَنْ يَلي خِدمةَ مَريضٍ أو مَريضةٍ في وُضوءٍ واستِنجاءٍ وغيرِهما، وكتَخليصِها مِنْ غَرَقٍ وحَرْقٍ ونَحوِهما، وكذا لو حلَقَ عانةَ مَنْ لا يُحسِنُ حلْقَ عانَتِه نَصًّا، ولو ذِميًّا، وكذا لمَعرفةِ بَكارةٍ وثُيوبَةٍ وبُلوغٍ؛ «لأنهُ ﷺ لمَّا حكَّمَ سَعدًا في بَنِي قُريظَةَ كانَ يَكشفُ عن مُؤتَزَرِهم».
стр. 8487
وعن عُثمانَ أنَّه أُتِيَ بغُلامٍ قد سرَقَ، فقالَ: «انظُرُوا إلى مُؤتزَرِه، فلمْ يَجدُوه أنبَتَ الشَّعرَ، فلم يَقطعْهُ» (١).
النَّظرُ إلى المُنتقِبةِ:
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: هل يَحرمُ النَّظرُ إلى المُتنقِّبةِ الَّتي لا يَتبيَّنُ منها غيرُ عَينَيها ومَحاجِرِها أو لا؟
قالَ الأذرَعيُّ: لم أَرَ فيهِ نَصًّا، والظَّاهرُ أنهُ لا فرْقَ، لا سيِّما إذا كانَتْ جَميلةً، فكَمْ في المَحاجِرِ مِنْ خَناجِرَ. اه، وهو ظاهِرٌ (٢).
نَظرُ الرَّجلِ إلى الأجنَبيةِ العَجوزِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ العَجوزِ الَّتي لا تُشتهَى، هل يَجوزُ للرَّجلِ الأجنَبيِّ أنْ يَنظرَ إليها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الجُملةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ وبعضُ الشَّافعيةِ إلى أنه يَجوزُ النَّظرُ إلى المَرأةِ العَجوزِ الَّتي لا تُشتهَى.
وإنْ كانَ فُقهاءُ الحَنفيةِ نَصُّوا على اللَّمسِ وقالُوا: المَسُّ أشَدُّ مِنْ النَّظرِ، بل هو أَولى، فإذا جازَ المَسُّ جازَ النَّظرُ بطَريقِ الأَولى (٣).
стр. 8488
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ النَّظرُ إلى المَرأةِ المُتَجالَّةِ -وهي الكَبيرةُ الَّتي لا أرَبَ للرِّجالِ فيها، مُشتقَّةٌ مِنْ التَّجلِّي وهو الظُّهورُ- ولا تُحجَبُ؛ لانقِطاعِ أرَبِها مِنْ النكاحِ، وإنَّما يُباحُ النَّظرُ إليها لمَن لا يُتهَمُ أنْ يَتعلَّقَ بها قَلبُه كالشَّابِّ ولو لغيرِ عُذرٍ؛ للأمْنِ ممَّا يَحصلُ برُؤيةِ الشابَّةِ، والدَّليلُ علاه قَولُه تعالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] الآية، أي مُتزيِّناتٌ بزِينةٍ خَفيَّةٍ كقِلادةٍ وخَلخالٍ.
وأمَّا الشَّيخُ فلا يَجوزُ له النَّظرُ إليها إلَّا لعُذرٍ؛ إذ قد يَتشوَّفُ إليها، وقَد جاءَ: «لِكُلِّ ساقِطةٍ لاقِطةٌ» (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُباحُ النَّظرُ إلى مَنْ لا تُشتهَى، كالعَجوزِ الَّتي لا يُشتهَى مِثلُها، وكذا الشَّوهاءِ الَّتي لا تُشتهَى، والبَرْزةِ الَّتي لا تُشتهَى، والقَبيحةِ ونَحوِهن كمَريضةٍ لا تُشتهَى لا يُرجَى بُرؤُها، إلى غيرِ عَورةِ الصَّلاةِ (٢).
стр. 8489
وأمَّا الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀ فاختارَ أنه يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إليها إلى ما يَظهرُ مِنها غالِبًا، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: العَجوزُ الَّتي لا يُشتهَى مِثلُها يُباحُ النَّظرُ منها إلى ما يَظهرُ غالِبًا؛ لقَولِ الله تعالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قالَ: فنُسخَ واستُثنيَ مِنْ ذلكَ القَواعدُ مِنْ النِّساءِ اللَّاتي لا يَرجونَ نِكاحًا، ولأنَّ ما حَرُمَ النَّظرُ لأجْلِه مَعدومٌ في حَقِّها، فأشبَهَتْ ذواتَ المَحارمِ، وفي مَعناها الشُّوهاءُ الَّتي لا تُشتهَى.
ومَن ذهَبَتْ شَهوتُه مِنْ الرِّجالِ لكِبَرٍ أو مَرضٍ أو تَخنيثٍ فحُكمُه حُكمُ ذِي المَحرَمِ في النَّظرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] أي: الَّذي لا إربَ له في النِّساءِ، كذلكَ فسَّرَه مُجاهدٌ وقَتادةُ، ونَحوُه عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁.
قالَتْ عائِشةُ ﵂: «دخَلَ على أزواجِ رسولِ اللهِ مُخَنَّثٌ وكانُوا يَعدُّونَه مِنْ غيرِ أولِي الإربَةِ، فدخَلَ علينا النبيُّ ﷺ وهو يَنعَتُ امرأةً، قالَ: إذا أقبَلَتْ أقبَلَتْ بأربَعٍ، وإذا أدبَرَتْ أدبَرَتْ بثَمانٍ؛ فقالَ النبيُّ ﷺ أَلَا أَرَى هذا يَعلمُ ما هاهُنا، لا يَدخلَنَّ عليكُم هذا» (١)، فأجازَ دُخولَه عَليهنَّ حينَ عَدَّه مِنْ غيرِ أُولي الإربَةِ، فلمَّا عَلِمَ ذلكَ منه حَجَبَه (٢).
стр. 8490
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ عِندَهم إلى أنه لا يَجوزُ النَّظرُ إلى العَجوزِ مُطلَقًا، لا إلى وَجهِها ولا إلى كَفَّيها لغيرِ سَببٍ؛ لأنه ما مِنْ ساقِطةٍ إلَّا ولها لاقِطةٌ، ولهذا يَنتقِضُ الوُضوءُ بلَمسِها، ولأنَّ العَجوزَ الَّتي لا تُشتهَى قد يُوجَدُ لها مَنْ يُريدُها ويَشتهيها.
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا العَجوزُ فألحَقَها الغزَاليُّ بالشابَّةِ؛ لأنَّ الشَّهوةَ لا تَنضبطُ، وهي مَحلُّ الوَطءِ.
وقالَ الرُّويانِيُّ: إذا بلَغَتْ مَبلَغًا يُؤمَنُ الافتِتانُ بالنظرِ إليها جازَ النَّظرُ إلى وَجهِها وكَفَّيها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النور: ٦٠] (١).
وقالَ ابنُ حجَرٍ الهَيتميُّ ﵀: واختِيارُ الأذرَعيِّ قولُ جَمعٍ بحِلِّ نَظرِ وَجهِ وكَفِّ عَجوزٍ يُؤمَنُ مَنْ نَظرِهما الفِتنةُ؛ لآيَةِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] ضَعيفٌ؛ ويَردُّه ما مرَّ مِنْ سَدِّ البابِ، وأنَّ لكُلِّ ساقِطةٍ لاقِطةً، ولا دَلالةَ في الآيةِ كما هو جَليٌّ، بل فيها إشارةٌ للحُرمةِ بالتَّقييدِ ب ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، واجتِماعُ أبي بَكرٍ وأنسٍ بأمِّ أيمَنَ وسُفيانَ وإضرابُه برابِعةَ ﵃ لا يَستلزمُ النَّظرَ، على أنَّ مِثلَ هؤلاءِ لا يُقاسُ بهم غيرُهم، ومِن ثَمَّ جَوَّزوا لمِثلِهم الخَلوةَ (٢).
стр. 8491
مُصافَحةُ المرأةِ الأجنَبيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مُصافَحةِ المرأةِ العَجوزِ الَّتي لا تُشتهَى، أمَّا الشابَّةُ فلا يَجوزُ مُطلَقًا مُصافَحتُها بلا حائِلٍ، ولا مَسُّ شَيءٍ مِنْ بَدنِها.
وأمَّا إذا كانَ بحائلٍ وأُمِنَتِ الفتنةُ فنَصَّ الشَّافعيةُ على جوازِ مُصافَحتِها.
قالَ الشَّافعيةُ: يَحلُّ مُصافَحةُ الأجنَبيةِ مع الحائلِ وأمْنِ الفتنةِ، ويَحرمُ المَسُّ بغيرِ حائلٍ وإنْ أُمِنَتِ الفتنةُ (١).
وأمَّا المرأةُ العَجوزُ فنَصَّ الحَنفيةُ والحَنابلةُ على جَوازِ مُصافحتِها.
قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَتْ عَجوزًا لا تُشتَهى فلا بأسَ بمُصافَحتِها ومَسِّ يَدِها؛ لانعِدامِ خَوفِ الفتنةِ، ورُويَ «أنَّ أبا بَكرٍ الصديقَ ﵁ كانَ في خِلافتِه يَخرجُ إلى بَعضِ القَبائلِ الَّتي كانَ مُستَرضَعًا فيها، فكانَ يُصافِحُ العَجائزَ» (٢)، «ولمَّا مَرضَ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ ﵁ بمَكةَ استأجَرَ عَجوزًا لتُمرِّضَه، فكانَتْ تَغمِزُ رِجليهِ وتُفلِّي رأسه» (٣)، ولأنَّ الحُرمةَ لخَوفِ الفِتنةِ، فإذا كانَتْ ممَّن لا تُشتَهى فخَوفُ الفِتنةِ مَعدومٌ، وكذلكَ إنْ كانَ هو شَيخًا يأمَنُ على نَفسِه وعليها فلا بأسَ بأنْ يُصافِحَها، وإنْ كانَ لا يأمَنُ عليها أنْ تَشتهيَ لم يَحلَّ له أنْ يُصافِحَها فيُعرِّضَها للفتنةِ، كما لا يَحلُّ له ذلكَ
стр. 8492
إذا خافَ على نَفسِه، فأمَّا النَّظرُ إليها عن شَهوةٍ فلا يَحلُّ بحَالٍ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ.
فحاصِلُه أنه يُشتَرطُ لجَوازِ المَسِّ أنْ يكونَا كبيرَينِ مأمُونَينِ في رِوايةٍ، وفي أخرى يَكفي أنْ يكونَ أحَدُهما مأمُونًا كَبيرًا؛ لأنَّ أحَدَهما إذا كانَ لا يُشتهَى لا يكونُ اللَّمسُ سَببًا للوُقوعِ في الفتنةِ كالصَّغيرِ، ووجْهُ الأُولى أنَّ الشابَّ إذا كانَ لا يَشتهِي بمَسِّ العَجوزِ فالعَجوزُ تَشتهي الشابِّ؛ لأنها عَلِمَتْ بمَلاذِّ الجِماعِ، فيُؤدِّي إلى الانتهاءِ مِنْ أحَدِ الجانبَينِ وهو حَرامٌ، بخِلافِ ما إذا كانَ أحَدُهما صَغيرًا؛ لأنه لا يُؤدِّي إلى الانتهاءِ مِنْ الجانبَينِ؛ لأنَّ الكبيرَ لا يَشتهِي بمَسِّ الصَّغيرِ، ولهذا إذا ماتَ صَغيرٌ أو صَغيرةٌ تُغسِّلُه المرأةُ والرَّجلُ ما لم تَبلغْ حَدَّ الشَّهوةِ، وكذا يجوزُ النَّظرُ إلى الصَّغيرِ والصَّغيرةِ والمَسَّ إذا كانَ لا يُشتهَى (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لا تجوزُ مُصافَحةُ المرأةِ الأجنَبيةِ الشابَّةِ؛ لأنها شَرٌ مِنْ النَّظرِ، أمَّا العَجوزُ فللرَّجلِ مُصافَحتُها.
وقيلَ: تُكرَهُ مُصافحةُ النِّساءِ.
قالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: أمَّا الشابَّةُ فإنه يَحرمُ مُصافحتُها للرَّجلِ، ذكَرَه
стр. 8493
في «الفُصُول» و «الرِّعايَة»، وقالَ ابنُ مَنصورٍ لأبي عبدِ اللهِ: تَكرهُ مُصافحةَ النِّساءِ؟ قالَ: أكرَهُه، قالَ إسحاقُ بنُ راهويهِ كما قالَ.
وقالَ مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ مَهرانَ: إنَّ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الرَّجلِ يُصافِحُ المرأةَ، قالَ: لا، وشدَّدَ فيه جِدًّا، قلتُ: فيُصافِحُها بثَوبه؟ قالَ: لا …
فهاتانِ رِوايتانِ في تَحريمِ المُصافَحةِ وكَراهتِها للنِّساءِ، والتَّحريمُ اختِيارُ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ، وعللَ بأنَّ المُلامَسةَ أبلَغُ مِنْ النَّظرِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ مُصافَحةُ العجوزِ بغَيرِ حائلٍ، وأما إذا كانَ هناكَ حائلٌ وأُمِنَتِ الفتنةُ جازَ عندَ الشَّافعيةِ.
قالَ المالِكيةُ: لا تَجوزُ مُصافَحةُ الرَّجلِ المرأةَ الأجنَبيةَ ولو مُتجالَّةً -وهي العَجوزُ الفانِيةُ الَّتي لا إربَ للرِّجالِ فيها-؛ أخْذًا بعُمومِ الأدلَّةِ المُثبِتةِ للتحريمِ، ولأنَّ المُباحَ الرُّؤيةُ فقط (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ -كمَا تقدَّمَ-: يَحلُّ مُصافحةُ الأجنَبيةِ مع الحائلِ وأمْنِ الفتنةِ، ويَحرمُ المَسُّ بغيرِ حائلٍ وإنْ أُمِنَتِ الفتنةُ (٣)، ولم يُفرِّقُوا بينَ الشَّابةِ والعَجوزِ.
стр. 8494
نظَرُ المَرأةِ إلى الرَّجلِ الأجنَبيِّ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنهُ لا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تَنظرَ إلى الرَّجلِ الأجنَبيِّ بشَهوةٍ إنْ عَلِمَتْ أو غلَبَ على ظَنِّها وُقوعُ الشَّهوةِ أو شكَّتْ في ذلكَ -بأنْ كانَ احتِمالُ حُدوثِ الشَّهوةِ وعَدمِ حُدوثِها مُتساويَينِ-؛ لأنَّ النَّظرَ بشَهوةٍ إلى مَنْ لا يَحلُّ بزَوجيَّةٍ أو مِلكِ يَمينٍ نوعُ زِنًا، وهو حَرامٌ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ.
ثمَّ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ نظَرِ المرأةِ إلى الرَّجلِ الأجنَبيِّ بدُونِ شُهوةٍ، هل يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ إلى الرَّجلِ الأجنَبيِّ إلى ما ليسَ بعَورةٍ منه -أي فيما عدَا السُّرةِ والرُّكبةِ-؟ أم لا يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ إلى الرَّجلِ إلَّا إلى ما يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنها -وهو الوَجهُ والكفَّانِ-؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والشَّافعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ مِنْ الرَّجلِ إلى ما يَجوزُ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إليه مِنْ الرَّجلِ إذا أَمِنَتِ الشَّهوةَ؛ لأنَّ السُّرةَ وما فوقَها وما تحتَ الرُّكبةِ ليسَ بعَورةٍ مِنْ الرَّجلِ، وما لا يكونُ عَورةً فالنَّظرُ إليه مُباحٌ للرِّجالِ والنِّساءِ كالثِّيابِ، ولقَولِه ﷺ لفاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنَّه رَجلٌ أعمَى، تَضعينَ ثِيابَكِ فلا يَراكِ» (١).
وقالَتْ عائِشةُ ﵂: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَسترُني برِدائِه
стр. 8495
وأنا أنظُرُ إلى الحَبَشةِ يَلعبونَ في المَسجدِ» (١)، ويَومَ فرَغَ النبيُّ ﷺ مِنْ خُطبةِ العيدِ مضَى إلى النِّساءِ فذكَّرَهنَّ ومعهُ بلالٌ فأمَرَهنَّ بالصَّدقةِ، ولأنهنَّ لو مُنِعْنَ النظرَ لَوَجبَ على الرِّجالِ الحِجابُ كما وجَبَ على النِّساءِ؛ لئلَّا يَنظرْنَ إليهم.
ولأنَّ الرَّجلَ يَعملُ في شُغلِه ويَمشي بينَ النَّاسِ بإزارٍ واحِدٍ، فلو لم يَجُزِ النَّظرُ إليه لَضاقَ الأمرُ على النَّاسِ.
ولأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَحضُرنَ الصَّلاةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ في المَسجدِ، ولا بُدَّ أنْ يقَعَ نظَرُهنَّ على الرِّجالِ، فلو لم يَجُزْ لم يُؤمَرْنَ بحُضورِ المَسجدِ والمُصلَّى، ولأنه أُمِرَتِ النِّساءُ بالحِجابِ عنِ الرِّجالِ ولم يُؤمَرِ الرِّجالِ بالحجابِ (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا حَديثُ نَبْهانَ فقالَ أحمَدُ: نَبهانُ روَى حَديثَينِ عَجيبَينِ، يعنِي هذا الحديثَ وحَديثَ: «إذا كانَ لِإحداكُنَّ مُكاتَبٌ فلْتَحتجِبْ منهُ»؛ وكأنه أشارَ إلى ضَعفِ حَديثِه؛ إذ لم يَرْوِ إلَّا هذَينِ
стр. 8496
الحديثَينِ المُخالِفينِ للأُصولِ، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: نَبهانُ مَجهولٌ لا يُعرَفُ إلَّا برِوايةِ الزُّهريِّ عنهُ هذا الحَديثَ، وحَديثُ فاطِمةَ صَحيحٌ، فالحُجَّةُ به لازِمةٌ، ثمَّ يُحتملُ أنَّ حديثَ نَبهانَ خاصٌّ لأزواجِ النبيِّ ﷺ ، كذلكَ قالَ أحمَدُ وأبو داوُدَ، قالَ الأثرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: كانَ حَديثُ نَبهانَ لأزواجِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً وحَديثُ فاطِمةَ لسائرِ النَّاسِ؟ قالَ: نَعمْ، وإنْ قُدِّرَ التعارُضُ فتَقديمُ الأحادِيثِ الصَّحيحةِ أَولى مِنْ الأخذِ بحَديثٍ مُفرَدٍ في إسنادِه مَقالٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ في قَولٍ رجَّحَه الإمامُ الشِّيرازيُّ والنَّوويُّ وابنُ حِبَّانَ وغيرُهم والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تَنظرَ إلى الرَّجلِ الأجنَبيِّ إلَّا ما يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إليها، وهو الوَجهُ والكفَّانِ فقط؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، فوجَبَ أنْ يَتساوَوْا فيما يَجبُ عليهم مِنْ غَضِّ أبصارِهِم، فكُلُّ واحِدٍ منهُم أُمِرَ أنْ يَغُضَّ بصَرَه عمَّا لا يَحلُّ لهُ النَّظرُ إليهِ، ولأنَّ نظَرَ كلِّ واحدٍ مِنهُما إلى صاحِبِه داعِيةٌ إلى الافتِتانِ بهِ.
وعن أمِّ سلَمةَ ﵂ قالَتْ: «كُنْتُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ وعندَه مَيمونةُ فأقبَلَ ابنُ أمِّ مَكتومٍ وذلكَ بعدَ أنْ أُمِرْنا بالحِجابِ فقالَ النبيُّ ﷺ : احتَجِبَا منهُ، فقُلنَا: يا رسولَ اللهِ أليسَ أعمَى لا يُبصرُنا ولا
стр. 8497
يَعرِفُنا؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : أفَعَمْياوَانِ أنتُما؟ ألستُما تُبصِرانِه؟» (١).
ولأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ النِّساءَ بغَضِّ أبصارِهنَّ كما أمَرَ الرِّجالَ به، ولأنَّ النِّساءَ أحَدُ نَوعَي الآدميَّينِ، فحَرُمَ عليهنَّ النَّظرُ إلى النوعِ الآخَرِ؛ قِياسًا على الرِّجالِ، يُحقِّقُه أنَّ المعنى المُحرِّمَ للنَّظرِ خَوفُ الفِتنةِ، وهذا في المرأةِ أبلَغُ؛ فإنها أشَدُّ شَهوةً وأقَلُّ عَقلًا، فتَسارُعُ الفِتنةِ إليها أكثَرُ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الصَّحيحُ الَّذي عليهِ جُمهورُ العُلماءِ وأكثَرُ الصَّحابةِ أنه يَحرمُ على المَرأةِ النظرُ إلى الأجنَبيِّ كما يَحرُمُ عليه النَّظرُ إليها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، ولأنَّ الفِتنةَ مُشتَركةٌ، وكما يَخافُ الافتِتانَ بها تَخافُ الافتِتانَ به، ويَدلُّ عليه مِنْ السُّنةِ حَديثُ نَبهانَ مولَى أم سلَمةَ، وهذا الحَديثُ حَديثٌ حسَنٌ رواه أبو داوُدَ والتِّرمذيُّ وغيرُهما، قالَ التِّرمذيُّ: هو حَديثٌ حَسنٌ، ولا يُلتفَتُ إلى قَدحِ مَنْ قدَحَ فيه بغيرِ حُجَّةٍ مُعتمَدةٍ، وأمَّا حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ مع ابنِ أمِّ مَكتومٍ فليسَ فيه إذنٌ لها في النَّظرِ إليه، بل فيه أنها تأمَنُ عندَه مِنْ نظَرِ غَيرِها، وهي مَأمورةٌ بغَضِّ بصَرِها، فيُمكِنُها
стр. 8498
الاحتِرازُ عن النَّظرِ بلا مَشقةٍ، بخِلافِ مُكثِها في بيتِ أمِّ شَريكٍ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنفيةُ في قَولٍ إلى أنه يَجوزُ للمرأةِ أنْ تَرَى مِنْ الرَّجلِ الأجنَبيِّ ما يَراهُ الرَّجلُ مِنْ ذَواتِ مَحارمِه، وهو الوَجهُ والأطرافُ المُتقدِّمةُ التي يَراها المَحرَمُ مِنْ مَحرَمِه؛ إذ ما ذُكِرَ ليسَ بعَورةٍ بالنَّسبةِ إليهِ، وأمَّا لَمسُها ذلكَ فلا يَجوزُ، فيَحرمُ على المرأةِ لَمسُها الوجهَ والأطرافَ مِنْ الرَّجلِ الأجنَبيِّ، فلا يَجوزُ لها وضْعُ يَدِها في يَدِه، ولا وَضعُ يَدِها على وَجهِه، وكذلكَ لا يَجوزُ له وَضعُ يَدِه في يَدِها ولا على وَجهِها، وهذا بخِلافِ المَحرَمِ؛ فإنه كما يَجوزُ فيهِ النَّظرُ للوَجهِ والأطرافِ يَجوزُ مُباشَرةُ ذلكَ منها بغيرِ لذَّةٍ (٢).
وفي مُقابلِ الصَّحيحِ عندَ الحَنفيةِ أنَّ نظَرَ المرأةِ إلى الرَّجلِ كنظَرِ الرَّجلِ إلى ذَواتِ مَحارِمِه، حتَّى لا يُباحُ لها أنْ تَنظرَ إلى ظَهرِه وبَطنِه، ووجْهُ ذلكَ أنَّ حُكمَ النَّظرِ عندَ اختِلافِ الجِنسِ أغلَظُ؛ أَلَا تَرى أنه لا يُباحُ للمرأةِ أنْ تُغسِّلَ الرَّجلَ بعدَ موتِه، ولو كانَتْ هي في النَّظرِ كالرَّجلِ لَجازَ لها أنْ تُغسِّلَه بعدَ موتِه (٣).
стр. 8499
وللشَّافعيةِ قولٌ ثالِثٌ قَريبٌ مِنْ هذا، حيثُ قالوا: لها أنْ تَنظرَ منه ما يَبدُو في المِهنةِ فقط؛ إذْ لا حاجَةَ إلى غيرِه؛ لعُمومِ البَلوى في نَظرِهنَّ في الطُّرقاتِ إلى الرِّجالِ (١).
نَظرُ الرَّجلِ إلى مَحارمِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجلَ لا يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنْ ذواتِ مَحارمِه -وهي كلُّ مَنْ حَرُمَ عليهِ نكاحُها على التأبيدِ بنَسبٍ أو رَضاعٍ أو تَحريمِ المُصاهَرةِ- فيما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ.
وكذلكَ اتَّفقُوا على أنه يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنْ ذواتِ مَحارمِه إلى الوَجهِ والكفَّينِ.
ثمَّ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نَظرِ الرَّجلِ إلى مَحارمِه، هل يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إلى ما يَظهرُ مما فوقَ السُّرةِ إلى الرَّكبةِ؟ أم لا يَجوزُ إلَّا ما يَظهرُ في حالِ الخِدمةِ والتصرُّفِ؟ أو الوَجه والكفَّينِ فقط؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ مِنْ مَحارمِه إلَّا ما يَظهرُ للخِدمةِ كالوَجهِ والأطرافِ المتقدِّمةِ التي يَراها المَحرَمُ مِنْ مَحرمِه؛ إذ ما ذُكِرَ ليسَ بعَورةٍ بالنِّسبةِ إليه، ويَجوزُ مُباشَرةُ ذلكَ منها بغيرِ لذَّةٍ (٢).
стр. 8500
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ مِنْ ذواتِ مَحارمِه إلى الوَجهِ والرَّأسِ والصَّدرِ والساقَينِ والعَضُدينِ، والمحارِمُ مَنْ لا يَجوزُ له مُناكَحتُهنَّ على التأبيدِ بنَسبٍ أو سَببٍ مثلِ الرَّضاعِ والمُصاهَرةِ، سواءٌ كانَتِ المُصاهَرةُ بنكاحٍ أو سِفاحٍ في الأصَحِّ.
ولا يَنظرُ إلى ظَهرِها وبَطنِها؛ لأنهما يَحلُّانِ مَحلَّ الفَرْجِ؛ بدليلِ أنه إذا شبَّهَ امرأتَه بظَهرِ أمِّهِ كانَ مُظاهِرًا، فلولا أنَّ النَّظرَ إليه حَرامٌ لَمَا وقَعَ التَّحريمُ بالتَّشبيهِ، ألَا تَرَى أنه لو قالَ لامرأتِه: «أنتِ عَليَّ كرأسِ أمِّي» لم يَقعْ به التَّحريمِ، وإذا ثبَتَ بهذا تَحريمُ النَّظرِ إلى الظَّهرِ فالبَطنُ أَولى؛ لأنَّ البَطنَ تُشتهَى ما لا يُشتَهى الظَّهرُ، فكانَ أَولى بالتَّحريمِ.
والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيَة، والمُرادُ مَواضِعُ الزِّينةِ، وهي ما ذُكِرَ.
وقالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [لقمان: ٥٥] الآيَة.
وقالَ النبيُّ ﷺ لعائِشةَ ﵂: «ائْذَني له فإنَّه عَمُّكِ» (١).
стр. 8501
ويَدخلُ في ذلكَ السَّاعِدُ والأُذنُ والعُنقُ والقَدمُ؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ مَواضِعُ الزِّينةِ، بخلافِ الظَّهرِ والبَطنِ والفَخذِ؛ لأنها ليسَتْ مِنْ مَواضعِ الزِّينةِ، ولأن البَعضَ يَدخلُ على البعضِ مِنْ غيرِ استِئذانٍ واحتِشامٍ، والمرأةُ في بَيتِها في ثِيابِ مِهنَتِها عادةً، فلو حَرُمَ النَّظرُ إلى هذه المَواضعِ أدَّى إلى الحرَجِ، وكذا الرَّغبةُ تَقِلُّ للحُرمةِ المُؤبَّدةِ، فقَلَّما تُشتهَى، بخلافِ ما وَراءَها؛ لأنها لا تَنكشِفُ عادةً.
ولا بأسَ بأنْ يَمَسَّ ما جازَ أنْ يَنظرَ إليه منها؛ لتَحقُّقِ الحاجةِ إلى ذلكَ في المُسافَرةِ وقلَّةِ الشَّهوةِ للمَحرَميةِ، بخِلافِ وَجهِ الأجنَبيةِ وكَفَّيها، حَيثُ لا يُباحُ المَسُّ وإنْ أُبيحَ النَّظرُ؛ لأنَّ الشَّهوةَ مُتكامِلةٌ، إلَّا إذا كانَ يَخافُ عليها أو على نَفسِه الشَّهوةِ، فحِينئذٍ لا يَنظرُ ولا يَمسُّ؛ لقَولِه ﷺ : «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظَرُ، واليَدانِ تَزنِيانِ وزِناهُما البَطشُ»، وحُرمةُ الزِّنا بذَواتِ المَحارمِ أغلَظُ فيُجتَنبُ.
ولا بأسَ بالخَلوةُ مَعهنَّ والمُسافَرةِ بهنَّ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ مِنْ مَحارمِه مِنْ نسَبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهرةٍ فيما فوقَ السُّرةِ وتَحتَ الرُّكبةِ بلا شِهوةٍ، وأمَّا ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ فيَحرمُ إجماعًا؛ وذلكَ لأنَّ المَحرميةَ سَببٌ يُوجِبُ حُرمةَ المُناكَحةِ، فكانَا كالرَّجلينِ والمَرأتينِ.
стр. 8502
وهل يَجوزُ النَّظرُ إلى السُّرةِ والرُّكبةِ؟ قَولانِ:
أحَدُهما: نَعمْ؛ لأنهما ليسَا بعَورةٍ بالنَّسبةِ لنَظرِ المَحرمِ.
والثَّاني: هُما عَورةٌ هنا؛ احتِياطًا على الأَوجهِ.
ولا فَرقْ في المَحرَمِ بينَ الكافرِ وغيرِه، إلَّا إذا كانَ مِنْ قَومٍ يَعتقِدونَ حِلَّ المَحارمِ كالمَجوسِ امتَنعَ نَظرُها له ونَظرُه إليها.
ويَجوز للمَحرمِ الخَلوةُ والمُسافَرةُ بها (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى ذَواتِ مَحارِمِه إلى ما يَظهرُ غالبًا كالرَّقبةِ والرَّأسِ والكفَّينِ والقَدمينِ ونحوِ ذلكَ، وليسَ له النَّظرُ إلى ما يَستتِرُ غالبًا كالصَّدرِ والظَّهرِ ونَحوِهما.
قالَ الأثرَمُ: سألْتُ أبا عبدِ اللهِ عنِ الرَّجلِ يَنظرُ إلى شَعرِ امرأةِ أبيهِ أو امرأةِ ابنهِ، فقالَ: هذا في القُرآنِ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلَّا لِكَذا وكَذا، قلتُ: يَنظرُ إلى ساقِ امرأةِ أبيه وصَدرِها؟ قالَ: لا يُعجبُني، ثمَّ قالَ: أنا أكرَهُ أنْ يَنظرَ مِنْ أمِّهِ وأختِه إلى مِثلِ هذا وإلى كُلِّ شَيءٍ لشَهوةٍ.
وذكَرَ القاضي أنَّ حُكمُ الرَّجلِ مع ذَواتِ مَحارمِه حُكمُ الرَّجلِ مع الرَّجلِ والمَرأةِ مع المَرأةِ.
стр. 8503
وقالَ أبو بكرٍ: كَراهيَةُ أحمدَ النَّظرَ إلى ساقِ أمِّهِ وصَدرِها على التوقِّي؛ لأنَّ ذلكَ يدعُو إلى الشَّهوةِ، يعني أنه يُكرهُ ولا يَحرمُ.
وقالَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ: «يا رسولَ اللهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا ولَدًا، وكانَ يَأوي معي ومع أبي حُذيفةَ في بَيتٍ واحِدٍ ويَراني فُضُلًا، وقد أَنزلَ الله فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيفَ تَرَى فيه؟ فقالَ لها النبيُّ ﷺ : أرضِعِيه، فأرضَعَتْه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكانَ بمَنزِلةِ ولَدِها مِنْ الرَّضاعةِ» (١)، رواهُ أبو داودَ وغيرُه.
وهذا دَليلٌ على أنه كانَ يَنظرُ منها إلى ما يَظهرُ غالِبًا، فإنها قالَتْ: «يَراني فُضُلًا»، ومعناهُ في ثيابِ البِذْلةِ التي لا تَستُرُ أطرافَها.
وقالَ امرؤُ القَيسِ:
فجِئتُ وقد نَضَّتْ لنَومٍ ثِيابَها … لَدَى السِّتْرِ إلَّا لُبْسةَ المُتفضِّلِ
ومثلُ هذا يَظهرُ منه الأطرافُ والشَّعرُ، فكانَ يَراها كذلكَ إذِ اعتَقدتْهُ ولَدًا، ثم دلَّهمُ النبيُّ ﷺ على ما يَستدِيمونَ به ما كانوا يَعتقدِونَه ويَفعلونَه.
ورَوَى الشَّافعيُّ في مُسنَدِه عن زَينبَ بنتِ أبي سلَمةَ أنها ارتَضعَتْ مِنْ أسماءَ امرأةِ الزُّبيرِ، قالَتْ: «فكُنتُ أَراه أبًا، وكانَ يَدخلُ عليَّ وأنا أَمشُطُ رأسِي فيأخُذُ ببَعضِ قُرونِ رأسي ويَقولُ: أقبِلي عَليَّ»، ولأنَّ التحرُّزَ مِنْ هذا لا يُمكِنُ، فأُبيحَ كالوجهِ.
стр. 8504
وما لا يَظهرُ غالبًا لا يُباحُ؛ لأنَّ الحاجةَ لا تَدعُو إلى نَظرِه، ولا تُؤمَنُ معه الشَّهوةُ ومُواقَعةُ المَحظورِ، فحَرُمَ النَّظرُ إليه كما تَحتَ السُّرةِ.
وعنهُ: لا يَنظرُ مِنْ ذَواتِ مَحارمِه إلَّا الوَجهَ والكفَّينِ (١).
نَظرُ المَرأةِ إلى مَحارمِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَراهُ مِنْ مَحارمهِا الرِّجالِ إذا كانَ النَّظرُ لغيرِ شَهوةٍ، أمَّا إذا كانَ لشَهوةٍ فيَحرمُ.
فذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ حُكمَ المرأةِ في النَّظرِ إلى مَحارمِها حُكمُهم في النَّظرِ إليها، فيَجوزُ أنْ تَنظرَ إلى ما يَظهرُ غالبًا كالرَّقبةِ والرَّأسِ والكفَّينِ والقَدمينِ ونحوِ ذلكَ، وليسَ لها النَّظرُ إلى ما يَستتِرُ غالبًا كالصَّدرِ والظَّهرِ ونحوِهما (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنه يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَنظرَ مِنْ مَحارمِها ما عَدَا ما بينَ سُرَّتِه ورُكبتِه، يَجوزُ الجَسُّ مِنْ الطَّرفينِ أيضًا (٣).
وأمَّا الحَنفيةُ في المَذهبِ فلم يُفرِّقُوا بينَ نَظرِ المَرأةِ إلى المَحرمِ
стр. 8505
وغيرِه، فأجازُوا لها أنْ تَنظرَ مِنْ الرَّجلِ إلى ما يَجوزُ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إليه مِنْ الرَّجلِ إذا أَمِنَتِ الشَّهوةَ، وهو ما عدا ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ؛ لأنَّ السُّرةَ وما فوقَها وما تحتَ الرُّكبةِ ليسَ بعَورةٍ مِنْ الرَّجلِ، وما لا يكونُ عَورةً فالنَّظرُ إليه مُباحٌ للرِّجالِ والنِّساءِ كالثِّيابِ (١).
نَظرُ الرَّجلِ إلى الرَّجلِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى عوَرةِ الرَّجلِ؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَنظرُ الرَّجلُ إلى عَورةِ الرَّجلِ، ولا المرأةُ إلى عَورةِ المرأةِ، ولا يُفضِي الرَّجلُ إلى الرَّجلِ في ثَوبٍ واحِدٍ، ولا تُفضِي المرأةُ إلى المرأةِ في الثَّوبِ الواحِدِ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيهِ -أي هذا الحَدِيث- تَحريمُ نَظرِ الرَّجلِ إلى عَورةِ الرَّجلِ، والمَرأةِ إلى عَورةِ المَرأةِ، وهذا لا خلافَ فيهِ، وكذلكَ نَظرُ الرَّجلِ إلى عَورةِ المرأةِ، والمَرأةِ إلى عَورةِ الرَّجلِ حَرامٌ بالإجماعِ، ونَبَّه ﷺ بنَظرِ الرَّجلِ إلى عَورةِ الرَّجلِ على نَظرِه إلى عَورةِ المَرأةِ، وذلكَ بالتَّحريمِ أَولى، وهذا التَّحريمُ في حَقِّ غيرِ الأزواجِ والسَّادةِ (٣).
стр. 8506
إلَّا أنَّ الفُقهاءُ اختَلفُوا في حًدِّ العَورةِ، هل هي ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ؟ أم القُبلُ والدُّبرُ فقط؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عَورةَ الرَّجلِ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، فيَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى الرَّجلِ إلى سائرِ جَسدِه إلَّا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ فلا يَجوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، ولا بأسَ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ مِنْ الرَّجلِ إلى مَوضعِ الخِتانِ ليَختنَه ويَداويهِ بعدَ الخَتْنِ.
وكذا إذا كانَ بمَوضعِ العَورةِ مِنْ الرَّجلِ قَرحٌ أو جُرحٌ أو وقَعَتِ الحاجةُ إلى مُداواةِ الرَّجلِ.
والدَّليلُ على أنَّ ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ ما رَواهُ الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِه عن جَرهدٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَآهُ قد كشَفَ عن فَخذِه فقالَ: يا جَرهدُ غَطِّ فَخذَكَ، فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ» (١).
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «إذا زوَّجَ أحَدُكم عبْدَه أمَتَه أو أَجيرَهُ فلا يَنظرْ إلى شيءٍ مِنْ عَورتِه؛ فإنَّ ما تحتَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ» (٢)، وهذا نَصٌّ، والحُرُّ والعَبدُ في هذا سَواءٌ؛ لتَناوُلِ النصِّ لهُما جَميعًا.
стр. 8507
وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَورةَ هي القُبلُ والدُّبرُ؛ لِما رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ يَومَ خَيبَرَ حَسَرَ الإزارَ عن فَخذِه حتَّى إنِّي لَأنظُرُ إلى بَياضِ فَخذِ النبيِّ ﷺ » (١)، ولِمَا رَوتْ عائِشةُ أنها قالَتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجِعًا في بَيتي كاشِفًا عن فَخذَيهِ أو ساقَيهِ، فاستَأذنَ أبو بَكرٍ فأَذِنَ له وهو على تلكَ الحالِ، فتَحدَّثَ، ثمَّ استَأذنَ عُمرُ فأَذِنَ له وهو كذلكَ فتحَدَّثَ، ثمَّ استَأذنَ … » الحَديث (٢)، وهذا يَدلُّ على أنهُ ليسَ بعَورةٍ، ولأنهَ ليسَ بمَخرجٍ للحَدثِ، فلم يَكنْ عَورةً كالسَّاقِ، وعليهِ يَجوزُ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى غيرِ القُبلِ والدُّبرِ مِنْ الرَّجلِ.
وله أنْ يَنظرَ إلى السُّرةِ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ والصَّحيحِ عندَ الشَّافعيةِ.
وفي قَولٍ للشَّافعيةِ هي عَورةٌ.
والدَّليلُ على أنها ليسَتْ مِنْ العَورةِ ما رُويَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ «أنه كانَ إذا اتَّزَرَ أبدَى عن سُرَّتِه»، وقالَ أبو هُريرةَ للحسَنِ ﵄: «أَرنِي المَوضعَ الَّذي كانَ يُقبِّلُه رسولُ اللهِ ﷺ منكَ، فأبدَى عن سُرَّتِه فقبَّلَها أبو هُريرةَ ﵁»، والتَّعاملُ الظَّاهرُ فيما بينَ النَّاسِ أنهم إذا اتَّزرُوا في الحمَّاماتِ أبدَوا عن السُّرةِ مِنْ غيرِ نَكيرِ مُنكِرٍ دليلٌ على أنه ليسَ بعورةٍ.
стр. 8508
ثمَّ اختَلفُوا هل له أنُ يَنظرَ إلى الرُّكبةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَنظرَ إلى الرُّكبةِ، لقولِ النبيِّ ﷺ : «الرُّكبةُ مِنْ العَورةِ» (١)، ولأنَّ الرُّكبةَ عُضوٌ مُركَّبٌ مِنْ عَظمِ السَّاقِ والفَخذِ على وَجهٍ يَتعذَّرُ تَمييزُه، والفَخذُ مِنْ العَورةِ، والسَّاقُ ليسَ مِنْ العَورةِ، فعندَ الاشتباهِ يَجبُ العَملُ بالاحتِياطِ، وذلكَ فيما قُلنَا بخِلافِ السُّرةِ؛ لأنه اسمٌ لِمَوضعٍ مَعلومٍ لا اشتِباهَ فيه، وقد رُويَ عن سيِّدنا عُمرَ ﵁ «أنه كانَ إذا اتَّزرَ أبدَى سُرَّتَه»، ولو كانَتْ عَورةً لَمَا احتُملَ منه كَشفُها.
وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرُّكبةَ ليسَتْ مِنْ العَورةِ؛ لأنَّ الرُّكبةَ حَدٌّ، فلم تَكنْ مِنْ العَورةِ كالسُّرةِ (٢).
وقَد تَقدَّمتِ المَسألةُ في كِتابِ الصَّلاةِ مِنْ كِتابِنا هذا في حَدِّ عَورةِ الرَّجلِ.
стр. 8509
نَظرُ المَرأةِ إلى المَرأةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَحرمُ أنْ تَنظرَ المرأةُ إلى عَورةِ المَرأةِ لغيرِ ضَرورةٍ؛ لِمَا رواه مُسلمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَنظرُ الرَّجلُ إلى عَورةِ الرَّجلِ، ولا المرأةُ إلى عَورةِ المرأةِ، ولا يُفضِي الرَّجلُ إلى الرَّجلِ في ثَوبٍ واحِدٍ، ولا تُفضِي المرأةُ إلى المرأةِ في الثَّوبِ الواحِدِ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيهِ -أي هذا الحَدِيث- تَحريمُ نَظرِ المَرأةِ إلى عَورةِ المَرأةِ، وهذا لاخِلافَ فيه (٢).
وأمَّا حَدُّ العَورةِ بالنِّسبةِ للمَرأةِ مع المرأةِ فهو ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ، فكُلَّ ما يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إليه مِنْ الرَّجلِ يَحلُّ للمَرأةِ أنْ تَنظرَ إليه مِنْ المَرأةِ، وكُلَّ ما لا يَحلُّ له لا يَحلُّ لها، فتَنظرُ المَرأةُ مِنْ المَرأةِ إلى سائِرِ جَسدِها إلَّا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ؛ لأنه ليسَ في نَظرِ المَرأةِ إلى المرأةِ خَوفُ الشَّهوةِ والوقوعِ في الفِتنةِ، كما ليسَ ذلكَ في نَظرِ الرَّجلِ إلى الرَّجلِ، حتَّى لو خافَتْ ذلكَ تَجتنِبُ عن النَّظرِ كما في الرَّجلِ، ولا يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ ما بينَ سُرَّتها إلى الرَّكبةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، بأنْ كانَتْ قابِلةً فلا بأسَ لها أنْ تَنظرَ إلى الفَرْجِ عندَ الوِلادةِ، وكذا لا بأسَ أنْ تَنظرَ إليه لمَعرفةِ
стр. 8510
البَكارةِ في امرأة العِنِّينِ والجاريةِ المُشتراةِ على شَرطِ البَكارةِ إذا اختَصمَا.
وعليهِ: لا يُمنَعْنَ عن الدُّخولِ في الحمَّامِ، خِلافًا لِما يَقولُه بعضُ النَّاسِ؛ لأنَّ العُرفَ الظَّاهرَ في جَميعِ البُلدانِ ببِناءِ الحمَّاماتِ للنساءِ، وتَمكينُهنَّ مِنْ دُخولِ الحمَّاماتِ دَليلٌ على صحَّةِ ذلك، وحاجةُ النِّساءِ إلى دُخولِ الحماماتِ فوقَ حاجةِ الرِّجالِ؛ لأنَّ المَقصودَ تَحصيلُ الزِّينةِ، والمَرأةُ إلى هذا أحوَجُ مِنْ الرَّجلِ، ويَتمكنُ الرَّجلُ مِنْ الاغتِسالِ في الأنهارِ والحِياضِ، والمَرأةُ لا تَتمكَّنُ مِنْ ذلك.
وعنِ الإمامِ أبي حَنيفةَ -وهو وَجهٌ شاذٌّ للشَّافعيةِ- أنَّ نظَرَ المَرأةِ إلى المَرأةِ كنَظرِالرَّجلِ إلى مَحارمِه، بخِلافِ نَظرِها إلى الرَّجلِ؛ لأنَّ الرِّجالَ يَحتاجونَ إلى زِيادةِ الانكِشافِ للاشتِغالِ بالأعمالِ، فلا يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ إلى ظَهرِها ولا بَطنِها، والأولُ هو الأصَحُّ (١).
وقد تَقدَّمَ حُكمُ نَظرِ المَرأةِ للمَرأةِ لسَببٍ، والرَّجلِ للمَرأة لسَببٍ بالتَّفصيلِ.