وذَهب الشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ في القولِ الآخَرِ إلى وُجوبِ اقتِرانِ النِّيةِ بالتَّكبيرِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فقولُه تَعالَى: ﴿مُخْلِصِينَ﴾، حال لهم في وقتِ العِبادةِ، فإنَّ الحالَ وَصفُ هَيئةِ الفاعِلِ وقتَ الفِعلِ، والإخلاصُ هو النِّيةُ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما الأَعمَالُ بِالنِّياتِ». ولأنَّ النِّيةَ شَرطٌ، لم يَجُز أن تَخلُوَ العِبادةُ منها، كسائرِ الشُّروطِ.
قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: يجبُ في نيَّةِ الصَّلاةِ أن تَكونَ مُقارِنةً لِتَكبِيرةِ الإحرامِ، سَواءٌ ابتَدَأَها مع التَّكبيرِ، أو سبقَ بها واستَصحَبَها ذاكِرًا إلى أن كبَّر، فأمَّا إن نوَى ثم نَسيَ حتى كبَّر، لا يُجزِئُه، خِلافًا لِأبِي حَنيفَةَ في قولِه: إن عَزَبَت نيَّتُه عن قُربٍ مِنْ التَّكبيرِ أجزَأَه؛ لِأَّنها تَكبيرةٌ عَزَبت عن مُقارَنةِ النِّيةِ، كالَّتي تَعزُبُ عن بُعدٍ وتُفارِقُ الوُضوءَ؛ لأنَّها في الصَّلاةِ أضيَقُ (١).
واختارَ النَّوويُّ -تَبَعًا لِإمامِ الحَرمَينِ والغَزاليِّ- الاكتِفاءَ بالمُقارنَةِ العُرفيَّةِ عندَ العَوامِّ؛ بحيثُ يُعَدُّ مُستَحضِرًا لِلصَّلاةِ اقتِداءً بالأوَّلينَ في تَسامُحِهم بذلك.
أمَّا إذا تَأخرَتِ النِّيةُ عن تَكبيرةِ الإحرامِ فلا تُجزِئُ التَّكبيرةُ، وتَكونُ الصَّلاةُ باطِلةً؛ لأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ، وهي لا تَتجَزَّأُ، ولو جازَ تَأخيرُ النِّيةِ لَوقعَ البَعضُ الذي لا نيَّةَ فيه غيرَ عِبادةٍ، وما فيه نيَّةٌ عِبادةً، فيَلزمُ التَّجزُّؤُ، وبهذا قالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ (٢).
стр. 877
٣ - القيامُ لِلقادِرِ في الفَرضِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ القيامَ في الصَّلاةِ المَفروضةِ فَرضٌ على المُطيقِ له، وأنَّه متى أخَلَّ به مع القُدرةِ عليه لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ لِعِمرانَ بنِ حُصَينٍ: «صَلِّ قائِمًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فَقاعِدًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فعلَى جَنبٍ» (١). وقد نقلَ النَّوويُّ وغيرُه الإجماعَ على ذلك.
وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ مَنْ صلَّى جالسًا فَريضةً وهو قادِرٌ على القِيامِ، أنَّ ذلك لا يُجزِئُه، وأنَّ القِيامَ فَرضٌ على كلِّ مَنْ قدَر عليه، وكذلك الرُّكوعُ والسُّجودُ (٢).
كما أجمَعوا على أنَّ مَنْ لا يُطيقُ القيامَ له أن يُصلِّيَ جالسًا؛ لحَديثِ عِمرانَ السابقِ (٣)، ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولمَا رَوى أنَسٌ ﵁ قالَ: «سقطَ النَّبيُّ ﷺ عن
стр. 878
فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، فَدَخَلنَا عليه نَعُودُهُ، فَحَضرَتِ الصَّلاةُ، فَصلَّى بِنَا قاعِدًا، فَصلَّينَا وَراءَهُ قُعُودًا» (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في القِيامِ: الانتِصابُ، فلو انحَنَى مُتخشِّعًا وكانَ قَريبًا إلى حَدِّ الرُّكوعِ، لم تَصحَّ صَلاتُه، ولو لم يقدِر على القيامِ إلا بمُعِينٍ، ثم لا يَتأَذَّى بالقيامِ، لزِمه أن يَستَعينَ بمَن يُقيمُه، فإن لم يَجِد مُتبرِّعًا لزِمه أن يَستَأجِرَه بأُجرةِ المِثلِ، إن وجدَها، ولو قدَر على القِيامِ دونَ الرُّكوعِ والسُّجودِ لِعِلَّةٍ بظَهرِه، لزِمه ذلك؛ لِقُدرَتِه على القِيامِ، و لوِ احتَاجَ في القِيامِ إلى شَيءٍ بحيثُ لو نُحِّيَ سقطَ، صحَّت صَلاتُه مع الكَراهةِ، ومَن عجَز عن الانتِصابِ، وصارَ في حَدَّ الرَّاكعينَ، كمَن تَقَوَّسَ ظَهرُه لِكِبَرٍ أو زَمانةٍ، لزِمه القِيامُ على تلك الحالِ، فإذا أرادَ الرُّكوعَ زادَ في الانحِناءِ إن قدَر عليه (٢).
وقالَ الحَنابلَةُ: إن أمكَنَه القيامُ إلا أنَّه يَخشَى تَباطُؤَ بُرئِه أو زِيادةَ مرَضِه، أو يَشُقُّ عليه مَشقَّةً شَديدةً فله أن يُصلِّيَ قاعِدًا، وبهذا قالَ مالِكٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى جالسًا لمَّا جُحشَ شِقُّه الأيمَنُ، والظَّاهرُ أنَّ مَنْ جُحشَ شِقُّه لا يَعجِزُ عن القِيامِ بالكلِّيَّةِ.
فإن قدَر على القيامِ بأن يتَّكئَ على عَصًا، أو يَستنِدَ على حائِطٍ، أو يَعتمِدَ على أحَدِ جانِبَيه، لزِمه ذلك؛ لأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ؛ فلزِمه، كما لو قدَر بغيرِ هذه الأشياءِ، وإن قدَر على القِيامِ إلا أنَّه يَكونُ على
стр. 879
هَيئةِ الرَّاكعِ، كالأحدَبِ، لزِمه ذلك؛ لأنَّه قِيامٌ مِثلُه، وإن قدَر على القِيامِ أوِ القُعودِ في أثنائِها انتقلَ إليها وأتَمَّهَا.
وأمَّا إن قدَر على القِيامِ وعجَز عن الرُّكوعِ والسُّجودِ أَومَأَ بالرُّكوعِ أو السُّجودِ، أَومَأَ بالرُّكوعِ قائِمًا، وبالسُّجودِ قاعِدًا، وهذا قولُ الشافِعيِّ أيضًا، وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَسقطُ القيامُ عنه (١).
ويُقسِّمُ المالِكيَّةُ رُكنَ القِيامِ إلى رُكنَينِ: القِيامِ بتَكبيرةِ الإحرامِ، والقِيامِ لِقِراءةِ الفاتِحةِ، قالوا: المُرادُ بالقِيامِ القِيامُ استِقلالًا، فلا يُجزِئُ إيقاعُ تَكبيرةِ الإحرامِ في الفَرضِ لِلقادِرِ على القِيامِ جالسًا أو مُنحَنِيًا، ولا قائِمًا مُستَنِدًا لِعُمُدٍ، وحيثُ لو أُزِيلَ لَسقطَ (٢).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إنَّ القيامَ رُكنٌ ويسقطُ عن العاجِزِ عنه حَقيقةً أو حُكمًا، والعَجزُ الحُكميُّ هو: كما لو حصَل له به ألَمٌ شَديدٌ، أو خافَ زِيادةَ المرَضِ بجُرحِهِ إذا قامَ، أو يَسلُسُ بَولُه، أو يَبدُو رُبُعُ عَورتِه، أو يَضعُفُ عن القِراءةِ أصلًا، أمَّا لو قدَر على بعضِ القِراءةِ إذا قامَ فإنَّه يَلزمُه أن يَقرأَ مِقدارَ قُدرَتِه، والبقيةَ قاعِدًا، أو عن صَومِ رَمضانَ، أي أنَّه لو صامَ رَمضانَ صلَّى قاعِدًا، وإن أفطَرَ صلَّى قائِمًا، يَصومُ ويُصلِّي قاعِدًا، فَيَتحَتَّمُ عليه القُعودُ في هذه المَسائِلِ؛ لِعَجزِه عن القِيامِ حُكمًا؛ إذ لو قامَ لزِمَ فَوتُ الطَّهارةِ أو السَّتْرِ أو القِراءةِ أو الصَّومِ بلا خِلافِ (٣).
стр. 880
إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا أيضًا: مَنْ كانَ قادِرًا على القِيامِ إلا أنَّه لا يقدِرُ على الرُّكوعِ والسُّجودِ سقطَ عنه القِيامُ.
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وإن كانَ قادِرًا على القِيامِ دونَ الرُّكوعِ والسُّجودِ يُصلِّي قاعِدًا بالإيماءِ، وإن صلَّى قائِمًا بالإيماءِ أجزَأَه ولا يُستحبُّ له ذلك.
وقالَ زُفَرُ والشافِعيُّ: لا يُجزِئُه، إلا أن يُصلِّيَ قائِمًا، واحتَجَّا بما رَوَينا عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لِعِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁: «فإن لم تَستَطِع فقاعِدًا»، علَّق الجَوازَ قاعِدًا بشَرطِ العَجزِ عن القِيامِ، ولا عَجزَ، ولأنَّ القِيامَ رُكنٌ، لا يَجوزُ تَركُه مع القُدرةِ عليه، كما لو كانَ قادِرًا على القِيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ.
والإيماءُ حالةَ القِيامِ مَشروعٌ في الجُملةِ، بأن كانَ الرَّجلُ في طِينٍ ورَدغَةٍ، راجِلًا، أو في حالةِ الخَوفِ مِنْ العَدُوِّ، وهو راجِلٌ، فإنَّه يُصلِّي قائِمًا بالإيماءِ، كذا ههنا.
ولنا: أنَّ الأغلَبَ أنَّ مَنْ عجَز عن الرُّكوعِ والسُّجودِ كانَ عن القِيامِ أعجَزَ؛ لأنَّ الانتِقالَ مِنْ القُعودِ إلى القِيامِ أشَقُّ مِنْ الانتِقالِ مِنْ القيامِ إلى الرُّكوعِ، والأغلَبُ مُلحَقٌ بالمُتَيَقَّنِ في الأحكامِ، فصارَ كأنَّه عجَز عن الأمرَينِ، إلا أنَّه متى صلَّى قائِمًا جازَ؛ لأنَّه تكلَّف فِعلًا ليس عليه، فصارَ كما لو تكلَّف الرُّكوعَ جازَ، وإن لم يكن عليه، كَذَا ههنا.
ولأنَّ السُّجودَ أصلٌ، وسائِرَ الأركانِ كالتَّابِعِ له؛ لِهذا كانَ السُّجودُ
стр. 881
مُعتبَرًا بدُونِ القِيامِ، كما في سَجدَةِ التِّلاوةِ، وليس القيامُ مُعتبَرًا بدُونِ السُّجودِ، بل لم يُشرع بدُونِه، فإذا سقطَ الأصلُ سقطَ التَّابِعُ ضَرورةً، ولهذا سقطَ الرُّكوعُ عَمَّن سقطَ عنه السُّجودُ، وإن كانَ قادِرًا على الرُّكوعِ وكانَ الرُّكوعُ بمَنزِلةِ التَّابِعِ له، فكذا القيامُ، بل أولَى؛ لأنَّ الرُّكوعَ أشَدُّ تَعظيمًا وإظهارًا لِذُلِّ العُبوديَّةِ مِنْ القِيامِ، ثم لمَّا جُعل تابِعًا له وسقطَ بسُقوطِه، فالقيامُ أَولَى، إلا أنه لو تكلَّف وصلَّى قائِمًا، يَجوزُ؛ لمَا ذكَرنا، ولكن لا يُستحبُّ؛ لأنَّ القيامَ بدُونِ السُّجودِ غيرُ مَشروعٍ، بخِلافِ ما إذا كان قادِرًا على القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّه لم يسقُط عنه الأصلُ، فكَذا التَّابِعُ.
وأمَّا الحَديثُ فنَحنُ نَقُولُ بمُوجِبِه: إنَّ العَجزَ شَرطٌ لكنَّه مَوجودٌ ههنا؛ نَظَرًا إلى الغالِبِ؛ لِما ذكَرنا أنَّ الغالِبَ هو العَجزُ في هذه الحالةِ، والقُدرةُ في غايةِ النُّدرةِ، والنَّادِرُ مُلحَقٌ بالعدمِ، ثم المَريضُ إنما يفارِقُ الصَّحِيحَ فيما يَعجِزُ عنه، فأمَّا فيما يقدِرُ عليه فهو كالصَّحِيحِ؛ لأنَّ المُفارَقةَ لِلعُذرِ؛ فتُقدَّرُ بقَدرِ العُذرِ، حتى لو صلَّى قبلَ وقتِها، أو بغيرِ وُضوءٍ، أو بغيرِ قِراءةٍ عَمدًا أو خَطَأً، وهو يقدِرُ عليها لم يُجزِئهُ، وإن عجَز عنها أومَأَ بغيرِ قِراءةٍ؛ لأنَّ القِراءَةَ رُكنٌ، فتَسقُطُ بالعَجزِ، كالقِيامِ.
ألَا تَرَى أنَّها سَقَطت في حقِّ الأُمِّيِّ، وكذا إذا صلَّى لغيرِ القِبلةِ مُتَعَمِّدًا لذلك، لم يُجزِئه، وإن كانَ ذلك خَطَأً منه أجزَأَه، بأنِ اشتَبهَت عليه القِبلةُ وليس بحَضرَتِه مَنْ يَسأَلُه عنها، فتَحَرى وصلَّى ثم تبيَّن أنَّه أخطَأَ، كما في حقِّ الصَّحِيحِ، وإن كانَ وَجهُ المَريضِ إلى غيرِ القِبلةِ وهو لا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُ وَجهَهُ إلى القِبلةِ ولا يقدِرُ على ذلك بنَفسِه يُصلِّي كذلك؛ لأنَّه ليس في
стр. 882
وُسعِه إلا ذلك، وهل يُعيدُها إذا بَرئَ، رُويَ عن مُحمدِ بنِ مُقاتِلٍ الرَّازِيِّ أنَّه يُعيدُها.
وأمَّا في ظاهِرِ الجَوابِ فلا إعادةَ عليه؛ لأنَّ العَجزَ عن تَحصيلِ الشَّرائِطِ لا يَكونُ فوقَ العَجزِ عن تَحصيلِ الأركانِ، وهناك لا تَجِبُ الإعادةُ، فههنا أَولَى، ولو كان بجَبهتِه جُرحٌ لا يَستَطيعُ السُّجودَ على الجَبهةِ لم يُجزِئه الإيماءُ، وعليه السُّجودُ على الأنفِ؛ لأنَّ الأنفَ مسجدٌ كالجَبهةِ، خُصوصًا عندَ الضَّرورةِ، على ما مرَ، وهو قادِرٌ على السُّجودِ عليه، فلا يُجزِئُه الإيماءُ.
ولو عجَز عن الإيماءِ وهو تَحريكُ الرَّأسِ فلا شَيءَ عليه عندَنا.
وقالَ زُفَرُ: يُومِئُ بالحاجِبَينِ أوَّلًا، فإن عجَز فبالعَينَينِ، فإن عجَز فبقَلبِه.
وقالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ: يُومِئُ بعَينَيِه وبحاجِبَيه، ولا يُومِئُ بقَلبِه.
وَجهُ قولِ زُفَرَ أنَّ الصَّلاةَ فَرضٌ دائِمٌ لا يسقطُ إلا بالعَجزِ، فما عجَز عنه يسقطُ، وما قدَر عليه يَلزمُه بقَدرِه، فإذا قدَر بالحاجِبَينِ كان الإيماءُ بهما أَولَى؛ لأنَّهما أقرَبُ إلى الرَّأسِ، فإن عجَز الآنَ يُومِئُ بعَينَيهِ؛ لأنَّهما مِنْ الأعضاءِ الظَّاهرةِ، وجَميعُ البَدنِ ذو حَظٍّ من هذه العِبادةِ، فكذا العَينانِ، فإن عجَز فبالقَلبِ؛ لأنَّه في الجُملةِ ذو حَظٍّ من هذه العِبادةِ، وهو النِّيةُ، ألَا تَرى أنَّ النِّيةَ شَرطُ صحَّتِها؟ فعندَ العَجزِ تَنتَقلُ إليه.
وَجهُ قولِ الحَسنِ أنَّ أركانَ الصَّلاةِ تُؤدَّى بالأعضاءِ الظَّاهرةِ، فأمَّا الباطِنةُ فليس بذي حَظٍّ مِنْ أركانِها، بل هو ذو حَظٍّ مِنْ الشَّرطِ، وهو النِّيةُ، وهي قائِمةٌ أيضًا عندَ الإيماءِ، فلا يُؤدَّى به الأركانُ والشَّرطُ جَميعًا.
стр. 883
ولنا: ما رُويَ عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في المَريضِ: «إن لم يَستَطِع قاعِدًا فعلى القَفَا يُومِئُ إيماءً، فإن لم يَستَطِع فاللهُ أَولَى بقَبولِ العُذرِ»، أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه مَعذورٌ عندَ اللهِ تَعالى في هذه الحالةِ، فلو كانَ عليه الإيماءُ بما ذَكَرتُم لَمَا كانَ مَعذورًا، ولأنَّ الإيماءَ ليس بصَلاةٍ حَقيقَةً، ولهذا لا يَجوزُ التَّنفُّلُ به في حالةِ الاختِيارِ، ولو كانَ صَلاةً لَجَازَ، كما لو تنَفَّلَ قاعِدًا، إلا أنَّه أُقيمَ مَقامَ الصَّلاةِ بالشَّرعِ، والشَّرعُ وردَ بالإيماءِ بالرَّأسِ، فلا يُقامُ غيرُه مَقامَه، ثم إذا سقطَت عنه الصَّلاةُ بحُكمِ العَجزِ فإن ماتَ مِنْ ذلك المرَضِ لَقيَ اللهَ تَعالى ولا شَيءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدرِك وقتَ القَضاءِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: المَريضُ إذا قدَر على القيامِ وعجَز عن الرُّكوعِ، قامَ فأومَأَ إلى الرُّكوعِ، ولم يَجُز له تَركُ القيامِ بعدَ الرُّكوعِ، خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ في تَخييرِه أن يُصلِّيَ قائِمًا أو جالسًا.
فدَليلُنا قولُه ﷺ لِمَريضٍ عادَه: «صَلِّ قائِمًا، فإن لم تَستَطِع فقاعِدًا»، فعلَّق جَوازَ القُعودِ بالعَجزِ عن القِيامِ، فدلَّ على أنَّه لا يَجوزُ مع القُدرةِ عليه، ولأنَّه رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ، لم يَجُز تَركُه لِلعَجزِ عنه، كالقِراءةِ، ولأنَّه مُتمَكِّنٌ مِنْ القِيامِ في الفَرضِ، كالقادِرِ على الرُّكوعِ، ولأنَّ البَدلَ إنَّما يَكونُ لِلعَجزِ عن المُبدَلِ، لا مع العَجزِ عن غيرِه.
مَسألةٌ: العاجِزُ عن القِيامِ إذا ابتَدَأَ الصَّلاةَ جالسًا، ثم قدَر على القِيامِ،
стр. 884
فإنَّه يَلزمُه أن يَقومَ ويَبنيَ على ما تَقدَّم، خِلافًا لِمُحمدِ بنِ الحَسنِ في قولِه: تبطُلُ صَلاتُه؛ لأنَّه قدَر على القِيامِ في مَوضِعِ القِيامِ، فوجبَ أن يَقومَ ويَبنيَ، وأصلُه: القادِرُ على القِيامِ إذا جلسَ لِلتشهُّدِ الأوَّلِ وفرغَ منه فإنَّه يَقومُ ويَبني على صَلاتِه، ولأنَّ ما مَضى مِنْ صَلاتِه كانَ جائِزًا على حَسَبِ قُدرَتِه، فوجبَ ألَّا تبطُلَ بتَغيُّرِ حالِه، كما لو قدَر على القِيامِ ثم عجَز عنه في بعضِ الصَّلاةِ فقَعد (١).
ورُكنُ القِيامِ خاصٌّ بالفَرضِ مِنْ الصَّلواتِ دونَ النَّفلِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ صلَّى قائِمًا فَهو أَفضَلُ، وَمَنْ صلَّى قاعِدًا فلَه نِصفُ أَجرِ القائِمِ، وَمَنْ صلَّى نَائِمًا فلَه نِصفُ أَجرِ القاعِدِ» (٢).
الصَّلاةُ في السَّفينةِ:
قد تَقدَّم أنَّ القيامَ رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ، إلا أنَّ العُلماءَ قد اختَلَفوا في المُصلِّي في السَّفينةِ هل يَجوزُ له تَركُ القِيامِ مع قُدرَتِه عليه أو لا يَجوزُ؟
فَذَهب الأئمَّةُ الثَّلاثةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَركُ القِيامِ فيها، إلا ألَّا يقدِرَ على القِيامِ، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فَإِنْ لم تَستَطِع فَقاعِدًا» (٣)، وهذا مُستَطيعٌ لِلقِيامِ، ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن الصَّلاةِ في السَّفينةِ، فقالَ: «صَلِّ فيها قائِمًا،
стр. 885
إلَّا أن تَخَافَ الغَرقَ» (١)، ولأنَّ القيامَ رُكنٌ في الصَّلاةِ فلا يسقطُ إلا بعُذرٍ، ولم يُوجَد.
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ: إذا كانت سائِرةً يَجوزُ له أن يُصلِّيَ قاعِدًا إن شاءَ، وإن كانَت مُوَثَّقَةً إلى الشَّطِّ، لا يُصلِّي قاعِدًا إلا ألَّا يقدِرَ على القِيامِ؛ لأنَّ دَورَانَ الرَّأسِ فيها غالِبٌ، والغالِبُ كالمُتحقَّقِ، فأُقيمَ مَقامَه، كالسَّفرِ أُقيمَ مَقامَ المَشقَّةِ، والنَّومِ مَقامَ الحَدثِ، إلا أنَّ القِيامَ أفضَلُ؛ لأنَّه أبعَدُ عن شُبهةِ الخِلافِ؛ والخُروجُ أفضَلُ، لأنَّه أمكَنُ لِقَلبِه (٢).
٤ - قِراءةُ الفاتِحةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قِراءةِ الفاتِحةِ في الصَّلاةِ على الإمامِ والمُنفرِدِ، هل هي رُكنٌ وفَرضٌ مِنْ فَرائِضِ الصَّلاةِ تبطُلُ الصَّلاةُ بتَركِها؟ أو هي واجِبةٌ تَسقُطُ إن تركَها ناسِيًا، ويجبُ عليه الإعادةُ إن تركَها عامِدًا؟ أو هي سُنَّةٌ يَجوزُ تَركُها؟ على قولَينِ لِأهلِ العِلمِ.
стр. 886
القولُ الأوَّلُ: وهو قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ في المَذهبِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ في المَذهبِ ذَهَبوا إلى أنَّ قِراءةَ الفاتِحةِ رُكنٌ من أركانِ الصَّلاةِ، فمَن تركَها مع القُدرةِ عليها لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ فَاتِحَةَ الكتابِ» (١).
عَنِ العَلَاءِ بنِ عَبد الرَّحمنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُريرةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ صلَّى صَلاةً لَم يَقرأ فِيهَا بِأُمِّ القُرآنِ فهي خِدَاجٌ»، ثَلاثا، غيرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لأَبي هُريرةَ: إِنَّا نَكُونُ وَراءَ الإِمَامِ. فقالَ: «اقرَأ بِهَا في نَفسِكَ»؛ فإنِّي سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ تَعالَى: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» (٢).
وفي لَفظٍ عَنِ العَلاءِ بنِ عَبد الرَّحمنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُجزِئُ صَلاةٌ لَا يُقرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ
стр. 887
الكتابِ»، قُلتُ: فَإِنْ كُنْتُ خلفَ الإِمَامِ؟ فَأَخذَ بِيَدِي، وقالَ: «اقرَأ بِهَا في نَفسِكَ يَا فَارِسِيُّ» (١).
وبحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁: «أُمِرنَا أن نَقرَأَ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وما تَيَسَّرَ» (٢).
قالوا: فهذه الآثارُ كلُّها وغيرُها تَدلُّ على وُجوبِ قِراءةِ الفاتِحةِ في الصَّلاةِ، فإنَّ قولَه ﷺ : «لَا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ فَاتِحَةَ الكتابِ»، يدلُّ على نَفيِ الصِّحَّةِ، وكذلك قولُه ﷺ : «فهي خِداجٌ» ثَلاثًا، يدلُّ على النَّقصِ والفَسادِ؛ فوجبَ أن تَكونَ قِراءةُ الفاتِحةِ شَرطًا لِصحَّةِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ قولَه ﷺ : «لَا تُجزِئُ صَلاةٌ لَا يُقرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكتابِ»، يدلُّ على أنَّ مَعنى قولِه: «فهي خِداجٌ» أنَّه النَّقصُ الذي لا تُجزِئُ الصَّلاةُ معه، لا النَّقصُ الذي يَجوزُ معه الصَّلاةُ.
وقولُه تَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي مَا سَأَلَ … »، فلمَّا عبَّر بالصَّلاةِ عن قِراءةِ فاتِحةِ الكتابِ دلَّ على أنَّها مِنْ فُروضِها، كما أنَّه لمَّا عبَّر عن الصَّلاةِ بالقُرآنِ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وأرادَ قِراءةَ صَلاةِ الفَجرِ، دلَّ على أنَّها من
стр. 888
فُروضِها، وكما عبَّر عنها بالرُّكوعِ، فقالَ: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، دلَّ على أنَّه من فُروضِها.
وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لِلمُسيءِ صَلاتَه: «إذا استَقبَلتَ القِبلَةَ فَكَبِّر، ثم اقرَأ بِأُمِّ القُرآنِ، ثم اقرَأ بِمَا شِئتَ، أو بِمَا شَاءَ اللهُ أن تَقرَأَ … » الحَديثَ (١).
وهذا مِنْ أحسَنِ الأدلَّةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَذكُر له في هذا الحَديثِ إلا الفَرضَ (٢).
القولُ الآخَرُ: وهو قولُ الحَنفيَّةِ والإمامِ مالِكٍ وأحمدَ في رِوايةٍ عنهما ذَهَبوا إلى أنَّ الصَّلاةَ تُجزِئُ بدُونِ فاتِحةِ الكتابِ مع الإساءةِ، ولا تبطُلُ صَلاتُه إن كانَ عامِدًا، وإن كانَ ساهِيًا يَلزمُه سُجودُ السَّهوِ. وجعلَ الحَنفيَّةُ قِراءةَ الفاتِحةِ مِنْ واجِباتِ الصَّلاةِ؛ لِثُبوتِها بخَبرِ الواحدِ الزائِدِ على قولِه تَعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والزِّيادةُ، وإن كانَت لا تَجوزُ، يجبُ العملُ بها، ومِن أجلِ ذلك قالوا بوُجوبِها.
стр. 889
قالوا: ولأنَّ الفاتِحةَ وسائِرَ القُرآنِ سَواءٌ في سائرِ الأحكامِ، فكذا في الصَّلاةِ.
وقالوا: إنَّ قولَه تَعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، يدلُّ على أنَّ الواجِبَ أن يَقرأَ أيَّ شَيءٍ تَيَسَّرَ مِنْ القُرآنِ؛ لأنَّ الآيةَ وَرَدت في القِراءةِ في الصَّلاةِ، بدَليلِ قولِه تَعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠]، إلى قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولم تَختلِفِ الأمَّةُ على أنَّ ذلك في شَأنِ الصَّلاةِ في اللَّيلِ، وذلك عُمومٌ عندَنا في صَلاةِ اللَّيلِ وغيرِها مِنْ النَّوافِلِ والفَرائِضِ؛ لعُمومِ اللَّفظِ.
وأمَّا حَديثُ عُبادَةَ: «لَا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ فَاتِحَةَ الكتابِ»، فقد حَمَلوه على نَفيِ الكَمالِ، لا على نَفيِ الحَقيقةِ، ومَعناه عندَهم: «لا صَلاةَ كامِلةً لِمَنْ لم يَقرأ بفاتِحةِ الكتابِ». ولذلك قالوا: تَصحُّ الصَّلاةُ مع الكَراهةِ.
وأمَّا حَديثُ أبي هُريرةَ: «فهي خِدَاجٌ، فهي خِدَاجٌ … » إلخ، فقالوا: فيه ما يدلُّ لنا؛ لأنَّ (الخِداجَ) النَّاقِصةُ، وهذا يدلُّ على جَوازِها مع النُّقصانِ؛ لأنَّها لو لم تكُن جائِزةً لَمَا أُطلِقَ عليها اسمُ النُّقصانِ؛ لأنَّ إثباتَها ناقِصةً يَنفي بُطلانَها؛ إذ لا يَجوزُ الوَصفُ بالنُّقصانِ لِلشَّيءِ الباطِلِ الذي لم يثبُت منه شَيءٌ.
ألَا تَرَى أنَّه لا يُقالَ لِلنَّاقةِ إذا حالَت فلم تَحمِل: إنَّها قد أخدَجَت؟ وإنَّما يُقالَ: أخدَجَت، وخَدَجَت، إذا ألقَت وَلَدَها ناقِصَ الخِلقةِ، أو وضعَته لغيرِ تَمامٍ في مدَّةِ الحَملِ، فأمَّا التي لم تَحمِل فلا تُوصَفُ بالخِداجِ،
стр. 890
فثَبت بذلك جَوازُ الصَّلاةِ بغيرِ فاتِحةِ الكتابِ؛ إذِ النُّقصانُ غيرُ نافٍ لِلأصلِ، بل يَقتَضي ثُبوتَ الأصلِ حتى يَصحَّ وَصفُها بالنُّقصانِ، وقد رَوى أيضًا عَبَّادُ بنُ عَبد اللهِ بنِ الزُّبَيرِ عن عائِشَةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتِحةِ الكتابِ فهي خِداجٌ»، فأثبَتَها ناقِصةً، وإثباتُ النُّقصانِ يُوجِبُ ثُبوتَ الأصلِ على ما وَصَفنا، وقد رُويَ أيضًا عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ الرَّجلَ لَيُصلِّي الصَّلاةَ يُكتَبُ له نِصفُها، خُمُسُها، عُشرُها»، فلم يُبطِل جُزءًا بنُقصانِها.
وأيضًا الحَديثُ الصَّحِيحُ في الصَّحيحَينِ في حَديثِ المُسيءِ في صَلاتِه عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ دخلَ المَسجدَ، فدخلَ رَجلٌ فصلَّى، ثم جاءَ فسلَّم على رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فردَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ السَّلامَ، قالَ: «ارجِع فصَلِّ؛ فَإنَّكَ لم تُصَلِّ». فرَجعَ الرَّجلُ فصلَّى كما كانَ صلَّى، ثم جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فسلَّم عليه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : وعَلَيكَ السَّلامُ، ثم قالَ: «ارجِع فصَلِّ؛ فَإنَّكَ لم تُصَلِّ». حتى فعَلَ ذلك ثَلاث مرَاتٍ، فقالَ الرَّجلُ: وَالَّذي بعَثكَ بالحقِّ ما أُحسِنُ غيرَ هذا، عَلِّمنِي. قالَ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّر، ثم اقرَأ ما تَيَسَّرَ معَكَ مِنْ القُرآنِ، ثم اركَع، حتى تَطمَئن رَاكعًا، ثم ارفَع حتى تَعتدِلَ قائِمًا، ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم ارفَع حتى تَطمَئن جالسًا، ثم افعَل ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا» (١)، فقولُ النَّبيِّ ﷺ : «ثم اقرأ ما تَيَسَّرَ معَكَ مِنْ
стр. 891
القُرآنِ»، هذا في حالِ البَيانِ، فلو كانَتِ الفاتِحةُ واجِبةً لَذكرَها، وما رُويَ: «ثم اقرَأ بفاتِحةِ الكتابِ»، لا يُعرَفُ، والمَشهورُ ما بيَّناه، ولو ثَبت لم يكن فيه دِلالةٌ؛ لِجَوازِ أن يَكونَ ذكرَ الأمرَينِ، فبيَّن بأحَدِهما الوُجوبَ، وبالآخَرِ المَسنونَ (١).
وقالَ خَليلٌ في شَرحِ مُختَصَرِ ابنِ الحاجِبِ: وكَونُها فَرضًا في الجُملةِ هو المَنصوصُ، ولابنِ زِيادٍ فيمَن صلَّى ولم يَقرأ: لا إعادةَ عليه. رَواهُ الواقِدِيُّ عن مالِكٍ، وكذلك نقلَ المَازِرِيُّ عن ابنِ شبلونَ أنَّه قالَ بسُقوطِ فَريضةِ الفاتِحةِ مُطلَقًا؛ قالَ: لِحَملِ الإمامِ لها، والإمامُ لا يَحمِلُ فَرضًا (٢).
قِراءةُ الفاتِحةِ في كلِّ رَكعةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ قِراءةِ الفاتِحةِ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ رَكعاتِ الصَّلاةِ، هل يجبُ عليه أن يَقرأَها في كلِّ رَكعةٍ؟ أو تُجزِئُ في رَكعتَينِ من أربَعٍ؟
فذَهب المالِكيَّةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ قِراءةَ الفاتِحةِ واجِبةٌ على الإمامِ والمُنفرِدِ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ الصَّلواتِ الخَمسِ على الإطلاقِ؛ لحَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، وفيه قولُ النَّبيِّ ﷺ : «ثم افعَل
стр. 892
ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا» (١). وفي رِوايةٍ: «ثم أصنَع ذلك في كلِّ رَكعَةٍ» (٢). وقد علَّمه فيها أن يَقرأَ بأُمِّ القُرآنِ.
وبحَديثِ أبي قَتادةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ الظُّهرِ وَالعَصرِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وَسُورَةٍ، وَيُسمِعُنَا الآيَةَ أَحيَانًا، وَيَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُخرَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ» (٣). وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» مُتفقٌ عليه.
وبِقولِ اللهِ تَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ … » الحَديثَ (٤).
قالَ العُلماءُ: المُرادُ بالصَّلاةِ هنا الفاتِحةُ، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تَصحُّ إلا بها (٥).
وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ قِراءةَ الفاتِحةِ لا تَجِبُ على الإمامِ والمُنفرِدِ إلا في رَكعَتينِ مِنْ الرُّباعياتِ، ومِنَ المَغربِ، غَير مُعيَّنتَينِ سَواءٌ كانَتَا الأُولَيَينِ أو الأُخرَيَينِ، أو في إحدى الأُولَيَينِ وإحدى الأُخرَيَينِ، إلا أنَّ الأفضَلَ أن تَكونَ القِراءةُ في الأُولَيَينِ، فأمَّا رَكعتَا الفَجرِ فتَجِبُ القِراءةُ فيهما؛ لقولِ اللهِ
стр. 893
تَعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبحَديثِ عَبد اللهِ بنِ عُبَيدِ اللهِ قالَ: «دَخَلتُ على ابنِ عبَّاسٍ في شَبابٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَقُلنا لِشَابٍّ مِنَّا: سَلِ ابنَ عبَّاسٍ: أَكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقرأُ في الظُّهرِ وَالعَصرِ؟ فقالَ: لَا، لَا. فَقِيلَ له: فلَعلَّهُ كان يَقرأُ في نَفسِهِ. فقالَ: خَمشًا، هذه شَرٌّ مِنْ الأُولَى، كانَ عَبدًا مَأمُورًا، بَلَّغَ ما أُرسِلَ بِه، وما اختَصَّنَا دونَ النَّاسِ بِشَيءٍ إلا بِثَلاث خِصَالٍ: أَمرَنَا أن نُسبِغَ الوُضُوءَ، وألَّا نَأكُلَ الصَّدَقَةَ، وألَّا نُنزِيَ الحِمَارَ على الفَرَسِ» (١).
وعن عِكرِمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لَا أَدرِي أَكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقرأُ في الظُّهرِ وَالعَصرِ أَمْ لَا» (٢).
وبحَديثِ عُبادةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ بِأُمِّ القُرآنِ»، وهذا لا يَقتَضي أكثرَ مِنْ مرَةٍ.
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا في الأُخرَيَينِ فالأفضَلُ أن يَقرأَ فيهما بفاتِحةِ الكتابِ، ولو سَبَّحَ في كلِّ رَكعةٍ ثَلاثَ تَسبيحاتٍ مَكانَ فاتِحةِ الكتابِ، أو سكتَ، أجزَأَته صَلاتُه، ولا يَكونُ مُسيئًا إن كانَ عامِدًا، ولا سَهوَ عليه إن كانَ ساهِيًا، كذا رَوى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه مُخيَّرٌ بينَ قِراءةِ الفاتِحةِ والتَّسبيحِ والسُّكوتِ، وهذا جَوابُ ظاهِرِ الرِّوايةِ، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ (٣).
стр. 894
وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ ابنُ خُوَيزِ مَندادَ: لم يختلِف قولُ مالِكٍ أنَّه مَنْ نَسيَها -أي: الفاتِحةَ- في صَلاةِ رَكعةٍ مِنْ صَلاةِ رَكعتَينِ -مِثلَ الفَجرِ- أنَّ صَلاتَه تبطُلُ ولا تُجزِئُه، واختَلفَ قولُه فيمَن تركَها ناسِيًا في رَكعةٍ مِنْ صَلاةٍ رُباعيَّةٍ أو ثُلاثيَّةٍ، فقالَ مرَّةً: يُعيدُ الصَّلاةَ، وقالَ مرَّةً: يَسجُدُ سَجدَتَيِ السَّهوِ، وهي رِوايةُ ابنِ عَبد الحَكَمِ وغيرِه عن مالِكٍ. وقد قيلَ: إنَّه يُعيدُ تلك الرَّكعةَ ويَسجُدُ لِلسَّهوِ بعدَ السَّلامِ.
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: الصَّحِيحُ مِنْ القولِ إلغاءُ تلك الرَّكعةِ، ويأتي برَكعةٍ بَدلًا منها، كمَن أسقَطَ سَجدةً سَهوًا، وهو اختِيارُ ابنِ القاسِمِ (١).
وقالَ الخرَشيُّ ﵀: قولُه: «وهل تَجِبُ الفاتِحةُ في كلِّ رَكعةٍ، أو الجُلِّ، خِلافٌ (ش) الأوَّلُ لِمالِكٍ في المُدَوَّنةِ، وشَهَّرَهُ ابنُ شاسٍ وابنُ الحاجِبِ وعَبدُ الوهَّابِ وابنُ عَبد البرِّ؛ لِخَبرِ «مَنْ صلَّى صَلاةً لم يَقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ خِداجٌ خِداجٌ»، أي: غيرُ تَمامٍ، بِناءً على أنَّ المُرادَ بالصَّلاةِ كلُّ رَكعةٍ؛ لأنَّه الظاهرُ مِنْ السِّياقِ؛ إذ مَحَلُّ القِراءةِ مِنْ الصَّلاةِ كلُّ قِيامٍ، فهو كما قيلَ: كلُّ صَلاةٍ لم يُركَع فيها، أو لم يُسجَد، وقيلَ: تَجِبُ في الجُلِّ، وتُسَنُّ في الأقَلِّ، وإليه رَجعَ مالِكٌ، وشَهَّرَهُ صاحِبُ الإرشادِ، وهو ابنُ عَسكَرٍ القَرافيُّ، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وإن ضَعَّفَه في تَوضيحِه بما يُعلَمُ بالوُقوفِ عليه، وقيلَ يَكتَفي بها في رَكعةٍ، وهو قولُ المُغيرةِ: لا يُقالَ: كيف يَقولُ المُؤلِّفُ: خِلافٌ، مع أنَّه ضَعَّفَ القولَ الثانيَ؟ لأنَّا نَقُولُ: هو مُتقيِّدٌ بالتَّشهيرِ المَوجودِ لِأهلِ المَذهبِ، ولا يُعَوَّلُ على ما يَظهرُ له، وعلى
стр. 895
القولَينِ إن تركَها سَهوًا ولم يُمكِن تَلافيها بطَلت تلك الرَّكعةُ، وإن أمكَنَ تَلافيها وتَلافاها صحَّت، وإن لم يَتلافاها أو تُرِكت عَمدًا بطَلتِ الصَّلاةُ كلُّها، والتَّفصيلُ الذي ذكرَه المُؤلِّفُ في التَّوضيحِ عن ابنِ رُشدٍ مع طُولِه ضَعيفٌ، والمُعَوَّلُ عليه قولُه، وبتَركِ رُكنٍ، وطالَ، وبَنَى إن لم يسلِّم ولم يَعقِد رُكوعًا، ورَجعَتِ الثانيةُ أَولَى ببُطلانِها لِفَذٍّ، وإمامٍ، إلخ، وقولُه: أو الجُلِّ، أي: وتُسَنُّ في الأقَلِّ، لكِن لا كحُكمِ السُّننِ، فإن تركَها عَمدًا بطَلت صَلاتُه باتِّفاقِ كُلٍّ مِنْ القولَينِ؛ لأنَّ هذه سُنَّةٌ شُهِرت فَرضيَّتُها، وإن تركَهَا سَهوًا سجدَ قبلَ السَّلامِ، فإن لم يَسجُد بطَلت صَلاتُه، وإن لم يكن عن ثَلاثِ سُنَنٍ؛ لأنَّ هذه سُنَّةٌ شُهِرت فَرضيَّتُها، وقالَ التَّتائِيُّ: وفُهِمَ مِنْ قولِه: «الجُلِّ»، أنَّ المَتروكَ منها القِراءةُ، ثُلاثيَّةً أو رُباعيَّةً، وأنه لو تَرَكها في رَكعةٍ مِنْ ثُنائيَّةٍ، أو في اثنَتَينِ مِنْ رُباعيَّةٍ لم يكنِ الحكمُ كذلك، على أنَّه حَكى ابنُ عَطاءِ اللهِ في تَوضيحِه في ذلك قولَينِ، أشهَرُهما: يَتمادَى ويَسجُدُ قبلَ السَّلامِ، ويُعيدُ، وهو مَذهبُ المُدَوَّنةِ، وثانيهما لِأصبَغَ، وابنِ عَبد الحَكَمِ: يُلغي ما تركَ منه قِراءةَ الفاتِحةِ ويَسجُدُ بعدَ السَّلامِ. انتَهى، لكنَّ الذي في التَّوضيحِ أنَّه يَتمَادَى ويَسجُدُ قبلَ السَّلامِ، ويُعيدُ احتِياطًا» (١).
قِراءةُ المَأمومِ الفاتِحةَ خلفَ الإمامِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ المَأمومَ إذا أدرَكَ الإمامَ راكِعًا فإنَّه يَحمِلُ عنه القِراءةَ؛ لاتِّفاقِهم على سُقوطِ القِراءةِ عنه برُكوعِ الإمامِ.
وأمَّا إذا أدرَكَه قائِمًا فهل يَقرأُ خلفَه، أو تَكفيه قِراءةُ الإمامِ؟
стр. 896
اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك على أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: وُجوبُ قِراءةِ الفاتِحةِ خلفَ الإمامِ، سَواءٌ كانَتِ الصَّلاةُ سِريَّةً أو جَهريَّةً، وهو مَذهبُ الشافِعيَّةِ، واستدَلُّوا على ذلك: بعُمومِ قولِه ﷺ : «لا صَلاة لِمَنْ لم يَقرأ بِفَاتِحَةِ الكتابِ» (١). قالوا: فهذا عامٌّ يَشمَلُ الإمامَ والمَأمُومَ، سَواءٌ كانَتِ الصَّلاةُ سرِّيَّةً أو جَهريَّةً، فمَن لم يَقرأ بفاتِحةِ الكتابِ لم تَصحَّ صَلاتُه.
وبحَديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ قالَ: كُنَّا خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ في صَلاةِ الفَجرِ، فَقرأَ رَسولُ اللهِ ﷺ فَثَقُلَت عليه القِراءَةُ، فلمَّا فرغَ قالَ: «لَعلَّكُم تَقرَؤُونَ خلفَ إِمَامِكُم؟» قُلنا: نَعم، هَذًّا يا رَسولَ اللهِ. قالَ: «لَا تَفعَلُوا، إلا بِفَاتِحَةِ الكتابِ؛ فإنَّه لَا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ بها» (٢). ولأنَّ مَنْ لزِمه قِيامُ القِراءةِ لزِمه القِراءةُ مع القُدرةِ، كالإمامِ والمُنفرِدِ.
وبحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ صلَّى صَلاةً لم يَقرأ فيها بِأُمِّ القُرآنِ فهي خِدَاجٌ … » ثَلاثًا، فقيلَ لِأبي هُريرةَ: وإنا نَكونُ وَراءَ الإمامِ. فقالَ: اقرَأ بها في نَفسِكَ (٣).
وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فإنَّما أُمِرنا بالإنصاتِ عن الكَلامِ وما لا يَجوزُ في الصَّلاةِ.
стр. 897
القولُ الثاني: أنَّ الصَّلاةَ إذا كانَت سرِّيَّةً قرأَ خلفَ الإمامِ، وإذا كانَت جَهريَّةً لا يَقرأُ، وهو مَذهبُ الحَنابلَةِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: إن سمِع في صَلاةِ الجَهرِ لم يَقرأ، وإن لم يَسمَع قرأَ.
والحُجَّةُ لِهذا القولِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وهذا عندَ أهلِ العِلمِ عندَ سَماعِ القُرآنِ في الصَّلاةِ، لا يختلِفونَ أنَّ هذا الخِطابَ نزلَ في هذا المَعنى دونَ غيرِه.
قالَ الإمامُ أحمدُ: أجمعَ النَّاسُ على أنَّ هذه الآيَةَ في الصَّلاةِ.
ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يَكونُ إلا في صَلاةِ الجَهرِ؛ لأنَّ السِّرَّ لا يُستَمَعُ إليه.
وفي حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ انصَرفَ مِنْ صَلاةٍ، فقالَ: «هل قرأَ مَعِيَ أَحدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟» فقالَ رَجلٌ: نَعم يا رَسولَ اللهِ. قالَ: «إنِّي أَقُولُ: ما لي أُنَازَعُ القُرآنَ»، قالَ: فَانتَهى النَّاسُ عن القِراءَةِ مع رَسولِ اللهِ ﷺ فِيمَا جهرَ فيه النَّبيُّ ﷺ بالقِراءَةِ مِنْ الصَّلواتِ حين سَمِعُوا ذلك مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأيضًا: فإنَّه إجماعٌ، قالَ أحمدُ: ما سَمِعنا أحَدًا من أهلِ الإسلامِ يَقولُ: إنَّ الإمامَ إذا جهرَ بالقِراءةِ لا تُجزِئُ صَلاةُ مَنْ خلفَه إذا لم يَقرأ، وقالَ هذا النَّبيُّ ﷺ وأصحابُه والتَّابِعونَ، وهذا مالِكٌ في أهلِ الحِجازِ، وهذا الثَّورِيُّ في أهلِ العِراقِ، وهذا الأوزاعِيُّ في أهلِ الشَّامِ، وهذا اللَّيثُ في أهلِ مِصرَ، ما قالوا لِرَجلٍ صلَّى وقرأَ إمامُه ولم يَقرأ هو: صَلاتُه
стр. 898
باطِلةٌ، ولأنَّها قِراءةٌ لا تَجِبُ على المَسبوقِ، فلم تَجِب على غيرِه، كالسُّورةِ.
قالَ أبو داودَ: قيلَ لِلإمامِ أحمدَ ﵀: فإنَّه -يَعني المَأمومَ- قرأَ بفاتِحةِ الكتابِ، ثم سمِع قِراءةَ الإمامِ. قالَ: يَقطعُ إذا سمِع قِراءةَ الإمامِ، ويُنصِتُ لِلقِراءةِ. وإنَّما قالَ ذلك اتِّباعًا لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وإذا قرأَ فَأَنصِتُوا» (١).
القولُ الثالِثُ: أنَّه لا يَقرأُ في الجَهريَّةِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ، ولو لم يَسمَع قِراءَةَ الإمامِ، ويَقرأُ في السِّريَّةِ استِحبابًا، وهو مَذهبُ المالِكيَّةِ.
نقلَ القُرطُبيُّ عن مالِكٍ: أنَّه لا يَقرأُ في الجَهريةِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ خلفَ الإمامِ، وأمَّا في السِّريَّةِ فيَقرأُ بفاتِحةِ الكتابِ، فإن تركَ قِراءتَها فقد أساءَ، ولا شَيءَ عليه (٢).
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: وفي إجماعِ أهلِ العِلمِ على أنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، لم يَرد في كلِّ مَوضِعٍ يُسمَعُ فيه القُرآنُ، وإنَّما أرادَ الصَّلاةَ، فهو أوضَحُ الدَّلائِلِ على أنَّه لا يَقرأُ مع الإمامِ فيما جهرَ فيه، ويَشهَدُ لِهذا قولُ رَسولِ اللهِ ﷺ : «وإذا قرأَ فَأَنصِتُوا» (٣).
стр. 899
وقالَ الإمامُ ابنُ عَرفةَ: لا تَلزَمُ الفاتِحُة مَأمومًا، خِلافًا لابنِ العَربيِّ في السِّريَّةِ ولا يَقرؤُها في جَهريَّةٍ، ولو لم يَسمَع قِراءةَ الإمامِ، خِلافًا لابنِ نافِعٍ (١).
وقالَ بَهرامٌ الدَّمِيريُّ: قولُه: (على إمامٍ وفَذٍّ) يُريدُ: أنَّ المَأمومَ لا يُطالَبُ بالقِراءةِ إلا استِحبابًا في السِّريَّةِ (٢).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: فَرضُ القِراءةِ ساقِطٌ عن المَأمومِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وفي وُجوبِ الإنصاتِ مَنعُ كلِّ شاغِلٍ عنه، ولقولِه ﷺ : «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكَبِّروا، وإذا قرأَ فأَنصِتُوا»، ففيه أدلَّةٌ:
أحَدُها: أمرُه بالإنصاتِ، وذلك يَنفي وُجوبَ القِراءةِ.
الثاني: أنَّه قَصد تَعليمَ ما يَلزمُه أن يَفعلَه خلفَ الإمامِ، ولم يَذكُرِ القِراءةَ.
والثَّالثُ: أنَّه بينَ ما يَفعلُ المَأمُومُ فيه مثلَ فِعلِ الإمامِ، وما مِنْ حقِّه أن يَفعلَ فيه بخِلافِ فِعلِه. وفي القولِ بأنَّ على المَأمومِ أن يَقرأَ إبطالٌ لِمَوضِعِ التَّفرِقةِ.
ولقولِه: «مَنْ كانَ له إِمَامٌ فَقِراءَةُ الإِمَامِ له قِراءَةٌ» (٣).
стр. 900
ورَوى عَبد اللهِ بنُ شَدَّادٍ «أنَّ رَجلًا قرأَ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وآخَرُ يَنهاهُ، فلمَّا انصَرفَ قالَ له: إنَّ قراءَةَ الإمامِ لكَ قِراءةٌ».
ورَوى أبو الدَّرداءِ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أفي كلِّ صَلاةٍ قِراءةٌ؟ قالَ: «نَعم». فقالَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ: وجبَت هذه. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما أرَى الإمَامَ إذا أمَّ القَومَ إلا قد كفَاهُم» (١).
ورَوى أبو قِلابةَ أنَّه ﷺ قالَ: «هل تَقرَؤُونَ خلفَ إمامِكُم؟»، قالَ بعضٌ: نَعم، وقالَ بَعضٌ: لا. فقالَ: «إن كُنْتُمْ لا بدَّ فاعِلِينَ فليَقرأ أحَدُكم فاتِحَةَ الكتابِ في نَفسِهِ» (٢).
ففيه أدلَّةٌ: أحَدُها: لم يُنكِر على مَنْ قالَ: لا. والثاني: أنَّه قالَ: «إن كُنْتُمْ لا بدَّ فاعِلينَ»، وهذا لا يُقالُ في الواجِبِ، وإنَّما يُقالُ فيما تَركُه أَولَى مِنْ فِعلِه. والثَّالثُ: أنَّه أمرَه أن يَقرأَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في نَفسِهِ، وهو يَتضَمَّنُ النَّهيَ عن التَّلَفُّظِ بها.
ولقولِه: «كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتِحةِ الكتابِ فهي خِداجٌ، إلا وَراءَ الإمامِ» (٣)، ولأنَّها حالُ ائتِمامٍ، كما لو أدرَكَه راكِعًا.
ولأنَّ ذلك لو كانَ واجِبًا على المَأمومِ لم يسقُط عنه بحالٍ، كالإمامِ والمُنفرِدِ، فلمَّا سَقَطت عنه حالَ الرُّكوعِ، دلَّ على أنَّها غيرُ واجِبةٍ.
(فَصلٌ): إذا قرأَ حالَ جَهرِ الإمامِ، كُرِهَ ذلك، ولم تبطُل صَلاتُه، خِلافًا لِبعضِهم؛ لأنَّ القِراءةَ خلفَ الإمامِ لا تُبطِلُ صَلاةَ المَأمومِ، كحالِ الإسرارِ (٤).
стр. 901
القولُ الرَّابعُ: أنَّ المَأمومَ لا يَقرأُ خلفَ الإمامِ، لا في السِّريَّةِ ولا في الجَهريَّةِ، ولا يُسنُّ له القِراءةُ خلفَ الإمامِ بحالٍ، وهو قولُ الحَنفيَّةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فهذه الآيةُ تَقتَضي وُجوبَ الاستِماعِ والإنصاتِ عندَ قِراءةِ القُرآنِ في الصَّلاةِ وغيرِها، فإن قامَت دِلالةٌ على جَوازِ تَركِ الاستِماعِ والإنصاتِ في غيرِها لم يَبطُل حكمُ دِلالَتِه في إيجابِه ذلك فيها، وكما دلَّتِ الآيَةُ على النَّهيِ عن القِراءةِ خلفَ الإمامِ فيما يَجهَرُ به، فهي دِلالةٌ على النَّهيِ فيما يُخفِي؛ لأنَّه أوجَبَ الاستِماعَ والإنصاتَ، عندَ قِراءةِ القُرآنِ، ولم يُشترَطَ فيه حالُ الجَهرِ مِنْ الإخفاءِ، فإذا جهرَ فعلينا الاستِماعُ والإنصاتُ، وإذا أخفَى فعلَينا الإنصاتُ بحُكمِ اللَّفظِ؛ لِعِلمِنا به قارِئًا لِلقُرآنِ.
وقالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ صلَّى خلفَ إمامٍ، فإنَّ قِراءَةَ الإمامِ قِراءةٌ له» (١). وهو يَشمَلُ السِّريَّةَ والجَهريَّةَ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما جُعل الإِمَامُ لِيُؤتمَّ بِه؛ فإذا كبَّر فَكَبِّرُوا، وإذا قرأَ فَأَنصِتُوا».
ولِما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى صَلاةَ الظُّهرِ، أوِ العَصرِ، فقالَ: «أَيُّكُم قرأَ خَلفِي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟» فقالَ رَجلٌ: أنا، ولَم أُرِد بها إلا الخَيرَ. قالَ: «قد عَلِمتُ أنَّ بَعضَكُم خَالَجَنِيهَا» (٢). أي: نازَعَنِيها، وهذا يدلُّ على إنكارِ القِراءةِ في صَلاةٍ سِريَّةٍ، ففي الجَهريَّةِ أَولَى.
стр. 902
وقالوا: لو وَجَبتِ القِراءةُ على المَأمومِ لَمَا سقطَت عن المَسبوقِ، كسائرِ الأركانِ، فقاسُوا قِراءةَ المُؤتَمِّ على قِراءةِ المَسبوقِ في حُكمِ السُّقوطِ، فتَكونُ غيرَ مَشروعةٍ (١).
٥ - الرُّكوعُ:
أجمعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الرُّكوعَ رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، الآيةَ، ولِلأحادِيثِ الثَّابِتةِ في ذلك، منها حَديثُ المُسيءِ صَلاتَه، فعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ المَسجدَ، فَدخلَ رَجلٌ فَصلَّى فَسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فَردَّ وقالَ: «ارجِع فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ»، فَرَجعَ يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاء فَسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ: «ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ». ثَلاثا، فقالَ: وَالَّذي بعَثَكَ بِالحقِّ ما أُحسِنُ غيرَهُ، فَعَلِّمنِي، فقالَ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّر، ثم اقرَأ ما تَيَسَّرَ معَكَ مِنْ القُرآنِ، ثم اركَع حتى تَطمَئن رَاكِعًا، ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا، ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم ارفَع حتى تَطمَئن جالسًا، وَافعَل ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا» (٢). فدلَّ هذا على أنَّ الأفعالَ المُسمَّاةَ في الحَديثِ لا تَسقُطُ بحالٍ، فإنَّها لو سَقَطت لَسقطَت عن الأعرابيِّ؛ لِجَهلِه بها. وقد نقلَ الإجماعَ على ذلك النَّوويُّ وابنُ قُدامةَ وابنُ تيميَّةَ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم كَثيرون (٣).
стр. 903
إدراكُ الرَّكعةِ بإدراكِ الرُّكوعِ مع الإمامِ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ أدرَكَ الإمامَ راكِعًا فكبَّر ورَكَعَ وأمكَنَ يَديهِ مِنْ رُكبتَيهِ قبلَ أن يَرفَعَ الإمامُ رَأسَه مِنْ الرَّكعةِ فقد أدرَكَ الرَّكعةَ، ومَن لم يُدرِك ذلك فقد فاتَتهُ الرَّكعةُ، ومَن فاتَته الرَّكعةُ فقد فاتَته السَّجدةُ، أي: لا يُعتَدُّ بها، ويَسجُدُها، وذلك لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا جِئتُم إلى الصَّلاةِ وَنَحنُ سُجودٌ فَاسجُدُوا ولا تَعُدُّوهَا شَيئًا، وَمَنْ أَدرَكَ الرَّكعَةَ فقد أَدرَكَ الصَّلاةَ». وفي لَفظٍ: «مَنْ أَدرَكَ الرُّكُوعَ فقد أَدرَكَ الرَّكعَةَ» (١)، ولأنَّه لم يَفُتهُ مِنْ الأركانِ شَيءٌ إلا القِيامَ، وهو يَأتي به مع تَكبيرةِ الإحرامِ، ثم يُدرِكُ الإمامَ مع بَقيَّةِ الرَّكعةِ، وهذا إذا أدرَكَ الإمامَ في طُمَأنينةِ الرُّكوعِ، أو انتَهى إلى قَدرِ الإجزاءِ مِنْ الرُّكوعِ قبلَ أن يَزولَ الإمامُ عن قَدرِ الإجزاءِ، فهذا يُعتدُّ له بالرَّكعةِ، ويَكونُ مُدرِكًا لها، فأمَّا إن كانَ المَأمومُ يَركَعُ والإمامُ يَرفَعُ لم يُجزِئه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعليه أن يَأتيَ بالتَّكبيرةِ مُنتَصبًا، فإن أتى بها بعدَ أنِ انتَهى مِنْ الانحِناءِ إلى قَدرِ الرُّكوعِ، أو ببعضِها، لم يُجزِئه؛ لأنَّه أتى بها مِنْ غيرِ مَحَلِّها إلا في النافِلةِ، ولأنَّه يَفوتُه القِيامُ، وهو مِنْ أركانِ الصَّلاةِ، ثم
стр. 904
يَأتي بتَكبيرةٍ أُخرى لِلرُّكوعِ في حالِ انحِطاطِه إليه، فالأُولى رُكنٌ لا تَسقُطُ بحالٍ، والثانيةُ تَكبيرةُ الرُّكوعِ، والمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّها تَسقُطُ ههنا، ويُجزِئُه تَكبيرةٌ واحدةٌ، نقلَه أبو داود وصالِحٌ، ورُويَ ذلك عن الشافِعيِّ ومالِكٍ وأصحابِ الرَّأيِ (١).
٦ - الاعتِدالُ:
اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، وفي وُجوبِ الاعتِدالِ عنه قائِمًا.
فقالَ أبو حَنيفَةَ ﵀: لا يَجِبانِ، ولو انحَطَّ مِنْ الرُّكوعِ إلى السُّجودِ كُرِهَ له ذلك، وأجزَأَه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لم يَأمُر به، وإنما أمرَ بالرُّكوعِ والسُّجودِ والقِيامِ، فلا يجبُ غيرُه، ولأنَّه لو كانَ واجبًا لتَضمَّنَ ذِكرًا واجِبًا، كالقِيامِ الأوَّلِ.
لكِن ذَهب بَعضُ فُقهاءِ الحَنفيَّةِ إلى القولِ بوُجوبِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، منهم المُحقِّقُ ابنُ الهُمامِ وتِلميذُه ابنُ أميرِ الحاجِّ حتى قالَ: إنَّه الصَّوابُ؛ لمُواظَبتِه على ذلك كلِّه، ولِلأمرِ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، ولمَا ذكرَه قاضي خانَ مِنْ لُزومِ سُجودِ السَّهوِ بتَركِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ ساهِيًا.
قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: والحاصِلُ أنَّ الأصحَّ رِوايةً ودِرايةً وُجوبُ تَعديلِ الأركانِ، وأمَّا القَومَةُ والجَلسةُ وتَعديلُها فالمَشهورُ في المَذهبِ السُّنِّيةُ، ورُويَ وُجوبُها، وهو المُوافِقُ لِلأدلَّةِ، وعليه الكَمالُ، ابنُ الهُمامِ، ومَن بعدَه
стр. 905
مِنْ المُتأخِّرينَ، وقالَ أبو يُوسفَ بفَرضيَّةِ الكلِّ، واختارَه في المَجمَع، والعينِيُّ، رَواه الطَّحاوِيُّ عن أئِمَّتِنا الثَّلاثةِ، وقالَ في الفَيضِ: إنَّه الأحوَطُ (١).
وذَهب المالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الرَّفعَ مِنْ الرُّكوعِ فَرضٌ، فمَن لم يَرفَع رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ لم يَعتَدَّ بتلك الرَّكعةِ حتى يَقومَ فيَعتدِلَ صُلبُه قائِمًا.
وذلك لقولِ النَّبيِّ ﷺ لِلمُسِيءِ صَلاتَه: «ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا» (٢). ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ دَاوَمَ عليه؛ لقولِ أبي حُمَيدٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ : «فإذا رفعَ رَأسَه استَوَى حتى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ مَكانَهُ» (٣)، ولقولِه ﷺ : «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّى»، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا تُجزِئُ صَلاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجلُ فِيهَا صُلبَه في الرُّكُوعِ وَالسُّجودِ» (٤).
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: وقالَ ﷺ : «لا تُجزِئُ رَجلًا صَلاتُه حتى يُقيمَ فيها ظَهرَه في رُكوعِه وسُجودِه» (٥).
стр. 906
وقالَ أبو حَنيفَةَ فيمَن صارَ مِنْ الرُّكوعِ إلى السُّجودِ ولم يَرفَع رَأسَه أنَّه يُجزِئُه. وقالَ أبو يُوسفَ: لا يُجزِئُه.
وقالَ الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ والطَّبرِيُّ: إذا لم يَرفَع رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ لم يُعتَدَّ بتلك الرَّكعةِ حتى يَقومَ فيَعتدِلَ صُلبُه قائِمًا.
قالَ أبو عمرَ: أحاديثُ هذا البابِ تَدلُّ على صحَّةِ هذا القولِ، وما رَوى فيه ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ هو الصَّوابُ، وعليه العُلماءُ، ورِوايةُ ابنِ عَبد الحَكَمِ، قد رَوى مِثلَها ابنُ القاسِمِ، ولا أعلَمُ أحَدًا تَقدَّم إلى هذا القولِ غيرُ أبي حَنيفَةَ، والأحاديثُ المَرفوعةُ في هذا البابِ تَرُدُّه (١).
ثم أكثرُ المالِكيَّةِ على أنَّ الاعتِدالَ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ سُنَّةٌ، وليس رُكنًا من أركانِ الصَّلاةِ، قالوا: فيَسجُدُ لتَركِه سَهوًا، وتبطُلُ الصَّلاةُ بتَركِه عَمدًا؛ لأنَّه سُنَّةٌ اشتُهِرت فَرضيَّتُها.
قالَ الدُّسوقيُّ: قالَ شَيخُنا -أبو الحَسنِ العدويُّ- هذا هو الرَّاجحُ كما يُستَفادُ مِنْ كَلامِ الحَطَّابِ (٢).
стр. 907
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: الاعتِدالُ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ غيرُ مُستحَقٍّ عندَ مالِكٍ، ومِن شُيُوخِنا مَنْ يَزعُمُ أنَّه مُستحَقٌّ، على قولِه، وهو قولُ الشافِعيِّ، والذي رَأيتُ مَنصوصًا لابنِ القاسِمِ وعلِيِّ بن زيادٍ عنه أنَّه إنِ انحَطَّ قبلَ الاعتِدالِ فلا شَيءَ، والدَّليلُ عليه أنَّ الاعتِدالَ قِيامٌ، فلو كانَ فَرضًا لَكانَ عُقَيبَه رُكوعٌ، كالقِيامِ الأوَّلِ، ولأنَّ القِيامَ رُكنٌ قبلَ الرُّكوعِ، فوجبَ ألَّا يَتكرَّرَ فَرضُه في الرَّكعةِ، كالقِراءةِ، ولأنَّ هذا الرَّفعَ أُريدَ لِفَصلٍ بينَ الرُّكوعِ والسُّجودِ، فوجبَ أن يَكتَفيَ منه بما دونَ الاعتِدالِ؛ لأنَّ الفَصلَ يَقعُ به، وكلُّ ما أُريدَ به فِعلُ فَصلٍ فإنَّه إذا حصَل ذلك الفَصلُ كفَى في وُجوبِه، ولأنَّه فِعلٌ مِنْ الرَّفعِ ما خرَج به عن أن يَكونَ راكِعًا أو مُقارِبًا لِلرُّكوعِ، كما لوِ اعتَدلَ.
مَسألةٌ: والرَّفعُ مِنْ الرُّكوعِ واجِبٌ، وإن كانَ الاعتِدالُ الذي فيه غيرَ واجِبٍ، فإنِ انحَطَّ ساجِدًا وهو راكِعٌ، فلا يُجزِئُه على الظَّاهرِ مِنْ المَذهبِ. ورَأيتُ في بعضِ الكُتُبِ عن مالِكٍ، أو عن بعضِ أصحابِه أنَّه يُجزِئُه، وليس بشَيءٍ يُعَوَّلُ عليه، ودَليلُنا على أنَّه لا يُجزِئُه -خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ- قولُه ﷺ : «لا يُجزِئُ الرَّجلَ صَلاةٌ لا يُقيمُ فيها صُلبَه في الرُّكوعِ والسُّجودِ»، وقولُه: «ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا»، ولأنَّ الرُّكوعَ رُكنٌ مِنْ الفِعلِ وجبَ الفَصلُ بينَهما، اعتِبارًا بالرَّفعِ مِنْ السُّجودِ (١).
وحَدُّ الاعتِدالِ عندَ المالِكيَّةِ: ألَّا يَكونَ مُنحَنِيًا، والكَمالُ منه
стр. 908
الاستِقامةُ، حتى يَعودَ كلُّ عُضوٍ إلى مَحَلِّه، وعلى هذا فلا يَضُرُّ بَقاؤُه مُنحَنِيًا يَسيرًا حالَ اعتِدالِه واطمِئنانِه؛ لأنَّ هذه الهَيئةَ لا تُخرِجُه عن أن يَكونَ قائِمًا.
وصرَّح الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ بأنَّه لا بدَّ مِنْ الطُّمَأنينةِ في الاعتِدالِ (١).
٧ - السُّجودُ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ السُّجودَ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولحَديثِ المُسِيءِ صَلاتَه المُتقَدِّمِ، وفيه: «ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا»، والخِلافُ فيه كالخِلافِ في طُمانِينةِ الرُّكوعِ.
واتَّفَقُوا على أنَّ السُّجودَ على سَبعَةِ أعضاءٍ مَشروعٌ، وهي بَوادِرُ الوَجهِ، واليَدانِ، والرُّكبَتانِ، وأطرافُ أصابِعِ الرِّجلَينِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أُمِرتُ أن أَسجُدَ على سَبعَةِ أَعظُمٍ: الجَبهةِ -وَأَشَارَ بِيَدِه على أَنفِه وَاليَدينِ-، وَالرِّجلَينِ، وَأَطرَافِ القَدمَينِ» (٢).
ثم اختَلَفوا في الفَرضِ في ذلك، فقالَ أبو حَنيفَةَ: الفَرضُ من ذلك جَبهتُه أو أنفُه، غيرُ عَينٍ، حتى لو وضعَ أحَدهما في حالةِ الاختِيارِ يُجزِئُه،
стр. 909
غيرَ أنَّه لو وضعَ الجَبهةَ وَحدَها جازَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، ولو وضعَ الأنفَ وَحدَه يَجوزُ مع الكَراهةِ.
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ بوُجوبِ الجَبهةِ (قَولًا واحدًا)، فلوِ اقتَصرَ عليها جازَ، ويَكفي بَعضُها، والأنفُ مُستحَبٌّ، فلو تركَه جازَ، ولوِ اقتَصرَ عليه وتركَ الجَبهةَ لم يَجُز، وله في بقيةِ الأعضاءِ قَولانِ، الصَّحِيحُ الوُجوبُ، كما سَيَأتي، فلو أخَلَّ بعُضوٍ منها لم تَصحَّ صَلاتُه.
واختلَفتِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ، فرَوى عنه ابنُ القاسِمِ أنَّ الفَرضَ يتعلَّقُ بالجَبهةِ، فأمَّا الأنفُ إن أخَلَّ به أعادَ في الوقتِ، استِحبابًا، ولم يُعِد بعدَ خُروجِ الوقتِ، فأمَّا إن أخَلَّ بالجَبهةِ مع القُدرةِ، واقتَصرَ على الأنفِ، أعادَ أبَدًا.
وقالَ ابنُ حَبيبٍ (مِنْ أصحابِه): الفَرضُ يتعلَّقُ بهما معًا، ورَوى أشهَبُ عنه كمَذهبِ أبي حَنيفَةَ.
قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكِيُّ ﵀: إذا سجدَ على جَبهتِه دونَ أنفِه أجزَأَه، واستَحبَبنا له الإعادةَ في الوقتِ، وقالَ ابنُ حَبيبٍ: لا يُجزِئُه، وحُكِيَ مِثلُه عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه.
ودَليلُنا قولُه ﷺ : «أُمِرتُ أن أسجُدَ على سَبعةِ أعضاءٍ»، فذكرَ الجَبهةَ، ولم يَذكُرِ الأنفَ، ولأنَّ ما سِوَى الجَبهةِ مِنْ الوَجهِ لا يَلزمُه السُّجودُ عليه، كالذَّقَنِ، ولأنَّ الوَجهَ عُضوٌ لِلسُّجودِ، فوجبَ أن يُجزِئَ منه جُزءٌ واحدٌ، كاليَدينِ.
стр. 910
وإذا سجدَ على أنفِه دونَ جَبهتِه مع القُدرةِ عليه فلا يُجزِئُه، خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ؛ لقولِه ﷺ : «ثم يَسجُدُ فيُمَكِّنُ جَبهتَه».
ويُروَى «جَبهتَه مِنْ الأرضِ، حتى تَطمَئن مفَاصِلُه» (١).
ولأنَّه مَوضِعٌ مِنْ الوَجهِ، فلم يَنُبِ السُّجودُ عليه عن الجَبهةِ، أصلُه الذَّقَنُ، ولأنَّ كلَّ عُضوٍ جازَ تَركُ السُّجودِ عليه مِنْ غيرِ عُذرٍ لم يَجُز الاقتِصارُ عليه، كسائرِ أعضاءِ السُّجودِ (٢).
وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايَتَانِ، إحداهما: تَعلُّقُ الفَرضِ بالجَبهةِ خاصَّةً، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيِّ، كما مرَ، فلو تركَ السُّجودَ عليها حالَ الاختِيارِ لا يُجزِئُه.
والأُخرى: تَعلُّقُه بهما (الجَبهةِ والأنفِ)، وهي المَشهورةُ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أُمِرتُ أن أَسجُدَ على سَبعَةِ أَعظُمٍ: الجَبهةِ، -وأَشَارَ بِيَدِه على أَنفِه وَاليَدينِ-، وَالرِّجلَينِ، وَأَطرَافِ القَدمَينِ». وإشارتُه على أنفِه تَدلُّ على أنَّه أرادَه. وقولُه ﷺ : «لا صَلاةَ لِمَنْ لا يُصِيبُ أَنفُه مِنْ الأَرضِ ما يُصِيبُ الجَبِينُ» (٣).
واحتَجَّ القائِلونَ بوُجوبِ الجَبهةِ أنَّه لو سجدَ على أنفِه وَحدَه لا يُجزِئُه بإجماعِ الصَّحابةِ، فقد نقلَ ابنُ المُنذرِ إجماعَ الصَّحابةِ على أنَّه لا يُجزِئُ
стр. 911
السُّجودُ على الأنفِ وَحدَه، فقالَ: لا أعلَمُ أحَدًا سبقَه -أي: أبا حَنيفَةَ- إلى هذا القولِ، ولَعلَّه ذَهب إلى أنَّ الجَبهةَ والأنفَ عُضوٌ واحدٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا ذكرَ الجَبهةَ أشارَ إلى أنفِه، والعُضوُ الواحدُ يُجزِئُه السُّجودُ على بعضِه، وهذا قَولٌ يُخالِفُ الحَديثَ الصَّحِيحَ والإجماعَ الذي قبلَه؛ فلا يَصحُّ (١).
السُّجودُ على باقي الأعضاءِ:
ذَهب الشافِعيَّةُ في الصَّحِيحِ والحَنابلَةُ إلى أنَّ السُّجودَ على باقي الأعضاءِ واجِبٌ؛ لحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ المُتقَدِّمِ. ورَوى ابنُ عمرَ عن النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اليَدينِ تَسجُدَانِ كما يَسجُدُ الوَجهُ، فإذا وضعَ أحَدُكم وَجهَهُ فَليَضَع يَديهِ، وإذا رفعَ فَليَرفَعهُمَا» (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسُجودُ الوَجهِ لا يَنفي سُجودَ ما عَداه، فإن أخَلَّ بالسُّجودِ بِعُضوٍ مِنْ هذه الأعضاءِ لم تَصحَّ صَلاتُه، وإن عجَز عن السُّجودِ على بعضِ هذه الأعضاءِ سجدَ على بَقيَّتِها، وقرَّب العُضوَ
стр. 912
المَريضَ مِنْ الأرضِ غايةَ ما يُمكِنُه، ولم يَجِب عليه أن يَرفَعَ إليه شَيئًا، ولأنَّ السُّجودَ هو الهُبوطُ، ولا يَحصلُ ذلك برَفعِ المَسجودِ عليه، وإن سقطَ السُّجودُ على الجَبهةِ لِعارِضٍ أو غيرِه، سقطَ عنه السُّجودُ على غيرِه؛ لأنَّه الأصلُ، ولأنَّ غيرَه تَبَعٌ له، فإذا سقطَ الأصلُ سقطَ التَّبَعُ، ولهذا قالَ أحمدُ في المَريضِ الذي يَرفَعُ إلى جَبهتِه شَيئًا يَسجُدُ عليه أنَّه يُجزِئُه.
وقالَ أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ في القولِ الآخَرِ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يجبُ السُّجودُ على باقي الأعضاءِ، والسُّجودُ على الجَبهةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «سجدَ وَجهِي»، وهذا يدلُّ على أنَّ السُّجودَ على الوَجهِ، ولأنَّ الساجِدَ على الوَجهِ يُسمَّى ساجِدًا، ووَضعُ غيرِه على الأرضِ لا يُسمَّى به ساجِدًا، والأمرُ بالسُّجودِ يَنصرِفُ إلى ما يُسمَّى به ساجِدًا دونَ غيرِه.
وذكرَ الآمِديُّ هذا رِوايةً عن أحمدَ، قالَ القاضي في الجامِعِ: هو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَريضِ الذي يَرفَعُ شَيئًا يَسجُدُ عليه، أنه يُجزِئُه، ومَعلومٌ أنَّه أخَلَّ بالسُّجودِ على يَديه.
وقالوا: إنَّ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ: «أُمِرتُ أنَّ أَسجُدَ على سَبعَةِ أَعظُمٍ»، مَحمُولٌ على السُّنِّيةِ، بدَليلِ آخرِ الحَديثِ، وهو قولُه ﷺ : «ولا أَكفِتَ الشَّعرَ»؛ فإنَّهم نَصُّوا على عدمِ البُطلانِ بكَفتِه، وهذا يدلُّ على أنَّ الأمرَ ليس لِلوُجوبِ، ولا يُقالُ: إذًا لا يجبُ السُّجودُ على الجَبهةِ؛ فإنَّها مِنْ جُملةِ السَّبعةِ، نَقولُ: السُّجودُ أُخِذت فَرضيَّتُه مِنْ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وحَقيقةُ السُّجودِ وَضعُ الجَبهةِ بالأرضِ (١).
стр. 913
٨ - الجُلوسُ بينَ السَّجدتَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ، هل هو رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ، أو سُنَّةٌ؟
فَذَهب الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ الجُلوسَ بينَ السَّجدتَينِ رُكنٌ من أركانِ الصَّلاةِ؛ لقولِه ﷺ لِلمُسيءِ صَلاتَه: «ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ جالسًا»، وفي رِوايةٍ: «حتى تَطمَئن جالسًا، وَافعَل ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا» رَواه الشَّيخانِ، وفي الصَّحيحَينِ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذَا سجدَ فَرفعَ رَأسَه لم يَسجُد حتى يَستَوِيَ جالسًا»، ولأنَّه رَفعٌ واجِبٌ، فكانَ الاعتِدالُ عنه واجِبًا، كالرَّفعِ مِنْ السَّجدةِ الأخيرةِ.
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ إلى أنَّ الجُلوسَ بينَ السَّجدتَينِ ليس بواجِبٍ، بل هو سُنَّةٌ، بل يَكفي عندَ أبي حَنيفةَ أن يَرفَعَ رَأسَه مثلَ حَدِّ السَّيفِ؛ لأنَّ هذه جَلسةُ فَصلٍ بينَ مُتَشاكِلَينِ، فلم تكُن واجِبةً.
والمُعتَمدُ عندَ المالِكيَّةِ صحَّةُ صَلاةِ مَنْ لم يَرفَع يَديهِ عن الأرضِ حالَ الجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ، حيثُ اعتَدلَ.
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: الاعتِدالُ في الجَلسةِ بينَ السَّجدتَينِ يخرجُ على الاعتِدالِ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، وقد ذكَرناه (١).
стр. 914
٩ - الجُلوسُ لِلتشهُّدِ الأخيرِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الجَلسةَ في آخرِ الصَّلاةِ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ.
ثم اختَلَفوا في مِقدارِها، فقالَ أبو حَنيفَةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: الجُلوسُ بقَدرِ التشهُّدِ فَرضٌ، فلوِ انصَرفَ قبلَ أن يَجلِسَ هذا القَدرَ فَسَدَت صَلاتُه.
والتَّحقيقُ مِنْ مَذهبِ الإمامِ مالِكٍ ﵀: أنَّ الجُلوسَ بمِقدارِ إيقاعِ السَّلامِ فيها هو الفَرضُ عندَه، وما عَداه مَسنونٌ، وعليه فلو رفعَ رَأسَه مِنْ السُّجودِ واعتَدلَ جالسًا وسلَّم، كان ذلك الجُلوسُ هو الواجِبَ، وفاتَته السُّنةُ، ولو جلسَ ثم تَشهَّدَ ثم سلَّم كانَ آتِيًا بالفَرضِ والسُّنةِ، ولو جلسَ وتَشهَّدَ ثم استَقَلَّ قائِمًا وسلَّم كانَ آتِيًا بالسُّنةِ، تاركًا لِلفَرضِ، فتبطُلَ صَلاتُه بالاتِّفاقِ (١).
قالَ ابنُ عَبد البرِّ في التَّمهيدِ: والجُلوسُ بينَ السَّجدتَينِ فَرضٌ لا خِلافَ فيه، وكذلك الجَلسةُ الأخيرةُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ فَرضٌ أيضًا، وما أعلَمُ أحَدًا خالَفَ فيها إلا بَعضُ البَصريِّينَ بحَديثٍ ضَعيفٍ انفَرَد به مَنْ لا حُجَّةَ في نَقلِه، فكيف بانفِرادِه (٢).
стр. 915
١٠ - التشهُّدُ الأخيرُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في التشهُّدِ الأخيرِ، هل هو فَرضٌ أو واجِبٌ أو سُنَةٌّ؟ فَذَهب الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّه سُنَّةٌ، وليس بواجِبٍ.
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: التشهُّدانِ جَميعًا مَسنونانِ غيرُ مَفروضَينِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في إيجابِه الأخيرَ، ولغيرِه في إيجابِه إيَّاهُما؛ لقولِه ﷺ لِلأعرابيِّ لمَّا علَّمه الصَّلاةَ: «ثم اجلِس حتى تَطمَئن جالسًا، فإذا فَعَلتَ ذلك فقد تَمَّت صَلاتُكَ» ففيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّ التشهُّدَ لو كانَ مَفروضًا لَعلَّمه إيَّاه مع عِلمِه بأنَّه لا يُحسِنُ الصَّلاةَ.
والآخَرُ: قولُه: «فقد تَمَّت صَلاتُكَ»، فحَكَمَ بتَمامِها مع عدمِ هذا، ولأنَّه ذِكرٌ يَختَصُّ بالجُلوسِ، فلم يكن فَرضًا كالأوَّلِ، ولا يَدخلُ ﵇؛ لأنَّه لا يَختَصُّ بالجُلوسِ؛ لأنَّه يُؤتى به في الجِنازةِ، وإن شِئتَ قُلتَ: قبلَ التَّحليلِ، ولأنَّه ذِكرٌ يَتكرَّرُ في الصَّلاةِ إذا لم يكنِ الأوَّلُ واجِبًا، فكذلك الآخَرُ، كالتَّعظيمِ في الرُّكوعِ، والدُّعاءِ في السُّجودِ، وقِراءةِ ما عَدا الفاتِحةِ، ولأنَّه ذِكرٌ لا يُجهَرُ به في الصَّلاةِ على حالٍ، كالتَّوجيهِ على أصلِهم، والدُّعاءِ على أصلِ الجَميعِ، ولأنَّه جُملةُ ذِكرٍ مِنْ شَرطِه الشَّهادَتَانِ، فأشبَهَ الأذانَ والإقامةَ، ولأنَّه ذِكرٌ في تَضاعِيفِ الصَّلاةِ، ليس مِنْ المُعجِزِ، كسائرِ الأذكارِ، ولأنَّ ألفاظَه وردَت مُختَلِفةً غيرَ مُتعيَّنةٍ، فدلَّ على أنَّه غَيُر واجِبٍ، لأنَّ الأذكارَ المَفروضةَ مُتعيَّنةٌ، كالتَّحريمِ والتَّسليمِ والقِراءةِ.