إلَّا أنَّ الفُقهاءُ اختَلفُوا في حًدِّ العَورةِ، هل هي ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ؟ أم القُبلُ والدُّبرُ فقط؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عَورةَ الرَّجلِ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، فيَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى الرَّجلِ إلى سائرِ جَسدِه إلَّا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ فلا يَجوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، ولا بأسَ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ مِنْ الرَّجلِ إلى مَوضعِ الخِتانِ ليَختنَه ويَداويهِ بعدَ الخَتْنِ.
وكذا إذا كانَ بمَوضعِ العَورةِ مِنْ الرَّجلِ قَرحٌ أو جُرحٌ أو وقَعَتِ الحاجةُ إلى مُداواةِ الرَّجلِ.
والدَّليلُ على أنَّ ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ ما رَواهُ الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِه عن جَرهدٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَآهُ قد كشَفَ عن فَخذِه فقالَ: يا جَرهدُ غَطِّ فَخذَكَ، فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ» (١).
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «إذا زوَّجَ أحَدُكم عبْدَه أمَتَه أو أَجيرَهُ فلا يَنظرْ إلى شيءٍ مِنْ عَورتِه؛ فإنَّ ما تحتَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ» (٢)، وهذا نَصٌّ، والحُرُّ والعَبدُ في هذا سَواءٌ؛ لتَناوُلِ النصِّ لهُما جَميعًا.
стр. 8507
وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَورةَ هي القُبلُ والدُّبرُ؛ لِما رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ يَومَ خَيبَرَ حَسَرَ الإزارَ عن فَخذِه حتَّى إنِّي لَأنظُرُ إلى بَياضِ فَخذِ النبيِّ ﷺ » (١)، ولِمَا رَوتْ عائِشةُ أنها قالَتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجِعًا في بَيتي كاشِفًا عن فَخذَيهِ أو ساقَيهِ، فاستَأذنَ أبو بَكرٍ فأَذِنَ له وهو على تلكَ الحالِ، فتَحدَّثَ، ثمَّ استَأذنَ عُمرُ فأَذِنَ له وهو كذلكَ فتحَدَّثَ، ثمَّ استَأذنَ … » الحَديث (٢)، وهذا يَدلُّ على أنهُ ليسَ بعَورةٍ، ولأنهَ ليسَ بمَخرجٍ للحَدثِ، فلم يَكنْ عَورةً كالسَّاقِ، وعليهِ يَجوزُ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى غيرِ القُبلِ والدُّبرِ مِنْ الرَّجلِ.
وله أنْ يَنظرَ إلى السُّرةِ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ والصَّحيحِ عندَ الشَّافعيةِ.
وفي قَولٍ للشَّافعيةِ هي عَورةٌ.
والدَّليلُ على أنها ليسَتْ مِنْ العَورةِ ما رُويَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ «أنه كانَ إذا اتَّزَرَ أبدَى عن سُرَّتِه»، وقالَ أبو هُريرةَ للحسَنِ ﵄: «أَرنِي المَوضعَ الَّذي كانَ يُقبِّلُه رسولُ اللهِ ﷺ منكَ، فأبدَى عن سُرَّتِه فقبَّلَها أبو هُريرةَ ﵁»، والتَّعاملُ الظَّاهرُ فيما بينَ النَّاسِ أنهم إذا اتَّزرُوا في الحمَّاماتِ أبدَوا عن السُّرةِ مِنْ غيرِ نَكيرِ مُنكِرٍ دليلٌ على أنه ليسَ بعورةٍ.
стр. 8508
ثمَّ اختَلفُوا هل له أنُ يَنظرَ إلى الرُّكبةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَنظرَ إلى الرُّكبةِ، لقولِ النبيِّ ﷺ : «الرُّكبةُ مِنْ العَورةِ» (١)، ولأنَّ الرُّكبةَ عُضوٌ مُركَّبٌ مِنْ عَظمِ السَّاقِ والفَخذِ على وَجهٍ يَتعذَّرُ تَمييزُه، والفَخذُ مِنْ العَورةِ، والسَّاقُ ليسَ مِنْ العَورةِ، فعندَ الاشتباهِ يَجبُ العَملُ بالاحتِياطِ، وذلكَ فيما قُلنَا بخِلافِ السُّرةِ؛ لأنه اسمٌ لِمَوضعٍ مَعلومٍ لا اشتِباهَ فيه، وقد رُويَ عن سيِّدنا عُمرَ ﵁ «أنه كانَ إذا اتَّزرَ أبدَى سُرَّتَه»، ولو كانَتْ عَورةً لَمَا احتُملَ منه كَشفُها.
وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرُّكبةَ ليسَتْ مِنْ العَورةِ؛ لأنَّ الرُّكبةَ حَدٌّ، فلم تَكنْ مِنْ العَورةِ كالسُّرةِ (٢).
وقَد تَقدَّمتِ المَسألةُ في كِتابِ الصَّلاةِ مِنْ كِتابِنا هذا في حَدِّ عَورةِ الرَّجلِ.
стр. 8509
نَظرُ المَرأةِ إلى المَرأةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَحرمُ أنْ تَنظرَ المرأةُ إلى عَورةِ المَرأةِ لغيرِ ضَرورةٍ؛ لِمَا رواه مُسلمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَنظرُ الرَّجلُ إلى عَورةِ الرَّجلِ، ولا المرأةُ إلى عَورةِ المرأةِ، ولا يُفضِي الرَّجلُ إلى الرَّجلِ في ثَوبٍ واحِدٍ، ولا تُفضِي المرأةُ إلى المرأةِ في الثَّوبِ الواحِدِ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيهِ -أي هذا الحَدِيث- تَحريمُ نَظرِ المَرأةِ إلى عَورةِ المَرأةِ، وهذا لاخِلافَ فيه (٢).
وأمَّا حَدُّ العَورةِ بالنِّسبةِ للمَرأةِ مع المرأةِ فهو ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ، فكُلَّ ما يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إليه مِنْ الرَّجلِ يَحلُّ للمَرأةِ أنْ تَنظرَ إليه مِنْ المَرأةِ، وكُلَّ ما لا يَحلُّ له لا يَحلُّ لها، فتَنظرُ المَرأةُ مِنْ المَرأةِ إلى سائِرِ جَسدِها إلَّا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ؛ لأنه ليسَ في نَظرِ المَرأةِ إلى المرأةِ خَوفُ الشَّهوةِ والوقوعِ في الفِتنةِ، كما ليسَ ذلكَ في نَظرِ الرَّجلِ إلى الرَّجلِ، حتَّى لو خافَتْ ذلكَ تَجتنِبُ عن النَّظرِ كما في الرَّجلِ، ولا يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ ما بينَ سُرَّتها إلى الرَّكبةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، بأنْ كانَتْ قابِلةً فلا بأسَ لها أنْ تَنظرَ إلى الفَرْجِ عندَ الوِلادةِ، وكذا لا بأسَ أنْ تَنظرَ إليه لمَعرفةِ
стр. 8510
البَكارةِ في امرأة العِنِّينِ والجاريةِ المُشتراةِ على شَرطِ البَكارةِ إذا اختَصمَا.
وعليهِ: لا يُمنَعْنَ عن الدُّخولِ في الحمَّامِ، خِلافًا لِما يَقولُه بعضُ النَّاسِ؛ لأنَّ العُرفَ الظَّاهرَ في جَميعِ البُلدانِ ببِناءِ الحمَّاماتِ للنساءِ، وتَمكينُهنَّ مِنْ دُخولِ الحمَّاماتِ دَليلٌ على صحَّةِ ذلك، وحاجةُ النِّساءِ إلى دُخولِ الحماماتِ فوقَ حاجةِ الرِّجالِ؛ لأنَّ المَقصودَ تَحصيلُ الزِّينةِ، والمَرأةُ إلى هذا أحوَجُ مِنْ الرَّجلِ، ويَتمكنُ الرَّجلُ مِنْ الاغتِسالِ في الأنهارِ والحِياضِ، والمَرأةُ لا تَتمكَّنُ مِنْ ذلك.
وعنِ الإمامِ أبي حَنيفةَ -وهو وَجهٌ شاذٌّ للشَّافعيةِ- أنَّ نظَرَ المَرأةِ إلى المَرأةِ كنَظرِالرَّجلِ إلى مَحارمِه، بخِلافِ نَظرِها إلى الرَّجلِ؛ لأنَّ الرِّجالَ يَحتاجونَ إلى زِيادةِ الانكِشافِ للاشتِغالِ بالأعمالِ، فلا يَجوزُ لها أنْ تَنظرَ إلى ظَهرِها ولا بَطنِها، والأولُ هو الأصَحُّ (١).
وقد تَقدَّمَ حُكمُ نَظرِ المَرأةِ للمَرأةِ لسَببٍ، والرَّجلِ للمَرأة لسَببٍ بالتَّفصيلِ.
стр. 8511
نَظرُ المَرأةِ الكافِرةِ إلى المُسلِمةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَورةِ المَرأةِ المُسلمةِ مع الكافِرةِ، هل يجوزُ للمَرأةِ المُسلمةِ أنْ تُمكِّنَ المرأةَ الكافرةَ -كِتابيةً أو غيرَها- مِنْ النَّظرِ إليها مثلَ المَرأةِ المُسلمةِ فتَنظرَ إليها إلى غَيرِ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ؟ أم لا يَجوزُ لها أنْ تَتكشَّفَ أمامَها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في الأصَحِّ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ والشَّافعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ عَورةَ المرأةِ المُسلمةِ معَ الكافرةِ كعَورةِ المُسلمةِ مع الرَّجلِ الأجنَبيِّ، فلا يَجوزُ للمُسلمةِ أنْ تُظهِرَ أمامَ الكافرةِ إلَّا وجْهَها وكَفَّيها على الصَّحيحِ عندَهم.
وفي قَولٍ للشَّافعيةِ: تَرَى منها ما يَبدُو في المِهنةِ.
وفي قَولٍ للمالِكيةِ: الوَجْه والأطرَاف.
والدَّليلُ على عَدمِ جَوازِ إظهارِ غيرِ ذلكَ قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: النِّساءِ المُسلِماتِ، والكافرةُ ليسَتْ مِنْ نِسائِهنَّ، فلو جازَ نَظرُ المرأةِ الكافرةِ لَمَا بقيَ للتَّخصيصِ فائِدةٌ.
وصَحَّ عن عُمرَ ﵁ أنه منَعَ الذمِّياتِ مِنْ دُخولِ الحمَّاماتِ معَ المُسلِماتِ.
стр. 8512
ولأنها قد تَصِفُها لزَوجِها الكافرِ، فالتَّحريمُ لِعارِضٍ لا لِكونِه عَورةً، ولا يَلزمُ مِنْ حُرمةِ الكَشفِ كَونُ ذلكَ عَورةً، إلَّا أنْ تَكونَ الكافرةُ أمَتَها، وإلَّا كانَتْ عَورتُها معها كرَجلٍ مع مِثلِه، أي ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والمالِكيةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ في مُقابلِ الأصحِّ -وهو ما رجَّحَه الغَزاليُّ- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا فَرقَ بينَ المُسلمةِ والكافرةِ، فيَجوزُ للمَرأةِ المُسلمةِ أنْ تُظهِرَ للكافرةِ كلَّ جَسدِها ما عدا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، فلا فَرقَ بينَ المُسلمتَينِ وبينَ المُسلمةِ والذمِّيةِ، كما لا فَرقَ بينَ الرَّجلينِ المُسلمينِ وبينَ المُسلمِ والذمِّيِّ في النَّظرِ.
قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: ذهَبَ بعضُ النَّاسِ إلى أنها لا تضَعُ خِمارَها عندَ اليَهوديةِ والنَّصرانيةِ، وأمَّا أنا فأذهَبُ إلى أنها لا تَنظرُ إلى الفَرْجِ ولا تَقبَلُها حينَ تَلدُ.
ولأنَّ النِّساءَ الكوافِرَ مِنْ اليَهودياتِ وغيرِهنَّ قد كُنَّ يَدخُلْنَ على نِساءِ النبيِّ ﷺ فلمْ يَكنَّ يَحتجِبْنَ ولا أُمِرْنَ بحِجابٍ.
وعن عائِشةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ «أنَّ يَهوديةً جاءَتْ تَسألُها فقالَتْ لها: أعاذَكِ اللهُ مِنْ عَذابِ القَبرِ، فسَألَتْ عائِشةُ ﵂ رسولَ اللهِ ﷺ … » الحَدِيث (١)، فلمْ يُنكِرْ عليها النبيُّ ﷺ .
стр. 8513
وقالَتْ أسماءُ ﵂: «قَدِمَتْ عَليَّ أمِّي وهيَ مُشرِكةٌ في عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فاستَفتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ قُلتُ: إنَّ أمِّي قَدِمَتْ وهي راغِبةٌ، أفأَصِلُ أمِّي؟ قالَ: نَعمْ صِلِي أمَّكِ» (١).
ولأنَّ الحَجْبَ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ لمَعنًى لا يُوجَدُ بينَ المُسلمةِ والذمِّيةِ، فوجَبَ أنْ لا يَثبتَ الحَجبُ بينَهُما كالمُسلمِ معَ الذمِّيِّ، ولأنَّ الحِجابَ إنما يَجبُ بنَصٍّ أو قِياسٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهُما.
فأمَّا قَولُه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فيَحتمِلُ أنْ يَكونَ المُرادُ جُملةَ النِّساءِ (٢).
حُكمُ نَظرِ الرَّجلِ إلى المرأةِ عن طَريقِ الماءِ أو المِرآةِ (التِلفازِ):
نَظرُ الرَّجلِ إلى المرأةِ الأجنَبيةِ في المِرآةِ أو الماءِ هل يأخُذُ حُكمَ النَّظرِ إليها مُباشَرةً أم لا؟
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: لم أَرَ ما لو نَظرَ إلى الأجنَبيةِ مِنْ المِرآةِ أو الماءِ، وقد صَرَّحُوا في حُرمةِ المُصاهَرةِ بأنها لا تَثبتُ برُؤيةِ فَرْجٍ مِنْ مِرآةٍ
стр. 8514
أو ماءٍ؛ لأنَّ المَرئيَّ مِثالُه لا عَينُه، بخِلافِ ما لو نظَرَ مِنْ زُجاجٍ أو مِاءٍ هي فيه؛ لأنَّ البصَرَ يَنفذُ في الزِّجاجِ والماءِ فيَرَى ما فيهِ، ومَفادُ هذا أنه لا يَحرمُ نظَرُ الأجنَبيةِ مِنْ المِرآةِ أو الماءِ، إلَّا أنْ يُفرَّقَ بأنَّ حُرمةَ المُصاهَرةِ بالنَّظرِ ونحوِه شُدِّدَ في شُروطِها؛ لأنَّ الأصلَ فيها الحِلُّ، بخِلافِ النَّظرِ؛ لأنه إنَّما مُنِعَ منه خَشيةَ الفِتنةِ والشَّهوةِ، وذلكَ مَوجودٌ هنا.
ورأيْتُ في فَتاوَى ابنِ حَجَرٍ مِنْ الشَّافعيةِ ذكَرَ فيهِ خِلافًا بينَهُم، ورجَّحَ الحُرمةَ بنحوِ ما قُلناهُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ في شَرحهِ لقَولِ النَّوويِّ في «المِنهَاج»: (ويَحرمُ نظَرُ فَحلٍ بالغٍ إلى عَورة حُرَّةٍ): خرَجَ مِثالُها -أي العَورَة- فلا يَحرمُ نظَرُه في نَحوِ مِرآةٍ، كما أفتَى به غيرُ واحِدٍ، ويُؤيِّدُه قَولُهم: «لو علَّقَ الطَّلاقَ برُؤيتِها لم يَحنثْ برُؤيةِ خَيالِها في نحوِ مِرآةٍ؛ لأنَّه لم يَرَها»، ومَحلُّ ذلكَ كما هو ظاهِرٌ حيثُ لم يَخْشَ فِتنةً ولا شَهوةً، وليسَ مِنها -أي العَورَة- الصَّوتُ، فلا يَحرمُ سَماعُه إلَّا إنْ خَشِيَ منه فِتنةً، وكذا إنِ الْتَذَّ به، كما بحَثَه الزَّركشيُّ، ومِثلُها في ذِلكَ الأمرَدُ (٢).
وكذا نَصَّ الرَّمليُّ الشَّافعيُّ عندَ شَرحِه لقَولِ النَّوويِّ في «المِنهَاج»: (ويَحرمُ نظَرُ فَحلٍ بالغٍ إلى عَورةِ حرَّةٍ): خرَجَ مِثالُها، فلا يَحرمُ نظَرُه في
стр. 8515
نحوِ مِرآةٍ، كما أفتَى بهِ جَمعٌ؛ لأنهُ لم يَرَها، وليسَ الصَّوتُ -ومنهُ الزَّغارِيتُ- مِنها -أي مِنْ العَورةِ-، فلا يَحرمُ سَماعهُ ما لم يَخَفْ منه فِتنةً، وكذا لو الْتَذَّ به، على ما بحَثَه الزَّركشيُّ، ومِثلُها في ذلكَ الأمرَدُ (١).
عَورةُ الأمَةِ بالنِّسبةِ إلى الرَّجلِ الأجنَبيِّ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ مِنْ الأَمَةِ عَورةٌ.
قالَ المِرْداويُّ ﵀: قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: لا يَختلفُ المَذهبُ أنَّ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ مِنْ الأمَةِ عَورةٌ، قالَ: وقد حَكَى جَماعةٌ مِنْ أصحابِنا أنَّ عَورتَها السَّوأتانِ فقطْ كالرِّوايةِ في عَورةِ الرَّجلِ، قالَ: وهذا غَلطٌ قَبيحٌ فاحِشٌ على المَذهبِ خُصوصًا، وعلى الشَّريعةِ عُمومًا، وكَلامُ أحمَدَ أبعَدُ شيءٍ عن هذا القَولِ. انتهى
قُلتُ: قد حَكَى جَدُّه وتابَعَه في «مَجمَع البَحرَين» وابنُ عُبَيدانَ أنَّ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ مِنْ الأمَةِ عَورةٌ إجماعًا (٢).
ثمَّ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما عدا السُّرةِ والرُّكبةِ، هل هيَ عَورةٌ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عَورةَ الأمَةِ كعَورةِ الرَّجلِ، فيَجوزُ النَّظرُ إليها بلا شَهوةٍ، إلَّا ما بينَ سُرَّةٍ ورُكبةٍ فلا يَحلُّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إذا زوَّجَ
стр. 8516
أحَدُكم عبْدَه أمَتَه أو أَجيرَهُ فلا يَنظرْ إلى شيءٍ مِنْ عَورتِه؛ فإنَّ ما تحتَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ» (١)، ومَفهومُه إباحةُ النَّظرِ إلى ما عدا ذلكَ (٢).
ومَذهبُ الحَنفيةِ كالجُمهورِ أنَّ عَورةَ الأمَةِ كعَورةِ الرَّجلِ، فيَحرمُ عليهِ أنْ يَنظرَ منها ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، معَ زِيادةِ بَطنِها وظَهرِها؛ لأنه مَوضعٌ مُشتهًى، فأشبَهَ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، وإنما جُعلَ بَطنُها وظَهرُها عَورةً لأنهُما يَحلَّانِ مَحلَّ الفَرجِ، بدَليلِ أنَّ الرَّجلَ إذا شبَّهَ امرَأتَه بظَهرِ ذَواتِ مَحارمِه أو بَطنِها كانَ مُظاهِرًا كما لو شبَّهَها بفَرجِها، والظَّهرُ هو ما قابَلَ البَطنَ مِنْ تَحتِ الصَّدرِ إلى السُّرةِ، وما سِوَى ذلكَ مِنْ بَدنِها فليسَ بعَورةٍ؛ لأنها فارَقَتِ الحُرَّةَ مِنْ حيثُ إنها مالٌ تُباعُ وتُشتَرى، ففارَقتْها في السَّتْرِ (٣).
стр. 8517
وذهَبَ الشَّافعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في قَولٍ رجَّحَه جَمعٌ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنها عَورةٌ إلا ما يَظهرُ مِنها في المِهنةِ ويَنكشفُ في حالِ خِدمتِها وتَصرُّفِها، كالرَّأسِ والرَّقبةِ وطَرفِ الساعِدِ ليسَ بعَورةٍ، وما عداهُ عَورةٌ كما يَقولُ الشَّافعيةُ، أو ما يَظهرُ منها غالبًا كالوَجهِ والرَّأسِ واليَدينِ والسَّاقينِ كما يَقولُ ابنُ قُدامةَ وغيرُه مِنْ الحَنابلةِ؛ وذلكَ لأنَّ عُمرَ ﵁ «ضرَبَ أمَةً لآلِ أنَسٍ رَآها مُتقنِّعةً، وقالَ: اكشِفِي رَأسَكِ ولا تَشبَّهي بالحَرائرِ»، وهذا يَدلُّ على أنَّ هذا كانَ مَشهورًا بينَ الصَّحابةِ لا يُنكَرُ، حتى أنكَرَ عُمرَ مُخالَفتَه.
وقالَ أبو قِلابةَ: إنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ لا يَدعُ أمَةً تَقنَّعُ في خِلافتِه، وقالَ: «إنَّما القِناعُ للحَرائرِ»، ولو كانَ نَظرُ ذلكَ منها مُحرَّمًا لم يَمنعْ مِنْ سَترهِ، بل أمَرَ بهِ.
وعن أنَسٍ ﵁ قالَ: «أقامَ النبيُّ ﷺ بينَ خَيبرَ والمدينةِ ثلاثًا يَبني عليه بصَفيَّةَ بنتِ حُييٍّ، فدَعوتُ المُسلمينَ إلى وَليمتِه، فما كانَ فيها مِنْ خُبزٍ ولا لَحمٍ، أمَرَ بالأنطَاعِ فأُلقيَ فيها مِنْ التَّمرِ والأقِطِ والسَّمْنِ فكانَتْ وَليمتَهُ، فقالَ المُسلمونَ: إحدَى أمَّهاتِ المُؤمنينَ أو ممَّا ملَكَتْ يَمينُه؟ فقالُوا: إنْ حجَبَها فهي مِنْ أمَّهاتِ المُؤمنينَ، وإنْ لم يَحجُبْها فهي ممَّا ملَكَتْ يَمينُه، فلمَّا ارتَحلَ وَطَّى لها خَلْفَه ومَدَّ الحِجابَ بينَها وبينَ النَّاسِ» (١)، وهذا دَليلٌ
стр. 8518
على أنَّ عدَمَ حَجْبِ الإماءِ كانَ مُستفيضًا بينَهُم مَشهورًا، وأنَّ الحَجبَ لغيرِهنَّ كانَ مَعلومًا.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لكنْ إنْ كانَتِ الأمَةُ جَميلةً يُخافُ الفِتنةُ بها حَرُمَ النَّظرُ إليها، كما يَحرمُ النَّظرُ إلى الغُلامِ الَّذي تُخشَى الفِتنةُ بالنَّظرِ إليهِ، قالَ أحمَدُ في الأمَةِ إذا كانَتْ جَميلةً: تَنتقِبُ، ولا يُنظَرُ إلى المَملوكةِ، كم مِنْ نَظرةٍ ألقَتْ في قَلبِ صاحِبِها البَلابلَ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ -وهو ما رجَّحَه العَمرانِيُّ والنَّوويُّ والغَزاليُّ والجرجانِيُّ والقاضي أبو الطَّيبِ وابنُ أبي عصرونَ وغيرُهم- وبعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ عَورةَ الأمَةِ كعَورةِ الحُرَّةِ، فلا يَجوزُ له أنْ يَنظرَ منها إلَّا للوَجهِ والكفَّينِ فقط؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، ولقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، فيَحرمُ النَّظرُ إليها مُطلَقًا، ورُبَّ أمَةٍ أجمَلُ مِنْ حَرائرَ، ولأنَّ العلَّةَ في تَحريمِ النَّظرِ الخَوفُ مِنْ الفِتنةِ، والفِتنةُ المَخوفةُ تَستوي فيها الحرَّةُ والأمَةُ، فإنَّ الحُريةَ حُكمٌ لا يُؤثِّرُ في الأمر الطَّبيعيِّ.
قالَ في «الرَّوضة»: إنها كالحُرَّةِ، وهذا غَريبٌ لا يَكادُ يُوجَدُ لغيرِ الغَزاليِّ.
стр. 8519
قلتُ -أي النَّووي-: قد صرَّحَ صاحِبُ «البَيان» وغيرُه بأنَّ الأمَةَ كالحُرةِ، وهو مُقتضَى كَلامِ كثيرِينَ، وهو أرجَحُ دَليلًا، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ في «المِنهاج»: والأصَحُّ عندَ المُحقِّقينَ أنَّ الأمَةَ كالحرَّةِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فَصلٌ: الفَرقُ بينَ النَّظرِ إلى الحُرةِ والأمَةِ:
وأمَّا تَحريمُ النَّظرِ إلى العَجوزِ الحُرةِ الشَّوهاءِ القَبيحةِ وإباحتُه إلى الأمَةِ البارِعةِ الجَمالِ فكَذبٌ على الشَّارعِ، فأينَ حَرَّمَ اللهُ هذا وأباحَ هذا؟ واللهُ سُبحانَه إنَّما قالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ولم يُطلِقِ اللهُ ورسولُه للأعيُنِ النَّظرَ إلى الإماءِ البارِعاتِ الجِمالِ، وإذا خَشِيَ الفِتنةَ بالنظرِ إلى الأمَةِ حَرُمِ عليه بلا رَيبٍ، وإنَّما نَشأتِ الشُّبهةُ أنَّ الشَّارعَ شرَعَ للحَرائرِ أنْ يَستُرْنَ وُجوهَهنَّ عن الأجانبِ، وأمَّا الإماءُ فلمْ يُوجِبْ عليهنَّ ذلك، لكنَّ هذا في إماءِ الاستِخدامِ والابتِذالِ، وأمَّا إماءُ التسرِّي اللَّاتي جرَتِ العادَةُ بصَونهنَّ وحَجْبهنَّ فأينَ أباحَ اللهُ ورسولُه لهنَّ أنْ يَكشفْنَ وُجوهَهنَّ في الأسواقِ والطُّرقاتِ ومَجامعِ النَّاسِ، وأَذِنَ
стр. 8520
للرِّجالِ في التمتُّعِ بالنَّظرِ إليهنَّ؟ فهذا غَلطٌ مَحضٌ على الشَّريعةِ، وأكَّدَ هذا الغلَطَ أنَّ بعضَ الفقهاءِ سَمعَ قولَهم: «إنَّ الحرَّةَ كلَّها عَورةٌ إلَّا وجْهَها وكَفَّيها، وعَورةُ الأمَةِ ما لا يَظهرُ غالبًا كالبَطنِ والظَّهرِ والسَّاقِ» فظَنَّ أنَّ ما يَظهرُ غالبًا حُكمُه حُكمُ وجهِ الرَّجلِ، وهذا إنَّما هو في الصَّلاةِ لا في النَّظرِ؛ فإنَّ العَورةَ عَورتانِ: عَورةٌ في النظرِ وعورةٌ في الصَّلاةِ، فالحُرةُ لها أنْ تُصلِّيَ مَكشوفةَ الوجهِ والكفَّينِ، وليسَ لها أنْ تَخرجَ في الأسواقِ ومَجامعِ الناسِ كذلكَ، واللهُ أعلَمُ (١).
حُكمُ نَظرِ العَبدِ إلى مَولاتِه والخَلوةِ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَبدِ الحُرَّةِ فيما يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنها:
فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه كالرَّجلِ معها، فلا يَجوزُ له أنْ يَنظرَ منها إلَّا إلى الوَجهِ والكفَّينِ؛ لأنه فَحلٌ غيرُ مَحرَمٍ ولا زَوجٍ، والشَّهوةُ مُتحقِّقةٌ؛ لجَوازِ النكاحِ في الجُملةِ.
وقد رُويَ عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ﵄ قالَا: «لا يَغرَّنَّكم سُورةُ النُّور، فإنها في الإناثِ دُونَ الذُّكورِ»، ومُرادُهما قولُه تعالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.
قالَ السَّرخسيُّ ﵀: والمَوضعُ مَوضعُ الإشكالِ؛ لأنَّ حالَ الأمَةِ يَقرُبُ مِنْ حالِ الرَّجلِ، حتَّى تُسافرُ بغيرِ مَحرَمٍ، فكانَ يُشكِلُ أنه هل يُباحُ
стр. 8521
لها الكَشفُ بينَ يَدِي أمَتِها، ولم يَزُلْ هذا الإشكالُ بقولِه تعالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ لأنَّ مُطلَقَ هذا اللَّفظِ يَتناولُ الحَرائرَ دونَ الإماءِ، والمَعنى فيه أنه ليسَ بينَهُما زَوجيَّةٌ ولا مَحرميةٌ، وحِلُّ النَّظرِ إلى مَواضعِ الزِّينةِ الباطنةِ يَنبني على هذا السَّببِ، وحُرمةُ المُناكَحةِ الَّتي بينَهُما بعَارضٍ على شَرفِ الزَّوالِ، فكانَتْ في حَقِّه بمَنزلةِ مَنكوحةِ الغيرِ أو مُعتدَّتِه، ولأنَّ وُجوبَ الستْرِ عليها وحُرمةَ الخَلوةِ بالرَّجلِ لمعنَى خوفِ الفتنةِ، وذلكَ موجودٌ هاهُنا، وإنما يَنعدمُ بالمَحرميةِ لأنَّ الحُرمةَ المُؤبَّدةِ تُقلِّلُ الشهوةَ، فأمَّا المِلكُ لا يُقلِّلُ الشهوةَ، بل يَحمِلُها على رَفعِ الحِشمةِ، ومعنَى البلوَى لا يَتحقَّقُ؛ لأنَّ اتِّخاذَ العَبيدِ للاستِخدامِ خارجَ البيتِ لا داخلَ البيتِ، على ما قيلَ: «مَنْ اتَّخذَ عبدًا للخِدمةِ داخلَ بيتِه فهو كَشْحانُ» (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَجوزُ للعَبدِ أنْ يَرَى مِنْ مَولاتِه شعْرَها؛ لأنَّ الحاجَةَ مُتحقِّقةٌ لدُخولِه عليها مِنْ غيرِ استِئذانٍ، ولِما رُويَ عن عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لا بأسَ أنْ يَنظرَ المَملوكُ إلى شَعرِ مَولاتِه».
قالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إلى هذا ذهَبَ مالِكٌ، وأجازَ نظَرَ العبدِ إلى شَعرِ مَولاتِه، ورُويَ مثلُ ذلكَ عن بعضِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ، وقالَتْ به طائِفةٌ (٢).
стр. 8522
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإذا ملَكَتِ المرأةُ عبدًا فهل يَكونُ كالمَحرَمِ لها في جَوازِ النَّظرِ والخَلوةِ به؟ فيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنه يَصيرُ مَحرمًا لها في ذلكَ، قالَ في «المُهذَّب»: وهو المَنصوصُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، فعَدَّه مع ذَوِي المَحارمِ.
ورَوتْ أمُّ سلَمَة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا كانَ مع مُكاتَبِ إحداكُنَّ وَفاءٌ فلْتَحتجِبْ منه» (١)، فلولا أنَّ الاحتِجابَ لم يَكنْ واجِبًا عليهنَّ قبلَ ذلكَ لَمَا أمَرَهنَّ به.
ورُويَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ أعطَى فاطِمةَ ﵂ غُلامًا، فأرادَ النبيُّ ﷺ أنْ يَدخلَ عليها ومعهُ عليٌّ والغُلامَ وهيَ فُضُلٌ -أي: ليسَ عليها إلَّا ثَوبٌ واحِدٌ- فأرادَتْ أنْ تُغطِّيَ به رأسَها ورِجلَيها فلم يَبلُغْ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : «لا بأسَ عليكِ، إنَّما هو أبوكِ وزَوجُكِ وخادِمُكِ» (٢).
ولأنَّ المِلكَ سَببُ تَحريمِ الزَّوجيةِ بينَهُما، فوجَبَ أنْ يكونَ مَحرَمًا لها كالنَّسبِ والرَّضاعِ.
والثَّاني: لا يكونُ مَحرمًا لها، قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ: وهو الصَّحيحُ عندَ أصحابِنا؛ لأنَّ الحُرمةَ إنَّما تَثبتُ بينَ شَخصينِ لم تُخلَقْ بينَهُما شهوةٌ كالأخِ
стр. 8523
والأختِ، والعَبدُ وسيِّدتُه شَخصانِ خُلِقتْ بينَهما الشَّهوةُ فهو كالأجنَبيِّ.
وأمَّا الآيةُ فقالَ أهلُ التَّفسيرِ: المُرادُ بها الإماءُ دونَ العَبيدِ، وأما الخبَرُ فيَحتملُ أنْ يكونَ الغُلامُ صَغيرًا (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا عبدُ المرأةِ فليسَ بمَحرَمٍ لها؛ لأنها لا تَحرمُ عليهِ على التَّأبيدِ، لكنْ يُباحُ له النَّظرُ إلى ما يَظهرُ منها غالبًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، ورَوتْ أمُّ سَلمةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا كانَ لإحداكُنَّ مُكاتَبٌ فمَلَكَ ما يُؤدِّي فلْتَحتجِبْ منه» رواهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ صَحيحٌ، وفيه دَلالةٌ على أنها لا تَحتجِبُ منه قبلَ ذلكَ، ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك؛ لحاجَتِها لخِدمتِه، فأشبَهَ ذا المَحرَمِ (٢).
وقالَ في «المُغنِي»: وعَبدُ المَرأةِ له النظرُ إلى وَجهِها وكَفَّيها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
ورَوتْ أمُّ سَلمةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا كانَ لإحداكُنَّ مُكاتَبٌ فمَلَكَ ما يُؤدِّي فلْتَحتجِبْ منه» (٣)، وقالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حسَنٌ صَحيحٌ، وعن أبي قِلابةَ قالَ: «كانَ أزواجُ النبيِّ ﷺ لا يَحتجِبْنَ مِنْ مُكاتَبٍ ما بقيَ عليهِ دينارٌ» رواهُ سَعيدٌ في سُنَنِه.
стр. 8524
وعن أنسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ أتَى فاطِمةَ بعبدٍ قد وهَبَهُ لها، وعلى فاطِمةَ ثَوبٌ إذا قنَّعَتْ به رأسَها لم يَبلغْ رِجلَيها، وإذا غَطَّتْ به رِجلَيها لم يَبلغْ رأسَها، فلمَّا رَأى رسولُ الله ﷺ ما تَلْقَى قالَ: إنه ليسَ عليكِ بأسٌ، إنَّما هو أبوكِ وغُلامُكِ» (١) رواهُ أبو داودَ.
وكَرِهَ أبو عبدِ اللهِ له أنْ يَنظرَ إلى شَعرِ مَولاتِه، وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وطاوُسٍ ومُجاهدٍ والحسَنِ، وأباحَ له ذلكَ ابنُ عبَّاسٍ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الآيتَينِ والحَديثينِ، ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ [النور: ٥٨]، ولأنه يَشُقُّ التحرُّزُ منه، فأُبيحَ له ذلكَ كذَوِي المَحارمِ.
وقالَ أصحابُ الشَّافعيِّ: هو مَحرمٌ حُكمُه حُكمُ المَحارمِ مِنْ الأقاربِ في أحَدِ الوَجهينِ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الدَّليلِ، ولأنهُ مُحرَّمٌ عليها فكانَ مَحرَمًا كالأقاربِ.
ولنا: ما رَوى ابنُ عُمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «سَفَرُ المرأةِ مع عَبدِها ضَيعةٌ» (٢) رواهُ سَعيدٌ، ولأنها لا تَحرمُ عليه على التأبيدِ ولا يَحلُّ له استِمتاعُها، فلم يَكنْ مَحرَمًا كزَوجِ أختِها، ولأنه غيرُ مأمونٍ عليها؛ إذ
стр. 8525
ليسَتْ بينَهُما نَفرةُ المَحرميةِ، والمِلكُ لا يَقتضِي النَّفرةَ الطَّبيعيةِ، بدَليلِ السَّيدِ مع أمَتِه، وإنَّما أُبيحَ له مِنْ النظرِ ما تَدعُو الحاجَةُ إليهِ، كالشَّاهدِ والمُبتاعِ ونَحوِهما، وجعَلَه بعضُ أصحابِنا كالأجنَبيِّ؛ لِما ذكَرْناهُ، والصَّحيحُ ما قُلنَا إنْ شاءَ اللهُ تعالَى (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قولُه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يَدلُّ على أنَّ لها أنْ تُبديَ الزِّينةَ الباطِنةَ لمَملوكِها، وفيهِ قَولانِ:
قيلَ: المُرادُ الإماءُ والإماءُ الكِتابيَّاتُ، كما قالَهُ ابنُ المُسيِّبِ، ورجَّحَه أحمدُ وغيرُه.
وقيلَ: هو المَملوكُ الرَّجلُ، كما قالَهُ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه، وهو الرِّوايةُ الأُخرى عن أحمدَ.
فهذا يَقتضِي جوازَ نظَرِ العبدِ إلى مَولاتِه، وقد جاءَتْ بذلكَ أحادِيثُ، وهذا لأجْلِ الحاجةِ؛ لأنها مُحتاجةٌ إلى مُخاطَبةِ عَبدِها أكثرَ مِنْ حاجتِها إلى رُؤيةِ الشَّاهدِ والمُعامِلِ والخاطِبِ، فإذا جازَ نظَرُ أولئكَ فنَظرُ العبدِ أَولى، وليسَ في هذا ما يُوجِبُ أنْ يكونَ مَحرَمًا يُسافِرُ بها كغيرِ أُولي الإربةِ؛ فإنهم يَجوزُ لهم النظرُ وليسوا مَحارِمَ يُسافِرونَ بها، فليسَ كلُّ مَنْ جازَ له النَّظرُ جازَ له السَّفرُ بها ولا الخَلوةُ بها، بل عَبدُها يَنظرُ إليها للحاجةِ وإنْ كانَ لا يَخلُو بها ولا يُسافِرُ بها (٢).
стр. 8526
النَّظرُ بينَ الزَّوجينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنهُ يَجوزُ لكُلِّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ النَّظرُ إلى عَورةِ صاحِبِه جَميعِها ما دامَتِ الزَّوجيةُ قائِمةً، إلَّا الفَرْجَ اختَلفُوا فيه على أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنه يَجوزُ لكلِّ واحدٍ منهُما النظرُ إلى فَرْجِ الآخَرِ بغَيرِ كَراهةٍ؛ لأنه يُباحُ له وَطؤُها والاستمتاعُ بها، وهو فَوقَ النظرِ، فجَوازُ النَّظرِ أَولى، وهو قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، قالَ الحافظُ ابنُ رَجبٍ ﵀: وأكثَرُ العُلماءِ على أنه غيرُ مُحرَّمٍ (١)، بُرهانُ ذلكَ الأخبارُ المَشهورةُ مِنْ طريقِ عائِشةَ وأمِّ سَلمةَ ومَيمونةَ أمِّهاتِ المُؤمنينَ ﵅ «أنهن كُنَّ يَغتسلْنَ مع رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ الجَنابةِ مِنْ إناءٍ واحدٍ»، وفي خبَرِ مَيمونةَ بيانُ أنه ﵊ كانَ بغيرِ مِئزَرٍ؛ لأنَّ في خبَرِها أنه ﵊ «أدخَلَ يَدَه في الإناءِ ثمَّ أفرَغَ على فَرجِه وغسَلَه بشِمالِه».
ويكفي مِنْ هذا قولُ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فأمَرَ بحِفظِ الفَرجِ إلَّا على الزَّوجةِ ومِلكِ اليمينِ فلا مَلامةَ في ذلكَ، وهذا عُمومٌ في رُؤيتِه ولَمسِه ومُخالَطتِه.
وعن عُتبةَ بنِ أبي حَكيمٍ أنه سَألَ سُليمانَ بنَ مُوسى عن الرَّجلِ يَنظرُ إلى فَرْجِ امرأتِه، فقالَ: سألتُ عنها عَطاءً فقالَ: سَألتُ عنها عائِشةَ قالَتْ:
стр. 8527
«كُنْتُ اغتَسِلُ أنا وحِبِّي ﷺ مِنْ الإناءِ الواحِدِ تَختلِفُ فيه أكُفُّنا، وأشارَتْ إلى إناءٍ في البيتِ قَدْرَ ستَّةِ أقساطٍ» (١).
قالَ الحَنفيةُ: ويَنظرُ الرَّجلُ إلى فَرجِ أمَتِه وزَوجتِه عن شَهوةٍ وغيرِ شَهوةٍ؛ لأنه يُباحُ له وَطؤُها والاستِمتاعُ بها، وهو فوقَ النظرِ، فجَوازُ النَّظرِ أَولى؛ قالَتْ عائِشةُ ﵂: «كُنْتُ أغتَسِلُ أنا ورسولُ اللهِ ﷺ مِنْ إناءٍ واحِدٍ»، ولو لم يَكنِ النظرُ مُباحًا لَمَا تجرَّدَ كلُّ واحدٍ منهُما بينَ يَدَي صاحبِه، ولأنَّ ما فوقَ النظرِ -وهو المَسُّ والغَشَيانُ- مُباحٌ، فالنظرُ أَولى، وكانَ ابنُ عمرَ ﵄ يقولُ: «الأَولى أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى فَرجِ امرأتِه وقْتَ الوِقاعِ؛ لِيكونَ أبلَغَ في تَحصيلِ معنَى اللذَّةِ».
وعن أبي يُوسفَ في «الأمالِي» قالَ: سألتُ أبا حَنيفةَ ﵁ عنِ الرَّجلِ يمَسُّ فرْجَ امرأتِه أو تَمسُّ هي فرْجَه ليَتحرَّكَ عليها، هل تَرَى بذلكَ بأسًا؟ قالَ: أرجُو أنْ يَعظُمَ الأجرُ.
إلَّا أنَّ الأَولى أنْ لا يَنظرَ كلُّ واحدٍ منهُما إلى عَورةِ صاحبه؛ لقولِه ﵊: «إذا أتَى أحَدُكم أهلَه فلْيَستتِرْ، ولا يَتجرَّدْ تَجرُّدَ العَيْرَينِ» (٢)، ولأنَّ ذلكَ يُورِثُ النِّسيانَ.
ولا بأسَ أنْ يَمسَّ الرَّجلُ فرْجَ امرأتِه وتمَسَّ هي فرْجَه ليَتحرَّكَ عليه (٣).
стр. 8528
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ لكلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ أنْ يَنظرَ في النكاحِ الصَّحيحِ المُبيحِ للوطءِ إلى جَميعِ جَسدِ صاحبِه، حتَّى إلى عَورتِه مِنْ قُبُلٍ أو من دُبُرٍ، سَواءٌ كانَ في حالةِ الجِماعِ أو في غيرِها، وما ورَدَ مِنْ أنَّ نظَرَ فَرْجِها يُورِثُ العمَى مُنكَرٌ لا أصلَ له (١).
قالَ أبو الوليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: قالَ أصبغُ: سَمعْتُ ابنَ القاسِمِ وسُئلَ: أيُكلِّمُ الرَّجلُ امرأتَه وهو يَطأُها؟ قالَ: نَعمْ، ويُعيدُ بها، لا بأسَ بذلكَ إجازةً منهُ، قالَ أصبَغُ: قالَ ابنُ القاسِمِ: حدَّثَنا الدَّراورديُّ عن مَنْ حدَّثَه عن القاسِمِ بنِ مُحمدِّ بنِ أبي بكرٍ الصِّديقِ أنه سُئلَ عن التخيُّرِ عندَ ذلكَ، فقالَ: «إذا خلَوتُم فاصنَعُوا ما شِئتُم»، فسئلَ أصبَغُ: أيَنظرُ الرَّجلُ إلى فَرجِ امرأتِه عندَ الوطءِ؟ قالَ: نَعمْ، لا بأسَ بذلكَ، قيلَ لهُ: إنَّ قومًا يَذكُرونَ كَراهيَتَه، فقالَ: مَنْ كَرهَه إنَّما كَرهَه بالطِّبِّ لا بالعلمِ، لا بأسَ به وليسَ بمَكروهٍ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: في أصلِ السَّماعِ عندَ السُّؤالِ عن نظرِ الرَّجلِ إلى فَرجِ امرأتِه عندَ الوَطءِ قالَ: نَعمْ، ويَلحَسُه بلِسانِه، فطرَحَ العُتبيُّ بلَفظِه
стр. 8529
(ويَلحسُه) لأنَّه استَقبحَه، وفي كتابِ ابنِ الموَّازِ: ويَلحسُه بلِسانِه وهو أقبَحُ، إلَّا أنَّ العُلماءُ يَستجيزُونَ مثلَ هذا إرادةَ البَيانِ، ولئلَّا يَحرمَ ما ليس بحَرامٍ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ العَوامِّ يَعتقدونَ أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى فَرجِ امرأتِه في حالٍ مِنْ الأحوالٍ، وقد سألَني عن ذلكَ بعضُهم فاستَغرَبَ أنْ يكونَ ذلكَ جائزًا، وكذلكَ تَكليمُ الرَّجلِ امرأتَه عندَ الوطءِ لا إشكالَ في جَوازِه ولا وجْهَ لكَراهيَتِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُباحُ لكلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ النظرُ إلى جَميعِ بدَنِ صاحبِه ولَمسُه، حتَّى الفرْجَ، بلا كَراهةٍ؛ لِما رَوى بهزُ بنُ حكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ عَوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَرُ؟ فقالَ: «احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زوْجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكَ» (٢)، ولأنَّ الفَرجَ يَحلُّ له الاستمتاعُ به، فجازَ النظرُ إليهِ ولَمسُه كبَقيةِ البدَنِ.
وقالَ القاضِي: يَجوزُ تَقبيلُ فَرجِ المرأةِ قبْلَ الجِماعِ، ويُكرهُ تَقبيلُه بعدَه، وذكَرَه عن عَطاءٍ (٣).
القَول الثاني: إنه يُكرهُ لكلِّ واحِدٍ مِنْ الزَّوجينِ النظرُ إلى فرجِ صاحبِه
стр. 8530
مِنْ غيرِ حاجةٍ، وليسَ بحَرامٍ، وهو الصَّحيحُ عندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ في رَوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ ﵀؛ لِما رُويَ عن عائشةَ ﵂ قالَتْ: «ما نظَرْتُ إلى فَرجِ النبيِّ ﷺ قَطُّ» أو «ما رَأيتُ فرْجَ النبيِّ ﷺ قطُّ» (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «إذا جامَعَ أحَدُكم زوْجتَه أو جارِيتَه فلا يَنظرْ إلى فَرجِها، فإنَّ ذلكَ يُورِثُ العَمَى» (٢)(٣).
القَولُ الثالثُ: أنه يَحرمُ على كُلٍّ مِنْ الزوجَينِ النظرُ إلى فرجِ صاحِبه، وهو وَجهٌ للشَّافعيةِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا الزَّوجانِ فلكُلِّ واحدٍ منهُما النظرُ إلى عَورةِ صاحِبِه جَميعِها، إلَّا الفرْجَ نفْسَه ففيهِ ثلاثةُ أوجُهٍ لأصحابِنا:
أصَحُّها: أنه مَكروهٌ لكُلِّ واحدٍ منهُما النظرُ إلى فرجِ صاحبِه مِنْ غيرِ حاجةٍ، وليسَ بحَرامٍ.
والثَّاني: أنه حَرامٌ عليهِما.
стр. 8531
والثَّالثُ: أنه حَرامٌ على الرَّجلِ مَكروهٌ للمرأةِ، والنظرُ إلى باطِنِ فَرجِها أشَدُّ كَراهةً وتَحريمًا (١).
حُكمُ تَقبيلِ أحَدِ الزَّوجينِ فرْجَ الآخَرِ:
الأصلُ في استِمتاعِ كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ بالآخَرِ الإباحةُ، إلَّا ما ورَدَ نَصٌّ فيهِ بالمَنعِ كالجِماعِ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو في الدُّبُرِ وما لم تَكنْ مُحرِمةً أو صائِمةً، وما عَدَا ذلك فالأصلُ فيه الإباحةُ عندَ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ.
وقد نَصُّوا على جَوازِ تَقبيلِ الرَّجلِ فرْجَ زوْجتِه، ولَمسِ كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ فرْجَ الآخَرِ ومُداعَبتِه وتَقبيلِه إيَّاه، فهذا كُلُّه لا حرَجَ فيه ولا نَصَّ يَمنعُ منه، وهو داخِلٌ في أدلَّةِ جوازِ استمتاعِ كلٍّ مِنْ الزوجينِ بالآخَرِ، قالَ تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ولأنه لمَّا جازَ الوطءُ في الفَرجِ -وهو أبلَغُ أنواعِ الاستمتاعِ- فما دُونَه أَولى بالجوازِ، ولأنَّ الأصلَ أنه يَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنْ الزَّوجينِ أنْ يَستمتعَ بجَميعِ بدَنِ الآخَرِ مِنْ غيرِ استثناءٍ، إلَّا في الدُّبرِ وفي الحَيضِ والنِّفاسِ، وما عدا هذا فيَبقى على أصلِ الإباحةِ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ ﵀ قالَ: سألتُ أبا حَنيفةَ ﵀ عن الرَّجلِ يَمسُّ فرْجَ امرأتِه أو تَمسُّ هي فرْجَه ليَتحرَّكَ عليها، هل تَرَى بذلكَ بأسًا؟ قالَ: لا، أرجُو أنْ يَعظُمَ الأجرُ (٢).
стр. 8532
وقالَ مُحمدُ بنُ رشدٍ ﵀: في أصلِ السَّماعِ عندَ السُّؤالِ عن نظرِ الرَّجلِ إلى فَرجِ امرأتِه عندَ الوَطءِ قالَ: نَعمْ، ويَلحَسُه بلِسانِه، فطرَحَ العُتبيُّ بلَفظِه (ويَلحسُه) لأنَّه استَقبحَه، وفي كتابِ ابنِ الموَّازِ: ويَلحسُه بلِسانِه وهو أقبَحُ، إلَّا أنَّ العُلماءُ يَستجيزُونَ مثلَ هذا إرادةَ البَيانِ، ولئلَّا يَحرمَ ما ليس بحَرامٍ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ العَوامِّ يَعتقدونَ أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى فَرجِ امرأتِه في حالٍ مِنْ الأحوالٍ، وقد سألَني عن ذلكَ بعضُهم فاستَغرَبَ أنْ يكونَ ذلكَ جائزًا، وكذلكَ تَكليمُ الرَّجلِ امرأتَه عندَ الوطءِ لا إشكالَ في جَوازِه ولا وجْهَ لكَراهيَتِه (١).
وقالَ الحطَّابُ ﵀: فَرعٌ: قالَ القبَّابُ في بابِ نظرِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ: مسألةٌ: نظَرُ المرأةِ إلى الزَّوجِ أو إلى السَّيدِ كنَظرِهما إليها في جميعِ ما تقدَّمَ سَواءٌ، ولا فرْقَ إلا في نظرِها إلى فَرجِه؛ فإنه لم يَرِدْ فيه مِنْ النهيِ ما ورَدَ في نَظرِه هو إلى فَرجِها. انتهى.
فائِدةٌ: قالَ أصبَغُ: مَنْ كَرهَ النَّظرَ إلى الفَرجِ إنما كَرهَ بالطِّبِّ لا بالعِلمِ، ولا بأسَ به وليسَ بمَكروهٍ.
قالَ القبَّابُ في بابِ نَظرِ الرِّجالِ إلى النِّساءِ: مَسألةٌ: إذا كانَتِ المرأةُ يَحلُّ للرَّجلِ وَطؤُها فلا كَلامِ إلَّا في نَظرِه إلى فَرجِها؛ فإنه مَوضعُ خِلافٍ أجازَتْه المالِكيةُ.
стр. 8533
وقيلَ لأصبَغَ: إنَّ قومًا يَذكرونَ كَراهتَه، فقالَ: مَنْ كَرهَه إنما كَرهَه بالطِّبِّ لا بالعلمِ، ولا بأسَ به وليس بمَكروهٍ.
وقد رُويَ عن مالكٍ أنه قالَ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ إلى الفَرجِ في حالِ الجِماعِ، وزادَ في رِوايةٍ: ويَلحسَه بلسانِه، وهو مُبالَغةٌ في الإباحةِ، وليسَ كذلكَ على ظاهِرِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: وقدِ اختَلفَ الناسُ في جوازِ نظرِ الرَّجلِ إلى فَرجِ زَوجتِه على قَولينِ:
أحَدُهما: يَجوزُ؛ لأنه إذا جازَ له التلذُّذُ فالنظرُ أَولى.
وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لقولِ عائِشةَ في ذِكْرِ حالها مع رسولِ اللهِ ﷺ : «ما رَأيتُ ذلكَ منه، ولا رَأى ذلكَ منِّي».
والأولُ أصَحُّ، وهذا مَحمولٌ على الأدَبِ، فقد قالَ أصبَغُ مِنْ عُلمائِنا: يَجوزُ له أنْ يَلحسَه بلسانِه (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَجوزُ للزَّوجِ كُلُّ تمتُّعٍ مِنْ زَوجتِه بما سِوى حَلقةِ دُبرِها، ولو بمَصِّ بَظرِها أو استِمناءٍ بيَدِها (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: للزَّوجةِ مَسُّ فَرجِ الزَّوجِ وتَقبيلُه بشَهوةٍ ولو نائمًا.
стр. 8534
وقالَ القاضي: يَجوزُ تَقبيلُ فَرجِ المرأةِ قبلَ الجِماعِ، ويُكرهُ بعدَه؛ لتعذُّرِه إذنْ، وذكَرَه عن عَطاءٍ (١).
حُكمُ الجِماعِ في الدُّبرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُجامِعَ زَوجتَه في دُبرِها أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُجامِعَ زوْجتَه في دُبرِها، ويَجوزُ له وُجوهُ الاستمتاعِ خَلا الوطءَ في الدُّبرِ؛ لأنه لا يَجوزُ لقَولِه تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي: مَوضِعُ حَرثٍ، فهو مِنْ مَجازِ الحَذفِ، أي: ائْتُوا ذلكَ المَحلَّ كيفَ شِئتُم مِنْ خَلفٍ أو قُدَّامٍ، بارِكةً أو مُستلقِيةً أو مُضطجِعةً، وذِكرُ الحَرثِ دَليلٌ على أنَّ الإتيانَ في غيرِ المأتِيِّ المأذُونِ فيه مُحرَّمٌ، بشَبهِهنَّ بمَحلِّ الحَرثِ؛ لأنه مُزدَرعُ الذرِّيةِ، وعليهِ قولُ ثَعلبٍ:
إنَّما الأرحامُ أَرْضُونَ لنا مُحرَثاتُ … فعَلَينا الزَّرعُ فيها وعلى اللهِ النَّباتُ
ففَرجُ المرأةِ كالأرضِ والنُّطفةِ كالبَذرِ والوَلدُ كالنَّباتِ والحَرثُ بمعنَى المُحتَرَثِ (٢).
стр. 8535
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لا يَنظرُ اللهُ إلى رَجلٍ جامَعَ امرأتَه في دُبُرِها» (١).
وعن خُزيمةَ بن ثابِتٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ لا يَستَحيِي مِنْ الحقِّ -ثلاثَ مَرَّاتٍ- لا تَأتُوا النِّساءَ في أدْبارِهنَّ» (٢).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: قالَ اللهُ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الآيَة، وبيَّنَ أنَّ مَوضعَ الحَرثِ مَوضعُ الوَلدِ، وأنَّ اللهَ تعالَى أباحَ الإتيانَ فيهِ إلَّا في وَقتِ الحَيضِ، و ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مِنْ أينَ شِئتُم، وإباحةُ الإتيانِ في مَوضعِ الحَرثِ يُشبِهُ أنْ يكونَ تَحريمَ إتيانٍ في غيرِه، فالإتيانُ في الدُّبرِ حتَّى يَبلغَ منه مَبلَغَ الإتيانِ في القُبُلِ مُحرَّمٌ بدَلالةِ الكِتابِ ثمَّ السُّنةِ، فأمَّا التلذُّذُ بغيرِ إبلاغِ الفَرجِ بينَ الإليتَينِ وجَميعِ الجَسدِ فلا بأسَ بهِ (٣).
وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّبريُّ ﵀: واختَلفُوا في إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ، بعدَ إجماعِهم أنَّ للرَّجلِ أنْ يَتلذَّذَ مِنْ بَدنِ المَرأةِ بكلِّ مَوضعٍ منهُ سِوى الدُّبرِ.
فقالَ مالِكٌ: «لا بأسَ بأنْ يأتِيَ الرَّجلُ امرأتَه في دُبرِها كما يأتيها في قُبُلِها»، حدَّثَنا بذلكَ يُونسُ عن ابنِ وَهبٍ عنهُ.
стр. 8536
وقالَ الشَّافعيُّ: «الإتيانُ في الدُّبُرِ حتَّى يَبلغَ منه مَبلغَ الإتيانِ في القُبُلِ مُحرَّمٌ بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ، قالَ: وأمَّا التلذُّذُ بغيرِ إبلاغِ الفَرجِ بينَ الأليتَينِ وجَميعِ الجَسدِ فلا بأسَ بهِ، قالَ: وسواءٌ في ذلكَ مِنْ الأمَةِ والحُرَّةِ.
ولا يَنبغِي لها تَركُه لإصابةِ ذلكَ، فإنْ ذهَبَتْ إلى الإمامِ نهاهُ عن ذلكَ، وإنْ أقَرَّ بالعَودةِ له أدَّبَه دُونَ الحَدِّ، ولا غُرمَ عليهِ فيه؛ لأنها زَوجُه، ولو كانَ زِنًا حُدَّ فيهِ إنْ فعَلَه، وأُغرِمَ إنْ كانَ غاصِبًا لها مهْرَ مِثلِها، ومَن فعَلَه وجَبَ عليه الغُسلُ وأفسَدَ حَجَّه»، حدَّثَنا بذلكَ عنهُ الرَّبيعُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إتيانُ النِّساءِ في الأدبارِ حَرامٌ، الجَوزَجانِيُّ عن مُحمدٍ.
وعِلَّةُ مَنْ قالَ بقولِ مالكٍ إجماعُ الكُلِّ أنَّ النكاحَ قد أحَلَّ للمُتزوِّجِ ما كان حَرامًا، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ لم يَكنِ القُبلُ بأَولى في التَّحليلِ مِنْ الدُّبرِ.
وعِلةُ مَنْ قالَ بقولِ الشَّافعيِّ مِنْ الخبَرِ ما حدَّثَني به مُحمدُ بنُ أبي مَيسرةَ المَكيُّ قالَ: حدَّثَنا عُثمانُ بنُ اليَمانِ عن زَمعةَ بنِ صالحٍ عن ابنِ طاوُسٍ عن أبيه عنِ ابنِ العمادِ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَحَاشُ النَّاسِ حَرامٌ، لا تَأتُوا النِّساءِ في أدبارِهِنَّ»، ومِن الاستِدلالِ أنَّ الكُلَّ مُجمِعونَ قبلَ النكاحِ أنَّ كُلَّ شَيءٍ معها حَرامٌ، ثمَّ اختَلفُوا فيما يَحلُّ له مِنها بالنكاحِ، ولنْ يَنتقلَ المُحرَّمُ بإجماعٍ إلى تَحليلٍ
стр. 8537
إلَّا بما يَجبُ التَّسليمُ له مِنْ كِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ أو قِياسٍ على أصلٍ مُجمَعٍ عليهٍ، فما أُجمِعَ منها على التَّحليلِ فحَلالٌ، وما اختُلفَ فيه منها فحَرامٌ، والإتيانُ في الدُّبرِ مُختلَفٌ فيه، فهو على التَّحريمِ المُجمَعِ عليه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافعيُّ ﵀: ذهَبَ بعضُ أصحابِنا في إتيانِ النِّساءِ في أدبارِهنَّ إلى إحلالِهِ، وآخرُونَ إلى تَحريمِه، فلسْتُ أُرخِّصُ فيه، بل أنهَى عنه.
قالَ الماوَرديُّ: اعلَمْ أنَّ مَذهبَ الشَّافعيِّ وما عليهِ الصَّحابةُ وجُمهورُ التَّابعينَ والفُقهاءُ أنَّ وطْءَ النِّساءِ في أدبارِهنَّ حَرامٌ.
وحُكيَ عن نافعٍ وابنِ أبي مُليكةَ وزَيدِ بنِ أسلَمَ أنه مُباحٌ، ورَواهُ نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ.
واختَلفَتْ الرِّوايةُ فيه عن مالِكٍ، فرَوَى عنه أهلُ المَغربِ أنه أباحَه في كِتابِ السِّيرةِ، وقالَ أبو مُصعبٍ: سألْتُه عنه فأباحَهُ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: قالَ مالِكٌ: ما أدرَكْتُ أحَدًا أقتَدِي به في دِينِي يَشُكُّ في أنه حَلالٌ، وأنكَرَ أهلُ العِراقِ ذلكَ عنهُ، ورَوَوا عنهُ تَحريمَه، لمَّا انتَقلَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مَذهبِ الشَّافعيِ إلى مَذهبِ مالكٍ، حكَى عن الشَّافعيِّ أنه قالَ: ليسَ في إتيانِ النِّساءِ في أدبارِهنَّ حَديثٌ ثابِتٌ، والقِياسُ يَقتضِي جَوازَه، يُريدُ ابنُ عبدِ الحكَمِ
стр. 8538
بذلكَ نُصرةَ مالِكٍ، فبلَغَ ذلكَ الرَّبيعَ فقالَ: كذَبَ، واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هو لقدْ نَصَّ الشَّافعيُّ على تَحريمِه في ستَّةِ كُتبٍ.
واستَدلَّ مَنْ ذهَبَ إلى إباحتِه بما رواهُ مالكٌ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رَجلًا أتَى امرأةً في دُبرِها فوجَدَ في ذلكَ وجْدًا شَديدًا، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقالَ تعالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فدَلَّ على أنه أباحَ مِنْ الأزواجِ مثلَ ما حظَرَ مِنْ الذُّكرانِ، وقالَ تعالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فدَلَّ على أنَّ جَميعَهنَّ لِباسٌ يُستمتَعُ به على عُمومِه.
ولأنه لو استِثناهُ مَنْ عَقدِ النكاحِ فسَدَ، ولو أوقَعَ عليه الطَّلاقَ سَرَى إلى الباقي، فدَلَّ على أنهُ مَقصودٌ بالاستِمتاعِ، ولأنه أحَدُ الفَرْجينِ، فجازَ إتيانُه كالقُبلِ، ولأنه لمَّا ساوَى القُبلَ في كَمالِ المَهرِ وتَحريمِ المُصاهَرةِ ووُجوبِ الحَدِّ ساواهُ في الإباحةِ.
ودَليلُنا: قولُه تعالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فحرَّمَ الوطءَ في الحَيضِ لأجْلِ الأذَى، فكانَ الدُّبرُ أَولى بالتَّحريمِ؛ لأنه أعظَمُ أَذًى، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، يعنِي في القُبلِ، فدَلَّ على تَحريمِ إتيانها في الدُّبرِ.
стр. 8539
وروَى مُسلمُ بنُ سلَّامٍ عن عليِّ بنِ طَلْقٍ أنَّ أعرابيًّا سألَ النبيَّ ﷺ فقالَ: «إنَّا نَكونُ بالفَلاةِ فنَجدُ الرُّوَيحةَ والماءُ قَليلٌ، فقالَ ﷺ : إذا فَسَا أحَدُكم فلْيَتوضَّأْ، وخطَبَ النَّاسَ فقالَ: لا تَأتُوا النِّساءَ في أعجازِهنَّ، فإنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ».
ورَوى سَهلُ بنُ أبي صالِحٍ عن مُحمدِ بنِ المُنكدِرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «استَحيُوا مِنْ اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتُوا النِّساءَ في حُشُوشِهنَّ».
وروَى حجَّاجُ بنُ أرطَأةَ عن عمروِ بنِ شُعيبٍ عن عبدِ اللهِ بنِ هَرميٍّ عن خُزيمةَ بنِ ثابتٍ قالَ سَمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: «إنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ»، قالَ: «مَلعونٌ مَنْ أتَى امرأةً في دُبرِها».
وروَى قَتادةُ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن إتيانِ النِّساءِ في أدبارِهنَّ فقالَ: إنَّها اللُّوطيَّةُ الصُّغرَى» (١).
ورَوى يُوسفُ بنُ ماهَكَ عن أمِّ حَبيبةَ زوجِ النبيِّ ﷺ قالَتْ: «أتَتِ امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالَتْ إنَّ زوْجَها يَأتِيها وهي مُدبِرةٌ، فقالَ ﷺ : لا بأسَ إذا كانَ في صِمَامٍ واحِدٍ».
стр. 8540
وروَى الشَّافعيُّ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ اليَهودَ كانَتْ تقولُ: مَنْ أتَى امرأةً في قُبلِها مِنْ دُبرِها جاءَ ولَدُه أحوَلَ، فأنزلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأنَّ رَجلًا سألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «في أيِّ الخربَتَيْنِ؟ أو في أيِّ الخَرَزَتينِ؟ أو في أيِّ الخصفَتَينِ؟ أمِنْ دُبرِها في قُبلِها فنَعمْ، أم مِنْ دُبرِها في دُبرِها فلا، إنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتوا النِّسَاءَ في أدبارهِنَّ».
ولأنهُ إجماعُ الصَّحابةِ، رُويَ ذلكَ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ وأبي الدَّرداءِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَحرمُ وَطءُ امرأتِه وجارِيتِه في دُبرِها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتُوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ» رواهُ ابنُ ماجَه، ولأنه ليسَ بمَحلٍّ للولَدِ أشبَهَ دُبرَ الغُلامِ، ولا حَدَّ فيه؛ لأنه في زَوجتِه وما ملَكَتْ يَمينُه، فيكونُ شُبهةً، ولكن يُعزَّرُ؛ لِمَا ذكَرْنا (٢).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا إتيانُ النِّساءِ في أدبارِهنَّ فهذا مُحرَّمٌ عندَ جُمهورِ السَّلفِ والخلَفِ، كما ثبَتَ ذلكَ في الكِتابِ والسُّنةِ، وهو المَشهورُ في مَذهبِ مالكٍ، وأمَّا القولُ الآخَرُ بالرُّخصةِ فيه فمِن النَّاسِ مَنْ يَحكيه رِوايةً عن مالِكٍ، ومِنهم مَنْ يُنْكِرُ ذلك (٣).
стр. 8541
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى جَوازِ إتيانِ المرأةِ في دُبرِها، وهيَ رِوايةٌ عن مالكٍ وابنِ القاسِمِ.
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءِ في جوازِ نكاحِ المرأةِ في دُبرِها، فجوَّزَه طائفةٌ كَثيرةٌ، وقد جمَعَ ذلك ابنُ شَعبانَ في كتابِ «جِماع النِّسوانِ وأحكَام القُرآن»، وأسنَدَ جوازَه إلى زُمرةٍ كَريمةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتابعِينَ، وإلى مالِكٍ مِنْ رِواياتٍ كَثيرةٍ، وقد ذكَرَ البُخاريُّ عن ابنِ عَونٍ عن نافعٍ قالَ: «كان ابنُ عُمرَ ﵁ إذا قرَأَ القُرآنَ لم يَتكلَّمْ حتَّى يَفرغَ منهُ، فأخَذْتُ عليه يومًا فقرَأَ سُورةَ البَقرة حتَّى انتَهَى إلى مَكانٍ، قالَ: أتَدرِي فِيمَ نزَلَتْ؟ قلتُ: لا، قالَ: أُنزِلَتْ في كذا وكذا ثمَّ مَضَى»، ثمَّ أتبَعَه بحَديثِ أيُّوب عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قالَ: يأتِيها في .. ولم يَذكُرْ بعدَه شَيئًا.
ويُروَى عن الزُّهريِّ أنه قالَ: «وهَمَ العَبدُ فيما روَى عنِ ابنِ عُمرَ في ذلكَ».
وقالَ النَّسائيُّ عن أبي النَّضرِ أنه قالَ لنافعٍ مولَى ابنِ عُمرَ: قد أُكثِرَ عليكَ القَولُ، إنَّكَ تَقولُ عن ابنِ عُمرَ إنَّه أفتَى بأنْ يأتوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ، قالَ نافعٌ: لقدْ كذَبُوا عليَّ، ولكنْ سأُخبِرُكَ كيفَ كانَ الأمرُ؛ إنَّ ابنَ عُمرَ عرَضَ المُصحفَ يومًا وأنَا عندَه حتَّى بلَغَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قالَ: يا نافعُ هل تَعلمُ ما أمرُ هذه الآيَةِ؟ قلتُ: لا، قالَ: إنَّا
стр. 8542
كُنَّا مَعشرَ قُريشٍ نَجيءُ النِّساءَ، فلمَّا دخَلْنا المَدينةَ ونكَحْنا نِساءَ الأنصارِ أرَدْنا مِنهنَّ ما كُنَّا نُريدُ مِنْ نِسائِنا، وإذا هُنَّ قد كَرهْنَ ذلكَ وأعظَمْنَه، وكانَتْ نِساءُ الأنصارِ إنَّما يُؤتَينَ على جُنوبِهنَّ، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قالَ القاضي: وسألْتُ الإمامَ القاضي الطُّوسيَّ عن المسألةِ فقالَ: لا يَجوزُ وَطءُ المرأةِ في دُبرِها بحالٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الفَرجَ حالَ الحَيضِ لأجْلِ النَّجاسةِ العارِضةِ، فأَولى أنْ يُحرِّمَ الدُّبرَ بالنَّجاسةِ اللازِمةِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وذهَبَتْ فِرقةٌ إلى أنَّ الوطءَ في الدُّبرِ مُباحٌ، وممَّن نُسِبَ إليه هذا القولُ سعيدُ بنُ المُسيِّبِ ونافعٌ وابنُ عمرَ ومُحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرظيُّ وعبدُ الملِكِ بنِ الماجشُون، وحُكيَ ذلكَ عن مالِكٍ في كِتابٍ له يُسمَّى «كِتاب السَّرِّ»، وحُذَّاقُ أصحابِ مالكٍ ومَشايخُهم يُنكِرونَ ذلكَ الكتابَ، ومالكٌ أجَلُّ مِنْ أنْ يكونَ له كتابُ سِرٍّ، ووقَعَ هذا القَولُ في «العتبيَّة»، وذكَرَ ابنُ العرَبيِّ أنَّ ابنَ شَعبانَ أسنَدَ جوازَ هذا القَولِ إلى زُمرةٍ كَبيرةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتابعينَ، وإلى مالكٍ مِنْ رِواياتٍ كَثيرةٍ في كِتابِ «جِماع النِّسوانِ وأحكَام القُرآنِ»، وقالَ الكِيَا الطَّبريُّ: ورُويَ عن مُحمدٍ بنِ كَعبٍ القُرظيِّ أنه كانَ لا يَرَى بذلكَ بأسًا …
стр. 8543
ثمَّ قالَ القُرطبيُّ ﵀: وما نُسِبَ إلى مالكٍ وأصحابِه مِنْ هذا باطِلٌ، وهُمْ مُبَرَّؤونَ مِنْ ذلكَ (١).
وقالَ الحَطَّابُ ﵀: وأمَّا الوطءُ في الدُّبرِ المَشهورُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ أنه لا يَجوزُ، والقولُ بالجَوازِ مَنسوبٌ لمالِكٍ في «كِتاب السِّرِّ»، ومَوجودُ له في «اختصارِ المَبسوطِ»، قالَه ابنُ عبدِ السَّلامِ، قالَ: قالَ مالكٌ: إنه أحَلُّ مِنْ شُربِ الماءِ البارِدِ.
أمَّا «كِتاب السِّرِّ» فمُنكَرٌ، قالَ ابنُ فَرحونَ: وقَفْتُ عليهِ، فيه مِنْ الغَضِّ مِنْ الصَّحابةِ والقَدحِ في دِينِهم، خُصوصًا عُثمانَ ﵁، ومِن الحَطِّ على العُلماءِ والقَدْحِ فيهم ونِسبتِهم إلى قِلِّةِ الدِّينِ -مع إجماعِ أهلِ العِلمِ على فَضلِهم- خُصوصًا أشهَبُ ما لا أستَبيحُ ذِكْرَه، ووَرعُ مالِكٍ ودِينُه يُنافي ما اشتَملَ عليهِ «كِتاب السِّرِّ»، وهو جُزءٌ لَطيفٌ، نحوُ ثَلاثينَ ورَقةً. انتهى.
وقالَ ابنُ عرَفةَ: سَمِعَ عيسى ابنَ القاسِمِ ما أدرَكْتُ مَنْ يَقتدِي به يَشكُّ فيهِ، حدَّثَني رَبيعةُ عن سعيد بنِ يَسارٍ عنِ ابنِ عُمرَ: لا بأسَ به.
وأباحَهُ ابنُ القاسِمِ قائلًا: لا آمُرُ به، ولا أحِبُّ أنَّ لي مِلءَ المَسجدِ الأعظَمِ وأفعَلَه، وكلُّ مَنْ استِشارَني فيه آمُرُه بتَركِه. انتهى.
وقالَ البُرزُليُّ: لقيَ أشهَبُ رَجلًا أُراهُ مِنْ أهلِ العِراقِ ممَّن يقولُ بتَحريمِه -يعنِي الوَطءَ في الدُّبرِ- فتَكلَّمَ فيه، فقالَ أشهَبُ بتَحليلِه، وقالَ الرَّجلُ بتَحريمِه، فتَحاجَّا حتَّى قطَعَه أشهَبُ بالحُجةِ، فقالَ له أشهَبُ: أمَّا أنا
стр. 8544
فعَليَّ مِنْ الأَيمانِ كذا وكذا إنْ فعَلْتُه قَطُّ، فاحلِفْ لي أنتَ أيضًا أنكَ لم تفعَلْه، فأبَى أنْ يَحلفَ.
ثمَّ قالَ البُرزليُّ: والرِّوايةُ أنَّ مَنْ فعَلَه فإنه يُؤدَّبُ، وهو بِناءً على تَحريمِه، وعلى أنه مَكروهٌ أو مُباحٌ فلا يُؤدَّبُ؛ إذ ليسَ بمُجمَعٍ على كَراهتِه. انتهى (١).
كَشفُ الإنسانِ عَورتَه في الخَلوةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ كَشفِ العَورةِ إذا لم يَرَهُ أحَدٌ، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ في أصَحِّ الوجهَينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجبُ ستْرُ العورةِ في الخَلوةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بما رواهُ بَهزُ بنُ حكِيمٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ عَوراتُنا ما نأتي مِنها وما نَذَرُ؟ قالَ: احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زَوجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكَ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إذا كانَ القَومُ بعضُهم في بعضٍ؟ قالَ: إنِ استَطعْتَ أنْ لا يَرَينَّها أحدٌ فلا يَرينَّها، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إذا كانَ أحَدُنا خاليًا؟ قَالَ: اللهُ أحَقُّ أنْ يُستَحيَا منهُ مِنْ النَّاسِ» (٢).
стр. 8545
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ستْرُ العَورةِ عن العُيونِ واجِبٌ بالإجماعِ؛ لِمَا سبَقَ مِنْ الأدلَّةِ، وأصَحُّ الوجهَينِ وُجوبُه في الخَلوةِ؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ حديثِ بَهزٍ وغيرِه، ومِمَّن نَصَّ على تَصحيحِه المُصنِّفُ والبَندَنيجيُّ، فإنِ احتاجَ إلى الكَشفِ جازَ أنْ يَكشفَ قدْرَ الحاجةِ فقط، هكذا قالَه الأصحابُ، وقولُ المُصنِّفِ: (فإنِ اضْطَرَّ) مَحمولٌ على الحاجةِ لا على حَقيقةِ الضَّرورةِ، ولو قالَ: «احتَاجَ» كمَا الأصحابُ لَكانَ أصوَبَ؛ لئلَّا يُوهَمَ اشتِراطُ الضَّرورةِ، فمِن الحاجةِ حالةُ الاغتَسالِ، يَجوزُ في الخَلوةِ عارِيًا، والأفضَلُ التستُّرُ بمِئزرٍ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: يجبُ ستْرُ العَورةِ في خَلوةٍ كما يَجبُ لو كانَ بينَ النَّاسِ، وحتَّى في ظُلمةٍ؛ لحَديثِ بهزِ بنِ حَكيمٍ عن أبيه عن جدِّهِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ على الإنسانِ أنْ يستُرَ عَورتَه، كما قالَ النبيُّ ﷺ لمُعاويةَ بنِ حَيدةَ: «احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زَوجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكُ، قلتُ: فإذا كانَ أحَدُنا مع قَومهِ؟ قالَ: إنِ استَطعْتَ أنْ لا يَرينَّها أحَدٌ فلا يَرينَّها، قلتُ: فإذا كانَ أحَدُنا خاليًا؟ قالَ: فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه مِنْ النَّاسِ».