وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى جَوازِ إتيانِ المرأةِ في دُبرِها، وهيَ رِوايةٌ عن مالكٍ وابنِ القاسِمِ.
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءِ في جوازِ نكاحِ المرأةِ في دُبرِها، فجوَّزَه طائفةٌ كَثيرةٌ، وقد جمَعَ ذلك ابنُ شَعبانَ في كتابِ «جِماع النِّسوانِ وأحكَام القُرآن»، وأسنَدَ جوازَه إلى زُمرةٍ كَريمةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتابعِينَ، وإلى مالِكٍ مِنْ رِواياتٍ كَثيرةٍ، وقد ذكَرَ البُخاريُّ عن ابنِ عَونٍ عن نافعٍ قالَ: «كان ابنُ عُمرَ ﵁ إذا قرَأَ القُرآنَ لم يَتكلَّمْ حتَّى يَفرغَ منهُ، فأخَذْتُ عليه يومًا فقرَأَ سُورةَ البَقرة حتَّى انتَهَى إلى مَكانٍ، قالَ: أتَدرِي فِيمَ نزَلَتْ؟ قلتُ: لا، قالَ: أُنزِلَتْ في كذا وكذا ثمَّ مَضَى»، ثمَّ أتبَعَه بحَديثِ أيُّوب عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قالَ: يأتِيها في .. ولم يَذكُرْ بعدَه شَيئًا.
ويُروَى عن الزُّهريِّ أنه قالَ: «وهَمَ العَبدُ فيما روَى عنِ ابنِ عُمرَ في ذلكَ».
وقالَ النَّسائيُّ عن أبي النَّضرِ أنه قالَ لنافعٍ مولَى ابنِ عُمرَ: قد أُكثِرَ عليكَ القَولُ، إنَّكَ تَقولُ عن ابنِ عُمرَ إنَّه أفتَى بأنْ يأتوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ، قالَ نافعٌ: لقدْ كذَبُوا عليَّ، ولكنْ سأُخبِرُكَ كيفَ كانَ الأمرُ؛ إنَّ ابنَ عُمرَ عرَضَ المُصحفَ يومًا وأنَا عندَه حتَّى بلَغَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قالَ: يا نافعُ هل تَعلمُ ما أمرُ هذه الآيَةِ؟ قلتُ: لا، قالَ: إنَّا
стр. 8542
كُنَّا مَعشرَ قُريشٍ نَجيءُ النِّساءَ، فلمَّا دخَلْنا المَدينةَ ونكَحْنا نِساءَ الأنصارِ أرَدْنا مِنهنَّ ما كُنَّا نُريدُ مِنْ نِسائِنا، وإذا هُنَّ قد كَرهْنَ ذلكَ وأعظَمْنَه، وكانَتْ نِساءُ الأنصارِ إنَّما يُؤتَينَ على جُنوبِهنَّ، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قالَ القاضي: وسألْتُ الإمامَ القاضي الطُّوسيَّ عن المسألةِ فقالَ: لا يَجوزُ وَطءُ المرأةِ في دُبرِها بحالٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الفَرجَ حالَ الحَيضِ لأجْلِ النَّجاسةِ العارِضةِ، فأَولى أنْ يُحرِّمَ الدُّبرَ بالنَّجاسةِ اللازِمةِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وذهَبَتْ فِرقةٌ إلى أنَّ الوطءَ في الدُّبرِ مُباحٌ، وممَّن نُسِبَ إليه هذا القولُ سعيدُ بنُ المُسيِّبِ ونافعٌ وابنُ عمرَ ومُحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرظيُّ وعبدُ الملِكِ بنِ الماجشُون، وحُكيَ ذلكَ عن مالِكٍ في كِتابٍ له يُسمَّى «كِتاب السَّرِّ»، وحُذَّاقُ أصحابِ مالكٍ ومَشايخُهم يُنكِرونَ ذلكَ الكتابَ، ومالكٌ أجَلُّ مِنْ أنْ يكونَ له كتابُ سِرٍّ، ووقَعَ هذا القَولُ في «العتبيَّة»، وذكَرَ ابنُ العرَبيِّ أنَّ ابنَ شَعبانَ أسنَدَ جوازَ هذا القَولِ إلى زُمرةٍ كَبيرةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتابعينَ، وإلى مالكٍ مِنْ رِواياتٍ كَثيرةٍ في كِتابِ «جِماع النِّسوانِ وأحكَام القُرآنِ»، وقالَ الكِيَا الطَّبريُّ: ورُويَ عن مُحمدٍ بنِ كَعبٍ القُرظيِّ أنه كانَ لا يَرَى بذلكَ بأسًا …
стр. 8543
ثمَّ قالَ القُرطبيُّ ﵀: وما نُسِبَ إلى مالكٍ وأصحابِه مِنْ هذا باطِلٌ، وهُمْ مُبَرَّؤونَ مِنْ ذلكَ (١).
وقالَ الحَطَّابُ ﵀: وأمَّا الوطءُ في الدُّبرِ المَشهورُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ أنه لا يَجوزُ، والقولُ بالجَوازِ مَنسوبٌ لمالِكٍ في «كِتاب السِّرِّ»، ومَوجودُ له في «اختصارِ المَبسوطِ»، قالَه ابنُ عبدِ السَّلامِ، قالَ: قالَ مالكٌ: إنه أحَلُّ مِنْ شُربِ الماءِ البارِدِ.
أمَّا «كِتاب السِّرِّ» فمُنكَرٌ، قالَ ابنُ فَرحونَ: وقَفْتُ عليهِ، فيه مِنْ الغَضِّ مِنْ الصَّحابةِ والقَدحِ في دِينِهم، خُصوصًا عُثمانَ ﵁، ومِن الحَطِّ على العُلماءِ والقَدْحِ فيهم ونِسبتِهم إلى قِلِّةِ الدِّينِ -مع إجماعِ أهلِ العِلمِ على فَضلِهم- خُصوصًا أشهَبُ ما لا أستَبيحُ ذِكْرَه، ووَرعُ مالِكٍ ودِينُه يُنافي ما اشتَملَ عليهِ «كِتاب السِّرِّ»، وهو جُزءٌ لَطيفٌ، نحوُ ثَلاثينَ ورَقةً. انتهى.
وقالَ ابنُ عرَفةَ: سَمِعَ عيسى ابنَ القاسِمِ ما أدرَكْتُ مَنْ يَقتدِي به يَشكُّ فيهِ، حدَّثَني رَبيعةُ عن سعيد بنِ يَسارٍ عنِ ابنِ عُمرَ: لا بأسَ به.
وأباحَهُ ابنُ القاسِمِ قائلًا: لا آمُرُ به، ولا أحِبُّ أنَّ لي مِلءَ المَسجدِ الأعظَمِ وأفعَلَه، وكلُّ مَنْ استِشارَني فيه آمُرُه بتَركِه. انتهى.
وقالَ البُرزُليُّ: لقيَ أشهَبُ رَجلًا أُراهُ مِنْ أهلِ العِراقِ ممَّن يقولُ بتَحريمِه -يعنِي الوَطءَ في الدُّبرِ- فتَكلَّمَ فيه، فقالَ أشهَبُ بتَحليلِه، وقالَ الرَّجلُ بتَحريمِه، فتَحاجَّا حتَّى قطَعَه أشهَبُ بالحُجةِ، فقالَ له أشهَبُ: أمَّا أنا
стр. 8544
فعَليَّ مِنْ الأَيمانِ كذا وكذا إنْ فعَلْتُه قَطُّ، فاحلِفْ لي أنتَ أيضًا أنكَ لم تفعَلْه، فأبَى أنْ يَحلفَ.
ثمَّ قالَ البُرزليُّ: والرِّوايةُ أنَّ مَنْ فعَلَه فإنه يُؤدَّبُ، وهو بِناءً على تَحريمِه، وعلى أنه مَكروهٌ أو مُباحٌ فلا يُؤدَّبُ؛ إذ ليسَ بمُجمَعٍ على كَراهتِه. انتهى (١).
كَشفُ الإنسانِ عَورتَه في الخَلوةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ كَشفِ العَورةِ إذا لم يَرَهُ أحَدٌ، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ في أصَحِّ الوجهَينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجبُ ستْرُ العورةِ في الخَلوةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بما رواهُ بَهزُ بنُ حكِيمٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ عَوراتُنا ما نأتي مِنها وما نَذَرُ؟ قالَ: احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زَوجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكَ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إذا كانَ القَومُ بعضُهم في بعضٍ؟ قالَ: إنِ استَطعْتَ أنْ لا يَرَينَّها أحدٌ فلا يَرينَّها، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إذا كانَ أحَدُنا خاليًا؟ قَالَ: اللهُ أحَقُّ أنْ يُستَحيَا منهُ مِنْ النَّاسِ» (٢).
стр. 8545
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ستْرُ العَورةِ عن العُيونِ واجِبٌ بالإجماعِ؛ لِمَا سبَقَ مِنْ الأدلَّةِ، وأصَحُّ الوجهَينِ وُجوبُه في الخَلوةِ؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ حديثِ بَهزٍ وغيرِه، ومِمَّن نَصَّ على تَصحيحِه المُصنِّفُ والبَندَنيجيُّ، فإنِ احتاجَ إلى الكَشفِ جازَ أنْ يَكشفَ قدْرَ الحاجةِ فقط، هكذا قالَه الأصحابُ، وقولُ المُصنِّفِ: (فإنِ اضْطَرَّ) مَحمولٌ على الحاجةِ لا على حَقيقةِ الضَّرورةِ، ولو قالَ: «احتَاجَ» كمَا الأصحابُ لَكانَ أصوَبَ؛ لئلَّا يُوهَمَ اشتِراطُ الضَّرورةِ، فمِن الحاجةِ حالةُ الاغتَسالِ، يَجوزُ في الخَلوةِ عارِيًا، والأفضَلُ التستُّرُ بمِئزرٍ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: يجبُ ستْرُ العَورةِ في خَلوةٍ كما يَجبُ لو كانَ بينَ النَّاسِ، وحتَّى في ظُلمةٍ؛ لحَديثِ بهزِ بنِ حَكيمٍ عن أبيه عن جدِّهِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ على الإنسانِ أنْ يستُرَ عَورتَه، كما قالَ النبيُّ ﷺ لمُعاويةَ بنِ حَيدةَ: «احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زَوجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكُ، قلتُ: فإذا كانَ أحَدُنا مع قَومهِ؟ قالَ: إنِ استَطعْتَ أنْ لا يَرينَّها أحَدٌ فلا يَرينَّها، قلتُ: فإذا كانَ أحَدُنا خاليًا؟ قالَ: فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه مِنْ النَّاسِ».
стр. 8546
ويَجوزُ أنْ يَكشفَ بقَدرِ الحاجَةِ، كما يَكشفُ عندَ التخلِّي، وكذلكَ إذا اغتَسلَ الرَّجلُ وحْدَه بجَنبِ ما يستُرُه فله أنْ يَغتسلَ عُريانًا، كما اغتَسلَ مُوسى عُريانًا وأيُّوبُ، وكما في اغتِسالُه ﷺ يومَ الفَتحِ، واغتِسالُه في حَديثِ مَيمونةَ (١).
وقالَ أيضًا بعدَ حَديثِ: «فإذا كانَ أحَدُنَا خاليًا؟ قالَ: فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه مِنْ النَّاسِ»: فأمَرَ بستْرِها في الخَلوةِ، وهذا واجِبٌ عندَ أكثرِ العُلماءِ.
وأمَّا إذا اغتَسلَ في مَكانٍ خالٍ بجَنبِ حائطٍ أو شَجرةٍ ونحوِ ذلكَ في بَيتِه أو حمَّامٍ أو نحوِ ذلكَ فإنه يَجوزُ له كَشفُها في هذهِ الصُّورةِ عندَ الجُمهورِ، كما ثبَتَ في الصَّحيحِ «أنَّ مُوسَى اغتَسلَ عُريانًا»، «وأنَّ أيُّوبَ اغتَسلَ عُريانًا»، «وأنَّ فاطِمةَ كانَتْ تَسترُ النبيَّ ﷺ بثَوبٍ ثمَّ يَغتسلُ».
وهذا كَشفٌ للحاجةِ بمَنزلةِ كَشفِها عندَ التَّخلِّي والجِماعِ بمِقدارِ الحاجةِ، ولهذا كَرِهَ العُلماءُ للمُتخلِّي أنْ يَرفعَ ثوبَه حتَّى يَدنوَ مِنْ الأرضِ (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ كَشفُ العَورةِ في الخَلوةِ مع الكَراهةِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ ستْرُها في الخَلوةِ وغيرِها إلَّا مِنْ حاجةٍ.
стр. 8547
وقالَ القاضي: يُكرهُ التَّعرِّي في الخَلوةِ ولا يَحرمُ، ومِن أصحابِنا مَنْ يَحكِيها على رِوايتينِ، والأولُ أبيَنُ في كَلامِ أحمدَ وأشبَهُ بظاهِرِ السُّنةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لمُعاويةَ بنِ حَيدةَ: «فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه» لمَّا قالَ لهُ: فإنْ كانَ أحَدُنا خاليًا، و «نهَى أنْ يَحتبِئَ الرَّجلُ في ثوبٍ واحدٍ يُفضِي بفَرجِه إلى السَّماءِ»، وفي لَفظٍ «ليسَ على فَرجِه منه شيءٌ» رواهُ الجَماعةُ، وعنِ ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إيَّاكُم والتَّعرِّيَ، فإنَّ معكُم مَنْ لا يُفارِقُكم إلَّا عندَ الغائِطِ وحينَ يُفضِي الرَّجلُ إلى أهلِه، فاستَحيُوهم وأَكرِموهُم» رواهُ التِّرمذيُّ، وعَن عُتبةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أتَى أحَدُكم أهلَه فلْيَستتِرْ، ولا يَتجرَّدَا تَجرُّدَ العَيرَينِ» رواهُ ابنُ ماجَه.
ولأنَّ اللهَ أحَقُّ أنْ يُستَحيَى منهُ مِنْ النَّاسِ، وكذلكَ مَلائكتُه وغيرُهم مِنْ خَليقَتِه، فتَجبُ السُّترةُ في الخَلوةِ كما تَجبُ عن أعيُنِ الناسِ، ولهذا وجَبَتِ في الصَّلاةِ خَلوةً، وليسَ الاستِتارُ لأجلِ الاستِخفاءِ مِنْ اللهِ تعالَى؛ إذ هو سُبحانَه بَصيرٌ لا تَخفَى عليهِ خافِيةٌ، وإنَّما ذلك ظَنُّ الذينَ كَفَروا والذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم بقولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]، ولكنْ يعني الاستِحياءُ منهُ مَبلغَ الجُهدِ، كما أخبَرَ اللهُ تعالَى عن آدَمَ وحوَّاءَ حينَ بَدَتْ سَوآتُهما أنَّهما طَفِقَا يَخصِفانِ عليهما مِنْ وَرقِ الجنَّةِ، وكما كانَ أبو بكرٍ الصِّديقُ ﵁ يقولُ:
стр. 8548
«أيَّها الناسُ استَحيُوا مِنْ اللهِ، فإني لَأدخُلُ الخَلاءَ فأَحنِي ظَهرِي حَياءً مِنْ رَبِّي»، وكذلكَ قالَ أبو مُوسَى في الاغتِسالِ (١).
الخَلوةُ بالأجنَبيةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا يَجوزُ الخَلوةُ بالمرأةِ الأجنَبيةِ؛ لِما رواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يَخلُوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ إلَّا مع ذي مَحرَمٍ، فقامَ رَجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ امرأتِي خرَجَتْ حاجَّةً واكتُتبْتُ في غَزوةِ كذا وكذا، قالَ: ارجِعْ فحُجَّ مع امرأتِكَ» (٢).
وقَول النبيِّ ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَخلُوَنَّ بامرَأةٍ ليسَ مَعها ذُو مَحرَمٍ منها، فإنَّ ثالثَهُما الشَّيطانُ» (٣).
وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ، فقالَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ أفَرَأيتَ الحَمْوَ؟ قالَ: الحَموُ المَوتُ» (٤).
стр. 8549
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفي هذا الحَديثِ والأحاديثِ بعدَه تَحريمُ الخَلوةِ بالأجنَبيةِ وإباحةُ الخَلوةِ بمَحارمِها، وهذانِ الأمْرانِ مُجمَعٌ عليهما (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قولُه ﷺ : «لا يَخلُوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ إلَّا ومعها ذو مَحرمٍ» هذا استِثناءٌ مُنقطِعٌ؛ لأنه متَى كانَ معها مَحرمٌ لم تَبْقَ خَلوةٌ، فتَقديرُ الحديثِ: (لا يَقعُدَنَّ رجلٌ مع امرأةٍ إلَّا ومعها مَحرمٌ)، وقَولُه ﷺ : «ومعها ذو مَحرَمٍ» يَحتملُ أنْ يُريدَ مَحرمًا لها، ويَحتملُ أنْ يُريدَ مَحرمًا لها أو لهُ، وهذا الاحتِمالُ الثَّاني هو الجاري على قَواعدِ الفُقهاءِ؛ فإنه لا فرْقَ بينَ أنْ يكونَ معها مَحرمٌ لها كابنِها وأخيها وأمِّها وأختِها، أو يكونَ مَحرمًا له كأختِه وبنتِه وعمَّتِه وخالتِه، فيَجوزُ القُعودُ معها
стр. 8550
في هذه الأحوالِ، ثمَّ إنَّ الحَديثَ مَخصوصٌ أيضًا بالزَّوجِ، فإنه لو كانَ مَعها زَوجُها كانَ كالمَحرمِ وأَولى بالجَوازِ، وأمَّا إذا خَلا الأجنَبيُّ بالأجنَبيةِ مِنْ غيرِ ثالثٍ معهُما فهو حَرامٌ باتِّفاقِ العُلماءِ، وكذا لو كانَ معهُما مَنْ لا يُستحَى منه لصِغَرِه كابنِ سَنتينِ وثَلاثٍ ونحوِ ذلكَ؛ فإنَّ وُجودَه كالعَدمِ، وكذا لو اجتَمعَ رِجالٌ بامرأةٍ أجنَبيةٍ فهو حَرامٌ، بخِلافِ ما لو اجتَمعَ رجلٌ بنِسوةٍ أجانِبَ، فإنَّ الصَّحيحَ جَوازُه (١).
وقالَ في «المَجمُوع»: واعلَمْ أنَّ المَحرمَ الَّذي يَجوزُ القُعودُ مع الأجنَبيةِ مع وُجودِه يُشترطُ أنْ يكونَ ممَّن يُستحَى منه، فإنْ كانَ صَغيرًا عن ذلكَ كابنِ سَنتينِ وثلاثٍ ونحوِ ذلك فوُجودُه كالعَدمِ بلا خِلافٍ، ولا فرْقَ في تَحريمِ الخَلوةِ بينَ الصَّلاةِ وغيرِها كما سبَقَ، ويَستوِي فيها الأعمَى والبصيرُ.
ويُستثنَى مِنْ هذا كلِّه مَواضعُ الضَّرورةِ، بأنْ يَجِدَ امرأةً أجنَبيةً مُنقطِعةً في برِّيةٍ ونحوِ ذلكَ، فيُباحُ له استِصحابُها، بل يَجبُ عليهِ ذلكَ إذا خافَ عليها لو ترَكَها، وهذا لا خِلافَ فيه، ويَدلُّ عليهِ حَديثُ عائِشةَ ﵂ في قِصةِ الإفكِ.
واعلَمْ أنَّ المَحرمَ الذي يَجوزُ القُعودُ معها بوُجودِه يَستوِي فيه مَحرَمُه ومَحرمُها، وفي مَعناهُ زَوجُها وزَوجتُه، واللهُ أعلَمُ (٢).
стр. 8551
وقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: والمَعنى في تَحريمِ الخَلوةِ بالأجنَبيةِ أنه مَظنةُ الوُقوعِ في الفاحِشةِ بتَسويلِ الشَّيطانِ، وروَى التِّرمذيُّ عن جابرٍ مَرفوعًا: «لا تَلجُوا على المُغِيباتِ، فإنَّ الشَّيطانَ يَجرِي مِنْ أحَدِكم مَجرَى الدَّمِ»، وروَى النَّسائيُّ عن عُمرَ ﵁ مَرفوعًا: «لا يَخلُوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ، فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهُما»، وقد حكَى النَّوويُّ وغيرُه الإجماعَ على تَحريمِ الخلوةِ بالأجنَبيةِ وإباحتِها بالمَحارمِ (١).
خَلوةُ الرِّجالِ بإمرَأةٍ:
ذهَبَ الشَّافعيةُ في المَشهورِ عندَهم والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ للرَجلينِ أو لِأكثَرَ أنْ يَختَلُوا بامرأةٍ أجنبيةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ ﵄: أنَّ نَفَرًا مِنْ بَني هاشمٍ دَخلُوا على أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ، فدخَلَ أبو بَكرٍ الصدِّيقُ وهي تحتَه يَومئذٍ، فرَآهُم فكَرِهَ ذلك، فذكَرَ ذلك لرَسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: لم أَرَ إلَّا خيرًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد بَرَّأَها مِنْ ذلك، ثمَّ قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على المِنبرِ فقالَ: لا يَدخُلنَّ رَجلٌ بعدَ يَومِي هذا على مُغِيبةٍ إلَّا ومعه رَجلٌ أو اثنانِ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المُغِيبةُ -بضَمِّ الميمِ وكَسرِ الغَينِ المُعجَمةِ
стр. 8552
وإسكانِ الياءِ-: وهي التي غابَ عنها زَوجُها، والمرادُ غابَ زَوجُها عن مَنزلِها، سواءٌ غابَ عن البلدِ بأنْ سافَرَ، أو غابَ عن المَنزلِ وإنْ كانَ في البَلدِ، هكذا ذكَرَه القاضي وغيرُه، وهذا ظاهِرٌ مُتعيِّنٌ، قالَ القاضي: ودَليلُه هذا الحَديثُ، وأنَّ القصَّةَ التي قيلَ الحَديثُ بسَببِها وأبو بكرٍ ﵁ غائِبٌ عن مَنزلِه لا عنِ البلدِ، واللهُ أعلَمُ.
ثمَّ إنَّ ظاهِرَ هذا الحَديثِ جوازُ خَلوةِ الرَّجلينِ أو الثَّلاثةِ بالأجنَبيةِ، والمَشهورُ عندَ أصحابِنا تَحريمُه، فيُتأوَّلُ الحديثُ على جَماعةٍ يَبعُدُ وقوعُ المُواطَأةِ منهم على الفاحشةِ لصَلاحِهم أو مُروءَتهم أوغيرِ ذلكَ، وقد أشارَ القاضي إلى نحوِ هذا التأويلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: ولا يَخلُو أجانِبُ بأجنَبيةٍ، ويُتوجَّهُ وَجهٌ؛ لِما رواهُ أحمدُ ومُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو «أنَّ نفَرًا مِنْ بَني هاشمٍ دَخلُوا على أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ، فدخَلَ أبو بكرٍ وهي تحتَه يَومئذٍ، فرَآهُم فذكَرَ ذلكَ لرَسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: لم أَرَ إلَّا خَيرًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ اللهَ قد بَرَّأَها مِنْ ذلكَ، ثمَّ قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على المِنبَرِ فقالَ: «لا يَدخُلَنَّ رَجلٌ بعدَ يَومي هذا على مُغيبةٍ إلَّا ومعه رَجلٌ أو اثنانِ»، وتأوَّلَه بعضُ المالِكيةِ والشَّافعيةِ على جَماعةٍ يَبعُدُ التَّواطؤُ منهم على الفاحشةِ.
стр. 8553
وقالَ القاضِي: مَنْ عُرِفَ بالفِسقِ مُنعَ مِنْ الخلوةِ بأجنبيةٍ، كذا قالَ، والأشهَرُ: يَحرمُ مُطلَقًا، وذكَرَه جَماعةٌ، قالَ ابنُ عَقيلٍ: ولو لإزالةِ شُبهةٍ ارتَدَّتْ بها أو لِتَداوٍ، وفي آدابِ «عُيونِ المَسائلِ»: لا يَخلُو رَجلٌ بامرأةٍ ليسَتْ له بمَحرمٍ إلَّا وكانَ الشَّيطانُ ثالثَهُما وإنْ كانَتْ عَجوزًا شَوهاءَ كما ورَدَ في الحَديثِ (١).
وقالَ المِرْداويُّ ﵀: ولا يَخلو أجانِبُ بأجنَبيةٍ، قالَ في «الفُروع»: ويُتوجَّهُ وجهٌ؛ لقصَّةِ أبي بكرٍ ﵁ مع زَوجتِه أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ (٢).
خَلوةُ الرَّجلِ بنِسوةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ خَلوةِ الرَّجلِ بنِسوةٍ، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَخلوَ الرَّجلُ بنِسوةٍ أجانِبَ.
قالَ الحَنفيةُ: تَحرمُ الخلوةُ بالأجنبيةِ؛ خوْفَ الفِتنةِ والوقوعِ في الحرامِ، وإنْ كانَ معها غيرُها مِنْ النِّساءِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولهذا حَرُمَتِ الخَلوةُ بالأجنبيةِ وإنْ كانَ معها امرأةٌ أُخرى (٣).
стр. 8554
وقالَ الزَّيلعيُّ ﵀: تَحرمُ الخَلوةُ بالأجنَبيةِ وإنْ كانَ معها غيرُها مِنْ النِّساءِ (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وقَولُ «القُنيَة»: «وليسَ معهُما مَحرمٌ» يفيدُ أنه لو كانَ فلا خَلوةَ، والَّذي تَحصَّلَ مِنْ هذا أنَّ الخلوةَ المُحرَّمةَ تَنتفِي بالحائلِ وبوُجودِ مَحرمٍ أو امرأةٍ ثِقةٍ قادرةٍ.
وهل تَنتفِي أيضًا بوُجودِ رَجلٍ آخَرَ أجنَبيٍ؟ لم أَرَه، لكنْ في إمامةِ البَحرِ عن الإسبِيجابيِّ: يُكرهُ أنْ يؤمَّ النِّساءَ في بَيتٍ وليسَ معهُنَّ رَجلٌ ولا مَحرمٌ مثلَ زَوجتِه وأمَتِه وأختِه، فإنْ كانَتْ واحِدةٌ منهنَّ فلا يُكرهَ، وكذا إذا أَمَّهنَّ في المسجدِ لا يُكرهُ. اه.
وإطلاقُ المَحرمِ على مَنْ ذُكِرَ تَغليبٌ، بَحرٌ، والظَّاهرُ أنَّ علَّةَ الكَراهةِ الخلوةُ، ومَفادُه أنه تَنتفِي بوُجودِ رَجلٍ آخَرَ، لكنَّه يُفيدُ أيضًا أنها لا تَنتفِي بوُجودِ امرأةٍ أُخرى، فيُخالِفُ ما مَرَّ مِنْ الاكتفاءِ بامرأةٍ ثِقةٍ.
ثمَّ رأيْتُ في «مُنيَة المُفتِي» ما نَصُّه: الخَلوةُ بالأجنَبيةِ مَكروهةٌ وإنْ كانَتْ معَها أُخرى كَراهةَ تَحريمٍ. اه.
ويَظهرُ لي أنَّ مُرادَهم بالمرأةِ الثِّقةِ أنْ تكونَ عَجوزًا لا يُجامَعُ مِثلُها مع كَونها قادِرةً على الدَّفعِ عنها وعنِ المُطلَّقةِ، فليُتأمَّلْ (٢).
стр. 8555
وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَشهورِ إلى أنه يَجوزُ أنْ يَخلوَ بنِسوةٍ أجانِبَ وإنْ لم يَكنْ معه مَحرمٌ مِنهنَّ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ إمامُ الحرَمينِ: ولم يَشترطْ أحَدٌ مِنْ أصحابِنا أنْ يكونَ مع كُلِّ واحدةٍ مِنهنَّ مَحرمٌ أو زَوجٌ، قالَ: ويَقصدُ بما قالَه القفَّالُ حُكمَ الخَلوةِ، فإنه كما يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَخلوَ بامرأةٍ واحدةٍ كذلكَ يَحرمُ عليهِ أنْ يَخلوَ بنِسوةٍ، ولو خَلا رَجلٌ بنِسوةٍ وهو مَحرمُ إحداهُنَّ جازَ، وكذلكَ إذا خلَتِ امرأةٌ برِجالٍ وأحَدُهم مَحرمٌ لها جازَ، قالَ: وقد نَصَّ الشَّافعيُّ على أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُصليَ بنِساءٍ مُفرَداتٍ إلَّا أنْ تكونَ إحداهُنَّ مَحرمًا له، هذا كَلامُ إمامِ الحرَمينِ هُنا.
وحكَى صاحِبُ «العُدَّة» عن القفَّالِ في الخلوةِ مِثلَ ما ذكَرَه إمامُ الحرَمينِ بحُروفِه، وحَكَى فيه نَصَّ الشَّافعيِّ في تَحريمِ الخَلوةِ بنِسوةٍ مُنفرِدًا بهنَّ، هذا الَّذي ذكَرَه الإمامُ وصاحِبُ «العُدَّة».
والمَشهورُ هو جَوازُ خَلوة رَجلٍ بنِسوةٍ لا مَحرمَ له فيهنَّ؛ لعَدمِ المَفسدةِ غالبًا؛ لأنَّ النِّساءَ يَستَحينَ مِنْ بعضِهنَّ بعضًا في ذلكَ (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: ويَجوزُ لرَجلٍ أجنبيٍّ أنْ يَخلوَ بامرَأتينِ، لا عَكسُه، أي لا يَجوزُ لرَجلينِ أجنَبيينِ أنْ يَخلوَا بامرأةٍ ولو بعدَ تَواطُئِهم على الفاحِشةِ، كما صرَّحَ به النَّوويُّ في مَجمُوعِه؛ لأنَّ المرأةَ
стр. 8556
تَستَحيي مِنْ المرأةِ فوقَ ما يَستحِي الرَّجلُ مِنْ الرَّجلِ، لكنَّه في «شَرح مُسلمٍ» أوَّلَ قولَه ﷺ : «لا يَدخُلَنَّ رَجلٌ بعدَ يَومِي هذا على مُغيبةٍ إلَّا ومعه رَجلٌ أو رَجلانِ» على جَماعةٍ يَبعدُ تَواطؤُهم على الفاحِشةِ لصَلاحٍ أو مُروءةٍ أو غيرِهما، قالَ الزَّركشيُّ: لكنَّ بابَ التأويلِ يُرتَكبُ فيه غيرُ المُختارِ، وقد حكاهُ وَجهًا في «المَجمُوع» في بابِ صِفةِ الأئمَّةِ. انتهى (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وكُرِهَ أنْ يَؤمَّ رَجلٌ امرأةً أجنَبيةً منهُ فأكثَرَ مِنْ امرأةٍ لا رَجلَ فيهنَّ؛ لأنه ﷺ نهَى عن خَلوةِ الرَّجلِ بالمرأةِ، ولِما فيه مِنْ مُخالَطةِ الوَسواسِ، لكنْ إنْ كانَ مع خلوةٍ حَرُمَ، وإنْ أَمَّ مَحارمَه أو أجنَبياتٍ معهنَّ رَجلٌ أو مَحرمُه فلا كَراهةَ؛ لأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَشهَدْنَ الصلاةَ معهُ ﷺ (٢).
متَى تَجوزُ الخَلوةُ بالأجنَبيةِ؟
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنه يَجوزُ الخَلوةُ بالأجنَبيةِ عندَ الضَّرورةِ.
قال الإمام النووي ﵀: ويُستثنَى مِنْ هذا كلِّه -أي مِنْ تَحريمِ الخَلوةِ- مَواضعُ الضَّرورةِ، بأنْ يَجِدَ امرأةً أجنَبيةً مُنقطِعةً في برِّيةٍ ونحوِ ذلكَ، فيُباحُ له استِصحابُها، بل يَجبُ عليهِ ذلكَ إذا خافَ عليها لو ترَكَها، وهذا لا خِلافَ فيه، ويَدلُّ عليهِ حَديثُ عائِشةَ ﵂ في قِصةِ الإفكِ (٣).
стр. 8557
وقالَ الطَّبريُّ ﵀: فلا يَجوزُ أنْ يَخلوَ رجلٌ بامرأةٍ ليسَ لها بمَحرمٍ في سَفرٍ ولا في حَضرٍ إلَّا في حالٍ لا يَجدُ مِنْ الخَلوةِ بها بُدًّا، وذلكَ كخَلوةٍ بجارِيةِ امرأتِه تَخدمُه في حالِ غَيبةِ مَولاتها عنهُما، وقد رخَّصَ في ذلكَ الثَّوريُّ (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ ﵀: باب ما يَجوزُ أنْ يَخلوَ الرَّجلُ بالمرأةِ عندَ النَّاسِ:
٤٩٣٦ - حدَّثَنا مُحمدُ بنُ بشَّارٍ حدَّثَنا غُندَرٌ حدَّثَنا شُعبةُ عن هِشامٍ قالَ: سَمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ قالَ: «جاءَتِ امرأةٌ مِنْ الأنصارِ إلى النبيِّ ﷺ فخَلا بها، فقالَ: واللهِ إنَّكم لَأحَبُّ النَّاسِ إليَّ».
قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: فيهِ مِنْ الفِقهِ أنه لا بأسَ للعالِمِ والرَّجلِ المَعلومِ بالصَّلاحِ أنْ يَخلوَ بالمرأةِ إلى ناحيةٍ عن النَّاسِ، وتُسِرُّ إليه بمَسائلِها، وتَسألُه عن بَواطنِ أمرِها في دِينِها وغيرِ ذلكَ مِنْ أمورِها.
فإنْ قيلَ: ليسَ في الحديثِ أنه خَلا بها عندَ النَّاسِ كما تَرجَمَ.
قيلَ: قولُ أنسٍ: «فخَلا بها» يَدلُّ أنه كانَ مع النَّاسِ فتَنحَّى بها ناحِيةً، ولا أقَلَّ مِنْ أنْ يكونَ مع أنَسٍ راوِي الحديثِ وناقِلِ القصَّةِ، ولم يُرِدْ بقولِه: «فخَلا بها» أنه غابَ عن أبصارِهم، وإنَّما خَلا بها حيثُ لا يَسمعُ الَّذينَ
стр. 8558
بحَضرتِه كَلامَها ولا شَكواها إليه، أَلَا تَرَى أنهم سَمِعُوا قولَه لها: «أنتُم أحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ» يُريدُ الأنصارَ قَومَ المرأةِ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قولُه: «باب ما يَجوزُ أنْ يَخلوَ الرَّجلُ بالمرأةِ عندَ النَّاسِ» أي: لا يَخلُو بها بحَيثُ تَحتَجبُ أشخاصُهُما عنهم، بل بحَيثُ لا يَسمَعونَ كَلامَهما إذا كانَ بما يُخافتُ به، كالشَّيءِ الذي تَستحيِ المرأةُ مِنْ ذِكرِه بينَ الناسِ، وأخَذَ المُصنِّفُ قولَه في التَّرجمةِ (عندَ النَّاسِ) مِنْ قولِه في بعضِ طُرقِ الحديثِ: «فخَلا بها في بَعضِ الطُّرقِ، أو في بَعضِ السِّككِ» وهي الطُّرقُ المَسلوكةُ التي لا تَنفكُّ عن مُرورِ الناسِ غالبًا.
قولُه: «عن هِشامٍ» هوَ ابنُ زيدِ بنِ أنسٍ، وقد تَقدَّمَ في فَضائلِ الأنصارِ مِنْ طَريقِ بَهزِ بنِ أسَدٍ عن شُعبةَ أخبَرَني هِشامُ بنُ زَيدٍ، وكذا وقَعَ في رِوايةِ مُسلمٍ.
قَولُه: «جَاءتِ امرأةٌ مِنْ الأنصارِ إلى النبيِّ ﷺ » زادَ في رِوايةِ بَهزِ بنِ أسَدٍ: «ومَعَها صَبيٌّ لها، فكلَّمَها رسولُ اللهِ ﷺ »، قَولُه: «فخَلا بها رَسولُ اللهِ ﷺ » أي في بعضِ الطُّرقِ، قالَ المُهلَّبُ: لم يُرِدْ أنسٌ أنه خَلا بها بحيثُ غابَ عن أبصارِ مَنْ كانَ معه، وإنَّما خَلا بها بحَيثُ لا يَسمعُ مَنْ حضَرَ شَكواها ولا ما دارَ بينَهُما مِنْ الكَلامِ، ولهذا سَمِعَ أنسٌ آخِرَ الكَلامِ فنقَلَه، ولم يَنقلْ ما دارَ بينَهُما؛ لأنه لم يَسمَعْه. اه
стр. 8559
ووقَعَ عندَ مُسلمٍ مِنْ طَريقِ حمَّادِ بنِ سَلمةَ عن ثابتٍ عن أنسٍ «أنَّ امرأةً كانَ في عَقلِها شيءٌ قالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي إليكَ حاجَةً، فقالَ: يا أُمَّ فُلانٍ انظُرِي أيَّ السِّككِ شِئتِ حتَّى أَقضيَ لكِ حاجتَكِ».
وأخرَجَ أبو داوُدَ نحوَ هذا السِّياقِ مِنْ طريقِ حُميدٍ عن أنسٍ، لكنْ ليسَ فيهِ أنه كانَ في عَقلِها شَيءٌ.
قَولُه: «فقالَ: واللهِ إنكُم لَأحَبُّ الناسِ إلَيَّ» زاد في رِوايةِ بَهزٍ: «مرَّتينِ»، وأخرَجَه في الأيمانِ والنُّذورِ مِنْ طَريقِ وَهبِ بنِ جَريرٍ عن شُعبةَ بلَفظِ: «ثَلاثَ مَراتٍ»، وفي الحَديثِ مَنقَبةٌ للأنصارِ، وقد تَقدَّمَ في فضائلِ الأنصارِ تَوجيهُ قَولِه: «أنتُم أحَبُّ الناسِ إلَيَّ»، وقد تَقدَّمَ فيه حَديثُ عبدِ العزيزِ بنِ صُهيبٍ عن أنسٍ مِثلُ هذا اللَّفظِ أيضًا في حَديثٍ آخَرَ، وفيه سَعةُ حِلْمِه وتَواضعُه ﷺ وصبْرُه على قَضاءِ حوائجِ الصَّغيرِ والكَبيرِ، وفيه أنَّ مُفاوَضةَ المرأةِ الأجنَبيةِ سِرًّا لا يَقدحُ في الدِّينِ عندَ أمنِ الفِتنةِ، ولكنَّ الأمرَ كما قالَتْ عائِشةُ: «وأيُّكم يَملكُ إرْبَه كما كانَ ﷺ يَملكُ إرْبَه» (١).
стр. 8560
فصل في أركانِ النِّكاحِ وشُروطِهِ
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ النكاحَ له أركانٌ وشُروطٌ لكِلِّ رُكنٍ لا بُدَّ مِنْ تَوافرِها لصحَّةِ النكاحِ، إلا أنهم اختَلفُوا في عَددِها.
فاتَّفقُوا على أنَّ الصِّيغةَ -وهي الإيجابُ والقَبولُ- رُكنٌ، واختَلفُوا في الباقي، فبَعضُهم يَعتبِرُها أركانًا، وبَعضُهم يَعتبِرُها شُروطًا لا بُدَّ منها.
فرُكنُ النِّكاحِ عندَ الحَنفيةِ هو الإيجابُ والقَبولُ فقط، والباقي شُروطٌ لصِحتِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ أركانَ النكاحِ هي: وَليٌّ ومَحلٌّ (زَوجٌ وزَوجةٌ) وصِيغةٌ، وزادَ بَعضُهم: وصَداقٌ وشُهودٌ، وقيلَ: هُما شَرطانِ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَتوقَّفُ عليهِما، بدليلِ نكاحِ التَّفويضِ (٢).
стр. 8561
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ أركانَ النِّكاحِ خَمسةٌ: صِيغةٌ وزَوجةٌ وشَاهدانِ وزَوجٌ ووَليٌ وهُما العاقِدانِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ أركانَ النكاحِ ثَلاثةٌ: زَوجانِ والإيجابُ والقَبولُ (٢).
الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ (الإيجابُ والقَبولُ):
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإيجابَ والقَبولَ رُكنٌ مِنْ أركانِ النكاحِ، لا يَصحُّ النكاحُ إلَّا بهما؛ لأنَّ النكاحَ عَقدٌ، فافتَقرَ إلى الإيجابِ والقَبولِ كعَقدِ البَيعِ؛ لأنَّ البُضعَ على مِلكِ المرأةِ، والمالُ يَثبتُ في مُقابَلتِه، فلم يَكنْ بُدٌّ مِنْ الإيجابِ والقَبولِ.
وهُما رُكنٌ واحدٌ عِنْدَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ، ورُكْنانِ عندَ الحَنابلةِ، فالإيجابُ رُكنٌ والقَبولُ رُكنٌ عِندَهم، أمَّا عندَ الجُمهورِ فرُكنٌ واحدٌ.
وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ أيضًا على أنَّ النكاحَ يَحصلُ بألفاظٍ مُعيَّنةٍ، واتَّفقوا على أنه لا يَجوزُ بألفاظٍ مُعيَّنةٍ، واختَلفُوا في بعضِ الألفاظِ هل يَنعقدُ بها النكاحُ أم لا؟ وكذا النِّكاحُ بالكِتابةِ والإشارةِ هل يَصحُّ أم لا؟
стр. 8562
أولاً: الإيجابُ:
وهوَ: اللَّفظُ الصَّادرُ مِنْ الوليِّ أو مَنْ يَقومُ مَقامَه، ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الإيجابَ رُكنٌ مِنْ أركانِ النكاحِ، لا يَصحُّ النكاحُ إلا به، ويَنعقدُ الإيجابُ بألفاظٍ مُتفَقٍ عليها، وألفاظٌ مُختَلفٌ فيها هل يَنعقدُ بها النكاحُ أم لا؟ وألفاظٌ لا يَصحُّ انعِقادُ النكاحِ بها بالاتِّفاقِ.
أولاً: الألفاظُ المُتَّفَقُ على صحَّةِ انعِقادِ النِّكاحِ بها:
١ - لَفظُ النكاحِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ النكاحَ يَصحُّ بلَفظِ النكاحِ؛ لأنه صَريحٌ فيه، كقَولِ الوليِّ أو مَنْ يَقومُ مَقامَه: «أنكَحْتُكَ بنتِي فُلانةَ، أو: أنكَحتُكَ مُوَلِّيتي، أو مُوَكِّلَتي فُلانةَ»، ولأنَّ هذا اللَّفظَ هو الواردُ في القُرآنِ الكَريمِ بقولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
٢ - لَفظُ الزَّواجِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ النكاحَ يَصحُّ بلَفظِ التَّزويجِ؛ لأنه صَريحٌ فيه، كقَولِ الوليِّ أو مَنْ يَقومُ مَقامَه: «زوَّجْتُكَ بنتِي فُلانةَ، أو: زوَّجتُكَ مُولِّيتي أو مُوكِّلَتي فُلانةَ»، ولأنَّ هذا اللَّفظَ ولفْظَ النكاحِ هُما الوارِدانِ في القُرآنِ الكريمِ بقولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، فلا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلمينَ على أنَّ هذَينِ اللَّفظينِ يَصحُّ بهما النكاحُ؛
стр. 8563
لأنهما صَريحانِ فيهِ وبهما ورَدَ الشَّرعُ، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَنعقدُ النِّكاحُ بلَفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ والجَوابِ عنهُما إجماعًا، وهُما اللَّذانِ ورَدَ بهما نَصُّ الكِتابِ في قَولِه سُبحانَه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، وقولِه سُبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، وسَواءٌ اتَّفقَا مِنْ الجانبَينِ أو اختَلفَا، مثلَ أنْ يقولَ: «زوَّجتُكَ ابنَتي هذه» فيقولَ: «قَبِلتُ هذا النكاحَ، أو هذا التَّزويجَ» (١).
ثانيًا: الألفاظُ المُختلَفُ في صحَّةِ انعِقادِ النكاحِ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في النكاحِ، هل يَنعقدُ بلَفظِ الهِبةِ أو البَيعِ أو الصَّدقةِ أو التَّمليكِ عُمومًا؟ أم لا يَصحُّ إلَّا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط؟
فالحَنفيةُ يُصحِّحونَ النكاحَ بكُلِّ لَفظٍ يَقتضِي التَّمليكَ على التَّأبيدِ.
وجوَّزَه مالكٌ بكُلِّ لَفظٍ يَفهمُ المُتناكِحانَ مَقصودَهُما.
وقالَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ لا يَنعقدُ إلَّا بلَفظِ التَّزويجِ والنكاحِ؛ لأنهما المَذكوانِ في القُرآنِ.
стр. 8564
وذهَبَ ابنُ تَيميةَ وغيرُه إلى أنه يَحصلُ بكُلِّ لَفظٍ يُؤدِّي معناه؛ لأنه لم يَرِدْ نَصٌّ مِنْ القُرآنِ أو السُّنةِ أو أقوالِ الصَّحابةِ يَدلُّ على أنَّ النكاحَ لا يَحصلُ إلا بهذه الألفاظِ.
وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
١ - لفظُ الهِبةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في النكاحِ، هل يَنعقدُ بلَفظِ الهِبةِ ويكونُ مِنْ الكِناياتِ؟ أم لا يَنعقدُ ولا بُدَّ مِنْ لفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ النكاحُ بلَفظِ الهِبةِ، ولا يَصحُّ إلَّا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ أو ما اشتُقَّ منهُما فقط، ولا يَنعقدُ بلفظِ الهبةِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فذكَرَ ذلكَ خالِصًا لرسولِ اللهِ ﷺ ، وأنه مَخصوصٌ بالنكاحِ بلَفظِ الهبةِ، وأنَّ غيْرَه لا يُساويهِ، ولأنهُ لفظٌ يَنعقدُ به غيرُ النكاحِ، فلمْ يَنعقدْ به النكاحُ كلَفظِ الإجارةِ والإباحةِ والإحلالِ، ولأنه ليسَ بصَريحٍ في النِّكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا، وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ
стр. 8565
بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (١)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير، ولأنَّ لفْظَ الهبةِ لا يَقتضِي عِوضًا، والنِّكاحُ لا يَخلُو عن عِوضٍ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -على تَفصيلٍ سيأتي عِندَهم- إلى أنَّ النكاحَ يَصحُّ ويَنعقدُ بلفظِ الهِبةِ؛ لأنه تَمليكٌ، والهِبةُ تَمليكٌ، وقد ثبَتَ في «صَحِيح البُخاريِّ» عن أبي حازمٍ أنهُ سَمِعَ سَهلًا يقولُ: «جاءَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ
стр. 8566
ﷺ فقالَتْ: جِئتُ أهَبُ نَفسِي، فقامَتْ طَويلًا، فنظَرَ وصوَّبَ، فلمَّا طالَ مَقامُها قالَ رَجلٌ: زَوِّجْنيها إن لم تَكنْ لكَ بها حاجةٌ، قالَ: عندَكَ شيءٌ تُصدِقُها؟ قالَ: لا، قالَ: انظُرْ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ فقالَ: واللهِ إنْ وَجَدتُ شيئًا، قالَ: اذهَبْ فالْتَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ قالَ: لا واللهِ ولا خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، وعليه إزارٌ ما عليهِ رِداءٌ، فقالَ: أُصدِقُها إزارِي، فقالَ النبيُّ ﷺ : إزارُكَ إنْ لَبسَتْه لم يَكنْ عليكَ منه شيءٌ، وإنْ لَبسْتَه لم يكنْ عليها منه شيءٌ، فتَنحَّى الرَّجلُ فجلَسَ، فرآهُ النبيُّ ﷺ مُوَلِّيًا فأمَرَ بهِ فدُعِيَ، فقالَ: ما معكَ مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: سُورةُ كذا وكذا، لِسُوَرٍ عدَّدَها، قالَ: قد مَلَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (١)، وهذا نَصٌّ، ولأنه لَفظٌ يَنعقدُ به تَزويجُ النبيِّ ﷺ ، فانعَقدَ به نكاحُ أمَّتِه كلَفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ أنْ يُعقَدَ بأكثرَ مِنْ لَفظينِ كالبيعِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: النكاحُ يَصحُّ بلَفظِ الهِبةِ؛ لأنه انعَقدَ نكاحُ رَسولِ اللهِ ﷺ بلَفظِ الهِبةِ في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [لقمان: ٥٠]، فيَنعقدُ به نكاحُ أمَّتِه.
стр. 8567
ودَلالةُ الوَصفِ قولُه تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [لقمان: ٥٠] مَعطوفًا على قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [لقمان: ٥٠]، أخبَرَ اللهُ تعالَى أنَّ المرأةَ المُؤمِنةَ التي وهَبَتْ نفْسَها للنبيِّ ﷺ عندَ استِنكاحِه إيَّاها حَلالٌ له، وما كانَ مَشروعًا في حَقِّ النبيِّ ﷺ يكونُ مَشروعًا في حَقِّ أمَّتِه، هو الأصلُ حتَّى يَقومَ دَليلُ الخُصوصِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: قد قامَ دَليلُ الخُصوصِ ههُنا، وهو قولُه تعالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ منهُ: خالِصةً لكَ مِنْ دونِ المُؤمنِينَ بغَيرِ أجْرٍ -مَهرٍ-، فالخُلوصُ يَرجعُ إلى الأجرِ لا إلى لَفظِ الهبةِ لوُجوهٍ:
أحَدُها: ذكَرَه عَقيبَه، وهو قولُه : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [لقمان: ٥٠]، فدَلَّ أنَّ خُلوصَ تلكَ المرأةِ له كانَ بالنكاحِ بلا فَرضٍ منه.
والثَّاني: أنهُ قالَ تعالَى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ومَعلومٌ أنه لا حرَجَ كانَ يَلحقُه في نَفسِ العِبارةِ، وإنَّما الحرَجُ في إعطاءِ البَدلِ.
والثَّالثُ: أنَّ هذا خرَجَ مَخرجَ الامتِنانِ عليه وعلى أمَّتِه في لَفظِ الهِبةِ ليسَتْ تلكَ في لَفظةِ التَّزويجِ، فدَلَّ أن المِنَّة فيما صارَتْ له بلا مَهرٍ، فانصرَفَ الخُلوصُ إليه.
стр. 8568
ولأنَّ الانعِقادَ بلَفظِ النِّكاحِ والتَّزويجِ لِكَونِه لفظًا مَوضوعًا لحُكمِ أصلِ النكاحِ شَرعًا، وهو الازدِواجُ، وأنه لم يُشرَعْ بدُونِ المِلكِ، فإذا أتَى به يَثبتُ الازدِواجُ باللَّفظِ ويَثبتُ المِلكُ الَّذي يُلازمُه شَرعًا، ولفظُ التَّمليكِ مَوضوعٌ لحُكمٍ آخَرَ أصليٍّ للنكاحِ وهو المِلكُ، وأنه غيرُ مَشروعٍ في النكاحِ بدُونِ الازدِواجِ، فإذا أتَى به وجَبَ أنْ يَثبتَ به المِلكُ ويَثبتَ الازدِواجُ الَّذي يُلازمُه شَرعًا؛ استِدلالًا لأحَدِ اللَّفظينِ بالآخَرِ؛ وهذا لأنهما حُكمانِ مُتلازِمانِ شَرعًا، ولم يُشرَعْ أحَدُهما بدُونِ الآخَرِ، فإذا ثبَتَ أحَدُهما ثبَتَ الآخَرُ ضَرورةً، ويكونُ الرِّضا بأحَدِهما رِضًا بالآخَرِ.
وأمَّا الحَديثُ فنَقولُ بمُوجبِه، لكنْ لِمَ قُلتُم: «إنَّ استِحلالَ الفُروجِ بهذه الألفاظِ استِحلالٌ بغيرِ كَلمةِ اللهِ؟ فيَرجعُ الكَلامُ إلى تَفسيرِ الكَلمةِ المَذكورةِ».
فنَقولُ: كَلمةُ اللهِ تعالى تَحتملُ حُكمَ اللهِ ، كقَولِه تعالَى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾، فلِمَ قُلتُم بأنَّ جوازَ النكاحِ بهذه الألفاظِ ليسَ حُكمَ اللهِ تعالى؟، والدَّليلُ على أنه حُكمُ اللهِ تعالَى ما ذكَرْنا مِنْ الدَّلائلِ، مع ما أنَّ كُلَّ لَفظٍ جُعِلَ عَلَمًا على حُكمٍ شَرعيٍّ فهو حُكمُ اللهِ تعالى، وإضافةُ الكَلمةِ إلى اللهِ تعالى باعتبارِ أنَّ الشَّارعَ هو اللهُ تعالى، فهو الجاعِلُ اللَّفظَ سَببًا لثُبوتِ الحُكمِ شَرعًا، فكانَ كَلمةَ اللهِ تعالى، فمِن هذا الوجهِ على الاستِحلالِ بكَلمةِ اللهِ لا يَنفِي الاستحلالَ
стр. 8569
لا بكَلمةِ اللهِ تعالَى، فكانَ مَسكوتًا عنه، فلا يَصحُّ الاحتِجاجُ به (١).
ولأنَّ رَجلًا وهَبَ ابنتَه لعُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَقِّ بشَهادةِ شاهدَينِ، فأجازَه عَليٌّ ﵁ (٢).
ولأنَّ لفظَ الهِبةِ يُفيدُ المِلكَ، وأنه سَببٌ لمِلكِ المُتعةِ بواسِطةِ مِلكَ الرَّقبةِ كما في مِلكِ اليَمينِ، والسبَبيَّةُ مِنْ طُرقِ المَجازِ (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يَنعقدُ النكاحُ إذا وقَعَ بلفظِ الهبةِ مِنْ وليِّ المرأةِ معَ تَسميةِ الصَّداقِ، كقولِ الوليِّ: «وهَبْتُ لكَ ابنتَي بكذا، أو بصَداقٍ قَدرُه كذا»، أو حُكمًا كقَولِه: «وهَبتُها لكَ تَفويضًا»، فإنْ لم يُسمِّ صَداقًا لم يَنعقدِ النكاحِ على المَشهورِ، وقيلَ: يَصحُّ.
وإنَّما قُلنا: «مِنْ المَولى» لأنَّ في هبةِ المرأةِ نفْسَها خِلافًا (٤).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا على أنه لا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ، فكذلكَ يَنبغي أنْ يكونَ لفظُ الهِبةِ، على أنَّ
стр. 8570
مالِكًا اختَلفَ قولُه في لفظِ الهبةِ، فقالَ مَرَّةً: إنه يَنعقدُ بلفظِ الهبةِ إذا أرادُوا النكاحَ وفوَّضُوا الصَّداقَ، وقالَه ابنُ القاسِمِ (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَنعقدُ النِّكاحُ بما عَدَّه الناسُ نكاحًا بأيِّ لُغةٍ ولَفظٍ وفِعلٍ كانَ، ومِثلُه كُلُّ عَقدٍ، والشَّرطُ بينَ الناسِ ما عَدُّوه شَرطًا (٢).
وقالَ أيضًا: الَّذي عليه أكثَرُ العلماءِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بغَيرِ لَفظِ «الإنكاحِ» و «التَّزويج»، قالَ: وهو المَنصوصُ عن الإمامِ أحمَدَ ﵀ وقياسُ مَذهبِه، وعليه قُدَماءُ أصحابِه، فإنَّ الإمامَ أحمَدَ ﵀ نَصَّ في غيرِ مَوضعٍ على أنه يَنعقدُ بقَولِه: «جَعلْتُ عِتقَكِ صَداقكِ»، وليسَ في هذا اللَّفظِ إنكاحٌ ولا تَزويجٌ، ولم يُنقَلْ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنه خَصَّه بهذَينِ اللَّفظينِ، وأولُ مَنْ قالَ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمَدَ ﵀ فيما عَلِمْتُ أنه يَختصَّ بلَفظِ «الإنكاحِ» و «التَّزويجِ» ابنُ حامَدٍ، وتَبِعَه على ذلكَ القاضي ومَن جاءَ بعدَه؛ لسَببِ انتِشارِ كُتبِه وكَثرِة أصحابِه وأتْباعِه. انتهى (٣).
وقالَ ابنُ عبدِ الهادِي الحَنبليُّ ﵀: قلتُ: وقالَ شَيخُنا أبو العبَّاسِ: أصَحُّ قَوليِ العُلماءِ أنَّ النكاحَ يَنعقدَ بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ عليه، وهذا مَذهبُ
стр. 8571
جُمهورِ العُلماءِ كأبي حَنيفة ومالكٍ، وأحَدُ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ، بل نُصوصُهم لا تَدلُّ إلَّا على هذا الوجهِ.
أمَّا الوَجهُ الآخَرُ -وهو أنه إنَّما يَنعقدُ بلَفظِ الإنكاحِ والتزويجِ- فهو قَولُ أبي عبدِ اللهِ ابنِ حامدٍ وأتْباعِه.
وأمَّا قُدَماءُ أصحابِ أحمدَ وجُمهورُهم فلمْ يَقولُوا بهذا، وقد نَصَّ أحمدُ في غيرِ مَوضعٍ على أنه إذا قالَ: «أعتَقْتُ أمَتِي وجَعلْتُ عِتقَها صَداقَها» انعَقدَ النكاحُ، وليسَ هو بلفظِ النكاحِ والتَّزويجِ. اه
ومِن أُصولِ أحمدَ أنَّ العُقودَ تَنعقدُ بما يَدلُّ على مَقصودِها مِنْ قولٍ وفِعلٍ، فهو لا يَرَى اختِصاصَها بالصِّيَغِ.
وقالَ شَيخُنا في مَوضعٍ آخَرَ: وقد ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ المُرادَ بكَلمةِ اللهِ قَولُه: «أنكَحتُكِ وزوَّجتُكِ» وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ هذا ليسَ كلامَ اللهِ، بل هذا كَلامُ المَخلوقِينَ، وهو مَخلوقٌ، وكَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ، وإنَّما كَلِمتُه ما تكَلَّمَ به، وهو شَرعُه وإباحَتُه وإذنُه في ذلكَ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ العَسقلانِيُّ ﵀: وقد ذهَبَ جُمهورُ العلماءِ إلى أنَّ النكاحَ يَنعقدَ بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ عليه، وهو قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ وإحدى الرِّوايتينِ عن أحمَدَ، واختَلفَ التَّرجيحُ في مَذهبِه، فأكثَرُ نُصوصِه تَدلُّ على مُوافَقةِ الجُمهورِ، واختارَ ابنُ حامدٍ وأتْباعُه الرِّوايةَ الأُخرى
стр. 8572
المُوافِقةَ للشَّافعيةِ، واستَدلَّ ابنُ عَقيلٍ منهم لصحَّةِ الرِّوايةِ الأُولى بحَديث: «أعتَقَ صَفيَّةَ وجعَلَ عِتقَها صَداقَها»، فإنَّ أحمَدَ نَصَّ على أنَّ مَنْ قالَ: «أعتَقْتُ أمَتِي وجَعلْتُ عِتقَها صَداقَها» أنه يَنعقدُ نِكاحُها بذلكَ، واشتَرطَ مَنْ ذهَبَ إلى الروايةِ الأُخرى بأنه لا بُدَّ أنْ يَقولَ في مثلِ هذهِ الصُّورةِ: «تَزوَّجتُها»، وهي زِيادةٌ على ما في الخبَرِ وعلى نَصِّ أحمدَ، وأصولُه تَشهدُ بأنَّ العُقودَ تَنعقدُ بما يَدلُّ على مَقصودِها مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ (١).
٢ - لفظ البيع:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النِّكاحِ بلَفظِ البَيعِ، هل يَصحُّ؟ أم لا يَصحُّ إلَّا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ وأكثَرُ المالِكيةِ كابنِ القَصَّارِ والقاضي عبدِ الوهابِ والباجِيِّ وابنِ العرَبيِّ وغيرِهم إلى أنه يَصحُّ النكاحُ ويَنعقدُ بلَفظِ البَيعِ؛ لأنه لَفظٌ يَقتضِي التأبيدَ دُونَ التَّوقيتِ، فيَنعقدُ ب «بِعْتُ» كقولِ الوليِّ: «بِعْتُ لكَ ابنَتي بصَداقٍ قَدرُه كذا، أو: بِعتُكَ ابنَتي بكذا» أو تَقولَ المَرأةُ عندَ الحَنفيةِ: «بِعتُ نفْسِي منكَ»؛ لأنَّ البَيعَ تَمليكٌ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ للرَّجلِ: «قد مَلَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (٢)، وهذا نَصٌّ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا
стр. 8573
يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ أنْ يُعقدَ بأكثرَ مِنْ لَفظينِ كالبَيعِ.
وهل يَنعقدُ بلَفظِ الشِّراءِ مثلَ أنْ يقولَ: «اشتَريتُكِ بكَذا» فأجابَتْ بنَعمْ؟ الصَّحيحُ أنه يَنعقدُ به عندَ الحَنفيةِ (١).
لكنْ يُشتَرطُ في ألفاظِ الكِناياتِ -الهبةِ والبَيعِ والشَّراءِ والصَّدقةِ والتَّمليكِ- النيَّةُ أو قَرينةٌ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ عندَ الحَنفيةِ خِلافاً للزَّيلعيِّ؛ حيثُ لم يَجعلِ النيَّةَ شَرطًا عندَ ذِكرِ المَهرِ، وخِلافًا للسَّرخسيِّ؛ حيثُ لم يَجعلْها شَرطًا مُطلَقًا.
وحاصِلُ الأمرِ أنَّ المُختارَ أنه لا بُدَّ مِنْ فَهمِ الشُّهودِ المُرادَ، فإنَّ حُكمَ السَّامعِ بأنَّ المُتكلِّمَ أرادَ مِنْ اللَّفظِ ما لم يُوضَعْ له لا بُدَّ له مِنْ قَرينةٍ على إرادتِه ذلكَ، فإنْ لم تَكنْ فلا بُدَّ مِنْ إعلامِ الشُّهودِ بمُرادِه.
والظَّاهرُ أنه إذا لم يَدلَّ الحالُ فلا بُدَّ مع النيَّةِ مِنْ إعلامِ الشُّهودِ؛ لأنه لا بُدَّ مِنْ فَهمِهما.
стр. 8574
فحاصِلُ الأمرِ ومُلخَّصُه أنه لا بُدَّ في كِناياتِ النكاحِ مِنْ النيَّةِ مع قَرينةٍ، أو تَصديقِ القابِلِ للمُوجِبِ وفَهمِ الشُّهودِ المُرادَ أو إعلامِهم به (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ رُشدٍ وغيرُه والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بلفظِ البَيعِ، ولا يَنعقدُ إلا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط أو ما اشتُقَّ منهُما؛ لأنه لَفظٌ يَنعقدُ به غيرُ النكاحِ، فلمْ يَنعقدْ به النكاحُ كلَفظِ الإجارةِ والإباحةِ والإحلالِ؛ ولأنه ليسَ بصَريحٍ في النِّكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا، وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٢)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
стр. 8575
ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير (١).
٣ - لفظ التمليك:
اختَلفَ الفُقهاءِ في النكاحِ، هل يَصحُّ بلَفظِ التَّمليكِ؟ أم لا يَصحُّ إلا بلَفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ وما يُشتَقُّ منهُما فقط؟ على نَفسِ الخِلافِ السابقِ في النكاحِ بلَفظِ البَيعِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ وأكثَرُ المالِكيةِ إلى أنه يَصحُّ النكاحُ بلَفظِ التَّمليكِ، مثلَ أنْ يقولَ الوَليُّ: «مَلَّكتُكَ ابنَتي»؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ للرَّجلِ: «قد ملَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (٢)، وهذا نَصٌّ،، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا
стр. 8576
يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنَّ الأصلَ في النكاحِ أنه يقَعُ بكُلِّ لَفظةٍ يقَعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ رُشدٍ وغيرُه والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بلفظِ التَّمليكِ، ولا يَنعقدُ إلا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط أو ما اشتُقَّ منهُما؛ لأنه لَفظٌ يَنعقدُ به غيرُ النكاحِ، فلمْ يَنعقدْ به النكاحُ كلَفظِ الإجارةِ والإباحةِ والإحلالِ؛ ولأنه ليسَ بصَريحٍ في النِّكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا، وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٢)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ
стр. 8577
لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير (١).
٤ - لفظ الصدقة:
اختَلفَ الفُقهاءُ في النكاحِ، هل يَصحُّ بلفظِ الصَّدقةِ؟ أم لا يَصحُّ إلا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ؟ على الخِلافِ السَّابقِ.
стр. 8578
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ عندَهم -وهو قَولُ الأكثرِينَ منهُم- إلى أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بلفظِ الصَّدقةِ، لأنَّ النكاحَ يَنعقدُ بكُلِّ لَفظةٍ يَقعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ رُشدٍ وغيرُه والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بلفظِ الصَّدقةِ، ولا يَنعقدُ إلا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط أو ما اشتُقَّ منهُما؛ لأنه ليسَ بصَريحٍ في النكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا؛ وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٢)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ
стр. 8579
في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير (١).
فهذهِ الصِّيَغُ كالهبةِ والبَيعِ والتَّمليكِ والصَّدقةِ كِناياتٌ لا بُدَّ فيها من نيَّةٍ أو قَرينةٍ أو تَصديقِ القابلِ للمُوجِبِ وفَهمِ الشُّهودِ المُرادَ أو إعلامُهم به، كما تقدَّمَ عندَ الحَنفيةِ (٢).
стр. 8580
ثالثًا: الألفاظُ الَّتي لا يَنعقدُ بها النِّكاحُ اتِّفاقًا:
لا يَنعقدُ النكاحُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ، قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا على أنه لا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ (١).
وكذا لا يَنعقدُ بلَفظِ الإجارةِ ولا الوَصيةِ أيضًا عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فعندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ الأمرُ واضِحٌ فيهِما؛ لأنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ عندَهم إلَّا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ (٢).
وعندَ الحَنفيةِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بكُلِّ لَفظةٍ يَقعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ، والإجارةُ وإنْ وقَعَتْ في حالِ الحياةِ فهيَ ليسَتْ على التأبيدِ، والوَصيةُ إنما تكونُ بعدَ الموتِ، فلا يَحصلُ بها النكاحُ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا يَنعقدُ النكاحُ بلَفظِ الإجارةِ عندَ عامَّةِ مَشايخِنا.
والأصلُ عندَهم أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ إلَّا بلَفظٍ مَوضوعٍ لتَمليكِ العَينِ،