يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنَّ الأصلَ في النكاحِ أنه يقَعُ بكُلِّ لَفظةٍ يقَعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ رُشدٍ وغيرُه والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بلفظِ التَّمليكِ، ولا يَنعقدُ إلا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط أو ما اشتُقَّ منهُما؛ لأنه لَفظٌ يَنعقدُ به غيرُ النكاحِ، فلمْ يَنعقدْ به النكاحُ كلَفظِ الإجارةِ والإباحةِ والإحلالِ؛ ولأنه ليسَ بصَريحٍ في النِّكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا، وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٢)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ
стр. 8577
لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير (١).
٤ - لفظ الصدقة:
اختَلفَ الفُقهاءُ في النكاحِ، هل يَصحُّ بلفظِ الصَّدقةِ؟ أم لا يَصحُّ إلا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ؟ على الخِلافِ السَّابقِ.
стр. 8578
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ عندَهم -وهو قَولُ الأكثرِينَ منهُم- إلى أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بلفظِ الصَّدقةِ، لأنَّ النكاحَ يَنعقدُ بكُلِّ لَفظةٍ يَقعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ رُشدٍ وغيرُه والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بلفظِ الصَّدقةِ، ولا يَنعقدُ إلا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط أو ما اشتُقَّ منهُما؛ لأنه ليسَ بصَريحٍ في النكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا؛ وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٢)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ
стр. 8579
في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير (١).
فهذهِ الصِّيَغُ كالهبةِ والبَيعِ والتَّمليكِ والصَّدقةِ كِناياتٌ لا بُدَّ فيها من نيَّةٍ أو قَرينةٍ أو تَصديقِ القابلِ للمُوجِبِ وفَهمِ الشُّهودِ المُرادَ أو إعلامُهم به، كما تقدَّمَ عندَ الحَنفيةِ (٢).
стр. 8580
ثالثًا: الألفاظُ الَّتي لا يَنعقدُ بها النِّكاحُ اتِّفاقًا:
لا يَنعقدُ النكاحُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ، قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا على أنه لا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ (١).
وكذا لا يَنعقدُ بلَفظِ الإجارةِ ولا الوَصيةِ أيضًا عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فعندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ الأمرُ واضِحٌ فيهِما؛ لأنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ عندَهم إلَّا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ (٢).
وعندَ الحَنفيةِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بكُلِّ لَفظةٍ يَقعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ، والإجارةُ وإنْ وقَعَتْ في حالِ الحياةِ فهيَ ليسَتْ على التأبيدِ، والوَصيةُ إنما تكونُ بعدَ الموتِ، فلا يَحصلُ بها النكاحُ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا يَنعقدُ النكاحُ بلَفظِ الإجارةِ عندَ عامَّةِ مَشايخِنا.
والأصلُ عندَهم أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ إلَّا بلَفظٍ مَوضوعٍ لتَمليكِ العَينِ،
стр. 8581
هكذا رَوَى ابنُ رُستُمَ عن مُحمدٍ أنه قالَ: كلُّ لَفظٍ يكونُ في اللغةِ تَمليكًا للرَّقبةِ فهو في الحُرَّةِ نكاحٌ.
وحُكيَ عن الكَرخيِّ أنه يَنعقدُ بلفظِ الإجارةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، سَمَّى اللهُ تعالَى المهرَ أجرًا، ولا أجْرَ إلَّا بالإجارةِ، فلو لم تَكنِ الإجارةُ نِكاحًا لم يَكنِ المَهرُ أجرًا.
وجْهُ قَولِ العامَّةِ أنَّ الإجارةَ عَقدٌ مُؤقَّتٌ، بدَليلِ أنَّ التأبيدَ يُبطلُها، والنكاحُ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، بدليلِ أنَّ التَّوقيتَ يُبطلُه، وانعِقادُ العَقدِ بلَفظٍ يَتضمَّنُ المنعَ مِنْ الانعقادِ مُمتنِعٌ، ولأنَّ الإجارةَ تَمليكُ المَنفعةِ، ومَنافعُ البُضعِ في حُكمِ الأجزَاءِ والأعيانِ، فكيفَ يَثبتُ مِلكُ العَينِ بتَمليكِ المَنفعةِ؟
ولا يَنعقدُ بلَفظِ الإعارةِ؛ لأنَّ الإعارةَ إنْ كانَتْ إباحةَ المَنفعةِ فالنكاحُ لا يَنعقدُ بلفظِ الإباحةِ؛ لانعدامِ معنَى التَّمليكِ أصلًا، وإنْ كانَتْ تَمليكَ المُتعةِ فالنكاحُ لا يَنعقدُ إلَّا بلفظٍ مَوضوعٍ لتَمليكِ الرَّقبةِ، ولم يُوجَدْ.
واختَلفَ المَشايخُ في لَفظِ القَرضِ، قالَ بعضُهم: لا يَنعقدُ؛ لأنه في معنَى الإعارةِ، وقالَ بعضُهم: يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به المِلكُ في العَينِ؛ لأنَّ المُستقرَضَ يَصيرُ مِلكًا للمُستقرِضِ.
وكذا اختَلفوا في لَفظِ السَّلَمِ، قالَ بعضُهم: لا يَنعقدُ؛ لأنَّ السَّلَمَ في الحَيوانِ لا يَصحُّ، وقالَ بعضُهم: يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به مِلكُ الرَّقبةِ، والسَّلمُ في الحَيوانِ يَنعقدُ عندَنا، حتَّى لو اتَّصلَ به القَبضُ يُعَدُّ المِلكُ مِلكًا فاسِدًا، لكنْ ليسَ كُلُّ ما يُفسِدُ البَيعَ يُفسدُ النكاحَ.
стр. 8582
واختَلفُوا أيضًا في لَفظِ الصَّرفِ، قالَ بعضُهم: لا يَنعقدُ به؛ لأنه وُضِعَ لإثباتِ المِلكِ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ التي لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، والمَعقودُ عليه ههُنا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، وقالَ بعضُهم: يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به مِلكُ العَينِ في الجُملةِ.
وأمَّا لَفظُ الوَصيةِ فلا يَنعقدُ به عندَ عامَّةِ مَشايخِنا؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ مُضافٌ إلى ما بعدَ المَوتِ، والنكاحُ المُضافُ إلى زَمانٍ في المُستقبَلِ لا يَصحُّ.
وحُكيَ عن الطَّحَاويِّ أنه يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به مِلكُ الرَّقبةِ في الجُملةِ، وحكَى أبو عبدِ اللهِ البصريُّ عن الكَرخيِّ إنْ قَيَّدَ الوصيةَ بالحالِ بأنْ قالَ: «أوصَيْتُ لكَ بابنَتي هذهِ الآنَ» يَنعقدُ؛ لأنه إذا قيَّدَه بالحالِ صارَ مَجازًا عن التَّمليكِ.
ولا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ والإباحةِ؛ لأنه لا يَدلُّ على المِلكِ أصلًا، أَلَا ترَى أنَّ المُباحَ له الطَّعامُ يَتناولُه على حُكمِ مِلكِ المُبيحِ، حتَّى كانَ له حَقُّ الحَجْرِ والمنعِ.
ولا يَنعقدُ بلَفظِ المُتعةِ؛ لأنه لم يُوضَعْ للتَّمليكِ، ولأنَّ المُتعةَ عَقدٌ مَفسوخٌ؛ لِمَا نُبيِّنُ إنْ شاءَ اللهُ في مَوضعِه.
ولو أضافَ الهِبةَ إلى الأمَةِ بأنْ قالَ رَجلٌ: «وَهبْتُ أمَتِي هذهِ منكَ» فإنْ كانَ الحالُ يَدلُّ على النكاحِ مِنْ إحضارِ الشُّهودِ وتَسميةِ المَهرِ مُؤجَّلًا
стр. 8583
ومُعجَّلًا ونحوِ ذلكَ يَنصرفُ إلى النِّكاحِ، وإنْ لم يَكنِ الحالُ دَليلًا على النكاحِ؛ فإنْ نوَى النكاحَ فصَدقَه المَوهوبُ له فكذلكَ، ويَنصرفُ إلى النكاحِ بقَرينةِ النيَّةِ، وإنْ لم يَنوِ يَنصرفُ إلى مِلكِ الرَّقبةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فالذي يَنعقدُ به النكاحُ اللَّفظُ الذي يَقتضِي البقاءَ مدَّةَ الحياةِ، وأمَّا ما لا يَقتضِي البقاءَ مُدةَ الحياةِ فلا يَنعقدُ به النكاحُ اتِّفاقًا، فلا يَصحُّ بلفظِ الإجارةِ ولا العاريَةِ ولا الوَصيةِ ولا الرَّهنِ (٢).
ثانيًا: القَبولُ:
القَبولُ: هو اللَّفظُ الصَّادرُ مِنْ الزَّوجِ أو مَنْ يَقومُ مَقامَه، وهو مِنْ تَمامِ الرُّكنِ الأولِ عندَ الجُمهورِ، واعتَبرَه الحَنابلةُ رُكنًا مُستقِلًّا، فالإيجابُ رُكنٌ، والقَبولُ ركنٌ.
والقَبولُ مثلَ أنْ يقولَ: «قَبِلتُ زواجَها، أو قَبلْتُ تَزويجَها، أو قَبِلتُ نكاحَها، أو قَبلْتُ هذا النِّكاحَ، أو هذا التَّزويجَ، أو رَضِيتُ نِكاحَها، أو «اختَرْتُ نكاحَها».
стр. 8584
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في القَبولِ، هل يَصحُّ بغيرِ لَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ كالهِبةِ أو البَيعِ أو الصَّدقةِ أو التَّمليكِ؟ أم يُشتَرطُ أنْ يكونَ بلفظِ الإنكاحِ أو التزويجِ وما اشتُقَّ منهُما فقط؟
على الخِلافِ السَّابقِ في الإيجابِ، فالحَنفيةُ والمالِكيةُ على الصَّحيحِ عندَهم يَصحُّ بهذه الألفاظِ كما تَقدَّمَ، والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ لا يَصحُّ إلَّا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط كما تقدَّمَ.
إلَّا أنَّ هُنا بعضَ المَسائلِ التي قد تَقعُ عندَ كَثيرٍ مِنْ النَّاسِ في النكاحِ، ولا بُدَّ مِنْ بَيانِها:
١ - إذا أخطَأَ في لَفظِ النكاحِ أو التَّزويجِ كأنْ قالَ: «جَوَّزتُكَ ابنتي»، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنه لو قالَ: «جَوَّزتُكَ ابنَتي، أو: قَبِلتُ تَجويزَها» بتَقديمِ الجيمِ على الزَّايِ تَلاعُبًا لم يَصحَّ.
أمَّا لو وقَعَ عن طَريقِ الخَطأِ أو كانَ هذا عادةَ قَومٍ فالصَّحيحُ مِنْ أقوالِ العُلماءِ أنه يَجوزُ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَنعقدُ النكاحُ بألفاظٍ مُصَحَّفةٍ ك: «تَجوَّزتُ» بتَقديمِ الجيمِ على الزَّايِ مكانَ «تَزوَّجتُ» كما يَقعُ في بعضِ الدِّيارِ مِنْ العَوامِّ على طَريقِ الغلَطِ؛ وذلكَ لصُدورِه لا عنْ قَصدٍ صحيحٍ، بل عن تَحريفٍ وتَصحيفٍ، فلمْ تَكنْ حَقيقةً ولا مَجازًا؛ لعَدمِ العَلاقةِ، بل غلَطًا فلا اعتِبارَ به.
стр. 8585
لكنْ لو اتَّفقَ قَومٌ على النُّطقِ بهذهِ الغَلطةِ بحَيثُ إنهم يَطلبونَ بها الدَّلالةَ على حِلِّ الاستِمتاعِ وتَصدُرُ عن قَصدٍ واختيارٍ منهم فللقَولِ بانعقادِ النكاحِ بها وَجهٌ ظاهِرٌ؛ لأنه والحالةُ هذه يكونُ وَضعًا جَديدًا منهم، وبانعقادِه بينَ قَومٍ اتَّفقَتْ كَلِمتُهم على هذه الغَلطةِ أفتَى شيخُ الإسلامِ أبو السُّعودِ مُفتِي الدِّيارِ الرُّوميةِ، وأمَّا صُدورُها لا عنْ قَصدٍ إلى وَضعٍ جَديدٍ كما يَقعُ مِنْ بَعضِ الجَهلةِ الأغمارِ فلا اعتبارَ به، فقدْ قالَ في «التَّلْويح»: إنَّ استعمالَ اللَّفظِ في المَوضوعِ له أو لغَيرِه طَلبُ دَلالتِه عليهِ وإرادتَه منه، فمُجرَّدُ الذِّكرِ لا يَكونُ استِعمالًا صَحيحًا، فلا يكونُ وَضعًا جَديدًا. اه
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: وحاصِلُ كلامِ المُصنِّفِ أنه إنِ اتَّفقُوا على استِعمالِ التَّجويزِ في النكاحِ بوَضعٍ جديدٍ قَصدًا يكونُ حَقيقةً عُرْفيةً مثلَ الحَقائقِ المُرتجَلةِ، ومثلَ الألفاظِ الأعجَميةِ المَوضوعةِ للنكاحِ، فيَصحُّ به العَقدُ؛ لوُجودِ طَلبِ الدَّلالةِ على المعنَى المُرادِ وإرادتِه مِنْ اللَّفظِ قَصدًا، وإلَّا فذِكرُ هذا اللَّفظِ بدُونِ ما ذُكِرَ لا يكونُ حقيقةً؛ لعَدمِ الوَضعِ، ولا مَجازًا؛ لعَدمِ العَلاقةِ، فلا يَصحُّ به العَقدُ؛ لكَونِه غَلطًا، كما أفتَى به المُصنِّفُ تبَعًا لشَيخهِ العلَّامةِ ابنِ نُجيمٍ ومُعاصِرِيه.
لكنْ أفتَى بخِلافِه العلَّامةُ الخَيرُ الرَّمليُّ في «الفَتاوَى الخَيريةِ»، ونازَعَ المُصنِّف فيما استَشهدَ به، وكذا نازَعَه في حاشِيتِه عن المِنَحِ بأنه لا دخْلَ لبَحثِ الحَقيقةِ والمَجازِ المُرتَّبِ على عدمِ العَلاقةِ، وقد أقَرَّ المُصنِّفُ بأنه
стр. 8586
تَصحيفٌ، فكيفَ يَتَّجهُ ذِكرُ نَفيِ العَلاقةِ؟ بل نُسلِّمُ كونَه تَصحيفًا بإبدالِ حَرفٍ، فلو صدَرَ مِنْ عارِفٍ لا يَنعقدُ به، وهو مَحلُّ فتوَى الشَّيخِ زَينِ بنِ نُجيمٍ ومُعاصِرِيه، فيقَعُ الدَّليلُ في مَحلِّه ح والمَسألةُ لم يُوجَدْ فيها نَقلٌ بخصُوصِها عن المَشايخِ، فصارَتْ حادِثةَ الفتوَى.
وقد صرَّحَ الشَّافعيةُ بأنه لا يَضرُّ مِنْ عامِّيٍّ إبدالُ الزَّايِ جِيمًا وعَكسُه، مع تَشديدِهم في النكاحِ، بحَيثُ لم يُجوِّزوهُ إلا بلفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ، والإفتاءُ بحَسبِ الإنهاءِ، فإذا سُئلَ المُفتِي: هل يَنعقدُ بلفظِ التَّجويزِ؟ يُجيبُ بِلا؛ لعَدمِ التعرُّضِ لذِكرِ التَّصحيفِ، والأصلُ عدَمُه، وإذا سُئلَ في عامِّيٍّ قدَّمَ الجيمَ على الزَّايِ بلا قَصدِ استعارةٍ لعَدمِ عِلمِه بها، بل قصَدَ حِلَّ الاستمتاعِ باللَّفظِ الواردِ شَرعًا، فوقَعَ له ما ذُكِرَ، يَنبغِي فيه مُوافَقةُ الشَّافعيةِ، وبالأَولى فيما إذا اتَّفقَتْ كَلِمتُهم على هذهِ الغَلطةِ كما قطَعَ به أبو السُّعودِ.
وقد صَرَّحُوا بعدمِ اعتبارِ الغَلطِ والتَّصحيفِ في مواضِعَ، فأَوقَعُوا الطَّلاقَ بالألفاظِ المُصحَّفةِ، مع اشتِراكِ الطَّلاقِ والنكاحِ في أنَّ جِدَّهُما جِدٌّ وهزْلَهُما جِدٌّ، وخَطرِ الفُروجِ، وأفتَوا بالوُقوعِ في «عَليَّ الطَّلاقُ» وأنه تَعليقٌ يَقعُ به الطَّلاقُ عندَ وُقوعِ الشَّرطِ؛ لأنه صارَ بمَنزلةِ «إنْ فَعلْت فأنت كذا»، ومِثلُه «الطَّلاقُ يَلزمُني لا أفعَلُ كذا»، مع كَونِه غَلطًا ظاهِرًا لُغةً وشَرعًا؛ لعَدمِ وُجودِ رُكنِه وعَدمِ مَحليَّةِ الرَّجلِ للطَّلاقِ، وقولُ أبي السُّعودِ: إنه -أي هذا الطَّلاقُ- ليسَ بصَريحٍ ولا كِنايةٍ؛ نَظرًا لمُجرَّدِ اللفظِ، لا إلى الاستعمالِ
стр. 8587
الفاشي؛ لعَدمِ وُجودِه في بلادِه، فإذا لم نَعتبِرْ هذا الغلَطَ الفاحِشَ لَزمَنا أنْ لا نَعتبِرَه فيما نحنُ فيه مع فُشوِ استعمالِه وكَثرةِ دَورانِه في ألسِنةِ أهلِ القُرى والأمصارِ، بحيثُ لو لُقِّنَ أحَدُهم التَّزويجَ لعَسُرَ عليه النطقُ به، فلا شَكَّ أنهم لا يَلمحونَ استعارةً لنَرُدَّ مَلمَحَهم بعدمِ العلاقةِ، بل هو تَصحيفٌ عليها فشَا في لسانِهم.
وقدِ استَحسنَ بعضُ المَشايخِ عدمَ فسادِ الصَّلاةِ بإبدالِ بعضِ الحُروفِ وإنْ لم يَتقارَبِ المَخرجُ؛ لأنَّ فيه بلوَى العامَّةِ، فكيفَ فيما نحنُ فيه؟! اه مُلخَّصًا.
قولُه: «وأمَّا الطلاقُ فيقَعُ بها .. إلخ» أي بالألفاظِ المُصحَّفةِ ك: «تَلاقٍ وتَلاكٍ وطَلاكٍ وطَلاغٍ وتَلاغٍ»، قالَ في البحرِ: فيَقعُ قَضاءً ولا يُصدَّقُ إلَّا إذا أشهَدَ على ذلكَ قبلَ التكلُّمِ بأنْ قالَ: «امرَأتي تَطلبُ منِّي الطلاقَ وأنا لا أُطلِّقُ فأقولُ هذا»، ولا فرقَ بينَ العالمِ والجاهلِ، وعليهِ الفتوَى. اه ثمَّ إنه لا فرْقَ يَظهرُ بين النكاحِ والطَّلاقِ، وقد استَدلَّ الخَيرُ الرَّمليُّ على ذلكَ بما قدَّمْناه مِنْ قولِ قاضي خانْ: إنه يَنبغي أنْ يكونَ النكاحُ والعِتاقُ في أنه لا يُشترطُ العِلمُ بمَعناهُ؛ لأنَّ العلمَ بمَضمونِ اللَّفظِ إنما يُعتبَرُ لأجْلِ القصدِ، فلا يُشترطُ فيما يَستوِي فيه الجِدُّ والهَزلُ. اه قالَ: فإذا عَلِمْنا أنَّ الطلاقَ واقعٌ مع التَّصحيفِ فيَنبغي أنْ يكونَ النكاحُ نافِذاً معه أيضًا. اه.
قلتُ: وأمَّا الجَوابُ بأنَّ وُقوعَ الطلاقِ للاحتِياطِ في الفُروجِ فهو مُشتَركُ
стр. 8588
الإلزامِ، على أنه لا احتياطَ في التفريقِ بعدَ تَحقُّقِ الزوجيةِ بمُجردِ التلفُّظِ بلفظٍ مُصحَّفٍ أو مُهمَلٍ لا معنَى له، بل الاحتياطُ مِنْ بقاءِ الزوجيةِ حتَّى يَتحقَّقَ المُزيلُ، فلولا أنهم اعتبَرُوا القصدَ بهذا اللفظِ المُصحَّفِ بدونِ وَضعٍ جَديدٍ ولا علاقةٍ لم يُوقِعُوا به الطلاقَ؛ لأنَّ الغلطَ الخارجَ عن الحقيقةِ والمَجازِ لا معنَى له، فعُلِمَ أنهم اعتبَرُوا المعنَى الحقيقيَّ المُرادَ، ولم يَعتبِرُوا تَحريفَ اللَّفظِ، بل قَولُهم: «يقَعُ بها قَضاءً» يُفيدُ أنه يُقضَى عليه بالوُقوعِ وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ بها الطَّلاقَ»؛ حَملًا على أنها مِنْ أقسامِ الصَّريحِ، ولِذا قيَّدَ تَصديقَه بالإشهادِ، فبِالأَولى إذا قالَ العامِّيُّ: «جوَّزتُ» بتَقديمِ الجيمِ أو «زوَّزتُ» بالزَّايِ بدَلَ الجيمِ قاصِدًا به معنَى النكاحِ يَصحُّ، ويَدلُّ عليه أيضًا ما قدَّمْناهُ عن «الذَّخيرةِ» مِنْ أنه إذا قالَ: «جَعلْتُ بنتِي هذه لكَ بألفٍ» صَحَّ؛ لأنه أتَى بمعنَى النكاحِ، والعِبرةُ في العُقودِ للمَعاني دونَ الألفاظِ، فهذا التَّعليلُ يَدلُّ على أنَّ كُلَّ ما أفادَ معنَى النكاحِ يُعطَى حُكمَه، لكنْ إذا كانَ بلفظِ نكاحٍ أو تَزويجٍ أو ما وُضِعَ لتَمليكِ العَينِ للحالِ، ولا شَكَّ أنْ لفْظَ «جوَّزتُ، أو زوَّزتُ» لا يَفهمُ منه العاقِدانِ والشُّهودِ إلا أنه عِبارةٌ عن التَّزويجِ، ولا يُقصَدُ منه إلَّا ذلك المعنَى بحَسبِ العُرفِ، وقد صرَّحُوا بأنه يُحمَلُ كَلامُ كلِّ عاقِدٍ وحالِفٍ وواقِفٍ على عُرفِه، وإذا وقَعَ الطلاقُ بالألفاظِ المُصحَّفةِ ولو مِنْ عالِمٍ -كما مَرَّ-، وإنْ لم تَكنْ مُتعارَفةً -كما هو ظاهِرُ إطلاقِهمِ فيها- يَصحُّ النكاحُ مِنْ العَوامِّ بالمُصحَّفةِ المُتعارَفةِ بالأَولى، واللهُ تعالى أعلَمُ.
стр. 8589
تنبيهٌ: عُلمَ مما قرَّرْناه جَوازُ العَقدِ بلَفظِ «أزْوَجتُ» بالهَمزةِ في أوَّلهِ، خِلافًا لِمَا ذكَرَه السيِّدُ مُحمدُ أبو السُّعودِ في «حاشِيةِ مِسكينٍ» عن شيخِه مِنْ عَدمِ الجَوازِ، مُعلِّلًا بأنه لم يَجِدْه في كُتبِ اللُّغةِ، فكانَ تَحريفًا وغَلطًا (١).
وأمَّا الشَّافعيةُ فقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: قالَ الغَزاليُّ في فَتاويهِ: وك «زوَّجتُكَ» «زوَّجْتُ لكَ، أو إليكَ» فيَصحُّ؛ لأنَّ الخطَأَ في الصِّيغةِ إذا لم يُخلَّ بالمعنَى يَنبغي أنْ يكونَ كالخطأِ في الإعرابِ. اه.
ومِثلُ ذلكَ «جوَّزتُكَ» ونحوُه، أو إبدالُ الكافِ هَمزةً كما أفتَى به بعضُ المتأخِّرينَ (٢).
وقالَ القَليوبيُّ ﵀: قولُه: (زوَّجتُكَ) وكذا زوَّجتُ لكَ أو إليكَ، أو زوَّجتُكَه بتذكيرِ الضَّميرِ، ولا يَضرُّ إبدالُ الجيمِ زايًا وعكسُه، ولا إبدالُ الكافِ هَمزةً، ولا زِيادةُ هَمزةٍ كأزْوجتُكَ، ولا نَقصُها في أنكَحتُكَ، ولا فَتحُ تاءِ المُتكلِّمِ وضَمُّ تاءِ المخاطَبِ، ولا غَيرُ ذلكَ ممَّا هو لَحنٌ، سَواءٌ كانَ عامِّيًا أو لا، سَواءٌ كانَتْ لُغتَه أم لا، على المُعتمَدِ عندَ شَيخِنا تَبعًا لشَيخِنا الرَّمليِّ.
نَعمْ إنْ عُرِفَ لفظٌ منها مُخالِفٌ للمُرادِ وقصَدَه لم يَصحَّ، وعلى
стр. 8590
هذا يُحمَلُ كَلامُ ابنِ حَجرٍ وغيرِه ممَّن خالَفَ في بعضِ ما ذُكرَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ إيجابٌ بلَفظِ «زُوِّجْتَ» بضَمِّ الزَّايِ وفَتحِ التاءِ؛ لحُصولِ المعنى المَقصودِ به، لا «جوَّزْتُكَ» بتَقديمِ الجيمِ.
وسُئلَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ عن رَجلٍ لم يَقدرْ أنْ يقولَ إلَّا: «قَبلْتُ تَجويزَها» بتَقديمِ الجيمِ، فأجابَ بالصَّحةِ؛ بدَليلِ قولِه: «جَوْزَتي طالقٌ» فإنها تَطلُقُ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: ولو قالَ الوليُّ للمُتزوِّجِ: «زوَّجتَكَ مُوَلِّيتي فُلانةَ» بفتحِ التَّاءِ مِنْ «زوَّجتَكَ» عَجزًا عن ضمِّها أو جَهلًا باللُّغةِ العرَبيةِ صَحَّ النكاحُ، ولا يَصحُّ إنْ كانَ ذلك مِنْ عارِفٍ بالعربيةِ قادِرٍ على إصلاحِه.
قالَ في «شَرْح المُنتهَى»: هذا هو الظَّاهرُ، وأفتَى المُوفَّقُ أنه يَصحُّ مُطلَقًا، وتوقَّفَ في المَسألةِ ناصِحُ الإسلامِ ابنُ أبي الفَهمِ مِنْ أصحابِنا، وأطلَقَ القولَينِ في «المُنتَهى»، ومِثلُه لو قالَ الزَّوجُ: «قَبِلتَ» بفتحِ التاءِ (٢).
٢ - هل يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبِلتُ نكاحَها»؟ أم يكفِي «قَبِلتُ» فقط أو «رَضِيتُ»؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في القَبولِ، هل يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبِلتُ نِكاحَها، أو رَضِيتُ نكاحَها أو زَواجَها»؟ أم يكفِي لفظُ «قَبِلتُ» فقط؟
стр. 8591
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبِلتُ نكاحَها، أو: قَبلْتُ زواجَها»، بل يَكفِي أنْ يقولَ: «قَبلْتُ»؛ لأنَّ القبولَ يَنصرفُ إلى ما أوجَبَه الوليُّ، فكانَ كالمُعادِ لفظًا.
قالَ المالِكيةُ: إذا قالَ الوليُّ: «أنكَحتُكَ، أو زوَّجتُكَ» وما أشبَهَ ذلكَ فيَكفي أنْ يقولَ الزَّوجُ: «قَبلْتُ، أو رَضِيتُ، أو اختَرتُ» وما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يَدلُّ على القَبولِ، ولا يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبلْتُ نكاحَها»، بل يَكفي أنْ يقولَ: «قَبِلتُ» (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ القَبولُ بلفظِ: «قَبلْتُ تَزويجَها، أو قَبِلتُ نكاحَها، أو قَبلْتُ هذا التَّزويجَ، أو قَبلْتُ هذا النكاحَ، أو تَزوَّجتُها، أو رَضِيتُ هذا النكاحَ، أو قَبِلُتْ فقط، أو تزوَّجْتُ»؛ لأنَّ ذلكَ صَريحٌ في الجوابِ، فصَحَّ النكاحُ به كالبيعِ.
أو قالَ الخاطِبُ للوليِّ: «أزوَّجْتَ» فقالَ الوليُّ: «نَعمْ»، أو قالَ الخاطبِ للمُتزوِّجِ: «أقَبِلتَ» فقالَ المُتزوِّجُ: «نَعمْ» انعَقدَ النكاحُ؛ لأنَّ المَعنى «نَعمْ زوَّجْتُ، نَعمْ قَبِلتُ هذا النِّكاحَ»؛ لأنَّ السُّؤالَ يكونُ مُضمَرًا في الجوابِ مُعادًا فيه، بدَليلِ قولِه تعالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ أي: نَعمْ وَجدْنا ما وعَدَنا ربُّنا حقًّا، ولو قيلَ للرَّجلِ الفلانِيِّ: «عَليكَ
стр. 8592
ألفُ دِرهمٍ» فقالَ: «نَعمْ» كانَ إقرارًا صَريحًا لا يَفتقرُ إلى نيَّةٍ ولا يَرجعُ فيه إلى تغييرِه، وبمِثلِه تُقطَعُ اليدُ في السَّرقةِ، مع أنَّ الحُدودَ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ، فوجَبَ أنْ يَنعقدَ به التَّزويجُ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَصحُّ النكاحُ حتَّى يقولَ: «قَبلْتُ نكاحَها، أو تَزويجَها»، فإذا قالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ» فقالَ: «قد قَبلْتُ أو رَضيتُ» أو ما أشبَهَ هذا لم يَكنْ شَيئًا حتَّى يقولَ: «قَبلْتُ النكاحَ أو التَّزويجَ»؛ لأنه لم يُوجَدْ منه التصريحُ بواحِدٍ مِنْ لَفظِي النكاحِ والتزويجِ، والنكاحُ لا يَنعقدُ بالكِناياتِ، فيُشترطُ للُزومِه هنا ذِكرُه في كلٍّ مِنْ شِقَّي العقدِ مع تَوافُقِهما فيه.
ولو قالَ: «قبلْتُ النكاحَ، أو التَّزويجَ، أو قَبلْتُها» فعَن نَصِّ «الأُم» الصِّحةُ في «قَبلتُ النكاحَ أو التَّزويجَ» والبُطلانُ في «قَبلتُها»، وجَرى عليه الشيخُ أبو حامدٍ وغيرُه.
ولا يُشترطُ تَوافُقُ الوليِّ والزوجِ في اللفظِ، فلو قالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ» فقالَ الزوجُ: «قَبلتُ نكاحَها» صَحَّ.
وقَولُ الزَّوجِ: «تزوَّجتُ، أو نكَحْتُ» ليسَ قَبولًا حَقيقةً، وإنما هو قائمٌ مَقامَه إذا ضُمَّ إلى ذلكَ الضَّميرُ، أمَّا إذا اقتصَرَعلى «تزوَّجتُ، أو نكَحتُ» فإنه لا يَكفي وإنْ أفهَمَ كَلامُه.
стр. 8593
وفي قولٍ للشَّافعيةِ: إذا قالَ: «قَبلْتُ» فقط صَحَّ النكاحُ؛ لأنَّ القَبولَ يَنصرفُ إلى ما أوجَبَه الوليُّ، فكانَ كالمُعادِ لفظًا.
ولو قالَ المُتوسِّطُ: «زوَّجتَه ابنتَكَ، أو زوَّجتَها هذا» فقالَه ثمَّ قالَ للزَّوجِ: «قَبلْتَ نكاحَها» فقالَ: «قَبلْتُه» صَحَّ، أمَّا لو قالَ: «قَبلْتُ» فقط لم يَصحَّ (١).
٣ - تَقدُّمُ القَبولِ على الإيجابِ:
الإيجابُ والقَبولُ رُكنٌ مِنْ أركانِ النكاحِ، لا بُدَّ منهُما لصِحةِ النكاحِ باللَّفظِ الذي يَدلُّ عليهِما عندَ كُلِّ فَريقٍ مِنْ العُلماءِ على الخِلافِ السابقِ فيه.
والإيجابُ عندَ الجُمهورِ المالِكيةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ: هو ما يَصدرُ مِنْ وَليِّ الزوجةِ، والقَبولُ: هو ما يَصدرُ مِنْ الزَّوجِ أو وَكيلِه.
وأمَّا الحَنفيةُ فالإيجابُ عندَهم: هو ما يَصدرُ أولًا، سَواءٌ كانَ المُتقدِّمُ هو كَلامُ الزَّوجِ أم كَلامُ الزَّوجةِ أو وليِّها، والقَبولُ: هو ما يَصدُرُ مُؤخَّرًا، سواءٌ كانَ صُدورُه مِنْ الزَّوجِ أو كانَ مِنْ الزَّوجةِ أو وليِّها.
وعلى هذا لو قالَ الزَّوجُ: «زوِّجْنِي، أو تزوَّجْتُ بنتَكَ» كانَ إيجابًا، ولو قالَ الوليُّ أو الزوجةُ: «قَبلْتُ كانَ قَبولًا، ويَنعقدُ النكاحُ بذلكَ (٢).
стр. 8594
وجُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ قالوا: يَصحُّ تَقديمُ القَبولِ على الإيجابِ؛ لأنه قد وُجِدَ الإيجابُ والقَبولُ، فيَصحُّ كما لو تَقدَّمَ الإيجابُ، فلو قالَ الزوجُ: «زوِّجنِي ابنتَكَ، أو أنكِحْنِي ابنتَكَ» مَثلًا فقالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ إياها، أو أنكَحتُكَ، أو فَعلْتُ» صَحَّ العقدُ ولا يَفتقرُ الزَّوجُ إلى أنْ يقولَ: «قَبلْتُ نكاحَها»؛ لِمَا رُويَ أنَّ الذي تزوَّجَ الواهِبةَ قالَ للنبيِّ ﷺ : «زوِّجنِيها يا رسولَ اللهِ، فقالَ: زوَّجتُكَها»، ولم يأمُرْه بالقَبولِ بعدَ هذا (١)
إلَّا أنَّ المالِكيةَ قالُوا: يُندَبُ تَقديمُ الإيجابِ على القَبولِ (٢).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ تَقديمُ الإيجابِ على القَبولِ، فلو تقدَّمَ القَبولُ على الإيجابِ لم يَصحَّ رِوايةً واحدةً، سَواءٌ كانَ بلَفظِ الماضي مثلَ أنْ يقولَ: «تزوَّجتُ ابنتَكَ» فيقولَ: «زوَّجتُكَ»، أو بلَفظِ الطَّلبِ كقَولِه: «زوِّجنِي ابنتَكَ» فيقولَ: «زوَّجتُكَها»؛ لأنَّ القَبولَ إنما يكونُ للإيجابِ، فمتَى وُجدَ قبلَه لم يَكنْ قَبولًا؛ لعَدمِ مَعناه، فلمْ يَصحَّ كما لو تقدَّمَ بلفظِ الاستفهامِ، ولأنه لو تَأخَّرَ عن الإيجابِ بلفظِ الطَّلبِ لم يَصحَّ، فإذا تقدَّمَ كانَ أَولى، كصِيغةِ الاستِفهامِ، ولأنه لو أتَى بالصِّيغةِ
стр. 8595
المَشروعةِ مُتقدِّمةً فقالَ: «قَبلْتُ هذا النكاحَ» فقالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ ابنَتي» لم يَصحَّ، فلَأنْ لا يَصحَّ إذا أتى بغَيرِها أَولى، وأمَّا البيعُ فلا يُشترطُ فيه صِيغةُ الإيجابِ والقَبولِ، بل يَصحُّ بالمُعاطاةِ، ولأنه لا يَتعيَّنُ فيه لَفظٌ، بل يَصحُّ بأيِّ لفظٍ كانَ ممَّا يُؤدِّي المعنى، ولا يَلزمُ الخُلعُ؛ لأنه يَصحُّ تَعليقُه على الشُّروطِ (١).
٤ - هل يَصحُّ قَبولُ النكاحِ بالمُعاطاةِ؟
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ النكاحُ بالمُعاطاةِ؛ احتِرامًا للفُروجِ لخَطرِ أمرِها وشدَّةِ حُرمتِها، فلا يَصحُّ العَقدُ عليها إلا باللفظِ.
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وهل يكونُ القَبولُ بالفِعلِ كالقَبولِ باللَّفظِ كما في البَيعِ؟ قالَ في «البَزَّازية»: أجابَ صاحِبُ «البِدايَة» في امرأةٍ زوَّجتْ نفْسَها بألفٍ مِنْ رَجلٍ عندَ الشُّهودِ فلم يَقلِ الزُّوجُ شَيئًا لكنْ أعطاها المهرَ في المَجلسِ أنه يَكونُ قَبولًا.
وأنكَرَه صاحِبُ «المُحِيط» وقالَ: لا ما لم يَقلْ بلِسانِه: «قَبلْتُ»، بخِلافِ البَيعِ؛ لأنه يَنعقدُ بالتَّعاطي، والنكاحُ لخَطرِه لا يَنعقدُ حتَّى يَتوقَّفُ على الشُّهودِ، بخِلافِ إجازةِ نِكاحِ الفُضوليِّ بالفِعلِ؛ لوُجودِ القولِ ثَمَّةَ (٢).
стр. 8596
٥ - انعِقادُ النكاحِ (الإيجابِ والقَبولِ) بغَيرِ العرَبيةِ:
العاقِدانَ إمَّا أنْ يُحسِنَا التلفُّظَ باللغةِ العرَبيةِ، وإمَّا أنْ لا يُحسِنَا التلفُّظَ بها، وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في كُلٍّ منها.
أولًا: مَنْ لا يُحسِنُ التلفُّظَ باللغةِ العرَبيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ انعقادِ النكاحِ بغيرِ العرَبيةِ لمَن لا يُحسِنُها:
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ وابنُ تَيميةَ إلى أنه يَصحُّ انعِقادُ النكاحِ باللُّغةِ العرَبيةِ وغيرِها مِنْ اللُّغاتِ؛ لأنَّ ذلكَ في لُغتِه نَظيرُ الإنكاحِ والتَّزويجِ، ولا يُكلِّفُ اللهُ نفْسًا إلَّا وُسْعَها، ولأنه عَقدٌ يَنعقدُ بلَفظِ العرَبيةِ، فانعَقدَ بغَيرِها معَ القُدرةِ كالبَيعِ وسائرِ العُقودِ، ولأنها لُغةٌ يَثبتُ بالإقرارِ بها الحَدُّ والقِصاصُ، فيَنعقدُ بها النكاحُ كالعرَبيةِ، ولأنَّ النكاحَ إنِ اعتُبِرَ بما لا يُؤثِّرُ فيه الشُّبهةُ صَحَّ بكُلِّ لُغةٍ كالبيعِ وسائرِ العُقودِ، وإنِ اعتُبِرَ بما لا يُؤثِّرُ به الشُّبهةُ ثبَتَ بكُلِّ لغةٍ كالحَدِّ والقِصاصِ، ولأنَّ رفْعَ هذا العَقدِ يَصحُّ بغيرِ العرَبيةِ مع القُدرةِ، فانعَقدَ العقدُ بها كالبَيعِ (١).
стр. 8597
وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ وأبو الخطَّابِ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه لا يَصحُّ بغيرِ العرَبيةِ؛ لأنه عدَلَ عن الإنكاحِ والتَّزويجِ مع القُدرةِ، فصارَ كما لو عدَلَ إلى البَيعِ أو التَّمليكِ، فعلَى هذا يَصبِرُ إلى أنْ يتعلَّمَ أو يُوكِّلُ (١).
ثانيًا: مَنْ يُحسِنُ التلفُّظَ باللغةِ العرَبيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ انعقادِ النكاحِ بغَيرِ العرَبيةِ لمَن يُحسِنُ العرَبيةَ، هل يَصحُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في الأصَحِّ وابنُ تَيميةَ وغيرُه مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَصحُّ انعِقادُ النكاحِ (الإيجابِ والقَبولِ) بغيرِ العرَبيةِ وإنْ أحسَنَ قائِلُها العرَبيةَ؛ اعتِبارًا بالمَعنى؛ لأنه لَفظٌ لا يَتعلَّقُ به إعجازٌ، فاكتُفيَ بتَرجمتِه، ولأنه عَقدٌ يَنعقدُ بلَفظِ العرَبيةِ، فانعَقدَ بغيرِها مع القُدرةِ كالبَيعِ وسائرِ العُقودُ، ولأنها لُغةٌ يَثبتُ بالإقرارِ بها الحَدُّ والقِصاصُ، فيَنعقدُ بها النكاحُ كالعرَبيةِ، ولأنَّ النكاحَ إنِ اعتُبِرَ بما لا يُؤثِّرُ فيه الشُّبهةُ صَحَّ بكُلِّ لُغةٍ كالبيعِ وسائرِ العُقودِ، وإنِ اعتُبِرَ بما لا يُؤثِّرُ به الشُّبهةُ ثبَتَ بكُلِّ لغةٍ
стр. 8598
كالحَدِّ والقِصاصِ، ولأنَّ رفْعَ هذا العَقدِ يَصحُّ بغيرِ العرَبيةِ مع القُدرةِ، فانعَقدَ العقدُ بها كالبَيعِ.
لكنْ بشَرطِ أنْ يَفهمَ كُلٌّ مِنْ العاقِدينِ كَلامَ نفسِه وكلامَ الآخَرِ، سواءٌ اتَّفقَتِ اللُّغاتُ أو اختَلفَتْ، وإلَّا فلا يَصحُّ قَطعًا، أو بإخبارِ وتَرجمةِ ثِقةٍ لهُما على الصَّحيحِ عندَهم، إلَّا قَولًا للشَّافعيةِ لا يَصحُّ.
ويُشتَرطُ أيضًا فَهمُ الشُّهودِ للُّغةِ التي يَعقِدونَ بها (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَنعقدُ النِّكاحُ بما عَدَّه الناسُ نكاحًا بأيِّ لُغةٍ ولَفظٍ كانَ، ومِثلُ النكاحِ كُلُّ عَقدٍ، فيَنعقدُ البَيعُ بما عَدَّه الناسُ بَيعًا بأيِّ لُغةٍ ولَفظٍ كانَ، والإجارةُ بما عَهِدَه الناسُ إجارةً بأيِّ لُغةٍ ولَفظٍ كانَ، وهكذا.
وكذا قالَ تِلميذُه ابنُ القيِّمِ (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ بغَيرِ العرَبيةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «استَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٣)،
стр. 8599
وكَلمةُ اللهِ إنَّما هي بالعرَبيةِ، ولأنه عدَلَ عن الإنكاحِ والتَّزويجِ مع القُدرةِ، فصارَ كما لو عدَلَ إلى البَيعِ أو التَّمليكِ، فلم يَصحَّ (١).
قالَ الحَنابلةُ: ولا يَصحُّ النكاحُ بغَيرِ العرَبيةِ لمَن يُحسِنُ العرَبيةَ، فإنْ كانَ أحَدُ المُتعاقدَينِ للنكاحِ يُحسِنُ العرَبيةَ دونَ الآخَرِ أتَى الذي يُحسِنُ العرَبيةِ بما هو مِنْ قِبلِه مِنْ إيجابٍ أو قَبولٍ بها -أي بالعرَبيةِ- لقُدرتِه عليهِ، والعاقِدُ الآخَرُ يأتي بما هو مِنْ قِبلِه بلِسانِه -أي بُلَغتِه-، وإنْ كانَ كلٌّ مِنْ العاقدَينِ لا يُحسِنُ لسانَ الآخَرِ تَرجمَ بينَهُما ثِقةٌ يَعرفُ اللِّسانينِ، ولا يُشترطُ تَعدُّدُ الثِّقةِ الذي يُترجِمُ بينَ العاقدَينِ.
ولا بُدَّ أنْ يَعرفَ الشَّاهدانِ اللسانَينِ المَعقودَ بهما؛ ليَتمكَّنَا مِنْ تحمُّلِ الشَّهادةِ؛ لأنها على اللَّفظِ الصادِرِ منهُما، فإذا لم يَعرفاهُ لم يَتأتَّ لهُما الشَّهادةُ بهِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن قدَرَ على لَفظِ النكاحِ بالعرَبيةِ لم يَصحَّ بغيرِها، وهذا أحَدُ قوليِ الشافعيِّ، وعندَ أبي حَنيفةَ يَنعقدُ؛ لأنه أتَى بلَفظِه الخاصِّ، فانعَقدَ به كما يَنعقدُ بلَفظِ العرَبيةِ.
ولنا: إنَّه عدَلَ عن لفظِ الإنكاحِ والتزويجِ مع القُدرةِ، فلم يَصحَّ كلفظِ
стр. 8600
الإحلالِ، فأمَّا مَنْ لا يُحسِنُ العرَبيةَ فيَصحُّ منه عَقدُ النكاحِ بلِسانِه؛ لأنه عاجِزٌ عمَّا سِواهُ، فسقَطَ عنه كالأخرَسِ، ويَحتاجُ أنْ يأتِيَ بمَعناهُما الخاصِّ بحَيثُ يَشتملُ على معنَى اللَّفظِ العرَبيِّ، وليسَ على مَنْ لا يُحسِنُ العرَبيةَ تعلُّمُ ألفاظِ النكاحِ بها، وقالَ أبو الخطَّابِ: عليه أنْ يتعلَّمَ؛ لأنَّ ما كانَتِ العربيةُ شَرطًا فيه لَزمَه أنْ يَتعلَّمَها مع القُدرةِ كالتكبيرِ.
ووَجهُ الأولِ: أنَّ النكاحَ غيرُ واجِبٍ، فلمْ يَجبْ تعلُّمُ أركانِه بالعرَبيةِ كالبَيعِ، بخِلافِ التكبيرِ.
فإنْ كانَ أحَدُ المُتعاقدَينِ يُحسِنُ العرَبيةَ دونَ الآخَرِ أتَى الذي يُحسِنُ العرَبيةَ بها والآخَرُ يأتي بلِسانِه، فإنْ كانَ أحَدُهما لا يُحسنُ لِسانَ الآخَرِ احتاجَ أنْ يَعلمَ أنَّ اللَّفظةَ الَّتي أتَى بها صاحِبُه لَفظةُ الإنكاحِ، بأنْ يُخبِرَه بذلك ثِقةٌ يَعرفُ اللسانَينِ جَميعًا (١).
٦ - أنْ تَكونَ الصِّيغةُ بلَفظِ الماضي:
النِّكاحُ إمَّا أنْ يكونَ بصِيغةِ الماضِي بأنْ يقولَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ ابنَتي» ويقولَ الزَّوجُ: «قَبِلتُ نكاحَها، أو قَبلتُ» فقط عندَ الجُمهورِ خِلافًا للشَّافعيةِ كما تقدَّمَ.
وإمَّا أنْ يكونَ بصِيغةِ المُضارعِ أو الأمرِ.
فإذا كانَ بصيغةِ الماضِي فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ النكاحَ يَنعقدُ
стр. 8601
ويَصحُّ بصيغةِ الماضي، مثلَ أنْ يقولَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ ابنَتي» ويقولَ الزَّوجُ: «قَبلْتُ زواجَها، أو نكاحَها، أو قَبلْتُ»؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ يُستعملُ للإنشاءِ شرعًا، ولا خلافَ فيه بينِ العلماءِ.
ويصحُّ النكاحُ بصِيغةِ المُضارعِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ.
قالَ الحَنفيةُ: يَنعقدُ النكاحُ بلَفظينِ وُضِعَ أحَدُهما للمُضِيِّ والآخَرُ للاستقبالِ أو للحالِ، فالأولُ الأمرُ ك: «زوِّجْنِي، أو زوِّجينِي نفْسَك، أو كُوني امرَأتي، كُوني امرأةَ ابنِي، أو امرأةَ مُوكِّلِي»، وكَذا «كُنْ زَوجِي، أو كُنْ زوْجَ ابنَتي، أو زوْجَ مُوكِّلَتي»، فإنه ليسَ بإيجابٍ، بل هو لَفظٌ قامَ مَقامَ الإيجابِ، وهو تَوكيلٌ ضِمنيٌّ، فإذا قالَ في المَجلسِ: «زوَّجْتُ، أو قَبلْتُ، أو بالسَّمعِ والطَّاعةِ» أي: «زوَّجتُ، أو قَبلتُ مُلتَبسًا بالسَّمعِ والطَّاعةِ لأمرِكَ».
وقيلَ: إنْ لفْظَ الأمرِ إيجابٌ؛ لأنَّ الإيجابَ ليس إلَّا اللفظَ المُفيدَ، قصَدَ تحقُّقَ المعنَى أو لا، وهو صادِقٌ على لفظِ الأمرِ.
والمُضارعُ المَبدوءُ بهَمزةٍ ك: «أتزوَّجُك» بفَتحِ الكافِ وكَسرِها، أو المَبدوءِ بنُونٍ ك: «نتزوَّجُك، أو نزوِّجُكِ مِنْ ابني»، أو المَبدوءِ بتاءٍ ك: «تُزوِّجيني نفْسَكِ» بضمِّ التاءِ ونفْسَكِ بكسرِ الكافِ، ومثلُه «تُزوِّجُني نفسَكَ» بضَمِّ التاءِ خِطابًا للمُذكَّرِ فالكافُ مَفتوحةٌ، فإنَّ النكاحَ يَنعقدُ بهذهِ
стр. 8602
الصِّيغِ، لكنْ بشَرطِ إذا لم يَنوِ الاستِقبالَ -أي الاستِيعادَ، أي طلَبَ الوَعدِ- في المُضارعِ المَبدوءِ بالتاءِ فقط (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ النكاحُ بصِيغةِ الماضِي ك: «أنكَحْتُ، وزوَّجْتُ»، وبصِيغةِ المضارعِ نحوُ: «أزوِّجُكَ» إنْ قامَتِ القَرينةُ على الإنشاءِ لا الوعدِ كالماضِي.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: واعتَرضَه الناصِرُ اللقَّانِيُّ قائِلًا: فيه نَظرٌ؛ إذِ العُقودُ إنما تَتعلَّقُ بالماضي دُونَ المضارِعِ؛ لأنَّ الأصلَ فيه الوعْدُ، وفي الماضِي اللُّزومُ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: وإنْ كانَ بلَفظَينِ أحَدُهما ماضٍ والآخَرُ مُضارعٌ كقَولِ الزوجِ: «زوِّجْنِي» فيقولُ الوليُّ: «زوَّجتُكَ» فيصحُ النكاحُ؛ لأنَّ قولَه «زوِّجْنِي» تَوكيلٌ، والوَكيلُ يَتولَّى طَرفيِ النكاحِ (٣).
وقد نَصَّ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ على أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بصيغةِ اسمِ الفاعلِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «أنا مُتزوِّجُك» أو قالَ: «جِئتُكَ خاطِبًا» فقالَ الأبُ: «زوَّجتُكَ» فالنكاحُ لازمٌ، وليسَ للخاطِبِ أنْ لا يَقبلَ بعدَ ذلكَ؛
стр. 8603
لعَدمِ جرَيانِ المُساوَمةِ فيه، ورَوَى المُعلَّى عن أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ: لو قالَ: «جِئتُكَ خاطِبًا ابنَتكَ، أو لِتُزوِّجنِي ابنتكَ، أو زوِّجْنِي ابنتَكَ» فقالَ الأبُ: «قد زوَّجتُكَ» فالنكاحُ لازمٌ، وليسَ للخاطِبِ أنْ لا يَقبلَ، ولا يُشبهُ البَيعَ؛ لأنَّ مَبناهُ على المُسامَحةِ والمُساهَلِة، والبيعُ على المُماكَسةِ والمُساوَمةِ.
ولو قالَ لها: «أنا أتزوَّجُكِ» فقالَتْ: «قد فَعلْتُ» جازَ ولزم؛ لأنَّ قولَه: «أتزوَّجُكِ» بمعنَى «تزوَّجتُكِ» عُرفًا؛ بدَلالةِ الحالِ كما في كَلمةِ الشَّهادةِ.
ولو قالَ: «تُزوِّجِيني نفْسَكِ» فقَبلَتِ انعَقدَ إنْ لم يَقصدْ به الاستِقبالَ.
ولو قالَ: «أتُزوِّجُني؟» فقالَ الآخَرُ: «زوَّجتُكَ» لا يَنعقدُ النكاحُ؛ لأنه استِخبارٌ واستِيعادٌ، لا أمرٌ وتَوكيلٌ، ولو أرادَ به التَّحقيقَ دونَ الاستِخبارِ والسَّومِ يَنعقدُ به (١).
وقالَ الرَّمليُّ ﵀: لو أتَى بصيغةِ اسمِ الفاعلِ ك: «أنا مُزوِّجُكَ، أو أنا مُتزوِّجٌ» فالقِياسُ الصحةُ، كما لو قالَ: «أنا بائِعُكَ دارِي بكذَا» فإنه يَصحُّ كما قالَه الرَّافعيُّ (٢).
стр. 8604
ولو أتى بصِيغةِ الأمر صَحَّ وانعَقدَ النكاحُ بهِ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو أتَى بصِيغةِ الأمرِ بأنْ قالَ: «تَزوَّجِ ابنَتِي» فقالَ المُخاطَبُ: «تزوَّجْتُ» أو قالَ: «زوِّجِ ابنَتَكَ منِّي» فقالَ: «زوَّجتُ» يَنعقدُ النكاحُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَنعقدُ النكاحُ بصِيغةِ الأمر كما يَنعقدُ بالماضي والمُضارعِ، بل صِيغةُ الأمرِ مِنْ بابِ أَولى؛ لأنها مَوضوعةٌ للإنشاءِ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَنعقدُ النكاحُ بصِيغةِ الأمرِ مثلَ أنْ يَقولَ الوليُّ: «تَزوَّجِ ابنتِي» فيقولَ الخاطِبُ: «تزوَّجتُها»، وكذا لو قالَ: «زوِّجنِي» فقالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ» انعَقدَ النكاحُ (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يَنعقدُ النكاحُ بالإيجابِ والاستِيجابِ، فلو قالَ لأبِ البكرِ أو لأبِ الثيِّبِ وقد أَذِنَتْ له أنْ يُزوِّجَها: «زوِّجْنِي فُلانةَ» فقالَ: «قد فَعلْتُ» أو قالَ: «قد زوَّجتُكَ» فقالَ الخاطِبُ: «لا أَرضَى» فقدْ لَزمَ النكاحُ (٤).
стр. 8605
وقد رَوى البُخاريُّ في صَحيحِه: بابٌ: إذا قالَ الخاطِبُ للوليِّ: «زوِّجنِي فُلانةَ» فقالَ: «قد زوَّجتُكَ بكذا وكذا» جازَ النِّكاحُ وإنْ لم يَقلْ للزوجِ: «أرَضِيتَ، أو قَبِلتَ».
٤٨٤٧ - حدَّثَنا أبو النُّعمانِ حدَّثَنا حمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أبي حازِمٍ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ «أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فعرَضَتْ عليهِ نفْسَها، فقالَ: ما ليَ اليومَ في النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فقالَ رَجلٌ: يا رسولَ اللهِ: زوِّجنِيها، قالَ: ما عندَكَ؟ قالَ: ما عندِي شيءٌ، قالَ: أعطِها ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، قالَ: ما عندِي شيءٌ، قالَ: فما عندَكَ مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: كذا وكذا، قالَ: فقدْ مَلَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القرآنِ».
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ العَسقلانِيُّ ﵀: وهذهِ التَّرجمةُ مَعقودةٌ لمَسألةِ: هل يَقومُ الالتِماسُ مَقامَ القَبولِ فيَصيرُ كما لو تَقدَّمَ القَبولُ على الإيجابِ، كأنْ يَقولَ: «تزوَّجْتُ فُلانةَ على كذا» فيَقولَ الوليُّ: «زوَّجتُكَها بذلكَ»؟ أو لا بُدَّ مِنْ إعادَةِ القَبولِ؟ فاستَنبطَ المُصنِّفُ مِنْ قصَّةِ الواهِبةِ أنه لم يُنقلَ بعدَ قولِ النبيِّ ﷺ : «زوَّجتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» أنَّ الرَّجلَ قالَ: «قد قَبلْتُ»، لكنِ اعتَرضَه المُهلَّبُ فقالَ: بِساطُ الكَلامِ في هذه القصَّةِ أغنَى عن تَوقيفِ الخاطِبِ على القَبولِ؛ لِمَا تقدَّمَ مِنْ المُراوَضةِ والطَّلبِ والمُعاوَدةِ في ذلكَ، فمَن كانَ في مثلِ حالِ هذا الرَّجلِ الرَّاغبِ لم يَحتَجْ إلى تَصريحٍ منهُ بالقَبولِ؛ لسَبْقِ العِلمِ برَغبتِه، بخِلافِ غيرِه ممَّن لم تَقُمِ القَرائنُ على رِضاهُ. انتهى.
стр. 8606
وغايَتُه أنه يَسلمُ الاستِدلالُ، لكنْ يَخصُّه بخاطِبٍ دُونَ خاطِبٍ، وقد قدَّمْتُ في الذي قبلَه وجْهَ الخَدشِ في أصلِ الاستِدلالِ (١).
أمَّا لو أتَى بصِيغةِ الاستفهام فقالَ الشَّافعيةُ: لو قالَ: «أتُزوِّجُني ابنتَكَ؟ فقالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ» لم يَنعقدْ، إلَّا أنْ يقولَ الخاطِبُ بعدَه: «تزوَّجْتُ»، وكذا لو قالَ الوليُّ: أتتَزوَّجُ بنتِي؟ أو تزوَّجتَها؟» فقالَ: «تزوَّجتُ» لا يَنعقدُ، إلَّا أنْ يقولَ الوليُّ بعدَه: «زوَّجتُكَ»؛ لأنه استِفهامٌ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: لو صرَّحَ بالاستِفهامِ اعتُبِرَ فَهمُ الحالِ، ففي شَرحِ الطَّحَاويِّ: لو قالَ: «هل أعطَيتَنِيها؟» فقالَ: «أعطَيْتُ» إنْ كانَ المَجلسُ للوَعدِ فوَعدٌ، وإنْ كانَ للعَقدِ فنكاحٌ.
قالَ الرَّحمَتيُّ ﵀: فعَلِمْنا أنَّ العِبرةَ لِمَا يَظهرُ مِنْ كَلامِهما، لا لنيَّتِهما؛ أَلَا ترَى أنه يَنعقدُ مع الهَزلِ، والهازِلُ لم يَنوِ النكاحَ، وإنَّما صحَّتْ نيَّةُ الاستِقبالِ في المَبدوءِ بالتَّاءِ؛ لأنَّ تَقديرَ حَرفِ الاستِفهامِ فيه شائِعٌ كَثيرٌ في العرَبية (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا تقدَّمَ القَبولُ الإيجابَ كقَولِه: «تزوَّجْتُ ابنَتكَ» فيقولُ الوليُّ: زوَّجتُكَها» أو «زوِّجنِي ابنتَكَ» فيقولُ الوليُّ: «زوَّجتُكَها» لم
стр. 8607
يَصحَّ نصًّا؛ لأنَّ القَبولَ إنما يكونُ للإيجابِ، فمتَى وُجِدَ قبلَه لم يَكنْ قَبولًا؛ لعَدمِ مَعناه، فلمْ يَصحَّ كما لو تقدَّمَ بلَفظِ الاستِفهامِ، ولأنه لو تأخَّرَ عن الإيجابِ بلَفظِ الطَّلبِ لم يَصحَّ، وإذا تقدَّمَ كانَ أَولى، كصِيغةِ الاستِفهامِ (١).
٧ - يُشتَرطُ أنْ يَكونَ النكاحُ خالِيًا مِنْ خِيارِ المَجلسِ وخِيارِ الشَّرطِ:
أولًا: خِيارُ المَجلسِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في خِيارِ المَجلسِ، هل يَثبتُ في النِّكاحِ؟ فإذا قالَ الوليُّ مَثلَا: «زوَّجتُكَ ابنَتِي» وقالَ الزَّوجُ: «قَبلْتُ زَواجَها» ثمَّ رجَعَ أحَدُهما -الوَليُّ أو الزَّوجُ- في أثناءِ المَجلسِ هل يَصحُّ رُجوعُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ خِيارَ المَجلسِ لا يَثبتُ في عَقدِ النكاحِ؛ لأنه ليسَ بَيعًا ولا في مَعناهُ؛ فإنَّ اسمَ البَيعِ لا يَصدُقُ عليهِ، والعِوضُ ليسَ رُكنًا فيه ولا مَقصودًا منه، ولأنَّ الحاجَةَ غيرُ دَاعيَةٍ إليهِ؛ فإنه لا يَقعُ في الغالِبِ إلَّا بعدَ تَرَوٍّ وفِكرٍ ومَسألةِ كُلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ عن صاحِبِه والمَعرفةِ بحالِه، بخِلافِ البيعِ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الخِيارَ لا يَثبتُ في العُقودِ الَّتي لا يُقصَدُ فيها العِوضُ كالنكاحِ والخُلعِ والكِتابةِ (٢).
стр. 8608
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ خِيارَ المَجلسِ لا يَثبتُ في النكاحِ إلَّا إذا اشتُرطَ فيُعمَلُ بهِ.
قالَ الدِّرديرُّ ﵀: ولَزمَ النكاحُ بالصِّيغةِ منهُما وإنْ لم يَرْضَ الآخَرُ ولو قامَتْ قَرينةٌ على قَصدِ الهَزلِ منهُما معَها كالطَّلاقِ والعِتقِ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (وإنْ لم يَرْضَ الآخَرُ) أي: بعدَ حُصولِ الصِّيغةِ منهُما، وظاهِرُه أنَّ خِيارَ المَجلسِ غيرُ مَعمولٍ به عندَنا في النكاحِ، وليسَ كذلكَ، بل هو مَعمولٌ به.
وأُجيبَ بأنَّ مَحلَّ العَملِ به إذا اشتُرطَ، قرَّرَه شَيخُنا، وما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ لُزومِ النِّكاحِ وإنْ لم يَرْضَ هو المُعتمَدُ ولو قامَتْ قَرينةٌ على إرادةِ الهَزلِ مِنْ الجانبينِ، خِلافًا لقولِ القَابسيِّ: إنه إذا عُلِمَ الهَزلُ في النكاحِ فإنهُ لا يَلزمُ (١).
وقالَ الصَّاوِي ﵀: يَلزمُ النكاحُ بمُجرَّدِ الإيجابِ والقَبولِ وإنْ لم يَرْضَ الآخَرُ ولو قامَتْ قَرينةٌ على قَصدِ الهَزلِ؛ لأنَّ النكاحَ عَقدٌ لازِمٌ لا يَجوزُ فيهِ الخِيارُ، إلَّا خِيارَ المَجلسِ، فهو مَعمولٌ به عندَنا في خُصوصِ النكاحِ إذا اشتُرِطَ (٢).
стр. 8609
ثانيًا: خِيارُ الشَّرطِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ النكاحَ لا يَثبتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ، فلو قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنِّي بالخِيارَ ثلاثةَ أيَّامٍ» أو قالَ الزَّوجُ: «قَبلْتُ نِكاحَها على أنِّي بالخِيارِ ثَلاثَة أيَّامٍ» مَثلًا لم يَصحَّ شَرطُ الخِيارِ هذا بالاتِّفاقِ.
إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا، هل يَبطلُ به عَقدُ النكاحِ أيضًا؟ أم يَصحُّ العَقدُ ويَبطلُ الشَّرطُ؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ النكاحَ باطِلٌ والشَّرطَ باطِلٌ؛ لأنَّ اشتِراطَ الخِيارِ في معنَى التَّوقيتِ؛ أَلَا تَرى أنَّ ما يَثبتُ فيهِ الخِيارُ -وهو البَيعُ- يَتأخَّرُ حُكمُ العَقدِ -وهو المِلكُ- إلى ما بعدَ مُضيِّ المدَّةِ ويَصيرُ العَقدُ في حَقِّ مِلكِه كالمُضافِ، فكَذلكَ هُنا باشتِراطِ الخِيارِ يَصيرُ النكاحُ مُضافًا، وإضافةُ النِّكاحِ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ لا يَجوزُ، والتَّوقيتُ في النكاحِ يَمنعُ صِحةَ النكاحِ، كما لو تزوَّجَها شَهرًا (١).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: وإذا نكَحَ الرَّجلُ المَرأةَ على أنه بالخِيارِ في نِكاحِها يَومًا أو أقَلَّ أو أكثَرَ أو على أنه بالخِيارِ ولم يَذكرْ مُدَّةً يَنتهِي إليها إنْ شاءَ أجازَ النِّكاحَ وإنْ شاءَ رَدَّه، أو قالَ: «على أنِّي بالخِيارِ» يعنِي مَنْ كانَ له
стр. 8610
الخِيارُ أنه إنْ شاءَ أجازَ النكاحَ وإنْ شاءَ رَدَّه؛ فالنكاحُ فاسِدٌ، وكذلكَ إنْ كانَ الخِيارُ للمَرأةِ دُونَه أو لهُمَا مَعًا أو شَرَطاهُ أو أحَدُهما لغيرِهما فالنكاحُ باطِلٌ في هذا كلِّه، فإنْ لم يَدخلْ بها فهو مَفسوخٌ، وإنْ أصابَها فلهَا مَهرُ مِثلِها بما أصابَ مِنها، ولا نِكاحَ بينَهُما، ويَخطبُها معَ الخُطَّابِ، وهي تَعتدُّ مِنْ مائِه، ولو ترَكَها حتَّى تَستبْرِئَ كانَ أحَبَّ إليَّ.
(قالَ الشَّافعيُّ): وإنما أبطَلْتُه بأنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن نِكاحِ المُتعةِ، فلمَّا كانَ نِكاحُ المُتعةِ مَفسوخًا لم يَكنْ للنَّهيِ عنه مَعنًى أكثَرَ مِنْ أنَّ النكاحَ إنَّما يَجوزُ على إحلالِ المَنكوحةِ مُطلَقًا لا إلى غايَةٍ؛ وذلكَ أنها إذا كانَتْ إلى غايَةٍ فقدْ أباحَتْ نفْسَها بحالٍ ومَنعَتْها في أُخرى، فلم يَجُزْ أنْ يَكونَ النكاحُ إلَّا مِطلُقًا، مِنْ قِبلِها كانَ الشَّرطُ أنْ تكونَ مَنكوحةً إلى غايَةٍ أو قِبلِه أو قِبَلِهما معًا، ولمَّا كانَ النكاحُ بالخِيارِ في أكثَرَ مِنْ المَعنَى الَّذي له فيما نَرَى فَسدَتِ المُتعةُ في أنه لم يَنعقِدْ، والجِماعُ حَلالٌ فيه على ما وَصفْتُ مِنْ الأبَدِ، ولا بحَالٍ حتَّى يُحدِثَ له اختِيارًا حادِثًا، فتَكونُ العُقدةُ انعقَدَتْ على النكاحِ والجماع لا يَحلُّ فيها بكُلِّ حالٍ، فالنكاحُ في العُقدةِ غيرُ ثابِتٍ، لمْ يَثبتِ النكاحُ بشَيءٍ حدَثَ بعدَها ليسَ هوَ هيَ، فيكونُ مُتقدِّمُ النكاحِ غيرَ ثابتٍ في حالٍ وثابتًا في أُخرى، وهذا أقبَحُ مِنْ نكاحِ المُتعةِ؛ لأنَّ نِكاحَ المُتعةِ وقَعَ على ثابِتٍ أوَّلًا إلى مُدةٍ وغيرِ ثابتٍ إذا انقطَعَتِ المُدَّةُ.
стр. 8611
(قالَ الشَّافعيُّ) ﵀: ولم أعلَمْ مُخالِفًا في جُملةٍ أنَّ النكاحَ لا يَجوزُ على الخِيارِ كما تَجوزُ البُيوعُ، فإذا كانَ الخِيارُ فيه لا يَجوزُ لَزمَ مَنْ أعطَى هذهِ الجُملةَ -واللهُ تَعالَى أعلَمُ- أنْ لا يُجيزَ النكاحَ إذا كانَ بشَرطِ الخِيارِ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ عقْدَ النكاحِ لا يَدخلُه خِيارُ المَجلسِ ولا خِيارُ الثَّلاثِ؛ لأنه يَنعقدُ ناجِزًا لا تُقصَدُ فيهِ المُغابَنةُ، والخِيارُ مَوضوعٌ لاستِدراكِ المُغابَنةِ، فإنْ شرَطَ فيه أحَدٌ الخِيارَينِ فهذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ يَشترطَاهُ أو أحَدُهما في عَقدِ النكاحِ، فالنكاحُ باطِلٌ باشتِراطِه فيهِ؛ لمُنافاتِه له في اللُّزومِ.
والضَّربُ الثَّاني: أنْ يَكونَ مَشروطًا في الصَّداقِ دونَ النكاحِ، فقدْ قالَ الشَّافعيُّ في «الأُمّ» ونقَلَه المُزنِيُّ هاهُنا: إنَّ الصَّداقَ باطِلٌ والنكاحَ جائزٌ، وقالَ في «الإمْلَاء»: النِّكاحُ باطِلٌ، فاختَلفَ أصحابُنا في اختِلافِ نَصِّه في هذَينِ الموَضعَينِ، فخرَّجَه أبو عليِّ ابنُ أبي هُريرةَ على قَولينِ:
أحَدُهما: أنَّ الصَّداقَ باطِلٌ والنكاحَ جائزٌ؛ لأنَّ بُطلانَ الصَّداقِ لا يَقدحُ في صحَّةِ النكاحِ.
والقَولُ الثَّاني: أنَّ النكاحَ باطِلٌ لبُطلانِ الصَّداقِ، ولم يُحْكَ عنِ الشَّافعيِّ أنه أبطَلَ النكاحَ لبُطلانِ الصَّداقِ إلَّا في هذا المَوضعِ؛ لأنَّ دُخولَ الخِيارِ في البَدلِ كدُخولِه في المُبدَلِ.
стр. 8612
وقالَ سائرُ أصحابِنا: ليسَ ذلكَ على اختِلافِ قَولينِ، وإنَّما هو على اختِلافِ حالَينِ، فالمَوضعِ الذي أبطَلَ فيه النكاحَ إذا كانَ الخِيارُ مَشروطًا في النكاحِ، والمَوضعُ الذي أبطَلَ فيه الصَّداقَ وأجازَ النكاحَ إذا كانَ الخِيارُ مَشروطًا في الصَّداقِ دونَ النكاحِ؛ لأنَّ الصَّداقَ عَقدٌ يَصحُّ إفرادُهُ عن النكاحِ كما يَصحُّ إفرادُ النكاحِ عنهُ، فلمْ يُوجِبْ بُطلانُ الصَّداقِ بُطلانَ النكاحِ، فإذا قيلَ ببُطلانِ النكاحِ فلا مهْرَ، فإنْ أصابَها فعَليهِ مهرُ مِثلِها، وإذا قيلَ بصحَّةِ النكاحِ فقدْ حكَى أبو حامِدٍ الإسفرايِينيُّ في الصَّداقِ والخِيارِ لأصحابِنا ثَلاثةَ أوجُهٍ، ولَم أَرَ غيرَه يَحكِيه؛ لأنَّ نَصَّ الشَّافعيِّ لا يَقتضيهِ:
أحَدُها: هو أنَّ الخِيارَ باطِلٌ والصَّداقَ باطِلٌ، ولها مَهرُ مِثلِها؛ لأنه لمَّا امتَنعَ دُخولُ الخِيارِ في النكاحِ امتَنعَ دُخولُه في بَدلِه، والخِيارُ إذا دخَلَ فيما يُنافيهِ أبطَلَه.
والوَجهُ الثَّاني -وهو خِلافُ نَصِّه-: أنَّ الصَّداقَ جائزٌ والخِيارَ ثابِتٌ؛ لأنَّ الصَّداقَ عَقدُ مُعاوَضةٍ يَصحُّ إفرادُه، فجَرَى حُكمُه حُكمَ الخِيارِ فيهِ مَجراهُ في عُقودِ المُعاوَضاتِ.
والوجهُ الثَّالثُ: أنَّ الخِيارَ باطِلٌ والصَّداقَ جائزٌ؛ لأنَّ الصَّداقَ تَبَعٌ للنكاحِ، فيَثبتُ ثُبوتَه، ولم يَقدحْ فيهِ بُطلانُ الشَّرطِ (١).
стр. 8613
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنِ اشتُرِطَ خِيارُ الشَّرطِ في عَقدِ النِّكاحِ فإنَّ النكاحَ صَحيحٌ ويَبطلُ الشَّرطُ.
قالَ الحَنفيةُ: إذا تزوَّجَ الرَّجلُ امرأةً واشتَرطَ فيه لأحَدِهما أو لهُمَا خِيارًا فالنكاحُ جائِزٌ والخِيارُ باطِلٌ؛ لقَولِه ﷺ : «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النكاحُ والطَّلاقُ والعِتاقُ»، والهَزلُ واشتِراطِ الخِيارِ سَواءٌ؛ لأنَّ الهازِلَ قاصِدٌ إلى مُباشَرةِ السَّببِ غَيرُ راضٍ بحُكمِه، بل أَولى؛ فإنَّ الهازِلَ غيرُ راضٍ بالحُكمِ أبَدًا، وشارِطُ الخِيارِ غيرُ رَاضٍ بالحُكمِ في وَقتٍ مَخصوصٍ، فإذا لم يَمنعِ الهَزلُ تَمامَه فاشتِراطُ الخِيارِ أَولى، والمَعنى فيهِ أنه قد لا يَحتملُ الفَسخَ بعدَ تَمامِه ولا يَقبلُ خِيارَ الشَّرطِ، فاشتِراطُ الخِيارِ فيه لا يَمنعُ تَمامَه كالطَّلاقِ والعِتاقِ بمَالٍ؛ وهذا لأنَّ اشتِراطَ الخِيارِ لا يَمنعُ انعِقادَ أصلِ السَّببِ مُطلَقًا، وإنَّما يُعدِمُ الرِّضا بلُزومِه كما في البَيعِ، ومِن ضَرورةِ انعِقادِ النكاحِ صَحيحًا اللُّزومُ، فاشتِراطُ الخِيارِ فيه يَكونُ شَرطًا فاسِدًا، والنكاحُ لا يَبطلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ ولا تَتوقَّفُ صحَّتُه ولُزومُه على تَمامِ الرِّضا؛ أَلَا تَرَى أنَّ تَمامَ الرِّضا إنَّما يكونُ بعدَ الرُّؤيةِ كما في البَيعِ، ثمَّ عَدمُ الرُّؤيةِ لا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ ولُزومَه، حتَّى لا يَثبتُ فيه خِيارُ الرُّؤيةِ، بخِلافِ الإضافةِ إلى وَقتٍ، فإنه يَمنعُ انعِقادَ السَّببِ في الحالِ؛ أَلَا تَرَى أنَّ مِثلَه لا يَصحُّ في البَيعِ، بخِلافِ التَّوقيتِ؛ فإنه يَمنعُ انعِقادَ السَّببِ فيما وَراءَ الوَقتِ المَنصوصِ عليهِ،
стр. 8614
والنكاحُ لا يَحتملُ الانعِقادَ في وَقتٍ دُونَ وَقتٍ، فلِهذا بطَلَ بالتَّوقيتِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الثَّالثُ: ما يُبطِلُ النِّكاحَ مِنْ أصلِه، مِثلَ أنْ يَشترطَا تَأقيتَ النكاحِ -وهو نِكاحُ المُتعةِ-، أو أنْ يُطلِّقَها في وَقتٍ بعَينِه، أو يُعلِّقَه على شَرطٍ مِثلَ أنْ يَقولَ: «زوَّجتُكَ إنْ رَضِيَتْ أُمُّها، أو فُلانٌ»، أو يُشتَرطَ الخِيارُ في النكاحِ لهُمَا أو لأحَدِهما، فهذهِ شُروطٌ باطِلةٌ في نَفسِها ويَبطلُ بها النكاحُ، وكذلكَ إنْ جعَلَ صَداقَها تَزويجَ امرأةٍ أُخرَى -وهوَ نِكاحُ الشِّغارِ-، ونَذكرُ ذلكَ في مَواضِعِه إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
وذكَرَ أبو الخَطَّابِ فيما إذا شرَطَ الخِيارَ إنْ رَضِيَتْ أُمُّها وإنْ جاءَها بالمَهرِ في وَقتِ كذا وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهُما رِوايتَينِ:
إحداهُما: النكاحُ صَحيحٌ والشرطُ باطِلٌ، وبه قالَ أبو ثَورٍ فيما إذا شرَطَ الخِيارَ، وحكاهُ عن أبي حَنيفةَ، وزعَمَ أنه لا خِلافَ فيها.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: قالَ أحمدُ وإسحاقُ: إذا تزوَّجَها على أنه إنْ جاءَ بالمَهرِ في وَقتِ كذا وكذا وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهُما الشَّرطُ باطِلٌ والعَقدُ جائزٌ، وهو قولُ عَطاءٍ والثَّوريِّ وأبي حَنيفةَ والأوزاعِيِّ، ورُويَ ذلكَ عن الزُّهريِ.
وروَى ابنُ مَنصورٍ عن أحمدَ في هذا أنَّ العَقدَ والشَّرطَ جائِزانِ؛ لقَولِه ﷺ : «المُسلِمونَ على شُروطِهم».
стр. 8615
والرِّوايةُ الأُخرى: يَبطلُ العَقدُ مِنْ أصلِه في هذا؛ لأنَّ النكاحَ لا يكونُ إلَّا لازمًا، وهذا يُوجِبُ جَوازَه، ولأنه إذا قالَ: «إنْ رَضيَتْ أُمُّها، أو إنْ جِئتَني في وَقتِ كذا» فقدْ وقَفَ النكاحَ على الشَّرطِ، ولا يَجوزُ وَقفُه على شَرطٍ، وهذا قَولُ الشَّافعيِّ، ونَحوُه عن مالِكٍ وأبي عُبيدٍ.
فصلٌ: وإنْ شرَطَ الخِيارَ في الصَّداقِ خاصَّةً لم يَفسُدِ النكاحُ؛ لأنَّ النكاحَ يَنفردُ عن ذِكرِ الصَّداقِ، ولو كانَ الصَّداقُ حَرامًا أو فاسِدًا لم يَفسدُ النكاحُ، فلَأنْ لا يَفسدَ بشَرطِ الخِيارِ فيه أَولى، ويُخالِفُ البيعَ، فإنه إذا فسَدَ أحَدُ العِوضينِ فيه فسَدَ الآخَرُ.
فإذا ثبَتَ هذا ففِي الصَّداقِ ثلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: يَصحُّ الصَّداقُ ويَبطلُ شَرطُ الخِيارِ، كما يَفسدُ الشَّرطُ في النكاحِ ويَصحُّ النكاحُ.
والثَّاني: يَصحُّ ويَثبتُ الخِيارُ فيه؛ لأنَّ عقْدَ الصَّداقِ عَقدٌ مُنفرِدٌ يَجرِي مَجرَى الأثمانِ، فثبَتَ فيه الخِيارُ كالبَياعاتِ.
والثَّالثُ: يَبطلُ الصَّداقُ؛ لأنها لم تَرْضَ به، فلم يَلزمْها كما لو لم تُوافِقْه على شَيءٍ (١).
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولو شرَطَ الخِيارَ في النكاحِ ففيهِ ثَلاثةُ أَقوالٍ، هي ثَلاثُ رِواياتٍ عن أحمَدَ: قِيلَ: يَصحُّ العَقدُ والشَّرطُ، وقيلَ: يَبطُلانِ،