(قالَ الشَّافعيُّ) ﵀: ولم أعلَمْ مُخالِفًا في جُملةٍ أنَّ النكاحَ لا يَجوزُ على الخِيارِ كما تَجوزُ البُيوعُ، فإذا كانَ الخِيارُ فيه لا يَجوزُ لَزمَ مَنْ أعطَى هذهِ الجُملةَ -واللهُ تَعالَى أعلَمُ- أنْ لا يُجيزَ النكاحَ إذا كانَ بشَرطِ الخِيارِ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ عقْدَ النكاحِ لا يَدخلُه خِيارُ المَجلسِ ولا خِيارُ الثَّلاثِ؛ لأنه يَنعقدُ ناجِزًا لا تُقصَدُ فيهِ المُغابَنةُ، والخِيارُ مَوضوعٌ لاستِدراكِ المُغابَنةِ، فإنْ شرَطَ فيه أحَدٌ الخِيارَينِ فهذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ يَشترطَاهُ أو أحَدُهما في عَقدِ النكاحِ، فالنكاحُ باطِلٌ باشتِراطِه فيهِ؛ لمُنافاتِه له في اللُّزومِ.
والضَّربُ الثَّاني: أنْ يَكونَ مَشروطًا في الصَّداقِ دونَ النكاحِ، فقدْ قالَ الشَّافعيُّ في «الأُمّ» ونقَلَه المُزنِيُّ هاهُنا: إنَّ الصَّداقَ باطِلٌ والنكاحَ جائزٌ، وقالَ في «الإمْلَاء»: النِّكاحُ باطِلٌ، فاختَلفَ أصحابُنا في اختِلافِ نَصِّه في هذَينِ الموَضعَينِ، فخرَّجَه أبو عليِّ ابنُ أبي هُريرةَ على قَولينِ:
أحَدُهما: أنَّ الصَّداقَ باطِلٌ والنكاحَ جائزٌ؛ لأنَّ بُطلانَ الصَّداقِ لا يَقدحُ في صحَّةِ النكاحِ.
والقَولُ الثَّاني: أنَّ النكاحَ باطِلٌ لبُطلانِ الصَّداقِ، ولم يُحْكَ عنِ الشَّافعيِّ أنه أبطَلَ النكاحَ لبُطلانِ الصَّداقِ إلَّا في هذا المَوضعِ؛ لأنَّ دُخولَ الخِيارِ في البَدلِ كدُخولِه في المُبدَلِ.
стр. 8612
وقالَ سائرُ أصحابِنا: ليسَ ذلكَ على اختِلافِ قَولينِ، وإنَّما هو على اختِلافِ حالَينِ، فالمَوضعِ الذي أبطَلَ فيه النكاحَ إذا كانَ الخِيارُ مَشروطًا في النكاحِ، والمَوضعُ الذي أبطَلَ فيه الصَّداقَ وأجازَ النكاحَ إذا كانَ الخِيارُ مَشروطًا في الصَّداقِ دونَ النكاحِ؛ لأنَّ الصَّداقَ عَقدٌ يَصحُّ إفرادُهُ عن النكاحِ كما يَصحُّ إفرادُ النكاحِ عنهُ، فلمْ يُوجِبْ بُطلانُ الصَّداقِ بُطلانَ النكاحِ، فإذا قيلَ ببُطلانِ النكاحِ فلا مهْرَ، فإنْ أصابَها فعَليهِ مهرُ مِثلِها، وإذا قيلَ بصحَّةِ النكاحِ فقدْ حكَى أبو حامِدٍ الإسفرايِينيُّ في الصَّداقِ والخِيارِ لأصحابِنا ثَلاثةَ أوجُهٍ، ولَم أَرَ غيرَه يَحكِيه؛ لأنَّ نَصَّ الشَّافعيِّ لا يَقتضيهِ:
أحَدُها: هو أنَّ الخِيارَ باطِلٌ والصَّداقَ باطِلٌ، ولها مَهرُ مِثلِها؛ لأنه لمَّا امتَنعَ دُخولُ الخِيارِ في النكاحِ امتَنعَ دُخولُه في بَدلِه، والخِيارُ إذا دخَلَ فيما يُنافيهِ أبطَلَه.
والوَجهُ الثَّاني -وهو خِلافُ نَصِّه-: أنَّ الصَّداقَ جائزٌ والخِيارَ ثابِتٌ؛ لأنَّ الصَّداقَ عَقدُ مُعاوَضةٍ يَصحُّ إفرادُه، فجَرَى حُكمُه حُكمَ الخِيارِ فيهِ مَجراهُ في عُقودِ المُعاوَضاتِ.
والوجهُ الثَّالثُ: أنَّ الخِيارَ باطِلٌ والصَّداقَ جائزٌ؛ لأنَّ الصَّداقَ تَبَعٌ للنكاحِ، فيَثبتُ ثُبوتَه، ولم يَقدحْ فيهِ بُطلانُ الشَّرطِ (١).
стр. 8613
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنِ اشتُرِطَ خِيارُ الشَّرطِ في عَقدِ النِّكاحِ فإنَّ النكاحَ صَحيحٌ ويَبطلُ الشَّرطُ.
قالَ الحَنفيةُ: إذا تزوَّجَ الرَّجلُ امرأةً واشتَرطَ فيه لأحَدِهما أو لهُمَا خِيارًا فالنكاحُ جائِزٌ والخِيارُ باطِلٌ؛ لقَولِه ﷺ : «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النكاحُ والطَّلاقُ والعِتاقُ»، والهَزلُ واشتِراطِ الخِيارِ سَواءٌ؛ لأنَّ الهازِلَ قاصِدٌ إلى مُباشَرةِ السَّببِ غَيرُ راضٍ بحُكمِه، بل أَولى؛ فإنَّ الهازِلَ غيرُ راضٍ بالحُكمِ أبَدًا، وشارِطُ الخِيارِ غيرُ رَاضٍ بالحُكمِ في وَقتٍ مَخصوصٍ، فإذا لم يَمنعِ الهَزلُ تَمامَه فاشتِراطُ الخِيارِ أَولى، والمَعنى فيهِ أنه قد لا يَحتملُ الفَسخَ بعدَ تَمامِه ولا يَقبلُ خِيارَ الشَّرطِ، فاشتِراطُ الخِيارِ فيه لا يَمنعُ تَمامَه كالطَّلاقِ والعِتاقِ بمَالٍ؛ وهذا لأنَّ اشتِراطَ الخِيارِ لا يَمنعُ انعِقادَ أصلِ السَّببِ مُطلَقًا، وإنَّما يُعدِمُ الرِّضا بلُزومِه كما في البَيعِ، ومِن ضَرورةِ انعِقادِ النكاحِ صَحيحًا اللُّزومُ، فاشتِراطُ الخِيارِ فيه يَكونُ شَرطًا فاسِدًا، والنكاحُ لا يَبطلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ ولا تَتوقَّفُ صحَّتُه ولُزومُه على تَمامِ الرِّضا؛ أَلَا تَرَى أنَّ تَمامَ الرِّضا إنَّما يكونُ بعدَ الرُّؤيةِ كما في البَيعِ، ثمَّ عَدمُ الرُّؤيةِ لا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ ولُزومَه، حتَّى لا يَثبتُ فيه خِيارُ الرُّؤيةِ، بخِلافِ الإضافةِ إلى وَقتٍ، فإنه يَمنعُ انعِقادَ السَّببِ في الحالِ؛ أَلَا تَرَى أنَّ مِثلَه لا يَصحُّ في البَيعِ، بخِلافِ التَّوقيتِ؛ فإنه يَمنعُ انعِقادَ السَّببِ فيما وَراءَ الوَقتِ المَنصوصِ عليهِ،
стр. 8614
والنكاحُ لا يَحتملُ الانعِقادَ في وَقتٍ دُونَ وَقتٍ، فلِهذا بطَلَ بالتَّوقيتِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الثَّالثُ: ما يُبطِلُ النِّكاحَ مِنْ أصلِه، مِثلَ أنْ يَشترطَا تَأقيتَ النكاحِ -وهو نِكاحُ المُتعةِ-، أو أنْ يُطلِّقَها في وَقتٍ بعَينِه، أو يُعلِّقَه على شَرطٍ مِثلَ أنْ يَقولَ: «زوَّجتُكَ إنْ رَضِيَتْ أُمُّها، أو فُلانٌ»، أو يُشتَرطَ الخِيارُ في النكاحِ لهُمَا أو لأحَدِهما، فهذهِ شُروطٌ باطِلةٌ في نَفسِها ويَبطلُ بها النكاحُ، وكذلكَ إنْ جعَلَ صَداقَها تَزويجَ امرأةٍ أُخرَى -وهوَ نِكاحُ الشِّغارِ-، ونَذكرُ ذلكَ في مَواضِعِه إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
وذكَرَ أبو الخَطَّابِ فيما إذا شرَطَ الخِيارَ إنْ رَضِيَتْ أُمُّها وإنْ جاءَها بالمَهرِ في وَقتِ كذا وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهُما رِوايتَينِ:
إحداهُما: النكاحُ صَحيحٌ والشرطُ باطِلٌ، وبه قالَ أبو ثَورٍ فيما إذا شرَطَ الخِيارَ، وحكاهُ عن أبي حَنيفةَ، وزعَمَ أنه لا خِلافَ فيها.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: قالَ أحمدُ وإسحاقُ: إذا تزوَّجَها على أنه إنْ جاءَ بالمَهرِ في وَقتِ كذا وكذا وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهُما الشَّرطُ باطِلٌ والعَقدُ جائزٌ، وهو قولُ عَطاءٍ والثَّوريِّ وأبي حَنيفةَ والأوزاعِيِّ، ورُويَ ذلكَ عن الزُّهريِ.
وروَى ابنُ مَنصورٍ عن أحمدَ في هذا أنَّ العَقدَ والشَّرطَ جائِزانِ؛ لقَولِه ﷺ : «المُسلِمونَ على شُروطِهم».
стр. 8615
والرِّوايةُ الأُخرى: يَبطلُ العَقدُ مِنْ أصلِه في هذا؛ لأنَّ النكاحَ لا يكونُ إلَّا لازمًا، وهذا يُوجِبُ جَوازَه، ولأنه إذا قالَ: «إنْ رَضيَتْ أُمُّها، أو إنْ جِئتَني في وَقتِ كذا» فقدْ وقَفَ النكاحَ على الشَّرطِ، ولا يَجوزُ وَقفُه على شَرطٍ، وهذا قَولُ الشَّافعيِّ، ونَحوُه عن مالِكٍ وأبي عُبيدٍ.
فصلٌ: وإنْ شرَطَ الخِيارَ في الصَّداقِ خاصَّةً لم يَفسُدِ النكاحُ؛ لأنَّ النكاحَ يَنفردُ عن ذِكرِ الصَّداقِ، ولو كانَ الصَّداقُ حَرامًا أو فاسِدًا لم يَفسدُ النكاحُ، فلَأنْ لا يَفسدَ بشَرطِ الخِيارِ فيه أَولى، ويُخالِفُ البيعَ، فإنه إذا فسَدَ أحَدُ العِوضينِ فيه فسَدَ الآخَرُ.
فإذا ثبَتَ هذا ففِي الصَّداقِ ثلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: يَصحُّ الصَّداقُ ويَبطلُ شَرطُ الخِيارِ، كما يَفسدُ الشَّرطُ في النكاحِ ويَصحُّ النكاحُ.
والثَّاني: يَصحُّ ويَثبتُ الخِيارُ فيه؛ لأنَّ عقْدَ الصَّداقِ عَقدٌ مُنفرِدٌ يَجرِي مَجرَى الأثمانِ، فثبَتَ فيه الخِيارُ كالبَياعاتِ.
والثَّالثُ: يَبطلُ الصَّداقُ؛ لأنها لم تَرْضَ به، فلم يَلزمْها كما لو لم تُوافِقْه على شَيءٍ (١).
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولو شرَطَ الخِيارَ في النكاحِ ففيهِ ثَلاثةُ أَقوالٍ، هي ثَلاثُ رِواياتٍ عن أحمَدَ: قِيلَ: يَصحُّ العَقدُ والشَّرطُ، وقيلَ: يَبطُلانِ،
стр. 8616
وقيلَ: يَصحُّ العقدُ دُونَ الشَّرطِ، فالأظهَرُ في هذا الشَّرطِ أنه يَصحُّ، وإذا قيلَ ببُطلانِه لم يَكنِ العَقدُ لازِمًا بدُونِه، فإنَّ الأصلَ في الشَّرطِ الوَفاءُ، وشَرطُ الخِيارِ مَقصودٌ صَحيحٌ، لا سيَّما في النكاحِ، وهذا يُبنَى على أصلٍ وهو أنَّ شرْطَ الخِيارِ في البَيعِ هل الأصلُ صِحَّتُه، أو الأصلُ بُطلانُه لكنْ جُوِّزَ ثَلاثًا على خِلافِ الأصلِ؟ فالأولُ قَولُ أئمَّةِ الفُقهاءِ مالِكٍ وأحمَدَ وابنِ أبي لَيلَى وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ، والثَّاني قَولُ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ، ولهذا أبطَلَا الخِيارَ في أكثرِ العُقودِ النكاحِ وغَيرِه (١).
وقالَ المالِكيةُ: النكاحُ عَقدٌ لازِمٌ، لا يَجوزُ فيه الخِيارُ، وقالَ الصَّاوِي ﵀: يَلزمُ النكاحُ بمُجرَّدِ الإيجابِ والقَبولِ وإنْ لم يَرْضَ الآخَرُ ولو قامَتْ قَرينةٌ على قَصدِ الهَزلِ؛ لأنَّ النكاحَ عَقدٌ لازِمٌ لا يَجوزُ فيه الخِيارُ، إلَّا خيارَ المَجلسِ فهو مَعمولٌ به عندَنا في خُصوصِ النِّكاحِ إذا اشتُرطَ (٢).
إلَّا أنِّي لم أقَفْ على قَولٍ لهُم، هل يَبطلُ النكاحُ بذلكَ؟ أم يَصحُّ مع إبطال الشَّرطِ؟
٨ - اتِّحادُ المَجلسِ:
قالَ الحَنفيةُ: مِنْ شَرائطِ الإيجابِ والقَبولِ اتِّحادُ المَجلسِ إذا كانَ
стр. 8617
الشَّخصانِ حاضِرَينِ، وهو أنْ يكونَ الإيجابُ والقَبولُ في مَجلسٍ واحِدٍ، فلوِ اختَلفَ المَجلسُ لا يَنعقدُ النِّكاحُ، بأنْ كانَا حاضِرَينِ فأَوجَبَ أحَدُهما فَقامَ الآخَرُ عنِ المَجلسِ قبْلَ القَبولِ، أو اشتَغلَ بعَملٍ يُوجِبُ اختِلافَ المَجلسِ لا يَنعقدُ؛ لأنَّ انعِقادَه عِبارةٌ عنِ ارتِباطِ أحَدِ الشَّطرَينِ بالآخَرِ، فكانَ القِياسُ وُجودُهما في مكانٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ اعتِبارَ ذلكَ يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ العُقودِ، فجُعلَ المَجلسُ جامِعًا للشَّطرَينِ حُكمًا مع تَفرُّقِهما حَقيقةً للضَّرورةِ، والضَّرورةُ تَندفعَ عندَ اتِّحادِ المَجلسِ، فإذا اختَلفَ تفرَّقَ الشَّطرانِ حَقيقةً وحُكمًا، فلا يَنتظِمُ الرُّكنُ.
فلو عقَدَا وهُمَا يَمشيانِ ويَسيرانِ على الدَّابةِ لا يَجوزُ، وإنْ كانَا على سَفينةٍ سَائرةٍ جازَ؛ لأنَّ السَّفينةَ في حُكمِ المَكانِ الواحِدِ، هذا إذا كانَ العاقِدانِ حاضِرَينِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: فأمَّا إذا كانَ أحَدُهما غائِبًا لم يَنعقِدْ، حتَّى لو قالَتِ امرأةٌ بحَضرةِ شاهدَينِ: «زوَّجتُ نفْسِي مِنْ فُلانٍ» وهو غائِبٌ فبلَغَه الخبَرُ فقالَ: «قَبلْتُ»، أو قالَ رَجلٌ بحَضرةِ شاهدَينِ: «تزوَّجْتُ فُلانةَ» وهي غائِبةٌ فبلَغَها الخبَرُ فقالَتْ: «زوَّجتُ نفْسِي منهُ» لم يَجُزْ وإنْ كانَ القَبولُ بحَضرةِ ذَينِكِ الشاهدَينِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: يَنعقدُ ويَتوقَّفُ على إجازَةِ الغائِبِ.
وجْهُ قَولِ أبي يُوسفَ: إنَّ كَلامَ الواحِدِ يَصلحُ أنْ يكونَ عَقدًا في بابِ
стр. 8618
النكاحِ؛ لأنَّ الواحِدَ في هذا البابِ يَقومُ بالعَقدِ مِنْ الجانبَينِ، وكما لو كانَ مالِكًا مِنْ الجانبَينِ أو وليًّا أو وَكيلًا، فكانَ كَلامُه عَقدًا لا شَطرًا، فكانَ مُحتمِلًا للتوقُّفِ كما في الخُلعِ والطَّلاقِ والإعتاقِ على مالٍ.
وجْهُ قَولِهما: إنَّ هذا شَطرُ العَقدِ حَقيقةً لا كُلُّه؛ لأنه لا يَملكُ كلَّه؛ لانعِدامِ الوِلايةِ، وشَطرُ العَقدِ لا يَقفُ على غائِبٍ عنِ المَجلسِ كالبَيعِ؛ وهذا لأنَّ الشَّطرَ لا يَحتملُ التوقُّفَ حَقيقةً؛ لأنَّ التوقُّفَ في الأصلِ على خِلافِ الحَقيقةِ؛ لصُدورِه عنِ الوَلاءِ على الجانبَينِ، فيَصيرُ كَلامُه بمَنزلةِ كَلامينِ وشَخصُه كشَخصينِ حُكمًا، فإذا انعَدمَتِ الولايةُ ولا ضَرورةَ إلى تَعيينِ الحَقيقةِ فلا يَقفُ، بخِلافِ الخُلعِ؛ لأنه مِنْ جانِبِ الزَّوجِ يَمينٌ؛ لأنه تَعليقُ الطَّلاقِ بقَبولِ المَرأةِ وأنه يَمينٌ، فكانَ عَقدًا تامًّا، ومِن جانِبِ المَرأةِ مُعاوَضةٌ، فلا يَحتمِلُ التوقُّفَ كالبَيعِ، وكذلكَ الطَّلاقُ والإعتاقُ على مالٍ.
ولو أرسَلَ إليها رَسولًا وكتَبَ إليها بذلكَ كِتابًا فقَبلَتْ بحَضرةِ شاهدَينِ سَمِعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ جازَ ذلكَ؛ لاتِّحادِ المَجلسِ مِنْ حَيثُ المَعنى؛ لأنَّ كَلامَ الرَّسولِ كَلامُ المُرسِل؛ لأنه يَنقلُ عِبارةَ المُرسِلِ، وكذا الكِتابُ بمَنزلةِ الخِطَابِ مِنْ الكاتِبِ، فكانَ سَماعُ قَولِ الرَّسولِ وقِراءةُ الكِتابِ سَماعَ قَولِ المُرسلِ وكَلامَ الكاتبِ مَعنًى، وإنْ لم يَسمَعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ لا يَجوزُ عندَهُما، وعندَ أبي يُوسفَ: إذا قالَتْ: «زوَّجتُ نفْسِي» يَجوزُ وإنْ لم يَسمعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ؛ بِناءً
стр. 8619
على أنَّ قَولَها: «زوَّجتُ نفْسِي» شَطرُ العَقدِ عِندَهما، والشَّهادةُ في شَطرَيِ العَقدِ شَرطٌ؛ لأنه يَصيرُ عَقدًا بالشَّطرينِ، فإذا لم يَسمَعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ فلمْ تُوجَدِ الشَّهادةُ على العَقدِ، وقَولُ الزَّوجِ بانفِرادِه عَقدٌ عِندَه، وقد حضَرَ الشَّاهدانِ.
وعلى هذا الخِلافِ الفُضوليُّ الواحِدُ مِنْ الجانبَينِ، بأنْ قالَ الرَّجلُ: «زوَّجتُ فُلانةَ مِنْ فُلانٍ» وهُمَا غائِبانِ لم يَنعقِدْ عندَهما، حتَّى لو بلَغَهُما الخبَرُ فأجازَا لم يَجُزْ، وعندَه يَنعقدُ ويَجوزُ بالإجازةِ.
ولو قالَ فُضوليٌّ: «زوَّجتُ فُلانةَ مِنْ فُلانٍ» وهُمَا غائِبانِ فقَبِلَ فُضوليٌّ آخَرُ عنِ الزَّوجِ يَنعقدُ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا، حتَّى إذا بلَغَهُما الخبَرُ وأجازَا جازَ، ولو فسَخَ الفُضوليُّ العَقدَ قبْلَ إجازةِ مَنْ وقَفَ العَقدُ على إجازِتِه صَحَّ الفَسخُ في قَولِ أبي يُوسفَ، وعِندَ مُحمَّدٍ لا يَصحُّ (١).
٩ - أنْ يَكونَ الإيجابُ والقَبولُ فَورًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الصِّيغةِ، هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ الإيجابُ والقَبولُ في مَجلسٍ واحِدٍ، وأنْ يكونَ القَبولُ فَورًا؟ أم يَجوزُ أنْ يكونَ مُتَراخِيًا عن الإيجابِ؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنه يُشتَرطُ المُوالاةُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ،
стр. 8620
ويُشتَرطُ القَبولُ على الفَورِ، فلا يَضُرُّ الفَصلُ اليَسيرُ ويَضرُّ الطَّويلُ، وهو ما أشعَرَ بإعراضِه عنِ القَبولِ، فإذا تَخلَّلَ بينَ الإيجابِ والقَبولِ زَمانٌ طَويلٌ لم يَصحَّ، وإنْ تخلَّلَ بينَهُما زَمانٌ يَسيرٌ يَجرِي مَجرَى بَلعِ الرِّيقِ وقَطعِ النَّفَسِ صَحَّ؛ لأنَّ ذلكَ لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه.
وإذا وُجِدَ أحَدُ شِقَّيِ العَقدِ مِنْ أحدِ العاقدَينِ فلا بُدَّ مِنْ إصرارِه عليهِ حتَّى يُوجَدَ الشِّقُّ الآخَرُ، فلو رجَعَ عنه لغَا العَقدُ، وكذا لو أوجَبَ الوليُّ ثمَّ جُنَّ أو أُغمِيَ عليه ثمَّ قَبِلَ الزَّوجُ، أو استِدعَى الزَّوجُ النكاحَ ثمَّ زالَ عَقلُه قبْلَ إيجابِ الوَليِّ ثم أوجَبَ له الوليُّ لم يَصحَّ.
وكذا لو أذنَتِ المرأةُ في تَزويجِها حيثُ يُعتبَرُ إذنُها ثمَّ أُغمِيَ عليها أو جُنَّتْ قبْلَ العَقدِ بطَلَ إذنُها وبطَلَ العَقدُ؛ لأنَّ العَقدَ جائزٌ قبْلَ تَمامِه، وكذلكَ الإذنُ، فانفسَخَ كالوَكالةِ والشَّركةِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يُشترطُ الفَورُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ، فإنْ تأخَّرَ القَبولُ عنِ الإيجابِ صَحَّ ما دامَا في المَجلسِ ولم يَتشاغَلَا بما يَقطعُه عُرفًا ولو طالَ الفَصلُ، قالَ الحَنابلةُ: لأنَّ حُكمَ المَجلسِ حُكمُ حالةِ العَقدِ، وإنْ تفرَّقَا قبلَ القَبولِ أو تَشاغلَا بما يَقطعُه عُرفًا بطَلَ الإيجابُ؛ للإعراضِ عنه، وكذا لو جُنَّ أو أُغمِيَ عليه قبْلَ القَبولِ، ولا يَبطلُ
стр. 8621
إنْ أوجَبَ ثمَّ نامَ وحصَلَ القبولُ في المَجلسِ؛ لأنَّ النومَ لا يُبطِلُ العُقودَ الجائزةَ، فكذلكَ هُنا (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا تَراخَى القَبولُ عن الإيجابِ صَحَّ ما دامَا في المَجلسِ ولم يَتشاغلَا عنهُ بغَيرِه؛ لأنَّ حُكمَ المَجلسِ حُكمُ حالةِ العَقدِ، بدليلِ القَبضِ فيما يُشترطُ القَبضُ فيهِ وثبَوتِ الخِيارِ في عُقودِ المُعاوَضاتِ، فإنْ تفرَّقَا قبْلَ القَبولِ بطَلَ الإيجابُ، فإنه لا يَوجَدُ مَعناهُ، فإنَّ الإعراضَ قد وُجِدَ مِنْ جِهتِه بالتفرُّقِ، فلا يَكونُ قَبولًا، وكذلكَ إنْ تَشاغلَا عنه بما يَقطعُه؛ لأنهُ مُعرِضٌ عن العَقدِ أيضًا بالاشتِغالِ عن قَبولِه.
وقد نقَلَ أبو طالِبٍ عن أحمدَ في رَجلٍ مَشَى إليه قَومٌ فقَالُوا له: «زوِّجْ فُلانًا» قالَ: قد زوَّجتُه على ألفٍ» فرَجعُوا إلى الزوَّجِ فأخبَرُوه فقالَ: «قد قَبلْتُ» هل يُكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نعمْ، قالَ القاضي: هذا مَحمولٌ على أنه وكَّلَ مَنْ قَبِلَ العَقدَ في المَجلسِ.
وقالَ أبو بَكرٍ مَسألةُ أبي طالِبٍ تتوجَّهُ على قَولَينِ، واختارُ أنه لا بُدَّ مِنْ القَبولِ في المَجلسِ، وهو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى (٢).
стр. 8622
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: نَصَّ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ في رَجلٍ مَشَى إليه قَومُه فقالُوا: «زوِّجْ فُلانًا» فقالَ: «زوَّجتُه على ألفٍ» فرَجعُوا إلى الزَّوجِ فأخبَرُوه فقالَ: «قد قَبلْتُ» هل يَكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نعم، قالَ ابنُ عَقيلٍ: هذا يُعطِي أنَّ النِّكاحَ المَوقوفَ صَحيحٌ، وقد أحسَنَ ابنُ عَقيلٍ فيما قالَهُ، وهو طَريقةُ أبي بَكرٍ؛ فإنَّ هذا ليسَ تَراخِيًا للقَبولِ، كما قالَه القاضي، وإنَّما هوَ تَراخٍ للإجازةِ، ومَسألةُ أبي طالِبٍ وكَلامُ أبي بَكرٍ فيما إذا لم يَكنِ الزَّوجُ حاضِرًا في مَجلسِ الإيجابِ، وهذا أحسَنُ، أمَّا إذا تفرَّقَا عن مَجلسِ الإيجابِ فليسَ في كَلامِ أحمَدَ وأبي بَكرٍ ما يَدلُّ على ذلكَ.
ويَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العاقِدَ الآخَرَ إنْ كانَ حاضِرًا اعتُبِرَ قَبولُه، وإنْ كانَ غائِبًا جازَ تَراخِي القَبولِ عن الإيجابِ، كما قُلنَا في وِلايةِ القَضاءِ، مع أنَّ أصحابَنا قَالُوا في الوَكالةِ: إنه يَجوزُ قَبولُها على الفَورِ والتَّراخِي، وإنما الوِلايةُ نَوعٌ مِنْ جِنسِ الوَكالةِ، وذكَرَ القاضي في المُجرَّدِ و ابنُ عَقيلٍ في الفُصولِ في تَتمَّةِ رِوايةِ أبي طالِبٍ: فقالَ الزَّوجُ: «قَبلْتُ» صَحَّ إذا حضَرَ شاهِدانِ.
قالَ أبو العبَّاسِ: وهو يَقضِي بأنَّ إجازَةَ العَقدِ المَوقوفِ إذا قُلنَا بانعِقادِه تَفتقرُ إلى شاهدَينِ، وهو مُستقيمٌ حسَنٌ (١).
وقالَ المِرْداويُّ ﵀: قَولُه: (وإنْ تَراخَى عنه صَحَّ ما دامَا في
стр. 8623
المَجلسِ ولم يَتشاغَلَا بما يَقطعُه) يعنِي في العُرفِ، قَولُه: (فإنْ تفرَّقَا قبْلَه بطَلَ الإيجابُ) وهو المَذهبُ وعليهِ الأصحابُ.
وعَنهُ: لا يَبطلُ، وعَنهُ: لا يَبطلُ مع غَيبةِ الزَّوجِ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀: أخَذْتُ هذهِ الرِّوايةَ مِنْ قَولِه في رِوايةِ أبي طالِبٍ في رَجلٍ مَشَى إليه قَومٌ فقالُوا: «زوِّجْ فُلانًا» فقالَ: «قد زوَّجتُه على ألفٍ» فرَجعُوا إلى الزَّوجِ فأخبَرُوه فقالَ: «قد قَبلْتُ» هل يَكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نعمْ، فأشكَلَ هذا النَّصُّ على الأصحابِ، فقالَ القاضي: هذا حُكمٌ بصحَّتِه بعدَ التفرُّقِ عن مَجلسِ العقدِ، قالَ: وهو مَحمولٌ على أنه قد كانَ وكَّلَ مَنْ قَبِلَ العَقدَ عنه ثمَّ أُخبِرَ بذلكَ فأمضاهُ، ورَدَّه ابنُ عَقيلٍ وقالَ: رِوايةُ أبي طالِبٍ تُعطِي أنَّ النكاحَ المَوقوفَ صَحيحٌ.
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: قد أحسَنَ ابنُ عَقيلٍ، وهو طَريقةُ أبي بَكرٍ؛ فإنَّ هذا ليسَ تَراخيًا للقَبولِ، وإنما هو تَراخٍ للإجازةِ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ جُزَيٍّ الكَلبيُّ الغَرناطيُّ ﵀: والنكاحُ عَقدٌ لازمٌ لا يَجوزُ فيه الخِيارُ، خِلافًا لأبي ثَورٍ، ويَلزمُ فيه الفَورُ مِنْ الطَّرفينِ، فإنْ تَراخَى فيه القَبولُ عن الإيجابِ يَسيرًا جازَ، وقالَ الشَّافعيُّ: لا يَجوزُ مُطلَقًا، وأجازَه أبو حَنيفةَ مُطلَقًا (٢).
стр. 8624
لكنْ قالَ الدُّسوقيُّ بعد أنْ ذكَرَ كَلامَ ابنِ جُزيٍّ هذا: ولكنِ الَّذي في «المِعْيار» عن الباجِي ما يَقتضِي الاتِّفاقَ على صحَّةِ النكاحِ مع تأخُّرِ القَبولِ عنِ الإيجابِ، وبذلكَ أفتَى العَبدُوسيُّ والقُوريُّ (١).
لا يَكونُ النِّكاحُ لازمًا إلا بعدَ إتمامِ رُكنَيهِ:
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا صِفةُ الإيجابِ والقَبولِ فهي أنْ لا يكونَ أحَدُهما لازِمًا قبْلَ وُجودِ الآخَرِ، حتَّى لو وُجِدَ الإيجابُ مِنْ أحَدِ المُتعاقدَينِ كانَ له أنْ يَرجعَ قبْلَ قَبولِ الآخَرِ كما في البَيعِ؛ لأنهُما جَميعًا رُكنٌ واحِدٌ، فكانَ أحَدُهما بعضَ الرُّكنِ، والمُركَّبُ مِنْ شَيئَينِ لا وُجودَ له بأحَدِهما (٢).
تَوقيتُ النِّكاحِ (نِكاحُ المُتعةِ):
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا يَصحُّ تَوقيتُ النكاحِ بمدَّةٍ، وهو نِكاحُ المُتعةِ المَنهيُّ عنه، وسَيأتي مُفصَّلًا في الأنكِحةِ المُحرَّمةِ المَنهيِّ عنها.
إضافَةُ النِّكاحِ إلى وَقتٍ:
النِّكاحُ كالبَيِع يُشترطُ فيهِ التَّنجيزُ، وعليهِ فلا يَصحُّ إضافةُ النكاحِ إلى المُستقبَلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فلا يَجوزُ أنْ يقولَ الوَليُّ للزَّوجِ أو المرأةُ
стр. 8625
للزَّوجِ: «أزوِّجُكَ ابنَتِي غدًا، أو زوَّجتُكَ ابنَتِي إذا جاءَ رأسُ شَهرٍ»، أو تَقولَ المَرأةُ: «تزوَّجتُكَ غدًا»، ومِثلَ أنْ يَقولَ في المُحرِمُ مَثلًا: «زوَّجتُها فُلانًا في صَفَرٍ» وقالَ فُلانٌ: «قَبلْتُها» لا يَصحُّ النكاحُ (١).
تَعليقُ النِّكاحِ على أمرٍ:
تَعليقُ النكاحِ إمَّا أنْ يكونَ على أمرٍ مُستقبَلٍ، وإمَّا أنْ يكونَ على أمرٍ حاضِرٍ، أو ماضٍ.
فإنْ كانَ على أمرٍ مُستقبَلٍ فهو لا يَخلُو: إمَّا أنْ يكونَ على مَشيئةِ اللهِ تعالَى، أو على مَشيئةِ غيرِه.
الأوَّلُ: أنْ يكونَ على مَشيئةِ اللهِ تعالَى: فإنه يَجوزُ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ إذا كانَ للتبَرُّكِ، كأنْ يقولَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي إنْ شاءَ اللهُ» ويَقولَ الزوجُ: «قَبلْتُ زواجَها إنْ شاءَ اللهُ»، قالَ المِرداويُّ ﵀: قالَ ابنُ شَاقلا: لا نَعلمُ فيهِ خَلافًا؛ لأنه شَرطٌ مَوجودٌ إذا اللهُ شاءَهُ حيثُ استجمعَتْ أركانهُ وشُروطهُ (٢).
стр. 8626
وأمَّا إنْ قصَدَ التَّعليقَ أو أطلَقَ فنَصَّ الشَّافعيةُ على أنه لا يَصحُّ.
قالَ الشَّافعيةُ: لو قالَ: «زوَّجتُكَ إنْ شاءَ اللهُ» وقصَدَ التَّعليقَ أو أطلَقَ لم يَصحَّ، ولو قصَدَ التبَرُّكَ أو أنَّ كلَّ شَيءٍ بمَشيئةِ اللهِ تعالى صَحَّ (١).
والثَّاني: أنْ يكونَ التَّعليقُ على مَشيئةِ غيرِ اللهِ تعالَى: فإنْ كانَ على مَشيئةِ غيرِ اللهِ تعالَى مثلَ أنْ يَقولَ الوليُّ: «إذا جاءَ فُلانٌ فقدْ زوَّجتُكَ ابنَتِي فُلانةَ» فقَبِلَ فجاءَ فُلانٌ فإنه لا يَنعقدُ النكاحُ عندَ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ، ومِثلُه «إنْ وضَعَتْ زَوجَتي بِنتًا فقدْ زوَّجتُكَها» فإنه لا يَصحُّ.
وهذا فيما إذا علَّقَ على أمرٍ مُستقبَلٍ، أمَّا إذا علَّقَ على أمرٍ ماضٍ أو حاضِرٍ حالٍّ مَعلومٍ فإنه يَجوزُ عندَ الحَنابلةِ، وكذا الحَنفيةِ في الأمرِ الحاضرِ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ تَعليقُ النكاحِ بالخطَرِ، فلو قالَ: «إذا جاءَ فُلانٌ فقدْ زوَّجتُكَ بنتِي فُلانةَ» فقَبِلَ فجاءَ فُلانٌ لا يَنعقدُ؛ لأنه إِلزامٌ، إلَّا التَّعليقَ بالمَشيئةِ إذا أبطَلَ مَنْ له المَشيئةُ في المَجلسِ إذا قالَ: «تزوَّجتُكِ إنْ شِئْت، أو إنْ شاءَ زيدٌ» فأبطَلَ صاحِبُ المَشيئةِ مَشيئتَه في المَجلسِ فالنكاحِ جائزٌ؛
стр. 8627
لأنَّ المَشيئةَ إذا بَطلَتْ في المَجلسِ صارَ نكاحًا بغيرِ مَشيئةٍ، ولعَدمِ جَوازِ تَعليقِه بالخَطرِ امتَنعَ خِيارُ الشَّرطِ فيهِ، فيَبطلُ، كما لو قالَ: «تزوَّجتُكِ على أنِّي بالخِيارِ» فقَبلَتْ صَحَّ ولا خِيارَ له، بخِلافِ ما لو قالَ: «إنْ رَضِيَ أبِي» لا يَجوزُ، بخِلافِ تَعليقِ النكاحِ على أمرٍ مَعلومٍ للحالِ فإنه يَجوزُ ويكونُ تَحقيقًا، بأنْ قالَ لآخَرَ: «زوِّجنِي ابنتَكَ» فقالَ: «إني زوَّجتُها قبْلَ هذا مِنْ فُلانٍ» فلمْ يُصدِّقْه الخاطِبُ فقالَ أبو البِنتِ: «إنْ لم أكُنْ زوَّجتُها قبْلَ هذا مِنْ فُلانٍ فقدْ زوَّجتُها مِنْكَ» وقَبِلَ الآخَرُ فظهَرَ أنه لم يكُنْ زوَّجَها يَنعقدُ هذا النكاحُ؛ لأنَّ التَّعليقَ بشَرطٍ كائنٍ تَحقيقٌ، فيَكونُ تَنجيزًا (١).
وقالَ أبو الحَسنِ الطَّرابلسِيُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ تَعليقَ النكاحِ بشَرطِ عِلمٍ للحالِ يَجوزُ ويَكونُ تَحقيقًا، كقَولِه لآخَرَ: «زوِّجنِي بنتَكَ» فقالَ: «قد زوَّجتُها مِنْ فُلانٍ قبْلَ هذا» فكذَّبَه الخاطِبُ فقالَ: «إنْ لم أكُنْ زوَّجتُها مِنْ فُلانٍ فقدْ زوَّجتُها منكَ» وقَبِلَ الآخَرُ وظهَرَ كذبُه يَنعقدُ هذَا؛ إذِ التَّعليقُ بشَرطٍ كائنٍ تَحقَّقَ، أَلَا يُرَى أنه لو قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ كانَتِ السَّماءُ فوقَنا والأرضُ تحتَنا» تَطلُقُ للحالِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ تَعليقُ النكاحِ على شَرطٍ مُستقبَلٍ، كقَولِه: «إنْ
стр. 8628
وضَعَتْ زَوجَتِي جاريةً فقدْ زوَّجتُكَها، أو زوَّجتُكَ ما في بَطنِ هذهِ المَرأةِ، أو زوَّجتُكَ مَنْ في هذهِ الدَّارِ» وهُمَا -أي الوليُّ والزوجُ- لا يَعلَمانِ مَنْ في الدَّارِ فلا يَصحُّ النكاحُ.
وأمَّا إذا علَّقَ النكاحَ على الشُّروطِ الحاضِرةِ أو الماضِيةِ فإنه يَصحُّ، مِثلَ قولِه: «زوَّجتُكَ هذا المَولودَ إنْ كانَ أنثى، أو زوَّجتُكَ ابنَتِي إنْ كانَتْ عدَّتُها قد انقَضَتْ، أو زوَّجتُكَ بنتِي إنْ كنتُ وليَّها» وهُمَا يَعلَمانِ ذلك -أي كونَها أُنثى في المِثالِ الأوَّلِ، وانقِضاءَ العدَّةِ في المثالِ الثَّاني، أو أنه وليُّها في الثالثِ- فإنه يَصحُّ النكاحُ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بتَعليقٍ حَقيقةً؛ إذِ الماضي والحاضِرُ لا يَقبلُه.
وكذا يَصحُّ تَعليقُ النكاحِ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى، كقولِه: «زوَّجتُكَها إنْ شاءَ اللهُ، أو قَبلْتُ إنْ شاءَ اللهُ».
أو قالَ الوليُّ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي إنْ شِئتَ» فقالَ: «قد شِئتُ وقَبلْتُ» فيَصحُّ النكاحُ؛ لأنه ليسَ بشَرطٍ حَقيقةً، بل هو تَوكيدٌ وتَقويةٌ، قاله ابنُ رَجبٍ ﵀ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يُشتَرطُ كونُ النكاحِ مُنجَّزًا، وحِينئذٍ لا يَصحُّ تَعليقُه ك: «إذا طلَعَتِ الشَّمسُ فقدْ زوَّجتُكَ بنتِي، أو إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقدْ زوَّجتُكَ
стр. 8629
بنتِي» كما في البيعِ ونحوِه مِنْ باقي المُعاوَضاتِ؛ لأنَّ البَيعَ والمُعاوَضاتِ لا تَقبلُ التَّعليقاتِ، فالنكاحُ معَ اختصاصِه بوَجهِ الاحتياطِ أَولى.
ولو بُشِّرَ شَخصٌ بوَلدٍ فقالَ لآخَرَ عندَه: «إنْ كانَتْ أُنثى فقدْ زوَّجتُكَها» فقَبِلَ ثمَّ بانَ أُنثى، أو قالَ له: «إنْ كانَتْ بنتِي طَلُقَتْ، أو ماتَ زَوجُها واعتَدَّتْ فقدْ زوَّجتُكَها» وكانَتْ أَذِنَتْ لأبيها في تزويجِها، أو قالَ: «إنْ وَرثْتُ هذه الجاريةَ فقدْ زوَّجتُكَها»، أو قالَ لمَن تَحتَه أربَعٌ: «إنْ كانَتْ إحداهُنَّ ماتَتْ فقدْ زوَّجتُكَ بنتِي» فقَبِلَ، فالمَذهبُ بُطلانُ النكاحِ في الصُّورِ المَذكورةِ ولو كانَ الواقِعُ في نَفسِ الأمرِ كذلكَ؛ لوُجودِ صُورةِ التَّعليقِ وفَسادِ الصِّيغةِ.
وخرَجَ بوَلدٍ ما لو بُشِّرَ بأُنثى فقالَ بعدَ تيقُّنِه أو ظَنِّه صِدقَ المُخبِرِ: «إنْ صدَقَ المُخبِرُ فقدْ زوَّجتُكَها» فإنه يَصحُّ؛ لأنه غيرُ تَعليقٍ، بل تَحقيقٌ، كقولِه: «إنْ كُنْتِ زَوجتِي فأنتِ طالقٌ»، وتكونُ «إنْ» حِينئذٍ بمَعنى «إذا»، وكذا لو أُخبِرَ مَنْ له أربَعُ نِسوةٍ بموتِ إحداهُنَّ فقالَ لرَجلٍ: «إنْ صدَقَ المُخبِرُ فقدْ تزوَّجْتُ بنتَكَ» فقالَ الرَّجلُ: «زوَّجتُكَها» صَحَّ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَصحُّ تَعليقُ النكاحِ، فلو قالَ: إنْ مَضَى شهرٌ فأنا أتزوَّجُكِ» فهو مِنْ تَعليقِ النكاحِ، والتَّعليقُ فيه لا يَصحُّ.
стр. 8630
قالَ التُّسُوليُّ ﵀: وفي «الشَّامِل» ما نَصَّه مالِكٌ: وإنْ قالَ: «إنْ جِئتَنِي بخَمسينَ فقدْ زوَّجتُكَ ابنَتِي» لا يُعجبُنِي» ولا تُزوَّجُ له. اه. وكذا إنْ قالَ: «إنْ عبَرْتُ الواديَ أو صَعدْتُ على قنةِ الجَبلِ فقدْ أعطَيتُكَ ابنَتِي» فإنه لا يَصحُّ أيضًا، بالأَحرى ممَّا قبْلَه؛ إذْ لا مَنفعةَ للقائِلِ في عَبْرِ الوادِي ولا في صُعودِ الجَبلِ، فإنْ قالَ له: «إنْ فارَقْتَ امرأتَكَ فقدْ زوَّجتُكَ ابنَتِي» فإنه يَجوزُ ويَنعقدُ بنَفسِ الفِراقِ، فإنْ قالَ: «فأنا أزوِّجُكَ» بالمُضارعِ فلا يُجبَرُ على تَزويجِها منه، قالَ في «الشَّامِل»: والقِياسُ جَبْرُه؛ لأنه وَعدٌ أدخَلَه بسَببِه في فِراقِ زَوجتِه، كما لو قالَ: «بِعْ فرَسَكَ منه والثَّمنُ عليَّ». اه.
ولمَّا نقَلَ في «الالتِزامَات» قولَ أشهَبَ بعَدمِ الجبْرِ قالَ: وهو مَبنيٌّ على أنَّ العِدةَ لا يَقضِي بها ولو كانَتْ على سَببٍ ودخَلَ في السَّببِ، والثَّاني مَبنيٌّ على أنه يَقضِي بها إنْ كانَتْ على سَببٍ ودخَلَ فيهِ، أي: وهو المَشهورُ، وفي أَنكِحةِ «المِعيَار»: مَنْ قالَ لغيرِه: «طلَّقِ امرأتَكَ وأزوِّجُكَ ابنَتِي» فطلَّقَها فأبى مِنْ تَزويجِها إياه أنْ يَلزمُه أحَدُ أمرَينِ: إمَّا التَّزويجُ، أو إعطاءُ الصَّداقِ، وأعادَها أيضًا في نَوازلِ الطَّلاقِ، وانظُرِ الأنكِحةَ مِنْ القلشانِيِّ، وفي «الالتِزاماتِ» بعدَ ما مَرَّ بأوْراقٍ: في رَجلٍ أرادَ السَّفرَ إلى الحجِّ مع أمِّه فقالَ له عَمُّه: «اترُكِ السَّفرَ مع أمِّكَ وأزوِّجُكَ ابنَتِي وأعطِيكَ عَشرةَ مَثاقيلَ» فتَركَ السَّفرَ مع أمِّه ثمَّ قامَ بعدَ أشهُرٍ يَطلبُ العِدَةَ فقالَ ابنُ الحاجِّ: إنه يُحكَمُ على عَمِّه بدَفعِ العَشرةِ مِثاقيلَ ويُنكِحُه ابنَتَه، إلَّا أنْ يكونَ قد عقَدَ نكاحَها مع أحَدٍ
стр. 8631
فلا يَحلُّ النِّكاحُ؛ وذلكَ لأنها عِدَةٌ قارَنَها سَببٌ، وبذلكَ أفتى ابنُ رُشدٍ أيضًا. اه فقالَ ح عَقِبَه: ففُهِمَ منه أنَّ منِ التزَمَ لشَخصٍ أنْ يُزوِّجَه مَجبورتَه فإنه يُقضَى عليه به، إلا أنْ يَعقدَ نكاحَها لغيرِه، فإنه لا يُفسَخُ. اه.
قلتُ: وتأمَّل هذا مع ما في أجوِبتِه للقورِيِّ نحو الكُرَّاسينِ، في رجلٍ قال لآخَرَ: «إنْ أتيتَنِي بكذا مِنْ مَوضِع كَذا -والمَوضعُ مَخُوفٌ- أعطَيتُكَ ابنَتِي» أنَّ النكاحَ غيرُ لازمٍ، واستدلَّ له بما في «العُتبيَّة» فيمَن وقَعَ له صَبيٌّ في جُبٍّ فقالَ لرَجلٍ: «إنْ أخرَجْتَه فقدْ زوَّجتُكَ ابنَتِي» فأخرَجَه فقالَ ابنُ القاسِمِ: إنَّ ذلكَ لا يَجوزُ ولا يكونُ فيه النكاحِ، وأرَى له أُجرةَ مثلِه في إخراجِه إياه حيًّا أو مَيتًا. اه.
فهذا قد عبَّرَ بالماضي وأدخَلَه في السَّببِ، ومع ذلكَ لم يلزمْهُ إياهُ، فهو مُعارضٌ بحسَبِ الظَّاهرِ لمسألةِ: «إنْ فارَقْتَ امرأتَكَ فقدْ زوَّجتُكَ ابنتِي»، وقد تقدَّمَ الجَزمُ فيها باللُّزومِ بنَفسِ الفِراقِ، وقد عَلِمت أنه لا عِدَةَ فيهِما؛ لتَعبيرِه بالماضي فيهما، وفي أنكحةِ «المِعيارِ» أنَّ مَنْ قالَ: «مَنْ رَكبَ فرَسِي فهي بابنَتِه» لا يلزمُهُ نِكاحٌ، وأخَذْت مِنْ قَولِه: «إنْ جاءَ غدًا فقدْ راجَعْتُكِ» فلا تكونُ رَجعةً، وانظُرْ أنكِحةَ العلميِّ فيمَن قالَ: «إنْ وُلِدَ لكَ وَلدٌ فله ابنَتِي»، وانظُرْ إذا قُلنَا بلُزومِ النكاحِ في ذلكَ ما قَدرُ الصَّداقِ؟ والظَّاهرُ أنه كنكاحِ التَّفويضِ، إنْ فرَضَ المِثلَ لَزمَه، وإلَّا فَلا (١).
стр. 8632
انعِقادُ الزَّواجِ بعاقِدٍ واحدٍ:
إذا تَولَّى واحدٌ صِيغةَ العقدِ عن الطَّرفينِ -الزَّوجِ والزَّوجةِ- فهذا لا يَخلو مِنْ عدَّةِ صوَرٍ:
الصُّورة الأُولى: أنْ يكونَ الزَّوجُ أصيلاً مِنْ جانِبِ نَفسِه في العقدِ ووليًّا مِنْ جانِبِ الزَّوجةِ:
كابنِ العَمِّ إذا كانَ وَليًّا على بنتِ عمِّه الصَّغيرةِ وأرادَ تَزويجَها مِنْ نَفسِه.
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ وليًّا مِنْ طَرفٍ ووَكيلاً مِنْ طَرفٍ:
مِثلَ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجُ وَليَّ الزَّوجةِ في قَبولِ النكاحِ له، فيَتولَّى الوليُّ طَرفيِ العَقدِ، أو يُوكِّلَ الوليُّ الزَّوجَ في النكاحِ.
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يَكونَ وَكيلاً عن العاقدَينِ:
مثلَ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجُ وَكيلًا في تَزويجِه، وتُوكِّلَ المرأةُ أو وليُّها نفْسَ هذا الوكيلِ في الزَّواجِ، فيَتولَّى هو طَرفيِ العَقدِ.
الصُّورةُ الرَّابعةُ: أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ وليُّ الطَّرفينِ -الزَّوجِ والزَّوجةِ-:
كأنْ يتولَّى جَدُّ طَرفيِ عَقدٍ في تَزويجِ بنتِ ابنِه بابنِ ابنِه الآخَرِ، أو يَتولَّى الأبُ بأن يُزوِّجَ ابنَه الصَّغيرَ ببِنتِ أخيه الصَّغيرةِ الَّتي هي مُولِّيتُه.
وإليكَ بيانَ هذه الصوَرِ مُفصَّلةً.
стр. 8633
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يكونَ الزَّوجُ أصيلاً مِنْ جانِبِ نَفسِه في العقدِ ووليًّا مِنْ جانِبِ الزَّوجةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ هل يُمكِنُ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العقدِ، بأنْ يَكونَ أصيلًا عن نَفسِه في العقدِ ووَليًّا مِنْ جانبِ الزَّوجةِ، كابنِ العَمِّ إذا كانَ وَليًّا على بنتِ عمِّه الصَّغيرةِ وأرادَ تَزويجَها مِنْ نَفسِه، فهلْ يجوزُ له أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ -ما عَدَا زُفرَ- والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ واحدٌ، مثلَ أنْ يكونَ الزَّوجُ أصيلًا عن نَفسِه ووليًّا، كابنِ العَمِّ إذا زوَّجَ بِنتَ عمِّه -أي بنتَ عمِّه الصغيرةَ بغيرِ إذنِها، والبالِغةَ بإذنِها- مِنْ نَفسِه، صُورتُه أنْ يقولَ: «اشهَدُوا أني زوَّجتُ بنتَ عمِّي فُلانةَ بنتَ فُلانٍ بنِ فُلانٍ مِنْ نَفسِي».
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رواه البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابٌ: إذا كانَ الوليُّ هو الخاطِبَ: وخطَبَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ امرأةً هو أولَى الناسِ بها، فأمَرَ رجُلًا فزوَّجَهُ، وقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ لأمِّ حَكيمٍ بنتِ قارِظٍ: أتَجعَلينَ أمرَكِ إليَّ؟ قالَتْ: نعمْ، فقالَ: قد تزوَّجتُكِ، وقالَ عَطاءٌ: ليَشهِدْ أنِّي قد نَكحتُكِ أو لِيأمُرْ رَجلًا مِنْ عَشيرتِها (١)، وقالَ سَهلٌ: قالَتِ
стр. 8634
امرأةٌ للنبيِّ ﷺ : أهَبُ لكَ نَفسِي، فقالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ إنْ لم تَكنْ لكَ بها حاجَةٌ فزَوِّجنِيها.
٤٨٣٨ - حدَّثَنا ابنُ سلامٍ أخبَرَنا أبو مُعاويةَ حدَّثَنا هِشامٌ عن أبيه عن عائِشةَ ﵂ في قَولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾
стр. 8635
[النساء: ١٢٧] إلى آخرِ الآيةِ قالَتْ: «هي اليَتيمةُ تكونُ في حَجرِ الرَّجلِ قد شَركَتْه في مالِه فيَرغَبُ عنها أنْ يَتزوَّجَها ويَكرهُ أنْ يُزوِّجَها غيْرَه فيَدخلَ عليه في مالهِ فيَحبِسُها، فنَهاهُم اللهُ عن ذلكَ».
أي مَنعهنَّ مِنْ التَّزويجِ مِنْ أجلِ أنهم لا يُقسِطونَ في صَدُقاتِهنَّ، وجعَلَ لهم أنْ ينكحُوهنَّ مِنْ أنفسِهنَّ إذا عَدَلوا في صَدُقاتِهنَّ.
ووَجهُ الاستِدلالِ بالآيةِ الكَريمةِ أنَّ قولَه تَعالى: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] خرَجَ مَخرجَ العِتابِ، فيَدلُّ على أنَّ الوليَّ يَقومُ بنِكاحِ وَليَّته وحْدَه، إذْ لو لم يَقُمْ وحْدَه به لم يكُنْ للعِتابِ معنًى؛ لِمَا فيه مِنْ إلحاقِ العِتابِ بأمرٍ لا يتحقَّقُ.
فاللهُ لمَّا عاتَبَ الأولياءَ في تَزويجِ مَنْ كانَتْ مِنْ أهلِ المالِ والجَمالِ بدُونِ سُنَّتِها مِنْ الصَّداقِ، وعاتَبَهم على تَركِ تَزويجِ مَنْ كانَتْ قَليلةَ المالِ والجَمالِ دَلَّ على أنَّ الوليَّ يَصحُّ منه تَزويجُها مِنْ نَفسِه؛ إذ لا يُعاتَبُ أحَدٌ على تَركِ ما هو حَرامٌ عليهِ، ودَلَّ ذلكَ أيضًا على أنه يَتزوَّجُها ولو كانَتْ صَغيرةً؛ لأنه أمَرَ أنْ يُقسِطَ لها في الصَّداقِ، ولو كانَتْ بالغًا لَمَا مُنِعَ أنْ يَتزوَّجَها بما تَراضَيَا عليهِ، فعُلِمَ أنَّ المُرادَ مَنْ لا أمْرَ لها في نَفسِها.
وقولُه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ أمَرَ بالإنكاحِ مُطلقًا مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ الإنكاحِ مِنْ غيرِه أو مِنْ نَفسِه.
ولأنَّ الوكيلَ في بابِ النكاحِ ليسَ بعاقِدٍ، بل هو سَفيرٌ عن العاقِدِ ومُعبِّرٌ
стр. 8636
عنه؛ بدَليلِ أنَّ حُقوقَ النكاحِ والعَقدِ لا تَرجعُ إلى الوَكيلِ، وإذا كانَ مُعبِّرًا عنه وله وِلايةٌ على الزَّوجينِ فكانَتْ عِبارتُه كعِبارةِ المُوكِّلِ، فصارَ كَلامُه ككَلامِ شَخصينِ، فيُعتبَرُ إيجابُه كَلامًا للمَرأةِ كأنها قالَتْ: «زوَّجتُ نفْسِي مِنْ فُلانٍ»، وقَبولُه كَلامًا للزَّوجِ كأنه قالَ: «قَبلْتُ»، فيَقومُ العَقدُ باثنَينِ حُكمًا، والثابِتُ بالحُكمِ مُلحَقٌ بالثابتِ حَقيقةً.
ولأنَّ الفُقهاءَ لا يَختلِفونَ أنه يَجوزُ أنْ يهَبَ لمَن له وِلايةٌ عليها ويكونُ هو العاقِدَ والقابِضَ، وكذلكَ النكاحُ، أَلَا تَرَى أنَّ النبيَّ ﷺ زوَّجَ المرأةَ مِنْ الرَّجلِ بما مَعهُ مِنْ القُرآنِ، فكذلكَ كانَ له أنْ يُزوِّجَها مِنْ نفْسِه لو قَبِلَها كما فعَلَ في خبَرِ صَفيةَ حينَ جعَلَ عِتقَها صَداقَها، وكذلكَ فعَلَ في أمرِ جُوَيريةَ قضَى كِتابتَها وتزوَّجَها كما فعَلَ في حَديثِ صَفيةَ سَواءً، فهذا رسولُ اللهِ ﷺ زوَّجَ مَولاتَه مِنْ نَفسِه، وهو الحجَّةُ على مَنْ سِواهُ.
ولأنه يَملكُ الإيجابَ والقَبولَ، فجازَ أنْ يَتولَّاهُما، كما لو زوَّجَ أمَتَه عبْدَه الصَّغيرَ، ولأنه عَقدٌ وُجدَ فيه الإيجابُ مِنْ وليٍّ ثابتِ الوِلايةِ والقَبولُ مِنْ زَوجٍ هو أهلٌ للقَبولِ، فصَحَّ كما لو وُجِدَا مِنْ رَجلينِ.
إلَّا أنَّ هَؤلاءِ اختَلفُوا أيضًا في هل يَفتقِرُ إلى ذِكرِ الإيجابِ والقَبولِ؟ أم يَكتفِي بمُجرَّدِ الإيجابِ؟ فيه قَولانِ:
أحَدُهما -وهو وَجهٌ للحَنابلةِ-: يَحتاجُ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ نفسِي
стр. 8637
فُلانةَ، وقَبلْتُ هذا النكاحَ»؛ لأنَّ ما يَفتقرُ إلى الإيجابِ يَفتقرُ إلى القَبولِ كسائرِ العُقودِ.
والثَّاني: يَكفيهِ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ نفسِي فُلانةَ، أو تزوَّجْتُ فلانةَ»، ولا يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبلْتُ نِكاحَها لنَفسِي»، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ والحَنابلةِ في أصَحِّ الوَجهينِ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ولأنَّ إيجابَه يَتضمَّنُ القَبولَ، فأشبَهَ إذا تقدَّمَ الاستِدعاءُ، ولهذا قُلنَا: إذا قالَ لأمَتِه: «قد أَعتقْتُكِ وجَعلْتُ عِتقَكِ صَداقكِ» يَنعقدُ النكاحُ بمُجرَّدِ هذا القَولِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ اختارَها الخِرقيُّ وابنُ أبي مُوسَى وأبو حَفصٍ البَرمكيُّ والقاضي والشَّريفُ وأبو الخطَّابِ ونَصَّ عليها أحمَدُ في
стр. 8638
رِواية ثَمانيةٍ مِنْ أصحابِه إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ، ولكنْ يُوكِّلُ رَجلًا يزوِّجُه إياها بإذنِها.
قالَ أحمَدُ ﵀ في رِوايةِ ابن مَنصورٍ: لا يزوِّجُ نفْسَه حتى يُولِّيَ رَجلًا، على حَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنه أرادَ أنْ يَتزوَّجَ امرأةً هو أقرَبُ إليها مِنْ الَّذي أرادَ أنْ يزوِّجَها إيَّاه، فأمَرَ غيرَه أبعَدَ منه فزوَّجَها إياهُ» (١). ولأنَّه عقدٌ ملَكَه بالإذنِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يَتولَّى طَرفَيه كالبيعِ، وبهذا فارَقَ ما إذا زوَّجَ أمَتَه عبْدَه الصَّغيرَ، وعلى هذهِ الرِّوايةِ: إنْ وكَّلَ مَنْ يَقبلُ له العَقدُ وتولَّى هو الإيجابَ جازَ (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَتولَّى ابنُ العَمِّ ولا غيرُه طَرفيِ عقدِ النكاحِ، ولا يَجوزُ ذلكَ إلَّا للجَدِّ، فلا يُزوِّجُ ابنُ العَمِّ نفْسَه، بل يزوِّجُه ابنُ عَمٍّ له شَقيقٌ أو لأبٍ في دَرجتِه بأنْ كانَ مُساوِيًا له فيها، فإذا كانَ ابنُ العَمِّ شَقيقًا وله ابنَا عَمٍّ أحَدُهما شَقيقٌ والآخَرُ لأبٍ زوَّجَها منه الأولُ، هذا إنْ وُجِدَ.
فإنْ فُقِدَ مَنْ في دَرجتِه حِسًّا أو حُكمًا كأنْ كانَ ابنَ عَمٍّ شَقيقًا ومعهُ آخَرُ لأبٍ فقاضِي بَلدِها لا قاضِي بَلدِه يُزوِّجُه في الأصَحِّ بالوِلايةِ العامَّةِ، ولا
стр. 8639
تَنتقلُ الوِلايةُ للأبعَدِ، ولو قالَتْ لابنِ عَمِّها أو لمُعتِقِها: «زوِّجنِي مِنْ نَفسِكَ» زوَّجَه القاضي بهذا الإذنِ، لا إنْ قالَتْ: «زوِّجني مَنْ شِئتَ، أو زوِّجنِي».
وقيلَ: تَنتقلُ الوِلايةُ للأبعَدِ، فلا يُزوِّجُه القاضي.
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رُويَ مَوقوفًا ومَرفوعًا: «لا نِكاحَ إلَّا بأربَعةٍ: بخاطِبٍ ووَليٍّ وشاهدَينِ»، وعن عائِشةَ بلَفظِ: «لا بُدَّ في النّكاحِ مِنْ أربَعةٍ: الوليِّ والزَّوجِ والشاهدَينِ» (١)(٢).
وقالَ زُفَرُ ﵀: لا يَنعقدُ النكاحُ بعاقِدٍ واحدٍ أصلًا؛ لأنَّ رُكنَ النكاحِ اسمٌ لشَطرَينِ مُختلِفينِ، وهوَ الإيجابُ والقَبولُ، فلا يَقومانِ إلَّا بعاقدَينِ كشطَريِ البيعِ (٣).
стр. 8640
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ وليًّا مِنْ طَرفٍ ووَكيلاً مِنْ طَرفٍ:
مِثلَ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجُ وَليَّ الزَّوجةِ في قَبولِ النكاحِ له، فيَتولَّى الوليُّ طَرفيِ العَقدِ، أو يُوكِّلَ الوليُّ الزَّوجَ في النكاحِ.
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَولِّي الزَّوجِ أو الوَليِّ طَرفيِ عَقدِ النكاحِ، بأنْ يُوكِّلَ الوَليُّ الزَّوجَ في النكاحِ، أو أنْ يُوكِّلَ الزوجُ الوليَّ في النكاحِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ لكُلِّ واحدٍ منهُما أنْ يَتولَّى طَرفي عَقدِ النكاحِ، بأنْ يكونَ وَليًّا مِنْ جانِبٍ ووَكيلًا مِنْ جانِبٍ آخَرَ؛ لأنه يَملكُ الإيجابَ والقَبولَ، فجازَ أنْ يَتولَّاهُما كما لو زوَّجَ أمَتَه عبْدَه الصَّغيرَ، ولأنه عَقدٌ وُجدَ فيه الإيجابُ مِنْ وليٍّ ثابتِ الوِلايةِ والقَبولُ مِنْ زَوجٍ هو أهلٌ للقَبولِ، فصَحَّ كما لو وُجِدَا مِنْ رَجلينِ.
ويَكفيهِ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ نفسِي فُلانةَ، أو تزوَّجْتُ فلانةَ»، ولا يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبلْتُ نِكاحَها لنَفسِي»، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ والحَنابلةِ في أصَحِّ الوَجهينِ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ولأنَّ إيجابَه يَتضمَّنُ القَبولَ، فأشبَهَ إذا تقدَّمَ الاستِدعاءُ، ولهذا قُلنَا: إذا قالَ لأمَتِه: «قد أَعتقْتُكِ وجَعلْتُ عِتقَكِ صَداقكِ» يَنعقدُ النكاحُ بمُجرَّدِ هذا القَولِ
وفي وَجهٍ للحَنابلةِ يَحتاجُ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ نفسِي فُلانةَ، وقَبلْتُ هذا
стр. 8641
النكاحَ»؛ لأنَّ ما يَفتقرُ إلى الإيجابِ يَفتقرُ إلى القَبولِ كسائرِ العُقودِ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الأصَحِّ إلى أنه لا يَجوزُ لواحِدٍ غيرِ الجَدِّ أن يَتولَّى الطَّرفينِ، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ وَكيلًا في أحَدِهما ويَتولَّى الطَّرفَ الآخَرَ (٢).
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يَكونَ وَكيلاً عن العاقدَينِ:
مثلَ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجُ وَكيلًا في تَزويجِه، وتُوكِّلَ المرأةُ أو وليُّها نفْسَ هذا الوكيلِ في الزَّواجِ، فيَتولَّى هو طَرفيِ العَقدِ.
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أنْ يكونَ الوَكيلُ مُتولِّيًا طَرفيِ عَقدِ النكاحِ،
стр. 8642
مثلَ أنْ يُوكِّلَه الزَّوجُ في تَزويجِه ويُوكِّلَه وَليُّ المَرأةِ أو المَرأةُ في أنْ يزوِّجَها -عندَ الحَنفيةِ-، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ أنْ يَتولَّى الوَكيلُ مِنْ الطَّرفينِ، فيَكونُ وَكيلًا عن الزَّوجِ ووَكيلًا عن وَليِّ الزَّوجةِ أو الزَّوجةِ؛ لأنه يَملكُ الإيجابَ والقَبولَ، فجازَ أنْ يَتولَّاهُما، فصَحَّ كما لو وُجِدَا مِنْ رَجلينِ، ويَكفِي أنْ يَقولَ: «زوَّجتُ فُلانةَ فُلانًا»؛ لأنَّ ذلكَ قائمٌ مَقامَ إيجابٍ وقَبولٍ، وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَشهورِ.
وفي وَجهٍ للحَنابلةِ: يَحتاجُ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ فُلانةَ لوَكيلِي فُلانٍ، وقَبلْتُ نِكاحَها لوَكيلِي»؛ لأنَّ ما يَفتقرُ إلى الإيجابِ يَفتقرُ إلى القَبولِ كسَائرِ العُقودِ (١).
стр. 8643
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يكونَ وَكيلًا عن العاقدَينِ، فإذا وكَّلَ الوليُّ رَجلًا ووكَّلَه الخاطِبُ لم يَصحَّ (١).
الصُّورةُ الرَّابعةُ: أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ وليُّ الطَّرفينِ -الزَّوجِ والزَّوجةِ -:
كأنْ يتولَّى جَدُّ طَرفيِ عَقدٍ في تَزويجِ بنتِ ابنِه بابنِ ابنِه الآخَرِ، أو يَتولَّى الأبُ بأن يُزوِّجَ ابنَه الصَّغيرَ ببِنتِ أخيه الصَّغيرةِ الَّتي هي مُولِّيتُه.
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ للجَدِّ تَولِّي طَرفيِ تَزويجِ بنتِ ابنهِ الصَّغيرةِ أو الكَبيرةِ بابنِ ابنٍ آخَرَ مُولًّى عَليهِ.
وكذا يَجوزُ للعَمِّ أنْ يُزوِّجَ بنتَ أخيهِ بابنِه البالِغِ عندَ الجُمهورِ، وكذا بابنِه الصَّغيرِ، وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ زوَّجَها بابنِه البالِغِ صَحَّ، وإنْ زوَّجَها بابنِه الصَّغيرِ لم يَصحَّ على المَذهبِ؛ لأنه نكاحٌ لم يَحضرُه أربَعةٌ، وليسَ له قُوةُ الجُدودةِ.
стр. 8644
وقالَ الشَّافعيةُ على القَولِ بالجَوازِ: يُشترطُ الإتيانُ بشِقَّيِ الإيجابِ والقَبولِ على الأصَحِّ.
وقيلَ: يكفي أحَدُهما، وهو قَولُ الجُمهورِ -كما تَقدَّمَ- الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ.
وفي قولٍ للشَّافعيةِ أنه لا يَصحُّ للجَدِّ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ؛ لأنَّ خِطَابَ الإنسانِ مِنْ نَفسِه لا يَنتظمُ (١).
стр. 8645
التَّوكيلُ في النِّكاحِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنهُ يَصحُّ التَّوكيلُ في عَقدِ النكاحِ؛ لِمَا رَوَى الحاكِمُ في «المُستدرَك» عن جَعفرِ بنِ مُحمدِ بنِ عليٍّ عن أبيهِ قالَ: «بعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ عَمرَو بنَ أُميَّةَ الضُّمَريَّ إلى النَّجاشيِّ يَخطُبُ عليه أُمَّ حَبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ، وكانَتْ تحتَ عُبيدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ، فزوَجَّها إيَّاه وأَصدَقَها النَّجاشيُّ مِنْ عندِهِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أربعَمِائةَ دِينارٍ» (١).
ولِمَا رواهُ مالِكٌ عن رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمنِ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ «أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَثَ أبا رافِعٍ ورَجلًا مِنْ الأنصارِ فزوَّجاهُ مَيمونةَ بنتَ الحارِثِ، ورسولُ الله ﷺ بالمَدينةِ قبْلَ أنْ يَخرجَ» (٢)، هذا وإنْ كانَ ظاهِرَه الإرسالُ إلَّا أنَّ الإمامَ أحمَدَ وغيرَه رَوَوْه مُتصِلًا عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ عن أبي رافعٍ مَولَى رسولِ اللهِ ﷺ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ حَلالًا، وبَنَى بها حَلالًا، وكُنتُ الرَّسولَ بينَهُما» (٣).
стр. 8646
قالَ أبو عُمرَ ﵀: في رِوايةِ مالِكٍ لهذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ الوَكالةِ في النكاحِ، وهو أمرٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كُلَّ ما جازَتْ بهِ النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةِ فيهِ، كالبَيعِ والتَّزويجِ والطَّلاقِ وغَيرِ ذلكَ (٢).
ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إليهِ، فإنه رُبَّما احتاجَ إلى التزوُّجِ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُه السَّفرُ إليهِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ أمَّ حَبيبةَ وهي يَومئذٍ بأرضِ الحَبشةِ، ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ يُقصَدُ فيه المُعاوَضةُ، فصحَّتْ فيه الوَكالةُ كالبُيوعِ (٣).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: النكاحُ كما يَنعقدُ بهذه الألفاظِ بطَريقِ الأصالةُ يَنعقدُ بها بطَريقِ النِّيابةِ بالوَكالةِ والرِّسالةِ؛ لأنَّ تصرُّفَ الوَكيلِ كتصرُّفِ
стр. 8647
المُوكِّلِ، وكَلامَ الرَّسولِ كلامُ المُرسِلِ، والأصلُ في جَوازِ الوَكالةِ في بابِ النكاحِ ما رُويَ «أنَّ النجاشيَّ زوَّجَ رسولَ اللهِ ﷺ أمَّ حَبيبةَ ﵂»، فلا يَخلُو ذلكَ إمَّا أنْ فعَلَه بأمرِ النبيِّ ﷺ أو لا بأمْرِه، فإنْ فعَلَه بأمرِه فهوَ وَكيلُه، وإنْ فعَلَه بغَيرِ أمرِه فقدْ أجازَ النبيُّ ﷺ عقْدَه، والإجازَةُ اللَّاحِقةُ كالوَكالةِ السَّابقةِ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرفيِ النِّكاحِ (٢).
وصُورةُ تَوكيلِ رَجلٍ في قَبولِ نِكاحِ امرأةٍ مِنْ وليِّها الشَّرعيِّ: وكَّلَ فُلانٌ فُلانًا في قَبولِ عَقدِ فُلانةَ البكرِ البالغِ، أو المَرأةِ أو البِكرِ المُعضَلةِ مِنْ وَليِّها فُلانٍ، والدِها أو جَدِّها أبي أبيها أو غَيرِهما على تَرتيبِ الأولياءِ في النكاحِ، على صَداقٍ مَبلَغُه كذا حالًّا أو مُنجَّمًا تَوكيلًا صَحيحًا شَرعيًّا، قَبِلَ ذلكَ منهُ قَبولًا شُرِعَ ويُؤرَّخُ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: وله أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَقبلُ له النِّكاحَ، لكنْ يُشتَرطُ لصحَّةِ عَقدِه -أي الوَكيلِ- تَسميةُ المُوكِّلِ في صُلبِ العَقدِ، فيَقولُ الوليُّ: «زوَّجتُ مُوكِّلَكَ فُلانًا، أو زوَّجتُ فلانًا -ويَنسبَه- فُلانةَ» ويقولُ الوَكيلُ: «قَبلْتُ هذا النكاحَ لفُلانِ بنِ فلانٍ، أو لمُوكِّلِي فُلانٍ»، فإنْ قالَ الوَكيلُ: «قَبلْتُ هذا
стр. 8648
النكاحَ» ونَوَى أنه قَبِلَه لمُوكِّلِه ولم يَذكُرْه في العَقدِ لم يَصحَّ النِّكاحُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فإذا تَقرَّرَ جَوازُ الوَكالةِ في النكاحِ جازَ أنْ يُوكِّلَ الوَليُّ والزَّوجُ، ولم يَجُزْ أنْ تُوكِّلَ الزَّوجةُ؛ لأنه لا حَقَّ للزَّوجةِ في مباشَرةِ العَقدِ، فلمْ يَصحَّ منها التَّوكيلُ فيهِ، وإذا كانَ كذلكَ فحُكمُ الوَكالةِ فيه يَتعلَّقُ بفَصلَينِ:
أحَدُهما: في تَوكيلِ الوَليِّ، والثَّاني: في تَوكيلِ الزَّوجِ.
فأمَّا تَوكيلُ الوليِّ: فلا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيهِ إلَّا مَنْ يَصحُّ أنْ يكونَ وليًّا فيهِ، وهو أنْ يكونَ ذكَرًا بالِغًا عاقِلًا حُرًّا مُسلِمًا رَشيًدا، فإذا اجتَمعَتْ هذه الأوصافُ الستَّةُ صَحَّ تَوكيلُه كما تَصحُّ وِلايتُه، وإنْ أخَلَّ بأحَدِ هذهِ الأوصافِ فوكَّلَ امرأةً أو صَغيرًا أو مَجنونًا أو عَبدًا أو كافِرًا أو سَفيهًا لم يَجُزْ وكانَتِ الوَكالةُ باطِلةً، فإنْ عقَدَ بها كانَ العَقدُ فاسِدًا، فإذا تكامَلَتْ في الوكيلِ هذهِ الشُّروطِ السِّتةُ لم يَخْلُ حالُ الوليِّ المُوكِّلِ له مِنْ أحَدِ أمرَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ ممَّن يُجبِرُ على النكاحِ كالأبِ والجَدِّ مع البِكرِ، أو ممَّن لا يُجبِرُ عليه كسائرِ الأولياءِ مع الثيِّبِ، أو كغَيرِ الأبِ والجَدِّ مع البكرِ والثيِّبِ.
فإنْ كانَ الوليُّ ممَّن يُجبِرُ على النكاحِ كالأبِ والجَدِّ مع البِكرِ فإنَّ له أنْ يُوكِّلَ بإذنها وغيرِ إذنها كما يَجوزُ له تَزويجُها بإذنها وغيرِ إذنها، لكنْ هل
стр. 8649
يَلزمُه أنْ يُعيِّنَ لوَكيلِه على الزَّوجِ؟ أو يَرُدَّه إلى اختِيارِه؟ فيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: يَجوزُ أنْ يَردَّه إلى اختِيارِه؛ لأنه قد أقامَهُ بالتَّوكيلِ مَقامَ نَفسِه، فلمْ يَلزمْه التَّعيينُ كالتَّوكيلِ في الأموالِ، فعَلى هذا يَلزمُه أنْ يَختارَ لها كُفئًا، والأَولى بهِ إذا أرادَ تَزويجَها بمَن قدِ اختَارُه لها أنْ يَستأذِنَها فيهِ، وإذنُها معهُ الصَّمتُ كإذنِها معَ الأبِ، فإنْ زوَّجَها به مِنْ غَيرِ استِئذانِها صَحَّ النكاحُ، كالأبِ إذا زوَّجَ بغيرِ إذْنٍ، فلو أنَّ الوليَّ -على هذا القَولِ- عيَّنَ لوَكيلِه على الزَّوجِ سقَطَ اختِيارُ الوَكيلِ، ولم يَكنْ له تَزويجُها بغيرِ مَنْ عُيِّنَ له عليهِ، كالوكيلِ في الشِّراءِ إذا عُيِّنَ على ما يَشتريهِ.
والقَولُ الثَّاني: أنَّ على الوَليِّ أنْ يُعيِّنَ لوكيلِه في عَقدِ الوَكالةِ على الزَّوجِ الذي زوَّجَها به، ولا يَردُّ ذلكَ إلى خِيارِه؛ لأنَّ معنَى الوليِّ في لُحوقِ عارِها مَعقودٌ في وكيلِه، فلمْ يَقُمِ اختِيارُ الوكيلِ مَقامَ اختيارِه، وفارَقَ التَّوكيلَ في الأموالِ الَّتي لا يُراعَى في اختيارِها لُحوقُ العارِ، فعلَى هذا متَى زوَّجَها الوكيلُ بكُفءٍ وغَيرِ كُفءٍ كانَ النكاحُ باطلًا؛ لفَسادِ الوَكالةِ، فلو عُيِّنَ له أنْ يزوِّجَها بأحَدِ رَجلينِ نُظِرَ؛ فإنْ كانَ الوليُّ قد اختارَهُما ورَدَّ العقدَ على أحَدِهما إلى خِيارِ وَكيلِه جازَ، وإنْ لم يكنْ مِنْ الوليِّ اختِيارٌ، بل رد ذلكَ إلى اختيارِ وكيلِه وخِيارِه، ثمَّ الاعتِبارُ بأنْ لا يكونَ للوليِّ خِيارٌ.
وإذا كانَ الوليُّ ممَّن لا يُجبِرُ على النكاحِ فهلْ يَلزمُ استِئذانُها في عَقدِ النكاحِ أم لا؟ اختَلفَ أصحابُنا فيهِ على وَجهَينِ، ومنهُم مَنْ خرَّجَه على قَولينِ:
стр. 8650
أحَدُهما -وهو اختِيارُ أبي عليِّ ابنِ أبي هُريرةَ-: أنه لا يَصحُّ تَوكيلُه إلَّا بإذنِها؛ لأنه نائِبٌ عنها، وأشبَهَ الوَكيلَ الَّذي لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيما هو وُكِّلَ فيه إلَّا عن إذنِ مُوكِّلِه، فعلى هذا إنْ لم يَستأذِنْها الوَليُّ في تَوكيلِه فزوَّجَها الوكيلُ بإذنها أو غَيرِ إذنِها كانَ النكاحُ باطِلًا؛ لفَسادِ الوَكالةِ، ولو استأذَنَها الوليُّ فيه بعدَ عَقدِ الوَكالةِ لم تَصحَّ الوكالةُ حتَّى يستأذِنَها الوليُّ بعدَ إذنِها في تَوكيلِه، فإذا وكَّلَه بعدَ إذنها وكانَ وَكيلًا لهُمَا جَميعًا فإنْ رجَعَتْ في توكيلِه بطَلَتِ الوَكالةُ، ولم يكنْ له أنْ يزوِّجَ.
والوَجهُ الثَّاني -وهو اختِيارُ أبي إسحاقَ المَروزيِّ-: الوَكالةُ جائِزةٌ وإنْ لم يستأذِنْها الوَليُّ في عَقدِها؛ لأنه مُوكَّلٌ في حَقِّ نَفسِه الَّذي ثبَتَ به بالشَّرعِ لا بالاستِنابةِ، فأشبَهَ الأبَ، وخالَفَ الوَكيلَ المُستنابَ، فعلَى هذا تَصحُّ الوَكالةُ وإنْ لم يَستأذِنِ المَرأةَ في عَقدِها، ويكونُ هو وَكيلًا للوليِّ وحْدَه، ولا يُؤثِّرُ فيه مَنعُها، لكنْ ليسَ للوكيلِ أنْ يُزوِّجَها إلَّا بإذنها كما لم يَكنْ ذلكَ لوليِّها المُوكّلِ، فإنْ زوَّجَها بغيرِ إذنها كانَ النكاحُ باطِلًا، سَواءٌ زوَّجَها بكُفءٍ أو غيرِ كُفءٍ، ولو زوَّجَها الوكيلُ بإذنها مِنْ غيرِ كُفءٍ كانَ النكاحُ باطِلًا، سواءٌ أجازَه الوليُّ أو لم يُجِزْه.
وأمَّا تَوكيلُ الزَّوجِ: فإنْ كانَ في تَزويجِ امرأةٍ بعَينِها جازَ أنْ يُوكِّلَ كلَّ مَنْ صَحَّ منه قَبولُ النكاحِ في نَفسِه، وهو مَنْ اجتَمعَتْ فيه ثَلاثةُ شُروطٍ: أنْ يكونَ ذكَرًا بالِغًا، عاقِلًا، وسواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا، رَشيدًا أو سَفيهًا؛ لأنَّ