← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

قالَ أبو عُمرَ ﵀: في رِوايةِ مالِكٍ لهذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ الوَكالةِ في النكاحِ، وهو أمرٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كُلَّ ما جازَتْ بهِ النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةِ فيهِ، كالبَيعِ والتَّزويجِ والطَّلاقِ وغَيرِ ذلكَ (٢). ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إليهِ، فإنه رُبَّما احتاجَ إلى التزوُّجِ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُه السَّفرُ إليهِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ أمَّ حَبيبةَ وهي يَومئذٍ بأرضِ الحَبشةِ، ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ يُقصَدُ فيه المُعاوَضةُ، فصحَّتْ فيه الوَكالةُ كالبُيوعِ (٣). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: النكاحُ كما يَنعقدُ بهذه الألفاظِ بطَريقِ الأصالةُ يَنعقدُ بها بطَريقِ النِّيابةِ بالوَكالةِ والرِّسالةِ؛ لأنَّ تصرُّفَ الوَكيلِ كتصرُّفِ

стр. 8647

المُوكِّلِ، وكَلامَ الرَّسولِ كلامُ المُرسِلِ، والأصلُ في جَوازِ الوَكالةِ في بابِ النكاحِ ما رُويَ «أنَّ النجاشيَّ زوَّجَ رسولَ اللهِ ﷺ أمَّ حَبيبةَ ﵂»، فلا يَخلُو ذلكَ إمَّا أنْ فعَلَه بأمرِ النبيِّ ﷺ أو لا بأمْرِه، فإنْ فعَلَه بأمرِه فهوَ وَكيلُه، وإنْ فعَلَه بغَيرِ أمرِه فقدْ أجازَ النبيُّ ﷺ عقْدَه، والإجازَةُ اللَّاحِقةُ كالوَكالةِ السَّابقةِ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرفيِ النِّكاحِ (٢). وصُورةُ تَوكيلِ رَجلٍ في قَبولِ نِكاحِ امرأةٍ مِنْ وليِّها الشَّرعيِّ: وكَّلَ فُلانٌ فُلانًا في قَبولِ عَقدِ فُلانةَ البكرِ البالغِ، أو المَرأةِ أو البِكرِ المُعضَلةِ مِنْ وَليِّها فُلانٍ، والدِها أو جَدِّها أبي أبيها أو غَيرِهما على تَرتيبِ الأولياءِ في النكاحِ، على صَداقٍ مَبلَغُه كذا حالًّا أو مُنجَّمًا تَوكيلًا صَحيحًا شَرعيًّا، قَبِلَ ذلكَ منهُ قَبولًا شُرِعَ ويُؤرَّخُ (٣). وقالَ الحَنابلةُ: وله أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَقبلُ له النِّكاحَ، لكنْ يُشتَرطُ لصحَّةِ عَقدِه -أي الوَكيلِ- تَسميةُ المُوكِّلِ في صُلبِ العَقدِ، فيَقولُ الوليُّ: «زوَّجتُ مُوكِّلَكَ فُلانًا، أو زوَّجتُ فلانًا -ويَنسبَه- فُلانةَ» ويقولُ الوَكيلُ: «قَبلْتُ هذا النكاحَ لفُلانِ بنِ فلانٍ، أو لمُوكِّلِي فُلانٍ»، فإنْ قالَ الوَكيلُ: «قَبلْتُ هذا

стр. 8648

النكاحَ» ونَوَى أنه قَبِلَه لمُوكِّلِه ولم يَذكُرْه في العَقدِ لم يَصحَّ النِّكاحُ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فإذا تَقرَّرَ جَوازُ الوَكالةِ في النكاحِ جازَ أنْ يُوكِّلَ الوَليُّ والزَّوجُ، ولم يَجُزْ أنْ تُوكِّلَ الزَّوجةُ؛ لأنه لا حَقَّ للزَّوجةِ في مباشَرةِ العَقدِ، فلمْ يَصحَّ منها التَّوكيلُ فيهِ، وإذا كانَ كذلكَ فحُكمُ الوَكالةِ فيه يَتعلَّقُ بفَصلَينِ: أحَدُهما: في تَوكيلِ الوَليِّ، والثَّاني: في تَوكيلِ الزَّوجِ. فأمَّا تَوكيلُ الوليِّ: فلا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيهِ إلَّا مَنْ يَصحُّ أنْ يكونَ وليًّا فيهِ، وهو أنْ يكونَ ذكَرًا بالِغًا عاقِلًا حُرًّا مُسلِمًا رَشيًدا، فإذا اجتَمعَتْ هذه الأوصافُ الستَّةُ صَحَّ تَوكيلُه كما تَصحُّ وِلايتُه، وإنْ أخَلَّ بأحَدِ هذهِ الأوصافِ فوكَّلَ امرأةً أو صَغيرًا أو مَجنونًا أو عَبدًا أو كافِرًا أو سَفيهًا لم يَجُزْ وكانَتِ الوَكالةُ باطِلةً، فإنْ عقَدَ بها كانَ العَقدُ فاسِدًا، فإذا تكامَلَتْ في الوكيلِ هذهِ الشُّروطِ السِّتةُ لم يَخْلُ حالُ الوليِّ المُوكِّلِ له مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يكونَ ممَّن يُجبِرُ على النكاحِ كالأبِ والجَدِّ مع البِكرِ، أو ممَّن لا يُجبِرُ عليه كسائرِ الأولياءِ مع الثيِّبِ، أو كغَيرِ الأبِ والجَدِّ مع البكرِ والثيِّبِ. فإنْ كانَ الوليُّ ممَّن يُجبِرُ على النكاحِ كالأبِ والجَدِّ مع البِكرِ فإنَّ له أنْ يُوكِّلَ بإذنها وغيرِ إذنها كما يَجوزُ له تَزويجُها بإذنها وغيرِ إذنها، لكنْ هل

стр. 8649

يَلزمُه أنْ يُعيِّنَ لوَكيلِه على الزَّوجِ؟ أو يَرُدَّه إلى اختِيارِه؟ فيهِ قَولانِ: أحَدُهما: يَجوزُ أنْ يَردَّه إلى اختِيارِه؛ لأنه قد أقامَهُ بالتَّوكيلِ مَقامَ نَفسِه، فلمْ يَلزمْه التَّعيينُ كالتَّوكيلِ في الأموالِ، فعَلى هذا يَلزمُه أنْ يَختارَ لها كُفئًا، والأَولى بهِ إذا أرادَ تَزويجَها بمَن قدِ اختَارُه لها أنْ يَستأذِنَها فيهِ، وإذنُها معهُ الصَّمتُ كإذنِها معَ الأبِ، فإنْ زوَّجَها به مِنْ غَيرِ استِئذانِها صَحَّ النكاحُ، كالأبِ إذا زوَّجَ بغيرِ إذْنٍ، فلو أنَّ الوليَّ -على هذا القَولِ- عيَّنَ لوَكيلِه على الزَّوجِ سقَطَ اختِيارُ الوَكيلِ، ولم يَكنْ له تَزويجُها بغيرِ مَنْ عُيِّنَ له عليهِ، كالوكيلِ في الشِّراءِ إذا عُيِّنَ على ما يَشتريهِ. والقَولُ الثَّاني: أنَّ على الوَليِّ أنْ يُعيِّنَ لوكيلِه في عَقدِ الوَكالةِ على الزَّوجِ الذي زوَّجَها به، ولا يَردُّ ذلكَ إلى خِيارِه؛ لأنَّ معنَى الوليِّ في لُحوقِ عارِها مَعقودٌ في وكيلِه، فلمْ يَقُمِ اختِيارُ الوكيلِ مَقامَ اختيارِه، وفارَقَ التَّوكيلَ في الأموالِ الَّتي لا يُراعَى في اختيارِها لُحوقُ العارِ، فعلَى هذا متَى زوَّجَها الوكيلُ بكُفءٍ وغَيرِ كُفءٍ كانَ النكاحُ باطلًا؛ لفَسادِ الوَكالةِ، فلو عُيِّنَ له أنْ يزوِّجَها بأحَدِ رَجلينِ نُظِرَ؛ فإنْ كانَ الوليُّ قد اختارَهُما ورَدَّ العقدَ على أحَدِهما إلى خِيارِ وَكيلِه جازَ، وإنْ لم يكنْ مِنْ الوليِّ اختِيارٌ، بل رد ذلكَ إلى اختيارِ وكيلِه وخِيارِه، ثمَّ الاعتِبارُ بأنْ لا يكونَ للوليِّ خِيارٌ. وإذا كانَ الوليُّ ممَّن لا يُجبِرُ على النكاحِ فهلْ يَلزمُ استِئذانُها في عَقدِ النكاحِ أم لا؟ اختَلفَ أصحابُنا فيهِ على وَجهَينِ، ومنهُم مَنْ خرَّجَه على قَولينِ:

стр. 8650

أحَدُهما -وهو اختِيارُ أبي عليِّ ابنِ أبي هُريرةَ-: أنه لا يَصحُّ تَوكيلُه إلَّا بإذنِها؛ لأنه نائِبٌ عنها، وأشبَهَ الوَكيلَ الَّذي لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيما هو وُكِّلَ فيه إلَّا عن إذنِ مُوكِّلِه، فعلى هذا إنْ لم يَستأذِنْها الوَليُّ في تَوكيلِه فزوَّجَها الوكيلُ بإذنها أو غَيرِ إذنِها كانَ النكاحُ باطِلًا؛ لفَسادِ الوَكالةِ، ولو استأذَنَها الوليُّ فيه بعدَ عَقدِ الوَكالةِ لم تَصحَّ الوكالةُ حتَّى يستأذِنَها الوليُّ بعدَ إذنِها في تَوكيلِه، فإذا وكَّلَه بعدَ إذنها وكانَ وَكيلًا لهُمَا جَميعًا فإنْ رجَعَتْ في توكيلِه بطَلَتِ الوَكالةُ، ولم يكنْ له أنْ يزوِّجَ. والوَجهُ الثَّاني -وهو اختِيارُ أبي إسحاقَ المَروزيِّ-: الوَكالةُ جائِزةٌ وإنْ لم يستأذِنْها الوَليُّ في عَقدِها؛ لأنه مُوكَّلٌ في حَقِّ نَفسِه الَّذي ثبَتَ به بالشَّرعِ لا بالاستِنابةِ، فأشبَهَ الأبَ، وخالَفَ الوَكيلَ المُستنابَ، فعلَى هذا تَصحُّ الوَكالةُ وإنْ لم يَستأذِنِ المَرأةَ في عَقدِها، ويكونُ هو وَكيلًا للوليِّ وحْدَه، ولا يُؤثِّرُ فيه مَنعُها، لكنْ ليسَ للوكيلِ أنْ يُزوِّجَها إلَّا بإذنها كما لم يَكنْ ذلكَ لوليِّها المُوكّلِ، فإنْ زوَّجَها بغيرِ إذنها كانَ النكاحُ باطِلًا، سَواءٌ زوَّجَها بكُفءٍ أو غيرِ كُفءٍ، ولو زوَّجَها الوكيلُ بإذنها مِنْ غيرِ كُفءٍ كانَ النكاحُ باطِلًا، سواءٌ أجازَه الوليُّ أو لم يُجِزْه. وأمَّا تَوكيلُ الزَّوجِ: فإنْ كانَ في تَزويجِ امرأةٍ بعَينِها جازَ أنْ يُوكِّلَ كلَّ مَنْ صَحَّ منه قَبولُ النكاحِ في نَفسِه، وهو مَنْ اجتَمعَتْ فيه ثَلاثةُ شُروطٍ: أنْ يكونَ ذكَرًا بالِغًا، عاقِلًا، وسواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا، رَشيدًا أو سَفيهًا؛ لأنَّ

стр. 8651

العبدَ والسَّفيهَ يَجوزُ أنْ يَقبلَا عقْدَ النِّكاحِ لأنفُسِهما، فصَحَّ أنْ يَقبلاهُ لغَيرهِما، فأمَّا توكيلُ المَرأةِ والصبيِّ والمَجنونِ فلا يَصحُّ؛ لأنه لمَّا لم يَصحَّ منهُم قَبولُه لأنفُسِهم لم يَصحَّ منهم قَبولُهم لغَيرِهم. فأمَّا إنْ كانَ تَوكيلُ الزَّوجِ في تَزويجِ امرأةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ ليَختارَ الوكيلُ، فهل يَلزمُ أنْ يَنضمَّ إلى الشُّروطِ الثَّلاثةِ في الوكيلِ أنْ يكونَ رَشيدًا غيرَ مولًّى عليه بسَفهٍ أم لا؟ على ثَلاثةِ أوجُهٍ (١). تَوكيلُ المرأةِ غيْرَها في النكاحِ: يُشترطُ في المُوكِّلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ -كمَا تقدَّمَ في كِتابِ الوَكالةِ- أنْ يَملكَ فِعلَ ما يُوكِّلُ فيهِ بنَفسِه؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضٌ فيما يَملكُه في التصرُّفِ إلى غَيرِه، فما لا يَملكُه بنَفسِه لا يَصحُّ له أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه، وعليه فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَزويجِ المَرأةِ نفْسَها: فمَنْ قالَ: يَجوزُ لها أنْ تزوِّجَ نفْسَها كالإمامِ أبِي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ وظَاهرِ الرِّوايةِ عن أبِي يُوسفَ -كمَا سَيأتِي مُفصَّلًا- قَالُوا: يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها في تَزويجِها؛ لأنه يَجوزُ للمرأةِ أنْ تُباشِرَ عقْدَ الزَّواجِ، سَواءٌ أزوَّجَتْ نفْسَها أم زوَّجَتْ غيرَها، فلها أنْ تُوكِّلَ مَنْ يُزوِّجُها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المُوكِّلِ أنْ يكونَ ممَّن يَملكُ فِعلَ ما وكَّلَ به بنَفسِه، وهي تَملكُه (٢).

стр. 8652

قالَ المَوصليُّ الحَنفيُّ ﵀: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النكاحِ، حتَّى لو زوَّجَتِ الحرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نفْسَها جازَ، وكذلكَ لو زوَّجَتْ غيْرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ، وكذا إذا وكَّلَتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجَها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ، وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوليِّ، فإنْ ماتَا قبْلَها لا يَتوارثانِ، ولا يَقعُ طَلاقُه ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ. فإنِ امتَنعَ الوليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَرَ الطَّحَاويُّ عن مُحمدٍ: يُجدِّدُ القاضي العقدَ بينَهُما، وذكَرَ هِشامٌ عن مُحمدٍ: فإنْ لم يُجِزْه الوليُّ أُجيزُه أنَا، وكانَ يَومئذٍ قاضِيًا، فصارَ عنهُ رِوايتانِ، ورُويَ عنه أنه رجَعَ إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيامٍ، وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفرٍ الهِندوانِيُّ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى مُحمدٍ قبْلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيامٍ وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يزوِّجُنِي إلا بعدَ أنْ يأخُذَ منِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمدٌ: اذهَبِي فزوِّجِي نفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُويَ مِنْ رُجوعِه. وعن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأصولِ مِثلُ قَولِ مُحمدٍ الأولِ، وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوليِّ (١).

стр. 8653

ومَن قالَ: لا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تزوِّجَ نفْسَها وهُمُ الجُمهورُ المالِكيةُ -على خِلافٍ عندَهم- والشَّافعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ ومُحمدٌ -على اختِلافٍ في النَّقلِ عَنهُم كما سَيأتي مُفصَّلًا-قالُوا: لا يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها؛ لأنها لا تَملكُ تَزويجَ نَفسِها (١). قالَ المالِكيةُ: إذا وكَّلَتِ الدَّنيئةُ كالمُعتَقةِ والمَسْلَمانِيةِ والمِسكينةِ أجنبيًّا في بَلدٍ ليسَ فيه سُلطانٌ أو فيهِ لكنْ يَعسرُ وُصولُها إليهِ ولا وَليَّ لها جازَ. قالَ ابنُ يُونسَ ﵀: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وإذا وكَّلَتِ المرأةُ الدَّنيةُ مِثلَ المُعتَقةِ والمَسْلَمانيةِ والسَّوداءِ والمِسكينةِ أجنبيًّا فزوَّجَها وهي ببَلدٍ لا سُلطانَ فيهِ أو فيهِ سُلطانٌ يَعسرُ عليها تَناوُلُه ولا وليَّ لها جازَ ذلكَ. وفي رِوايةِ أشهَبَ عن مالكٍ ﵀: أنَّ الدَّنيةَ وغيرَها سَواءٌ، ولا يزوِّجُها إلَّا وليٌّ أو سُلطانٌ. قالَ الشَّيخُ ﵀: فوَجهُ الأولِ أنه لمَّا لم يَكنْ لها وَليٌّ وكانَ مُتناوَلُ السُّلطانِ بَعيدًا صارَ ذلكَ ضَرورةً أباحَتْ تَزويجَ الأجنَبيِّ إياها؛ لأنه

стр. 8654

وَليٌّ عَامٌّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. ووَجهُ الثانيةِ أنَّ الوليَّ العامَّ لا يزوِّجُ مع حُضورِ الخاصِّ، أصلُه في غيرِ الدَّنيةِ. ومِن «المُدوَّنة»: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وكذلكَ إنْ ولَّتْ مَنْ أسلَمَتْ هي على يَدَيه فإنه يَجوزُ إنكاحُه إياها، وأمَّا مَنْ أسلَمَ على يَديهِ أبُوها وتَقادمَ ذلكَ حتَّى يكونَ لها مِنْ القَدرِ والغِناءِ والإباءِ في الإسلامِ ما يَتنافسُ الناسُ فيها فلا يزوِّجُها، وهو كالأجنَبيِّ فيها. قِيلَ لمالِكٍ ﵀: فَرِجالٌ مِنْ المَوالِي يأخُذونَ صِبيانًا مِنْ العرَبِ تُصيبُهم السَّنةُ فيَكفلونَهم ويُربونَهم حتَّى يَكبروا فتَكونُ فِيهم الجاريةُ فيُريدُ أنْ يزوِّجَها؟ فقالَ: ذلكَ جائزٌ، ومَن أنظَرُ لها منهُ؟ قالَ الشَّيخُ ﵀: يُريدُ إذا بلَغَتْ وأَذِنَت، وهذا إذا لم يَكنْ لها أبٌ، وأمَّا إنْ كانَ لها أبٌ فلا يُنكِحُها بغيرِ رِضَى أبيها، إلَّا أنْ يَجعلَ ذلكَ الأبُ بيَدِه، ونحوُه في كِتابِ مُحمدٍ. ومِن «المُدوَّنة»: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وأمَّا كلُّ امَرأةٍ لها بالٌ وغِناءٌ وقَدرٌ فإنْ تلكَ لا يُزوِّجُها إلَّا وليُّها أو السُّلطانُ. قِيلَ لمالِكٍ ﵀: فلو أنَّ امرأةً لها قَدرٌ تزوَّجَتْ بغَيرِ أمرِ وليٍّ فوَّضَتْ أمْرَها إلى رَجلٍ فرَضِيَ الوليُّ بعدَ ذلكَ، أيَثبُتُ النكاحُ؟ فوقَفَ فيهِ.

стр. 8655

وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إذا أجازَه الوَليُّ بالقُربِ جازَ، وسَواءٌ دخَلَ الزُّوجُ أم لا، وإنْ أرادَ فسْخَه بحَدَثانِ الدُّخولِ كانَ ذلكَ له وفسَخَه، فأمَّا إنْ طالَتْ إقامَتُها معه وولَدَتِ الأولادَ أمضَيتُه إنْ كانَ ذلكَ صَوابًا ولم يُفسَخْ، وقالَه مالِكٌ وغيرُ واحدٍ مِنْ الرُّواةِ. قالَ سحنونٌ ﵀: وقالَ غيرُه: لا يَجوزُ وإنْ أجازَه الوليُّ؛ لأنه عقَدَه غيرُ الوليِّ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عقْدَ نكاحِها بنَفسِها دونَ وليِّها، ولا أنْ تَعقدَ نكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ والشافعيُّ وسُفيانُ والثوريُّ وابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وابنُ المُبارَكِ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحَسنِ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ والطبَريُّ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ والحسَنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وجابرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤلاءِ أهلُ الرَّأيِ مِنْ الكُوفيِّينَ وطائِفةٌ مِنْ التابعِينَ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: لا تَعقدُ امرأةٌ نِكاحَها بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، سَواءٌ الإيجابُ والقَبولُ؛ إذ لا يَليقُ بمَحاسنِ العاداتِ دُخولُها فيهِ؛ لِمَا قُصِدَ منها مِنْ الحَياءِ وعَدمِ ذِكرِه أصلًا، وقد قالَ تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾

стр. 8656

[النساء: ٣٤] أي: قِيامُهم بمَصالِحِهنَّ، ومنها وِلايةُ تَزويجِهنَّ (١). ولو وكَّلَ ابنَتَه مَثلًا أنْ تُوكِّلَ رَجلًا في نِكاحِها لا عنها بل عنهُ أو أطلَقَ صَحَّ؛ لأنها سَفيرةٌ بينَ الوليِّ والوَكيلِ، بخِلافِ ما لو وكَّلَتْ عَنها (٢). تَوكيلُ المَرأةِ في النكاحِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ تَوكيلُ المَرأةِ في عَقدِ النكاحِ إيجابًا وقَبولًا؛ لأنها لا تَملكُ نِكاحَ نَفسِها، فلا تَملكُ نِكاحَ غيرِها، ولو أَذِنَتْ لوليِّها بصِيغةِ التَّوكيلِ ك: «وكَّلتُكَ في تَزويجِي» صَحَّ، وهو إِذنٌ لا وَكالةٌ (٣). قالَ الشَّافعيةُ: لا تَعقدُ امرأةٌ نِكاحَها بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، سَواءٌ الإيجابُ والقَبولُ؛ إذ لا يَليقُ بمَحاسنِ العاداتِ دُخولُها فيهِ؛ لِمَا قُصِدَ منها مِنْ الحَياءِ وعَدمِ ذِكرِه أصلًا، وقد قالَ تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أي: قِيامُهم بمَصالِحِهنَّ، ومنها وِلايةُ تَزويجِهنَّ (٤).

стр. 8657

ولو وكَّلَ ابنَتَه مَثلًا أنْ تُوكِّلَ رَجلًا في نِكاحِها لا عنها بل عنهُ أو أطلَقَ صَحَّ؛ لأنها سَفيرةٌ بينَ الوليِّ والوَكيلِ، بخِلافِ ما لو وكَّلَتْ عَنها (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والحَسنُ وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ إلى أنه يَصحُّ تَوكيلُ المَرأةِ في نِكاحِ غيرِها؛ لأنه يَجوزُ لها أنْ تزوِّجَ نفْسَها. قالَ المَوصليُّ الحَنفيُّ ﵀: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النكاحِ، حتَّى لو زوَّجَتِ الحرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نفْسَها جازَ، وكذلكَ لو زوَّجَتْ غيْرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ، وكذا إذا وكَّلَتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجَها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ، وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمدٌ ﵀: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوليِّ، فإنْ ماتَا قبْلَها لا يَتوارثانِ، ولا يَقعُ طَلاقُه ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ. فإنِ امتَنعَ الوليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَرَ الطَّحَاويُّ عن مُحمدٍ: يُجدِّدُ القاضي العقدَ بينَهُما، وذكَرَ هِشامٌ عن مُحمدٍ: فإنْ لم يُجِزْه الوليُّ أُجيزُه أنَا، وكانَ يَومئذٍ قاضِيًا، فصارَ عنهُ رِوايتانِ، ورُويَ عنه أنه رجَعَ إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيامٍ، وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفرٍ الهِندوانِيُّ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى مُحمدٍ قبْلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيامٍ وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يزوِّجُنِي إلا بعدَ

стр. 8658

أنْ يأخُذَ منِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمدٌ: اذهَبِي فزوِّجِي نفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُويَ مِنْ رُجوعِه. وعن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأصولِ مِثلُ قَولِ مُحمدٍ الأولِ، وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوليِّ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عقْدَ نكاحِها بنَفسِها دونَ وليِّها، ولا أنْ تَعقدَ نكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ والشافعيُّ وسُفيانُ والثوريُّ وابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وابنُ المُبارَكِ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحَسنِ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ والطبَريُّ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ والحسَنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وجابرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤلاءِ أهلُ الرَّأيِ مِنْ الكُوفيِّينَ وطائِفةٌ مِنْ التابعِينَ (٢). تَوكيلُ الفاسِقِ غيْرَه في النكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَوكيلِ الفاسِقِ غيرَه في النكاحِ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ تَوكيلُ الفاسِقِ في تَزويجِ ابنَتِه أو أُختِه؛ لأنه لا يَملكُ نِكاحَها بنَفسِه؛ لأنَّه

стр. 8659

ليسَ بوَليٍّ لها، فلا يُوكِّلُ، كما أنَّ المُحرِمَ لا يَجوزُ أنْ يَعقدَ نكاحَه، فلا يُوكِّلُ مَنْ يَعقدُ نكاحَه في حالةِ الإحرامِ (١). وفي قولٍ للحَنابلةِ: يَصحُّ تَوكيلُه في قَبولِ النكاحِ؛ لأنه يَصحُّ قَبولُ النكاحِ لنَفسِه، فيَصحُّ لغيرِه (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وقَولٌ للشَّافعيةِ وللحَنابلةِ إلى أنه يَصحُّ تَوكيلُ الفاسِقِ في النكاحِ؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِه، فيَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه (٣). تَوكيلُ الفاسِقِ في النِّكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَوكيلِ الفاسِقِ في قَبولِ وإيجابِ النكاحِ لغَيرِه، هل يَصحُّ أم لا؟ أولًا: تَوكيلُ الفاسِقِ في قَبولِ النكاحِ لغيرِه: ذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ

стр. 8660

تَوكيلُ الفاسِقِ في قَبولِ النكاحِ؛ لأنَّ الفاسِقَ يَصحُّ قَبولُه النكاحَ لنَفسِه، فصَحَّ قَبولُه لغيرِه. وكذا لو وكَّلَ مُسلمٌ كِتابيًّا في قَبولِ نكاحِ كِتابيةٍ؛ لصحَّةِ قَبولِ ذلكَ لنَفسِه. وذهَبَ الشَّافعيةُ في الوَجهِ الثَّاني والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ تَوكيلُ الفاسِقِ في قَبولِ النكاحِ؛ لأنَّ مَنْ لا يَجوزُ أنْ يكونَ وكيلًا في إيجابِه لا يكونُ وَكيلًا في قَبولِه كالمَرأةِ. ثانيًا: تَوكيلُ الفاسِقِ في إيجابِ النكاحِ لغيرِه: ذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ تَوكيلُ الفاسقِ في إيجابِ النكاحِ لغيرِه؛ لأنه مُوجِبٌ للنكاحِ، فلمْ يَصحَّ أنْ يكونَ فاسقًا كالوليِّ. والوَجهُ الثَّاني للشَّافعيةِ وِروايةٌ للحَنابلةِ: يَصحُّ تَوكيلُه في إيجابِ النكاحِ؛ لأنه ليسَ بوَليٍّ، وإنَّما الوليُّ المُوكِّلُ، وهو عَدلٌ (١). وأمَّا الحَنفيةُ والمالِكيةُ فيَجوزُ عندَهم أنْ يليَ عقْدَ النكاحِ الفاسِقُ، سَواءٌ كانَ لنَفسِه أو لوِلايتِه، فيَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه وأنْ يَتوكَّلَ فيهِ (٢).

стр. 8661

الرُّكنُ الثَّاني: الوليُّ: اختَلفَ الفُقهاءِ في الوليِّ، هل هو رُكنٌ مِنْ أركانِ النكاحِ؟ أم شَرطٌ مِنْ شَرائطِه لا يَصحُّ إلَّا به؟ أم يَجوزُ نكاحُ المَرأةِ بغيرِ إذنِ وليِّها، بأنْ تُباشِرَ عقْدَ النكاحِ بنَفسِها أو تُوكِّلَ مَنْ يَعقدُ لها؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وقَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدِ بنِ الحسَنِ إلى أنه لا يَجوزُ النكاحُ بغيرِ وَليٍّ، ولا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تَليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِها ولا لغيرِها، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أم ثيِّبًا، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فدَلَّتِ الآيةُ على ثُبوتِ الوِلايةِ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ العَضْلَ هو المَنعُ مِنْ التَّزويجِ، فمنَعَ اللهُ الأولياءَ مِنْ الامتِناعِ مِنْ تَزويجِهنَّ كما منَعَ أولياءَ اليَتامى أنْ يَعضلُوهنَّ إذا رَغبُوا في أموالِهنَّ، فلو كانَ لهُنَّ أنْ يَعقدْنَ لم يَكنِ امتِناعُ الأولياءِ عَضلًا لهُنَّ، وهذا يَدلُّ على أنَّ نِكاحُهنَّ إلى الوليِّ، فلو جازَ لهنَّ التفرُّدُ بالعَقدِ لَمَا أثَّرَ عَضلُ الأولياءِ ولَمَا تَوجَّه إليهم نَهيٌ.

стр. 8662

والثَّاني: أنَّ سبَبَ ذلكَ امتِناعُ مَعقلِ بنِ يَسارٍ مِنْ إنكاحِ أختِه الذي طلَّقَها زَوجُها، فنزَلَتْ هذه الآيةُ، فدَعاهُ النَّبيُّ فزوجا، فرَوَى البُخاريُّ وغيرُه عن الحسَنِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قالَ: حدَّثَني مَعقلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلَتْ فيهِ، قالَ: «زوَّجْتُ أختًا لي مِنْ رَجلٍ فطلَّقَها، حتى إذا انقَضَتْ عدَّتُها جاءَ يَخطبُها، فقلتُ له: زوَّجتُكَ وفرَشتُكَ وأكرَمتُكَ فطلَّقتَها، ثُمَّ جِئتَ تَخطبُها، لا واللَّهِ لا تَعودُ إليكَ أبدًا، وكانَ رَجلًا لا بأسَ به، وكانَتِ المَرأةُ تُريدُ أنْ تَرجعَ إليه، فأَنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فقُلتُ: الآنَ أفعَلُ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فزوَّجَها إياه» (١). فاللهُ عاتَبَ مَعقلًا لمَّا امتَنعَ مِنْ رَدِّ أختِه إلى زَوجِها، ولو كانَ لها أنْ تزوِّجَ نفسَها أو تَعقدَ النكاحَ لم يُعاتَبْ أخوها على الامتِناعِ منه، ولا أمَرَه رسولُ اللهِ ﷺ بالحِنثِ، فدَلَّ على أنَّ النكاحَ كانَ إليه دونها؛ لأنه لو لم يَكنْ للأولياءِ صُنعٌ لم يَكنْ للنهيِ مَعنًى (٢).

стр. 8663

وقالَ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] أي: أوليائِهنَّ، فجعَلَ إذنَ الأولياءِ شَرطًا في نكاحِهنَّ، فدَلَّ على بُطلانِه لعَدمِه. وقَولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فلمْ يُخاطِبْ تعالَى بالنكاحِ غيرَ الرجالِ، ولو كانَ إلى النِّساءِ لَذكَرَهنَّ. وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإنه خاطَبَ الأولياءَ ونهاهُم عن إنكاحِ المُشركينَ وليِّاتِهم المُسلِماتِ. وأمَّا السُّنةُ: فما رُويَ عن عَددٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ» (١)، وهو نَفيٌ للحَقيقةِ الشَّرعيةِ، أي: لا نِكاحَ شَرعيًّا أو مَوجودًا في الشَّرعِ إلَّا بوليٍّ، فأثبَتَ للوليِّ حَقًّا في العقدِ، وغيرُهم لا حَقَّ له، وكانَ على عُمومِه في كُلِّ نكاحٍ مِنْ صَغيرةٍ وكَبيرةٍ وشَريفةٍ ودَنَيةٍ وبِكرٍ وثيِّبٍ.

стр. 8664

وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ -ثَلاثَ مرَّاتٍ-، فإنْ دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ مِنها، فإنْ تَشاجَرُوا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١). وهذا نَصٌّ في إبطالِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ مِنْ غيرِ تَخصيصٍ ولا تَمييزٍ. قالَ الطبَريُّ ﵀: في حَديثِ حَفصةَ حينَ تأيَّمَتْ وعَقدِ عُمرَ عليها النكاحَ ولم تَعقدْه هي إبطالُ قَولِ مَنْ قالَ: «إنَّ للمرأةِ البالغةِ المالِكةِ لنَفسِها تَزويجُ نَفسِها، وعَقدُ النكاحِ دُونَ وليِّها»، ولو كانَ ذلكَ لها لم يَكنْ رسولُ اللهِ ﷺ لِيَدعَ خِطبةِ حَفصةَ لنَفسِها إذا كانَتْ أَولى بنَفسِها مِنْ أبيها وخطَبَها إلى مَنْ لا يَملكُ أمْرَها ولا العقدَ عَليها. وأمَّا قولُه ﷺ : «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» أنَّ معنَى ذلكَ: أنها أحَقُّ بنَفسِها في أنه لا يَعقدُ عليها إلَّا برِضاها، لا أنها أحَقُّ بنَفسِها في أنَّ تَعقدَ عقْدَ النكاحِ على نَفسِها دُونَ وليِّها. وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُزوِّجُ المَرأةُ المَرأةَ، ولا تُزوِّجُ المَرأةُ نفْسَها، فإنَّ الزَّانيةَ هي الَّتي تُزوِّجُ نفْسَها» (٢).

стр. 8665

ورَوى البُخاريُّ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «النِّكاحُ في الجاهِليةِ كانَ على أربَعةِ أنحاءٍ، فنِكاحٌ مِنها نِكاحُ النَّاسِ اليومَ، يَخطُبُ الرَّجلُ إلى الرَّجلِ وَليَّتَه أو ابنتَه فيُصدِقُها ثمَّ يَنكِحُها» (١)، فهذا حُجَّةٌ في أنَّ سُنةَ عَقدِ النكاحِ إلى الأولياءِ. وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدِ بنِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ عن أبيه عن عائِشةَ أمِّ المُؤمِنينَ ﵂ «أنَّها أنكَحَتْ رَجلًا مِنْ بَني أخيها جارِيةً مِنْ بَني أخيها، فضَربَتْ بينَهُم سِترًا، ثمَّ تَكلَّمَتْ حتَّى إذا لم يَبْقَ إلَّا النكاحُ أمَرَتْ رَجلًا فأَنكَحَ، ثمَّ قالَتْ: ليسَ إلى النِّساءِ النكاحُ» (٢)، فثبَتَ يَقينًا أنَّ نِكاحَ النِّساءِ لا يَجوزُ. وعن عِكرمةَ بنِ خالدٍ قالَ: «جمَعَتِ الطَّريقُ رَكبًا، فجعَلَتِ امرأةٌ مِنهنَّ ثَيبٌ أمْرَها بيَدِ رَجلٍ غيرِ وليٍّ فأنكَحَها، فبلَغَ ذلكَ عُمرَ فجلَدَ الناكِحَ والمُنكِحَ ورَدَّ نِكاحَهُما» (٣). ويَدلُّ على ذلكَ مِنْ القِياسِ هو أنَّ كُلَّ مَنْ كانَ مِنْ زَوائدِ عَقدِ النكاحِ كانَ شَرطًا فيهِ كالشُّهودِ، ولأنَّ ما اختُصَّ مِنْ بينِ جِنسِه بزِيادةِ عَددٍ كانَتِ الزِّيادةُ شَرطًا فيهِ كالشَّهادةِ في الزِّنا، ولأنَّ كُلَّ عَقدٍ صارَتْ به المرأةُ فِراشًا

стр. 8666

لم يَملكْه المُفتَرَشةُ كالأمَةِ، ولأنَّ مَنْ عقَدَ على نَفسِه واعتَرضَ عليه غيرُه في فَسخِه دَلَّ على فَسادِ عَقدِه، كالأمَةِ والعَبدِ إذا زوَّجَا أنفُسَهُما، ولأنَّ مَنْ مُنعَ مِنْ الوفاءِ مَعقودُ العَقدِ خرَجَ مِنْ العَقدِ كالمَحجورِ عليهِ، ولأنه أحَدُ طَرفي الاستِباحةِ، فلمْ تَملكْه المَرأةُ كالطَّلاقِ، ولأنَّ لوَليِّ المرأةِ قبْلَ بُلوغِها حَقَّينِ: حَقًّا في طلَبِ الكَفاءةِ، وحَقًّا في طَلبِ العَقدِ، فلمَّا كانَ بُلوغُها غيرَ مُسقِطٍ لحَقِّه في طَلبِ الكَفاءةِ كانَ غيرَ مُسقِطٍ لحَقِّه في مُباشَرةِ العَقدِ، ويَتحرَّرُ مِنْ اعتِلالِه قياسَانِ: أحَدُهما: أنه أحَدُ حَقَّيِ الوليِّ، فلمْ يَسقُطْ ببُلوغِها كطَلبِ الكَفاءةِ. والثَّاني: أنَّ كُلَّ مَنْ ثبَتَ عليها حَقُّ الوليِّ في طَلبِ الكَفاءةِ ثبَتَ عليه حَقُّه في مُباشَرةِ العَقدِ كالصَّغيرةِ. ولأنها ناقِصةٌ بالأُنوثةِ كالأمَةِ، ولأنه مُولًّى عليها في النكاحِ، فلا تَلِيه كالصَّغيرةِ، ولأنَّ مِنْ طِباعِ النِّساءِ شَهوةَ النكاحِ والمَيلَ إلى الرِّجالِ والتسرُّعَ إلى ذلكَ، فلو جُعلَتِ العُقودُ إليهنَّ لَتَسرَّعنَ ولم يُراعِينَ كفاءةً ولا حظًّا في عاقِبتِه، وفي ذلكَ ضَررٌ بهنَّ وبالأولياءِ، فمُنِعْنَ منه، ولأنها غيرُ مَأمونةٍ على البُضعِ؛ لنُقصانِ عَقلِها وسُرعةِ انخِداعِها، فلمْ يَجُزْ تَفويضُه إليها كالمُبذِّرِ في المالِ، والعِلةُ في مَنعِها صِيانتُها عن مُباشَرةِ ما يُشعِرُ بوَقاحتِها ورُعونتِها ومَيلِها إلى الرجالِ، وذلكَ يُنافي حالَ أهلِ الصِّيانةِ والمُروءةِ (١).

стр. 8667

إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا ﵀ له قَولٌ بأنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ مُعتَقةً أو مِسكينةً دِنيَّةً أو تكونُ في قَريةٍ لا سُلطانَ فيها جازَ لها أنْ تَستخلِفَ رَجلًا يُزوِّجُها. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا مالِكٌ فتَحصيلُ مَذهبِه أنَّه «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ»، هذه جُملَتُه. ورَوَى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّ الشَّريفةَ والدَّنيةَ والسَّوداءَ والمُسَالِمةَ ومَن لا خطْبَ لها في ذلكَ سَواءٌ، هذا معنَى رِوايةِ أشهَبَ عن مالِكٍ. وقالَ ابنُ القاسِمِ عنهُ: إذا كانَتِ المَرأةُ مُعتَقةً أو مِسكينةً دَنيةً أو تَكونُ في قَريةٍ لا سُلطانَ فيها فلا بأسَ أنْ تَستخلِفَ رَجلًا يُزوِّجُها ويَجوزُ ذلكَ،

стр. 8668

وإنْ كانَتْ ذاتَ حَسبٍ لها حالٌ وشرَفٌ فلا يَنبغِي لها أنْ يزوِّجَها إلَّا وليُّها أو السُّلطانُ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والحسَنُ وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ -وقيلَ: إنَّ مُحمدًا رجَعَ إلى هذهِ الرِّوايةِ في آخِرِ عُمرِه- وأحمَدُ في رِوايةٍ (٢) إلى أنه يَجوزُ نِكاحُ المَرأةِ البالِغةِ العاقِلةِ بغيرِ وليٍّ، بِكرًا كانَتْ أو ثَيبًّا، ولو مِنْ غيرِ كُفءٍ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، -وقيلَ: إذا كانَ مِنْ غيرِ كُفءٍ لا يَجوزُ، وقيلَ: عليهِ الفتوَى-؛ لحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ مَرفوعًا: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» (٣)، والمُرادُ بالأيِّمِ: مَنْ لا زوْجَ لها، سَواءٌ تزوَّجَتْ قبلُ أو لم تتزوَّجْ (٤).

стр. 8669

وقولِه تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، فالآيَةُ الشَّريفةُ نَصٌّ على انعِقادِ النكاحِ بعِبارتِها وانعِقادِها بلَفظِ الهبةِ، فكانَتْ حُجَّةً.

стр. 8670

وقولِه تَعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والاستِدلالُ به مَنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنه أضافَ النكاحَ إليها، فيَقتضي تَصوُّرَ النكاحِ منها. والثَّاني: أنه جعَلَ نِكاحَ المرأةِ غايَةَ الحُرمةِ، فيَقتضِي انتِهاءَ الحُرمةِ عندَ نكاحِها نفْسِها. وقولِه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: يَتَناكَحَا، أضافَ النكاحَ إليهِما مِنْ غيرِ ذِكرِ الوليِّ. وقولِه : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، والاستِدلالُ به مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنه أضافَ النكاحَ إليهنِّ، فيَدلُّ على جَوازِ النكاحِ بعَبارتِهنَّ مِنْ غيرِ شَرطِ الوليِّ. والثَّاني: أنه نهَى الأولياءَ عنِ المَنعِ عن نكاحِهنَّ أنفُسَهنَّ مِنْ أزواجِهنَّ إذا تَراضَى الزَّوجانِ، والنَّهيُ يَقتضِي تَصويرَ المَنهيِّ عنه. وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وفي آيَةٍ أُخرَى: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أضافَ النكاحَ والفعلَ إليهنَّ، وذلكَ يَدلُّ على صحَّةِ عِبارتِهنَّ ونَفاذِها؛ لأنه أضافَه إليهنَّ على سَبيلِ الاستِقلالِ؛ إذْ لم يَذكرْ معَها غيرَها، وهي إنْ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ بمَهرِ المِثلِ فقدْ فعَلَتْ في نَفسِها بالمَعروفِ، فلا جُناحَ على الأولياءِ في ذلكَ.

стр. 8671

وأمَّا السُّنةُ: فعنْ عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «جاءَتْ فَتاةٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبِي زوَّجَنِي ابنَ أخيهِ يَرفَعُ بي خَسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالَتْ: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبِي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلمَ النِّساءُ أنْ ليْسَ للآبَاءِ مِنْ الأمرِ شيءٌ» (١)، وهذا يُفيدُ بعُمومِه أنَّ ليسَ له المُباشَرةُ حقًّا ثابتًا، بل استِحبابٌ، وفيه دَليلٌ مِنْ جِهةِ تَقريرِه قولَها ذلكَ أيضًا. وفي البُخاريِّ: «عن الخَنساءِ بِنتِ خِذامٍ الأنصاريةِ أنَّ أباها زوَّجَها وهي ثيِّبٌ فكَرهَتْ ذلكَ، فأتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فرَدَّ نِكاحَه» (٢). وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ليسَ للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأْمَرُ، وصَمتُها إقرارُها» (٣). وأيضًا فإنها لمَّا بلَغَتْ عن عَقلٍ وحُريةٍ فقدْ صارَتْ وليَّةَ نَفسِها في النكاحِ، فلا تَبقَى مولَّيًا عليها كالصَّبيِّ العاقلِ إذا بلَغَ، والجَامعُ أنَّ وِلايةَ الإنكاحِ إنما ثَبتَتْ للأبِ على الصَّغيرةِ بطريقِ النِّيابةِ عنها شَرعًا؛ لكَونِ

стр. 8672

النكاحِ تصرُّفًا نافِعًا مُتضمِّنًا مَصلحةَ الدِّينِ والدُّنيا وحاجَتَها إليهِ حالًا ومَآلًا، وكَونِها عاجِزةً عن إحرازِ ذلكَ بنَفسِها، وكَونِ الأبِ قادرًا عليه، وبالبُلوغِ عن عَقلٍ زالَ العَجزُ حَقيقةً وقدَرَتْ على التصرُّفِ في نَفسِها حَقيقةً، فتَزولُ وِلايةُ الغيرِ عنها وتَثبتُ الوِلايةُ لها؛ لأنَّ النيابةَ الشَّرعيةَ إنما تَثبتُ بطَريقِ الضَّرورةِ نَظرًا، فتَزولُ بزَوالِ الضَّرورةِ، مع أنَّ الحُريةَ مُنافِيةٌ لثُبوتِ الوِلايةِ للحُرِّ على الحُرِّ، وثُبوتُ الشَّيءِ مع المُنافي لا يكونُ إلا بطَريقِ الضَّرورةِ، ولهذا المعنَى زالَتِ الوِلايةُ عن إنكاحِ الصَّغيرِ العاقِلِ إذا بلَغَ وتَثبتُ الوِلايةُ له، وهذا المعنَى مَوجودٌ في الفَرعِ، ولهذا زالَتْ وِلايةُ الأبِ عن التصرُّفِ في مالِها وتَثبتِ الوِلايةُ لها، كذا هذا؛ فإنه لا وِلايةَ له أنْ يَتصرَّفَ في أقَلِّ شيءٍ مِنْ مالِ البِكرِ البالِغةِ إلا بإذنِها، وكُلُّ المالِ دونَ النَّفسِ، وإذا صارَتْ وَليَّ نَفسِها في النكاحِ لا تَبقَى مُوليًا عليها بالضَّرورةِ؛ لِمَا فيه مِنْ الاستحالةِ. وأمَّا الآيةُ فالخِطابُ للأولياءِ بالإنكاحِ ليسَ يَدلُّ على أنَّ الوليَّ شَرطُ جَوازِ الإنكاحِ، بل على وِفاقِ العُرفِ والعادةِ بينَ الناسِ، فإنَّ النِّساءَ لا يَتولَّينَ النكاحَ بأنفُسِهنَّ عادةً؛ لِمَا فيه مِنْ الحاجةِ إلى الخُروجِ إلى مَحافِلِ الرجالِ، وفيه نِسبتُهنَّ إلى الوَقاحةِ، بل الأولياءُ همُ الذينَ يَتولَّونَ ذلكَ عليهنَّ برِضاهُنَّ، فخرَجَ الخِطابُ بالأمرِ بالإنكاحِ مَخرجَ العُرفِ والعادةِ على النَّدبِ والاستِحبابِ دونَ الحَتمِ والإيجابِ، والدَّليلُ عليهِ ما

стр. 8673

ذكَرَ عَقِيبَه، وهو قولُه تعالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ثمَّ لم يَكنِ الصَّلاحُ شرْطَ الجَوازِ، ونَظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، أو تُحمَلُ الآيةُ الكَريمةُ على إنكاحِ الصِّغارِ عمَلًا بالدَّلائلِ كلِّها. وعلى هذا يُحمَلُ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ : «لا يُزوِّجُ النِّساءَ إلَّا الأولياءُ» أنَّ ذلكَ على النَّدبِ والاستِحبابِ (١). وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ وأبو يُوسفَ في قولِه الآخَرِ إلى أنَّ الحرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ رَجلٍ أو وكَّلَتْ رَجلًا بالتَّزويجِ فتزوَّجَها أو زوَّجَها فُضوليٌّ فيتوقَّفُ ذلكَ على إجازةِ الوليِّ والحاكِمِ، فلا يَحلُّ للزَّوجِ وَطؤُها قبلَ الإجازةِ، ولو وَطئَها يكونُ وَطئًا حَرامًا، ولا يَقعُ عليها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، ولو ماتَ أحَدُهما لم يَرثْه الآخَرُ، سَواءٌ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ أو غيرِ كُفءٍ. وإذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ وبلَغَ الوليَّ فامتَنعَ مِنْ الإجازةِ فرفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكِمِ فإنه يُجيزُه في قَولِ أبي يُوسفَ.

стр. 8674

وقالَ مُحمدٌ: يُستأنَفُ العَقدُ، ويُسقِطُ الحاكِمُ وِلايةَ الوليِّ، ويَعقدُ عليها عَقدًا مُستأنَفًا، ويَبطلُ العَقدُ المُتقدِّمُ. وجْهُ قولِه: إنَّ العقدَ كانَ مَوقوفًا على إجازةِ الوليِّ، فإذا امتَنعَ مِنْ الإجازَةِ فقدْ رَدَّه، فيَرتَدُّ ويَبطلُ مِنْ الأصلِ، فلا بُدَّ مِنْ الاستئنافِ. وذكَرَ هِشامٌ عن مُحمدٍ: فإنْ لم يُجِزْه الوليُّ أُجيزُه أنَا، وكانَ يَومئذٍ قاضِيًا، فصارَ عنهُ رِوايتانِ، ورُويَ عنه أنه رجَعَ إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيامٍ. وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفرٍ الهِندوانِيُّ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى مُحمدٍ قبْلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيامٍ وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يزوِّجُنِي إلا بعدَ أنْ يأخُذَ منِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمدٌ: اذهَبِي فزوِّجِي نفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُويَ مِنْ رُجوعِه. وجْهُ قولِ أبي يُوسفَ: إنه بالامتِناعِ صارَ عاضِلًا؛ إذْ لا يَحلُّ له الامتِناعُ مِنْ الإجازةِ إذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ، فإذا امتَنعَ فقدْ عضَلَها، فخرَجَ مِنْ أنْ يكونَ وليًّا، وانقَلبَتِ الوِلايةُ إلى الحاكِمِ. ورُويَ عن مُحمدٍ أنه إذا كانَ للمَرأةِ وَليٌّ لا يَجوزُ نِكاحُها إلا بإذنِه، وإنْ لم يَكنْ لها وَليٌّ جازَ إنكاحُها على نَفسِها، وجْهُ ما رُويَ عن مُحمدٍ مِنْ الفَرقِ بينَ ما إذا كانَ لها وَليٌّ وبينَ ما إذا لم يَكنْ لها وَليٌّ أنَّ وُقوفَ العقدِ على إذنِ الوليِّ كانَ لحَقِّ الوليِّ لا لِحَقِّها، فإذا لم يَكنْ لها وَليٌّ

стр. 8675

فلا حقَّ للوليِّ، فكانَ الحَقُّ لها خاصَّةً، فإذا عقَدَتْ فقدْ تصرَّفَتْ في خالِصِ حقِّها فنفَذَ. ورُويَ عن أبي يُوسفَ رِوايةٌ أُخرى أنها إذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ يَنفذُ وتَثبتُ سائِرُ الأحكامِ، وجْهُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ أنها إذا زوَّجتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ يَنفذُ؛ لأنَّ حَقَّ الأولياءِ في النكاحِ مِنْ حيثُ صِيانتُهم عمَّا يُوجِبُ لُحوقَ العارِ والشَّينَ بهمْ بنِسبةِ مَنْ لا يُكافِئُهم بالصِّهريةِ إليهم، وقد بطَلَ هذا المَعنى بالتَّزويجِ مِنْ كُفءٍ، يُحقِّقُه أنها لو وجَدَتْ كُفئًا وطلَبَتْ مِنْ المَولَى الإنكاحَ منه لا يَحلُّ له الامتِناعُ، ولو امتَنعَ يَصيرُ عاضِلًا، فصارَ عَقدُها -والحالَةُ هذهِ- بمَنزلةِ عَقدِه بنَفسِه (١). وأمَّا الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ فقدْ بيَّنَ وذكَرَ اختِلافَ الفُقهاءِ، وبيَّنَه أحسَنَ بَيانٍ، وذكَرَ سَببَ الاختِلافِ بينَهُم، فقالَ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ هل الوِلايةُ شَرطٌ مِنْ شُروطِ صحَّةِ النكاحِ؟ أم ليسَتْ بشَرطٍ؟ فذهَبَ مالكٌ إلى أنه لا يَكونُ النكاحُ إلَّا بوَليٍّ، وأنها شَرطٌ في الصحَّةِ في رِوايةِ أشهَبَ عنه، وبه قالَ الشافعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والشَّعبيُّ والزُّهريُّ: إذا عقَدَتِ المرأةُ نكاحَها بغيرِ وَليٍّ وكانَ كفُؤًا جازَ.

стр. 8676

وفرَّقَ داودُ بينَ البكرِ والثيِّبِ، فقالَ باشتِراطِ الوليِّ في البكرِ، وعَدمِ اشتِراطِه في الثيِّبِ. ويَتخرَّجُ على رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ في الولايةِ قَولٌ رابِعٌ أنَّ اشتِراطَها سُنةٌ لا فَرضٌ، وذلكَ أنه رُويَ عنه أنه كانَ يرَى المِيراثَ بينَ الزَّوجينِ بغيرِ وَليٍّ، وأنه يَجوزُ للمرأةِ غيرِ الشَّريفةِ أنْ تَستخلِفَ رَجلًا مِنْ الناسِ على إنكاحِها، وكانَ يَستحِبُّ أنْ تقدِّمَ الثيِّبُ وليَّها لِيَعقدَ عليها، فكأنه عندَه مِنْ شُروطِ التَّمامِ لا مِنْ شُروطِ الصحَّةِ، بخِلافِ عِبارةِ البَغداديِّينَ مِنْ أصحابِ مالِكٍ، أعني أنهم يَقولونَ: إنها مِنْ شُروطِ الصحَّةِ لا مِنْ شروطِ التَّمامِ. وسَببُ اختِلافِهم أنه لم تَأتِ آيةٌ ولا سُنةٌ هي ظاهِرةٌ في اشتراطِ الوِلايةِ في النكاحِ، فَضلًا عن أنْ يكونَ في ذلكَ نَصٌّ، بل الآياتُ والسُّنَنُ التي جرَتِ العادةُ بالاحتِجاجِ بها عندَ مَنْ يَشترطُها هي كلُّها مُحتمَلةٌ. وكذلكَ الآياتُ والسُّننُ التي يَحتجُّ بها مَنْ يَشترطُ إسقاطَها هي أيضًا مُحتمَلةٌ في ذلكَ، والأحادِيثُ مع كَونها مُحتمَلةً في ألفاظِها مُختلَفٌ في صحَّتِها إلَّا حديثَ ابنِ عبَّاسٍ، وإنْ كانَ المُسقِطُ لها ليسَ عليهِ دَليلٌ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ الذمَّةِ. ونحنُ نُورِدُ مَشهورَ ما احتَجَّ به الفَريقانِ، ونُبيِّنُ وجهَ الاحتمالِ في ذلكَ. فمَن أظهَرِ ما يَحتجُّ به مِنْ الكِتابِ مَنْ اشتَرطَ الوِلايةَ قولُه تعالَى:

стр. 8677

﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، قالوا: وهذا خِطابٌ للأولياءِ، ولو لم يَكنْ لهم حقٌّ في الوِلايةِ لَمَا نُهُوا عنِ العَضلِ. وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، قالُوا: وهذا خِطابٌ للأولياءِ أيضًا. ومِن أشهَرِ ما احتَجَّ به هؤلاءِ مِنْ الأحادِيثِ ما رواهُ الزُّهريُّ عن عُروةَ عن عائِشةَ قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذنِ وَليِّها فنِكاحُها باطِلٌ -ثَلاثَ مرَّاتٍ-، وإِن دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ مِنها، فإنْ اشتَجَرُوا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» خرَّجَه التِّرمذيُّ وقالَ فيهِ: حَديثٌ حسَنٌ. وأمَّا ما احتَجَّ به مَنْ لم يَشترطِ الوِلايةَ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ فقولُه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قالُوا: وهذا دَليلٌ على جَوازِ تصرُّفِها في العَقدِ على نَفسِها. قالوا: وقد أضافَ إليهنَّ في غيرِ ما آيةٍ مِنْ الكِتابِ الفِعلَ فقالَ: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقالَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وأمَّا مِنْ السُّنةِ فاحتَجُّوا بحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ المُتفَقِ على صحَّتِه، وهوَ قولُه ﵊: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ تُستأْمَرُ في نَفسِها، وإِذنُها صُماتُها»، وبهذا الحَديثِ احتَجَّ داودُ في الفَرقِ عندَه بينَ الثيِّبِ والبِكرِ في هذا المعنَى، فهذا مَشهورُ ما احتَجَّ به الفَريقانِ مِنْ السَّماعِ.

стр. 8678

فأمَّا قولُه تعالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فليسَ فيه أكثَرُ مِنْ نهيِ قَرابةِ المرأةِ وعصَبتِها مِنْ أنْ يَمنعُوها النكاحَ، وليسَ نهيُهم عن العَضلِ ممَّا يُفهَمُ منه اشتِراطُ إذنِهم في صحَّةِ العَقدِ، لا حَقيقةً ولا مَجازًا، أعني بوَجهٍ مِنْ وُجوهِ أدلَّةِ الخِطابِ الظَّاهرةِ أو النَّصِّ، بل قد يُمكِنُ أنْ يُفهَمَ منه ضِدُّ هذا، وهو أنَّ الأولياءَ ليسَ لهم سَبيلٌ على مَنْ يَلُونَهم. وكذلكَ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] هو أنْ يكونَ خِطابًا لأُولِي الأمرِ مِنْ المُسلمينَ أو لجَميعِ المُسلمينَ أَحرَى منه أنْ يَكونَ خِطابًا للأولياءِ، وبالجُملةِ فهو مُتردِّدٌ بينَ أنْ يكونَ خِطابًا للأولياءِ أو لأُولِي الأمرِ، فمَن احتَجَّ بهذهِ الآيةِ فعليهِ البيانُ أنه أظهَرُ في خِطابِ الأولياءِ منه في أُولِي الأمرِ. فإنْ قيلَ: إنَّ هذا عامٌّ، والعامُّ يَشملُ ذَوِي الأمرِ والأولياءَ. قيلَ: إنَّ هذا الخِطابَ إنما هو خِطابٌ بالمَنعِ، والمَنعُ بالشَّرعِ، فيَستوِي فيه الأولياءُ وغيرُهم، وكونُ الوليِّ مأمورًا بالمنعِ بالشَّرعِ لا يُوجِبُ له وِلايةً خاصَّةً في الإذنِ، أصلُه الأجنَبيُّ، ولو قُلنا: إنه خِطابٌ للأولياءِ يُوجِبُ اشتِراطَ إذنِهم في صحَّةِ النكاحِ لَكانَ مُجمَلًا لا يَصحُّ به عَملٌ؛ لأنه ليسَ فيهِ ذِكرُ أصنافِ الأولياءِ ولا صِفاتِهم ولا مَراتبِهم، والبَيانُ لا يَجوزُ تأخيرُه عن وَقتِ الحاجَةِ، ولو كانَ في هذا كلِّه شَرعٌ مَعروفٌ لنُقِلَ تَواترًا أو قَريبًا مِنْ التَّواتُرِ؛ لأنَّ هذا مما تَعمُّ به البَلوى، ومَعلومٌ أنه كانَ في المَدينةِ مَنْ لا وَليَّ

стр. 8679

له، ولم يُنقَلْ عنه ﷺ أنه كانَ يَعقدُ أنكِحَتَهم، ولا يُنصِّبُ لذلكَ مَنْ يَعقدِها، وأيضًا فإنَّ المَقصودَ مِنْ الآيةَ ليسَ هو حُكمَ الولايةِ، وإنما المَقصودُ منها تَحريمُ نكاحِ المُشركينَ والمُشركاتِ، وهذا ظاهِرٌ واللهُ أعلَمُ. وأمَّا حَديثُ عائِشةَ فهو حَديثٌ مُختلَفٌ في وُجوبِ العَملِ به، والأظهَرُ أنَّ ما لا يُتفَقُ على صحَّتِه أنه ليسَ يجبُ العملُ به. وأيضًا فإنْ سلَّمْنا صحَّةَ الحديثِ فليسَ فيهِ إلَّا اشتِراطُ إذنِ الوليِّ لمَن لها وَليٌّ، أعنَي المولى عليها، وإنْ سلَّمْنا أنه عامٌّ في كلِّ امرأةٍ فليسَ فيه أنَّ المرأةَ لا تَعقدُ على نَفسِها، أعني أنْ لا تَكونَ هي التي تَلِي العقدَ، بل الأظهَرُ منه أنه إذا أَذِنَ الوليُّ لها جازَ أنْ تَعقدَ على نَفسِها دونَ أنْ تَشترطَ في صحَّةِ النكاحِ إشهادَ الوليِّ معَها. وأمَّا ما احتَجَّ به الفَريقُ الآخَرُ مِنْ قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فإنَّ المَفهومَ منه النهيُ عنِ التَّثريبِ عليهنَّ فيما استَبدَدْنَ بفِعلِه دونَ أوليائِهنَّ، وليسَ هاهُنا شيءٌ يُمكِنُ أنْ تَستبِدَّ به المرأةُ دونَ الوليِّ إلَّا عقْدَ النكاحِ، فظاهِرُ هذهِ الآيةِ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ لها أنْ تَعقدَ النكاحَ، وللأولياءِ الفَسخُ إذا لم يَكنْ بالمَعروفِ، وهو الظاهِرُ مِنْ الشَّرعِ، إلَّا أنَّ هذا لم يَقلْ به أحَدٌ، وأنْ يُحتَجَّ ببَعضِ ظاهِرِ الآيةِ على رَأيِهم ولا يُحتَجَّ ببَعضِها فيه ضَعفٌ. وأمَّا إضافةُ النكاحِ إليهنَّ فليسَ فيه دَليلٌ على اختِصاصِهنَّ بالعَقدِ،

стр. 8680

لكنَّ الأصلَ هو الاختِصاصُ، إلَّا أنْ يَقومَ الدَّليلُ على خِلافِ ذلكَ. وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ فهو لَعَمرِي ظاهِرٌ في الفَرقِ بينَ الثيِّبِ والبِكرِ؛ لأنه إذا كانَ كُلُّ واحدٍ منهُما يُستأذَنُ ويتولَّى العقدَ عليهِما الوليُّ فبِماذا -ليتَ شِعرِي- تكونُ الأيِّمُ أحَقَّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، وحَديثُ الزُّهريِّ هو أنْ يكونَ مُوافِقًا هذا الحديثَ أَحرَى مِنْ أنْ يكونَ مُعارِضًا له، ويُحتمَلُ أنْ تكونَ التفرِقةُ بينَهُما في السُّكوتِ والنُّطقِ فقط، ويَكونَ السُّكوتُ كافِيًا في العَقدِ، والاحتِجاجُ بقولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] هو أظهَرُ في أنَّ المرأةَ تَلِي العقدَ مِنْ الاحتِجاجِ بقولِه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] على أنَّ الوليَّ هو الذي يَلي العقدَ. وقد ضعَّفَتِ الحَنفيةُ حَديثَ عائِشةَ؛ وذلكَ أنه حَديثٌ رواهُ جَماعةٌ عن ابنِ جُريجٍ عنِ الزُّهريِّ، وحكَى ابنُ عُليةَ عن ابنِ جُريجٍ أنه سألَ الزُّهريَّ عنه فلمْ يَعرفْه، قالوا: والدَّليلُ على ذلكَ أنَّ الزُّهريَّ لم يَكنْ يَشترطُ الوِلايةَ، ولا الوِلايةُ مِنْ مَذهبِ عائشةَ. وقد احتَجُّوا أيضًا بحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ»، ولكنَّه مُختلَفٌ في رَفعِه. وكذلكَ اختَلفوا أيضًا في صحَّةِ الحديثِ الوارِدِ في نكاحِ النبيِّ ﵊ أمَّ سَلمةَ وأمرِه لابنِها أنْ يُنكحَها إياهُ.

стр. 8681

وأمَّا احتِجاجُ الفريقَينِ مِنْ جِهةِ المَعاني فمُحتمَلٌ، وذلكَ أنه يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّشدَ إذا وُجدَ في المرأةِ اكتُفيَ به في عَقدِ النكاحِ كما يُكتفَى به في التصرُّفِ في المالِ، ويُشبِهُ أنْ يقالَ: إنَّ المرأةَ مائِلةٌ بالطَّبعِ إلى الرِّجالِ أكثَرَ مِنْ مَيلِها إلى تَبذيرِ الأموالِ، فاحتَاطَ الشَّرعُ بأنْ جعَلَها مَحجوزةً في هذا المعنَى على التأبيدِ، مع أنَّ ما يَلحقُها مِنْ العارِ في إلقاءِ نَفسِها في غيرِ مَوضعِ كَفاءةٍ يَتطرُّقُ إلى أوليائِها، لكنْ يكفِي في ذلكَ أنْ يكونَ للأولياءِ الفسخُ أو الحِسبةُ. والمَسألةُ مُحتمَلةٌ كما تَرَى، ولكنَّ الذي يَغلبُ على الظنِّ أنه لو قصَدَ الشارِعُ اشتِراطَ الوِلايةِ لَبيَّنَ جنسَ الأولياءِ وأصنافَهم ومَراتبَهم، فإنَّ تأخُّرَ البيانِ عن وَقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، فإذا كانَ لا يَجوزُ عليهِ ﵊ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، وكانَ عُمومُ البلوَى في هذهِ المَسألةِ يَقتضِي أنْ يُنقلَ اشتِراطُ الولايةِ عنه ﷺ تَواترًا أو قَريبًا مِنْ التواتُرِ ثمَّ لم يُنقلْ، فقد يَجبُ أنْ يُعتقدَ أحَدُ أمرَينِ: إمَّا أنه ليسَتِ الوِلايةُ شَرطًا في صحَّةِ النكاحِ، وإنَّما للأولياءِ الحِسبةُ في ذلكَ. وإمَّا إنْ كانَ شَرطًا فليسَ مِنْ صحَّتِها تَمييزُ صِفاتِ الوليِّ وأصنافِهم ومَراتبِهم، ولذلكَ يَضعُفُ قَولُ مَنْ يُبطِلُ عقْدَ الوليِّ الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ (١).

стр. 8682

إذا حكَمَ بصحَّةِ عَقدِ النكاحِ بدونِ وَليٍّ حاكِمٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النكاحِ بلا وَليٍّ إذا حكَمَ بصحَّتِه حاكِمٌ، هل يَنفذُ حُكمُه أم يُنقَضُ حُكمُه؟ فذهَبَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ مِنْ الشَّافعيةِ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ النكاحَ إذا انعَقدَ بدُونِ وَليٍّ وحكَمَ به الحاكمُ فإنه يُنقَضُ حُكمُه؛ لأنه مُخالِفٌ لنَصِّ الخبَرِ، وهو ما رَوتْ عائِشةُ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذْنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ -ثَلاثَ مرَّاتٍ-، فإنْ دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ منها، فإنْ تَشاجَروا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ إذا انعَقدَ بدُونِ وليٍّ فحكَمَ بصحَّتِه حاكِمٌ أنه صَحيحٌ نافِذٌ؛ لأنه مُختلَفٌ فيه ويَسوغُ فيه الاجتِهادُ، فلمْ يَجُزْ نَقضُ الحُكمِ كما لو حكَمَ بالشُّفعةِ للجارِ، وأمَّا الخبَرَ فليسَ بنَصٍّ؛ لأنه مُحتمِلٌ للتأويلِ، وفي صحَّتِه كَلامٌ، وقد عارَضَه ظواهِرُ، وكذلكَ سائرُ الأنكِحةِ الفاسدةِ عندَ الحَنابلةِ. فإنْ وَطئَها الزوجُ قبْلَ الحُكمِ بصحَّتِه لم يَجبْ عليهِ الحدُّ (٢).

стр. 8683

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: مَسألةٌ: قالَ الشافعيُّ: «وجمَعَتِ الطريقُ رِفقةً فيهم امرأةٌ ثيِّبٌ، فوَلَّتْ أمْرَها رَجلًا منهم فزوَّجَها، فجلَدَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ الناكِحَ والمُنكِحَ، ورَدَّ نِكاحَهما». قالَ الماوَرديُّ: وهذا الأمرُ المَرويُّ عن عُمرَ وإنْ كانَ دَليلًا على إبطالِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ، فالمَقصودُ به يتعلَّقُ على المُتناكحَينِ بغيرِ وليٍّ مِنْ الأحكامِ، فإذا تَناكَحَ الزَّوجانِ بغيرِ وليٍّ فلا يَخلُو حالُهُما مِنْ أنْ يَترافعَا فيه إلى حاكِمٍ أم لا: فإنْ تَرافعَا فيه إلى حاكِمٍ لم يَخلُ حالُ الحاكِمِ مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يكونَ شافِعيًّا يَرَى إبطالَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ، أو يكونَ حَنفيًّا يرَى جوازَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ. فإنْ كانَ شافِعيًّا يرَى إبطالَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ حكَمَ بإبطالِه وفرَّقَ بينَهُما، فإنِ اجتَمعَا حكَمَ فيه بمَذهبِه، وقَضَى بينَهُما على الإصابةِ بعدَ تَفريقِ الحاكِمِ بينَهُما كانَا زانيَينِ عليهِما الحَدُّ؛ لأنَّ شُبهةَ العقدِ قدِ ارتفَعَتْ بحُكمِ الحاكمِ بينَهُما بالفُرقةِ، فلو تَرافعَا بعدَ إبطالِ الحاكمِ الشَّافعيِّ إلى حاكمٍ حَنفيٍّ لم يَكنْ له أنْ يَحكمَ بجَوازِه؛ لنُفوذِ الحُكمِ بإبطالِه، وإنْ كانَا في الابتِداءِ قد تَرافعَا إلى حاكمٍ حَنفيٍّ يرَى صحَّةَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ فحكَمَ بينَهُما بصحَّتِه وأَذِنَ لهُما بالاجتِماعِ فيه فلم يَكنْ عليهِما في الإصابةِ حَدٌّ؛ لنُفوذِ الحُكمِ بالإباحةِ، فلو تَرافعَا بعدَ حُكمِ الحَنفيِّ بصحةٍ إلى حاكِمٍ

стр. 8684

شافِعيٍّ فهل لهُ أنْ يَحكمَ بإبطالِه ويَنقضَ حُكمَ الحنفيِّ بصحَّتِه وإمضائِه أم لا؟ على وَجهينِ: أحَدُهما: له الحُكمُ بإبطالِه ونَقضِ حُكمِ الحَنفيِّ بإمضائِه؛ لِمَا فيه مِنْ مُخالَفةِ النَّصِّ في قولِه: «فنِكاحُها باطِلٌ، ثَلاثًا». والوَجهُ الثَّاني: أنه ليسَ له أنْ يَنقضَ حُكمًا قد نفَذَ باجتِهادٍ والنَصُّ فيه مِنْ أخبارِ الآحادِ. وإذا لم يَترافعَا فيه إلى حاكِمٍ ولا حُكِمَ فيه بأحَدِ الأمرَينِ مِنْ صحَّةٍ أو إبطالٍ، فإنْ لم يَجتمِعَا فيه على الإصابةِ حتَّى افتَرقَا فلا عدَّةَ عليهِما ولا مهْرَ لها، وإنْ ماتَ أحَدُهما لم يَتوارثَا، وإنِ اجتَمعَا فيه على الإصابة لم تَخلُ حالُهُما مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يَعتقدَا الإباحةَ، والثاني: أنْ يَعتقدَا تَحريمَه، والثالِثُ: أنْ يَجهلَا حُكمَه. فإنِ اعتَقدَا الإباحَةَ لاعتِقادِهما مَذهبَ أبي حَنيفةَ فيه فلا حَدَّ عليهِما؛ لاستِباحَتِهما له مِنْ اجتِهادٍ مُسوَّغٍ. فإنْ قيلَ: أفَليسَ لو شَربَ النَّبيذَ مَنْ اعتَقدَ مذهبَ أبي حَنيفةَ في إباحَتِه حَددْتموهُ، فهلَّا حَدَدْتُم هذا مع اعتقادِه إباحَته؟ قيلَ: الفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ الشُّبهةَ في النكاحِ بغيرِ وَليٍّ أقوَى؛ لتَردُّدِه بينَ أصلَيْ حَظرٍ مِنْ زنًا وإباحةٍ مِنْ نكاحٍ، وإباحةُ الشُّبهةِ في النَّبيذِ الذي لا يَرجعُ إلَّا إلى أصلٍ واحدٍ في الحَظرِ والتَّحريمِ وهوَ الخَمرُ.

стр. 8685

والثَّاني: أنَّ النكاحَ الَّذي عقَدَه وَليٌّ (١) قد جُعلَ له سَبيلٌ إلى استِباحتِه بوَليٍّ، فاقتُصرَ في الزَّجرِ عنه على مُجرَّدِ النهيِ، وليسَ كالنبيذِ الذي لا سَبيلَ إلى استِباحتِه، فلمْ يقتصرْ في الزَّجرِ عنه على مُجرَّدِ النهيِ حتَّى يُضَمَّ إليه حُكمٌ هو أبلَغُ في الزَّجرِ؛ ليَكونَ أمنَعَ مِنْ الإقدامِ عليهِ. وإذا كانَا جاهَلينِ بتَحريمِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ فلا حَدَّ عليهِما؛ لأنَّ الجَهلَ بالتحريمِ أقوَى شُبهةً، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ»، ولأنَّ مَنْ جَهِلَ تحريمَ الزنا لحُدوثِ إسلامِه لم يُجلَدْ، فكانَ هذا بَدرءِ الحَدِّ أَولى، أَلَا تَرَى أنَّ قولَ عُثمانَ ﵁ في أمَةٍ أقرَّتْ بالزِّنا إقرارَ جاهِلٍ بتَحريمِه: «أرَاها تَشهدُ به كأنَّها لم تَعلمْ، وإنَّما الحَدُّ على مَنْ عَلِمَ»، ثمَّ يتعلَّقُ على هذهِ الإصابةِ مِنْ الأحكامِ ما يَتعلَّقُ على النكاحِ الصحيحِ، إلَّا في المُقامِ عليه فيُوجِبُ العدَّةَ ويُلحِقُ بالنسَبِ ويَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ، ولكنْ في ثُبوتِ المَحرميةِ بها وَجهانِ: أحَدُهما: تَثبتُ بها المَحرمُ كما تَثبتُ بها تَحريمُ المُصاهَرةِ، فلا تُحجَبُ عن أبيهِ وابنِه، ولا يُحجَبُ عنه أمِّها وبنتِها. والوَجهُ الثاني: أنْ يَثبتَ المَحرمُ وإنْ ثبَتَ به تَحريمُ المُصاهَرةِ؛ لأننا أثبَتْنا تَحريمَ المُصاهَرةِ تَغليظًا، فاقتَضَى أنْ يَنتفيَ عنه ثُبوتُ المَحرمِ تَغليظًا.
следующие страницы →