← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

وأمَّا احتِجاجُ الفريقَينِ مِنْ جِهةِ المَعاني فمُحتمَلٌ، وذلكَ أنه يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّشدَ إذا وُجدَ في المرأةِ اكتُفيَ به في عَقدِ النكاحِ كما يُكتفَى به في التصرُّفِ في المالِ، ويُشبِهُ أنْ يقالَ: إنَّ المرأةَ مائِلةٌ بالطَّبعِ إلى الرِّجالِ أكثَرَ مِنْ مَيلِها إلى تَبذيرِ الأموالِ، فاحتَاطَ الشَّرعُ بأنْ جعَلَها مَحجوزةً في هذا المعنَى على التأبيدِ، مع أنَّ ما يَلحقُها مِنْ العارِ في إلقاءِ نَفسِها في غيرِ مَوضعِ كَفاءةٍ يَتطرُّقُ إلى أوليائِها، لكنْ يكفِي في ذلكَ أنْ يكونَ للأولياءِ الفسخُ أو الحِسبةُ. والمَسألةُ مُحتمَلةٌ كما تَرَى، ولكنَّ الذي يَغلبُ على الظنِّ أنه لو قصَدَ الشارِعُ اشتِراطَ الوِلايةِ لَبيَّنَ جنسَ الأولياءِ وأصنافَهم ومَراتبَهم، فإنَّ تأخُّرَ البيانِ عن وَقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، فإذا كانَ لا يَجوزُ عليهِ ﵊ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، وكانَ عُمومُ البلوَى في هذهِ المَسألةِ يَقتضِي أنْ يُنقلَ اشتِراطُ الولايةِ عنه ﷺ تَواترًا أو قَريبًا مِنْ التواتُرِ ثمَّ لم يُنقلْ، فقد يَجبُ أنْ يُعتقدَ أحَدُ أمرَينِ: إمَّا أنه ليسَتِ الوِلايةُ شَرطًا في صحَّةِ النكاحِ، وإنَّما للأولياءِ الحِسبةُ في ذلكَ. وإمَّا إنْ كانَ شَرطًا فليسَ مِنْ صحَّتِها تَمييزُ صِفاتِ الوليِّ وأصنافِهم ومَراتبِهم، ولذلكَ يَضعُفُ قَولُ مَنْ يُبطِلُ عقْدَ الوليِّ الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ (١).

стр. 8682

إذا حكَمَ بصحَّةِ عَقدِ النكاحِ بدونِ وَليٍّ حاكِمٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النكاحِ بلا وَليٍّ إذا حكَمَ بصحَّتِه حاكِمٌ، هل يَنفذُ حُكمُه أم يُنقَضُ حُكمُه؟ فذهَبَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ مِنْ الشَّافعيةِ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ النكاحَ إذا انعَقدَ بدُونِ وَليٍّ وحكَمَ به الحاكمُ فإنه يُنقَضُ حُكمُه؛ لأنه مُخالِفٌ لنَصِّ الخبَرِ، وهو ما رَوتْ عائِشةُ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذْنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ -ثَلاثَ مرَّاتٍ-، فإنْ دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ منها، فإنْ تَشاجَروا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ إذا انعَقدَ بدُونِ وليٍّ فحكَمَ بصحَّتِه حاكِمٌ أنه صَحيحٌ نافِذٌ؛ لأنه مُختلَفٌ فيه ويَسوغُ فيه الاجتِهادُ، فلمْ يَجُزْ نَقضُ الحُكمِ كما لو حكَمَ بالشُّفعةِ للجارِ، وأمَّا الخبَرَ فليسَ بنَصٍّ؛ لأنه مُحتمِلٌ للتأويلِ، وفي صحَّتِه كَلامٌ، وقد عارَضَه ظواهِرُ، وكذلكَ سائرُ الأنكِحةِ الفاسدةِ عندَ الحَنابلةِ. فإنْ وَطئَها الزوجُ قبْلَ الحُكمِ بصحَّتِه لم يَجبْ عليهِ الحدُّ (٢).

стр. 8683

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: مَسألةٌ: قالَ الشافعيُّ: «وجمَعَتِ الطريقُ رِفقةً فيهم امرأةٌ ثيِّبٌ، فوَلَّتْ أمْرَها رَجلًا منهم فزوَّجَها، فجلَدَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ الناكِحَ والمُنكِحَ، ورَدَّ نِكاحَهما». قالَ الماوَرديُّ: وهذا الأمرُ المَرويُّ عن عُمرَ وإنْ كانَ دَليلًا على إبطالِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ، فالمَقصودُ به يتعلَّقُ على المُتناكحَينِ بغيرِ وليٍّ مِنْ الأحكامِ، فإذا تَناكَحَ الزَّوجانِ بغيرِ وليٍّ فلا يَخلُو حالُهُما مِنْ أنْ يَترافعَا فيه إلى حاكِمٍ أم لا: فإنْ تَرافعَا فيه إلى حاكِمٍ لم يَخلُ حالُ الحاكِمِ مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يكونَ شافِعيًّا يَرَى إبطالَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ، أو يكونَ حَنفيًّا يرَى جوازَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ. فإنْ كانَ شافِعيًّا يرَى إبطالَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ حكَمَ بإبطالِه وفرَّقَ بينَهُما، فإنِ اجتَمعَا حكَمَ فيه بمَذهبِه، وقَضَى بينَهُما على الإصابةِ بعدَ تَفريقِ الحاكِمِ بينَهُما كانَا زانيَينِ عليهِما الحَدُّ؛ لأنَّ شُبهةَ العقدِ قدِ ارتفَعَتْ بحُكمِ الحاكمِ بينَهُما بالفُرقةِ، فلو تَرافعَا بعدَ إبطالِ الحاكمِ الشَّافعيِّ إلى حاكمٍ حَنفيٍّ لم يَكنْ له أنْ يَحكمَ بجَوازِه؛ لنُفوذِ الحُكمِ بإبطالِه، وإنْ كانَا في الابتِداءِ قد تَرافعَا إلى حاكمٍ حَنفيٍّ يرَى صحَّةَ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ فحكَمَ بينَهُما بصحَّتِه وأَذِنَ لهُما بالاجتِماعِ فيه فلم يَكنْ عليهِما في الإصابةِ حَدٌّ؛ لنُفوذِ الحُكمِ بالإباحةِ، فلو تَرافعَا بعدَ حُكمِ الحَنفيِّ بصحةٍ إلى حاكِمٍ

стр. 8684

شافِعيٍّ فهل لهُ أنْ يَحكمَ بإبطالِه ويَنقضَ حُكمَ الحنفيِّ بصحَّتِه وإمضائِه أم لا؟ على وَجهينِ: أحَدُهما: له الحُكمُ بإبطالِه ونَقضِ حُكمِ الحَنفيِّ بإمضائِه؛ لِمَا فيه مِنْ مُخالَفةِ النَّصِّ في قولِه: «فنِكاحُها باطِلٌ، ثَلاثًا». والوَجهُ الثَّاني: أنه ليسَ له أنْ يَنقضَ حُكمًا قد نفَذَ باجتِهادٍ والنَصُّ فيه مِنْ أخبارِ الآحادِ. وإذا لم يَترافعَا فيه إلى حاكِمٍ ولا حُكِمَ فيه بأحَدِ الأمرَينِ مِنْ صحَّةٍ أو إبطالٍ، فإنْ لم يَجتمِعَا فيه على الإصابةِ حتَّى افتَرقَا فلا عدَّةَ عليهِما ولا مهْرَ لها، وإنْ ماتَ أحَدُهما لم يَتوارثَا، وإنِ اجتَمعَا فيه على الإصابة لم تَخلُ حالُهُما مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يَعتقدَا الإباحةَ، والثاني: أنْ يَعتقدَا تَحريمَه، والثالِثُ: أنْ يَجهلَا حُكمَه. فإنِ اعتَقدَا الإباحَةَ لاعتِقادِهما مَذهبَ أبي حَنيفةَ فيه فلا حَدَّ عليهِما؛ لاستِباحَتِهما له مِنْ اجتِهادٍ مُسوَّغٍ. فإنْ قيلَ: أفَليسَ لو شَربَ النَّبيذَ مَنْ اعتَقدَ مذهبَ أبي حَنيفةَ في إباحَتِه حَددْتموهُ، فهلَّا حَدَدْتُم هذا مع اعتقادِه إباحَته؟ قيلَ: الفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ الشُّبهةَ في النكاحِ بغيرِ وَليٍّ أقوَى؛ لتَردُّدِه بينَ أصلَيْ حَظرٍ مِنْ زنًا وإباحةٍ مِنْ نكاحٍ، وإباحةُ الشُّبهةِ في النَّبيذِ الذي لا يَرجعُ إلَّا إلى أصلٍ واحدٍ في الحَظرِ والتَّحريمِ وهوَ الخَمرُ.

стр. 8685

والثَّاني: أنَّ النكاحَ الَّذي عقَدَه وَليٌّ (١) قد جُعلَ له سَبيلٌ إلى استِباحتِه بوَليٍّ، فاقتُصرَ في الزَّجرِ عنه على مُجرَّدِ النهيِ، وليسَ كالنبيذِ الذي لا سَبيلَ إلى استِباحتِه، فلمْ يقتصرْ في الزَّجرِ عنه على مُجرَّدِ النهيِ حتَّى يُضَمَّ إليه حُكمٌ هو أبلَغُ في الزَّجرِ؛ ليَكونَ أمنَعَ مِنْ الإقدامِ عليهِ. وإذا كانَا جاهَلينِ بتَحريمِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ فلا حَدَّ عليهِما؛ لأنَّ الجَهلَ بالتحريمِ أقوَى شُبهةً، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ»، ولأنَّ مَنْ جَهِلَ تحريمَ الزنا لحُدوثِ إسلامِه لم يُجلَدْ، فكانَ هذا بَدرءِ الحَدِّ أَولى، أَلَا تَرَى أنَّ قولَ عُثمانَ ﵁ في أمَةٍ أقرَّتْ بالزِّنا إقرارَ جاهِلٍ بتَحريمِه: «أرَاها تَشهدُ به كأنَّها لم تَعلمْ، وإنَّما الحَدُّ على مَنْ عَلِمَ»، ثمَّ يتعلَّقُ على هذهِ الإصابةِ مِنْ الأحكامِ ما يَتعلَّقُ على النكاحِ الصحيحِ، إلَّا في المُقامِ عليه فيُوجِبُ العدَّةَ ويُلحِقُ بالنسَبِ ويَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ، ولكنْ في ثُبوتِ المَحرميةِ بها وَجهانِ: أحَدُهما: تَثبتُ بها المَحرمُ كما تَثبتُ بها تَحريمُ المُصاهَرةِ، فلا تُحجَبُ عن أبيهِ وابنِه، ولا يُحجَبُ عنه أمِّها وبنتِها. والوَجهُ الثاني: أنْ يَثبتَ المَحرمُ وإنْ ثبَتَ به تَحريمُ المُصاهَرةِ؛ لأننا أثبَتْنا تَحريمَ المُصاهَرةِ تَغليظًا، فاقتَضَى أنْ يَنتفيَ عنه ثُبوتُ المَحرمِ تَغليظًا.

стр. 8686

وإنْ كانَا مُعتقدَينِ لتَحريمِه يرَيانِ فيه مَذهبَ الشافعيِّ مِنْ إبطالِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ فمَحظورٌ عليهِما الإصابةُ، فإنِ اجتَمعَا عليها ووَطئَها فمَذهبُ الشافعيِّ وجُمهورِ الفُقهاءِ أنه لا حَدَّ عليهِما، وقالَ أبو بَكرٍ الصَّيرفِيُّ مِنْ أصحابِ الشافعيِّ -وهو مَذهبُ الزُّهريِّ وأبي ثَورٍ-: الحَدُّ عليهِما واجِبٌ؛ لرِوايةِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «البَغِيُّ مَنْ نكَحَتْ بغَيرِ وَليٍّ»، والأثَر المَرويُّ عن عُمرَ في المَرأةِ والرَّجلِ جَمعَتْهُما رِفقةٌ فوَلَّتْ أمْرَها رَجلًا منهُم فزوَّجَها فجلَدَ الناكِحَ والمُنكِحَ. والدَّليلُ على سُقوطِ الحَدِّ قولُه ﷺ في الخبَرِ الماضي: «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذْنِ وَليِّها فنِكاحُها باطِلٌ»، فأُبطِلَ النكاحُ وأُوجِبَ المهرُ دونَ الحَدِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ»، وأقوَى الشُّبهاتِ عَقدٌ اختَلفَ الفُقهاءُ في إباحتِه، فكانَ بإدراءِ الحَدِّ أَولى. فأمَّا قولُه: «البَغِيُّ مَنْ نكَحَتْ بغَيرِ وَليٍّ» فهيَ لا تكونُ بَغيًّا بالنكاحِ إجماعًا، وإنما يَقولُ مَنْ يُوجِبُ الحَدَّ: «إنها تَكونُ بالوَطءِ بَغيًّا»، فلمْ يَكنْ في التعلُّقِ به دَليلٌ، ثمَّ يُحمَلُ على أنه يَتعلَّقُ عليها بعضُ أحكامِ البَغيِ، وهو تَحريمُ الوَطءِ، ولا يَمتنعُ أنْ يُسمَّى بعضُ أحكامِ البَغيِ بغيًا، كما قالَ ﷺ : «مَنْ ترَكَ الصَّلاةَ فقدْ كفَرَ»، فسمَّاهُ ببَعضِ أحكامِ الكُفرِ كافِرًا. وأمَّا الأثرُ عن عُمرَ فالجَلدُ فيه عِبارةُ عن التَّعزيرِ، ألَا تَراهُ جلَدَ

стр. 8687

الناكِحَ والمُنكِحَ، والحَدُّ لا يَجبُ على المُنكِحِ، فدَلَّ على أنه عزَّرَهُما (١). هل يَقعُ طَلاقُ مَنْ نكَحَ بغَيرِ وليٍّ؟ قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وإذا تَناكَحَ الزَّوجانِ بغيرِ وليٍّ ثمَّ طلَّقَها ثَلاثًا ففِي حُكمِ طَلاقِه وحُكمِ تَحريمِها عليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَه وَجهانِ لأصحابِنا: أحَدُهما: يجيزُ عليهِ حُكم الطَّلاقِ حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَه، وهذا قَولُ أبي إسحاقَ المَروزيِّ وأبي عليِّ ابنِ أبي هُريرةَ وأبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ وأبي حامِدٍ المَروزيِّ؛ اعتِبارًا بأغلَظِ الأمرَينِ. والوَجهُ الثَّاني: وهو قَولُ أبي حامِدٍ الإسفرايِينيِّ ومَن عاضَدَه مِنْ المُتأخِّرينَ وربَّما كانَ لهم فيهِ سلَفٌ: أنَّ حُكمَ الطَّلاقِ لا يَجرِي عليهِ؛ للحُكمِ بإبطالِه، وإنما تَحلُّ له قبْلَ زَوجٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ إلا في نكاحٍ، وقد بطَلَ أنْ يكونَ نكاحًا. فإذا تقرَّرَ هذانِ الوَجهانِ فإنْ قيلَ بهذا الوَجهِ: «إنه إذا طلَّقَها ثَلاثًا لم تَحرمْ عليهِ أنْ يَنكحَها قبْلَ زَوجٍ» فإنه إذا أصابَها لم تَحلَّ بإصابتِه لها للزَّوجِ إنْ كانَ طلَّقَها قبلَه ثَلاثًا. وإنْ قيلَ: «إنها قد حَرمَتْ عليه بطَلاقِه لها ثَلاثًا حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَه» فهل تَحلُّ بإصابتِه لها للزَّوجِ إنْ كانَ قد طلَّقَها قبلَه ثَلاثًا أم لا؟ فيه وَجهانِ:

стр. 8688

أحَدُهما: تَحلُّ له؛ لإجرائِنا على طَلاقِه حُكمَ الطَّلاقِ في النكاحِ الصحيحِ. والوَجهُ الثَّاني: أنها لا تَحلُّ له؛ لأنَّنا ألزَمْناهُ حُكمَ طَلاقِه تَغليظًا عليهِما، فكانَ مِنْ التَّغليظِ أنْ لا تَحلَّ لغيرِه بإصابتِه (١). شُروطُ الوليِّ: ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ الوليَّ يُشتَرطُ فيه شُروطٌ، بعضُها مُتفَقٌ عليها، وبعضُها مُختلَفٌ فيها. الشَّرطُ الأولُ: البُلوغُ: ذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البُلوغَ شَرطٌ في الوليِّ، فلا يَصحُّ أنْ يكونَ الوليُّ صَغيرًا؛ لأنه لا وِلايةَ له على نَفسِه، فأَولى أنْ لا يَليَ على غيرِه، فإذا كانَ صَغيرًا انتَقلَتِ الولايةُ لمَن بعدَه مِنْ الأولياءِ (٢).

стр. 8689

وعنِ الإمامِ أحمَدَ ﵀ رِوايةٌ أنه إذا بلَغَ عَشرًا زوَّجَ وتزوَّجَ وطلَّقَ وأُجيزَتْ وَكالتُه في الطَّلاقِ؛ لأنه يَصحُّ بَيعُه ووَصيتُه في طَلاقِه، فثبَتَ له الوِلايةُ كالبالغِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّان الفاسِيُّ ﵀: وإنْ كانَ وليُّ المرأةِ صَغيرًا أو عَبدًا أو كافِرًا زوَّجَها الإمامُ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلكَ (٢). الشَّرطُ الثَّاني: العَقلُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنهُ يُشترطُ في الوَليِّ العَقلُ، فلا تَثبتُ الوِلايةُ للمَجنونِ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ الوِلايةِ، ولأنه لا تَثبتُ له الوِلايةُ على نَفسِه مع أنه أقرَبُ إليها، فلَأنْ لا تَثبتَ على غيرِه مِنْ بابِ أَولى. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا العَقلُ فلا خِلافَ في اعتِبارِه؛ لأنَّ الولايةَ إنما تَثبتُ نَظرًا للمُولَّى عليهِ عندَ عَجزِه عن النَّظرِ لنَفسِه، ومَن لا عقْلَ له لا يُمكِنُه النَّظرُ، ولا يَلِي نفْسَه فغيرَه أَولَى، وسَواءٌ في هذا مَنْ لا عقْلَ له لصِغَرِه كطِفلٍ ومَن ذهَبَ عَقلُه بجُنونٍ أو كِبَرٍ كالشَّيخِ إذا أفنَدَ، قالَ القاضي: والشَّيخُ الذي قد ضَعُفَ لكِبَرِه فلا يَعرفُ مَوضعَ الحَظِّ لها لا وِلايةَ له. فأمَّا الإغماءُ فلا يُزيلُ الوِلايةَ؛ لأنه يَزولُ عن قُربٍ، فهو كالنَّومِ،

стр. 8690

ولذلكَ لا تَثبتُ الوِلايةُ عليه، ويَجوزُ على الأنبياءِ ﵈، ومَن كانَ يُجَنُّ في الأحيانِ لم تَزُلْ وِلايتُه؛ لأنه لا يَستديمُ زَوالُ عَقلِه، فهو كالإغماءِ (١). الشَّرطُ الثالثُ: الحُرِّيةُ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في الوليِّ الحُريةُ، فلا وِلايةَ للعبدِ؛ لأنه لا يَلِي على نَفسِه، فكيفَ يكونُ وليًّا على غيرِه؟ ولأنَّ الولايةَ تُنبِئُ عن المِلكيةِ، والشَّخصُ الواحِدُ كيفَ يكونُ مالِكًا ومَملوكًا في زمانٍ واحدٍ؟ لأنَّ هذه ولايةُ نَظرٍ ومَصلحةٍ، ومَصالِحُ النكاحِ لا يتوقَّفُ عليها إلَّا بالتأمُّلِ والتدبُّرِ، والمَملوكُ لاشتِغالِه بخِدمةِ مَولاهُ لا يتفرَّغُ للتأمُّلِ والتدبُّرِ، فلا يَعرفُ كَونَ إنكاحِه مَصلحةً (٢).

стр. 8691

قالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وإنْ كانَ وليُّ المرأةِ صَغيرًا أو عَبدًا أو كافِرًا زوَّجَها الإمامُ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (١). الشَّرطُ الرابعُ: الرُّشدُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوليِّ، هل يُشتَرطُ أنْ يكونَ رَشيدًا؟ أم تَجوزُ ولايةُ السَّفيهِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ في الوليِّ أنْ يكونَ رَشيدًا، فيَصحُّ ولايةُ السَّفيهِ؛ لأنه كامِلُ النَّظرِ في أمرِ النكاحِ، فإنهُ يَصحُّ أنْ يَليَ عقْدَ نكاحِه لنَفسِه، وإنما حُجِرَ عليه لحِفظِ مالِه. قالَ المالِكيةُ: لا يُشترطُ في الوليِّ الرُّشدُ، فيزوِّجُ السَّفيهُ ذو الرأيِ مُجبَرتَه وغيرَها بإذنِها بإذنِ وليِّه استِحبابًا لا شَرطًا، وإلَّا بأنْ زوَّجَ ابنَتَه مَثلًا بغيرِ إذنِ وليِّه نظَرَ الوليُّ نَدبًا لِمَا فيه المَصلحةُ، فإنْ كانَ صوابًا أبقاهُ، وإلَّا رَدَّه، فإنْ لم يَنظُرْ فهو ماضٍ. بخِلافِ السَّفيهِ المَعتوهِ -أي ضَعيفِ العَقلِ- فلا يَصحُّ عَقدُه ويُفسَخُ؛ لأنه مُلحَقٌ بالمَجنونِ.

стр. 8692

قالَ الصَّاوِي ﵀: والتَّحقيقُ أنَّ السَّفهَ لا يَمنعُ الوِلايةَ، والعَتهَ مانِعٌ منها، فقَولُهم: «ذُو الرَّأيِ» ليسَ في ذِكرِه كبيرُ فائِدةٍ؛ لأنَّ المَعتوهَ غيرُ السَّفيهِ، فتَقييدُه بذِي الرَّأيِ لإخراجِ المَعتوهِ لا حاجةَ له (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوليِّ الرُّشدُ؛ لأنه لا يَلِي أمْرَ نَفسِه، فلا يَلِي أمْرَ غيرِه مِنْ بابِ أَولى. قالَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ: لا وِلايةَ لمَحجورٍ عليه لسَفهٍ، بأنْ بلَغَ غيرَ رَشيدٍ أو بذَّرَ في مالِه بعدَ رُشدِه ثم حُجِرَ عليه، فلا وِلايةَ له؛ لأنه لا يَلِي أمْرَ نَفسِه فغَيره أَولى، أمَّا إذا كانَ سَفيهًا ولم يُحجَرْ عليهِ فتَصحُّ وِلايتُه (٢). وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ في الوليِّ الرُّشدُ: وهو -أي الرُّشدُ- هنا: مَعرفةُ الكُفءِ ومَصالِحِ النكاحِ، وليسَ هو حفْظَ المالِ؛ لأنَّ رُشدَ كلِّ مَقامٍ بحَسبِه، قالَه الشَّيخُ، وهو معنَى ما اشتَرطَه في «الواضِح» مِنْ كَونِه عالِمًا بالمَصالِحِ، لا شَيخًا كبيرًا جاهِلًا بالمَصلحةِ، وقالَه القاضي وابنُ عَقيلٍ وغيرُهما (٣).

стр. 8693

الشَّرطُ الخامِسُ: الإسلامُ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في الجُملةِ أنْ يكونَ الوليُّ في عَقدِ نكاحِ المرأةِ المُسلِمةِ أنْ يكونَ مُسلمًا. والوَليُّ له أربعُ حالاتٍ: الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ الوليُّ كافِرًا ويَلي على مُسلمةٍ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ الوليُّ مُسلِمًا ويَلي على كافرةٍ. الحالةُ الثالثةُ: أنْ يتزوَّجَ المُسلمُ ذمِّيةً فوَليُّها الكافرُ يزوِّجُها. الحالةُ الرابعةُ: أنْ يكونَ الوليُّ كافرًا ويلي على كافِرةٍ. الحالةُ الأولى: أنْ يَكونَ الوليُّ كافِرًا ويَلي على مُسلِمةٍ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في وَليِّ المرأةِ المُسلمةِ أنْ يكونَ مُسلِمًا، فلا يجوزُ أنْ يكونَ الكافِرُ وليًّا لمُسلمةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فالكافرُ ليسَ بناصِرٍ لها؛ لاختِلافِ الدِّينِ، فلا يكونُ وليًّا. وقالَ الله تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀ في «الإجْمَاع»: وأجمَعُوا أنَّ الكافرَ لا يكونُ وليًّا لابنَتِه المُسلمةِ (١).

стр. 8694

وقالَ في «الإشرَاف»: أجمَعَ عامَّةُ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الكافِرَ لا يكونُ وليًّا لابنَتِه المُسلمةِ؛ لقَطعِ اللهِ ﵎ الولايةَ بينَ المُسلمينَ والكافِرينَ، هذا مَذهبُ مالِكٍ والشَّافعيِّ وأحمَدَ وأبي عُبيدٍ والنُّعمانِ وأصحابِه ومَن تَبِعَهم. وليسَ للذمِّي حَقٌّ في أحكامِ المُسلمينَ، والنكاحُ مِنْ أعالِي أحكامِهم، وقد منَعَه اللهُ تعالَى على لِسانِ نَبيِّه المِيراثَ والقَودَ والعَقْلَ، والنكاحُ إلى وَليِّها مِنْ المُسلمينَ، فإنْ لم يَكنْ فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له (١). قالَ الحَنفيةُ: لا ولايةَ للكافرِ على المُسلمِ؛ لأنه لا مِيراثَ بينَهُما، قالَ النبيُّ ﷺ : «لا يَتوارثُ أهلُ مِلتَينِ شَيئًا»، ولأنَّ الكافرَ ليسَ مِنْ أهلِ الولايةِ على المُسلمِ؛ لأنَّ الشرعَ قطَعَ ولايةَ الكافرِ على المُسلمينِ؛ لأنَّ الولايةَ تَقتضِي نُفوذَ قولِ الوليِّ على المُولَّى عليه، ولا نَفاذَ لقولِ الكافرِ على المُسلمِ كما في الشَّهادةِ، قالَ الله تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، فإنَّ هذا يَقتضِي نفْيَ السَّبيلِ مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لأنَّ النَّكرةَ في مَوضعِ النَّفيِ تَعُمُّ. وقالَ ﷺ : «الإسلامُ يَعلُو ولا يُعلَى»، ولأنَّ إثباتَ الولايةِ للكافرِ على المُسلمِ تُشعِرُ بإذلالِ المُسلمِ مِنْ جهةِ الكافرِ، وهذا لا يَجوزُ، ولهذا صِينَتِ المُسلمةُ عن نكاحِ الكافرِ (٢).

стр. 8695

وقالَ المالِكيةُ: كُفرُ الوليِّ مانعُ مِنْ صحَّةِ عَقدِ نكاحِ وَليتِه المُسلمةِ، فلا يتولَّى الكافرُ عقْدَ ابنَتِه المُسلمةِ؛ إذْ لا وِلايةَ له عليها؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، وسَواءٌ في ذلكَ الذمِّيُّ والمرتَدُّ والحَربيُّ. قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الكُفرُ يَمنعُ وِلايةَ المُسلمةِ اتفاقًا (١). وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: لا يَكونُ المُسلمُ وَليًّا لِكافرةٍ وإنْ كانَتْ بِنتَه، ولا ولايةَ له على كافرةٍ إلَّا أمَتَه، فإنَّ ما صارَ لها بالنكاحِ مِلكٌ له. قالَ: ولا يكونُ الكافرُ وليًّا لمُسلمةٍ وإنْ كانَتْ بِنتَه، وقد زوَّجَ ابنُ سَعيدِ بنِ العاصِ النبيَّ ﷺ أمَّ حَبيبةَ وأبو سُفيانَ حَيٌّ؛ لأنها كانَتْ مُسلمةً وابنُ سَعيدٍ مُسلمٌ، لا أعلَمُ مُسلمًا أقرَبَ بها منه، ولم يَكنْ لأبي سُفيانَ فيها وِلايةٌ؛ لأنَّ اللهَ ﵎ قطَعَ الولايةَ بينَ المُسلمينَ والمُشركينَ والمِواريثَ والعَقلَ وغيرَ ذلكَ (٢). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأصلُ ذلكَ أنَّ اتِّفاقَ الدِّينِ شَرطٌ في ثُبوتِ الولايةِ على المَنكوحةِ، فلا يكونُ الكافرُ وليًّا لمُسلمةٍ، ولا المُسلمُ

стр. 8696

وليًّا لكافرةٍ؛ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقولِه أيضًا: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، فدلَّتْ هاتانِ الآيتانِ على أنه لا وِلايةَ لكافرٍ على مُسلمةٍ، وقالَ تعالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فدَلَّ على أنه لا وِلايةَ لمُسلمٍ على كافِرةٍ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أرادَ أنْ يتزوَّجَ أمَّ حَبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ وكانَ أبوها وإخوَتُها كفَّارًا وهي مُسلمةٌ مُهاجِرةٌ بأرضِ الحَبشةِ تزوَّجَها مِنْ أقرَبِ عصَباتِها مِنْ المُسلمينَ، وهو خالدُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فدَلَّ على انتقالِ الولايةِ بالكُفرِ عمَّن هو أقرَبُ إلى مَنْ ساوَاها في الإسلامِ وإنْ كانَ أبعَدَ، فلأنَّ اللهَ تعالى قد قطَعَ المُوالاةَ باختلافِ الدِّينِ، فلمْ تَثبتِ الولايةُ معه كما لم يَثبتِ المِيراثُ، وإنما الولايةُ شُرِعتْ لطَلبِ الحِفظِ لها ودَفعِ العارِ عنها، واختِلافُ الدِّينِ يَصدُّ عن هذا أو يَمنعُ منه كما قالَ تعالَى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ ﵀: (ووَليُّ الكافرةِ كافرٌ، ولا يكونُ المُسلمٌ وليًّا لكافرةٍ إلَّا على أمَتِه). وجُملةُ ذلكَ: أنه إذا كانَ للكافِرِ ابنةٌ مُسلمةٌ .. فإنه لا وِلايةَ له عليها، فإنْ كانَ لها وليٌّ مُسلمٌ .. زوَّجَها، وإلَّا .. زوَّجَها الحاكِمُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] الآيَة.

стр. 8697

ورُويَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أرادَ أنْ يتزوَّجَ أمَّ حَبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ ﵄ وكانَتْ مُسلمةً وأبو سُفيانَ كافِرًا .. وكَّلَ النبيُّ ﷺ عَمرَو بنَ أميَّةَ الضِّمريَّ فزوَّجَها له مِنْ ابنِ عمِّها خالدِ بنِ سَعيدِ بنِ العاصِ وكانَ مُسلمًا» (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُزوِّجُ كافرٌ مُسلمةً بحالٍ، ولا مُسلمٌ كافرةً، إلَّا أنْ يكونَ المُسلمُ سُلطانًا أو سيِّدَ أمَةٍ). أمَّا الكافِرُ: فلا وِلايةَ له على مُسلمةٍ بحالٍ بإجماعِ أهلِ العلمِ، منهُم مالكٌ والشافعيُّ وأبو عُبيدٍ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ على هذا كُلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ. وقالَ أبو الخطَّابِ في الذمِّي إذا أسلَمَتْ أمُّ ولَدِه: هل يَلِي نكاحَها؟ على وَجهينِ: أحَدُهما: يَليهِ؛ لأنها مَملوكَتُه، فيَلي نكاحَها كالمُسلمِ، ولأنه عَقدٌ عليها، فيَليهِ كإجارَتِها. والثَّاني: لا يَليهِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، ولأنها مُسلمةٌ، فلا يَلِي نِكاحَها كابنَتِه، فعلَى هذا يُزوِّجُها الحاكِمُ، وهذا أولَى؛ لمَا ذكَرْنا مِنْ الإجماعِ (٢).

стр. 8698

وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: فَصلٌ في الكافرِ يكونُ وليًّا لوَليَّتِه الكافرةِ دونَ المُسلمةِ. قالَ تَعالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، قالَ حَنبلٌ: سَمعْتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ: لا يزوَّجُ النَّصرانِيُّ ولا اليَهوديُّ، ولا يكونُ النصرانِيُّ واليهوديُّ وَليًّا. قالَ: وسَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: لا يَعقدُ نَصرانِيٌّ ولا يَهوديٌّ عُقدةَ نكاحٍ لمُسلمٍ ولا مُسلمةٍ، ولا يكونانِ وَليَّينِ، ولا يكونُ إلَّا مُسلمًا. وقالَ في رِوايةِ المَيمونِيِّ وقد سَألَه رَجلٌ عن النصرانِيِّ يكونُ وليًّا إذا كانَتِ ابنَتُه مُسلمةً؟ قالَ: السُّلطانُ أَولى. وقالَ مُهنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن نصرانِيٍّ أو يَهوديٍّ أسلَمَتِ ابنَتُه، أيُزوِّجُها أبوها وهو نَصرانِيٌّ أو يهوديٌّ؟ قالَ: لا يزوِّجُها إذا كانَ نَصرانيًّا أو يَهوديًّا، فقلتُ له: فإنْ زوَّجَها؟ قالَ: لا يَجوزُ النكاحُ، يعني: يُرَدُّ النكاحُ. قلتُ: فعَلَ وأَذنَتِ الابنةُ؟ قالَ: يُعيدُ النكاحَ. قلتُ: يُسافِرُ معها؟ قالَ: لا يُسافِرُ معها، ثمَّ قالَ لي أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: ليسَ هو بمَحرمٍ. قالَ الخلَّالُ: وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: قلتُ: لا يُسافِرُ معها؟ قالَ: نعمْ.

стр. 8699

قالَ أبو بَكرٍ: وهو الصَّوابُ، وبيَّنَها مُهنَّا مرَّةً في قولِه: لا، قلتُ: فكيفَ يُسافِرُ معها، ويَقولُ: يُعيدُ النكاحَ إذا أنكَحَها بأمرِها؟ قالَ: نعمْ، هو يُعيدُ نِكاحَها إذا أنكَحَها. قلتُ: فإنْ كانَتْ مُسلمةً وأبوها نَصرانِيٌّ وهي مُحتاجةٌ، يُجبَرُ أبوها على النَّفقةِ عليها؟ قال: لم أسمَعْ في هذا شَيئًا. قلتُ له: فإنَّ قَومًا يقولونَ: لا يُجبَرُ على النفقةِ عليها، فكيفَ تقولُ أنتَ؟ قالَ: يُعجبُني أنْ يُنفِقَ عليها، فقلتُ له: يُجبَرُ؟ فقالَ: يُعجبُني، ولم يَقلْ: يُجبَرُ. وقد تَضمَّنَ هذا النصُّ ثَلاثةَ أمورٍ: أحَدُها: أنَّ الكافرَ لا يَصحُّ أنْ يزوِّجَ وليَّتَه المُسلمةَ. والثَّاني: أنه لا يَكونُ مَحرمًا. والثَّالثُ: أنه لا يُجبَرُ على النفقةِ مع اختِلافِ الدِّينِ. قالَ حَنبلٌ: حدَّثَنا شُريحُ بنُ النُّعمانِ حدَّثَنا حمَّادُ بنُ سَلمةَ عن جَعفرِ بنِ أبي وَحشيةَ أنَّ هانِئَ بنَ قَبيصةَ زوَّجَ ابنَتَه مِنْ عُروةَ البارِقيِّ على أربعينَ ألفًا وهو نصرانِيٌّ، فأتاها القَعقاعُ بنُ سُورٍ فقالَ: إنَّ أباكِ زوَّجَكِ وهو نَصرانِيٌّ لا يَجوزُ نِكاحُه، زوِّجِيني نفْسَكِ، فتَزوَّجَها على ثَمانينَ ألفًا، فأتَى عُروةُ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ فقالَ: إنَّ القَعقاعَ تَزوَّجَ بامرأتِي، فقالَ: «لَئنْ كُنْتَ تَزوَّجتَ امرأتَه لَأرجُمنَّكَ»، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ إنَّ أباها زوَّجَها وهو نَصرانِيٌّ لا

стр. 8700

يَجوزُ نِكاحُه، قالَ: «فمنْ زوَّجَكَ؟» قالَ: هي زوَّجَتْني نفْسَها، فأجازَ نِكاحَها، وأبطَلَ نِكاحَ الأبِ، وقالَ لعُروةَ: «خُذْ صَداقَكَ مِنْ أبيها». قالَ حَنبلٌ: قالَ أبو عبدِ اللهِ: إنَّما جعَلَ الأمرَ إليها؛ لأنَّ الأبَ نصرانِيٌّ لا يَجوزُ حُكمُه فيها، فرُدَّ الأمرَ إليها، ولا بُدَّ أنْ يُجدَّدَ هذا النكاحُ الأخيرُ إذا رَضيَتْ، وإنما صُيِّرَ لها الأمرُ بالرِّضَا، ولا يَجوزُ أنْ تزوِّجَ نفْسَها إلا بوليٍّ. وعَليٌّ حِينئذٍ السلطانُ، فأجازَ ذلكَ وليُّها وقالَ: «خُذْ صَداقَكَ مِنْ أبيها»؛ لأنه لم يَكنْ دخَلَ بها، ولو كانَ دخَلَ بها لَكانَ المَهرُ لها والعدَّةُ عليها. وقالَ حَربٌ: قلتُ لأحمدَ: امرأةٌ أبوها نصرانِيٌّ وأخوها مُسلمٌ، مَنْ يزوِّجُها؟ قالَ: الأخُ، قلتُ: فهل للمُشركينَ مِنْ الولايةِ شَيءٌ؟ قالَ: لا. وقالَ صالحٌ: قالَ أبِي في امرأةٍ لها أبٌ ذِميٌّ ولها أخٌ مُسلمٌ قالَ: لا يَكونُ الذِّميُّ وَليًّا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وإنْ كانَ وليُّ المرأةِ صَغيرًا أو عَبدًا أو كافِرًا زوَّجَها الإمامُ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (٢). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ الوليُّ مُسلمًا ويَلي على كافرةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربَعةِ -إلَّا قولًا يُحكَى عن ابنِ وَهبٍ مِنْ المالِكيةِ- على أنَّ المُسلمَ لا يكونُ وليًّا لِكافرةٍ.

стр. 8701

قالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَ الوليُّ مُسلمًا والمُولَّى عليهِ كافًرا فلا وِلايةَ له عليهِ؛ لأنَّ المُسلمَ لا يَرثُ الكافِرَ كما أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ؛ قالَ النبيُّ ﷺ : «لا يَرثُ المُؤمِنُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُؤمنَ» (١). وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ مِنْ المَذهبِ: لا يكونُ المُسلمُ وليًّا على امرأةٍ كافرةٍ قَريبتِه أو غيرِها؛ لقولِه تعالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، إلا أنه إذا وقَعَ وتولَّى المُسلمُ نِكاحَها؛ فإنْ كانَ لمُسلمٍ فُسِخَ، وإنْ زوَّجَها لكافرٍ تُركَ ولا نتعرَّضُ لهُ، وقد ظلَمَ المُسلمُ نفْسَه؛ لإعانَتِه الكافرَ على ذلكَ العقدِ. وقيلَ: له الوِلايةُ عليهَا، وقالَ ابنُ وَهبٍ: يزوِّجُها مِنْ مُسلمٍ لا مِنْ كافرٍ. إلَّا لأمَةِ ومُعتَقةٍ مِنْ غيرِ نِساءِ الجِزيةِ، والمعنى أنَّ المُسلمَ إذا كانَتْ له أمَةٌ كافرةٌ أو مُعتَقةٌ كذلكَ فإنه يَجوزُ له أنْ يزوِّجَها، بشَرطِ أنْ تكونَ المُعتَقةُ مِنْ غيرِ نِساءِ الرِّجالِ الذينَ يُؤدُّونَ الجِزيةَ، بأنْ أعتَقَها وهو مُسلمٌ ببِلادِ الإسلامِ، وأمَّا لو أعتَقَها كافرٌ ثمَّ أسلَمَ فلا يزوِّجُها إلا أهلَ الكُفرِ، إلَّا أنْ تُسلِمَ (٢).

стр. 8702

وقالَ الشَّافعيةُ: لا يكونُ المُسلمُ وليًّا على كافرةٍ إلَّا على أمَتِه، فإنْ كانَ للمُسلمِ ابنةٌ كافرةٌ .. فلا وِلايةَ له عليها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، فدَلَّ على أنه لا وِلايةَ للمُسلمِ عليها .. فإنْ كانَ لها وليٌّ كافرٌ .. زوَّجَها؛ للآيةِ، وإنْ لم يكنْ لها وليٌّ كافرٌ .. زوَّجَها الحاكمُ؛ لقولِه ﷺ : «فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وَليَّ له»، ولم يُفرِّقْ، ولأنَّ ولايتَه عامَّةٌ، فدخَلَتْ فيها المُسلمةُ والكافرةُ. وإنْ كانَ للمُسلمِ أمَةٌ كافرةٌ .. فهل له عليها وِلايةٌ في النكاحِ؟ فيه وجهانِ: أصَحُّهما: له عليها وِلايةٌ؛ لأنها ولايةٌ مُستفادةٌ بالمِلكِ، فلمْ يَمنعِ اختِلافُ الدِّينِ منها، كالفسقِ لمَّا لم يُؤثِّرْ في مَنعِ تَزويجِ أمَتِه فكذلكَ كُفرُها. والثَّاني: ليسَ بوَليٍّ لها؛ لأنه إذا لم يَملكْ تَزويجَ ابنَتِه الكافرةِ .. فلَأنْ لا يَملكَ تزويجَ أمَتِه الكافِرةِ أَولى، وحُملَ النَّصُّ على الولايةِ في عقدِ البيعِ والإجارةِ .. والأوَّلُ أصَحُّ. وإنْ كانَ للكافرِ أمَةٌ مُسلمةٌ .. فهل له أنْ يزوِّجَها؟ قالَ ابنُ الصبَّاغِ: فيه وَجهانِ، كما قُلنَا في تَزويجِ المُسلمِ لأمَتِه الكافرةِ (١). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا يكونُ الكافِرُ وليًّا للمُسلمةِ، ولا المُسلمُ وليًّا للكافرةِ، الأبُ وغيرُه سَواءٌ، والكافرُ وليُّ للكافرةِ الَّتي هي وَليتُه يُنكِحُها مِنْ المُسلمِ والكافِرِ.

стр. 8703

بُرهانُ ذلكَ: قَولُ اللهِ : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقالَ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وهو قولُ مَنْ حَفظْنا قولَه، إلَّا ابنَ وَهبٍ صاحبَ مالكٍ قالَ: «إنَّ المُسلمَ يكونُ وليًّا لابنَتِه الكافرةِ في إنكاحِها مِنْ المُسلمِ أو مِنْ الكافرِ»، وهذا خطَأٌ؛ لِمَا ذكَرْنا، وباللهِ تعالَى التوفيقُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ (ولا يزوِّجُ كافرٌ مُسلمةً بحالٍ، ولا مُسلمٌ كافرةً، إلَّا أنْ يكونَ المُسلمُ سُلطانًا أو سيِّدَ أمَةٍ) … ثمَّ قالَ: وأمَّا المُسلمُ فلا وِلايةَ له على الكافرةِ في غيرِ السيِّدِ والسُّلطانِ ووليِّ سيِّدِ الأمَةِ الكافرةِ؛ وذلكَ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. ولأنَّ مُختلفَيِ الدِّينِ لا يَرثُ أحَدُهما الآخَرَ ولا يَعقِلُ عنه، فلا يَلِي عليه كما لو كانَ أحَدُهما رَقيقًا. وأمَّا سيِّدُ الأمَةِ الكافرةِ فله تَزويجُها لكافرٍ؛ لكَونِها لا تَحلُّ للمُسلمينَ، وكذلكَ وليُّ سيِّدِ الأمَةِ الكافرةِ يَلِي تَزويجَها لكافرٍ؛ لأنها ولايةٌ بالمالِ، فلمْ يَمنعْها كَونُ سَيدِ الأمَةِ الكافرةِ مُسلمًا كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ هذهِ تَحتاجُ إلى التَّزويجِ ولا وليَّ لها غيرُ سيِّدِها.

стр. 8704

فأمَّا السُّلطانُ فله الوِلايةُ على مَنْ لا وَليَّ لها مِنْ أهلِ الذمَّةِ؛ لأنَّ ولايتَهُ عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإسلامِ، وهذهِ مِنْ أهلِ الدارِ، فتَثبتُ له الولايةُ عليها كالمُسلمةِ. وأمَّا الكافرُ فتَثبتُ له الوِلايةُ على أهلِ دِينِه على حَسبِ ما ذكَرْناه في المُسلمينَ. ويُعتبَرُ فيهم الشُّروطُ المُعتبَرةُ في المُسلمينَ، ويُخرَّجُ في اعتِبارِ عَدالتِه في دِينِه وَجهانِ؛ بناءً على الرِّوايتَينِ في اعتِبارِها في المُسلمينِ (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: فصلٌ: وِلايةُ المُسلمِ على الكافرةِ: ولا يَلِي المُسلمُ نكاحَ الكافِرةِ؛ لِمَا تقدَّمَ مِنْ قَطعِ المُوالاةِ بينَ المُسلمينَ والكفَّارِ، إلَّا أنْ يكونَ سُلطانًا أو سَيدًا لأمَةٍ، فإنَّ وِلايةَ السُّلطانِ عامَّةٌ. وأمَّا سَيدُ الأمَةِ فإنَّ له أنْ يزوِّجَها مِنْ كافرٍ وإنْ لم يَملكْ تَزويجَ ابنَتِه الكافرةِ مِنْ كافرٍ، والفَرقُ بينَهُما أنه يزوِّجُها بحُكمِ المِلكِ، فجازَ ذلكَ كما لو باعَها مِنْ كافرٍ، بخِلافِ ابنَتِه، فإنه يُزوِّجُها بحُكمِ الوِلايةِ، وقدِ انقطَعَتْ باختِلافِ الدِّينِ كما انقطَعَ التَّوارثُ والإنفاقُ (٢).

стр. 8705

الحالَةُ الثالثةُ: أنْ يتزوَّجَ المُسلمُ ذِمِّيةً فوَليُّها الكافِرُ يزوِّجُها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا تزوَّجَ المُسلمُ ذِميةً، هل يَلِي وَليُّها الكافرُ عقْدَ نكاحِها؟ أم لا يَلِي عقْدَ نكاحِها إلَّا مُسلمٌ أو قاضي المُسلمينَ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكافرَ يَلِي عقْدَ نكاحِ ابنتِه الكافرةِ، سَواءٌ زوَّجَها لمُسلمٍ أو لكافرٍ؛ لأنه قَريبٌ يَنظرُ بالمَصلحةِ. قالَ الحَنفيةُ: إسلامُ الوليِّ ليسَ بشَرطٍ لثُبوتِ الولايةِ في الجُملةِ، فيَلِي الكافرُ على الكافرِ؛ لأنَّ الكُفرَ لا يَقدحُ في الشَّفقةِ الباعِثةِ عن تَحصيلِ النَّظرِ في حَقِّ المُولَّى عَليهِ ولا في الوِراثةِ؛ فإنَّ الكافِرَ يَرثُ الكافرَ، ولهذا كانَ مِنْ أهلِ الولايةِ على نَفسِه، فكذا على غيرِه. وقالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للوليِّ الكافرِ أنْ يكونَ وليًّا على وليَّتِه الكافرةِ، فيَلِي عقْدَها إذا زوَّجَها لمُسلمٍ أو كافرٍ، فإنْ زوَّجَها لمُسلمٍ؛ فإنْ لم يَكنْ للكافرةِ وَليٌّ كافرٌ فأَساقِفَتُهم، فإنِ امتَنعُوا ورفَعَتْ أمْرَها للسُّلطانِ جبَرَهم

стр. 8706

على تَزويجِها؛ لأنه مِنْ رَفعِ التظالُمِ الذي له نَظرُه، ولا يُجبِرُهم على تَزويجِها مِنْ مُسلمٍ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: يَلي الكافرُ الأصليُّ الكافرةَ الأصليةَ، سَواءٌ زوَّجَها مِنْ كافرٍ أو مِنْ مُسلمٍ؛ لأنه قَريبُ يَنظرُ بالمَصلحةِ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وشَرطُ وِلايتِه أنْ لا يَرتكبَ مُحرَّمًا في دِينِه، فإنِ ارتَكَبَه فكَالفاسقِ عندَنا، فلا يُزوِّجُ مُولِّيتَه، بخِلافِ ما إذا لم يَرتكبْ ذلكَ، فإنْ كانَ مَستورًا فيزوِّجُها كما تقرَّرَ ذلكَ. وفرَّقُوا بينَ وِلايتِه وشَهادتِه حيثُ لا تُقبَلُ شهادتُه وإنْ لم يَرتكبْ ذلكَ بأنَّ الشَّهادةَ مَحضُ وِلايةٍ على الغيرِ، فلا يُؤهَّلُ لها الكافِرُ، والوليُّ في التَّزويجِ كما يُراعِي حَظَّ مُولِّيتِه يُراعِي حَظَّ نَفسِه أيضًا في تَحصينِها ودَفعِ العارِ عن النَّسبِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا تزوَّجَ المُسلمُ ذِميةً فوليُّها الكافِرُ يزوِّجُها إياهُ، ذكَرَه أبو الخطَّابِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لأنه وَليُّها، فصَحَّ

стр. 8707

تَزويجُه لها كما لو زوَّجَها كافرًا، ولأنَّ هذهِ امرأةٌ ولَها وَليٌّ مناسِبٌ، فلمْ يَجُزْ أنْ يليَها غيرُه كما لو تزوَّجَها ذِميٌّ. وقالَ القاضِي: لا يزوِّجُها إلَّا الحاكِمُ؛ لأنَّ أحمدَ قالَ: لا يَعقدُ يَهوديٌّ ولا نصرانِيٌّ عقْدَ نكاحٍ لمُسلمٍ ولا مُسلمةٍ، ووجْهُه أنه عَقدٌ يَفتقرُ إلى شَهادةِ مُسلمَينِ، فلمْ يَصحَّ بولايةِ كافرٍ كنكاحِ المُسلمِينَ. والأولُ أصَحُّ، والشُّهودُ يُرادُونَ لإثباتِ النكاحِ عندَ الحاكِمِ، بخِلافِ الوِلايةِ (١). وذهَبَ الحليمِيُّ مِنْ الشَّافعيةِ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه لا يَلِي الكافرُ الكافرةَ إذا زوَّجَها مِنْ مُسلمٍ، بل يزوِّجُه بها قاضي المُسلمينَ؛ لأنه عَقدٌ يَفتقرُ إلى شِهادةِ مُسلمَينِ، فلمْ يَصحَّ بوِلايةِ كافرٍ كنِكاحِ المُسلمِينَ (٢). الحالَةُ الرابعةُ: أنْ يَكونَ الوليُّ كافِرًا ويلي على كافِرةٍ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ كافِرًا فإنه يكونُ وليًّا على مُولِّيتِه الكافرةِ؛ لقولِ الله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣).

стр. 8708

وِلايةُ المُرتدِّ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المرتَدَّ لا وِلايةَ له مُطلَقًا، لا على مُسلِمةٍ ولا مُرتدَّةٍ ولا غيرِهما؛ لأنه لا يَرثُ أحدًا، ولأنه لا وِلايةَ له على نَفسِه، حتَّى لا يَجوزُ نكاحُه أحدًا لا مُسلمًا ولا كافِرًا ولا مُرتدًّا مِثلَه، فلا يكونُ له ولايةٌ على غيرِه (١). الشَّرطُ السادِسُ: العَدالةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوليِّ، هل يُشترطُ فيهِ أنْ يكونَ عَدلًا؟ أم تَصحُّ وِلايةُ الفاسِقِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا تُشترطُ عَدالةُ الوليِّ، فيَجوزُ للفاسِقِ أنْ يزوِّجَ ابنتَهُ. قالَ الحَنفيةُ: العَدالةُ ليسَتْ بشَرطٍ لثُبوتِ الولايةِ، وللفاسِقِ أنْ يزوِّجَ ابنَه وابنتَه الصَّغيرَينِ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقولِه ﷺ : «زوِّجُوا بَناتِكُم الأكْفَاءَ» مِنْ غيرِ فَصلٍ، ولإجماعِ

стр. 8709

الأمَّةِ أيضًا؛ فإنَّ الناسَ عن آخِرِهم عامَّهم وخاصَّهم مِنْ لَدُنْ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يومِنا هذا يزوِّجونَ بناتِهم مِنْ غيرِ نَكيرٍ مِنْ أحَدٍ، خُصوصًا الأعرابُ والأكرادُ والأتراكُ، ولأنَّ هذهِ ولايةُ نَظرٍ، والفِسقُ لا يَقدحُ في القُدرةِ على تَحصيلِ النظرِ ولا في الدَّاعِي إليهِ وهو الشَّفقةُ، وكذا لا يَقدحُ في الوِراثةِ، فلا يَقدحُ في الوِلايةِ كالعَدلِ. ولأنَّ الفاسِقَ مِنْ أهلِ الوِلايةِ على نَفسِه، فيكونُ مِنْ أهلِ الوِلايةِ على غيرِه كالعَدلِ، ولهذا قَبِلْنا شَهادتَه، ولأنه مِنْ أهلِ أحَدِ نَوعَي الولايةِ، وهو ولايةُ المِلكِ، حتَّى يزوِّجُ أمَتَه، فيكونُ مِنْ أهلِ النوعِ الآخَرِ (١). وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: الفِسقُ لا يَسلبُ الوِلايةَ ولا يُزيلُ ولايتَه، فلا تَنتقلُ الولايةُ عنهُ للأبعَدِ؛ إذِ الفِسقُ لا يَسلبُ الولايةَ على الأرجَحِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فعَمَّ، ولأنه عصَبةٌ حُرٌّ مُسلمٌ عاقِلٌ بالغٌ، ولأنه ملَكَ أنْ يزوِّجَ نفْسَه، فجازَ أنْ يكونَ وليًّا في عَقدِ النكاحِ كالعَدلِ، ولأنَّ الفِسقَ لا يُؤثِّرُ في المَقصودِ بوِلايةِ النكاحِ، فلمْ يَكنْ مانِعًا منها. إلَّا أنَّ الفسقَ يَسلبُ كَمالَ الولايةِ، فإذا كانَ مع الفاسِقِ عَدلٌ في درَجتِه فالعَدلُ أَولى بالتَّقديمِ مِنْ الفاسِقِ (٢).

стр. 8710

وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوليِّ أنْ يكونَ عَدلًا ولو ظاهِرًا، فلا وِلايةَ لفاسِقٍ غيرِ الإمامِ الأعظَمِ فتَصحُّ ولايتُه، أمَّا غيرُه فلا تَصحُّ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أيُّما امرأةٍ أنكَحَها وَليٌّ مَسخوطٌ عليهِ فنِكاحُها باطِلٌ» (١)، وقولِه: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَيْ عَدلٍ» (٢)، والمُرشِدُ بمَعنى الرَّشيدِ، كالمُصلِحِ بمَعنى الصالحِ، والفاسقُ ليسَ برَشيدٍ، ولأنَّ الوِلايةَ مِنْ بابِ الكَرامةِ، والفِسقُ سَببُ الإهانةِ، ولهذا لم تُقبَلْ شهادتُه، ولأنه نَقصٌ يَمنعُ مِنْ الشهادةِ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ مِنْ الولايةِ كالرِّقِّ، ولأنها وِلايةٌ يَمنعُ منها الرِّقُ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ منها الفِسقُ كالولايةِ على المالِ، ولأنَّ مَنْ تولَّى عقْدَ النكاحِ في حَقِّ غيرِه منَعَ الفِسقُ مِنْ عَقدِه كالحاكمِ. فإذا ثبَتَ أنَّ وِلايةَ الفاسِقِ في النكاحِ باطِلةٌ فالولايةُ تُنقَلُ عنه إلى مَنْ هو أبعَدُ منه، فإنْ زالَ فِسقُه عادَتِ الولايةُ إليهِ وانتقَلَتْ عمَّن هو أبعَدُ منه (٣).

стр. 8711

لكنَّ أكثَرَ مُتأخِّري الشَّافعيةِ اختَارُوا القولَ بجَوازِ تَوليةِ الفاسِقِ، وأنه لا تُسلَبُ وِلايتُه، كما نَصَّ على ذلكَ النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وحكَى عنِ الغَزاليِّ أنه استُفتيَ فيهِ فقالَ: إنْ كانَ بحيثُ إذا سلَبْناهُ الولايةَ لانتقَلَتْ إلى حاكِمٍ يَرتكبُ ما يُفسِّقُه وُلِّيَ، وإلَّا فلا. قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا الذي قالَهُ حسَنٌ، ويَنبغي أنْ يكونَ العملُ بهِ، واللهُ أعلَمُ، وبه أفتَى ابنُ الصَّلاحِ وقوَّاهُ السُّبكيُّ، وقالَ الأذرعيُّ: لي منذُ سِنينَ أُفتي بصحَّةِ تَزويجِ الوَليِّ الفاسِقِ. واختارَهُ جَمعٌ مِنْ المُتأخِّرينَ إذا عَمَّ الفِسقُ. وحُكيَ قَولٌ للشَّافعيِّ أنه يَنعقدُ بشَهادةِ فاسقَينِ؛ لأنَّ الفِسقَ إذا عَمَّ ناحِيةً وانقَطعَ النكاحُ انقَطعَ النَّسلُ المَقصودُ بقاؤُه، فكذا هذا، وكما جازَ أكلُ المَيتةِ للمُضطرِ لِبَقائِه فكذا هذا لبَقاءِ النَّسلِ. وأمَّا الإمامُ الأعظَمُ فلا يَنعزلُ بالفِسقِ، فيزوِّجُ بَناتِه إنْ لم يكنْ لهنَّ وَليٌّ خاصٌّ، وبناتِ غيرِه بالولايةِ العامَّةِ وإنْ فسقَ؛ تَفخيمًا لشأنِه (١). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُشترطُ في الوَليِّ العَدالةُ ولو ظاهِرةً، إلَّا في سُلطانٍ فلا يُشترطُ في تَزويجِه بالولايةِ العامَّةِ مَنْ لا وَليَّ لها العَدالةُ؛ للحاجَةِ (٢).

стр. 8712

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الشَّرطُ السادسُ: العَدالةُ: في كَونِها شَرطًا رِوايتانِ: إحداهُما: هيَ شَرطٌ، قالَ أحمدُ: إذا كانَ القاضي مثلَ ابنِ الحلَبيِّ وابنِ الجَعديِّ استَقبلَ النكاحَ، فظاهِرُ هذا أنه أفسَدَ النكاحَ؛ لانتِفاءِ عَدالةِ المُتولِّي له، وهذا قَولُ الشافعيِّ؛ وذلك لِما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ:» لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ»، قالَ أحمَدُ: أصَحُّ شيءٍ في هذا قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ، وأيُّما امرأةٍ أنكَحَها وَليٌّ مَسخوطٌ عليهِ فنِكاحُها باطِلٌ»، ورُويَ عن أبي بكرٍ البَرقانِيِّ بإسنادِه عن جابرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ»، ولأنها وِلايةٌ نَظريةٌ، فلا يَستبدِئُها الفاسِقُ كولايةِ المالِ. والرِّوايةُ الأُخرى: ليسَتْ بشَرطٍ، نقَلَ مُثنَّى بنُ جامِعٍ أنه سَألَ أحمدَ: إذا تزوَّجَ بوَليٍّ فاسِقٍ وشُهودٍ غيرِ عُدولٍ؟ فلم يَرَ أنه يَفسدُ مِنْ النكاحِ شَيءٌ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ؛ لأنه ذكَرَ الطِّفلَ والعبدَ والكافرَ ولم يَذكُرِ الفاسقَ، وهو قَولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ وأحَدُ قولَي الشافعيِّ؛ لأنه يَلِي نكاحَ نَفسِه، فتَثبتُ له الولايةُ على غيرِه كالعُدولِ، ولأنَّ سبَبَ الوِلايةِ القَرابةُ وشرْطَها النظرُ، وهذا قَريبٌ ناظِرٌ، فيَلِي كالعدلِ (١).

стр. 8713

الشَّرطُ السَّابعُ: الذُّكورةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَليِّ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ ذكَرًا؟ أم يَصحُّ أنْ يكونَ الوليُّ امرأةً؟ فمَن قالَ: يَجوزُ لها أنْ تزوِّجَ نفْسَها كالإمامِ أبِي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ وظَاهرِ الرِّوايةِ عن أبِي يُوسفَ -كمَا تقدَّمَ مُفصَّلًا- قَالُوا: يَجوزُ لها أنْ تكونَ والِيةً، وأنْ تُباشِرَ النكاحَ لنَفسِها ولغيرِها (١). قالَ الإمامُ المَوصليُّ الحَنفيُّ ﵀: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النكاحِ، حتَّى لو زوَّجَتِ الحرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نفْسَها جازَ، وكذلكَ لو زوَّجَتْ غيْرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ، وكذا إذا وكَّلَتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجَها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ، وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمدٌ ﵀: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوليِّ، فإنْ ماتَا قبْلَها لا يَتوارثانِ، ولا يَقعُ طَلاقُه ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ. فإنِ امتَنعَ الوليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَرَ الطَّحَاويُّ عن مُحمدٍ: يُجدِّدُ القاضي العقدَ بينَهُما، وذكَرَ هِشامٌ عن مُحمدٍ: فإنْ لم يُجِزْه الوليُّ أُجيزُه أنَا، وكانَ يَومئذٍ قاضِيًا، فصارَ عنهُ رِوايتانِ، ورُويَ عنه أنه رجَعَ إلى قَولِ أبي حَنيفةَ

стр. 8714

قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيامٍ، وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفرٍ الهِندوانِيُّ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى مُحمدٍ قبْلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيامٍ وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يزوِّجُنِي إلا بعدَ أنْ يأخُذَ منِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمدٌ: اذهَبِي فزوِّجِي نفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُويَ مِنْ رُجوعِه. وعن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأصولِ مِثلُ قَولِ مُحمدٍ الأولِ، وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوليِّ (١). ومَن قالَ: لا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تزوِّجَ نفْسَها وهُمُ الجُمهورُ المالِكيةُ -على خِلافٍ عندَهم- والشَّافعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ ومُحمدٌ -على اختِلافٍ في النَّقلِ عَنهُم- قالُوا: لا يَجوزُ لها أنْ تكونَ واليةً لغيرِها ولا وَكيلةَ غيرِها؛ لأنها لا تَملكُ تَزويجَ نفْسِها (٢). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عقْدَ

стр. 8715

نكاحِها بنَفسِها دونَ وليِّها، ولا أنْ تَعقدَ نكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ والشافعيُّ وسُفيانُ والثوريُّ وابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وابنُ المُبارَكِ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحَسنِ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ والطبَريُّ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ ابنِ المُسيِّبِ والحسَنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وجابرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤلاءِ أهلُ الرَّأيِ مِنْ الكُوفيِّينَ وطائِفةٌ مِنْ التابعِينَ (١). وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: لا يَصحُّ كَونُ المرأةِ وليًّا في عَقدِ نكاحٍ، لا على نَفسِها ولا على غيرِها … لقولِه ﷺ : «لا نِكاحَ إلَّا بوليٍّ» وقَولِه ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغيرِ إذنِ وليِّها فنِكاحُها باطِلٌ، قالَها ثلاثًا»، فأثبَتَ للوليِّ حقًّا في العقدِ وغيرُهم لا حَقَّ لهُ … وقولُه ﷺ : «لا تُنكِحُ المَرأةُ المَرأةَ، ولا تُنكِحُ نفْسَها»، وهذهِ نُصوصٌ، ولأنها ناقِصةٌ بالأنوثةِ كالأمَةِ، ولأنَّ مِنْ طِباعِ النِّساءِ شَهوةُ النكاحِ والمَيلُ إلى الرِّجالِ والتسرُّعُ إلى ذلكَ، فلو جُعلَتِ العُقودُ إليهنَّ لَتَسرعْنَ ولم يُراعِينَ كفاءةً ولا حظًّا في عَاقبتِه، وفي ذلكَ ضَررٌ بهنَّ وبالأولياءِ، فمُنِعْنَ منه (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: لا تَعقدُ امرأةٌ نِكاحَها بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، سَواءٌ الإيجابُ

стр. 8716

والقَبولُ؛ إذ لا يَليقُ بمَحاسنِ العاداتِ دُخولُها فيهِ؛ لِمَا قُصِدَ منها مِنْ الحَياءِ وعَدمِ ذِكرِه أصلًا، وقد قالَ تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] أي: قِيامُهم بمَصالِحِهنَّ، ومنها وِلايةُ تَزويجِهنَّ (١). ولو وكَّلَ ابنَتَه مَثلًا أنْ تُوكِّلَ رَجلًا في نِكاحِها لا عنها بل عنهُ أو أطلَقَ صَحَّ؛ لأنها سَفيرةٌ بينَ الوليِّ والوَكيلِ، بخِلافِ ما لو وكَّلَتْ عَنها. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: نعمْ لو ابتُلِينا -والعِياذُ باللهِ تعالَى- بإمامةِ امرأةٍ فإنَّ أحكامَها تَنفذُ للضَّرورةِ، كما قالَه ابنُ عبدِ السَّلامِ وغيرُه، وقياسُه تَصحيحُ تَزويجِها. ولا يُعتبَرُ إذنُ المرأةِ في نِكاحِ غيرِها إلَّا في مِلكِها أو في سَفيهٍ أو مَجنونٍ هي وَصيةٌ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الذُّكوريةُ شَرطٌ للولايةِ في قولِ الجَميعِ؛ لأنه يُعتبَرُ فيها الكَمالُ، والمَرأةُ ناقصةٌ قاصِرةٌ تَثبتُ الولايةُ عليها؛ لقُصورِها عن النَّظرِ لنَفسِها، فلا تَثبتُ لها وِلايةٌ على غيرِها أَولى (٣).

стр. 8717

وقالَ الإمامُ الصَّنعانِيُّ ﵀: المرأةُ ليسَ لها وِلايةٌ في الإنكاحِ لنَفسِها ولا لغيرِها، فلا عِبرةَ لها في النكاحِ إيجابًا ولا قَبولًا، فلا تزوِّجُ نفْسَها بإذنِ الوليِّ ولا غيرِه، ولا تزوِّجُ غيرَها بولايةٍ ولا بوكالةٍ، ولا تَقبلُ النِّكاحَ بولايةٍ ولا وكالةٍ، وهو قولُ الجُمهورِ (١). الشَّرطُ الثَّامنُ: ألا يَكونَ الوليُّ أو أحَدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا بحَجٍّ أو عُمرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوليِّ، هل يُشترطُ أنْ يكونَ خالِيًا مِنْ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ، فلا يَجوزُ له أن يليَ عقْدَ نكاحِه لنَفسِه ولا لغيرِه؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ نِكاحُه لنَفسِه ولغَيرِه، فيَجوزُ له أنْ يوكِّلَ حَلالًا في أنْ يزوِّجَه أو يزوِّجَ مُولِّيتَه أو أنْ يتوكَّلَ هو عن غيرِه في عَقدِ النكاحِ؟ فذهَبَ الجُمهورُ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمُحرِمِ أنْ يتولَّى عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولا لغيرِه أثناءَ إحرامِه، والدَّليلُ عليه ما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سِمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ﵁ يقولُ: قالَ رسولَ اللهِ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطُبُ» (٢). ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داودَ بنَ الحُصَينِ أن أبا غَطَفانَ بن

стр. 8718

طَريفٍ المرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ، فرَدَّ عمرُ بنُ الخطَّابِ نِكاحَه (١). ٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٢). ٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (٣). وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٤). ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ. قالَ المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ.

стр. 8719

لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ. وله أنْ يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ. وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» (٢)، والكافُ مَكسورةٌ فيهِما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني.

стр. 8720

وعن أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (١). ولا يَنقلُ الإحرامُ الوِلايةَ للأبعَدِ في الأصَحِّ؛ لأنه لا يَسلبُ الولايةَ؛ لبَقاءِ الرُّشدِ والنظرِ، وإنما يَمنعُ النكاحَ كما يَمنعَه إحرامُ الزَّوجِ أو الزوجةِ. فيُزوِّجُ السُّلطانُ عندَ إحرامِ الوليِّ لا الأبعَدُ؛ لأنَّ تأثيرَ الإحرامِ يَمنعُ الانعقادَ مع بقاءِ الولايةِ؛ لبقاءِ الرُّشدِ والنظرِ. والثَّاني: يَنقلُ للأبعدِ كالجُنونِ، ورجَّحَه في «المَطلَب». وكما لا يَصحُّ نِكاحُ المُحرمِ لا يَصحُّ إذنُه لعبدِه الحَلالِ في النكاحِ، ولا إذنُ المُحرمةِ لعبدِها فيه على الأصَحِّ في المَجمُوع. ويَجوزُ أنْ تُزَفَّ إلى المُحرمِ زَوجتُه التي عقَدَ عليها قبلَ إحرامِه، وأنْ تُزفَّ المُحرمةُ إلى زَوجِها الحَلالِ والمُحرمِ. ويَنعقدُ النكاحُ بشَهادةِ المُحرمِ؛ لأنه ليسَ بعاقِدٍ ولا مَعقودٍ عليهِ، لكنَّ الأَولى أنْ لا يَحضرَ، وتَصحُّ رَجعتُه؛ لأنها استِدامةٌ كالإمساكِ في دَوامِ النكاحِ. ولو أحرَمَ الوليُّ أو الزَّوجُ بعدَ تَوكيلِه التَّزويجَ فعقَدَ وكيلُهُ الحَلالُ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملكُه، ففَرعُه أَولى، وأيضًا الوَكيلُ في النكاحِ سَفيرٌ مَحضٌ، فكأنَّ العاقِدَ هو المُوكِّلُ، ولا يَنعزلُ الوَكيلُ بإحرامِ مُوكِّلِه، فيَعقدُ بعدَ التَّحلُّلِ.
следующие страницы →