← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

والقَبولُ؛ إذ لا يَليقُ بمَحاسنِ العاداتِ دُخولُها فيهِ؛ لِمَا قُصِدَ منها مِنْ الحَياءِ وعَدمِ ذِكرِه أصلًا، وقد قالَ تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] أي: قِيامُهم بمَصالِحِهنَّ، ومنها وِلايةُ تَزويجِهنَّ (١). ولو وكَّلَ ابنَتَه مَثلًا أنْ تُوكِّلَ رَجلًا في نِكاحِها لا عنها بل عنهُ أو أطلَقَ صَحَّ؛ لأنها سَفيرةٌ بينَ الوليِّ والوَكيلِ، بخِلافِ ما لو وكَّلَتْ عَنها. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: نعمْ لو ابتُلِينا -والعِياذُ باللهِ تعالَى- بإمامةِ امرأةٍ فإنَّ أحكامَها تَنفذُ للضَّرورةِ، كما قالَه ابنُ عبدِ السَّلامِ وغيرُه، وقياسُه تَصحيحُ تَزويجِها. ولا يُعتبَرُ إذنُ المرأةِ في نِكاحِ غيرِها إلَّا في مِلكِها أو في سَفيهٍ أو مَجنونٍ هي وَصيةٌ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الذُّكوريةُ شَرطٌ للولايةِ في قولِ الجَميعِ؛ لأنه يُعتبَرُ فيها الكَمالُ، والمَرأةُ ناقصةٌ قاصِرةٌ تَثبتُ الولايةُ عليها؛ لقُصورِها عن النَّظرِ لنَفسِها، فلا تَثبتُ لها وِلايةٌ على غيرِها أَولى (٣).

стр. 8717

وقالَ الإمامُ الصَّنعانِيُّ ﵀: المرأةُ ليسَ لها وِلايةٌ في الإنكاحِ لنَفسِها ولا لغيرِها، فلا عِبرةَ لها في النكاحِ إيجابًا ولا قَبولًا، فلا تزوِّجُ نفْسَها بإذنِ الوليِّ ولا غيرِه، ولا تزوِّجُ غيرَها بولايةٍ ولا بوكالةٍ، ولا تَقبلُ النِّكاحَ بولايةٍ ولا وكالةٍ، وهو قولُ الجُمهورِ (١). الشَّرطُ الثَّامنُ: ألا يَكونَ الوليُّ أو أحَدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا بحَجٍّ أو عُمرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوليِّ، هل يُشترطُ أنْ يكونَ خالِيًا مِنْ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ، فلا يَجوزُ له أن يليَ عقْدَ نكاحِه لنَفسِه ولا لغيرِه؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ نِكاحُه لنَفسِه ولغَيرِه، فيَجوزُ له أنْ يوكِّلَ حَلالًا في أنْ يزوِّجَه أو يزوِّجَ مُولِّيتَه أو أنْ يتوكَّلَ هو عن غيرِه في عَقدِ النكاحِ؟ فذهَبَ الجُمهورُ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمُحرِمِ أنْ يتولَّى عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولا لغيرِه أثناءَ إحرامِه، والدَّليلُ عليه ما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سِمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ﵁ يقولُ: قالَ رسولَ اللهِ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطُبُ» (٢). ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داودَ بنَ الحُصَينِ أن أبا غَطَفانَ بن

стр. 8718

طَريفٍ المرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ، فرَدَّ عمرُ بنُ الخطَّابِ نِكاحَه (١). ٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٢). ٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (٣). وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٤). ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ. قالَ المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ.

стр. 8719

لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ. وله أنْ يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ. وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» (٢)، والكافُ مَكسورةٌ فيهِما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني.

стр. 8720

وعن أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (١). ولا يَنقلُ الإحرامُ الوِلايةَ للأبعَدِ في الأصَحِّ؛ لأنه لا يَسلبُ الولايةَ؛ لبَقاءِ الرُّشدِ والنظرِ، وإنما يَمنعُ النكاحَ كما يَمنعَه إحرامُ الزَّوجِ أو الزوجةِ. فيُزوِّجُ السُّلطانُ عندَ إحرامِ الوليِّ لا الأبعَدُ؛ لأنَّ تأثيرَ الإحرامِ يَمنعُ الانعقادَ مع بقاءِ الولايةِ؛ لبقاءِ الرُّشدِ والنظرِ. والثَّاني: يَنقلُ للأبعدِ كالجُنونِ، ورجَّحَه في «المَطلَب». وكما لا يَصحُّ نِكاحُ المُحرمِ لا يَصحُّ إذنُه لعبدِه الحَلالِ في النكاحِ، ولا إذنُ المُحرمةِ لعبدِها فيه على الأصَحِّ في المَجمُوع. ويَجوزُ أنْ تُزَفَّ إلى المُحرمِ زَوجتُه التي عقَدَ عليها قبلَ إحرامِه، وأنْ تُزفَّ المُحرمةُ إلى زَوجِها الحَلالِ والمُحرمِ. ويَنعقدُ النكاحُ بشَهادةِ المُحرمِ؛ لأنه ليسَ بعاقِدٍ ولا مَعقودٍ عليهِ، لكنَّ الأَولى أنْ لا يَحضرَ، وتَصحُّ رَجعتُه؛ لأنها استِدامةٌ كالإمساكِ في دَوامِ النكاحِ. ولو أحرَمَ الوليُّ أو الزَّوجُ بعدَ تَوكيلِه التَّزويجَ فعقَدَ وكيلُهُ الحَلالُ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملكُه، ففَرعُه أَولى، وأيضًا الوَكيلُ في النكاحِ سَفيرٌ مَحضٌ، فكأنَّ العاقِدَ هو المُوكِّلُ، ولا يَنعزلُ الوَكيلُ بإحرامِ مُوكِّلِه، فيَعقدُ بعدَ التَّحلُّلِ.

стр. 8721

ولو عقَدَ الوكيلُ واختَلفَ الزَّوجانِ هل وقَعَ قبلَ الإحرامِ أو بعدَه؟ صدِّقَ مدَّعِي الصحَّةِ بيَمينِه؛ لأنَّ الظاهِرَ في العُقودِ الصحةُ. ولو وكَّلَ مُحرِمٌ حَلالًا في تزويجِه أو أَذِنتْ مُحرِمةٌ لوليِّها أنْ يزوِّجَها صحَّ، سَواءٌ أقالَ كلٌّ: «لتُزوِّجَ بعدَ التَّحللِ» أم أطلَقَ؛ لأنَّ الإحرامَ إنما يَمنعُ الانعِقادَ دونَ الإذنِ، وإنْ شرَطَ صُدورَ العقدِ في الإحرامِ لم يَصحَّ التَّوكيلُ ولا الإذنُ. ولو وكَّلَ حلالٌ مُحرمًا ليُوكِّلَ حلالًا في التَّزويجِ صَحَّ؛ لأنه سَفيرٌ مَحضٌ. ولا خِلافَ أنَّ وكيلَ المُصلِّي يُزوِّجُ، بخِلافِ وَكيلِ المُحرِمِ؛ لأنَّ عِبارةَ المُحرمِ غيرُ صَحيحةٍ وعبارةَ المُصلِّي صَحيحةٌ، حتَّى لو زوَّجَها في صلاتِه ناسِيًا صَحَّ النكاحُ والصَّلاةُ، بخِلافِ المُحرِمِ لو تزوَّجَ ناسيًا للإحرامِ لم يَصحَّ نكاحُه؛ لأنَّ عِبارةَ المُحرمِ غيرُ صَحيحةٍ وعبارةَ المُصلِّي صَحيحةٌ (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ذكَرَ مُسلمٌ الاختلافَ أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهوَ مُحرمٌ أو وهو حَلالٌ؟ فاختَلفَ العُلماءُ بسَببِ ذلكَ في نِكاحِ المُحرمِ. فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهُم: لا يَصحُّ نكاحُ المُحرمِ، واعتَمدُوا أحادِيثَ البابِ.

стр. 8722

وقالَ أبو حَنيفةَ والكُوفيُّونَ: يَصحُّ نِكاحُه؛ لحَديثِ قِصةِ مَيمونةَ. وأجابَ الجُمهورُ عن حَديثِ مَيمونةَ بأجوَبةٍ: أصَحُّها: أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما تزوَّجَها حَلالًا، هكذا رَواهُ أكثَرُ الصَّحابةِ، قالَ القاضي وغيرُه: ولمْ يَرْوِ أنه تزوَّجَها مُحرِمًا إلَّا ابنُ عبَّاسٍ وحْدَه، ورَوَتْ مَيمونةُ وأبو رافِعٍ وغيرُهما أنه تزوَّجَها حَلالًا، وهمْ أعرَفُ بالقَضيةِ؛ لِتَعلُّقِهم به، بخِلافِ ابنِ عبَّاسٍ، ولأنهم أضبَطُ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأكثَرُ. الجَوابُ الثَّاني: تَأويلُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ على أنَّه تزوَّجَها في الحرَمِ وهو حَلالٌ، ويقالُ لمَن هو في الحَرمِ: «مُحرِمٌ» وإنْ كانَ حَلالًا، وهي لغةٌ شائِعةٌ مَعروفةٌ، ومنهُ البيتُ المَشهورُ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا … أي: في حَرمِ المَدينةِ. والثَّالثُ: أنه تَعارَضَ القولُ والفعلُ، والصَّحيحُ حِينئذٍ عندَ الأصوليِّينَ تَرجيحُ القولِ؛ لأنه يَتعدَّى إلى الغيرِ، والفعلُ قد يكونُ مَقصورًا عليهِ. والرابعُ: جَوابُ جَماعةٍ مِنْ أصحابنا أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ له أنْ يتزوَّجَ في حالِ الإحرامِ، وهو ممَّا خُصَّ به دُونَ الأمَّةِ، وهذا أصَحُّ الوجهَينِ عندَ أصحابنا، والوجهُ الثَّاني: أنه حَرامٌ في حَقِّه كغيرِه، وليسَ مِنْ الخَصائصِ. وأمَّا قولُه ﷺ : «ولا يُنكِحُ» فمَعناهُ: لا يُزوِّجُ امرأةً بوِلايةٍ ولا

стр. 8723

وَكالةٍ، قالَ العلماءُ: سبَبَه أنه لمَّا مُنعَ في مدَّةِ الإحرامِ مِنْ العَقدِ لنَفسِه صارَ كالمرأةِ، فلا يَعقدُ لنَفسِه ولا لغيرِه، وظاهِرُ هذا العُمومِ أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يزوِّجَ بوِلايةٍ خاصَّةٍ كالابِ والأخِ والعَمِّ ونحوِهم، أو بوِلايةٍ عامَّةٍ وهو السُّلطانُ والقاضي ونائبُه، وهذا هو الصَّحيحُ عندَنا، وبه قالَ جُمهورُ أصحابِنا، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يزوِّجَ المُحرِمُ بالولايةِ العامَّةِ؛ لأنها يُستفادُ بها ما لا يُستفادُ بالخاصَّةِ، ولهذا يَجوزُ للمُسلمِ تَزويجُ الذمِّيةِ بالوِلايةِ العامَّةِ دونَ الخاصَّةِ. واعلَمْ أنَّ النهيَ عن النكاحِ والإنكاحِ في حالِ الإحرامِ نهيُ تَحريمٍ، فلو عقَدَ لم يَنعقدْ، سواءٌ كانَ المُحرمُ هو الزوجُ والزوجةُ أو العاقِدُ لهُما بوِلايةٍ أو وَكالةٍ، فالنكاحُ باطلٌ في كلِّ ذلكَ، حتَّى لو كانَ الزَّوجانِ والوليُّ مُحِلَّينِ ووكَّلَ الوليُّ أو الزوجُ مُحرِمًا في العقد لم يَنعقدْ (١). وقَالُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: (ولا يَتزوَّجُ المُحرمُ ولا يزوِّجُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطلٌ). قولُه: (لا يتزوَّجُ) أي: لا يَقبلُ النكاحَ لنَفسِه، (ولا يُزوِّجُ) أي: لا يكونُ وليًّا في النكاحِ ولا وَكيلًا فيهِ، ولا يَجوزُ تَزويجُ المُحرِمةِ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وابنِه وزَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵃، وبه قالَ سعيدُ بنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ والزُّهريُّ والأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ.

стр. 8724

وأجازَ ذلكَ ابنُ عبَّاسٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه عَقدٌ يَملكُ به الاستِمتاعَ، فلا يُحرِّمُه الإحرامُ كشِراءِ الإماءِ. ولنا: ما رَوى أبانُ بنُ عُثمانَ عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مُسلمٌ، ولأنَّ الإحرامَ يُحرِّمُ الطِّيبَ، فيُحرِّمُ النكاحَ كالعدَّةِ. فأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فقدْ رَوى يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَها حَلالًا وبنَى بها حَلالًا وماتَتْ بِسَرفٍ في الظُّلةِ التي بنَى بها فيهَا» رواهُ أبو داودَ والأثرمُ. وعن أبي رافِعٍ قالَ: «تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حَلالٌ، وكُنتُ أنا الرَّسولُ بينَهُما»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ومَيمونةُ أعلَمُ بنَفسِها، وأبو رافِعٍ صاحِبُ القصَّةِ وهو السَّفيرُ فيها، فهُمَا أعلَمُ بذلكَ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأَولى بالتَّقديمِ لو كانَ ابنُ عبَّاسٍ كَبيرًا، فكَيفَ وقد كانَ صَغيرًا لا يَعرفُ حَقائقَ الأمورِ ولا يَقفُ عليها؟ وقد أُنكِرَ عليهِ هذا القولُ. وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ، ما تزوَّجَها النبيُّ ﷺ إلَّا حَلالًا، فكَيفَ يُعملُ بحَديثٍ هذا حالُه؟ ويُمكِنُ حَملُ قولِه: «وهو مُحرِمٌ» أي: في الشَّهرِ الحَرامِ أو في البَلدِ الحَرامِ، كما قيلَ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا.

стр. 8725

وقيلَ: تزوَّجَها حَلالًا وأظهَرَ أمْرَ تَزويجِها وهو مُحرمٌ. ثمَّ لو صَحَّ الحَديثانِ كانَ تَقديمُ حَديثِنا أَولى؛ لأنه قَولُ النبيِّ ﷺ وذلكَ فِعلُه، والقَولُ آكَدُ؛ لأنه يَحتملُ أنْ يكونَ مُختَصًّا بما فعَلَه، وعَقدُ النكاحِ يُخالِفُ شِراءَ الأمَةِ؛ فإنه يَحرمُ بالعدَّةِ والردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ وكَونِ المَنكوحةِ أختًا له مِنْ الرَّضاعِ ويُعتبَرُ له شُروطٌ غيرُ مُعتبَرةٍ في الشِّراءِ. فَصلٌ: ومتَى تزوَّجَ المُحرِمُ أو زوَّجَ أو زوِّجَتْ مُحرِمةٌ فالنكاحُ باطلٌ، سَواءٌ كانَ الكلُّ مُحرِمينَ أو بعضُهم؛ لأنه مَنهيٌّ عنه، فلمْ يَصحَّ كنكاحِ المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها. وعن أحمَدَ: إنْ زوَّجَ المُحرِمُ لم أفسَخِ النكاحَ. قالَ بعضُ أصحابِنا: هذا يَدلُّ على أنه إذا كانَ الوليُّ بمُفرَدِه أو الوكيلُ مُحرِمًا لم يَفسدِ النكاحُ، والمَذهبُ الأولُ، وكَلامُ أحمدَ يُحملُ على أنه لا يَفسخُه لكَونِه مُختلَفًا فيه. قالَ القاضي: ويُفرَّقُ بينَهُما بطَلقةٍ. وهكذا كُلُّ نكاحٍ مُختلَفٍ فيه، قال أحمَدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: إذا تزوَّجَتْ بغيرِ وليٍّ لم يَكنْ للوليِّ أنْ يزوِّجَها مِنْ غيرِه حتَّى يُطلِّقَ. ولأنَّ تَزويجَها مِنْ غيرِ طَلاقٍ يُفضِي إلى أنْ يَجتمعَ للمَرأةِ زَوجانِ، كلُّ واحِدٍ منهُما يَعتقدُ حِلَّها (١).

стр. 8726

وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: المُحرمُ إذا تَزوَّجَ لنَفسِه أو عقَدَ النكاحَ لغيرِه ككَونِه وليًّا أو وكيلًا فإنه لا يَصحُّ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مسلمٌ. وإنْ عقَدَ الحلالُ نِكاحًا لمُحرمٍ بأنْ يكونَ وَكيلًا له أو وليًّا عليه أو عقَدَه على مُحرِمةٍ لم يَصحَّ؛ لدُخولِه في عُمومِ الحديثِ؛ لأنه إذا تزوَّجَ له وكيلُه فقدْ نكَحَ، وحَكَى القاضي في كَونِ المُحرمِ وليًّا لغيرِه رِوايتينِ: إحداهُما: لا تَصحُّ، وهي اختِيارُ الخِرقيِّ. والثَّانيةُ: تَصحُّ، وهي اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ النكاحَ حرِّمَ على المُحرِمِ؛ لأنه في دَواعِي الوَطءِ المُفسِدِ للحَجِّ، ولا يَحصلُ ذلكَ فيه بكَونِه وليًّا لغيرِه. والأولُ أَولى؛ لدُخولِه في عُمومِ الخبَرِ، ولأنه عَقدٌ لا يَصحُّ للمُحرمِ، فلا يَصحُّ منه كشِراءِ الصَّيدِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجوزُ للمُحرمِ أنْ يليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولغيرِه وأنْ يُوكِّلَ ويتوكَّلَ فيهِ (٢)؛ لِمَا رواهُ مُسلمٌ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عنِ أبي الشَّعثاءِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ أخبَرَه: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَزوَّجَ

стр. 8727

مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» (١)، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يَدخُلَ بها حتَّى يَحِلَّ مِنْ إحرامِهِ. قالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: فأمَّا النَّظرُ في ذلكَ: فإنَّ المُحرِمَ حرامٌ عليه جِماعُ النِّساءِ، فاحتُملَ أنْ يكونَ عقدُ نكاحِهنَّ كذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فوَجدْناهُم قد أجمَعُوا أنه لا بأسَ على المُحرمِ بأنْ يَبتاعَ جارِيةً، ولكنْ لا يَطؤُها حتَّى يَحِلَّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ لِيَتطيَّبَ به بعدَما يَحِلُّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ قَميصًا لِيَلبسَه بعدَما يَحلُّ، وذلكَ الجِماعُ هو والتطيُّبُ واللِّباسُ حَرامٌ عليه كلُّه وهو مُحرِمٌ، فلمْ يَكنْ حُرمةُ ذلكَ عليهِ تَمنعُه عقْدَ المِلكِ عليهِ، ورأَيْنا المُحرِمَ لا يَشتريْ صَيدًا، فاحتُملَ أنْ يكونَ حُكمُ عَقدِ النكاحِ كحُكمِ عَقدِ شِراءِ الصيدِ أو حُكمِ عقدِ شِراءِ ما وصَفْنا ممَّا سِوى ذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فإذا مَنْ أحرَمَ وفي يَدِه صَيدٌ أُمرَ أنْ يُطلِقَه، ومَن أحرَمَ وعليهِ قَميصٌ وفي يَدِه طِيبٌ أُمرَ أنْ يَطرحَه عنهُ ويَرفعَه، ولم يَكنْ ذلكَ كالصَّيدِ الذي يُؤمَرُ بتَخليتِه ويتركُ حَبسهُ، ورأَيْناهُ إذا أحرَمَ ومعَه امرأةٌ لم يُؤمرْ بإطلاقِها، بل يُؤمرُ بحِفظِها وصَونِها، فكانَتِ المرأةُ في ذلكَ كاللِّباسِ والطِّيبِ لا كالصَّيدِ، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يكونَ في استِقبالِ عَقدِ النكاحِ عليها في حُكمِ استقبالِ عقدِ المِلكِ على الثيابِ والطِّيبِ الذي يَحلُّ له به لبسُ ذلكَ واستعمالُه بعدَ الخُروجِ مِنْ الإحرامِ.

стр. 8728

فقالَ قائِلٌ: فقدْ رأَيْنا مَنْ تزوَّجَ أختَه مِنْ الرَّضاعةِ كانَ نكاحُه باطِلًا، ولو اشتِراها كانَ شِراؤُه جائِزًا، فكانَ الشِّراءُ يَجوزُ أنْ يُعقدَ على ما لا يَحلُّ وَطؤُه، والنكاحُ لا يجوزُ أنْ يُعقدَ إلا على مَنْ يَحلُّ وَطؤُها، وكانَتِ المرأةُ حَرامًا على المُحرمِ جِماعُها، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يَحرمَ عليه نِكاحهُا. فكانَ مِنْ الحُجةِ للآخرِينَ عليهِم في ذلكَ أنَّا رأَيْنا الصائمَ والمُعتكِفَ حَرامٌ على كلِّ واحدٍ منهُما الجِماعُ، وكلٌّ قد أجمَعَ أنَّ حُرمةَ الجِماعِ عليهِما لا يَمنعُهما مِنْ عَقدِ النكاحِ لأنفُسِهما؛ إذْ كانَ ما حرَّمَ الجِماعَ عليهما مِنْ ذلكَ إنما هو حُرمةُ دِينٍ كحُرمةِ حَيضِ المرأةِ الذي لا يَمنعُها مِنْ عقدِ النكاحِ على نَفسِها، فحُرمةُ الإحرامِ في النظرِ أيضًا كذلكَ. وقد رأَيْنا الرَّضاعَ الَّذي لا يَجوزُ تَزويجُ المرأةِ لِمَكانِه إذا طرَأَ على النكاحِ فسَخَ النكاحَ، وكذلك لا يَجوزُ استِقبالُ النكاحِ عليهِ، وكانَ الإحرامُ إذا طرَأَ على النكاحِ لم يَفسخْه، فالنَّظرُ على ذلكَ أيضًا أنْ يكونَ لا يَمنعُ استقبالَ عُقدةِ النكاحِ، وحُرمةُ الجِماعِ بالإحرامِ كحُرمتِه بالصيامِ سَواءٌ، فإذا كانَتْ حُرمةُ الصيامِ لا تَمنعُ عقْدَ النكاحِ فكذلكَ حُرمةُ الإحرامِ لا تَمنعُ عُقدةَ النكاحِ أيضًا، فهذا هو النظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ ﵏ (١).

стр. 8729

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفُوا في نِكاحِ المُحرمِ. فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ وأحمدُ: لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطِلٌ، وهو قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأس بذلكَ. وسَببُ اختِلافِهم تَعارُضُ النقلِ في هذا البابِ، فمِنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، وهو حَديثٌ ثابِتُ النقلِ خرَّجَه أهلُ الصَّحيحِ، وعارَضَه أحادِيثُ كَثيرةٌ عن مَيمونةَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَها وهو حَلالٌ»، قالَ أبو عُمرَ: رُويَتْ عنها مِنْ طُرقٍ شتَّى مِنْ طَريقِ أبي رافعٍ، ومِن طريقِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وهو مَولاها، وعن يَزيدَ بنِ الأصَمِّ، ورَوى مالكٌ أيضًا مِنْ حَديثِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ مع هذا أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ». فمَن رجَّحَ هذه الأحادِيثَ على حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ، ومَن رجَّحَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ أو جمَعَ بينَه وبينَ حديثِ عُثمانَ بنِ عفانَ بأنْ حمَلَ النهيَ الوارِدَ في ذلك على الكَراهيةِ قالَ: يَنكحُ ويُنكِحُ، وهذا راجِعٌ إلى تعارُضِ الفعلِ والقولِ، والوجهُ الجَمعُ أو تَغليبُ القولِ (١).

стр. 8730

أسبابُ الوِلايةِ في النكاحِ: أسبابُ الولايةِ في النكاحِ هي: ١ - القَرابةُ. ٢ - المِلكُ. ٣ - الوَلاءُ. ٤ - الوَصيةُ. ٥ - الإمامةُ. أولاً: القَرابةُ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ القَرابةَ سَببٌ في ثُبوتِ ولايةِ النكاحِ؛ لأنَّ القَرابةَ يَحصلُ بها الشَّفقةُ، وهي داعيَةٌ إلى تَحصيلِ النظرِ في حَقِّ المولَّى عليه (١). ثانيًا -مِنْ أسبابِ الولايةِ-: المِلكُ: تَثبتُ ولايةُ الإنكاحِ بالمِلكِ -أي: مِلكِ السَّيدِ لعبدِه أو لأمَتِه-، فوِلايةُ المِلكِ سَببُ ثُبوتِها المِلكُ؛ لأنَّ ولايةَ الإنكاحِ ولايةُ نظَرٍ، والمِلكُ داعٍ إلى الشفقةِ والنظرِ في حَقِّ المَملوكِ، فكانَ سببًا لثُبوتِ الوِلايةِ.

стр. 8731

ولا ولايةَ للمَملوكِ؛ لعَدمِ المِلكِ له؛ إذْ هو مَملوكٌ في نَفسِه فلا يكونُ مالكًا. وهل للسيِّدِ أنْ يُجبِرَ عبْدَه أو أمَتَه على النكاحِ؟ أمَا الأمَةُ فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ له أنْ يُجبِرَها على النكاحِ، سَواءٌ كانَتْ صغيرةً أو كبيرةً، ثيِّبًا أو بِكرًا، فله أنْ يزوِّجَ الأمَةَ مع وُجودِ أبيها، وله جبْرُ الثيِّبِ والبكرِ والكبيرةِ والصغيرةِ؛ لأنهما مالٌ مِنْ أموالِه، وله أنْ يُصلِحَ مالَه بأيِّ وجهٍ. واختَلفُوا في العبدِ، هل لسيِّدِه أنْ يُجبِرَه على النكاحِ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ وأبو حَنيفةَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والشافعيُّ في القَديمِ إلى أنَّ له أنْ يُجبِرَه على النكاحِ؛ لأنه مالٌ مِنْ أموالِه، وله أنْ يُصلِحَ مالَه بأيِّ وجهٍ. وجهُ ظاهرِ الرِّوايةِ قولُه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، أمَرَ اللهُ المَواليَ بإنكاحِ العَبيدِ والإماءِ مُطلَقًا عن شَرطِ الرِّضا، فمَن شرَطَه يَحتاجُ إلى الدَّليلِ، ولأنَّ إنكاحَ المَملوكِ مِنْ المَولَى تصرُّفٌ لنَفسِه؛ لأنَّ مَقاصدَ النكاحِ تَرجعُ إليهِ؛ فإنَّ الولَدَ في إنكاحِ الأمَةِ له، وكذا في إنكاحِ أمَتِه مِنْ عَبدِه، ومَنفعةُ العَقدِ عن الزِّنا الَّذي يُوجِبُ نُقصانَ ماليَّةِ مَملوكِه حصَلَ له أيضًا، فكانَ هذا الإنكاحُ تصرُّفًا لنفسِه، ومَن تصرَّفَ في مِلكِ نَفسِه لنفسِه يَنفذُ، ولا يُشترطُ فيه رِضَا

стр. 8732

المتصرَّفِ فيهِ كما في البَيعِ والإجارةِ وسائرِ التصرُّفاتِ، ولأنَّ العبدَ مِلكُه بجَميعِ أجزائِه مُطلَقًا؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ الدَّلائلِ فيما تقدَّمَ، ولكُلِّ مالكٍ ولايةُ التصرُّفِ في مِلكِه إذا كانَ التصرُّفُ مَصلحةً، وإنكاحُ العبدِ مَصلحةٌ في حَقِّه؛ لِمَا فيه مِنْ صِيانةِ مِلكِه عن النُّقصانِ بواسِطةِ الصِّيانةِ عن الزِّنا. وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه لا يزوِّجُه إلا برِضاهُ. وجهُ هذهِ الرِّوايةِ أنَّ مَنافعَ بُضعِ العبدِ لم تَدخلْ تحتَ مِلكِ المَولَى، بل هو أجنَبيٌّ عنها، والإنسانُ لا يَملكُ التصرُّفَ في مِلكِ غيرِه مِنْ غيرِ رِضاهُ، ولهذا لا يَملكُ إنكاحَ المُكاتَبِ والمُكاتَبةِ، بخِلافِ الأمَةِ؛ لأنَّ مَنافعَ بُضعِها مَملوكةٌ للمَولَى، ولأنَّ نِكاحَ المُكرَهِ لا ينفذُ ما وُضعَ له مِنْ المَقاصدِ المَطلوبةِ منه؛ لأنَّ حُصولَها بالدوامِ على النكاحِ والقرارِ عليهِ، ونكاحُ المُكرَهِ لا يَدومُ، بل يُزيلُه العبدُ بالطلاقِ، فلا يُفيدُ فائِدةً. ولأنه مُكلَّفٌ يَملكُ الطلاقَ، فلا يُجبَرُ على النكاحِ كالحُرِّ، ولأنَّ النكاحَ خالِصُ حَقِّه ونَفعُه لهُ، فأشبَهَ الحُرَّ، والأمرُ بإنكاحِه مُختَصٌّ بحالِ طَلبِه؛ بدَليلِ عَطفِه على الأيَامَى، وإنما يُزوَّجْنَ عندَ الطلبِ، ومُقتضَى الأمرِ الوُجوبُ، وإنما يَجبُ تَزويجُه عندَ طَلبِه، وأما الأمَةُ فإنه يَملكُ مَنافعَ بُضعِها والاستِمتاعَ بها، بخِلافِ العبدِ. ولأنَّ النكاحَ سَببٌ يُملَكُ به الاستِمتاعُ، فلمْ يَملكِ المَولَى إجبارَ عبدِه

стр. 8733

عليهِ كالقَسمِ بينَ امرَأتَيهِ، ولأنه لو كانَ للعَبدِ زَوجةٌ .. لم يَملكِ المَولَى إجبارَه على الوطءِ، فلمْ يَملكْ إجبارَه على النكاحِ. وهذا في حَقِّ العبدِ البالغِ، أمَّا العبدُ الصَّغيرُ فجُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في أصَحِّ القولَينِ عندَهم والحَنابلةُ أنَّ له أنْ يُجبِرَه؛ لأنه إذا ملَكَ تَزويجَ ابنِه الصغيرِ فعَبدُه معَ مِلكِه له تَمامَ ولايتِه عليه أَولى، وكذلكَ الحُكمُ في عبدِه المَجنونِ. وفي قَولٍ للشافِعيةِ أنه كالبالغِ فيهِ قَولانِ (١). وعلى كِلَا القولينِ لا يَجوزُ للعَبدِ أنْ يزوِّجَ نفْسَه بغيرِ إذنِ سيِّدِه؛ لِمَا رواه جابِرٌ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «أيُّما عَبدٍ تَزوَّجَ بغيرِ إذنِ سَيِّدِه فهوَ عاهِرٌ» (٢)، واسمُ العبدِ واقِعٌ على الجِنسِ، فالذُّكورُ والإناثُ مِنْ الرَّقيقِ داخِلونَ تحتَ هذا الاسمِ. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنه لا يَجوزُ نكاحُ العَبدِ بغيرِ إذنِ سَيدِه (٣).

стр. 8734

ثالثًا -مِنْ أسبابِ الوِلاية-: الوَلاءُ: تَثبتُ ولايةُ النكاحِ بولايةِ العَتاقةِ؛ لِمَا رواهُ ابنُ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «الوَلاءُ لُحمَةٌ كلُحمةِ النَّسبِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ» (١). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ: «ولا وِلايةَ بعدَ النَّسبِ إلَّا للمُعتِقِ ثمَّ أقرَبِ الناسِ بعَصبةِ مُعتِقِها». قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ، قد ذكَرْنا أنَّ أحَقَّ الناسِ بنِكاحِ المرأةِ الحرَّةِ المناسِبونَ لها مِنْ العصَباتِ، يَترتَّبونَ بالقُربِ إليها على ما ذكَرْنا، فمتَى وُجدَ واحدٌ مِنهم وإنْ بَعُدَ فهو أحَقُّ الناسِ بنكاحِها، وإنْ عُدِمُوا جَميعًا قامَ المَولَى المُعتِقُ في نكاحِها مَقامَ الأولياءِ المناسِبينَ مِنْ عصَبتِها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «الوَلاءُ لُحمَةٌ كلُحمةِ النَّسَبِ»، ولقولِه ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغيرِ إذنِ مَوالِيها فنِكاحُها باطِلٌ»، ولأنَّ المَولَى المُعتِقُ قد أفادَها بالعتقِ ما أفادَها الأبُ الحرُّ مِنْ زوالِ الرِّقِّ حتَّى صارَتْ مالِكةً ووارِثةً ومَوروثةً ومَعقولًا عنها، فاقتَضى أنْ يَحلَّ مَحلَّ الأبِ والعصَباتِ في ولايةِ نكاحِها، فمتَى وُجِدَ المَولى المُعتِقُ بعد فَقدِ العصَباتِ كانَ أحَقَّ الناسِ بنكاحِها، فإنْ عُدمَ فعَصبةُ المَولى يَترتَّبونَ في وِلايةِ نكاحِها على مِثلِ ما يَترتبونَ عليه في استحقاقِ ولائِها

стр. 8735

ومِيراثِها، فيكونُ ابنُ المَولى ثمَّ بَنوهُ أحَقَّ بوَلائِها وولايةِ نكاحِها مِنْ الأبِ، ثمَّ الأبُ بعدَ البَنينَ وبَنيهِم (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أمَّا ولايةُ الوَلاءِ فسَببُ ثُبوتِها الوَلاءُ، قالَ النبيُّ ﷺ : «الوَلاءُ لُحمَةٌ كلُحمةِ النَّسبِ»، ثمَّ النَّسبُ سَببٌ لثُبوتِ الولايةِ، كذا الوَلاءُ، والوَلاءُ نَوعانِ: وَلاءُ عَتاقةٍ ووَلاءُ مُوالاةٍ. أمَّا وَلاءُ العَتاقةِ: فوِلايةُ وَلاءِ العَتاقةِ نوعانِ: ولايةُ حَتمٍ وإيجابٍ ووِلايةُ نَدبٍ واستحبابٍ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ مُحمدٍ ولايةُ استِبدادٍ وولايةُ شَركةٍ، على ما بَينَّا في وِلايةِ القَرابةِ، وشَرطُ ثُبوتِ هذهِ الولايةِ ما هو شَرطُ ثُبوتِ تلكَ الولايةِ، إلَّا أنَّ هذه الولايةَ اختَصَّتْ بشَرطٍ وهو أنْ لا يكونَ للمُعتَقِ عَصبةٌ مِنْ جهةِ القَرابةِ، فإنْ كانَ فلا ولايةَ للمُعتِقِ؛ لأنه لا ولاءَ له؛ لأنَّ مولَى العَتاقةِ آخرُ العصَباتِ، وإنْ لم يَكنْ ثمَّةَ عصَبةٌ مِنْ جهةِ القَرابةِ فله أنْ يزوِّجَ، سواءٌ كانَ المُعتقُ ذكرًا أو أنثى. وأمَّا مولَى المُوالاةِ فله ولايةُ التَّزويجِ في قولِ أبي حنيفةَ عندَ استِجماعِ سائرِ الشَّرائطِ وانعدامِ سائرِ الورَثةِ؛ لأنه آخِرُ الورَثةِ. وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: ليسَ له وِلايةُ التَّزويجِ أصلًا ورأسًا؛ لأنَّ العُصوبةَ شَرطٌ عندَهما، ولم تُوجَدْ (٢).

стр. 8736

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا انقرَضَ العَصبةُ مِنْ النَّسبِ فوَليُّها المَولَى المُعتِقُ ثمَّ عصَباتُه الأقرَبُ فالأقرَبُ … ثم قال: ويُعتبَرُ في ولائِه شَرطانِ: أحَدُهما: عَدمُ العصَبةِ مِنْ النَّسبِ؛ لأنَّ المناسِبَ أقرَبُ مِنْ المُعتِقِ وأَولى منه. والثَّاني: إذنُ الزَّوجةِ؛ لأنها حرَّةٌ، وليسَتْ له وِلايةُ إجبارٍ، فإنه أبعَدُ العصَباتِ، ولا يَفتقرُ إلى إذنِ مَولاتِها؛ لأنها لا وِلايةَ لها ولا مِلكَ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: والمُعتَقةُ إذا كانَ لها عصَبةٌ زوَّجَها وليُّها مِنْ عصَبتِها، وإنْ لم يَكنْ لها وليٌّ مِنْ العصَبةِ زوَّجَها مُعتِقُها، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلكَ (٢). رابعًا -مِنْ أسبابِ وِلايةِ النكاحِ-: الوَصيةُ: تَثبتُ وِلايةُ النكاحِ لوَصيِّ الأبِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ. قالَ المالِكيةُ: تَثبتُ الوِلايةُ لوَصيِّ الأبِ عندَ عدمِ الأبِ، وله الجبْرُ فيما للأبِ فيه جبْرٌ. ومَحلُّه إنْ عيَّنَ له الأبُ الزوجَ بأنْ قالَ له: «زوِّجْها مِنْ فُلانٍ»، فله جبْرُها عليه فقطْ دونَ غيرِه إنْ بذَلَ مهْرَ المثلِ، بخِلافِ الأبِ له جبْرُها مُطلَقًا.

стр. 8737

أو أمَرَه الأبُ بالجبْرِ بأنْ قالَ: «اجبُرْها» وما في مَعناهُ ولو ضِمنًا كما لو قالَ له: «زوِّجْها قبلَ البلوغِ وبعدَه، أو على أيِّ حالةٍ شِئتَ». أو أمَرَه بالنكاحِ ولم يُعيِّنْ له الزوجَ ولا الإجبارَ بأنْ قالَ لهُ: «زوِّجْها، أو أنكِحْها، أو زوِّجْها ممَّن أحبَبْتَ، أو لِمَنْ تَرضاهُ» فلهُ الجبْرُ، ومُقابِلُه لا يعوَّلُ عليه ك: «أنتَ وَصيِّي على بنتِي، أو بناتي، أو على بُضعِها أو بُضعهنَّ فله الجبْرُ على الأرجَحِ عندَ بعضِهم، وقالَ بعضُهم: النقلُ يفيدُ أرجَحيَّةَ عدمِ الجبْرِ لقولِ أبي الحسَنِ: بخِلافِ «وصيِّي فقط أو وصيِّي على بُضعِ بناتِي، أو على تَزويجِهنَّ» فلا جبْرَ. والقِياسُ أنه لا يُزوِّجُها إلَّا بعدَ البلوغِ، وقالَ غيرُه: له الجبْرُ. حاصِلُ المَسألةِ: أنَّ الأبَ إذا قالَ للوصيِّ: «أنتَ وصيِّي على بُضعِ بناتِي، أو على نكاحِ بناتي، أو على تَزويجِهنَّ، أو وَصيِّي على بنتِي تزوِّجُها ممَّن أحبَبْتَ» له الجبْرُ على الرَّاجحِ، وإنْ لم يَذكرْ شَيئًا مِنْ النكاحِ أو التزويجِ أو البُضعِ فالرَّاجحُ عدمُ الجبْرِ، كما إذا قالَ: «أنتَ وصيِّي على بَناتي، أو على بعضِ بَناتي، أو على بِنتي فُلانةَ»، وأمَّا لو قالَ: «أنتَ وصيِّي فقط، أو على مالي، أو بَيعِ تَركَتي، أو قَبضِ دَيني» فلا جبْرَ اتفاقًا، فلو زوَّجَ جبْرًا في هذه الصورةِ فاستَظهرَ الأجهورِيُّ الإمضاءَ، وتوقَّفَ فيه النَّفراويُّ، وأمَّا إنْ زوَّجَ بلا جبْرٍ صَحَّ بلا خِلافٍ (١).

стр. 8738

وقالَ القاضي عبدُ الوهابِ المالِكيُّ ﵀: وَصيةُ الأبِ على إنكاحِ البكرِ تَصحُّ ويَملكُ الوصيُّ بها عقْدَ النكاحِ بإذنها، خِلافًا لأبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لحَديثِ قُدامةَ بنِ مَظعونٍ لمَّا قالَ: أنا عَمُّها ووَصيٌّ منها، فقالَ ﷺ : «إنَّها يَتيمةٌ، لا تُنكَحُ إلا بإذنِها» (١)، مَوضعُ التعلُّقِ أنه ذكَرَ السبَبَ الذي اعتَقدَ أنه يَملكُ به أنْ يَعقدَ، وهو كَونُه عَمًّا ووَصيًّا، فلمْ يُنكرْ عليه ولا قالَ: ليسَ للوصيِّ أنْ يَعقدَ نكاحَها، بل عدَلَ إلى أنْ علَّلَ منْعَ العقدِ بمعنًى يَرجعُ إلى حالِها، وهو اليُتْمُ، لا إلى صِفةِ الوليِّ، فدلَّ على ما قُلناه، ولأنها ولايةٌ كانَتْ ثابتةً للأبِ حالَ حياتِه، فكانَ له نَقلُها إلى مَنْ يَختارُ حالَ وفاتِه كولايةِ المالِ، ولأنها تَوليةٌ مِنْ الأبِ في إنكاحِ مَنْ يَلي عليه كالوكيلِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: وَصيُّ كلِّ واحدٍ مِنْ الأولياءِ في النكاحِ بمَنزلتِه؛ لقِيامِه مَقامَه، فتُستفادُ ولايةُ النكاحِ بالوَصيةِ إذا نَصَّ له على التزويجِ، مُجبِرًا كانَ الوليُّ كأبٍ أو غيرَ مُجبِرٍ كأخٍ لغيرِ أمٍّ وكذا عَمٍّ وابنِه؛ لأنها وِلايةٌ ثابتةٌ

стр. 8739

للوليِّ، فجازَتْ وَصيتُه بها كولايةِ المالِ، ولأنه يَجوزُ أنْ يَستنيبَ فيها في حياتِه ويكونَ نائبُه قائمًا مَقامَه، فجازَ أنْ يَستنيبَ فيها بعدَ موتِه. وصِفةُ الإيصاءِ أنْ يقولَ الأبُ لمَن اختارَه: «أوصَيْتُ إليكَ بنكاحِ بَناتي، أو جَعلتُكَ وصيًّا في نكاحِ بناتي» كما يَقولُ في المالِ: «وصيْتُ إليكَ بالنظرِ في أموالِ أولادِي» فيَقومُ الوَصيُّ مَقامَ المُوصِي مُقدَّمًا الوصيُّ على مَنْ يُقدَّمُ عليه المُوصِي، فإنْ كانَ الوليُّ له الإجبارُ كأبِي البكرِ فذلكَ الإجبارُ لوَصيِه، فيُجبِرُ وصيُّ الأبِ مَنْ يُجبِرهُ الأبُ مِنْ ذكَرٍ وأنُثى؛ لقِيامِه مَقامَ الأبِ، وإنْ كانَ الوليُّ ليسَ مُجبِرًا كأبِي ثيِّبٍ تمَّ لها تِسعُ سِنينَ وأخيها وعَمِّها ونحوِه ممَّن يَحتاجُ إلى إذنِها فوَصيُّه كذلكَ يَحتاجُ إلى إذنِها كَوكيلِه، ولا خِيارَ لمَن زوَّجَه الوَصيُّ ذكَرًا كانَ أو أنثَى إذا بلَغَ؛ لأنَّ الوَصيَّ قامَ مَقامَ المُوصِي، فلم يَثبتْ في تَزويجِه خِيارٌ كالوكيلِ. وأمَّا الوَصيُّ في المالِ فيَملكُ تَزويجَ أمَةِ مَنْ يَملكُ النظرَ في مالِه نصًّا؛ لأنها مِنْ جُملةِ المالِ الذي يَنظرُ فيه. وكذا إذا وصَّى إليه بالنظرِ في أمرِ أولادِه الصِّغارِ لم يَملكْ تَزويجَ أحَدِهم. وقيلَ: ليسَ للوصيِّ أنْ يُجبِرَ، فلا يزوِّجُ مَنْ لا إذنَ لها. وعن الإمامِ أحمَدَ: لا تُستفادُ ولايةُ النكاحِ بالوَصيةِ؛ لأنها ولايةٌ لها مَنْ يَستحقُّها بالشَّرعِ، فلمْ يَملكْ نقْلَها بالوَصيةِ كالحَضانةِ.

стр. 8740

وعنهُ: لا تُستفادُ بالوَصيةِ إذا كان للمُوصِي عَصبةٌ فإنْ لم يكنْ له صحَّتْ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: واختَلفَتِ الروايةُ عن أحمدَ ﵀، هل تُستفادُ الولايةُ في النكاحِ بالوَصيةِ؟ فرُويَ أنها تُستفادُ بها، وهو اختِيارُ الخِرقيِّ؛ لقولِه: «أو وَصَّى ناظِرًا له في التَّزويجِ»، وهو قَولُ الحسَنِ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ ومالكٍ. وعنهُ: لا تُستفادُ بالوَصيةِ، وبه قالَ الثَّوريُّ والشعبيُّ والنخَعيُّ والحارِثُ العُكليُّ وأبو حَنيفةَ والشافعيُّ وابنُ المنذِرِ؛ لأنها ولايةٌ تَنتقلُ إلى غيرِه شرعًا، فلمْ يَجُزْ أنْ يُوصيَ بها كالحضانةِ، ولأنه لا ضرَرَ على الوَصيِّ في تَضييعِها ووَضعِها عندَ مَنْ لا يُكافِئُها، فلمْ تَثبتْ له الوِلايةُ كالأجنبيِّ، ولأنها وِلايةُ نكاحٍ، فلمْ تَجُزِ الوصيةُ بها كوِلايةِ الحاكمِ. وقالَ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: إنْ كانَ لها عصَبةٌ لم تَجُزِ الوصيةُ بنكاحِها؛ لأنه يَسقطُ حَقُّهم بوَصيتِه، وإنْ لم يَكنْ عصَبةٌ جازَ؛ لعَدمِ ذلكَ. ولنَا: إنها ولايةٌ ثابتةٌ للأبِ، فجازَتْ وَصيتُه بها كولايةِ المالِ، ولأنه يَجوزُ أنْ يَستنيبَ فيها في حياتِه فيكونَ نائبَه قائمًا مَقامَه بعدَ موتِه، فجازَ أنْ يَستنيبَ فيها كولايةِ المالِ، وما ذَكرُوه يَبطلُ بوِلايةِ المالِ، فَعلى هذا لا

стр. 8741

يَصيرُ وَصيًّا في النكاحِ بالوصيةِ إليهِ في المالِ؛ لأنها إحدَى الوِلايتَينِ، فلمْ يَملكْها بالوصيةِ كالوصيةِ الأخرى؛ قِياسًا على وَصيةِ المالِ لا تُملَكُ بالوصيةِ في النكاحِ. فصلٌ: فَعلى هذا تَجوزُ الوَصيةُ بالنكاحِ مِنْ كُلِّ ذي وِلايةٍ، سَواءٌ كانَ مُجبِرًا كالأبِ أو غيرَ مُجبِرٍ كغيرِه، ووَصيُّ كلِّ وليٍّ يَقومُ مَقامَه، فإنْ كانَ الوليُّ له الإجبارُ فكذلكَ وصيُّه، وإنْ كانَ يَحتاجُ إلى إذنِها فوصيُّه كذلكَ؛ لأنه يَقومُ مَقامَه، فهو كالوكيلِ. وقالَ مالكٌ: إنْ عيَّنَ الأبُ الزَّوجَ ملَكَ الوصيُّ إجبارَهَا، صَغيرةً كانَتْ أو كبيرةً، وإنْ لم يُعيِّنِ الزوجَ وكانَتِ ابنَتُه كبيرةً صحَّتِ الوصيةُ واعتُبِرَ إذنُها، وإنْ كانَتْ صَغيرةً انتَظرْنا بُلوغَها، فإذا أَذِنَتْ جازَ أنْ يزوِّجَها بإذنِها. ولنَا: إنَّ مَنْ ملَكَ التزويجَ إذا عُيِّنَ له الزوجُ ملَكَ مع الإطلاقِ كالوكيلِ، ومتَى زوَّجَ وكيلُ الأبِ الصغيرةَ فبلَغَتْ فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الوصيَّ قائمٌ مَقامَ المُوصِي، فلم يَثبتْ في تَزويجِه خِيارٌ كالوكيلِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَصيَّ لا تَثبتُ له وِلايةٌ. قالَ الحَنفيةُ: ليسَ للوَصيِّ وِلايةُ الإنكاحِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ :

стр. 8742

«لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ» (١)، والوصيُّ ليسَ بوليٍّ، ولأنه يتصرَّفُ بالأمرِ، فلا يَعدُو مَوضعَ الأمرِ كالوكيلِ، وإنْ كانَ المَيتُ أوصَى إليهِ لا يَملكُ أيضًا؛ لأنه أرادَ بالوِصايةِ إليه نقْلَ ولايةِ الإنكاحِ، وأنها لا تَحتملُ النقلَ حالَ الحياةِ، كذا بعدَ المَوتِ. وأيضًا: فإنَّ السبَبَ الذي به يَستحقُّ الولايةَ في النكاحِ هو النسَبُ، وذلكَ لا يَصحُّ النقلُ فيهِ، ولا يَستحقُّه الوصيُّ؛ لعَدمِ السبَبِ الذي به يَستحقُّ الوِلايةَ، وليسَ التصرُّفُ في المالِ بعدَ الموتِ كالتصرُّفِ في النكاحِ؛ لأنَّ المالَ يَصحُّ النقلُ فيهِ والنكاحَ لا يَصحُّ النقلُ فيهِ إلى غيرِ الزَّوجينِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يكونَ للوصيِّ ولايةٌ فيهِ. وليسَ الوَصيُّ كالوكيلِ في حالِ حياةِ الأبِ؛ لأنَّ الوكيلَ يتصرَّفُ بأمرِ المُوكِّلِ، وأمرُه باقٍ؛ لجوازِ تصرُّفِه، وأمرُ المَيتِ مُنقطِعٌ فيما لا يَصحُّ فيه النقلُ وهو النكاحُ، فلذلكَ اختَلفَا. فالنكاحُ إلى العصَباتِ، والوَصيُّ ليسَ بعَصبةٍ إذا لم يَكنْ مِنْ قرابتِه، فهو كسائرِ الأجانبِ في التَّزويجِ، وإنْ كانَ الوصيُّ مِنْ القرابةِ بأنْ كانَ عَمًّا أو غيرَه فله وِلايةُ التزويجِ بالقَرابةِ لا بالوِصايةِ، فلو عيَّنَ المُوصِي في حياتِه رَجلًا فزوَّجَ الوصيُّ المرأةَ مِنْ ذلكَ الرجلِ في حياةِ المُوصِي فهو وكيلٌ لا وصيٌّ، وإنْ زوَّجَها منه بعدَ موتِ المُوصِي فقد بطَلَتِ الوكالةُ بالمَوتِ

стр. 8743

وانتقَلَتِ الولايةُ للحاكمِ عندَ عدمِ قَريبٍ، إلَّا إذا كانَ الوصيُّ قَريبًا أو حاكِمًا فإنه يَملكُ التزويجَ بالوِلايةِ إنْ لم يَكنْ أحَدٌ أَولى منه. قالَ السَّرخسيُّ ﵀: وكذلكَ إنْ كانَا -الصَّغيرُ والصغيرةُ- في حِجْرِ رَجلٍ يَعولُهما فحالُ هذا الرَّجلِ دونَ حالِ الوصيِّ، فلا يَثبتُ له وِلايةُ التزويجِ، ولأنَّ مَنْ يَعولُ الصغيرَ إنما يَملكُ عليه ما يَتمحَّضُ مَنفعةً للصغيرِ كالحِفظِ وقَبولِ الهِبةِ والصدَقةِ، والنكاحُ ليسَ بهذهِ الصفةِ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: ليسَ للوصيِّ ولايةُ التزويجِ وإنْ فوَّضَ إليه المُوصِي؛ إذْ ليسَ له قَرابةٌ تَدعوهُ إلى الشَّفقةِ والنظرِ، ولا حَظَّ له في الكَفاءةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفوا في الوَصيِّ: فقالَ مالكٌ: يكونُ الوصيُّ وليًّا، ومنَعَ ذلك الشافعيُّ. وسَببُ اختِلافِهم هل صِفةُ الولايةِ ممَّا يُمكِنُ أنْ يُستنابَ فيها؟ أم ليسَ يُمكنُ ذلكَ؟ ولهذا السبَبِ بعَينِه اختَلفُوا في الوكالةِ في النكاحِ، لكنَّ الجُمهورَ على جوازِها إلَّا أبا ثَورٍ، ولا فرْقَ بينَ الوكالةِ والإيصاءِ؛ لأنَّ الوصيَّ وكيلٌ بعدَ الموتِ، والوَكالةُ تَنقطعُ بالمَوتِ (٣).

стр. 8744

خامِسًا -مِنْ أسبابِ الوِلايةِ-: الإمامةُ: لا خِلافَ بينَ علماءِ الأمَّةِ أنَّ ولايةَ النكاحِ تَثبتُ بالإمامةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا أنَّ السُّلطانَ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له؛ لأنَّ الوِلايةَ بعدَ عدمِ التَّعصيبِ تَنصرفُ إلى الَّذي يَقِفُ على هذا الأصلِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ السُّلطانَ وليُّ مَنْ لا وليَّ له، وأجمَعُوا أنَّ السُّلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودعَتْ إلى كُفءٍ وامتَنعَ الوليُّ مِنْ أنْ يزوِّجَها (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ السُّلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودعَتْ إلى كفُؤٍ وامتَنعَ الوليُّ أنْ يزوِّجَها، وهذا على مَذهبِ مالكٍ والثَّوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ، وَروينَا معنَى هذا القَولِ عن عُثمانَ وشُريحٍ والنخَعيِّ، وكذلكَ نَقولُ (٤).

стр. 8745

وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ مَنْ لا وليَّ لها فإنَّ السُّلطانَ الَّذي تَجبُ طاعَتُه وليٌّ لها يُنكِحُها ممَّن أحبَّتْ ممَّن يَجوزُ له نِكاحُها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتفَقُوا أنَّ مَنْ لا وليَّ لها فإنَّ السُّلطانَ الَّذي تَجبُ طاعتُه وليٌّ لها يُنكِحُها مَنْ أحبَّتْ ممَّن يَجوزُ لها نكاحُه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنه ليسَ للوَليِّ أنْ يَعضُلَ وَليَّتَه إذا دَعتْ إلى كُفءٍ وبصَداقِ مِثلِها، وأنها تَرفعُ أمْرَها إلى السُّلطانِ فيُزوِّجُها، ما عَدَا الأبَ؛ فإنه اختَلفَ فيه المَذهبُ (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا وِلايةُ الإمامةِ فسَببُها الإمامةُ. ووِلايةُ الإمامةِ نَوعانِ أيضًا كوِلايةِ القَرابةِ، وشَرطُها ما هو شَرطُ تلكَ الولايةِ في النَّوعينِ جَميعًا، ولها شَرطانِ آخَرانِ: أحَدُهما يَعمُّ النَّوعينِ جَميعًا: وهو أنْ لا يكونَ هُناكَ وليٌّ أصلًا؛ لقَولِه ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (٤).

стр. 8746

والثَّاني يَخصُّ أحَدَهما وهو وِلايةُ النَّدبِ والاستِحبابِ، أو وِلايةُ الشَّركةِ على اختِلافِ الأصلِ: وهو لعَضلٍ مِنْ الوليِّ؛ لأنَّ الحرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا طلَبَتِ الإنكاحَ مِنْ كُفء وجَبَ عليهِ التزويجُ منه؛ لأنه مَنهيٌّ عنِ العضلِ، والنهيُ عن الشيءِ أمرٌ بضِدِّه، فإذا امتَنعَ فقدْ أضَرَّ بها، والإمامُ نُصِّبَ لدَفعِ الضَّررِ، فتَنتقلُ الولايةُ إليهِ (١). إذا غابَ الوليُّ هل تَنتقلُ الوِلايةُ لمَن بعدَه أم للسُّلطانِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غابَ وليُّ المَرأةِ وعَمَى خبَرُه وضُربَتْ فيهِ الآجالُ، أو غابَ غَيبةً مُعتبَرةً -على تَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ-، هل تَنتقلُ الوِلايةُ لمَن بعدَه مِنْ الأولياءِ فيزوِّجَها؟ أم تَنتقلُ إلى السُّلطانِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -على تَفصيلٍ يأتِي- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوِلايةَ تَنتقلُ لمَن بعدَه مِنْ الأولياءِ؛ لقولِه ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (٢)، وهذهِ لها وليٌّ مُناسِبٌ، فيزوِّجُ بحُكمِ الحَديثِ، ولأنَّ البعيدَ يُرجَّحُ بقُربِ نَسبِه والقَريبَ بقُربِ مَحلِّه، فتَساوَيَا. قالَ الحَنفيةُ خِلافًا لزُفرَ: إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُ كالأبِ غَيبةً مُنقطِعةً جازَ لمَن هو أبعَدُ منه كالجَدِّ أنْ يزوِّجَ؛ لأنَّ هذهِ وِلايةٌ نظَريةٌ، وليسَ مِنْ

стр. 8747

النَّظرِ التفويضُ إلى مَنْ لا يُنتفَعُ برأيِه، ففوَّضْناهُ إلى الأبعَدِ، وهو مقدَّمٌ على السُّلطانِ كما إذا ماتَ الأقربُ، ولو زوَّجَها السُّلطانُ مع حُضورِه لم يَجُزْ. وذلكَ أنَّ ثُبوتَ الوِلايةِ لمعنَى النظرِ للمُولَّى عليهِ، حتَّى لا يَثبتُ إلَّا على مَنْ هو عاجِزٌ عن النظرِ لنفسِه، وجُعِلَ الأقرَبُ مُقدَّمًا لأنَّ نظَرَه لها أكثَرُ؛ لزِيادةِ القُربِ، ثمَّ النظرُ لها لا يَحصلُ بمُجرَّدِ رأيِ الأقرَبِ، بل رأيُ حاضِرٍ مُنتفَعٌ به، وقد خرَجَ رأيُه مِنْ أنْ يكونَ مُنتفَعًا به في هذه الحالِ بهذهِ الغَيبةِ، فالتَحقَ بمَن لا رأيَ له أصلًا كالصَّغيرِ والمَجنونِ، ورأيُ الأبعدِ خلَفٌ عن رأيِ الأقرَبِ، وفي ثُبوتِ الحُكمِ للخلَفِ لا فرقَ بينَ انعدامِ الأصلِ وبينَ كونِه غيرَ مُنتفَعٍ به، أَلَا ترَى أنَّ التُّرابَ لمَّا كانَ خلَفًا عن الماءِ في حُكمِ الطهارةِ فمعَ وُجودِ الماءِ النجسِ يكونُ الترابُ خلَفًا كما أنَّ عندَ عدمِ الماءِ يكونُ الترابُ خلَفًا؛ لأنَّ الماءَ النجسَ غيرُ مُنتفَعٍ به في حُكمِ الطهارةِ، فهو كالمَعدومِ أصلًا، ونَظيرُه الحَضانةُ والتربيةُ يقدَّمُ فيه الأقرَبُ، فإذا تزوَّجَتِ الأقرَبُ حتَّى اشتغَلَتْ بزوجِها كانتِ الولايةُ للأبعَدِ، وكذلكَ النفقةُ في مالِ الأقرَبِ، فإذا انقطَعَ ذلك ببُعدِ مالِه وجبَتِ النفقةُ في مالِ الأبعدِ. فأمَّا إذا زوَّجَها الأقرَبُ حيثُ هو فإنما يَجوزُ لأنها انتفَعَتْ برأيِه، ولكنَّ هذه المنفعةَ حصَلَتْ لها اتفاقًا، فلا يَجوزُ بناءُ الحُكمِ عليه، فلهذا تَثبتُ الولايةُ للأبعدِ، تَوضيحُه أنَّ للأبعَدِ قرْبَ التدبيرِ وبُعدَ القرابةِ، وللأقربِ

стр. 8748

قُربَ القرابةِ وبعدَ التدبيرِ، وثبوتُ الولايةِ بهما جميعًا، فاستويَا مِنْ هذا الوجهِ، فكانَا بمَنزلةِ وَليَّينِ في درجةٍ واحدةٍ، فأيُّهما زوَّجَها يجوزُ، والولايةُ إنما تَثبتُ للقاضي عندَ الحاجةِ، ولا حاجةَ إلى ذلكَ لمَّا ثبتَتِ الولايةُ للأبعَدِ بالطريقِ الذي قُلنا. والغَيبةُ المُنقطِعةُ أنْ يكونَ في بلدٍ لا تَصلُ إليها القَوافلُ في السَّنةِ إلَّا مرَّةً واحدةً، وهو اختِيارُ القُدوريِّ. وقيلَ: أدنى مدَّةِ السَّفرِ؛ لأنه لا نهايةَ لأقْصاهُ، وهو اختِيارُ بعضِ المُتأخِّرينَ. وقيلَ: قدَّرُوها بثلاثةِ أيامٍ، وعليها الفتوَى. وقيلَ: إذا كانَ بحالِ يَفوتُ الكُفءُ الخاطبُ باستطلاعِ رَأيِه، وهذا أقرَبُ إلى الفقهِ؛ لأنه لا نظَرَ في إبقاءِ ولايتِه حِينئذٍ، وعليهِ فتوَى جماعةٍ مِنْ المتأخِّرينَ (١). وقالَ زُفرُ ﵀: لا يزوِّجُها أحَدٌ حتى يَحضرَ الأقربُ؛ لأنَّ الأبعدَ مَحجوبٌ بولايةِ الأقربِ، وولايتُه باقيةٌ بعدَ الغَيبةِ؛ إذْ لا تأثيرَ للغَيبةِ في قَطعِ الولايةِ، ألَا ترَى أنه لا يَنقطعُ التوارُثُ وأنَّ الولايةَ مِنْ حَقِّ الوليِّ لِيَطلبَ به

стр. 8749

الكفاءةَ، فلا يَبطلُ شيءٌ مِنْ حُقوقِه بالغَيبةِ، فالأبعَدُ لا يزوِّجُها؛ لبَقاءِ ولايةِ الأقرَبِ، وكذلكَ السُّلطانُ لا يزوِّجُها؛ لأنَّ ولايةَ السلطانِ متأخِّرةٌ عن ولايةِ الأبعدِ، فإذا لم تَثبتِ الولايةُ للأبعَدِ هُنا فالسلطانُ أَولى، بخِلافِ ما إذا عضَلَها؛ لأنَّ هناكَ هو ظالمٌ في الامتناعِ مِنْ إيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليهِ، فيَقومُ السلطانُ مَقامَه في دفعِ الظلمِ؛ لأنه نُصِّبَ لذلكَ، وهنا الأقربُ غيرُ ظالمٍ في سفَرهِ، خُصوصًا إذا سافَرَ للحَجِّ، وهو غيرُ مُمتنِعٍ مِنْ إيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه ليَقومَ السلطانُ مَقامَه في الإيفاءِ، فيُتأخَّرُ إلى حُضورِه (١). وأمَّا المالِكيةُ فعندَهم تَفصيلٌ في الغَيبةِ، إمَّا أنْ يكونَ الغائِبُ هو الوليُّ المُجبِرُ، أو يكونَ الأقرَبَ غيرَ المُجبِرِ، فقالُوا: الغَيبةُ لها ثلاثةُ أقسامٍ: القِسمُ الأولُ: إذا غابَ الأبُ -أو المالِكُ للأمَةِ أو وَصيُّ الأبِ-غَيبةً قَريبةً كعشَرةِ أيَّامٍ ونحوِها ذَهابًا مع أمْنِ الطريقِ وسُلوكِها فلا يَجوزُ للحاكِمُ ولا مَنْ بعدَه مِنْ الأولياءِ كأخٍ وجَدٍّ أنْ يزوِّجَ المرأةَ المُجبَرةَ -بِكرًا كانَتْ أو ثَيبًا، صَغيرةً أو كَبيرةً مَجنونةً- في غَيبةِ أبيها؛ لأنه في حُكمِ الحاضِرِ؛ لإمكانِ إيصالِ الخبَرِ إليه بلا كبيرِ مَشقَّةٍ، ولقولِ النبيِّ ﷺ : «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها» (٢)، فدَلَّ على أنَّ ذاتَ الأبِ بخِلافِها، ولأنَّ حَقَّ الولايةِ والإجبارِ ثابتٌ له، وما قَرُبَ مِنْ الغَيبةِ في حُكمِ الحضَرِ، فلمْ يَكنْ لأحدٍ الافتياتُ عليهِ كما لو كانَ حاضِرًا، ولأنَّ الأبَ لو أمسَكَ عن إنكاحِها لم يكنْ لأحدٍ الافتياتُ

стр. 8750

عليهِ إلَّا بعدَ تكرُّرِ ذلكَ منه والعلمِ منه بعَضلِها. فإنْ زوَّجَها فإنَّ التزويجَ يُفسَخُ أبدًا وإنْ ولَدَتِ الأولادَ أو أجازَه الأبُ، ما لم يَتبيَّنُ ضرَرُ الأبِ بها، وإلَّا زوِّجَتْ ويَصيرُ كالعاضلِ الحاضرِ، فتَتقدَّمُ إلى الإمامِ إمَّا أنْ يزوِّجَها وإلَّا زوَّجَها عليهِ. وإلا إذا خِيفَتِ الطريقُ بأنْ كانَ لا يُمكِنُ سُلوكُها لعدمِ الأمنِ وخِيفَ عليها ضَياعٌ أو فَسادٌ فكالغَيبةِ البَعيدةِ، يزوِّجُها الحاكمُ دونَ غيرِه، وإلا فُسخَ. القِسمُ الثَّاني: أمَّا إذا غابَ الأبُ -أو الوليُّ المُجبِرُ- غيبةً بعيدةً جدًّا فإنَّ للحاكمِ أنْ يزوِّجَ ابنةَ الغائبِ المُجبِرِ دونَ غيرِه مِنْ الأولياءِ إذا لم يُرْجَ قدومُه بسُرعةٍ. وكذلكَ يجوزُ للحاكمِ تَزويجُها إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُّ غيرُ المُجبِرِ غَيبةً مَسافتَها مِنْ بلدِ المرأةِ ثَلاثُ ليالٍ أو نحوُها ودعَتْ لكُفءٍ وأثبتَتْ ما تدَّعيهِ مِنْ الغَيبةِ والمَسافةِ والكَفاءةِ، فإنَّ الحاكِمَ يزوِّجُها لا الأبعَدَ؛ لأنَّ غَيبةَ الأقرَبِ لا تُسقِطُ حَقَّه، والحاكمُ وَكيلُ الغائبِ، فإنْ كانتِ الغَيبةُ دونَ الثَّلاثِ أرسَلَ إليهِ، فإنْ حضَرَ أو وكَّلَ وإلا زوَّجَها الحاكمُ لا الأبعَدُ، ولو زوَّجَها الأبعدُ في هذهِ الحالةِ صَحَّ، وما زادَ على الثلاثِ حُكمُه حُكمُ الثلاثِ، وما نَقصَ عن الثلاثِ فإنه يَنتقلُ الحَقُّ للأبعدِ.

стр. 8751

القِسمُ الثالِثُ: إذا حصَلَ للوليِّ المُجبِرِ أو غيرِه أسْرٌ أو فُقدَ ولم يُعلَمْ له خبَرٌ ولا عُرفَ مَوضوعُه فيَنزلُ بمَنزلةِ الموتِ على المَشهورِ؛ لتَنزيلِ أسْرِ الأقرَبِ أو فقْدِه مَنزلةَ موتِه، وهو إذا ماتَ تَنتقلُ الولايةُ للأبعَدِ، فيزوِّجُها الأبعَدُ مِنْ أوليائِها لا الحاكِمُ وإنْ جرَتْ على البِكرِ النَّفقةُ ولم يُخَفْ عليها. وقيلَ: أنَّ الأسيرَ والمَفقودَ كذِي الغَيبةِ البعيدةِ، لا يزوِّجُ ابنتَهُما إلا الحاكِمُ، ولا يُنقلُ الأمرُ للأبعدِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا كانَ وليُّها غائبًا في مَوضعٍ لا يَصلُ إليهِ الكتابُ أو يَصلُ فلا يُجيبُ عنه زوَّجَها مَنْ هو أبعَدُ منه مِنْ عصَبتِها دونَ الحاكمِ، فإنْ لم يكنْ لها وَليٌّ أقرَبُ زوَّجَها الحاكمُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له»، وهذه لها وَليٌّ مُناسِبٌ فيزوِّجُ بحُكمِ الحَديثِ، فلا يكونُ السُّلطانُ وليَّها، ولأنَّ البعيدَ يُرجَّحُ بقُربِ نسَبِه والقَريبَ بقُربِ مَحلِّه فتَساويَا، ولأنَّ الأقرَبَ تعذَّرَ حُصولِ التزويجِ منه، فتَثبتُ الولايةُ لمَنْ يَليهِ

стр. 8752

مِنْ العصَباتِ كما لو جُنَّ أو ماتَ، ولأنها حالةٌ يجوزُ فيها التَّزويجُ لغيرِ الأقرَبِ، فكانَ ذلكَ للأبعدِ كالأصلِ، وإذا عضَلَها الأقرَبُ فهو كمَسألتِنا. وكذلكَ الحُكمُ إذا كانَتْ غَيبتُه مُنقطِعةً؛ لأنَّ مثلَ هذا تَتعذَّرُ مُراجَعتُه بالكليةِ، فتكونُ مُنقطِعةً، أي: يَنقطعُ مِنْ إمكانِ تَزويجِه، وقالَ القاضي: يَجبُ أنْ يكونَ حَدُّ المَسافةِ أنْ لا تردَّدَ القَوافلُ فيه في السَّنةِ إلا مرَّةً؛ لأنَّ الكُفءَ يَنتظرُ سَنةً ولا يَنتظرُ أكثَرَ منها، فيَلحقُ الضرَّرُ بتَركِ تزويجِها. وقد قالَ أحمَدُ في مَوضعٍ: إذا كانَ الأبُ بَعيدَ السَّفرِ يزوِّجُ الأخُ، قالَ أبو الخطَّابِ: فيُحتملُ أنه أرادَ بالسفرِ البعيدِ ما تُقصَرُ فيه الصلاةُ؛ لأنَّ ذلكَ هو السفرَ الذي عُلِّقتْ عليه الأحكامُ، وذهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّ حَدَّها ما لا يَقعُ إلا بكُلفةٍ ومَشقَّةٍ؛ لأنَّ أحمدَ قالَ: إذا لم يكنْ وليٌّ حاضرٌ مِنْ عصَبتِها كتَبَ إليهم حتَّى يَأذَنوا، إلا أنْ تكونَ غَيبةً مُنقطِعةً لا تُدرَكُ إلا بكُلفةٍ ومَشقةٍ فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا القولُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى أقرَبُها إلى الصوابِ؛ فإنَّ التَّحديداتِ بابُها التَّوقيفُ، ولا تَوقيفَ في هذهِ المَسألةِ، فتُردُّ إلى ما يَتعارفُه الناسُ بينَهم ممَّا لم تَجرِ العادةُ بالانتظارِ فيه، ويَلحقُ المرأةَ الضررُ بمَنعِها مِنْ التزويجِ في مِثلِه، فإنه يتعذَّرُ في ذلكَ الوصولُ إلى المَصلحةِ مِنْ نَظرِ الأقربِ، فيكونُ كالمَعدومِ، والتَّحديدُ بالعامِ كبيرٌ؛ فإنَّ الضررَ يَلحقُ بالانتظارِ في مثلِ ذلكَ ويَذهبُ الخاطبُ، ومَن لا يَصلُ

стр. 8753

الكتابُ منه أبعَدُ، ومَن هو على مَسافةِ القَصرِ لا تَلحقُ المَشقةُ في مُكاتَبتِه، والتوسُّطُ أَولى، واللهُ أعلَمُ. ثمَّ قالَ: فصلٌ: وإنْ كانَ القَريبُ مَحبوسًا أو أسيرًا في مَسافةِ قريبةٍ لا تُمكِنُ مُراجَعتُه فهو كالبعيدِ، فإنَّ البُعدَ لم يُعتبَرْ لعَينِه، بل لتعذُّرِ الوصولِ إلى التزويجِ بنَظرِه، وهذا مَوجودٌ هاهُنا، ولذلكَ إنْ كانَ غائبًا لا يُعلَمُ أَقريبٌ أو بعيدٌ، أو يُعلَمُ أنه قريبٌ ولم يُعلَمْ مكانُه فهو كالبَعيدِ (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ وقَولٌ مُخرَّجٌ عندَ الحَنابلةِ إلى أنَّ الوليَّ الأقربَ إذا غابَ إلى مَرحلتَينِ ولا وكيلَ له حاضِرٌ بالبلدِ أو دونَ مَسافةِ القصرِ فإنَّ الولايةَ تَنتقلُ إلى سُلطانِ بَلدِها أو نائبِه دُونَ باقي الأولياءِ، فلا تَنتقلُ إليهم على الأصَحِّ؛ لأنَّ السلطانَ يَستوفِي لها حُقوقَها ويَنظرُ في مالها إذا فُقدَ وليُّها، فلذلكَ هو أحَقُّ بالتزويجِ مِنْ غيرِه، ولأنَّ الحاكِمَ يزوِّجُ كما في العَضلِ؛ إذِ الأبعَدُ مَحجوبٌ بالأقربِ والوِلايةُ باقيةٌ، فقامَ الحاكِمُ مَقامَه فيها؛ ولأنَّ الغائبَ وَليٌ والتزويجَ حَقٌّ له، فإذا تعذَّرَ استيفاؤُه منه نابَ عنه الحاكِمُ. لكنَّ الأَولى أنْ يأذَنَ السلطانُ للوليِّ الأبعَدِ أو يَستأذِنَ؛ خُروجًا مِنْ الخِلافِ.

стр. 8754

وأمَّا إنْ غابَ دونَ مَرحلتَينِ فلا يزوِّجُ إلا بإذنِه في الأصَحِّ؛ لقِصَرِ المَسافةِ، فيُراجَعُ فيَحضرُ أو يوكِّلُ كما لو كانَ مُقيمًا. والثَّاني: يزوِّجُ؛ لئلَّا تَتضرَّرَ بفواتِ الكُفءِ الراغبِ كالمسافةِ الطَّويلةِ. لكنْ هذا إذا غابَ مَسافةَ القَصرِ أو كانَ مَفقودًا لا يُعرَفُ مكانُه ولا مَوتُه وحَياتُه، فيزوِّجُها السُّلطانُ؛ لتعذُّرِ نكاحِها مِنْ جهتِه، أما إنِ انتَهى الأمرُ إلى غايةٍ يَحكمُ القاضِي فيها بمَوتِه وقسَّمَ مالَه بينَ ورَثتِه انتقَلَتِ الولايةُ إلى الأبعدِ. ويُستحبُّ للسُّلطانِ أنْ لا يزوِّجَ مَنْ تدَّعي غَيبةَ وليِّها حتَّى يَشهدَ شاهِدانِ أنه ليسَ لها وليٌّ حاضِرٌ وأنها خَليةٌ عن النكاحِ والعدَّةِ، وقيلَ: يَجبُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المسألةُ الثانيةُ: فإنَّ مالِكًا يقولُ: إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُ انتَقلَتِ الولايةُ إلى الأبعَدِ، وقالَ الشافعيُّ: تَنتقلُ إلى السُّلطانِ. وسَببُ اختِلافِهم هل الغَيبةُ في ذلكَ بمَنزلةِ المَوتِ أم لا؟ وذلكَ أنه لا خِلافَ عندَهم في انتقالِها في الموتِ. وأمَّا المَسألةُ الثالثةُ وهي غَيبةُ الأبِ عن ابنَتِه البكرِ: فإنَّ في المَذهبِ فيها تَفصيلًا واختلافًا، وذلك راجِعٌ إلى بُعدِ المكانِ وطُولِ الغَيبةِ، أو قُربِه

стр. 8755

والجَهلِ بمَكانِه أو العلمِ به، وحاجةِ البِنتِ إلى النكاحِ إمَّا لعَدمِ النَّفقةِ، وإما لِمَا يُخافُ عليها مِنْ عَدمِ الصَّونِ، وإمَّا للأمرَينِ جَميعًا. فاتفقَ المَذهبُ على أنه إذا كانَتِ الغَيبةُ بَعيدةً أو كانَ الأبُ مَجهولَ الوَضعِ أو أسيرًا وكانَتْ في صَونٍ وتحتَ نَفقةٍ أنها إنْ لم تَدْعُ إلى التَّزويجِ لا تزوَّجُ، وإنْ دعَتْ فتزوَّجُ عندَ الأسرِ وعندَ الجهلِ بمكانِه. واختَلفُوا هل تزوَّجُ مع العلمِ بمكانِه أم لا؟ إذا كانَ بعيدًا، فقيلَ: تزوَّجُ، وهو قولُ مالكٍ، وقيلَ: لا تُزوَّجُ، وهو قولُ عبدِ الملكِ وابنِ وَهبٍ. وأمَّا إنْ عُدِمَتِ النفقةُ أو كانَتْ في غيرِ صَونٍ فإنها تزوَّجُ أيضًا في هذه الأحوالِ الثلاثةِ، أعني: في الغَيبةِ البَعيدةِ وفي الأسْرِ والجَهلِ بمكانِه، وكذلكَ إنِ اجتَمعَ الأمرَانِ، فإذا كانَتْ في غَيرِ صَونٍ تزوَّجُ وإنْ لم تَدْعُ إلى ذلكَ. ولم يَختلفُوا فيما أَحسبُ أنها لا تزوَّجُ في الغَيبةِ القَريبةِ المَعلومةِ؛ لمَكانِ إمكانِ مُخاطَبتِه، وليسَ يَبعدُ بحَسبِ النظرِ المَصلحيِّ الَّذي انبَنَى عليهِ هذا النَّظرُ أنْ يُقالَ: إنْ ضاقَ الوقتُ وخَشيَ السلطانُ عليها الفسادَ زوِّجَتْ وإنْ كانَ المَوضعُ قريبًا (١). مَنْ المَقصودُ بالوليِّ: قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوليَّ
следующие страницы →