← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

القِسمُ الثالِثُ: إذا حصَلَ للوليِّ المُجبِرِ أو غيرِه أسْرٌ أو فُقدَ ولم يُعلَمْ له خبَرٌ ولا عُرفَ مَوضوعُه فيَنزلُ بمَنزلةِ الموتِ على المَشهورِ؛ لتَنزيلِ أسْرِ الأقرَبِ أو فقْدِه مَنزلةَ موتِه، وهو إذا ماتَ تَنتقلُ الولايةُ للأبعَدِ، فيزوِّجُها الأبعَدُ مِنْ أوليائِها لا الحاكِمُ وإنْ جرَتْ على البِكرِ النَّفقةُ ولم يُخَفْ عليها. وقيلَ: أنَّ الأسيرَ والمَفقودَ كذِي الغَيبةِ البعيدةِ، لا يزوِّجُ ابنتَهُما إلا الحاكِمُ، ولا يُنقلُ الأمرُ للأبعدِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا كانَ وليُّها غائبًا في مَوضعٍ لا يَصلُ إليهِ الكتابُ أو يَصلُ فلا يُجيبُ عنه زوَّجَها مَنْ هو أبعَدُ منه مِنْ عصَبتِها دونَ الحاكمِ، فإنْ لم يكنْ لها وَليٌّ أقرَبُ زوَّجَها الحاكمُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له»، وهذه لها وَليٌّ مُناسِبٌ فيزوِّجُ بحُكمِ الحَديثِ، فلا يكونُ السُّلطانُ وليَّها، ولأنَّ البعيدَ يُرجَّحُ بقُربِ نسَبِه والقَريبَ بقُربِ مَحلِّه فتَساويَا، ولأنَّ الأقرَبَ تعذَّرَ حُصولِ التزويجِ منه، فتَثبتُ الولايةُ لمَنْ يَليهِ

стр. 8752

مِنْ العصَباتِ كما لو جُنَّ أو ماتَ، ولأنها حالةٌ يجوزُ فيها التَّزويجُ لغيرِ الأقرَبِ، فكانَ ذلكَ للأبعدِ كالأصلِ، وإذا عضَلَها الأقرَبُ فهو كمَسألتِنا. وكذلكَ الحُكمُ إذا كانَتْ غَيبتُه مُنقطِعةً؛ لأنَّ مثلَ هذا تَتعذَّرُ مُراجَعتُه بالكليةِ، فتكونُ مُنقطِعةً، أي: يَنقطعُ مِنْ إمكانِ تَزويجِه، وقالَ القاضي: يَجبُ أنْ يكونَ حَدُّ المَسافةِ أنْ لا تردَّدَ القَوافلُ فيه في السَّنةِ إلا مرَّةً؛ لأنَّ الكُفءَ يَنتظرُ سَنةً ولا يَنتظرُ أكثَرَ منها، فيَلحقُ الضرَّرُ بتَركِ تزويجِها. وقد قالَ أحمَدُ في مَوضعٍ: إذا كانَ الأبُ بَعيدَ السَّفرِ يزوِّجُ الأخُ، قالَ أبو الخطَّابِ: فيُحتملُ أنه أرادَ بالسفرِ البعيدِ ما تُقصَرُ فيه الصلاةُ؛ لأنَّ ذلكَ هو السفرَ الذي عُلِّقتْ عليه الأحكامُ، وذهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّ حَدَّها ما لا يَقعُ إلا بكُلفةٍ ومَشقَّةٍ؛ لأنَّ أحمدَ قالَ: إذا لم يكنْ وليٌّ حاضرٌ مِنْ عصَبتِها كتَبَ إليهم حتَّى يَأذَنوا، إلا أنْ تكونَ غَيبةً مُنقطِعةً لا تُدرَكُ إلا بكُلفةٍ ومَشقةٍ فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا القولُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى أقرَبُها إلى الصوابِ؛ فإنَّ التَّحديداتِ بابُها التَّوقيفُ، ولا تَوقيفَ في هذهِ المَسألةِ، فتُردُّ إلى ما يَتعارفُه الناسُ بينَهم ممَّا لم تَجرِ العادةُ بالانتظارِ فيه، ويَلحقُ المرأةَ الضررُ بمَنعِها مِنْ التزويجِ في مِثلِه، فإنه يتعذَّرُ في ذلكَ الوصولُ إلى المَصلحةِ مِنْ نَظرِ الأقربِ، فيكونُ كالمَعدومِ، والتَّحديدُ بالعامِ كبيرٌ؛ فإنَّ الضررَ يَلحقُ بالانتظارِ في مثلِ ذلكَ ويَذهبُ الخاطبُ، ومَن لا يَصلُ

стр. 8753

الكتابُ منه أبعَدُ، ومَن هو على مَسافةِ القَصرِ لا تَلحقُ المَشقةُ في مُكاتَبتِه، والتوسُّطُ أَولى، واللهُ أعلَمُ. ثمَّ قالَ: فصلٌ: وإنْ كانَ القَريبُ مَحبوسًا أو أسيرًا في مَسافةِ قريبةٍ لا تُمكِنُ مُراجَعتُه فهو كالبعيدِ، فإنَّ البُعدَ لم يُعتبَرْ لعَينِه، بل لتعذُّرِ الوصولِ إلى التزويجِ بنَظرِه، وهذا مَوجودٌ هاهُنا، ولذلكَ إنْ كانَ غائبًا لا يُعلَمُ أَقريبٌ أو بعيدٌ، أو يُعلَمُ أنه قريبٌ ولم يُعلَمْ مكانُه فهو كالبَعيدِ (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ وقَولٌ مُخرَّجٌ عندَ الحَنابلةِ إلى أنَّ الوليَّ الأقربَ إذا غابَ إلى مَرحلتَينِ ولا وكيلَ له حاضِرٌ بالبلدِ أو دونَ مَسافةِ القصرِ فإنَّ الولايةَ تَنتقلُ إلى سُلطانِ بَلدِها أو نائبِه دُونَ باقي الأولياءِ، فلا تَنتقلُ إليهم على الأصَحِّ؛ لأنَّ السلطانَ يَستوفِي لها حُقوقَها ويَنظرُ في مالها إذا فُقدَ وليُّها، فلذلكَ هو أحَقُّ بالتزويجِ مِنْ غيرِه، ولأنَّ الحاكِمَ يزوِّجُ كما في العَضلِ؛ إذِ الأبعَدُ مَحجوبٌ بالأقربِ والوِلايةُ باقيةٌ، فقامَ الحاكِمُ مَقامَه فيها؛ ولأنَّ الغائبَ وَليٌ والتزويجَ حَقٌّ له، فإذا تعذَّرَ استيفاؤُه منه نابَ عنه الحاكِمُ. لكنَّ الأَولى أنْ يأذَنَ السلطانُ للوليِّ الأبعَدِ أو يَستأذِنَ؛ خُروجًا مِنْ الخِلافِ.

стр. 8754

وأمَّا إنْ غابَ دونَ مَرحلتَينِ فلا يزوِّجُ إلا بإذنِه في الأصَحِّ؛ لقِصَرِ المَسافةِ، فيُراجَعُ فيَحضرُ أو يوكِّلُ كما لو كانَ مُقيمًا. والثَّاني: يزوِّجُ؛ لئلَّا تَتضرَّرَ بفواتِ الكُفءِ الراغبِ كالمسافةِ الطَّويلةِ. لكنْ هذا إذا غابَ مَسافةَ القَصرِ أو كانَ مَفقودًا لا يُعرَفُ مكانُه ولا مَوتُه وحَياتُه، فيزوِّجُها السُّلطانُ؛ لتعذُّرِ نكاحِها مِنْ جهتِه، أما إنِ انتَهى الأمرُ إلى غايةٍ يَحكمُ القاضِي فيها بمَوتِه وقسَّمَ مالَه بينَ ورَثتِه انتقَلَتِ الولايةُ إلى الأبعدِ. ويُستحبُّ للسُّلطانِ أنْ لا يزوِّجَ مَنْ تدَّعي غَيبةَ وليِّها حتَّى يَشهدَ شاهِدانِ أنه ليسَ لها وليٌّ حاضِرٌ وأنها خَليةٌ عن النكاحِ والعدَّةِ، وقيلَ: يَجبُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المسألةُ الثانيةُ: فإنَّ مالِكًا يقولُ: إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُ انتَقلَتِ الولايةُ إلى الأبعَدِ، وقالَ الشافعيُّ: تَنتقلُ إلى السُّلطانِ. وسَببُ اختِلافِهم هل الغَيبةُ في ذلكَ بمَنزلةِ المَوتِ أم لا؟ وذلكَ أنه لا خِلافَ عندَهم في انتقالِها في الموتِ. وأمَّا المَسألةُ الثالثةُ وهي غَيبةُ الأبِ عن ابنَتِه البكرِ: فإنَّ في المَذهبِ فيها تَفصيلًا واختلافًا، وذلك راجِعٌ إلى بُعدِ المكانِ وطُولِ الغَيبةِ، أو قُربِه

стр. 8755

والجَهلِ بمَكانِه أو العلمِ به، وحاجةِ البِنتِ إلى النكاحِ إمَّا لعَدمِ النَّفقةِ، وإما لِمَا يُخافُ عليها مِنْ عَدمِ الصَّونِ، وإمَّا للأمرَينِ جَميعًا. فاتفقَ المَذهبُ على أنه إذا كانَتِ الغَيبةُ بَعيدةً أو كانَ الأبُ مَجهولَ الوَضعِ أو أسيرًا وكانَتْ في صَونٍ وتحتَ نَفقةٍ أنها إنْ لم تَدْعُ إلى التَّزويجِ لا تزوَّجُ، وإنْ دعَتْ فتزوَّجُ عندَ الأسرِ وعندَ الجهلِ بمكانِه. واختَلفُوا هل تزوَّجُ مع العلمِ بمكانِه أم لا؟ إذا كانَ بعيدًا، فقيلَ: تزوَّجُ، وهو قولُ مالكٍ، وقيلَ: لا تُزوَّجُ، وهو قولُ عبدِ الملكِ وابنِ وَهبٍ. وأمَّا إنْ عُدِمَتِ النفقةُ أو كانَتْ في غيرِ صَونٍ فإنها تزوَّجُ أيضًا في هذه الأحوالِ الثلاثةِ، أعني: في الغَيبةِ البَعيدةِ وفي الأسْرِ والجَهلِ بمكانِه، وكذلكَ إنِ اجتَمعَ الأمرَانِ، فإذا كانَتْ في غَيرِ صَونٍ تزوَّجُ وإنْ لم تَدْعُ إلى ذلكَ. ولم يَختلفُوا فيما أَحسبُ أنها لا تزوَّجُ في الغَيبةِ القَريبةِ المَعلومةِ؛ لمَكانِ إمكانِ مُخاطَبتِه، وليسَ يَبعدُ بحَسبِ النظرِ المَصلحيِّ الَّذي انبَنَى عليهِ هذا النَّظرُ أنْ يُقالَ: إنْ ضاقَ الوقتُ وخَشيَ السلطانُ عليها الفسادَ زوِّجَتْ وإنْ كانَ المَوضعُ قريبًا (١). مَنْ المَقصودُ بالوليِّ: قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوليَّ

стр. 8756

المَذكورَ بالإشارةِ إليه في هذا الحَديثِ -أي: «لا نِكاحَ إلَّا بوَلِيٍّ» (١) - هوَ الوليُّ مِنْ النسَبِ والعَصبةِ (٢). واتَّفقُوا أنَّ غيرَ العصَباتِ مِنْ الأقاربِ كالخالِ وكُلِّ ذِي رَحمٍ لا يزوِّجونَ مع وُجودِ العصَباتِ. إلَّا أنهُم اختَلفُوا هل لهُم التزويجُ عندَ عَدمِ وُجودِ العصَباتِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ مُحمدُ بنُ الحسَنِ مِنْ الحَنفيةِ -وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسفَ أيضًا- والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ غيرَ العصَباتِ مِنْ الأقاربِ لا يزوِّجونَ. قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الوِلايةَ في النكاحِ لا تَثبتُ إلَّا لمَن يَرثُ بالتَّعصيبِ، عَدا رِوايةً عن أبي حَنيفةَ: أنَّ الوليَّ كلُّ وارثٍ، سَواءٌ كانَ إرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا وِلايةَ لغيرِ العصَباتِ مِنْ الأقاربِ كالأخِ مِنْ الأمِّ والخالِ وعَمِّ الأمِّ والجَدِ أبِ الأمِّ ونحوِهم، نَصَّ عليهِ أحمدُ في مَواضعَ، وهو قَولُ الشافعيِّ وإحدى الرِّوايتينِ عن أبي حَنيفةَ.

стр. 8757

والثَّانيةُ: إنَّ كلَّ مَنْ يَرثُ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ يَلي؛ لأنه مِنْ أهلِ مِيراثِها، فوليُّها كعصَباتِها. ولنَا: ما رُويَ عن عليٍّ أنه قالَ: «إذا بلَغَ النِّساءُ نَصَّ الحقائقِ فالعصَبةُ أَولى إذا أدرَكْنَ» (١)، رواهُ أبو عُبيدٍ في «الغَريبِ»، ولأنه ليسَ مِنْ عصَباتِها، فأشبَهَ الأجنبيَّ (٢). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واختَلفُوا في الوليِّ، فقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والشافعيُّ: الأولياءُ هم العصَبةُ الذينَ يَرثونَ، وليسَ الخالُ ولا الجَدُّ لأمٍّ ولا الإخوةُ لأمٍّ أولياءَ عندَ مالكٍ في النكاحِ، وخالَفَهم مُحمدُ بنُ الحَسنِ فقالَ: كلُّ مَنْ لَزمَه اسمُ وليٍّ فهو وليٌّ يَعقدُ النكاحَ، وبه قالَ أبو ثورٍ. قالَ الأبهَريُّ: والحُجةُ لمالكٍ ومَن وافَقَه في أنَّ ذَوِي الأرحامِ ليسُوا أولياءَ في النكاحِ وأنَّ الأولياءَ في ذلكَ العصَبةُ: هو أنَّ الوليَّ لمَّا كانَ مُستحِقًّا بالتَّعصيبِ لم يَكنْ للرَّحمِ مَدخلٌ فيهِ لعَدمِ التَّعصيبِ، كذلكَ عَقدُ النكاحِ؛ لأنَّ ذلكَ بولايةِ التَّعصيبِ. قالَ ابنُ المُنذِرِ: وقولُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]

стр. 8758

دَليلٌ على أنَّ الأولياءَ مِنْ العصَبةِ؛ لأنَّ مَعقِلًا لمَّا منَعَ أختَه مِنْ التَّزويجِ نزَلَتْ فيه هذهِ الآيةُ فتَلاها عليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ (١). وجهُ قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ حديثُ: «النِّكاحُ إلى العصَباتِ» (٢)، وإدخالُ الألِفِ والَّلامِ دَليلٌ على أنَّ جَميعَ الولايةِ في بابِ النكاحِ إنما تَثبتُ لمَن هو عصَبةٌ دونَ مَنْ ليسَ بعَصبةٍ، والدَّليلُ عليه أنه لا يَثبتُ لغيرِ العَصباتِ ولايةُ التصرُّفِ في المالِ بحالٍ، وأنَّ مَولَى العَتاقةِ مقدَّمٌ عليهم، فلو كانَ لقَرابتِهم تأثيرٌ في استحقاقِ الولايةِ بها لَكانوا مُقدَّمينَ على مولَى العَتاقةِ إذ لا قَرابةَ لمَولَى العَتاقةِ. ولأنَّ الأصلَ في الولايةِ هم العَصباتُ، فإنْ كانَ الرأيُ وتَدبيرُ القبيلةِ وصِيانتُها عمَّا يُوجِبُ العارَ والشَّينَ إليهِم فكانوا هم الَّذينَ يُحرزُونَ عن ذلكَ بالنظرِ والتأمُّلِ في أمرِ النكاحِ، فكانوا هم المُحقِّينَ بالولايةِ، ولهذا كانَتْ قَرابةُ التَّعصيبِ مُقدَّمةً على قرابةِ الرَّحمِ بالإجماعِ (٣). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ

стр. 8759

لغيرِ العَصباتِ مِنْ الأقاربِ التَّزويجُ عندَ عَدمِ العَصباتِ، وسَواءٌ في ذلكَ الذَّكرُ والأُنثى، كالأمِّ والخالِ والخالةِ والأختِ وكلِّ ذِي رَحِم، لكُلِّهِم تَزويجُ مَنْ لم يَحتلمْ، وأَولاهُم الأمُّ ثمَّ الجدَّةُ ثم الأختُ للأبوَينِ ثمَّ الأختُ للأبِ ثمَّ الأختُ للأمِّ ثمَّ أَولاهُم، وأُولُوا الأرحامِ أَولى مِنْ الحاكمِ. ولأبِي حنيفةَ عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ العصَباتِ وغيرِهم، فتَثبتُ وِلايةُ الإنكاحِ على العُمومِ إلَّا مَنْ خُصَّ بدَليلٍ؛ لأنَّ سبَبَ ثُبوتِ الولايةِ هو مُطلَقُ القَرابةِ وذاتُها؛ لأنَّ القَرابةَ حامِلةٌ على الشَّفقةِ في حَقِّ القريبِ داعيةٌ إليها، وقد وُجِدَ هاهُنا، فوُجِدَ السببُ ووُجدَ شَرطُ الثُّبوتِ أيضًا وهو عَجزُ المُولَّى عليهِ عن المُباشَرةِ بنَفسِه، وإنما العُصوبةُ وقُربُ القَرابةِ شَرطُ التقدُّمِ لا شَرطُ ثُبوتِ أصلِ الولايةِ، فلا جرَمَ أنَّ العصَبةَ تتقدَّمُ على ذِي الرَّحمِ، والأقرَبُ مِنْ غيرِ العَصبةِ يتقدَّمُ على الأبعدِ، ولأنَّ ولايةَ الإنكاحِ مُرتِّبةٌ على استحقاقِ المِيراثِ؛ لاتِّحادِ سَببِ ثُبوتِها وهو القَرابةُ، فكُلُّ مَنْ استَحقَّ مِنْ المِيراثِ استَحقَّ الولايةَ؛ أَلَا ترَى أنَّ الأبَ إذا كانَ عبدًا لا وِلايةَ له؛ لأنَّ العَبدَ لا يَرثُ أحَدًا، وكذا إذا كانَ كافِرًا والمُولَّى عليهِ مُسلمٌ لا وِلايةَ له؛ لأنه لا يَرثُه، وكذا إذا كانَ مُسلمًا والمُولَّى عليهِ كافرٌ لا ولايةَ له؛ لأنه لا مِيراثَ لهُ منه، فثبَتَ أنَّ الولايةَ تَدورُ مع استِحقاقِ المِيراثِ، فثبَتَ لكلِّ قَريبٍ يَرثُ يُزوِّجُ. ولأنَّ الأصلَ في هذهِ الولايةِ إنما هو القَرابةُ الدَّاعيةُ إلى الشفقةِ والنظرِ في حَقِّ المولَّى عليهِ، وذلكَ يَتحقَّقُ في كُلِّ مَنْ هو مُختصٌّ بالقرابةِ، وشَفقةُ

стр. 8760

الأمِّ أكثَرُ مِنْ شَفقةِ غيرِها مِنْ الأباعدِ مِنْ أبناءِ الأعمامِ، وكذلكَ شَفقةُ الجَدِّ لأمٍّ والأخوالِ، ولأنَّ الأمَّ أحدُ الأبوَينِ، فتَثبتُ الولايةُ لها كالآخَرِ، وهو مَرويٌ عن عليٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵄ في إجازةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ امرأتَهِ في تَزويجِ ابنتِها، وكانَتِ ابنتَها مِنْ غيرِه، وإنَّما جوَّزَ نكاحَها لولايةِ الأمومةِ. والأصلُ أنَّ كُلَّ قَرابةٍ يتعلَّقَ بها الوارِثُ يتعلَّقُ بها ثُبوتُ الولايةِ؛ لأنها داعيَةٌ إلى الشفَقةِ والنظرِ كالعَصباتِ، إلَّا أنهم تأخَّرُوا عن العَصباتِ لضَعفِ الرأيِ وبُعدِ القَرابةِ كما في الإرثِ، وأمَّا حديثُ: «النِّكاحُ إلى العَصباتِ» فإنه يَقتضِي النكاحَ إلى العَصباتِ عندَ وُجودِهم، أمَّا عندَ عَدمِهم فالحديثُ ساكِتٌ عنهُ، فنقولُ: يَنتقلُ إلى ما هو في معنَى العَصباتِ في الشفَقةِ، فلا يكونُ حجَّةً عَلينا بل لنَا. ثمَّ إذا عدمَ العَصباتُ وذَوُو الأرحامِ زوَّجَها القاضي؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (١) (٢). نِكاحُ الوليِّ الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ الوَليِّ الأبعدِ مع وُجودِ الوليِّ الأقرَبِ غيرِ المُجبِرِ وقُدرتِه على عَقدِ النكاحِ، هل يَجوزُ نِكاحُه؟ أم لا يَصحُّ مع وُجودِه؟

стр. 8761

فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ أنْ يَعقدَ الوليُّ الأبعدُ مع وُجودِ الأقربِ وعَدمِ المانعِ. وذهَبَ المالِكيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنه يَجوزُ للوليِّ الأبعَدِ أنْ يزوِّجَ مع وُجودِ الوليِّ الأقربِ إذا لم يَكنْ مُجبِرًا، وهو الأبُ والوَصيُّ والمالِكُ للأمَةِ، وأما إذا كانَ واحِدًا مِنْ هَؤلاءِ فلا يَصحُّ أنْ يتقدَّمَ عليهِ. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الوليَّ الأبعدَ إذا زوَّجَ حالَ حُضورِ الوليِّ الأقربِ وهو مِنْ أهلِ الولايةِ توقَّفَ على إجازِتِه؛ لأنَّ الأبعَدَ كالأجنَبيِّ عندَ حَضرةِ الأقربِ، فيَتوقَّفُ عَقدُه على إجازةِ الوليِّ، ولا يكونُ سُكوتُه إجازةً لنِكاحِ الأبعَدِ وإنْ كانَ حاضِرًا في مَجلسِ العقدِ، ما لم يَرْضَ صَريحًا أو دَلالةً. ولو تَحوَّلتِ الوِلايةُ إليهِ -أي إلى الأبعدِ- بمَوتِ الأقربِ أو غَيبتِه غَيبةً مُنقطِعةً توقَّفَ أيضًا على إجازتِه (١). قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا عقَدَ الأبعدُ مِنْ عَصباتِها مع القُدرةِ على أنْ يَعقدَ الأقرَبُ ولم يَكنْ بشَاحٍّ ولا عضَلَ. فقالَ الشَّافعيُّ وأحمدُ: لا يَصحُّ النكاحُ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا عقَدَ الوليُّ الأبعدُ مع القُدرةِ على عَقدِ الوليِّ الأقربِ فإنه يَنعقدُ مَوقوفًا على إجازةِ الأقرَبِ أو إلى أنْ تَبلغَ الصَّغيرةُ فتَختارَ إنْ شاءَتْ.

стр. 8762

وقالَ مالكٌ: الولايةُ في النكاحِ نَوعانِ: أحَدُهما: وِلايةُ إجبارٍ تَثبتُ مِنْ غيرِ استِئذانٍ، كوِلايةِ الأبِ على الصَّغيرةِ، والآخَرُ: وِلايةُ إذنٍ، ولكنْ يقدَّمُ الأقرَبُ فالأقرَبُ، كالأخِ يقدَّمُ على العَمِّ، فإذا تقدَّمَ الأبعدُ على الأقرَبِ مِنْ غيرِ استِئذانٍ جازَ إذا لم يَتشاحَّا ذلكَ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقالَ مالكٌ في الوليِّ الأبعدِ يزوِّجُ وليَّتَه بإذنها وهناكُ مَنْ هو أقرَبُ إليها: إنَّ النكاحَ جائزٌ إذا كانَ للناكحِ صَلاحٌ وفَضلٌ، هذا قَولُه في «المُدوَّنة». وقالَ سحنونٌ: أكثَرُ الرُّواةِ يقولونَ: لا يزوِّجُها وليٌّ وثَمَّ أقرَبُ منهُ، فإنْ فعَلَ نظَرَ السُّلطانُ في ذلكَ، قالَ: وروَى آخَرونَ أنَّ للأقربِ أنْ يَردَّ أو يُجيزَ، إلَّا أنْ يَطولَ مُكثُها عندَ الزَّوجِ وتَلِدَ أولادًا، قالَ: وهذا في ذاتِ المَنصبِ والقَدرِ. وذكَرَ ابنُ حَبيبٍ عن الماجشُونِ قالَ: النكاحُ بيَدِ الأقعَدِ، فإنْ شاءَ فسَخَه، وإنْ شاءَ أجازَه إلَّا أنْ يَدخلَ بها الزوجُ. وقالَ المُغيرةُ: لا يَجوزُ أنْ يزوِّجَها وليٌّ وثَمَّ مَنْ هو أَولى منه، ويُفسَخُ نكاحُه.

стр. 8763

والمَسائلُ في هذا البابِ عن مالِكٍ وأصحابِه كثيرةُ الاضطِرابِ (١). وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: إذا حضَرَ العَصبةُ الأقربُ والأبعَدُ ولم يَتشاحُّوا في العَقدِ فأيُّهم عقَدَ جازَ، وقالَ الشافعيُّ: لا يَصحُّ عقدُ الأبعدِ مع الأقربِ، ودَليلُنا أنهما عَصبةٌ لا تَملكُ الإجبارَ، فصحَّ أنْ يَعقدَ أحَدُهما مع الآخرِ كالمُتساويَينِ في القُربِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا زوَّجَ الأبعدُ مع حُضورِ الأقرَبِ اختَلفَ فيها قولُ مالكٍ، فمرَّةً قالَ: إنْ زوَّجَ الأبعدُ مع حُضورِ الأقربِ فالنكاحُ مَفسوخٌ، ومرَّةً قالَ: النكاحُ جائزٌ، ومرَّةً قالَ: للأقربِ أنْ يُجيزَ أو يَفسخَ. وهذا الخِلافُ كلُّه عندَه فيما عدا الأبِ في ابنتِه البِكرِ والوَصيِّ في مَحجورتِه، فإنه لا يَختلفُ قولُه أنَّ النكاحَ في هذَينِ مَفسوخٌ، أعني: تَزويجَ غيرِ الأبِ البنتَ البكرَ مع حُضورِ الأبِ، أو غيرِ الوَصيِّ المَحجورةَ مع حُضورِ الوصيِّ. وقالَ الشَّافعيُّ: لا يَعقدُ أحدٌ مع حُضورِ الأبِ، لا في بكرٍ ولا في ثيِّبٍ. وسَببُ هذا الاختلافُ هو: هل التَّرتيبُ حُكمٌ شَرعيٌّ -أعني: ثابتًا بالشَّرعِ- في الولايةِ؟ أم ليسَ بحُكمٍ شَرعيٍّ؟ وإنْ كانَ حُكمًا فهل ذلكَ حَقٌّ

стр. 8764

مِنْ حُقوقِ الوليِّ الأقربِ؟ أم ذلكَ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ اللهِ؟ فمَن لم يَرَ الترتيبَ حُكمًا شَرعيًّا قالَ: يَجوزُ نكاحُ الأبعدِ مع حُضورِ الأقربِ، ومَن رأى أنه حُكمٌ شَرعيٌّ ورأى أنه حَقٌّ للوليِّ قالَ: النكاحُ مُنعقِدٌ، فإنْ أجازَه الوليُّ جازَ، وإنْ لم يُجِزْه انفسَخَ، ومَن رأى أنه حَقٌّ للهِ قالَ: النكاحُ غيرُ مُنعقدٍ، وقد أنكَرَ قومٌ هذا المعنَى في المَذهبِ، أعني: أنْ يكونَ النكاحُ مُنفسِخًا غيرَ مُنعقدٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا زوَّجَها مَنْ غيرُه أَولى منه وهو حاضرٌ ولم يَعضلْها فالنكاحُ فاسدٌ). هذهِ المسألةُ تَشتملُ على أحكامٍ ثلاثةٍ: أحَدُها: أنه إذا زوَّجَها الوليُّ الأبعدُ مع حُضورِ الوليِّ الأقربِ فأجابَتْه إلى تَزويجِها مِنْ غيرِ إذنِه لم يَصحَّ، وبهذا قالَ الشافعيُّ. وقالَ مالكٌ: يَصحُّ؛ لأنَّ هذا وليٌّ له أنْ يزوِّجَها بإذنِها كالأقربِ. ولنَا: إنَّ هذا مُستحَقٌّ بالتعصِيبِ، فلم يَثبتْ للأبعدِ مع وجودِ الأقربِ كالميراثِ، وبهذا فارَقَ القَريبُ البعيدَ. الحُكمُ الثاني: أنَّ هذا العقدَ فاسِدٌ لا يَقفُ على الإجازةِ ولا يَصيرُ بالإجازةِ صَحيحًا، وكذلك الحُكمُ إذا زوَّجَ الأجنَبيُّ أو زوَّجَتِ المراةُ المعتبَرُ إذنُها بغيرِ إذنِها أو تزوَّجَ العبدُ بغيرِ إذنِ سَيدِه، فالنكاحُ في هذا كلِّه

стр. 8765

باطِلٌ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ، نصَّ عليه أحمَدُ في مَواضعَ، وهو قولُ الشافعيِّ وأبي عُبيدٍ وأبي ثورٍ. وعن أحمَدَ روايةٌ أخرى: أنه يَقفُ على الإجازةِ، فإنْ أجازَهُ جازَ، وإنْ لم يُجِزْه فسَدَ (١). تَرتيبُ الأولياءِ: الوليُّ لا يخلُو حالُه -كما تقدَّمَ- إمَّا أنْ يكونَ وليًّا مُجبِرًا أو لا؟ فإنْ كانَ مُجبِرًا فلا خِلافَ عندَ مَنْ يقولُ بذلكَ أنه يقدَّمُ على غيرِه. إلَّا أنهم اختَلفُوا في تَرتيبِ الأولياءِ في النكاحِ في عدَّةِ مَسائلَ، منها هل يكونُ ابنُ المَرأةِ وليًّا لها أم لا؟ وهل يتقدَّمَ على الأبِ عندَ مَنْ يَجعلُه وليًّا لها؟ أم لا يتقدَّمُ على الأبِ؟ المَسألةُ الأُولى: ابنُ المرأةِ: اختَلفَ الفُقهاءِ في ابنِ المرأةِ، هل تَثبتُ له ولايةُ النكاحِ في تزويجِ أمِّه؟ أم لا تَثبتُ له؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ والمُزنِيُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ ابنَ المرأةِ له وِلايةُ التزويجِ، فيَجوزُ له أنْ يكونَ وليًّا على أمِّه؛ لأنَّ الابنَ يَستحقُّ العُصوبةَ، وهو المَعنَى الفِقهيُّ أنَّ الوِراثةَ نوعُ ولايةٍ؛ لأنَّ الوارِثَ يَخلفُ المُورِّثَ مِلكًا وتصرُّفًا، والوِراثةُ هي الخِلافةُ في

стр. 8766

التُّصرفاتِ، وللوِراثةِ أسبابٌ: الفَريضةُ والعُصوبةُ والقَرابةُ، ولكنَّ أقوَى الأسبابِ العُصوبةُ؛ لأنَّ الإرثَ بها مُتفَقٌ عليهِ ويَستحقُّ بها جَميعَ المالِ، فلهذا رتَّبْنا الولايةَ على أقوَى أسبابِ الإرثِ وهو العُصوبةُ. ولِما رواهُ عُمرُ بنُ أبي سَلمةَ عَنْ أمِّ سَلمةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أصابَتْه مُصيبةٌ فلْيقُلْ: إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ، اللَّهمَّ عندَكَ أحتَسِبُ مُصيبتِي، فأْجُرنِي فيها وأبْدِلنِي بها خيرًا منها»، فلمَّا ماتَ أبو سَلمةَ قُلتُها، فجَعلْتُ كلَّما بلَغْتُ: أبدِلنِي خيرًا مِنها قُلتُ في نَفسِي: ومَن خيرٌ مِنْ أبي سَلمةَ؟ فلمَّا انقَضَتْ عدَّتُها بعَثَ إليها أبو بَكرٍ يَخطُبُها فلمْ تَزوَّجْه، ثمَّ بعَثَ إليها عُمرُ يَخطبُها فلمْ تَزوَّجْه، فبعَثَ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ عُمرَ بنَ الخطَّابِ يَخطبُها عليهِ، قالَتْ: أَخبِرْ رسولَ اللَّهِ ﷺ أني امرأةٌ غَيْرَى وأني امرأةٌ مُصبيةٌ، وليسَ أحَدٌ مِنْ أولِيائِي شاهِدًا، فأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فذكَرَ ذلكَ له فقالَ: «ارجِعْ إليها فقُلْ لها: أمَّا قولُكِ: «إني امرأةٌ غَيْرَى» فأسأَلُ اللَّهَ أنْ يُذهِبَ غَيرتَكِ، وأمَّا قولُكِ: «إني امرأةٌ مُصبيةٌ» فتُكفَيْنَ صِبيانَكِ، وأمَّا قولُكِ: «إنهُ ليسَ أحَدٌ مِنْ أولِيائِكِ شاهِدًا» فليسَ مِنْ أولِيائِكِ شاهِدٌ ولا غائِبٌ يَكرهُ ذلكَ، فقالَتْ لابنها: «يا عُمرُ قُمْ فزَوِّجْ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فزوَّجَهُ … » (١).

стр. 8767

ولأنه معنًى يُفيدُ التعصيبَ في المَواريثِ، فوجَبَ أنْ يُفيدَ ذلكَ في ولايةِ النكاحِ كالأخوَّةِ والأبوَّةِ، ولأن البُنوَّةَ تُوجِبُ الولايةَ على مَنْ يكونُ ابنًا له، أصلُه إذا كانَ ابنَ عَمِّها، ولأنَّ كلَّ حُكمٍ ثبَتَ للابنِ الذي هو مِنْ ابنِ العَمِّ ثبَتَ للابنِ الَّذي ليسَ مِنْ ابنِ العَمِّ، أصلُه المِيراثُ، ولأنَّ كلَّ ذكَرٍ كانَ عَصبةً في الميراثِ كانَ عَصبةً في عقدِ النكاحِ، أصلُه الأخُ والعمُّ، ولأنه عَدلٌ مِنْ عَصبتِها، فثبَتَ به ولايةُ تزويجِها كأخيها، ولأنَّ ابنَ المرأةِ عَصبةٌ لها، فجازَ أنْ يكونَ وليًّا في نكاحِها كالأبِ، ولأنَّ تَعصيبَ الابنِ أقوَى مِنْ تَعصيبِ الأبِ؛ لأنهما إنِ اجتَمعَا سقَطَ بالابنِ تَعصيبُ الأبِ وصارَ معه ذا فَرضٍ، فاقتَضَى أنْ يكونَ أَولى بتَزويجِها مِنْ الأبِ، ولأنَّ الوليَّ إنما يُرادُ لحِفظِ المَنكوحةِ مِنْ تَزويجِ مَنْ لا يُكافئُها فيُدخِلَ العارَ على أهلِها، والابنُ رافعٌ للعارِ عنها وعن نَفسِه مِنْ سائرِ الأولياءِ؛ لكَثرِة أنَفَتِه وعِظَمِ حَميَّتِه، فكانَ أحَقَّ بنِكاحِها (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه لا ولايةَ للابنِ على أمِّه، وليسَ له أنْ يزوِّجَها بالبُنوَّةِ، إلا أنْ يكونَ عَصبةً لها؛ لأنَّ الولايةَ ثَبتتُ للأولياءِ لدَفعِ العارِ عن النَّسبِ، ولا نسَبَ بينَ الابنِ والأمِّ؛ لأنه لا مُشارَكةَ بينَهُما في النسَبِ؛ لأنها

стр. 8768

تُنسَبُ إلى أبيها والابنَ يُنسَبُ إلى زوجِها، والزوجُ لا وِلايةَ له على امرأتِه، والأمُّ لا تزوِّجُ نفْسَها، فكذا مَنْ يُدلِي بها. ولأنَّ ولايةَ النكاحِ إنَّما وُضعَتْ طلَبًا لحَظِّ المرأةِ والإشفاقِ عليها، والابنُ يَعتقدُ أنَّ تَزويجَ أمِّه عارٌ عليهِ، فلا يَطلبُ لها الحَظَّ ولا يُشفقُ عليها، فلمْ يَستحقَّ الولايةَ عليها. إلَّا إذا كانَ للابنِ تَعصيبٌ بأنْ كانَ ابنَ ابنِ عمِّها جازَ له أنْ يزوِّجَ؛ لأنهُما يَشتركانِ في النسَبِ؛ لأنهُما يَنتسِبانِ إلى مَنْ هو أعلَى منهُما، فجازَ له تَزويجُها كتزويجِ الأخِ لأختِه للأبِ، وكذا لو كانَ وكيلًا لوليِّها أو قاضِيًا؛ لأن البُنوَّةَ لا تقتضِي الولايةَ، لكنَّها ليسَتْ مانِعةً، فإذا وُجدَ معها سَببٌ آخَرُ يقتضِي الولايةَ لم يَمنعْه. فأما الجَوابُ عن تَزويجِ أمِّ سَلمةَ فمِن ثلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ابنَها زوَّجَها؛ لأنه كانَ مع البُنوَّةِ مُناسِبًا لها؛ لأنَّ عُمرَ بنَ أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الأسدِ بنِ هلالِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومٍ، فكانَ مِنْ بَني عَمِّها يَجتمِعانِ في عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومٍ، فكانَ أقرَبَ عَصباتِها الحاضِرينَ، فزوَّجَها بتَعصيبِ النسَبِ لا بالبنوَّةِ. والجَوابُ الثاني: أنَّ قَولَه ﷺ : «قُمْ فزوِّجْ أمَّكَ» أي: فجِئْنِي بمَن يزوِّجُ أمَّكَ؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: أنَّ أمَّ سَلمةَ قالَتْ: يا رسولَ اللهِ ما لي وليٌّ حاضِرٌ، فأقَرَّها على هذا القَولِ، فدَلَّ على أنه لم لكنْ وليًّا.

стр. 8769

والثَّاني: أنه كانَ غيرَ بالغٍ، قيلَ: إنه كانَ ابنَ سِتِّ سِنينَ، وقيلَ: ابنَ سَبعِ سِنينَ، فدَلَّ بهذَينِ الأمرَينِ على أنَّ أمْرَه بالتَّزويجِ إنما كانَ أمرًا بإحضارِ مَنْ يتولَّى التزويجَ. وقيلَ: إنه كانَ ابنَ سَنتَينِ؛ لأنه وُلِدَ بأرضِ الحبَشةِ في السَّنةِ الثانيةِ مِنْ الهجرةِ، وزَواجُ النبيِّ ﷺ بأمِّه كانَ في الرابعةِ، فكانَ يَومئذٍ ابنَ سَنتينِ أو ثلاثةٍ. والجَوابُ الثالثُ: أنَّ النبيَّ ﷺ مَخصوصٌ في مَناكحِه بأنْ يتزوَّجَ بغيرِ وليٍّ، فأمْرَ ابنَها بذلكَ استِطابةً لنفسِه لا تَصحيحًا للعقدِ، على أنَّ راويَ هذا اللَّفظِ إنما هو ثابِتٌ عن عُمرَ بنِ أبي سَلمةَ، وثابتٌ لم يَلْقَ عُمرَ، فكانَ مُنقطِعًا. وفيهِ جَوابٌ رابعٌ: وهو أنَّ النبيَّ ﷺ أرادَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁، فقَولُ: «قُمْ يا عُمرَ فزوِّجْ رسولَ اللهِ ﷺ » إنما هو عُمرُ بنُ الخطَّابِ، ونسَبُ عُمرَ ونَسبُ أمِّ سَلمةَ يَلتقيانِ في كَعبٍ، فإنه عُمرُ بنُ الخطَّابِ بنِ نُفيلٍ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ رباحِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُرْطِ بنِ رزاحِ بنِ عَديِّ بنِ كَعبٍ، وأمُّ سَلمةَ بنتُ أبي أميَّةَ بنِ المُغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومِ بنِ يَقظةَ بنِ مرَّةَ بنِ كَعبٍ، فوافَقَ اسمُ ابنِها عُمرُ اسمَه فقالَتْ: قُمْ يا عُمرُ فزوِّجْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فظَنَّ بعضُ الرُّواةِ أنه ابنُها فرَواهُ بالمعنَى وقالَ: فقالَتْ لابنِها، وذهَلَ عن تعذُّرِ ذلكَ عليه لصِغرِ سِنِّه، ونَظيرُ

стр. 8770

هذا وَهْمُ بعضِ الفُقهاءِ في هذا الحَديثِ ورِوايتُهم له: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «قُمْ يا غُلامُ فزوِّجْ أمَّكَ»، قالَ أبو الفرَجِ ابنُ الجَوزيِّ: وما عرَفْنا هذا في هذا الحَديثِ، قالَ: إنْ ثبَتَ فيَحتملُ أنْ يكونَ قالَه على وَجهِ المُداعَبةِ للصَّغيرِ؛ إذْ كانَ له مِنْ العُمرِ يَومئذٍ ثَلاثُ سِنينَ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَها في سَنةِ أربعٍ وماتَ ولعُمرَ تِسعُ سِنينَ، ورَسولُ اللهِ ﷺ لا يَفتقرُ نِكاحُه إلى وليٍّ (١). المَسألةُ الثَّانيةُ: أيُّهما أَولى بالتَقديمِ الأبُ أم الابنُ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بثُبوتِ الوِلايةِ للابنِ، هل يقدَّمُ على الأبِ في تزويجِ أمِّه؟ أم يقدَّمُ الأبُ عليهِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ. القَولُ الأولُ: أنَّ الابنَ يُقدَّمُ على الأبِ، وهو قَولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ والمالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لأنَّ الابنَ مقدَّمٌ في العُصوبةِ؛ لأنَّ تَعصيبَه أقوَى، بدَليلِ أنَّ الأبَ يَصيرُ معه مِنْ ذَوِي الفُروضِ، أَلَا ترَى أنَّ الأبَ معه يَستحقُّ السُّدُسَ بالفَريضةِ فقطْ، وإذا كانَ تَعصيبُه أقوَى وجَبَ أنْ يكونَ مقدَّمًا عليهِ، كالأخِ للأبِ والأمِّ معَ الأخِ لأبٍ (٢).

стр. 8771

القَولُ الثَّاني: أنَّ الأبَ يقدَّمُ على الابنِ، وهو قَولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ وقَولٌ للمالِكيةِ؛ لأنَّ ولايةَ الأبِ تَعمُّ المالَ والنفسَ، فلا يَثبتُ للابنِ الولايةُ في المالِ، ولأنَّ الأبَ يَنظرُ لها عادةً، والابنَ يَنظرُ لنَفسِه لا لها، فكانَ الأبُ مقدَّمًا في الولايةِ؛ ولأنَّ الولايةَ تَثبتُ نظَرًا للمُولَّى عليهِ، وتصرُّفُ الأبِ أنظَرُ لها؛ لأنه أشفَقُ عليها مِنْ الابنِ، ولهذا كانَ هو أَولى بالتصرُّفِ في مالِها، ولأنَّ الأبَ مِنْ قَومِها والابنَ ليسَ منهُم، ألَا تَرَى أنه يُنسَبُ إلى أبيهِ، فكانَ إثباتُ الولايةِ عليها لقَرابتِها أَولى. ولأنَّ الولَدَ مَوهوبٌ لأبيهِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقالَ زَكريَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ [مريم: ٥]، وقالَ إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» (١)، وإثباتُ وِلايةِ المَوهوبِ له على الهِبةِ أَولى مِنْ العكسِ.

стр. 8772

ولأنَّ الأبَ أكمَلُ نظَرًا وأشَدُّ شفَقةً، فوجَبَ تَقديمُه في الولايةِ كتَقديمِه على الجَدِّ، ولأنَّ الأبَ يَلي ولَدَه في صِغرِه وسَفهِه وجُنونِه، فيَليهِ في سائرِ ما ثَبتَتِ الولايةُ عليهِ فيه، بخِلافِ ولايةِ الابنِ، ولذلكَ اختَصَّ بولايةِ المالِ وجازَ له أنْ يَشتريَ لها مِنْ مالِه وله مِنْ مالها إذا كانَتْ صَغيرةً، بخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الولايةَ احتكامٌ، واحتكامُ الأصلِ على فَرعِه أَولى مِنْ العَكسِ. وفارَقَ الميراثَ، فإنه لا يُعتبَرُ له النظرُ، ولهذا يَرثُ الصبيُّ والمَجنونُ، وليسَ فيهِ احتكامٌ ولا ولايةٌ على المَوروثِ، بخِلافِ ما نَحنُ فيه (١). القَولُ الثالثُ: أنهما يَتساويانِ في ذلكَ، وهو ما مالَ إليه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀، حيثُ قالَ: ولو قِيلَ: «إنَّ الابنَ والأبَ سَواءٌ في ولايةِ النكاحِ كما إذا أوصَى لأقرَبِ قَرابتِه» لَكانَ مُتوجِّهًا (٢). وهو ما حَكاهُ المُعلَّى عن أبي يُوسفَ أنَّ أيَّهما زوَّجَ جازَ، قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وجهُ رِوايةِ المُعلَّى أنه وُجدَ في كلِّ واحدٍ منهُما ما هو سَببُ التقدُّمِ، أمَّا الأبُ فلِأنهُ مِنْ قومِها، وهو أشفَقُ عليها، وأمَّا الابن فلِأنهُ يَرثُها بالتَّعصيبِ، وكلُّ واحدٍ مِنْ هذَينِ سببُ التقدُّمِ، فأيُّهما زوَّجَ جازَ،

стр. 8773

وعندَ الاجتماعِ يقدَّمُ الأبُ؛ تَعظيمًا واحتِرامًا له، وكذلكَ إذا اجتَمعَ الأبُ وابنُ الابنِ وإنْ سفَلَ فهو على هذا الخِلافِ، والأفضلُ في المَسألتينِ أنْ يفوِّضَ الابنُ الإنكاحَ إلى الأبِ؛ احتِرامًا للأبِ واحتِرازًا عن مَوضعِ الخِلافِ (١). بيانُ تَرتيبِ الأولياءِ في كلِّ مَذهبٍ: أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ على المُعتمَدِ عندَهم: أقرَبُ الأولياءِ إلى المرأةِ الابنُ ثمَّ ابنُ الابنِ وإنْ سفَلَ، ثمَّ الأبُ ثمَّ الجَدُّ أبو الأبِ وإنْ عَلا، ثمَّ الأخُ الشقيقُ ثمَّ الأخُ لأبٍ، ثمَّ ابنُ الأخِ الشقيقِ ثمَّ ابنُ الأخِ لأبٍ وإنْ سفَلَوا، ثمَّ العَمُّ الشقيقُ ثمَّ العمُّ لأبٍ، ثمَّ ابنُ العمِّ الشقيقِ ثمَّ ابنُ العمِّ لأبٍ وإنْ سفَلَوا، ثم عُمُّ الأبِ الشقيقِ ثمَّ عمُّ الأبِ لأبٍ، ثم بَنوهُمَا على هذا الترتيبِ. ثمَّ مولَى العَتاقةِ، يَستوِي فيه الذكَرُ والأنثى، ثمَّ عَصبةُ المولَى، وعندَ عدمِ العصَبةِ كلُّ قريبٍ يَرثُ الصغيرَ والصغيرةَ مِنْ ذَوِي الأرحامِ يَملكُ تَزويجُهَما في ظاهرِ الرِّوايةِ عن أبي حَنيفةَ ﵀ كما تقدَّمَ بيانُه (٢). ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ عندَهم: الأَولى عندَ وُجودِ مُتعدِّدٍ مِنْ الأولياءِ تقديمُ ابنِ للمرأةِ في العَقدِ عليها برِضاها، فابنِه -أي ابنُ الابنِ

стр. 8774

مقدَّمٌ على الأبِ-، لكنْ إنْ عقَدَ الأبُ مع وُجودِ الابنِ أو ابنِه جازَ على الابنِ ولا ضرَرَ. فأبُ للمرأةِ إذا لم يكنْ للمرأةِ ولَدٌ ولا وَلدُ ولدٍ، فالأبُ مقدَّمٌ على غيرِه، فمَرتبتُه بعدَ الابنِ وابنِه، هذا إذا لم تَكنِ الابنةُ في حِجرِ أبيها أو في حِجرِ وَصيٍّ لها، أمَّا إذا كانَتْ في حِجرِ أبيها أو وَصيِّها فالأبُ مقدَّمٌ على الابنِ. فأخٌ للأبِ عندَ عدمِ وُجودِ الأبِ، فابنُه -أي ابنُ الأخِ وإنْ سفَلَ-، فجَدٌّ لأبٍ، فمَرتبتُه بعدَ الأخِ وابنِه، فعَمٌّ لأبٍ فابنُه، فجَدُّ أبٍ فعمُّه: أي عمُّ الأبِ فابنُه. والأَولى تَقديمُ الشَّقيقِ مِنْ كلِّ صِنفٍ على الَّذي لأبٍ، والأَولى تَقديمُ الأفضَلِ عندَ التساويِ في الرُّتبةِ. وإنْ تنازَعَ مُتساوُونَ في الرُّتبةِ والفَضلِ كإخوةٍ كلُّهم عُلماءُ نظَرَ الحاكمُ فيمَن يقدِّمُه إنْ كانَ حاكمٌ، وإنْ لم يَكنْ أُقرِعَ بينَهُم. فإنْ لم يَكنْ مِنْ الأولياءِ أحَدٌ فمولًى، وهو مَنْ له العَتاقةُ، فكافِلٌ لها غيرُ عاصِبٍ، أي قائمٌ بتَربيتِها حتَّى بلَغَتْ عندَه أو بلَغَتْ عَشرًا إنْ كانَتِ المَكفولةُ دَنيئةً لا شَريفةً، وإلَّا فوليُّها الحاكِمُ، وكفَلَ زَمنًا تَحصلُ فيهِ الشفَقةُ والحَنانُ عليها عادَةً، ولا يُحَدُّ بأربعةِ أعوامٍ ولا بعشَرةٍ على الأظهَرِ، ولا بُدَّ مِنْ ظُهورِ الشفَقةِ عليها منهُ بالفِعلِ، وإلا فالحاكِمُ هو الَّذي يَتولَّى عقْدَ نكاحِها.

стр. 8775

فالحاكمُ يَلِي مَنْ ذُكِرَ، أي فإنْ لم يُوجَدْ فالسُّلطانُ مولًى؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (١). فولايةُ عامَّةِ مُسلمٍ: أي فإنْ لم يُوجَدْ أحدٌ ممَّن ذُكِرَ تَولَّى عقْدَ نكاحِها أيُّ رَجلٍ مِنْ عامةِ المُسلمينَ، ومِن ذلكَ الخالُ والجَدُّ مِنْ جهةِ الأمِّ والأخُ لأمٍ، فهُم مِنْ أهلِ الولايةِ العامَّةِ بإذنها ورِضاها إذا عُلِمَ خُلوُّها مِنْ مَوانعِ النكاحِ، ويَدخلُ في ذلكَ الزَّوجُ فيَتولَّى الطَّرفينِ. وصَحَّ النكاحُ بالولايةِ العامَّةِ في امرأةٍ دَنيئةٍ مع وُجودِ وليٍّ خاصٍّ كأبٍ وابنٍ وعَمٍّ، لم يَجبُرْ؛ لكَونها بالِغًا ثيِّبًا أو بِكرًا لا أبَ لها ولا وَصيَّ لها، ولا يُفسخُ بحالٍ، طالَ زَمنُ العقدِ أو لا، دخَلَ بها الزوجُ أو لم يَدخلْ؛ لكَونِها -لدَناءَتها وعَدمِ الالتِفاتِ إليها- لا يَلحقُها بذلكَ مَعرَّةٌ. والدَّنيئةُ: هي الخالِيةُ مِنْ الجَمالِ والمالِ والحسَبِ والنسَبِ، فالخالِيةُ مِنْ النسَبِ: بنتُ الزِّنا أو الشُّبهةِ أو المَعتوقةُ مِنْ الجَواريِ، والحسَبُ: هو الأخلاقُ الكَريمةُ كالعِلمِ والحِلمِ والتدبيرِ والكرَمِ ونحوِها مِنْ مَحاسنِ الأخلاقِ، فالغنيَّةُ ذاتُ الجَمالِ ليسَتْ بدَنيئةٍ وإنْ لم يكنْ لها حسَبٌ ولا نسَبٌ، والنَّسِيبةُ وإنْ كانَتْ فَقيرةً أو قَبيحةً ليسَتْ بدَنيئةٍ، بل كُلُّ مَنْ اتَّصفَتْ بصِفتينِ مِنْ هذهِ الصِّفاتِ الأربَعِ فشَريفةٌ، بل وبِصفةٍ فقط على ما قالَه بعضُهم.

стр. 8776

نعمْ الوَقْفةُ في قَومٍ فُقراءَ شأنُهم أنْ يكونُوا خدمةً للناسِ ولا دِيانةَ عندَهم ولا صِيانةَ، فهُمْ وإنْ عُرِفَ نسَبُهم إلَّا أنهُم لعَدمِ دِيانتِهم وصِيانتِهم وكَونِهم مُسخَّرينَ تحتَ أيدي الناسِ لا يُلتفَتُ إليهم، والظاهرُ دَناءتُهم. وبقيَ الكلامُ في الجَوازِ: هل لا يَجوزُ لمُطلَقِ مُسلمٍ أنْ يَتولَّى عقْدَ نكاحِ الدَّنيئةِ مع وُجودِ كأبيها؟ أو يَجوزُ؟ قَولانِ في المَذهبِ. ويَصحُّ نكاحُ شَريفةٍ بالولايةِ العامَّةِ مع وُجودِ خاصٍّ غيرِ مُجبِرٍ إنْ دخَلَ الزوجُ بها وطالَ طُولًا، وهو أنْ يَمضيَ زَمنٌ تَلدُ فيه الأولادَ كثَلاثِ سنينَ. وأمَّا لو عقَدَ النكاحَ بالوِلايةِ العامَّةِ مع وُجودِ المُجبِرِ كانَ النكاحُ فاسِدًا، ويُفسَخُ أبدًا ولو أجازَه المُجبِرُ (١). وقالَ الشافِعيةُ: أحَقُّ الأولياءِ بالتَّزويجِ أبٌ؛ لأنه أشفَقُهم، ثمَّ جَدٌّ أبو الأبِ، ثمَّ أبوه وإنْ عَلا؛ لتميُّزِه بالوِلادِة، ثمَّ أخٌ لأبوَينِ ثمَّ أخٌ لأبٍ ثمَّ ابنُه وإنْ سفَلَ، ثمَّ عَمٌّ لأبوينِ أو لأبٍ، ثمَّ سائرُ العَصبةِ مِنْ القَرابةِ -أي باقِيهم- كالإرثِ؛ لأنَّ المأخَذَ فيهِما واحدٌ. ومَن لا عصَبةَ لها بنَسبٍ زوَّجَ المُعتِقُ، فإنْ أعتَقَها رَجلٌ فولايةُ تَزويجِها له ثمَّ عَصبتِه.

стр. 8777

فإنْ فُقدَ المُعتِقُ وعَصبتهُ زوَّجَ السُّلطانُ المرأةَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (١)، وهو هُنا مَنْ شَملَها ولايتُه عامًّا كانَ أو خاصًّا، كالقاضِي والمُتولِّي لعُقودِ الأنكِحةِ أو هذا النكاحِ بخُصوصِه. وكذا يُزوِّجُ السُّلطانُ إذا عضَلَ القَريبُ ولو مُجبِرًا أو المُعتِقُ إجماعًا. ولا يُزوِّجُ ابنٌ أمَّه وإنْ علَتْ ببُنوَّةٍ؛ لأنه لا وِلايةَ للابنِ على أمِّه، وليسَ له أنْ يزوِّجَها بالبنوَّةِ إلا أنْ يكونَ عَصبةً لها؛ لأنَّ الولايةَ ثبتَتْ للأولياءِ لدَفعِ العارِ عن النَّسبِ، ولا نسَبَ بينَ الابنِ والأمِّ؛ لأنه لا مُشارَكةَ بينَهُما في النسَبِ؛ لأنها تُنسَبُ إلى أبيها والابنَ يُنسَبُ إلى زوجِها، والزوجُ لا وِلايةَ له على امرأتِه، والأمُّ لا تزوِّجُ نفْسَها، فكذا مَنْ يُدلِي بها. ولأنَّ ولايةَ النكاحِ إنَّما وُضعَتْ طلَبًا لحَظِّ المرأةِ والإشفاقِ عليها، والابنُ يَعتقدُ أنَّ تَزويجَ أمِّه عارٌ عليهِ، فلا يَطلبُ لها الحَظَّ ولا يُشفقُ عليها، فلمْ يَستحقَّ الولايةَ عليها. إلَّا إذا كانَ للابنِ تَعصيبٌ بأنْ كانَ ابنَ ابنِ عمِّها جازَ له أنْ يزوِّجَ؛ لأنهُما يَشتركانِ في النسَبِ؛ لأنهُما يَنتسِبانِ إلى مَنْ هو أعلَى منهُما، فجازَ له تَزويجُها كتزويجِ الأخِ لأختِه للأبِ، وكذا لو كانَ وكيلًا لوليِّها أو قاضِيًا؛

стр. 8778

لأن البُنوَّةَ لا تقتضِي الولايةَ، لكنَّها ليسَتْ مانِعةً، فإذا وُجدَ معها سَببٌ آخَرُ يقتضِي الولايةَ لم يَمنعْه (١). وقالَ الحَنابلةُ: أحَقُّ الناسِ الَّذين لهُم ولايةُ النكاحِ بنكاحِ المرأةِ الحرَّةِ أبوها؛ لأنَّ الولَدَ مَوهوبٌ لأبيهِ، قالَ تعالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقالَ إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقالَ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» (٢)، وإثباتُ ولايةِ المَوهوبِ له على الهِبةِ أَولى مِنْ العَكسِ، ولأنَّ الأبَ أكمَلُ شَفقةً وأتَمُّ نظَرًا، بخِلافِ الميراثِ، بدَليلِ أنه يَجوزُ أنْ يَشتريَ لها مِنْ مالِه وله مِنْ مالِها. ثمَّ أبوه وإنْ عَلا؛ لأنَّ الجَدَّ له إيلادٌ وتَعصيبٌ أشبَهَ الأبَ، وأَولى الأجدادِ أقرَبُهم كالمِيراثِ. ثمَّ ابنُها ثمَّ ابنُه وإنْ سفَلَ، ثمَّ أخوها لأبوَينِ كالمِيراثِ، ثم أخوها لأبيها كالإرثِ، ثمَّ بَنوهُما كذلكَ، فيقدَّمُ ابنُ الأخِ لأبوَينِ على ابنِ الأخِ لأبٍ كالميراثِ، ثم بَنوهُما كذلكَ وإنْ نَزلُوا كالإرثِ.

стр. 8779

ثمَّ العمُّ لأبوَينِ ثمَّ العمُّ لأبٍ ثمَّ بَنوهُما كذلكَ وإنْ نزَلُوا الأقرَبُ فالأقرَبُ. ثمَّ أقرَبُ العصَباتِ على تَرتيبِ المِيراثِ؛ لأنَّ الولايةَ مَبناها على النَّظرِ والشفَقةِ، ومَظنةُ ذلكَ القَرابةُ، والأحَقُّ بالميراثِ هو الأقرَبُ، فيكونُ أحَقَّ بالولايةِ. قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ الولايةَ في النكاحِ لا تَثبتُ إلَّا لمَن يَرثُ بالتَّعصيبِ. على هذا لا يَلي بَنُو أبٍ أعلَى مع بَنِي أبٍ أقرَبَ منهُ وإنْ نزلَتْ دَرجتُهم. وأَولى وَلدِ كلِّ أبٍ أقربُهم إليهِ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا. فإذا كانَ ابنَا عمٍّ أحَدُهما أخٌ لأمٍّ فكأخٍ لأبوَينِ وأخٍ لأبٍ، أي: فيُقدَّمُ ابنُ العَمِّ الذي هو أخٌ مِنْ أمٍّ، وقيلَ: هُما سَواءٌ؛ لأنهما استَويَا في التَعصيبِ والإرثِ بهِ، وجهةُ الأمِّ يُورَثُ بها مُنفرِدةً، فلا تَرجيحَ بها. فعلَى هذا لو اجتَمعَ ابنُ عَمٍّ لأبوينِ وابنُ عَمٍّ لأبٍ هو أخٌ منِ أمٍّ فالولايةُ لابنِ العَمِّ مِنْ الأبوَينِ. ثمَّ المولَى المُنعِمُ بالعتقِ؛ لأنه يَرثُها ويَعقلُ عنها عندَ عَدمِ عَصبتِها مِنْ النَّسبِ، فكانَ له تَزويجُها، ثمَّ أقرَبُ عَصباتِه فأقرَبُهم على تَرتيبِ المِيراثِ، ثمَّ مَولَى المَولَى ثمَّ عَصباتُه كذلكَ، ثمَّ مولَى مولَى المولَى ثمَّ عَصباتُه كذلكَ.

стр. 8780

ثمَّ السُّلطانُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (١)، والسُّلطانُ الإمامُ الأعظَمُ أو نائبُه الحاكِمُ ومَن فوَّضَا إليه الأنكِحةَ، ومُقتضاهُ أنَّ الأميرَ لا يزوِّجُ، وهو مُقتضَى نَصِّ الإمامِ في روايةِ أبي طالِبٍ: القاضي يَقضي في التزوُّجِ والحُقوقِ والرَّجمِ، وصاحِبُ الشُّرَطِ إنما هو مُسلَّطٌ في الأدبِ والجِنايةِ، وليسَ إليه المَواريثُ والوَصايا والفُروجُ والرَّجمُ والحُدودُ، وهو إلى القاضي أو إلى الخَليفةِ الذي ليسَ بعدَه شَيءٌ. وقالَ في رِوايةِ المَروزيِّ في الرُّستاقِ يكونُ فيه المولَى وليسَ فيه قاضٍ يزوِّجُ: إذا احتاطَ لها في المهرِ والكُفءِ أجوَزُ أنْ لا يكونَ به بأسٌ، وحمَلَه القاضي على أنه مأذونٌ له في التَّزويجِ؛ لِما تقدَّمَ. وقالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ: الأظهَرُ حَملُ كلامِه على ظاهرِه عندَ تعذُّرِ القاضي؛ لأنه مَوضعُ ضَرورةٍ. ولا ولايةَ لغيرِ العصَباتِ النَّسَبيةِ والسبَبيةِ مِنْ الأقاربِ، كالأخِ مِنْ الأمِّ والخالِ وعمِّ الأمِّ وأبيها ونحوِهم. ولا ولايةَ لمَن أسلَمَتِ المرأةُ على يديهِ ولا لمُلتقِطٍ؛ لأنه لا نسَبَ ولا وَلاءَ؛ لحَديثِ: «الولاءُ لمَن أعتَقَ». فإنْ عُدمَ الوليُّ مُطلَقًا بأنْ لم يُوجَدْ أحدٌ ممَّن تقدَّمَ أو عضَلَ وليُّها ولم

стр. 8781

يُوجَدْ غيرُه زوَّجَها ذو سُلطانٍ في ذلكَ المكانِ، كوَالي البلدِ أو كبيرِه أو أميرِ القافِلةِ ونحوِه؛ لأنَّ له سَلطنةً. فإنْ تعذَّرَ ذو سُلطانٍ في ذلكَ المكانِ زوَّجَها عَدلٌ بإذنها، قالَ الإمامُ أحمدُ في دِهقانِ قَريةٍ -أي رَئيسِها-: يزوِّجُ مَنْ لا وليَّ لها إذا احتَاطَ لها في الكُفءِ والمَهرِ إذا لم يَكنْ في الرُّستاقِ قاضٍ؛ لأنَّ اشتراطَ الولايةِ في هذه الحالَةِ يَمنعُ النكاحَ بالكليَّةِ، فلمْ يَجُزْ كاشتِراطِ كونِ الوليِّ عصَبةً في حَقِّ مَنْ لا عَصبةَ لها. وإنْ كانَ في البَلدِ حاكمٌ وأبَى التَّزويجَ إلَّا بظُلمٍ -كطَلبِه جُعلًا لا يَستحقُّه، إمَّا لأنْ يكونَ له في بَيتِ المالِ ما يَكفيهِ، أو طلَبَ زِيادةً على جُعلِ مِثلِه- صارَ وُجودُ الحاكِمِ كعَدمِه (١). إذا اجتَمعَ وليَّانَ أو أكثَرُ لامرأةٍ في الدَّرجةِ فمَن يُزوِّجُها؟ نَصَّ العُلماءُ على أنه إذا استَوى وَليَّانِ أو أكثرُ للمرأةِ في الدرجةِ كإخوةٍ لها كلُّهم لأبوَينِ أو لأبٍ أو أعمامٌ أو بَنو إخوةٍ كذلكَ فإنَّ الأفضلَ أنْ يقدَّمَ الأعلَمُ.

стр. 8782

قالَ المالِكيةُ: إذا كانَ للمَرأةِ أولياءُ وهُمْ في المنزلةِ سواءٌ -إخوةٌ أو بَنُو إخوةٍ أو أعمامٌ أو بَنو أعمامٍ- فاختَلفُوا أيُّهم يَتولَّى العقدَ مع اتِّفاقِهم على الزَّوجِ، أو اختَلفُوا في تَعيينِ الزَّوجِ بأنْ يُريدَ كلٌّ منهُم تَزويجَها لغيرِ مَنْ يُريدُه الآخَرُ ولم تُعيِّنِ المرأةُ أحَدَ الزَّوجينِ -وإلَّا أُجيبَتْ إلى ما عيَّنتْه إنْ كانَ كُفئًا- فإنَّ السُّلطانَ يَنظرُ فيمَن يَلي العقدَ مِنهم في الأُولى، وفيمَن يُزوِّجُها هو منه في الثانيةِ، وإنْ لم يَكنْ سُلطانٌ أُقرعَ بينَهم (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ للمَرأةِ جَماعةُ أولياءَ في درجةٍ واحدةٍ كالأخوةِ والأعمامِ فيَنبغي لها ولهم أنْ يَردُّوا عقْدَ نكاحِها إلى أسَنِّهم وأعلَمِهم وأورَعِهم؛ لأنَّ ذا السِّنِّ قد جرَّبَ الأمور، وذا العِلمِ أعرَفُ بأحكامِ العُقودِ، وذا الوَرعِ أسلَمُ اختيارًا وأكثرُ احتِياطًا. فإذا تقرَّرَ هذا فللمَرأةِ المَخطوبةِ حالتانِ: إحداهما: أنْ تأذَنَ لأحَدِهم بعَينِه في العَقدِ عليها، والثانيةُ: أنْ لا تعيِّنَ، فإنْ عيَّنَتْ فقالَتْ: «قد أَذِنتُ لفُلانٍ مِنْ أخوَتي، أو مِنْ أعمامِي أنْ يزوِّجَني لفُلانٍ، أو بمَن يَختارُه لي مِنْ الأكْفَاءِ» فيكونُ المأذُونُ له منهم أحَقَّ بعَقدِ نكاحِها مِنْ جَماعتِهم، فإنْ زوَّجَها غيرُه منهم كانَ نكاحُها باطِلًا، سواءٌ كانَتْ قد عيَّنَتْ على الزوجِ أو لم تعيِّنْ؛ لأنها لم تأذَنْ له، فصارَ عاقدًا بغيرِ إذنٍ، فبطَلَ عَقدُه.

стр. 8783

وإنْ لم تعيِّنْ على أحَدِ الأولياءِ بل قالَتْ: «يُزوِّجُني أحَدُكم وأيُّكم يزوِّجُني فهو بإذنِي ورِضايَ» فلا يخلُو حالُهم حينئذٍ مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَتنازَعوا في تَزويجِها، أو لم يَتنازَعوا، فإنْ لم يَتنازَعُوا في تَزويجِها وسلَّمُوه لأحَدِهم زوَّجَها مَنْ سلَّمُوا إليه العقدَ منهم، وسواءٌ كانَ أفضَلَهم أو أنقَصَهم إذا لم يَكنْ به سَببٌ يَمنعُه مِنْ الولايةِ؛ لأنه لو تفرَّدَ لَكانَ وليًّا، فكذلكَ إذا شارَكَ. وإنْ تَنازَعوا فعلَى ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يكونَ نِزاعُهم في تَولِّي العقدِ مع اتفاقِهم على الزَّوجِ، كأنهُم اتَّفقُوا على أنْ يزوِّجُوها يَزيدَ بنَ عبدِ اللهِ لكنْ قالَ كلُّ واحدٍ منهُم: «أنا أزوِّجُها به» فهؤلاءِ لا حَقَّ للسُّلطانِ معهُم؛ لأنه ليسَ فيهم عاضِلٌ، لكن يُقرعُ بينَهم، فأيُّهم قُرعَ كانَ أولَى بنكاحِها مِنْ جَماعتِهم، فإنْ زوَّجَها مَنْ لم تَخرجْ له القُرعةُ منهم نُظرَ؛ فإنْ كانَ ذلكَ قبلَ القُرعةِ كانَ نكاحُه جائزًا؛ لكَونِه وليًّا، وإنْ كانَ بعدَ القُرعةِ ففي صحَّةِ نكاحِه وَجهانِ: أحَدُهما: يَصحُّ؛ لكَونِه وليًّا، والثَّاني: باطلٌ؛ لأنَّ القُرعةَ قد ميَّزَتْ حَقَّ الولايةِ لغيرِه. والضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ نِزاعُهم في غيرِ الزَّوجِ وفي تَولِّي العقدِ فيقولُ أحَدُهم: «أنا أزوِّجُها بزَيدٍ ولا أزوِّجُها بعَمروٍ» ويقولُ الآخَرُ بخِلافِ ذلكَ فيُرجعُ إلى الزوجةِ؛ فإنْ رَضيَتْ أحَدِ الزَّوجينِ دونَ الآخَرِ كانَ مَنْ رَضيَتْه

стр. 8784

الزوجةُ أحَقَّ ومَن دُعيَ إلى تَزويجِها به أَولى، فإنْ قالَتْ: «هُما عِندي سَواءٌ فزوِّجُوني بأحَدِهما» فلا قُرعةَ هاهُنا؛ لأنه يَصيرُ قِراعًا بينَ الزَّوجينِ، والقُرعةُ لا تميُّزُ المَعقودَ عليهِ، وإنَّما يتعيَّنُ بالرضَا والاختِيارِ، وإذا كانَ كذلكَ صارَ الأولياءُ عَضلةً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَمتنعُ مَنْ رَضيَه الآخَرُ، فوجَبَ أنْ يُرجعَ في تَزويجِها إلى السُّلطانِ، كما لو صرَّحُوا بالعَضلِ حتَّى زوَّجَها بمَن يَختارُه لها مِنْ الزَّوجينِ المُختلَفِ فيهِما (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا استَوى وليَّانِ فأكثرُ لامرأةِ في الدَرجةِ كإخوةٍ لها كلُّهم لأبوَينِ أو لأبٍ أو أعمامٌ كذلكَ أو بنو إخوةٍ كذلكَ فإنْ أذنَتْ لواحدٍ منهم بعَينِه تعيَّنَ ولم يَصحَّ نكاحُ غيرِه ممَّن لم تأذَنْ؛ لعدمِ الإذنِ، وإنْ أذنَتْ لكلِّ واحدٍ منهم أنْ يزوِّجَها صَحَّ التزويجُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهم؛ لأنَّ سبَبَ الولايةِ مَوجودٌ في كلِّ واحدٍ منهم، والأَولى تقديمُ أفضَلِهم عِلمًا ودِينًا، ثمَّ إنِ استَوَوا في العلمِ والدِّينِ قُدِّمَ أسَنُّهم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا قَدِمَ إليهِ مُحيصةُ وحُويصةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ وكانَ أصغَرَهم فقالَ النبيُّ ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ» أي: قَدِّمِ الأكبَرَ، فتقدَّمَ حُويصةُ، ولأنه أحوَطُ للعَقدِ في اجتِماعِ شُروطِه والنظرِ في الحَظِّ. فإنْ تَشاحُّوا -أي الأولياءُ المُستَوونَ في الدَّرجةِ- أُقرعَ بينَهُم؛ لأنهم تَساوَوا في الحَقِّ وتعذَّرَ الجَمعُ، فإنْ سبَقَ غيرُ مَنْ خرَجَتْ له القُرعةُ فزوَّجَ

стр. 8785

وقد أذنَتْ لهم صَحَّ التزويجُ؛ لأنه تَزويجٌ صدَرَ مِنْ وليٍّ كاملِ الولايةِ بإذنِ مُولِّيتِه، فصَحَّ منه كما لو انفرَدَ بالولايةِ، ولأنَّ القُرعةَ إنما شُرعَتْ لإزالةِ المُشاحَّةِ (١). إذا زوَّجَها وليَّانٍ معًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أذنَتِ المَرأةُ لوليَّينِ في تَزويجِها فزوَّجَها الوليَّانِ، فهذا لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ: إمَّا أنْ يُزوِّجاها معًا ويُعلَمَ ذلكَ، وإمَّا أنْ يزوِّجَا وجُهِلَ السابقُ مِنهُما، وإمَّا أنْ يزوِّجَها أحَدُهما ثمَّ يزوِّجَها الآخَرُ. الحالةُ الأُولى: أنْ يزوِّجاهَا معًا في نَفسِ الوَقتِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المَرأةَ إذا أذنَتْ لوليَّينِ أنْ يُزوِّجاها فزَوَّجاها لاثنَينِ معًا في نَفسِ الوقتِ فالعَقدُ باطِلٌ؛ لتعذُّرِ الجَمعِ وعدمِ أولَويةِ أحَدِهما (٢).

стр. 8786

قالَ المالِكيةُ: سَواءٌ دخَلَا أو أحَدُهما أو لم يَدخلْ واحدٌ منهُما. وقيلَ: أنَّ مَحلَّ فَسخِهما ما لم يَدخلْ بها أحَدُهما، فإنْ دخَلَ كانَتْ لمَن دخَلَ بها. قالَ ابنُ الجلَّابِ المالِكيُّ ﵀: قالَ مالكٌ: وإنْ لم يُعلَمْ أيُّهما قبْلَ صاحبِه وكانَ ذلكَ قبلَ الدُّخولِ بها فُسخَ نكاحُهُما جَميعًا ثمَّ تزوَّجَتْ مِنْ شاءَتْ منهُما أو غيرِهما، وإنْ دخَلَ بها أحَدُهما فهو أحَقُّ بها مِنْ الآخَرِ (١). الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يُزوِّجاها ويُجهَلَ السَّابقُ منهُما: فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُفسخُ النكاحُ كما لو عَلِمَا أنهُما عقَدَا عليها في وقتٍ واحدٍ، ثمَّ تتزوَّجُ مَنْ شاءَتْ منهُما أو مِنْ غيرِهما، ما لم يَدخلْ بها أحَدُهما عندَ المالِكيةِ فهي لهُ. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى أنه يُقرَعُ بينَهُما، فمَن تَقعُ له القُرعةُ أمَرَ صاحبَه بالطلاقِ ثمَّ يُجدِّدُ القارِعُ نكاحَه، فإنْ كانَتْ زوْجَتَه لم يَضرَّه تَجديدُ النكاحِ شَيئًا، وإنْ كانَتْ زَوجةَ الآخَرِ بانَتْ منه بطَلاقِه وصارَتْ زَوجةَ هذا بعَقدِه الثاني؛ لأنَّ القُرعةَ تَدخلُ لتَمييزِ الحقوقِ عندَ التَّساويِ، كالسَّفرِ بإحدَى نِسائِه، والبُداءةِ بالمَبيتِ عندَ إحداهُنَّ، وتَعيينِ الأنصِباءِ في القِسمةِ (٢).

стр. 8787

الحالُ الثَّالثةُ: أنْ يزوِّجَها أحَدُهما أولاً ثمَّ يُزوِّجَها الثاني: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المرأةَ لو أذنَتْ لوَليَّينِ في تَزويجِها فزوَّجَها أحَدُهما مِنْ زَيدٍ ثم زوَّجَها الآخَرُ مِنْ عمرٍو ولم يَدخلْ الثاني بها أنها للأولِ باتفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ. إلا أنهم اختَلفُوا فيما لو أذنَتِ المَرأةُ لوَليَّينِ لها أنْ يُزوِّجاها فزوَّجَها أحَدُهما ثمَّ زوَّجَها الآخَرُ وعُلِمَ أيُّهما أسبَقُ ودخَلَ بها الثاني، هل يُفسخُ النكاحُ؟ أم تكونُ للأولِ منهُما؟ أم للكُفءِ منهُما؟ فذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها لو أذنَتْ لوليَّينِ فزَوَّجَها أحدُهما لزيدٍ ثمَّ زوَّجَها الآخرُ لعَمرٍو وهُمَا كُفئانِ لها أنها للأولِ منهُما وهو زيدٌ؛ لِما رُويَ عن النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأولِ» (١)، ولأنه لمَّا سبَقَ فقدْ صَحَّ، فلا يَجوزُ نكاحُ الثاني؛ وهذا لأنَّ سبَبَ الولايةِ القَرابةُ، وهي لا تَتجزَّأُ، والحُكمُ الثابتُ به أيضًا لا يتجزَّأُ، فصارَ كلُّ واحدٍ منهُما كالمنفرِدِ، فأيُّهما عقَدَ جازَ كالأمانِ، وسواءٌ دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ؛ لأنَّ الثاني تزوَّجَ امرأةً في عِصمةِ زوجٍ، فكانَ باطلًا كما لو عَلِمَ أنَّ لها زوجًا، ولأنه نِكاحٌ باطلٌ لو عَرِيَ عن الدُّخولِ، فكانَ باطلًا وإنْ دخَلَ كنِكاحِ المُعتدَّةِ والمرتَدِّ وكما لو عَلِمَ.

стр. 8788

ولقولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعنِي ذَواتَ الأزواجِ، فنَصَّ على تَحريمِها كالأمِّ، فلم يَجُزْ أنْ تَحلَّ بالدخولِ كما لا يَحلُّ غيرُها مِنْ المحرَّماتِ. وروَى قَتادةُ عن الحسَنِ عن سَمرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأولِ منهُما» ذكَرَه أبو داودَ في سُننِه. ورَوى الشافعيُّ بإسنادٍ رفَعَه لعُقبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا نكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ». وروَى أبو مُوسَى الأشعريُّ ﵁ أنَّ امرأةً ذاتَ وليَّينِ زوَّجَها أحَدُهما بعبدِ اللهِ بنِ الحسَنِ الحَنفيِّ وزوَّجَها الآخَرُ بعُبيدِ اللهِ بنِ الحَسنِ الحَنفيِّ، فدخَلَ بها عُبيدُ اللهِ وهو الثاني، وتَقاضَيَا إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، فقَضَى بالنكاحِ للأوَّلِ منهُما وهو عَبدُ اللهِ، وأبطَلَ نكاحَ عُبيدِ اللهِ مع دُخولِه، وقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا نكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ». ويَدلُّ عليهِ مِنْ طريقِ الاعتبارِ أنَّ كُلَّ نكاحٍ لا يَصحُّ إذا عَرِيَ عن الوطءِ لم يَصحَّ إذا اتَّصلَ بالوطءِ كالنكاحِ في العدَّةِ، ولإجماعِنا أنَّ رَجلًا لو وكَّلَ وكيلَينِ في أنْ يزوِّجَه كلُّ واحدٍ منهُما امرأةً فزوَّجاهُ بأختَينِ أو وكَّلَ كلَّ واحدٍ منهُما أنْ يزوِّجَه بأربعِ نسوةٍ فزوَّجَه كلُّ واحدٍ منهُما أربعًا أنَّ نكاحَ الأولِ منهُما أصَحُّ مِنْ نكاحِ الثَّاني وإنِ اقتَرنَ بهِ دُخولٌ، فكذلكَ وليَّا المرأةِ يجبُ أنْ يكونَ نكاحُ الأولِ منهُما أصَحَّ وإنِ اقتَرنَ بالثاني دَخولٌ، وتَحريرُه:

стр. 8789

أنَّ بُطلانَ نكاحِ الثَّاني إذا لم يَقترنْ به دُخولٌ لا يُوجِبُ تَصحيحَه، فإذا اقتَرنَ به دخولٌ لا يُوجِبُ تصحيحَه كوَكيلَي الزَّوجِ في أختَينِ أو أربَعٍ بعدَ أربَعٍ، ولأنَّ الدخولَ في النكاحِ جارٍ مَجرَى القبضِ في البيعِ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ الوكيلَينِ في بيعِ عَبدٍ لو باعَه كلُّ واحدٍ منهُما وأقبَضَه الثاني أنَّ البيعَ للأولِ وإنْ قبضَ الثاني، كذلكَ الوليَّانِ في النكاحِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا أذنَتْ لوَليَّينِ في نكاحِها فزوَّجَها هذا مِنْ رَجلٍ وهذا مِنْ رجلٍ فالنكاحُ ثابتٌ للأولِ منهُما إذا عُرفَ بعَينِه، إلَّا أنْ يتلذَّذَ أو يُجامِعَها الثاني وهو غيرُ عالمٍ بنكاحِ الأولِ فيكونُ النكاحُ للثاني دُونَ الأولِ، وأمَّا إنْ دخَلَ بها وهو عالِمٌ بالأولِ فهي للأولِ، وسَواءٌ أذنَتْ لهُمَا معًا أو مُتعاقبًا، وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ عمرُ بنُ الخطَّابِ، ومِن التابعِينَ عطاءٌ، ومِن الفُقهاءِ الزُّهريُّ؛ استِدلالًا بما رُويَ أنَّ موسَى بنَ طَلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ زوَّجَ أختَه بيَزيدَ بنِ معاوُيةَ بالشامِ وزوَّجَها أخوها يَعقوبُ بنُ طَلحةَ بالحسَنِ بنِ عليٍّ بالمدينةِ، فدخَلَ بها الحسَنُ وهو الثَّاني مِنْ الزوجَينِ ولم يَعلمْ بما تقدَّمَ مِنْ نكاحِ يَزيدَ، فقضَى مُعاويةُ بنكاحِها للحسَنِ بعدَ أنْ أجمَعَ معه فُقهاءُ المَدينةِ، فصارَ مَنْ سِواهُم مَحجوبًا بإجماعِهم؛ ولأنه قد

стр. 8790

تساوَى العَقدانِ في أنْ يفردَ كلَّ واحدٍ منهُما وليٌّ مأذونٌ له، ويَرجعَ الثاني، أي ما تعلَّقَ عليه مِنْ أحكامِ النكاحِ بالدخولِ مِنْ وُجوبِ المهرِ والعدَّةِ ولُحوقِ النسَبِ، فصارَ أَولى وأثبَتَ مِنْ الأولِ، ولأنَّ المُتنازعَينِ في المِلكِ إذا انفَردَ أحَدُهما بتصرُّفٍ ويَدٍ كانَ أَولى، كذلكَ الزوجاتُ. ولأنَّ المرأةَ لمَّا كانَتْ مُضطرةً إلى الإذنِ لوليِّها في العقدِ عليها؛ لأنها لا يَجوزُ لها العقدُ بنَفسِها، واتُّفقَ على أنَّ لها أنْ تأذَنَ لواحدٍ ولجَماعةٍ، ولا يَلزمُ كلَّ واحدٍ التوقُّفُ عن أنْ يَعقدَ حتَّى يَعلمَ هل عقَدَ الآخَرُ أم لا؟ كانَ كلُّ واحدٍ يَعقدُ على مَنْ لا يتحقَّقُ أنه لا زوْجَ لها، بل يَجوزُ أنْ يكونَ لها زَوجٌ، وكذلكَ المَفقودُ يقدَّمُ على مَنْ يجوزُ أنْ يكونَ لها زوجٌ مع وُجودِ الأمارَةِ المؤدِّيةِ لذلكَ، وهو الإذنُ للوليِّ الآخرِ في الإنكاحِ، ووجَدْنا الأصولَ مَبنيةً على أنَّ عقْدَ الإنسانِ على مَنْ يَشكُّ في أنَّ لها زوجًا أم لا مع عدمِ الأمارةِ المُقتضيةِ للشَّكِ مَمنوعٌ، وذلكَ العقدُ على مَنْ شَكَّ في تَحريمِها عليه، وأنها لا تَحلُّ له بذلكَ العقدِ شَيئًا يُمكِنُ حُضورُه وضَبطُه، فلولا أنَّ في مَسألتِنا يَثبتُ النكاحُ في حُكمٍ، وإلَّا لم يَجزْ أنْ يباحَ للوليِّ إيقاعُه ولا للمُتزوِّجِ استباحتُه، كما أنَّ نكاحَ المُعتدةِ والمُحرِمةِ لمَّا لم يكنْ لها وجهٌ يَثبتُ معه لم يَجُزِ الإقدامُ عليهِ، وإذا ثبَتَ ذلكَ لم يَبقَ إلا تَرجيحُه بالوطءِ؛ لأنَّ أحدًا لم يُرجِّحْه بغيرِه (١).
следующие страницы →