← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

قالَ المالِكيةُ: سَواءٌ دخَلَا أو أحَدُهما أو لم يَدخلْ واحدٌ منهُما. وقيلَ: أنَّ مَحلَّ فَسخِهما ما لم يَدخلْ بها أحَدُهما، فإنْ دخَلَ كانَتْ لمَن دخَلَ بها. قالَ ابنُ الجلَّابِ المالِكيُّ ﵀: قالَ مالكٌ: وإنْ لم يُعلَمْ أيُّهما قبْلَ صاحبِه وكانَ ذلكَ قبلَ الدُّخولِ بها فُسخَ نكاحُهُما جَميعًا ثمَّ تزوَّجَتْ مِنْ شاءَتْ منهُما أو غيرِهما، وإنْ دخَلَ بها أحَدُهما فهو أحَقُّ بها مِنْ الآخَرِ (١). الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يُزوِّجاها ويُجهَلَ السَّابقُ منهُما: فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُفسخُ النكاحُ كما لو عَلِمَا أنهُما عقَدَا عليها في وقتٍ واحدٍ، ثمَّ تتزوَّجُ مَنْ شاءَتْ منهُما أو مِنْ غيرِهما، ما لم يَدخلْ بها أحَدُهما عندَ المالِكيةِ فهي لهُ. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى أنه يُقرَعُ بينَهُما، فمَن تَقعُ له القُرعةُ أمَرَ صاحبَه بالطلاقِ ثمَّ يُجدِّدُ القارِعُ نكاحَه، فإنْ كانَتْ زوْجَتَه لم يَضرَّه تَجديدُ النكاحِ شَيئًا، وإنْ كانَتْ زَوجةَ الآخَرِ بانَتْ منه بطَلاقِه وصارَتْ زَوجةَ هذا بعَقدِه الثاني؛ لأنَّ القُرعةَ تَدخلُ لتَمييزِ الحقوقِ عندَ التَّساويِ، كالسَّفرِ بإحدَى نِسائِه، والبُداءةِ بالمَبيتِ عندَ إحداهُنَّ، وتَعيينِ الأنصِباءِ في القِسمةِ (٢).

стр. 8787

الحالُ الثَّالثةُ: أنْ يزوِّجَها أحَدُهما أولاً ثمَّ يُزوِّجَها الثاني: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المرأةَ لو أذنَتْ لوَليَّينِ في تَزويجِها فزوَّجَها أحَدُهما مِنْ زَيدٍ ثم زوَّجَها الآخَرُ مِنْ عمرٍو ولم يَدخلْ الثاني بها أنها للأولِ باتفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ. إلا أنهم اختَلفُوا فيما لو أذنَتِ المَرأةُ لوَليَّينِ لها أنْ يُزوِّجاها فزوَّجَها أحَدُهما ثمَّ زوَّجَها الآخَرُ وعُلِمَ أيُّهما أسبَقُ ودخَلَ بها الثاني، هل يُفسخُ النكاحُ؟ أم تكونُ للأولِ منهُما؟ أم للكُفءِ منهُما؟ فذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها لو أذنَتْ لوليَّينِ فزَوَّجَها أحدُهما لزيدٍ ثمَّ زوَّجَها الآخرُ لعَمرٍو وهُمَا كُفئانِ لها أنها للأولِ منهُما وهو زيدٌ؛ لِما رُويَ عن النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأولِ» (١)، ولأنه لمَّا سبَقَ فقدْ صَحَّ، فلا يَجوزُ نكاحُ الثاني؛ وهذا لأنَّ سبَبَ الولايةِ القَرابةُ، وهي لا تَتجزَّأُ، والحُكمُ الثابتُ به أيضًا لا يتجزَّأُ، فصارَ كلُّ واحدٍ منهُما كالمنفرِدِ، فأيُّهما عقَدَ جازَ كالأمانِ، وسواءٌ دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ؛ لأنَّ الثاني تزوَّجَ امرأةً في عِصمةِ زوجٍ، فكانَ باطلًا كما لو عَلِمَ أنَّ لها زوجًا، ولأنه نِكاحٌ باطلٌ لو عَرِيَ عن الدُّخولِ، فكانَ باطلًا وإنْ دخَلَ كنِكاحِ المُعتدَّةِ والمرتَدِّ وكما لو عَلِمَ.

стр. 8788

ولقولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعنِي ذَواتَ الأزواجِ، فنَصَّ على تَحريمِها كالأمِّ، فلم يَجُزْ أنْ تَحلَّ بالدخولِ كما لا يَحلُّ غيرُها مِنْ المحرَّماتِ. وروَى قَتادةُ عن الحسَنِ عن سَمرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأولِ منهُما» ذكَرَه أبو داودَ في سُننِه. ورَوى الشافعيُّ بإسنادٍ رفَعَه لعُقبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا نكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ». وروَى أبو مُوسَى الأشعريُّ ﵁ أنَّ امرأةً ذاتَ وليَّينِ زوَّجَها أحَدُهما بعبدِ اللهِ بنِ الحسَنِ الحَنفيِّ وزوَّجَها الآخَرُ بعُبيدِ اللهِ بنِ الحَسنِ الحَنفيِّ، فدخَلَ بها عُبيدُ اللهِ وهو الثاني، وتَقاضَيَا إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، فقَضَى بالنكاحِ للأوَّلِ منهُما وهو عَبدُ اللهِ، وأبطَلَ نكاحَ عُبيدِ اللهِ مع دُخولِه، وقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا نكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ». ويَدلُّ عليهِ مِنْ طريقِ الاعتبارِ أنَّ كُلَّ نكاحٍ لا يَصحُّ إذا عَرِيَ عن الوطءِ لم يَصحَّ إذا اتَّصلَ بالوطءِ كالنكاحِ في العدَّةِ، ولإجماعِنا أنَّ رَجلًا لو وكَّلَ وكيلَينِ في أنْ يزوِّجَه كلُّ واحدٍ منهُما امرأةً فزوَّجاهُ بأختَينِ أو وكَّلَ كلَّ واحدٍ منهُما أنْ يزوِّجَه بأربعِ نسوةٍ فزوَّجَه كلُّ واحدٍ منهُما أربعًا أنَّ نكاحَ الأولِ منهُما أصَحُّ مِنْ نكاحِ الثَّاني وإنِ اقتَرنَ بهِ دُخولٌ، فكذلكَ وليَّا المرأةِ يجبُ أنْ يكونَ نكاحُ الأولِ منهُما أصَحَّ وإنِ اقتَرنَ بالثاني دَخولٌ، وتَحريرُه:

стр. 8789

أنَّ بُطلانَ نكاحِ الثَّاني إذا لم يَقترنْ به دُخولٌ لا يُوجِبُ تَصحيحَه، فإذا اقتَرنَ به دخولٌ لا يُوجِبُ تصحيحَه كوَكيلَي الزَّوجِ في أختَينِ أو أربَعٍ بعدَ أربَعٍ، ولأنَّ الدخولَ في النكاحِ جارٍ مَجرَى القبضِ في البيعِ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ الوكيلَينِ في بيعِ عَبدٍ لو باعَه كلُّ واحدٍ منهُما وأقبَضَه الثاني أنَّ البيعَ للأولِ وإنْ قبضَ الثاني، كذلكَ الوليَّانِ في النكاحِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا أذنَتْ لوَليَّينِ في نكاحِها فزوَّجَها هذا مِنْ رَجلٍ وهذا مِنْ رجلٍ فالنكاحُ ثابتٌ للأولِ منهُما إذا عُرفَ بعَينِه، إلَّا أنْ يتلذَّذَ أو يُجامِعَها الثاني وهو غيرُ عالمٍ بنكاحِ الأولِ فيكونُ النكاحُ للثاني دُونَ الأولِ، وأمَّا إنْ دخَلَ بها وهو عالِمٌ بالأولِ فهي للأولِ، وسَواءٌ أذنَتْ لهُمَا معًا أو مُتعاقبًا، وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ عمرُ بنُ الخطَّابِ، ومِن التابعِينَ عطاءٌ، ومِن الفُقهاءِ الزُّهريُّ؛ استِدلالًا بما رُويَ أنَّ موسَى بنَ طَلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ زوَّجَ أختَه بيَزيدَ بنِ معاوُيةَ بالشامِ وزوَّجَها أخوها يَعقوبُ بنُ طَلحةَ بالحسَنِ بنِ عليٍّ بالمدينةِ، فدخَلَ بها الحسَنُ وهو الثَّاني مِنْ الزوجَينِ ولم يَعلمْ بما تقدَّمَ مِنْ نكاحِ يَزيدَ، فقضَى مُعاويةُ بنكاحِها للحسَنِ بعدَ أنْ أجمَعَ معه فُقهاءُ المَدينةِ، فصارَ مَنْ سِواهُم مَحجوبًا بإجماعِهم؛ ولأنه قد

стр. 8790

تساوَى العَقدانِ في أنْ يفردَ كلَّ واحدٍ منهُما وليٌّ مأذونٌ له، ويَرجعَ الثاني، أي ما تعلَّقَ عليه مِنْ أحكامِ النكاحِ بالدخولِ مِنْ وُجوبِ المهرِ والعدَّةِ ولُحوقِ النسَبِ، فصارَ أَولى وأثبَتَ مِنْ الأولِ، ولأنَّ المُتنازعَينِ في المِلكِ إذا انفَردَ أحَدُهما بتصرُّفٍ ويَدٍ كانَ أَولى، كذلكَ الزوجاتُ. ولأنَّ المرأةَ لمَّا كانَتْ مُضطرةً إلى الإذنِ لوليِّها في العقدِ عليها؛ لأنها لا يَجوزُ لها العقدُ بنَفسِها، واتُّفقَ على أنَّ لها أنْ تأذَنَ لواحدٍ ولجَماعةٍ، ولا يَلزمُ كلَّ واحدٍ التوقُّفُ عن أنْ يَعقدَ حتَّى يَعلمَ هل عقَدَ الآخَرُ أم لا؟ كانَ كلُّ واحدٍ يَعقدُ على مَنْ لا يتحقَّقُ أنه لا زوْجَ لها، بل يَجوزُ أنْ يكونَ لها زَوجٌ، وكذلكَ المَفقودُ يقدَّمُ على مَنْ يجوزُ أنْ يكونَ لها زوجٌ مع وُجودِ الأمارَةِ المؤدِّيةِ لذلكَ، وهو الإذنُ للوليِّ الآخرِ في الإنكاحِ، ووجَدْنا الأصولَ مَبنيةً على أنَّ عقْدَ الإنسانِ على مَنْ يَشكُّ في أنَّ لها زوجًا أم لا مع عدمِ الأمارةِ المُقتضيةِ للشَّكِ مَمنوعٌ، وذلكَ العقدُ على مَنْ شَكَّ في تَحريمِها عليه، وأنها لا تَحلُّ له بذلكَ العقدِ شَيئًا يُمكِنُ حُضورُه وضَبطُه، فلولا أنَّ في مَسألتِنا يَثبتُ النكاحُ في حُكمٍ، وإلَّا لم يَجزْ أنْ يباحَ للوليِّ إيقاعُه ولا للمُتزوِّجِ استباحتُه، كما أنَّ نكاحَ المُعتدةِ والمُحرِمةِ لمَّا لم يكنْ لها وجهٌ يَثبتُ معه لم يَجُزِ الإقدامُ عليهِ، وإذا ثبَتَ ذلكَ لم يَبقَ إلا تَرجيحُه بالوطءِ؛ لأنَّ أحدًا لم يُرجِّحْه بغيرِه (١).

стр. 8791

وللشَّافعيةِ تَفصيلٌ أكبرُ في ذلكَ، قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: «ولو أذنَتْ لكلِّ واحدٍ أنْ يزوِّجَها لا في رجلٍ بعَينِه فزوَّجَها كلُّ واحدٍ رجلًا فقدْ قالَ ﷺ : «إذا أنكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ»، فإنْ لم تُثبِتِ الشُّهودُ أيُّهما أولٌ فالنكاحُ مَفسوخٌ ولا شيءَ لها، وإنْ دخَلَ بها أحَدُهما على هذا كانَ لها مَهرُ مثلِها، وهُمَا يُقرِّانِ أنها لا تَعلمُ مثلَ أنْ تكونَ غائِبةً عن النكاحِ، ولو ادَّعيَا عليها أنها تَعلمُ أُحلِفتْ ما تَعلمُ، وإنْ أقرَّتْ لأحَدِهما لَزمَها». قالَ الماوَرديُّ ﵀: وصُورتُها: في امرأة لها وليَّانِ أذنَتِ لكلِّ واحِدٍ منهُما أنْ يزوِّجَها برَجلٍ لا بعَينِه يَختارُه لها مِنْ أكْفائِها فزوَّجَها كلُّ واحدٍ مِنْ الوليَّينِ برَجلٍ غيرِ الذي زوَّجَها به الآخَرُ، فلا يخلُو حالُ الزَّوجينِ مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يكونَا معًا غيرَ كفُؤَينِ، فنِكاحُهما باطلٌ، فإنْ لم يدخُلْ بها واحدٌ منهُما فلا شيءَ عليهِما، فإنْ دخَلَ بها أحَدُهما كانَ عليه مهرُ مثلِها دونَ المسمَّى، ولا حَدَّ عليه وإنْ عَلِمَ أنه غَيرُ كُفءٍ؛ لأنَّ مِنْ الفقهاءِ مَنْ يُوقِفُ نكاحَه على الإجازة، فكانَ ذلكَ شُبهةً يُدرأُ بها الحَدُّ.

стр. 8792

والقِسمُ الثاني: أنْ يكونَ أحَدُ الزَّوجينِ كُفئًا والآخَرُ غيرَ كُفءٍ، فنِكاحُ غيرِ الكُفءِ باطلٌ ونكاحُ الكُفءِ جائزٌ، سواءٌ تقدَّمَ نكاحُه أو تأخَّرَ، فإنْ دخَلَ بها غيرُ كُفءٍ فعَليهِ مَهرُ المِثلِ، ثمَّ يُنظَرُ؛ فإنْ كانَ نكاحُه قد تقدَّمَ فلا حَدَّ عليه، سَواءٌ عَلِمَ أو لم يَعلمْ، وعليها أنْ تَفتديَ مِنْ إصابتِه، وإنْ كانَ نكاحُه قد تأخَّرَ فإنْ عَلِمَ بالحالِ فعليهِ الحَدُّ؛ لارتفاعِ الشُّبهةِ، ولا عدَّةَ عليها؛ لأنها لو جاءَتْ بوَلدٍ لم يَلحقْ به، وإنْ لم يَعلمْ به فلا حَدَّ عليهِ، وعليها العدَّةُ، وإنْ جاءَتْ بولَدٍ لَحقَ به، وهي مُحرَّمةٌ على الكُفءِ في زَمانَ عدَّتِها مِنْ غيرِ الكُفءِ. والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يكونَ الزَّوجانِ معًا كُفؤَينِ، فلا يَخلو حالُ نكاحِهِما مِنْ خَمسةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يَسبقَ أحَدُهما الآخرَ ويُعلَمَ أيُّهما هو السَّابقُ. والثَّاني: أنْ يقَعَ النكاحانِ معًا ولا يَسبقُ أحَدُهما الآخَرَ. والثَّالثُ: أنْ يشكَّ هل وقَعَ النكاحانِ معًا أو سبَقَ أحَدُهما الآخَرَ؟ والرابعُ: أنْ يشكَّ أيُّهما هو السَّابقُ؟ والخامِسُ: أنْ يَسبقَ أحَدُهما الآخَرَ ويَدَّعي كلُّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ أنه هو السَّابقُ. فأمَّا القسمُ الأولُ: وهو أنْ يَسبقَ أحَدُهما الآخَرَ ويُعلَمَ أيُّهما هو السَّابقُ بالنكاحِ، فهو لِأَسبقِ الزوجَينِ عقدًا، والنكاحُ الثاني المَسبوقُ باطلٌ، سواءٌ دخَلَ هذا الثاني بها أو لم يدخُلْ، وبه قالَ مِنْ الصحابةِ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ،

стр. 8793

ومِن التَّابعينَ: شُريحٌ والحَسنُ البَصريُّ، ومِن الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ والأوزاعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ، وقالَ مالكٌ: النكاحُ للأولِ إلَّا أنْ يَدخلَ بها الثَّاني وهو لا يَعلمُ بنكاحِ الأولِ، فيكونُ النكاحُ للثَّاني دُونَ الأولِ، وبه قالِ مِنْ الصَّحابةِ عمرُ بنُ الخطَّابِ، ومِن التابعِينَ عطاءٌ، ومِن الفُقهاءِ الزُّهريُّ؛ استِدلالًا بما رُويَ أنَّ موسَى بنَ طَلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ زوَّجَ أختَه بيَزيدَ بنِ معاوُيةَ بالشامِ وزوَّجَها أخوها يَعقوبُ بنُ طَلحةَ بالحسَنِ بنِ عليٍّ بالمدينةِ، فدخَلَ بها الحسَنُ وهو الثَّاني مِنْ الزوجَينِ ولم يَعلمْ بما تقدَّمَ مِنْ نكاحِ يَزيدَ، فقضَى مُعاويةُ بنكاحِها للحسَنِ بعدَ أنْ أجمَعَ معه فُقهاءُ المَدينةِ، فصارَ مَنْ سِواهُم مَحجوبًا بإجماعِهم؛ ولأنه قد تساوَى العَقدانِ في أنْ يفردَ كلَّ واحدٍ منهُما وليٌّ مأذونٌ له، ويَرجعَ الثاني، أي ما تعلَّقَ عليه مِنْ أحكامِ النكاحِ بالدخولِ مِنْ وُجوبِ المهرِ والعدَّةِ ولُحوقِ النسَبِ، فصارَ أَولى وأثبَتَ مِنْ الأولِ، ولأنَّ المُتنازعَينِ في المِلكِ إذا انفَردَ أحَدُهما بتصرُّفٍ ويَدٍ كانَ أَولى، كذلكَ الزوجاتُ. ودليلُنا: قولُه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعني ذواتَ الأزواجِ، فنَصَّ على تَحريمِها كالأمِّ، فلم يَجُزْ أنْ تَحلَّ بالدخولِ كما لا يَحلُّ غيرُها مِنْ المحرَّماتِ. وروَى قَتادةُ عن الحسَنِ عن سَمرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأولِ منهُما» ذكَرَه أبو داودَ في سُننِه.

стр. 8794

ورَوى الشافعيُّ بإسنادٍ رفَعَه لعُقبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا نكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ». وروَى أبو مُوسَى الأشعريُّ ﵁ أنَّ امرأةً ذاتَ وليَّينِ زوَّجَها أحَدُهما بعبدِ اللهِ بنِ الحسَنِ الحَنفيِّ وزوَّجَها الآخَرُ بعُبيدِ اللهِ بنِ الحَسنِ الحَنفيِّ، فدخَلَ بها عُبيدُ اللهِ وهو الثاني، وتَقاضَيَا إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، فقَضَى بالنكاحِ للأوَّلِ منهُما وهو عَبدُ اللهِ، وأبطَلَ نكاحَ عُبيدِ اللهِ مع دُخولِه، وقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا نكَحَ الوليَّانِ فالأولُ أحَقُّ». ويَدلُّ عليهِ مِنْ طريقِ الاعتبارِ أنَّ كُلَّ نكاحٍ لا يَصحُّ إذا عَرِيَ عن الوطءِ لم يَصحَّ إذا اتَّصلَ بالوطءِ كالنكاحِ في العدَّةِ، ولإجماعِنا أنَّ رَجلًا لو وكَّلَ وكيلَينِ في أنْ يزوِّجَه كلُّ واحدٍ منهُما امرأةً فزوَّجاهُ بأختَينِ أو وكَّلَ كلَّ واحدٍ منهُما أنْ يزوِّجَه بأربعِ نسوةٍ فزوَّجَه كلُّ واحدٍ منهُما أربعًا أنَّ نكاحَ الأولِ منهُما أصَحُّ مِنْ نكاحِ الثَّاني وإنِ اقتَرنَ بهِ دُخولٌ، فكذلكَ وليَّا المرأةِ يجبُ أنْ يكونَ نكاحُ الأولِ منهُما أصَحَّ وإنِ اقتَرنَ بالثاني دَخولٌ. وتَحريرُه: أنَّ بُطلانَ نكاحِ الثَّاني إذا لم يَقترنْ به دُخولٌ لا يُوجِبُ تَصحيحَه، فإذا اقتَرنَ به دخولٌ لا يُوجِبُ تصحيحَه كوَكيلَي الزَّوجِ في أختَينِ أو أربَعٍ بعدَ أربَعٍ، ولأنَّ الدخولَ في النكاحِ جارٍ مَجرَى القبضِ في البيعِ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ الوكيلَينِ في بيعِ عَبدٍ لو باعَه كلُّ واحدٍ منهُما وأقبَضَه الثاني أنَّ البيعَ للأولِ وإنْ قبضَ الثاني، كذلكَ الوليَّانِ في النكاحِ.

стр. 8795

فأمَّا الجَوابُ عنِ استدلالِهم بنِكاحِ الحسَنِ ويَزيدَ فهو أنه يَجوزُ أنْ يكونَ مُعاويةُ استَنزلَ يَزيدَ عن نكاحِها واستأنَفَ عقْدَ الحسَنِ عليها، وأمَّا استِدلالُهم بأنَّ الثَّاني قد تَرجَّحَ بما تعلَّقَ عليه مِنْ أحكامِ النكاحِ ففاسِدٌ؛ لأنَّ المُتعلِّقَ عليه أحكامُ الوطءِ بشُبهةٍ، ولم يتعلَّقْ عليه أحكامُ النكاحِ، ثمَّ هو باطِلٌ بالزوجِ إذا زوَّجَه وَكيلاهُ بأختَينِ، فإنَّ النكاحَ للأُولى وإنْ دخَلَ بالثانيةِ، وأمَّا استِدلالُهم بأنَّ المُتنازعَينِ يُقدَّمُ صاحبُ اليَدِ والتصرُّفِ منهُما على صاحبِه فليسَ لليَدِ في النكاحِ تأثيرٌ، وكذلكَ في الأملاكِ إذا كانَتْ مَعروفةً والأنسابِ، ثمَّ هو فاسِدٌ بنكاحِ الأختَينِ. وأمَّا القِسمُ الثَّاني: وهو أنْ يقَعَ النكاحُ معًا ولا يَسبقُ أحَدُهما الآخَرَ، فالنكاحانِ باطِلانِ؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ تكونَ المرأةُ ذاتَ زوجَينِ وإنْ جازَ أنْ يكونَ الرجلُ ذا زوجتَينِ؛ لأنَّ اشتِراكَ الزوجَينِ في نكاحِ امرأةٍ يُفضِي إلى اختِلاطِ المياهِ وفَسادِ الأنسابِ، وليسَ هذا المعنَى مَوجودًا في الزَّوجِ إذا جمَعَ بينَ اثنتَينِ، وإذا لم يَصحَّ اجتِماعُ النكاحَينِ ولم يَكنْ تَصحيحُ أحَدِهما أَولى مِنْ فسادِهِ وجَبَ أنْ يكونَا باطِلينِ، فإذا بطَلَ النكاحُ بما ذكَرْنا لم يَخْلُ حالُ الزوجَينِ مِنْ ثلاثةِ أحوالٍ: إحداها: أنْ لا يكونَ قد دخَلَ واحدٌ منهُما، فهي خَليَّةٌ، ولا مهرَ على واحِدٍ منهُما؛ لفَسادِ عَقدِه وعَدمِ إصابتِه، ولأيِّهما شاءَ أنْ يَستأنِفَ العقدَ عليها.

стр. 8796

والحالُ الثانيةُ: أنْ يكونَ قد دخَلَ بها أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فمَذهبُ مالِكٍ أنَّ النكاحَ يَصحُّ للداخِلِ بها، وما قد مَضَى مِنْ الدَّليلِ عليهِ في تلكَ المسألةِ كافٍ في هذهِ، ويكونُ نكاحُ الدَّاخلِ بها باطِلًا كغَيرِ الداخلِ؛ لأنَّ الدَّاخلَ بها عليه مَهرُ مثلِها بالإصابةِ، وعليها منهُ العدَّةُ، وله أنْ يَستأنفَ نِكاحَها في زَمانِ عدَّتِها منهُ، وليسَ على غيرِ الداخلِ بها مَهرٌ ولا له العقدُ عليها إلَّا بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ. والحالُ الثالثةُ: أنْ يَدخلَ بها الزَّوجانِ معًا، فعَلى كُلِّ واحدٍ منهُما مَهرُ المثلِ بالإصابةِ، وعليها لكُلِّ واحدٍ منهُما العدَّةُ بَدءً بعدَ أسبَقِهما إصابةً، وليسَ له استِئنافُ نكاحِها إلَّا بعدَ انقِضاءِ العِدَّتينِ؛ لأنه يَتعقَّبُ عدَّتَها منه عدَّةٌ مِنْ غيرِه، فحَرُمَتْ عليه في العِدَّتينِ معًا، فأمَّا الثاني منهُما إصابةً فليسَ له أنْ يتزوَّجَها في عدَّةِ الأولِ، وله أنْ يتزوَّجَها في عدَّةِ الثاني. وأمَّا القِسمُ الثالثُ: وهو أنْ يشكَّ هل وقَعَ النِّكاحانِ معًا أو سبَقَ أحَدُهما الآخَرَ؟ فالنكاحانِ باطِلانِ؛ لأنَّ العَقدَ إذا تردَّدَ بينَ حالَي صحَّةٍ وفَسادٍ حُمِلَ على الفسادِ دُونَ الصحَّةِ؛ اعتِبارًا بالأصلِ أنْ لا عقْدَ حتَّى يُعلَمَ يَقينُ صحَّتِه، فإذا كانَ كذلكَ فالحُكمُ فيهِما كما لو وقَعَا معًا، فيكونُ على ما مَضَى مِنْ وُجودِ الدُّخولِ وعَدمِه. وأمَّا القِسمُ الرابعُ: وهو أنْ يَسبقَ أحَدُهما الآخَرَ ويشكَّ أيُّهما هو السَّابقُ؟ فهو على ضَربينِ:

стр. 8797

أحَدُهما: أنْ يَصيرَ الشكُّ بعدَ تقدُّمِ اليَقينِ، فيكونُ النِّكاحانِ مَوقوفَينِ على ما يُرجَى مِنْ زَوالِ الشَّكِّ بعَودِ اليقينِ؛ لأنَّ طُروءَ الشكِّ بعدَ تقدُّمِ اليقينِ يجوزُ أنْ يَتعقَّبَه يقينٌ، فعلَى هذا تكونُ ذاتَ زوجٍ قد جُهِلَ عَينُه، فتُمنَعُ مِنْ الأزواجِ، وليسَ لواحدٍ منهُما إصابتُها إلَّا بعدَ اليقينِ بأنه الأسبَقُ نكاحًا. والضَّربُ الثاني: أنْ يكونَ الشكُّ مُقارِنًا للعقدِ لم يَتقدَّمْه يقينٌ، فلا يكونُ النكاحُ مَوقوفًا؛ لأنه ليسَ يُتوقَّعُ زوالُ الشكِّ بعَودِ اليقينِ، وإذا امتَنعَ وَقفُ النكاحَينِ كانَا باطلَينِ، وهل يَفتقرُ بطلانُهما إلى فَسخِ الحاكمِ أم لا؟ على وجهَينِ … وأمَّا القِسمُ الخامِسُ: وهو أنْ يَسبقَ أحَدُهما الآخَرَ ويَدَّعي كلُّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ أنه هو السَّابقُ، فإنْ كانَ لأحَدِهما بَينةٌ عُملَ عليها وحُكمَ بها، فإنْ كانَ الوليُّ العاقِدُ أحَدَ الشاهدَينِ لم تُقبَلْ؛ لأنه شَهدَ على فِعلِ نفسِه، ولو كانَ وليُّ العقدِ الآخَرِ شاهدًا في هذا العقدِ قُبلَ، وإنْ لم يَكنْ لكلِّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ بَينةٌ فلا يَخلو حالُهما مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يدَّعِيَا عِلمَهما بأسبَقِهما عقدًا، أو لا يدَّعياهُ لغَيبتهِما عن العقدِ وجَهلِهما بالأسبَقِ، تحالَفَ الزَّوجانِ دُونَ الوليَّينِ؛ لأنهما المُتَداعيانِ، ولا يُراعَى تَصديقُ الوليَّينِ، فإنْ حلَفَ الزَّوجانِ انفَسخَ النكاحانِ، وهل يَنفسخُ بنَفسِ التَّحالُفِ أو بفَسخِ الحاكمِ بينَهُما؟ على وجهَينِ مضَيَا في البُيوعِ، وإنْ

стр. 8798

نكَلَ الزَّوجانِ عن اليَمينِ فسَخَ الحاكمُ نكاحَهُما، ولم يَنفسِخْ إلا بحُكمِه وجهًا واحِدًا؛ لأنَّ نُكولَ الناكلِ لا يَمنعُ أنْ يكونَ مُحِقًّا في دَعواهُ، فلم يُمنعْ بنُكولِه فَسخٌ حتَّى يَحكمَ به الحاكِمُ، فإنْ حلَفَ أحدُهما ونكَلَ الآخَرُ قضَى بالنكاحِ للحالفِ منهُما دونَ الناكلِ، فإنْ دخَلَ بها الناكلُ نُظرَ حالُ دخولِه؛ فإنْ كانَ بعدَ نُكولِه أو يَمينِ صاحبِه فهو زانٍ يُحَدُّ ولا يَلحقُ به الولَدِ ولا تَجبُ عليها العدَّةُ. أمَّا المرأةُ فإنْ عَلِمتْ بحالِ الناكلِ عندَ تَمكينِه مِنْ نَفسِها فهي زانيةٌ تُحَدُّ ولا مهرَ لها، وإنْ لم تَعلمْ فلا حَدَّ عليها ولها مهرُ مِثلِها، وإنْ كانَ الناكلُ قد دخَلَ بها قبْلَ نُكولِه ويَمينِ صاحبِه فلا حَدَّ عليه ولا عليها؛ لبَقاءِ شُبهتِه في النكاحِ، وعليه مهرُ مثلِها وعليها العدَّةُ، وإنْ جاءَتْ بوَلدٍ لَحقَ به، وهي مُحرَّمةٌ على الحالفِ حتَّى تَقضيَ عدَّةَ الناكلِ، ولا نَفقةَ لها في زِمانِ العدَّةِ على واحِدٍ منهُما؛ أمَّا الحالفُ فلِأنها مُحرَّمةٌ عليهِ وإنْ كانَتْ زوْجَتَه؛ لاعتِدادِها مِنْ غيرِه، وأمَّا الناكلُ فلِأنها ليسَتْ زوْجَتَه وإنْ كانَتْ مُعتدَّةً منه، إلا أنْ تكونَ حامِلًا، فهل يَلزمُه نَفقتُها أم لا؟ على قَولينِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا استَوى وليَّانِ فأكثرُ لامرأةِ في الدَرجةِ كإخوةٍ لها كلُّهم لأبوَينِ أو لأبٍ أو أعمامٌ كذلكَ أو بنو إخوةٍ كذلكَ فإنْ أذنَتْ لواحدٍ

стр. 8799

منهم بعَينِه تعيَّنَ ولم يَصحَّ نكاحُ غيرِه ممَّن لم تأذَنْ؛ لعدمِ الإذنِ، وإنْ أذنَتْ لكلِّ واحدٍ منهم أنْ يزوِّجَها صَحَّ التزويجُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهم؛ لأنَّ سبَبَ الولايةِ مَوجودٌ في كلِّ واحدٍ منهم، والأَولى تقديمُ أفضَلِهم عِلمًا ودِينًا، ثمَّ إنِ استَوَوا في العلمِ والدِّينِ قُدِّمَ أسَنُّهم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا قَدِمَ إليهِ مُحيصةُ وحُويصةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ وكانَ أصغَرَهم فقالَ النبيُّ ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ» أي: قَدِّمِ الأكبَرَ، فتقدَّمَ حُويصةُ، ولأنه أحوَطُ للعَقدِ في اجتِماعِ شُروطِه والنظرِ في الحَظِّ. فإنْ تَشاحُّوا -أي الأولياءُ المُستَوونَ في الدَّرجةِ- أُقرعَ بينَهُم؛ لأنهم تَساوَوا في الحَقِّ وتعذَّرَ الجَمعُ، فإنْ سبَقَ غيرُ مَنْ خرَجَتْ له القُرعةُ فزوَّجَ وقد أذنَتْ لهم صَحَّ التزويجُ؛ لأنه تَزويجٌ صدَرَ مِنْ وليٍّ كاملِ الولايةِ بإذنِ مُولِّيتِه، فصَحَّ منه كما لو انفرَدَ بالولايةِ، ولأنَّ القُرعةَ إنما شُرعَتْ لإزالةِ المُشاحَّةِ. وإذا زوَّجَ الوليَّانِ المُستوِيانِ في الدَّرجةِ اثنَينِ وعُلِمَ السابقُ منهُما فالنكاحُ له وعَقدُ الثاني باطِلٌ، لحَديثِ سَمرةَ وعُقبةَ مَرفوعًا: «أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأوَّلِ» رواهُ أبو داودَ، ولأنَّ الأولَ خَلا عن مُبطلٍ والثَّاني تَزوَّجَ زَوجةَ غيرِه، فكانَ باطِلًا كما لو عَلِمَ. فإذا دخَلَ بها الثَّاني وهو لا يَعلمُ أنها ذاتُ زَوجٍ فُرِّقَ بينَهُما؛ لبُطلانِ نكاحِه؛ فإنْ كانَ وَطئَها وهو لا يَعلمُ فهو وَطءُ شُبهةٍ يجبُ لها بهِ مهرُ المثلِ،

стр. 8800

وتُرَدُّ للأولِ؛ لأنها زوْجَتُه، ولا تَحلُّ للأولِ حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها مِنْ وَطءِ الثاني؛ للعِلمِ ببَراءةِ رَحِمِها منهُ (١). الحُكمُ إذا لم يُوجَدْ حاكِمٌ ولا وَليٌّ: إذا كانَتِ المرأةُ في مَوضعٍ لا حاكِمَ فيه وليسَ لها وليٌّ: قالَ المالِكيةُ: إذا لم يُوجَدْ وليٌّ للمرأةِ ولا حاكِمٌ فتَنتقلُ الولايةُ لعامَّةِ المُسلمينَ، فتُولِّي عقْدَ نكاحِها أيَّ رَجلٍ مِنْ عامةِ المُسلمينَ، ومِن ذلكَ الخالُ والجَدُّ مِنْ جهةِ الأمِّ والأخُ لأمٍ، فهُم مِنْ أهلِ الولايةِ العامَّةِ بإذنها ورِضاها إذا عُلِمَ خُلوُّها مِنْ مَوانعِ النكاحِ، ويَدخلُ في ذلكَ الزَّوجُ فيَتولَّى الطَّرفينِ. وقالُوا: يَصحُّ النكاحُ بالولايةِ العامَّةِ في امرأةٍ دَنيئةٍ مع وُجودِ وليٍّ خاصٍّ كأبٍ وابنٍ وعَمٍّ، لم يَجبُرْ؛ لكَونها بالِغًا ثيِّبًا أو بِكرًا لا أبَ لها ولا وَصيَّ لها، ولا يُفسخُ بحالٍ، طالَ زَمنُ العقدِ أو لا، دخَلَ بها الزوجُ أو لم يَدخلْ؛ لكَونِها -لدَناءَتها وعَدمِ الالتِفاتِ إليها- لا يَلحقُها بذلكَ مَعرَّةٌ. والدَّنيئةُ: هي الخالِيةُ مِنْ الجَمالِ والمالِ والحسَبِ والنسَبِ، فالخالِيةُ مِنْ النسَبِ: بنتُ الزِّنا أو الشُّبهةِ أو المَعتوقةُ مِنْ الجَواريِ، والحسَبُ: هو الأخلاقُ الكَريمةُ كالعِلمِ والحِلمِ والتدبيرِ والكرَمِ ونحوِها مِنْ مَحاسنِ

стр. 8801

الأخلاقِ، فالغنيَّةُ ذاتُ الجَمالِ ليسَتْ بدَنيئةٍ وإنْ لم يكنْ لها حسَبٌ ولا نسَبٌ، والنَّسِيبةُ وإنْ كانَتْ فَقيرةً أو قَبيحةً ليسَتْ بدَنيئةٍ، بل كُلُّ مَنْ اتَّصفَتْ بصِفتينِ مِنْ هذهِ الصِّفاتِ الأربَعِ فشَريفةٌ، بل وبِصفةٍ فقط على ما قالَه بعضُهم. نعمْ الوَقْفةُ في قَومٍ فُقراءَ شأنُهم أنْ يكونُوا خدمةً للناسِ ولا دِيانةَ عندَهم ولا صِيانةَ، فهُمْ وإنْ عُرِفَ نسَبُهم إلَّا أنهُم لعَدمِ دِيانتِهم وصِيانتِهم وكَونِهم مُسخَّرينَ تحتَ أيدي الناسِ لا يُلتفَتُ إليهم، والظاهرُ دَناءتُهم. وبقيَ الكلامُ في الجَوازِ: هل لا يَجوزُ لمُطلَقِ مُسلمٍ أنْ يَتولَّى عقْدَ نكاحِ الدَّنيئةِ مع وُجودِ كأبيها؟ أو يَجوزُ؟ قَولانِ في المَذهبِ. ويَصحُّ نكاحُ شَريفةٍ بالولايةِ العامَّةِ مع وُجودِ خاصٍّ غيرِ مُجبِرٍ إنْ دخَلَ الزوجُ بها وطالَ طُولًا، وهو أنْ يَمضيَ زَمنٌ تَلدُ فيه الأولادَ كثَلاثِ سنينَ. وأمَّا لو عقَدَ النكاحَ بالولايةِ العامَّةِ مع وُجودِ المُجبِرِ كانَ النكاحُ فاسِدًا، ويُفسَخُ أبدًا ولو أجازَه المُجبِرُ (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: رَوَى يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى أنَّ الشَّافعيَّ ﵁ قالَ: إذا كانَ في الرِّفقةِ امرأةٌ لا وليَّ لها فولَّتْ

стр. 8802

أمْرَها رَجلًا حتَّى يزوِّجَها جازَ، وليسَ هذا قَولًا في صحَّةِ النكاحِ بلا وليٍّ؛ لأنَّ أبا عاصِمٍ العبَّاديَّ حكَى هذا النَصَّ في «طبَقَات الفُقهاءِ»، ثمَّ ذكَرَ أنَّ مِنْ أصحابِنا مَنْ أنكَرَه ومنهُم مَنْ قَبِلَه، وقالَ: إنهُ تَحكيمٌ، والمُحكَّمُ قامَ مَقامَ الحاكِمِ. قلتُ: ذكَرَ صاحِبُ «الحاوِي» فيما إذا كانَتِ امرأةٌ في مَوضعٍ ليسَ فيه وليٌّ ولا حاكِمٌ ثلاثةَ أوجُهٍ: أحَدُها: لا تزوِّجُ. والثَّاني: تزوِّجُ نفسَها؛ للضَّرورةِ. والثالثُ: تُولِّي أمْرَها رجلًا يزوِّجُها. وحكَى الشاشِيُّ أنَّ صاحِبَ «المُهذَّب» كانَ يقولُ في هذا: تُحكِّمُ فَقيهًا مجتهِدًا، وهذا الَّذي ذكَرَه في التَّحكيمِ صحيحٌ؛ بناءً على الأظهَرِ في جوازِه في النكاحِ، ولكنَّ شرْطَ الحَكمِ أنْ يكونَ صالحًا للقَضاءِ، وهذا يُعتبَرُ في مثلِ هذه الحالِ. فالذي نَختارُه صحَّةَ النكاحِ إذا ولَّتْ أمْرَها عدلًا وإنْ لم يَكنْ مُجتهِدًا، وهو ظاهِرُ نَصِّه الذي نقَلَه يُونسُ وهو ثِقةٌ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُلقِّنِ ﵀: لو لم يَكنْ لها وليٌّ وكانَتْ في مَوضعٍ

стр. 8803

لا حاكِمَ فيه فالمُختارُ أنها تَردُّ أمْرَها إلى عَدلٍ وإنْ لم يَكنْ مُجتهِدًا، أو تُحكِّمُ فَقيهًا؛ بناءً على الأصَحِّ في جَوازِه في النكاحِ كما سَتعلَمُه في القضاءِ، ولا بُدَّ مِنْ تَحكيمِ الزوجِ أيضًا، وسيأتي هناكَ أيضًا أنَّ التحكيمَ جائزٌ فيهِ مع وُجودِ الحاكِمِ على الأصَحِّ، فعَلى هذا لا يَختصُّ بما إذا كانَتْ بمَوضعٍ لا حاكِمَ فيه (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وإذا عَدمَتِ المرأةُ وليًّا مناسِبًا وكانَتْ في بلدٍ لا حاكَمَ فيه وأرادَتْ نكاحَ زوجٍ ففيهِ وجهانِ: أحَدُهما: ليسَ لها أنْ تَنكحَ حتَّى تَجدَ وليًّا بحُكمٍ أو بنَسبٍ، كما لو عَدمَتْ الشُّهودَ لم يَجُزْ أنْ تتزوَّجَ حتَّى تَجدَ الشهودَ. والوجهُ الثَّاني: أنْ يجوزَ للضَّرورةِ أنْ تتزوَّجَ؛ لأنَّ الوليَّ يُرادُ لنَفيِ العارِ عنه بتَزويجِ غيرِ الكُفءِ، فإذا عُدمَ زالَ معناهُ، وخالَفَ الشُّهود المَعقود بهم الاستِيثاق لحِفظِ الأنسابِ، فعَلى هذا إذا جوَّزَ لها التَّزويجَ ففيهِ وجهانِ: أحَدُهما: أنها تَتولَّاهُ بنفسِها؛ لأنَّ فقْدَ الوليِّ قد أسقَطَ حُكمَه. والوَجهُ الثَّاني: أنها تُولِّي أمْرَها رَجلًا يكونُ بَدلًا مِنْ وليِّها حتَّى لا يَخلوَ العقدُ مِنْ عَددِه، ويُحتملُ تَخريجُ هذَينِ الوجَهينِ مِنْ اختلافِ قَوليهِ في الخَصمينِ إذا حكَّمَا رجلًا، هل يَلزمُهما حُكمُه كلزومِ الحاكمِ؟ واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 8804

وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ لم يُوجَدْ للمرأةِ وليٌّ ولا ذُو سُلطانٍ فعَن أحمدَ ما يَدلُّ على أنه يزوِّجُها رجلٌ عَدلٌ بإذنِها؛ فإنه قالَ في دِهقانِ قريةٍ: يزوِّجُ مَنْ لا وليَّ لها إذا احتَاطَ لها في الكُفءِ والمَهرِ إذا لم يَكنْ في الرُّستاقِ قاضٍ. قالَ ابنُ عَقيلٍ: أخَذَ قومٌ مِنْ أصحابِنا مِنْ هذه الرِّوايةِ أنَّ النكاحَ لا يَقفُ على وليٍّ، قالَ: وقالَ القاضي: مَنصوصُ أحمَدَ يَمنعُ مِنْ ذلكَ، والصَّحيحُ أنَّ هذا القولَ مُختصٌّ بحالِ عدمِ الوليِّ والسُّلطانِ؛ لأنَّه شرَطَ أنْ لا يكونَ في الرُّستاقِ قاضٍ، ووجْهُ ذلكَ أنَّ اشتِراطَ الوليِّ هاهُنا يَمنعُ النكاحَ بالكُليةِ، فلمْ يَجُزْ كاشتِراطِ المناسِبِ في حَقِّ مَنْ لا مناسِبَ لها. ورُويَ أنه لا يَجوزُ النكاحُ إلَّا بوليٍّ؛ لعُمومِ الأخبارِ فيه (١). وقالَ المِرداويُّ ﵀: قولُه: «الثالثُ: الوليُّ: فلا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ» هذا المَذهبُ، أعنِي: الوليُّ شرطٌ في صِحةِ النكاحِ، وعليهِ الأصحابُ، ونَصَّ عليهِ، قالَ الزَّركشيُّ: لا يَختلفُ الأصحابُ في ذلكَ. وعنهُ: ليسَ الوليُّ بشَرطٍ مُطلَقًا، وخَصَّها المُصنِّفُ وجَماعةٌ بالعُذرِ لعَدمِ الوليِّ والسُّلطانِ (٢). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: (فإنْ عُدمَ الوليُّ مُطلَقًا) بأنْ لم يُوجَدْ أحدٌ ممَّن

стр. 8805

تقدَّمَ (أو عضَلَ) وليُّها ولم يُوجَدْ غيرُه (زوَّجَها ذو سُلطانٍ في ذلكَ المكانِ، كوَالي البلدِ أو كبيرِه أو أميرِ القَافلةِ ونحوِه)؛ لأنَّ له سَلطنةً، (فإنْ تعذَّرَ) ذو سُلطانٍ في ذلكَ المكانِ (زوَّجَها عَدلٌ بإذنِها، قال) الإمامُ (أحمَدُ في دِهقانِ قَريةٍ) بكَسرِ الدَّالِ وتُضَمُّ، ودَهْقَنَ الرجلُ وتَدهْقَنَ: كَثُرَ مالُه، قالَه في الحاشِيةِ، أي: (رئيسُها يُزوِّجُ مَنْ لا وليَّ لها إذا احتاطَ لها في الكُفءِ والمهرِ إذا لم يكنْ في الرُّستاقِ قاضٍ)؛ لأنَّ اشتِراطَ الوِلايةِ في هذه الحالةِ يَمنعُ النكاحَ بالكُليةِ، فلمْ يَجُزْ كاشتِراطِ كَونِ الوليِّ عصَبةً في حقِّ مَنْ لا عَصبةَ لها. (وإنْ كانَ في البلدِ حاكِمٌ وأبى التزويجَ إلَّا بظُلمٍ كطَلبِه جُعلًا لا يَستحقُّه) إمَّا لأنْ يكونَ له في بَيتِ المالِ ما يكفيِه أو طلَبَ زيادةً على جُعلِ مثلِه (صارَ وُجودُه) أي الحاكِمِ (كعَدمِه)، قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: ووَجهُه ظاهِرٌ (١). أمَّا الحَنفيةُ فلا يُوجَدُ عندَهم ما يُخالِفَ ذلك؛ لأنه يجوزُ للمرأةِ أنْ تزوِّجَ نفْسَها بغيرِ إذنِ وليِّها إذا كانَتْ بالِغةً عاقِلةً، وهذا في وُجودِ الوَليِّ والحاكِمِ، فعندَ فَقْدِهما يجوزُ لها أنْ تَليَ عقْدَ نفسِها كما تقدَّمَ بيانُه مُفصَّلًا. إذا ولَّتِ المرأةُ مَنْ أسلمَتْ على يَديهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أسلَمَتِ المرأةُ على يَدِ رَجلٍ، هل لها أنْ تَجعلَه وليًّا لها في عقدِ نكاحِها أم لا؟

стр. 8806

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى» في نكاحِ مَنْ أسلَمَتْ على يَدِ رَجلٍ أو أسلَمَ أبوها أو جَدُّها على يديهِ. (قلتُ): أرأيْتَ وليَّ النِّعمةِ أيَجوزُ أنْ يزوِّجَ؟ (قالَ): نعمْ في قولِ مالكٍ، (قالَ): وقالَ مالكٌ: ويزوِّجُها مِنْ نَفسِه ويَلي عُقدةَ نكاحِ نفسِه إذا رَضيَتْ، (قلتُ): فإنْ كانَ إنَّما أسلَمَ على يديهِ والدُها أو جَدُّها أو أسلَمَتْ هي على يديهِ، أيَجوزُ له أنْ يزوِّجَها؟ (قالَ): أمَّا التي أسلَمَتْ على يديهِ فإنها تَدخلُ فيما فسَّرتُ لكَ مِنْ قولِ مالكٍ في إنكاحِ الدَّنيئةِ، فيَجوزُ نكاحُه إياها، (قالَ): وأمَّا إذا أسلَمَ أبوها وتقادَمَ ذلكَ حتَّى يكونَ لها مِنْ القَدرِ والغِنى والأباءِ في الإسلامِ وتَنافُسِ الناسِ فيها فلا يزوِّجُها، وهو والأجنَبيٌّ سواءٌ، قلتُ: أرأيْتَ وليَّ النِّعمةِ يزوِّجُ مَولاتَه ولها ذو رَحمٍ أعمامٌ أو بَنو أخوةٍ أو أخوةٌ إلَّا أنه ليسَ لها أبٌ فزوَّجَها وهيَ بِكرٌ برِضاها أو ثيِّبٌ برِضاها؟ (قالَ): هذا عِندي مِنْ ذُوي الرأيِ مِنْ أهلِها، له أنْ يزوِّجَها إذا كانَ له الصَّلاحُ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: المَولَى الَّذي له الحالُ في العَشيرةِ له أنْ يزوِّجَ العرَبيةَ مِنْ قومِه إذا كانَ له المَوضعُ والرأيُ، (قالَ مالكٌ): وأرَاه مِنْ ذَوِي الرأيِ مِنْ أهلِها إذا لم يَكنْ لها أبٌ ولا وَصيٌّ، (قالَ سحنونٌ): وقد بيَّنَّا قولَ الرُّواةِ قبْلَ هذا في مثلِ هذا مِنْ قولِ مالكٍ (١). وقالَ ابنُ يُونسَ ﵀: ومِن «المُدوَّنة»: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀:

стр. 8807

وكذلكَ إنْ ولَّتْ مَنْ أسلَمَتْ هي على يَدَيه فإنه يَجوزُ إنكاحُه إياها، وأمَّا مَنْ أسلَمَ على يَديهِ أبُوها وتَقادمَ ذلكَ حتَّى يكونَ لها مِنْ القَدرِ والغِناءِ والإباءِ في الإسلامِ ما يَتنافسُ الناسُ فيها فلا يزوِّجُها، وهو كالأجنَبيِّ فيها. قيلَ لمالِكٍ ﵀: فَرِجالٌ مِنْ المَوالِي يأخُذونَ صِبيانًا مِنْ العرَبِ تُصيبُهم السَّنةُ فيَكفلونَهم ويُربونَهم حتَّى يَكبروا فتَكونُ فِيهم الجاريةُ فيُريدُ أنْ يزوِّجَها؟ فقالَ: ذلكَ جائزٌ، ومَن أنظَرُ لها منهُ؟ قالَ الشيخُ ﵀: يُريدُ إذا بلَغَتْ وأَذِنَت، وهذا إذا لم يَكنْ لها أبٌ، وأمَّا إنْ كانَ لها أبٌ فلا يُنكِحُها بغيرِ رِضَى أبيها، إلَّا أنْ يَجعلَ ذلكَ الأبُ بيَدِه، ونحوُه في كِتابِ مُحمدٍ. ومِن «المُدوَّنة»: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وأمَّا كلُّ امَرأةٍ لها بالٌ وغِناءٌ وقَدرٌ فإنْ تلكَ لا يُزوِّجُها إلَّا وليُّها أو السُّلطانُ. قيلَ لمالِكٍ ﵀: فلو أنَّ امرأةً لها قَدرٌ تزوَّجَتْ بغَيرِ أمرِ وليٍّ فوَّضَتْ أمْرَها إلى رَجلٍ فرَضِيَ الوليُّ بعدَ ذلكَ، أيَثبُتُ النكاحُ؟ فوقَفَ فيهِ. وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إذا أجازَه الوَليُّ بالقُربِ جازَ، وسَواءٌ دخَلَ الزُّوجُ أم لا، وإنْ أرادَ فسْخَه بحَدَثانِ الدُّخولِ كانَ ذلكَ له وفسَخَه، فأمَّا إنْ

стр. 8808

طالَتْ إقامَتُها معه وولَدَتِ الأولادَ أمضَيتُه إنْ كانَ ذلكَ صَوابًا ولم يُفسَخْ، وقالَه مالِكٌ وغيرُ واحدٍ مِنْ الرُّواةِ. قالَ سحنونٌ ﵀: وقالَ غيرُه: لا يجوزُ وإنْ أجازَه الوليُّ؛ لأنه عقَدَه غيرُ الوليِّ (١). وقالَ الحَنابلةُ: لا وِلايةَ لمَن أسلَمَتِ المرأةُ على يَديهِ ولا لمُلتقَطٍ؛ لأنه لا نسَبَ ولا ولاءَ، فإنه لا يَلي نكاحَها على الأشهَرِ، وفيه روايةٌ أنه يَليهِ على أنه يَرثُها (٢). وأمَّا على مَذهبِ الحَنفيةِ فيَجوزُ أنْ تليَ المرأةُ عقْدَ نكاحِها بنفسِها، ولا تَحتاجُ إلى هذا، وقد جاءَ في كِتابِ «الأصل» المَعروفِ ب «المَبسُوط» لمُحمدِ بنِ الحسَنِ الشَّيبانِيِّ ﵀: وإذا أسلمَتِ امرأةٌ مِنْ أهلِ الذمَّةِ على يَدَي رجلٍ ولها ولدٌ صغيرٌ مِنْ رَجلٍ ذِميٍّ ووالَتِ الذي أسلمَتْ على يَديهِ فإنَّ ولاءَها له، ولا يكونُ وَلاءُ ولَدِها له في قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، ولا يُشبهُ الأمَّ الأبُ في هذا الوجهِ، وهو بمَنزلةِ العَتاقةِ في قياسِ قولِ أبي حَنيفةَ، وولاءُ الولَدِ لهُ (٣).

стр. 8809

ولايةُ الإجبارِ (زواجُ المرأةِ بغيرِ رِضاها): المَرأةُ لا تَخلو مِنْ حَالاتٍ: الحالةُ الأولى: أنْ تكونَ صَغيرةً لم تَبلغْ: اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم مِنْ العُلماءِ على أنه يجوزُ نكاحُ الصَّغيرةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بالقُرآنِ والسُّنةِ والإجماعِ، ولعَملِ المُسلمينَ. أمَّا القُرآنُ: فقولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ للَّائِي لم يَحضْنَ عدَّةَ ثلاثةِ أشهُرٍ، ولا تكونُ العدَّةُ ثلاثةَ أشهُرٍ إلَّا مِنْ الطَّلاقِ في نكاحٍ أو فَسخٍ، فدلَّ ذلكَ على أنها تزوَّجُ وتَطلقُ. وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، أي: في نِكاحِ اليَتامى، هكذا فسَّرتْهُ عائشةُ ﵂ (١). وأمَّا السُّنةُ: فهو زَواجُ النبيِّ ﷺ مِنْ عائشةَ ﵂، فقَدْ روَى الشَّيخانِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «تَزوَّجَنِي النبيُّ ﷺ وأنا بنتُ سِتِّ سِنينَ، فقَدِمْنا المَدينةَ فنَزلْنا في بنِي الحارِثِ بنِ خَزرجٍ، فوُعِكتُ فتَمزَّقَ شَعرِي فوَفَى جُمَيمةً، فأتَتْنِي أمِّي أمُّ رُومانَ وإني لَفي أُرجُوحةٍ ومَعِي صَواحِبُ لي، فصرَخَتْ بي فأتَيتُها لا أدري ما تُريدُ بي، فأخَذَتْ بيَدِي حتَّى

стр. 8810

أوقَفتْنِي على بابِ الدَّارِ وإني لَأُنهِجُ حتَّى سكَنَ بعضُ نفَسِي، ثمَّ أخَذَتْ شيئًا مِنْ ماءٍ فمسَحَتْ بهِ وَجهِي ورَأسِي، ثمَّ أدخَلتْنِي الدَّارَ فإذا نِسوةٌ مِنْ الأنصارِ في البيتِ، فقُلنَ: على الخَيرِ والبَركةِ وعلى خَيرِ طائرٍ، فأسلَمتْني إلَيهنَّ فأصلَحْنَ مِنْ شأني، فلمْ يَرُعْنِي إلا رسولُ اللهِ ﷺ ضحًى، فأسلَمَتني إليه وأنا يَومئذٍ بنتُ تِسعِ سِنينَ» (١). وفي روايةِ عُروةَ والأسودِ عن عائشةَ ﵂: «تَزوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ وهي بنتُ ستٍّ، وبَنَى بها وهي بنتُ تِسعٍ، وماتَ عنها وهي بنتُ ثَمانَ عشرةَ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ بطالٍ ﵀: قالَ المُهلبُ: أجمَعَ العُلماءُ على أنه يَجوزُ للأبِ تزويجُ ابنتِه الصغيرةِ التي لا يُوطَأُ مثلُها؛ لعمومِ الآيةِ: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، ويجوزُ نكاحُ مَنْ لم تَحِضْ مِنْ أولِ ما تُخلَقُ، وأظنُّ البُخاريَّ أراد بهذا الباب الرَّدَّ على ابنِ شُبرمةَ، فإنَّ الطَّحاويَّ حكَى عنه أنه قالَ: «تَزويجُ الآباءِ على الصِّغارِ لا يَجوزُ»، ولهُنَّ الخِيارُ إذا بلَغْنَ، وهذا قولٌ لم يَقلْ به أحَدٌ مِنْ الفقهاءِ غيرُه، ولا يُلتفَتُ إليه؛ لشُذوذِه ومُخالَفتِه دليلَ الكِتابِ والسُّنةِ (٣).

стр. 8811

وقالَ الإمامُ النوويُّ ﵀ في شَرحِه لحَديثِ عائشَةَ ﵂: وأجمَعَ المُسلمونَ على جَوازِ تزويجِه بنتَه البِكرَ الصَّغيرةَ؛ لهذا الحَديثِ (١). وأمَّا الفِعلُ: فقالَ السَّرخسيُّ ﵀: فإنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ تزوَّجَ بنتَ الزُّبيرِ ﵁ يومَ وُلِدَتْ، وقالَ: إنْ متُّ فهي خيرُ ورَثتِي، وإنْ عِشتُ فهي بنتُ الزُّبيرِ، وزوَّجَ ابنُ عمرَ ﵁ بنتًا له صَغيرةً مِنْ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ ﵁، وزوَّجَ عُروةُ بنُ الزبيرِ ﵁ بنتَ أخيهِ ابنَ أختِه وهُمَا صَغيرانِ، ووهَبَ رجلٌ ابنتَه الصَّغيرةَ مِنْ عبدِ اللهِ بنِ الحسَنِ، فأجازَ ذلكَ عليٌّ ﵁، وزوَّجَتِ امرأةُ ابنِ مَسعودٍ ﵁ بنتًا لها صَغيرةً ابنًا للمسيبِ بنِ نخبةَ، فأجازَ ذلكَ عبدُ اللهِ ﵁ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ ﵀: ثبَتَ أنَّ أبا بَكرٍ زوَّجَ عائشةَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ وهي إذْ ذاكَ بنتُ سبعِ سنينَ. وأجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكرَ الصغيرةَ جائزٌ إذا زوَّجَها مِنْ كُفؤٍ، هذا قولُ مالكٍ والثَّوريِّ والليثِ بنِ سَعدٍ والأوزاعيِّ وعُبيدِ اللهِ بنِ الحسَنِ والشافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ، وحُجَّتُهم في ذلكَ حديثُ عائشةَ، وبهِ نقولُ (٣).

стр. 8812

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا البِكرُ الصغيرةُ فلا خِلافَ فيها، قالَ ابنُ المنذِرِ: أجمَعُ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكرَ الصغيرةَ جائزٌ إذا زوَّجَها مِنْ كُفءٍ، ويجوزُ له تَزويجُها مع كَراهيَتِها وامتناعِها، وقد دَلَّ على جَوازِ تَزويجِ الصغيرةِ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ للَّائِي لم يَحضنْ عدَّةَ ثلاثةِ أشهُرٍ، ولا تكونُ العدَّةُ ثلاثةَ أشهُرٍ إلَّا مِنْ الطَّلاقِ في نكاحٍ أو فَسخٍ، فدَلَّ ذلكَ على أنها تُزوَّجُ وتَطلُقُ، ولا إذنَ لها فيُعتبَرَ، وقالَتْ عائِشةُ ﵂: «تزوَّجَنِي النبيُّ ﷺ وأنا ابنةُ سِتٍّ، وبنَى بي وأنا ابنةُ تِسعٍ» مُتفَقٌ عليهِ، ومَعلومٌ أنها لم تكنْ في تلكَ الحالِ ممَّن يُعتبَرُ إذنُها. وروَى الأثرمُ أنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ تزوَّجَ ابنةَ الزُّبيرِ حينَ نَفسَتْ، فقيلَ لهُ، فقالَ: ابنةُ الزُّبيرِ إنْ متُّ وَرثتْنِي، وإنْ عِشتُ كانَتِ امرَأتي، وزوَّجَ عليٌّ ابنتَه أمَّ كُلثومٍ وهي صَغيرةٌ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵄ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ لِلأبِ أنْ يزوِّجَ ابنتَه الصغيرةَ ولا يَستأذنَها (٢). وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجَصاصُ ﵀: وفي هذهِ الآيةِ دَلالةٌ أيضًا على أنَّ للأبِ تَزويجُ ابنتِه الصَّغيرةِ مِنْ حيثُ دلَّتْ على جوازِ تزويجِ

стр. 8813

سائرِ الأولياءِ؛ إذ كانَ هو أقربَ الأولياءِ، ولا نَعلمُ في جوازِ ذلكَ خِلافًا بينَ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ، إلَّا شَيئًا رواهُ بِشرُ بنُ الوليدِ عن ابنِ شُبرمةَ أنَّ تَزويجَ الآباءِ على الصِّغارِ لا يَجوزُ، وهو مَذهبُ الأصَمِّ، ويَدلُّ على بُطلانِ هذا المَذهبِ سِوى ما ذكَرْنا مِنْ دَلالةِ هذهِ الآيةِ قولُه تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فحكَمَ بصِحةِ طلاقِ الصغيرةِ الَّتي لم تَحِضْ، والطلاقُ لا يَقعُ إلَّا في نكاحٍ صَحيحٍ، فتَضمَّنَتِ الآيةُ جوازَ تزويجِ الصغيرةِ. ويَدلُّ عليه أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ عائشةَ وهي بِنتُ سِتِّ سنينَ، زوَّجَها إياهُ أبو بكرٍ الصِّديقُ ﵁، وقد حوَى هذا الخبَرُ مَعنيَينِ: أحَدُهما جَوازُ تزويجِ الأبِ الصغيرةَ، والآخَرُ: أنْ لا خِيارَ لها بعدَ البُلوغِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُخيِّرْها بعدَ البلوغِ (١). وقالَ الكَيا هراسِيُّ ﵀: إنَّ نكاحَ الصغيرةَ ليسَ بَعيدًا عن المَصلحةِ، ولذلكَ اطَّردَتْ به العادَةُ واستَمرَّتْ عليه العامَّةُ، فإنَّ المَقصودَ منه الأُلفةُ، فإذا أُلفيَتِ المرأةُ صَغيرةً لم تُمارِسِ الرِّجالَ ولم تَعرفِ الهوَى تَرسَّخَتِ المودَّةُ بينَهُما، فقد قيلَ في المَثلِ: ما الحُبُّ إلَّا للحَبيبِ الأولِ ..

стр. 8814

والشَّاعرُ يَقولُ: عَرفْتُ هَواها قبلَ أنْ أعرِفَ الهوَى فصادَفَ قَلبًا فارِغًا مُتمكِّنَا (١) ولأنَّ المعنَى فيه أنَّ النكاحَ مِنْ جُملةِ المَصالحِ وَضعًا في حَقِّ الذُّكورِ والإناثِ جَميعًا، وهو يَشتملُ على أغراضٍ ومَقاصدَ لا يتوفَّرُ ذلكَ إلَّا بينَ الأكْفاءِ، والكُفءُ لا يَتفِقُ في كلَّ وقتٍ، فكانَتِ الحاجةُ ماسَّةً إلى إثباتِ الولايةِ للوليِّ في صِغرِها، ولأنه لو انتُظِرَ بُلوغُها لفاتَ ذلكَ الكُفءُ ولا يُوجَدُ مِثلُه، ولمَّا كانَ هذا العَقدُ يُعقَدُ للعمرِ تَتحقَّقُ الحاجَةُ إلى ما هو مِنْ مَقاصدِ هذا العَقدِ، فتُجعَلُ تلكَ الحاجةُ كالمُتحقِّقةِ للحالِ لإثباتِ الولايةِ للوليِّ (٢). المُستحَبُّ عَدمُ تَزويجِ الصَّغيرةِ: إلَّا أنَّ المُستحَبَّ عَدمُ زواجِ الصَّغيرةِ، قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ الشافِعيَّ وأصحابَه قالُوا: يُستحَبُّ أنْ لا يزوِّجَ الأبُ والجَدُّ البِكرَ حتَّى تَبلغُ ويَستأذِنَها؛ لئلَّا يُوقِعَها في أسْرِ الزوجِ وهي كارِهةٌ، وهذا الذي قالُوهُ لا يُخالِفُ حَديثَ عائِشةَ؛ لأنَّ مُرادَهم أنه لا يزوِّجُها قبلَ البُلوغِ إذا لم تَكنْ مَصلحةٌ ظاهِرةٌ يَخافُ فَوتَها بالتأخِيرِ، كحَديثِ عائِشةَ، فيُستحَبُّ تَحصيلُ ذلكَ الزَّوجِ؛ لأنَّ الأبَ مأمورٌ بمَصلحةِ ولَدِه، فلا يُفوِّتُها، واللهُ أعلَمُ (٣).

стр. 8815

متَى يَجوزُ الدُّخولُ بالصَّغيرةِ: ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يَجوزُ الدُّخولُ بالصَّغيرةِ إلَّا حِينَما تُطيقُ الوَطءَ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في الوَقتِ الذي تدخلُ فيه المَرأةُ على زوجِها إذا اختَلفَ الزوجُ وأهلُ المَرأةِ في ذلكَ، فقالَتْ طائفةٌ: تدخلُ على زَوجِها وهي بنتُ تِسعِ سِنينَ؛ اتِّباعًا لحَديثِ عائشةَ، هذا قَولُ أحمدَ بنِ حَنبلٍ وأبي عُبيدٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: نأخُذُ بالتِّسعِ غيرَ أنَّا نقولُ: إنْ بلَغَتْها ولم تَقدرْ على الجِماعِ كانَ لأهلِها مَنعُها، وإنْ لم تَبلغِ التِّسعَ وقَوِيتْ على الرِّجالِ لم يكنْ لهم مَنعُها مِنْ زوجِها. وكانَ مالكٌ يقولُ: لا نَفقةَ لصَغيرةٍ حتَّى تُدرِكَ وتُطيقَ الرِّجالَ. وقالَ الشافعيُّ: إذا قارَبَتِ البُلوغَ وكانَتْ جَسيمةً تَحتملُ الجِماعَ فلِزَوجِها أنْ يَدخلَ بها، وإنْ كانَتْ لا تَحتملُ الجِماعَ فلِأهلِها مَنعُها مِنْ الزَّوجِ حتَّى تَحتملَ الجِماعَ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا وَقتُ زِفافِ الصغيرةِ المُزوَّجةِ والدُّخولِ بها؛ فإنِ اتَّفقَ الزَّوجُ والوليُّ على شيءٍ لا ضرَرَ فيه على الصغيرةِ عُملَ بهِ.

стр. 8816

وإنْ اختَلفَا فقالَ أحمَدُ وأبو عُبيدٍ: تُجبَرُ على ذلكَ بنتُ تِسعِ سنينَ دونَ غيرِها. وقالَ مالكٌ والشافعيُّ وأبو حَنيفةَ: حَدُّ ذلكَ أنْ تُطيقَ الجِماعَ، ويَختلفُ ذلك باختِلافهنَّ ولا يُضبَطُ بسِنٍّ، وهذا هو الصحيحُ، وليسَ في حَديثِ عائِشةَ تَحديدٌ ولا المَنعُ مِنْ ذلكَ فيمَن أطاقَتْه قبْلَ تِسعٍ، ولا الإذنُ فيمَن لم تُطِقْه وقد بلَغَتْ تِسعًا، قالَ الدَّاوُديُّ: وكانَتْ عائشةُ قد شبَّتْ شَبابًا حَسنًا ﵂ (١). وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: واختَلفُوا في وَقتِ الدُّخولِ بالصَّغيرةِ، فقيلَ: لا يَدخلُ بها ما لم تَبلغْ، وقيلَ: يَدخلُ بها إذا بلَغَتْ تِسعَ سِنينَ، كذا في «البَحْر الرَّائِق»، وأكثَرُ المَشايخِ على أنه لا عِبرةَ للسِّنِّ في هذا البابِ، وإنما العِبرةُ للطاقَةِ، إنْ كانَتْ ضَخمةً سَمينةً تُطيقُ الرِّجالَ ولا يُخافُ عليها المَرضُ مِنْ ذلكَ كانَ للزَّوجِ أنْ يَدخلَ بها وإنْ لم تَبلغْ تِسعَ سِنينَ، وإنْ كانَتْ نَحيفةً مَهزولةً لا تُطيقُ الجِماعَ ويُخافُ عليها المرضُ لا يَحلُّ للزوجِ أنْ يَدخلَ بها وإنْ كَبُرَ سِنُّها، وهو الصَّحيحُ. وإذا نقَدَ الزَّوجُ المهرَ وطلَبَ مِنْ القاضي أنْ يأمُرَ أبَا المرأةِ بتَسليمِ المرأةِ فقالَ أبوها: «إنها صَغيرةٌ لا تَصلحُ للرِّجالِ ولا تُطيقُ الجِماعَ» وقالَ الزَّوجُ: «بل هي تَصلحُ وتُطيقُ» يُنظَرُ إنْ كانَتْ ممَّن تَخرجُ أخرَجَها

стр. 8817

وأحضَرَها ويُنظَرُ إليها؛ فإنْ صلَحَتْ للرجالِ أمَرَ بدَفعِها إلى الزوجِ، وإنْ لم تَصلحْ لم يأمُرْه، وإنْ كانَتْ ممَّن لا تَخرجُ أمَرَ مَنْ يَثقُ بهنَّ مِنْ النساءِ أنْ يَنظرْنَ إليها، فإنْ قُلنَ: «إنها تُطيقُ الجِماعَ وتَحتملُ الرِّجالَ» أمَرَ الأبَ بدَفعِها إلى الزَّوجِ، وإنْ قُلنَ: «لا تَحتملُ الرجالَ» لا يُؤمرُ بتَسليمِها إلى الزَّوجِ (١). حُكمُ إجبارِ الصغيرةِ على النِّكاحِ: إذا كانَتِ البِنتُ صَغيرةً لم تَبلغْ بعدُ فلا يَخلو حالُها مِنْ صُورتَينِ: إمَّا أنْ يُجبِرَها أبوها إذا كانَ مَوجودًا أو غَيرُه. الصُّورةُ الأُولى: إجبارُ الأبِ ابنتَه الصَّغيرةَ على النِّكاحِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ للأبِ إجبارَ ابنتِه الصَّغيرةِ على الزَّواجِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا البِكرُ الصغيرةُ فلا خِلافَ فيها. قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكرَ الصَّغيرةَ جائزٌ إذا زوَّجَها مِنْ كُفءٍ، ويجوزُ له تَزويجُها مع كَراهيتِها وامتناعِها، وقد دَلَّ على جَوازِ تزويجِ الصَّغيرةِ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ

стр. 8818

يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ للَّائِي لم يَحضْنَ عدَّةَ ثلاثةِ أشهُرٍ، ولا تكونُ العدَّةُ ثلاثةَ أشهُرٍ إلا مِنْ الطلاقِ في نكاحٍ أو فَسخٍ، فدَلَّ ذلك على أنها تُزوَّجُ وتَطلُقُ، ولا إذنَ لها فيُعتبَرَ، وقالَتْ عائِشةُ ﵂: «تزوَّجَنِي النبيُّ ﷺ وأنا ابنةُ سِتٍّ، وبنَى بي وأنا ابنةُ تِسعٍ» مُتفَقٌ عليه، ومَعلومٌ أنها لم تكنْ في تلكَ الحالِ ممَّن يُعتبَرُ إذنُها. وروَى الأثرمُ أنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ تزوَّجَ ابنةَ الزُّبيرِ حينَ نَفسَتْ، فقيلَ له، فقالَ: ابنةُ الزبيرِ، إنْ متُّ وَرثتْنِي، وإنْ عِشتُ كانَتِ امرَأتي، وزوَّجَ عليٌّ ابنتَهُ أمَّ كُلثومٍ وهي صغيرةٌ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵄ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَ ابنتَه الصغيرةَ ولا يَستأذِنَها (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَ ابنتَه الصَّغيرةَ ولا يُشاورَها؛ لتَزويجِ رسولِ اللهِ ﷺ عائِشةَ وهي بِنتُ ستِّ سِنينَ، إلَّا أنَّ العِراقيينَ قالُوا: لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ، وأبَى ذلكَ أهلُ الحِجازِ، ولا حُجَّةَ مع مَنْ جعَلَ لها الخيارُ عندِي، واللهُ أعلَمُ (٣). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فأما صِغارُ الأبكارِ فلِلآباءِ إجبارُهنَّ على

стр. 8819

النكاحِ، فيزوِّجُ الأبُ ابنتَه البِكرَ الصَّغيرةَ مِنْ غيرِ أنْ يُراعيَ فيه اختِيارَها، ويكونُ العقدُ لازِمًا لها في صِغرِها وبعدَ كِبَرِها (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الأبَ يُجبِرُ ابنتَه الصغيرةَ مِنْ بناتِه، ما عدا هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ التي ذكَرْتُ آنِفًا: إذا بلَغَتْ تِسعَ سنينَ لم تزوَّجْ إلَّا بإذنِها في حَقِّ كلِّ وليٍّ الأبِ وغيرِه (٢). الصُّورةُ الثَّانيةُ: إجبارُ غيرُ الأبِ الصغيرةَ على النِّكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل لغيرِ الأبِ أنْ يُجبِرَ الصَّغيرةَ على النكاحِ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ للجَدِّ وإنْ علَا دُونَ غيرِه مِنْ الأولياءِ إجبارُ الصغيرةِ على الزَّواجِ، فيَجوزُ له أنْ يزوِّجَها، ويكونُ العقدُ لازِمًا لها في صِغرِها وبعدَ كبَرِها؛ لأنَّ للجَدِّ ولايةً وتَعصيبًا، فجازَ له إجبارُ البِكرِ كالأبِ. ولقولِه تعالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، فسمَّاهُ أبًا إجراءً لحُكمِ الأبِ عليهِ وإنْ خالَفَه في الاسمِ، ولأنه لمَّا ثبَتَ ولايةُ الجَدِّ على الأبِ فأَولى أنْ يَثبتَ على مَنْ يَلي عليه الأبُ، ولأنه لمَّا ساوَى الجَدُّ الأبَ في الولايةِ على مالِها ساوَاهُ في الولايةِ على نكاحِها، وبهذا فُرِّقَ بينَه وبينَ سائرِ العَصباتِ.

стр. 8820

ولا يَجوزُ لغيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ عندَ عدَمِهما إجبارُ الصَّغيرةِ على الزَّواجِ؛ لِما رواهُ الدَّارقطنيُّ في سُننِه عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «زوَّجَنِي خالِي قُدامةُ بنُ مَظعونٍ بنتَ أخيهِ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، فدخَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ على أمِّها فأرغَبَها في المالِ وخطَبَها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ ﷺ فقالَ قُدامةُ: يا رسولَ اللَّهِ ابنةُ أخي وأنا وَصيُّ أبيها ولم أقصِّرْ بها، زوَّجْتُها مَنْ قدْ عَلِمتُ فَضلَه وقَرابتَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّها يَتيمةٌ، واليَتيمةُ أَولَى بأمرِها»، فنُزِعتْ مِنِّي وزوَّجَها المُغيرةَ بنَ شُعبةَ (١)، فلمْ يَجعلْ له النبيُّ ﷺ تَزويجَها إلَّا بعدَ البلوغِ. ومِن القياسِ: أنَّ كلَّ مَنْ لم يَملكْ قبْضَ صَداقِها لم يَملكْ عقْدَ نكاحِها، كالعَمِّ معَ الثيِّبِ طَردًا، أو كالسَّيدِ مع أمَتِه عَكسًا، ولأنها ثبتَتْ للأبِ في الصغيرةِ مِنْ غيرِ توَلِّيه، فوجَبَ أنْ يَختصَّ بها مِنْ بينِ العصَباتِ كولايةِ المالِ، ولأنَّ النكاحَ إذا لم يَنعقدْ كانَ فاسِدًا كالمَنكوحةِ في العدَّةِ، ولأنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بخيارِ التحكُّمِ والاقتراعِ قِياسًا على خِيارِ الثيِّبِ.

стр. 8821

فأمَّا الآيةُ فتُحمَلُ على إنكاحِها قبلَ اليُتمِ أو على إنكاحِ الجَدِّ؛ لأنَّ اليُتمَ يكونُ بموتِ الأبِ وإنْ كانَ الجَدُّ باقيًا (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ لغيرِ الأبِ إجبارُ الصَّغيرةِ على النِّكاحِ؛ لِما رواهُ الدَّارقطنيُّ في سُننِه عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «زوَّجَنِي خالِي قُدامةُ بنُ مَظعونٍ بنتَ أخيهِ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، فدخَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ على أمِّها فأرغَبَها في المالِ وخطَبَها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ ﷺ فقالَ قُدامةُ: يا رسولَ اللَّهِ ابنةُ أخي وأنا وَصيُّ أبيها ولم أقصِّرْ بها، زوَّجْتُها مَنْ قدْ عَلِمتُ فَضلَه وقَرابتَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّها يَتيمةٌ، واليَتيمةُ أَولَى بأمرِها»، فنُزِعتْ مِنِّي وزوَّجَها المُغيرةَ بنَ شُعبةَ (٢)، فناطَ الحُكمَ ذلكَ باليُتمِ وفسَخَ نكاحَها. ولِما رواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ليس للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأْمَرُ، وصَمتُها إقرارُها» (٣)، فعَمَّ، ولأنَّ الصَّغيرةَ ممَّن لا إذنَ لها، فلمْ يَجُزِ العقدُ عليها إلا بعدَ بُلوغِها، ولأنَّ غيرَ الأبِ لا يتصرَّفُ في مالِها فكذلكَ بُضعها.

стр. 8822

قالَ المالِكيةُ: ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ التصرُّفَ في مالِها بنفسِه لا يَملكُ إجبارَها على النكاحِ كالأجنَبيِّ، ولأنَّ كُلَّ مَنْ لم يَكنْ له إجبارُها بعدَ البلوغِ لم يَكنْ له إجبارُها قبلَه كالخالِ، ولأنها ليسَتْ ولَدًا له تُنسَبُ إليه على وجهٍ كالخالِ. ولأنَّ الجَدَّ عصَبةٌ يَحجبُه الأبُ كالأخِ، ولأنه عَصبةٌ يَسقطُ مِنْ تَمليكِ الإجبارِ، فلمْ يَملكِ هو الإجبارَ كالعَمِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ الإجبارَ مع وُجودِ الأبِ فكذلكَ مع عَدمِه كابنِ الأخِ، ولأنَّ كلَّ تَعصيبٍ لا يُفيدَ حَجْبَ الأخِ عن الميراثِ لم يُفِدْ في الإجبارِ كتَعصيبِ العُمومةِ، ولأنها وِلايةٌ تُملَكُ انتِقالًا لا ابتداءً، فلمْ يَملكَ بها الإجبارَ كسائرِ الوِلاياتِ (١).

стр. 8823

وقالَ الحَنابلةُ: ليسَ لغيرِ الأبِ إجبارُ كَبيرةٍ ولا تَزويجُ صغيرةٍ، جَدًّا كانَ أو غيرَه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نفْسِها، وإنْ سَكتَتْ فهو إذنُها، وإنْ أبَتْ فلا جوازَ عليها» رواه أبو داودَ والنَّسائيُّ، ورُويَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ زوَّجَ ابنَ عُمرَ ابنةَ أخيهِ عُثمانَ، فرُفعَ ذلكَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: «إنَّها يَتيمةٌ، ولا تُنكَحُ إلا بإذنِها»، واليَتيمةُ الصَّغيرةُ التي ماتَ أبوها، ونحو ذلكَ ممَّا يَقتضِي أنَّ اليَتيمةَ لا تُزوَّجُ إلا بعدَ الإذنِ، وهو يَدلُّ بطَريقِ التنبيهِ على أنَّ البالِغةَ لا تُزوَّجُ إلا بعدَ الإذنِ، إذا تقرَّرَ هذا فالطِّفلةُ لا إذنَ لها بالاتِّفاقِ، وإذَنْ يَمتنعُ تَزويجُها لفَواتِ الشَّرطِ. ولأنَّ غيرَ الأبِ قاصِرُ الشَّفقةِ، فلا يَلي نكاحَ الصَّغيرةَ كالأجنبيِّ، وغيرُ

стр. 8824

الجَدِّ لا يَلي مالَها، فلا يَستبدُّ بنكاحِها كالأجنبيِّ، ولأنَّ الجَدَّ يلي بوِلايةِ غيرِه، فأشبَهَ سائِرَ العصَباتِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنه يُدلِي بغيرِ واسِطةٍ ويُسقِطُ الإخوَةَ والجَدَّ ويَحجبُ الأمَّ عن ثُلثِ المالِ إلى ثُلثِ الباقِي في زَوجٍ وأبوَينِ أو زَوجةٍ وأبوَينِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا بلَغَتِ الجاريةُ تِسعَ سِنينَ ففيها رِوايتانِ: إحداهُما: أنها كمَنْ لم تَبلغْ تِسعًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حَنيفةَ وسائرِ الفُقهاءِ، قالُوا: حُكمُ بنتِ تِسعِ سِنينَ حُكمُ بنتِ ثَمانٍ؛ لأنها غيرُ بالِغةٍ، ولأنَّ إذنَها لا يُعتبَرُ في سائرِ التصرُّفاتِ، فكذلكَ في النكاحِ. والرِّوايةُ الثانيةُ: حُكمُها حُكمُ البالغةِ، نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ منصورٍ؛ لمَفهومِ الآيةِ ودَلالةِ الخبَرِ بعُمومِها على أنَّ اليَتيمةَ تُنكَحُ بإذنها، وإنْ أبَتْ فلا جَوازَ عليها، وقد انتفَى به الإذنُ فيمَن دُونَها، فيَجبُ حَملُه على مَنْ بلَغَتْ تِسعًا، وقد رَوى الإمامُ أحمدُ بإسنادِه عن عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «إذا بلغَتِ الجارِيةُ تِسعَ سِنينَ فهي امرأةٌ»، ورواهُ القاضي بإسنادِه عن ابنِ عُمرَ عن النبيِّ ﷺ بمعناهُ في حُكمِ المرأةِ، ولأنها بلَغَتْ سِنًّا يُمكِنُ فيه حيضُها ويَحدثُ لها حاجةٌ إلى النكاحِ، فيُباحُ تزويجُها كالبالغةِ. فعَلى هذا إذا زوِّجَتْ ثم بلَغَتْ لم يكنْ لها خِيارٌ كالبالغة إذا زوِّجَتْ، وقد خطَبَ عُمرُ ﵁ أمَّ كُلثومٍ ابنةَ أبي بكرٍ بعدَ مَوتهِ إلى عائشةَ

стр. 8825

﵂ فأجابَتْه وهي لدُونِ عَشرٍ؛ لأنها إنَّما وُلدَتْ بعد موتِ أبيها، وإنما كانَتْ ولايةُ عُمرَ عَشرًا، فكَرهَتْه الجاريةُ، فتزوَّجَها طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ، ولم يُنكِرْه مُنكِرٌ، فدَلَّ ذلكَ على اتِّفاقِهم على صِحةِ تزويجِها قبلَ بُلوغِها بولايةِ غيرِ أبيها، واللهُ أعلَمُ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ لغيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ تَزويجُ الصغيرِ والصغيرةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] الآيَة، معناهُ: في نِكاحِ اليَتامَى، وإنما يَتحقَّقُ هذا الكَلامُ إذا كانَ يجوزُ نكاحِ اليتيمةِ، وقد نُقلَ عن عائشةَ ﵂ في تأويلِ الآيةِ أنها نزَلَتْ في يَتيمةٍ تكونُ في حِجرِ وَليِّها يَرغبُ في مالِها وجمالِها ولا يُقسِطُ في صَداقَها، فنُهُوا عن نكاحِهنَّ حتَّى يَبلغُوا بهنَّ أعلَى سُنتِهنَّ في الصَّداقِ، وقالَتْ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] أنها نزَلتْ في يتيمةٍ تكونُ في حِجرِ وليِّها ولا يُرغَبُ في نكاحِها لدَمامتِها، ولا يُزوِّجُها مِنْ غيرِه كَيلا يُشارِكَه في مالها، فأنزَلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ، فأمَرَ الأولياءَ بتزوُّجِ اليتامَى أو بتزويجِهنَّ مِنْ غيرِهم، فذلكَ دليلٌ على جوازِ تزويجِ اليتيمةِ، وزوَّجَ رَسولُ اللهِ ﷺ بنتَ عمِّه حَمزةَ ﵁ مِنْ عُمرَ بنِ أبي سَلمةَ ﵁ وهي صَغيرةٌ، والآثارُ في جوازِ ذلكَ مَشهورةٌ عن عُمرَ وعليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ رِضوانُ اللهِ عليهم.
следующие страницы →