فأمَّا الآيةُ فتُحمَلُ على إنكاحِها قبلَ اليُتمِ أو على إنكاحِ الجَدِّ؛ لأنَّ اليُتمَ يكونُ بموتِ الأبِ وإنْ كانَ الجَدُّ باقيًا (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ لغيرِ الأبِ إجبارُ الصَّغيرةِ على النِّكاحِ؛ لِما رواهُ الدَّارقطنيُّ في سُننِه عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «زوَّجَنِي خالِي قُدامةُ بنُ مَظعونٍ بنتَ أخيهِ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، فدخَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ على أمِّها فأرغَبَها في المالِ وخطَبَها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ ﷺ فقالَ قُدامةُ: يا رسولَ اللَّهِ ابنةُ أخي وأنا وَصيُّ أبيها ولم أقصِّرْ بها، زوَّجْتُها مَنْ قدْ عَلِمتُ فَضلَه وقَرابتَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّها يَتيمةٌ، واليَتيمةُ أَولَى بأمرِها»، فنُزِعتْ مِنِّي وزوَّجَها المُغيرةَ بنَ شُعبةَ (٢)، فناطَ الحُكمَ ذلكَ باليُتمِ وفسَخَ نكاحَها.
ولِما رواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ليس للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأْمَرُ، وصَمتُها إقرارُها» (٣)، فعَمَّ، ولأنَّ الصَّغيرةَ ممَّن لا إذنَ لها، فلمْ يَجُزِ العقدُ عليها إلا بعدَ بُلوغِها، ولأنَّ غيرَ الأبِ لا يتصرَّفُ في مالِها فكذلكَ بُضعها.
стр. 8822
قالَ المالِكيةُ: ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ التصرُّفَ في مالِها بنفسِه لا يَملكُ إجبارَها على النكاحِ كالأجنَبيِّ، ولأنَّ كُلَّ مَنْ لم يَكنْ له إجبارُها بعدَ البلوغِ لم يَكنْ له إجبارُها قبلَه كالخالِ، ولأنها ليسَتْ ولَدًا له تُنسَبُ إليه على وجهٍ كالخالِ.
ولأنَّ الجَدَّ عصَبةٌ يَحجبُه الأبُ كالأخِ، ولأنه عَصبةٌ يَسقطُ مِنْ تَمليكِ الإجبارِ، فلمْ يَملكِ هو الإجبارَ كالعَمِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ الإجبارَ مع وُجودِ الأبِ فكذلكَ مع عَدمِه كابنِ الأخِ، ولأنَّ كلَّ تَعصيبٍ لا يُفيدَ حَجْبَ الأخِ عن الميراثِ لم يُفِدْ في الإجبارِ كتَعصيبِ العُمومةِ، ولأنها وِلايةٌ تُملَكُ انتِقالًا لا ابتداءً، فلمْ يَملكَ بها الإجبارَ كسائرِ الوِلاياتِ (١).
стр. 8823
وقالَ الحَنابلةُ: ليسَ لغيرِ الأبِ إجبارُ كَبيرةٍ ولا تَزويجُ صغيرةٍ، جَدًّا كانَ أو غيرَه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نفْسِها، وإنْ سَكتَتْ فهو إذنُها، وإنْ أبَتْ فلا جوازَ عليها» رواه أبو داودَ والنَّسائيُّ، ورُويَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ زوَّجَ ابنَ عُمرَ ابنةَ أخيهِ عُثمانَ، فرُفعَ ذلكَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: «إنَّها يَتيمةٌ، ولا تُنكَحُ إلا بإذنِها»، واليَتيمةُ الصَّغيرةُ التي ماتَ أبوها، ونحو ذلكَ ممَّا يَقتضِي أنَّ اليَتيمةَ لا تُزوَّجُ إلا بعدَ الإذنِ، وهو يَدلُّ بطَريقِ التنبيهِ على أنَّ البالِغةَ لا تُزوَّجُ إلا بعدَ الإذنِ، إذا تقرَّرَ هذا فالطِّفلةُ لا إذنَ لها بالاتِّفاقِ، وإذَنْ يَمتنعُ تَزويجُها لفَواتِ الشَّرطِ.
ولأنَّ غيرَ الأبِ قاصِرُ الشَّفقةِ، فلا يَلي نكاحَ الصَّغيرةَ كالأجنبيِّ، وغيرُ
стр. 8824
الجَدِّ لا يَلي مالَها، فلا يَستبدُّ بنكاحِها كالأجنبيِّ، ولأنَّ الجَدَّ يلي بوِلايةِ غيرِه، فأشبَهَ سائِرَ العصَباتِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنه يُدلِي بغيرِ واسِطةٍ ويُسقِطُ الإخوَةَ والجَدَّ ويَحجبُ الأمَّ عن ثُلثِ المالِ إلى ثُلثِ الباقِي في زَوجٍ وأبوَينِ أو زَوجةٍ وأبوَينِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا بلَغَتِ الجاريةُ تِسعَ سِنينَ ففيها رِوايتانِ:
إحداهُما: أنها كمَنْ لم تَبلغْ تِسعًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حَنيفةَ وسائرِ الفُقهاءِ، قالُوا: حُكمُ بنتِ تِسعِ سِنينَ حُكمُ بنتِ ثَمانٍ؛ لأنها غيرُ بالِغةٍ، ولأنَّ إذنَها لا يُعتبَرُ في سائرِ التصرُّفاتِ، فكذلكَ في النكاحِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: حُكمُها حُكمُ البالغةِ، نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ منصورٍ؛ لمَفهومِ الآيةِ ودَلالةِ الخبَرِ بعُمومِها على أنَّ اليَتيمةَ تُنكَحُ بإذنها، وإنْ أبَتْ فلا جَوازَ عليها، وقد انتفَى به الإذنُ فيمَن دُونَها، فيَجبُ حَملُه على مَنْ بلَغَتْ تِسعًا، وقد رَوى الإمامُ أحمدُ بإسنادِه عن عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «إذا بلغَتِ الجارِيةُ تِسعَ سِنينَ فهي امرأةٌ»، ورواهُ القاضي بإسنادِه عن ابنِ عُمرَ عن النبيِّ ﷺ بمعناهُ في حُكمِ المرأةِ، ولأنها بلَغَتْ سِنًّا يُمكِنُ فيه حيضُها ويَحدثُ لها حاجةٌ إلى النكاحِ، فيُباحُ تزويجُها كالبالغةِ.
فعَلى هذا إذا زوِّجَتْ ثم بلَغَتْ لم يكنْ لها خِيارٌ كالبالغة إذا زوِّجَتْ، وقد خطَبَ عُمرُ ﵁ أمَّ كُلثومٍ ابنةَ أبي بكرٍ بعدَ مَوتهِ إلى عائشةَ
стр. 8825
﵂ فأجابَتْه وهي لدُونِ عَشرٍ؛ لأنها إنَّما وُلدَتْ بعد موتِ أبيها، وإنما كانَتْ ولايةُ عُمرَ عَشرًا، فكَرهَتْه الجاريةُ، فتزوَّجَها طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ، ولم يُنكِرْه مُنكِرٌ، فدَلَّ ذلكَ على اتِّفاقِهم على صِحةِ تزويجِها قبلَ بُلوغِها بولايةِ غيرِ أبيها، واللهُ أعلَمُ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ لغيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ تَزويجُ الصغيرِ والصغيرةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] الآيَة، معناهُ: في نِكاحِ اليَتامَى، وإنما يَتحقَّقُ هذا الكَلامُ إذا كانَ يجوزُ نكاحِ اليتيمةِ، وقد نُقلَ عن عائشةَ ﵂ في تأويلِ الآيةِ أنها نزَلَتْ في يَتيمةٍ تكونُ في حِجرِ وَليِّها يَرغبُ في مالِها وجمالِها ولا يُقسِطُ في صَداقَها، فنُهُوا عن نكاحِهنَّ حتَّى يَبلغُوا بهنَّ أعلَى سُنتِهنَّ في الصَّداقِ، وقالَتْ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] أنها نزَلتْ في يتيمةٍ تكونُ في حِجرِ وليِّها ولا يُرغَبُ في نكاحِها لدَمامتِها، ولا يُزوِّجُها مِنْ غيرِه كَيلا يُشارِكَه في مالها، فأنزَلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ، فأمَرَ الأولياءَ بتزوُّجِ اليتامَى أو بتزويجِهنَّ مِنْ غيرِهم، فذلكَ دليلٌ على جوازِ تزويجِ اليتيمةِ، وزوَّجَ رَسولُ اللهِ ﷺ بنتَ عمِّه حَمزةَ ﵁ مِنْ عُمرَ بنِ أبي سَلمةَ ﵁ وهي صَغيرةٌ، والآثارُ في جوازِ ذلكَ مَشهورةٌ عن عُمرَ وعليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ رِضوانُ اللهِ عليهم.
стр. 8826
والمعنَى فيه أنه وَليُّها بعدَ البلوغِ، فيكونُ وليًّا لها في حالِ الصِّغرِ كالأبِ والجَدِّ؛ وهذا لأنَّ تَأثيرَ البلوغِ في زوالِ الولايةِ، فإذا جُعلَ هو وليًّا بعدَ بُلوغِها بهذا السَّببِ عَرفْنا أنه وليُّها في حالِ الصِّغرِ، وبه فارَقَ المالَ؛ لأنه لا يَستفيدُ الولايةَ بهذا السَّببِ في المالِ بحالٍ، وكانَ المعنَى فيه أنَّ المالَ تَجرِي فيه الجِناياتُ الخَفيةُ، وهذا الوليُّ قاصِرُ الشَّفقةِ، فربَّما يَحملُه ذلكَ على تَركِ النظرِ لها، فأمَّا الجِنايةُ في النفسِ مِنْ حيثُ التَّقصيرُ في المهرِ والكَفاءةِ، وذلكَ ظاهِرٌ يُوقَفُ عليه إنْ فعَلَه يُرَدُّ عليهِ تصرُّفُه، ولأنه لا حاجةَ إلى إثباتِ الولايةِ لهؤلاءِ في المالِ؛ فإنَّ الوَصيَّ يتصرُّفُ في المالِ، والأبُ مُتمكِّنٌ مِنْ نَصبِ الوَصيِّ، وباعتِبارِه تَنعدمُ حاجتُها، فأما التصرُّفُ في النفسِ لا يَحتملُ الإيصاءَ إلى الغيرِ، فلهذا يَثبتُ للأولياءِ بطَريقِ القيامِ مَقامَ الآباءِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أبو الخطَّابِ: وقد نَقلُ عبدُ اللهِ عن أبيه كقَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الله تعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فمَفهومُه أنه إذا لم يَخَفْ، فله تَزويجُ اليَتيمةِ واليتيمِ مَنْ لم يَبلغْ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُتْمَ بعدَ احتِلامٍ»، قالَ عُروةُ: سألْتُ عائشةَ عن قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] فقالَتْ: «يا ابنَ أُختِي هذه اليَتيمةُ تكونُ في حِجرِ وليِّها فيَشركُها في
стр. 8827
مالِها، ويُعجبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ أنْ يتزوَّجَها بغيرِ أنْ يُقسِطَ في صَداقِها، فيُعطيها مِثلَ ما يُعطِيها غيرُه، فنُهُوا عن نِكاحِهنَّ إلا أنْ يُقسِطُوا فيهنَّ ويَبلغُوا أعلَى سُنَّتهنَّ في الصداقِ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه وليٌّ في النكاحِ، فملَكَ التزويجَ كالأبِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا هل يُزوِّجُ الصغيرةَ غيرُ الأبِ أم لا؟
فقالَ الشافعيُّ: يزوِّجُها الجَدُّ أبو الأبِ والأبُ فقط.
وقالَ مالكٌ: لا يزوِّجُها إلا الأبُ فقط أو مَنْ جعَلَ الأبُ له ذلكَ إذا عيَّنَ الزوجَ، إلَّا أنْ يُخافَ عليها الضَّيعةُ والفِسادُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يزوِّجُ الصغيرةَ كلُّ مَنْ له عليها وِلايةٌ مِنْ أبٍ وقَريبٍ وغيرِ ذلكَ، ولها الخِيارُ إذا بلَغَتْ.
وسَببُ اختِلافِهم مُعارَضةُ العُمومِ للقياسِ، وذلكَ أنَّ قولَه ﵊: «والبِكرُ تُستأْمَرُ، وإذنُها صُماتُها» يقتضِي العُمومَ في كلِّ بِكرٍ، إلا ذاتَ الأبِ التي خصَّصَها الإجماعُ، إلا الخِلافَ الذي ذكَرْناه، وكَونُ سائرِ الأولياءِ مَعلومًا منهم النظرُ والمَصلحةُ لوَليَّتهم يُوجِبُ أنْ يُلحَقُوا بالأبِ في هذا المَعنى، فمِنهم مَنْ ألحَقَ به جَميعَ الأولياءِ، ومنهم مَنْ ألحَقَ به الجَدَّ فقط؛ لأنه في معنى الأبِ؛ إذ كانَ أبًا أعلى، وهو الشافعيُّ، ومَن قصَرَ ذلك على الأبِ رَأى أنَّ ما للأبِ في ذلكِ غيرُ مَوجودٍ لغيرِه؛ إمَّا
стр. 8828
مِنْ قِبلِ أنَّ الشرعَ خَصَّه بذلكَ، وإمَّا مِنْ قِبلِ أنَّ ما يُوجَدُ فيه مِنْ الرَّأفةِ والرَّحمةِ لا يُوجَدُ في غيرِه، وهو الذي ذهَبَ إليه مالِكٌ ﵁، وما ذهَبَ إليه أظهَرُ واللهُ أعلَمُ، إلَّا أنْ يكونَ هناكَ ضَرورةٌ.
وقد احتَجَّ الحَنفيةُ بجوازِ إنكاحِ الصِّغارِ غيرُ الآباءِ بقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، قالَ: واليتيمُ لا يَنطلقُ إلا على غيرِ البالغةِ.
والفَريقُ الثَّاني قالُوا: إنَّ اسمَ اليتيمِ قد يَنطلقُ على بالِغةٍ، بدليلِ قولِه ﵊: «تُستأْمَرُاليتيمةُ»، والمُستأمَرةُ هي مِنْ أهلِ الإذنِ وهي البالِغةُ، فيكونُ لاختِلافِهم سَببٌ آخَرُ وهو اشتِراكُ اسمِ اليَتيمِ، وقد احتَجَّ أيضًا مَنْ لم يُجِزْ نكاحَ غيرِ الأبِ لها بقولِه ﵊: «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها» (١)، قالُوا: والصغيرةُ ليسَتْ مِنْ أهلِ الاستِئْمارِ باتِّفاقٍ، فوجَبَ المنعُ، ولِأولئكَ أنْ يقولُوا: إنَّ هذا حُكمُ اليتيمةِ التي هي مِنْ أهلِ الاستِئمارِ، وأمَّا الصغيرةُ فمَسكوتٌ عنها (٢).
هل يَثبتُ الخِيارُ للصَّغيرةِ إذا بلَغَتْ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الصغيرةِ -وكذا الصَّغير- إذا زوَّجَها أبوها وهي صَغيرةٌ، هل يَثبتُ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه
стр. 8829
لا يَثبتُ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ؛ لِما ثبَتَ في الصَّحيحينِ «أنَّ أبَا بكرٍ ﵁ زوَّجَ ابنتَه عائِشةَ ﵂ وهي صَغيرةٌ»، ولأن رَسولَ الله ﷺ لم يُخيِّرْها، ولو كانَ الخِيارُ ثابتًا لها لخيَّرَها كما خيَّرَ عندَ نُزولِ آيةِ التَّخييرِ حتَّى قالَ لعائِشةَ: «إني أَعرِضُ عليكِ أمرًا فلا تُحدِثِي فيه شَيئًا حتَّى تَستشيرِي أبوَيكِ، ثمَّ تَلا عليها قولَه تعالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فقالَتْ: أَفِي هذا أَستشيرُ أبوَيَّ؟! أنا أختَارُ اللهَ تعالى ورَسولَه»، ولمَّا لم يُخيِّرْها هُنا دَلَّ أنه لا خِيارَ للصَّغيرةِ إذا بلَغَتْ وقد زوَّجَها أبوها.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: وذكَرَ ابنُ سِماعةَ رَحمَه اللهُ تعالَى ذكَرَ فيه قِياسًا واستِحسانًا، قالَ: في القِياسِ يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنه عقَدَ عليها عقدًا يَلزمُها تَسليمُ النَّفسِ بحُكمِ ذلكَ العقدِ بعدَ زوالِ ولايةِ الأبِ، فيَثبتُ لها الخيارُ كما لو زوَّجَها أخوها.
ولكنَّا نَقولُ: ترَكْنا القِياسَ للحَديثِ، ولأنَّ الأبَ وافِرُ الشَّفقةِ يَنظرُ لها فوقَ ما يَنظرُ لنفسِه، ومع وُفورِ الشَّفقةِ هو تامُّ الولايةِ؛ فإنَّ وِلايتَه تَعمُّ المالَ والنَّفسَ جَميعًا، فلهذا لا يَثبتُ لها الخِيارُ في عَقدِه، وليسَ النكاحُ كالإجارةِ؛ لأنَّ إجارةَ النَّفسِ ليسَتْ مِنْ المَصالحِ وَضعًا، بل هو كَدٌّ وتعَبٌ، وإنما تَثبتُ الولايةُ فيه على الصغيرِ لِحاجتِه إلى التأدُّبِ وتَعلُّمِ الأعمالِ، وذلك يَزولُ بالبلوغِ، فلهذا أثبَتْنا لها الخيارَ (١).
стр. 8830
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَ ابنتَه الصَّغيرةَ ولا يُشاورَها؛ لتَزويجِ رسولِ اللهِ ﷺ عائِشةَ وهي بِنتُ سِتِّ سِنينَ، إلا أنَّ العِراقيينَ قالُوا: لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ، وأبى ذلكَ أهلُ الحِجازِ، ولا حُجةَ مع مَنْ جعَلَ لها الخِيارَ عندِي، واللهُ أعلَمُ.
قالَ أبو قُرَّةَ سألْتُ مالِكًا عن قولِ النبيِّ ﵇: «والبِكرُ تُستأذَنُ في نفسِها»، أيُصيبُ هذا القولُ الأبَ؟ قالَ: لا، لم يُعْنَ الأبَ بهذا، إنما عُنِيَ به غيرُ الأبِ، قالَ: وإنكاحُ الأبِ جائزٌ على الصغارِ مِنْ ولَدِه، ذكَرَا كانَ أو أُنثى، قالَ: ولا يُنكِحُ الجاريةَ الصغيرةَ أحَدٌ مِنْ الأولياءِ غيرُ الأبِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلمونَ على جوازِ تزويجِه بنتَه البكرَ الصَّغيرةَ؛ لهذا الحَديثِ -أي حَديث عائِشةَ-، وإذا بلَغَتْ فلا خِيارَ لها في فَسخِه عندَ مالكٍ والشافعيِّ وسائرِ فُقهاءِ الحِجازِ، وقالَ أهلُ العِراقِ: لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ (٢).
وأمَّا إذا زوَّجَها غيرُ الأبِ فلا يَجوزُ عندَ الجُمهورِ، وكذا الجَدُّ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ خِلافًا للشَّافعيةِ، وعندَ أبي حَنيفةَ: يَجوزُ لسائرِ الأولياءِ، ويَثبتُ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ (٣).
стр. 8831
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تكونَ بالِغةً بِكرًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في البِكرِ البالِغةِ العاقِلةِ، هلْ يجوزُ للأبِ إجبارُها على النكاحِ بغيرِ إذنِها كالصغيرةِ؟ أم لا يَجوزُ إلا برِضاها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ للأبِ أنْ يُجبِرَ ابنتَه الكبيرةَ البِكرَ على النكاحِ إذا زوَّجَها مِنْ كُفءٍ ولمْ يَكنْ ضَررًا بَيِّنًا، ومعنَى الإجبارِ أنْ يُباشِرَ العقدَ فيَنفذَ عليها شاءَتْ أو أبَتْ؛ وذلكَ لأنه لمَّا كانَ له أنْ يُزوِّجَها وهي صغيرةٌ كانَ له أنْ يُزوِّجَها وهي كبيرةٌ إذا كانَتْ بِكرًا؛ لأنَّ العلَّةَ البُكورةُ؛ لأنَّ الأبَ ليسَ كسائرِ الأولياءِ، بدليلِ تصرُّفهِ في مالِها ونَظرِه لها وأنه غيرُ مُتَّهَمٍ عليها، ولو لمْ يَجُزْ له أنْ يزوِّجَها وهي بكرٌ بالِغٌ إلا بإذنِها ما جازَ له أنْ يزوِّجَها صغيرةً، كما أنَّ غيرَ الأبِ لمَّا لمْ يَكنْ له أنْ يُزوِّجَها بِكرًا بالغًا إلا بإذنِها لم يَكنْ له أنْ يزوِّجَها صغيرةً، فلو احتِيجَ إلى إذنِها في الأبِ ما زوَّجَها حتَّى تكونَ مِمَّنْ لها الإذنُ بالبلوغِ، فلمَّا أجمَعُوا على أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَها صغيرةً وهي لا إذنَ لها صَحَّ بذلكَ أنَّ له أنْ يزوِّجَها بغير إذنِها كائِنةً ما كانَتْ بكرًا؛ لأنَّ الفرقَ إنما ورَدَ بينَ الثيِّبِ والبكرِ على ما في الحديثِ.
ومِن حُجَّتِهم أيضًا قولُه ﷺ : «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سكَتَتْ فقدْ أَذنَتْ، وإنْ أنكَرَتْ لم تُكرَهْ» (١)، فقولُه ﷺ : «تُستأْمَرُ
стр. 8832
اليتيمةُ» دَليلٌ على أنَّ غيرَ اليتيمةِ لا تُستأمَرُ، فتُنكَحُ بغير إذنِها، وهي البكرُ ذاتُ الأبِ، بدليلِ قولِه ﷺ : «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها»، ففرَّقَ بتَسميتِه إيَّاها يَتيمةً بينَها وبينَ مَنْ لها أبٌ، فإذا كانَتْ ثيِّبًا فيَلزمُ الأبَ مُؤامَرتُها، ولا يجوزُ نكاحُه عليها بغيرِ إذنها، وإذا كانَتْ بكرًا جازَ له إجبارُها.
وكذلكَ قولُه ﷺ : «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها» فيه دَليلٌ على أنَّ البكرَ وليُّها أحَقُّ منها، وهو الأبُ.
وقد ساوَى رسولُ اللهِ ﷺ بينَ البكرِ والثيِّبِ في مُشاوَرتِهما في أنفُسِهما، ولم يُفرِّقْ بينَهما إلا في الجَوابِ بالرِّضا، فإنه جعَلَ جوابَ البكرِ بالرِّضا في صُماتِها؛ لاستِحيائِها، وجعَلَ جوابَها بالكراهةِ لذلكَ في الكلامِ؛ لأنه لا حَياءَ عليها في كَراهيتِها كما يكونُ الحَياءُ في رِضاها، ولم يُلزِمْ رسولُ اللهِ ﷺ الثيِّبَ الرِّضا بالصُّماتِ حتَّى تَتكلَّمَ بالرِّضا؛ لمُفارَقتِها في الحياءِ حالَ البكرِ لِما تَقدَّمَ مِنْ نكاحِها، فقولُ النبيِّ ﷺ : «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ تُستأْذَنُ في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها»، وفي لفظٍ قالَ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ ولِيِّها، والبِكرُ تُستأْمَرُ، وإذنُها سُكوتُها» (١)، فإنه لمَّا جعَلَ الثيِّبَ أحَقَّ بنفسِها مِنْ وَليِّها عُلِمَ أنَّ وليَّ البكرِ أحَقُّ بها مِنْ نَفسِها؛ لأنه لمَّا قسَمَ النِّساءَ قِسمَينِ وأثبَتَ الحقَّ لأحَدِهما دَلَّ على نَفيِه عن الآخَرِ وهي البكرُ، فيكونُ وَليُّها أحقَّ منها بها،
стр. 8833
ودَلَّ الحديثُ على الاستئْمارِ هاهُنا، والاستِئذانُ مُستحَبُّ في حديثِهم ليسَ بوَاحبٍ؛ استِطابةً للنَّفسِ؛ لأنه لو كانَ مَحمولًا على الوجوبِ لَصارَتْ أحَقَّ بنَفسِها مِنْ وليِّها كالثَّيبِ، وكما رَوى ابنُ عمرَ ﵄ عن رسولِ اللهِ ﷺ : «آمِرُوا النِّساءَ في بَناتِهنَّ» (١).
ولأنهُ لا يَفتقرُ إلى نُطقِها في عَقدِ نكاحِها معَ القُدرةِ عليهِ كالصَّغيرةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ جازَ له قَبضُ صَداقِها بعد رَضاها جازَ له عَقدُ نكاحِها بغيرِ رِضاها كالأمَةِ وكالبكرِ الصغيرةِ؛ ولأنَّ ما استُحقَّ بالولايةِ في نكاحِ الصَّغيرةِ استُحقَّ بالولايةِ في نكاحِ الكبيرةِ؛ قياسًا على طَلبِ الكَفاءةِ، ولأنه لو لم يَكنْ له تزويجُها جَبرًا في الكِبَرِ لَمَا كانَ له تفويتُ بُضعِها في الصِّغرِ.
ولأنَّ ولايةَ الأبِ ثابتةٌ عليها على المالِ عندَ المالكيةِ وإنْ بلَغَتْ، والنكاحُ مَبنيٌّ على ذلكَ، ولأنَّ كلَّ ولايةٍ يَملكُ بها إنكاحَ الصَّغيرةِ جازَ أنْ يَملكَ بها إنكاحَ الكبيرةِ كوِلايةِ الكَفاءةِ (٢).
стр. 8834
إلا أنَّ الشافِعيةَ قالوا: يُشترطُ لصِحةِ تزويجِ الأبِ لابنتِه بغيرِ إذنِها شُروطٌ:
الأوَّلُ: أنْ لا يكونَ بينَه وبينَها عَداوةٌ ظاهِرةٌ.
والثاني: أنْ لا يكونَ بينَها وبينَ الزَّوجِ عَداوةٌ ولَو خَفيَّةً.
والثالثُ: أنْ يزوِّجَها مِنْ كُفءٍ.
والرابعُ: أنْ يزوِّجَها بمَهرِ مثلِها.
والخامسُ: أنْ يكونَ مِنْ نَقدِ البلدِ.
والسادسُ: أنْ لا يكونَ الزوجُ مُعسِرًا بالمهرِ.
والسابعُ: أنْ لا يزوِّجَها بمَن تتضرَّرُ بمُعاشَرتِه، كأعمَى وشيخٍ هَرِمٍ.
والثامنُ: أنْ لا يكونَ قد وجَبَ عليها الحَجُّ، فإنَّ الزَّوجَ قد يَمنعُها؛ لِكَونِ الحجِّ على التراخِي، ولها غرَضٌ في تَعجيلِ بَراءةِ ذمِّتِها (١).
وهذا إنْ وضَعَها في كُفءٍ، وأمَّا إنْ وضَعَها في غيرِ كُفءٍ فنِكاحُها باطلٌ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في روايةٍ؛ لأنه لا يَجوزُ له تزويجُها مِنْ غيرِ كُفءٍ، فلمْ يَصحَّ كسائرِ الأنكِحةِ المُحرَّمةِ، ولأنه عقَدَ لمُولِّيتِه عقدًا لا حَظَّ لها فيه
стр. 8835
بغيرِ إذنِها، فلمْ يَصحَّ كبيعِه عقارَها مِنْ غيرِ غِبطةٍ ولا حاجةٍ أو بيعِه بدُونِ ثَمنِ مثلِه، ولأنه نائبٌ عنها شَرعًا، فلمْ يَصحَّ تصرُّفُه لها شرعًا بما لا حَظَّ لها فيه كالوكيلِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ عن أحمدَ: يَصحُّ؛ لأنه عَيبٌ في المَعقودِ عليه، فلمْ يَمنعِ الصِّحةَ كشراءِ المَعِيبِ الذي لا يُعلَمُ عيبُه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتملُ أنْ لا يَصحَّ النكاحُ إذا عَلِمَ أنَّ الزَّوجَ ليسَ بكُفءٍ، ويَصحُّ إذا لم يَعلمْ، ولأنه إذا عَلِمَ حَرُمَ عليهِ العقدُ، فبطَلَ لتحريمِه، بخِلافِ ما لم يَعلمْه، كما لو اشتَرى لها مَعِيبًا يَعلمُ عيبَه، ويُحتملُ أنْ يَصحَّ نكاحُ الكبيرةِ؛ لأنه يُمكِنُ استِدراكُ الضَّررِ بإثباتِ الخِيارِ لها فتَفسخُ إنْ كَرهَتْ، وإنْ لم تَفسخْ كانَ كإجازتِها وإذنِها؛ بخلافِ نكاحِ الصغيرةِ على القولِ بصِحتِهِ.
فإنْ كانَتْ كبيرةً فلها الخيارُ، ولا خيارَ لأبيها إذا كانَ عالِمًا؛ لأنه أسقَطَ حَقَّه برِضاهُ، وإنْ كانَتْ صغيرةً فعَليهِ الفَسخُ ولا يَسقطُ برِضاهُ؛ لأنه يَفسخُ لحَظِّها، وحَقُّها لا يَسقطُ برِضاهُ.
ويُحتملُ أنْ لا يكونَ له الفَسخُ، ولكنْ يَمنعُ الدُّخولَ عليها حتَّى تَبلغَ وتَختارَ، فإنْ كانَ لها وَليٌّ غيرُ الأبِ فلها الفَسخُ على ما مَضَى، وعلى كِلتَا الرِّوايتينِ فلا يَحلُّ له تَزويجُها مِنْ غيرِ كُفءٍ ولا مِنْ مَعيبٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقامَه مَقامَها ناظِرًا لها فيما فيه الحَظُّ لها ومُتصرِّفًا لها؛ لعَجزِها عن التصرُّفِ
стр. 8836
في نفسِها، فلا يَجوزُ له فِعلُ ما لا حَظَّ لها فيه كما في مالِها، ولأنه إذا حَرُمَ عليهِ التصرُّفُ في مالِها بما لا حَظَّ فيه ففِي نَفسِها أَولى (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والحسَنُ بنُ حَيٍّ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وأحمَدُ في روايةٍ اختارَها أبو بَكر ابنُ عبدِ العزيزِ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ إلى أنه لا يَجوزُ للأبِ إجبارُ البِكرِ البالِغةِ على النكاحِ.
واستَدلُّوا على ذلك بما يلي:
قَول النبيِّ ﷺ : «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» (٢)، والأيِّمُ هي
стр. 8837
الَّتي لا بَعْلَ لها، وقد تكونُ ثيِّبًا وبِكرًا، فكُلُّ أيِّمٍ على هذا إلا ما خصَّتْه السُّنةُ، ولم تَخُصَّ مِنْ ذلكَ إلا الصغيرةَ وحْدَها يزوِّجُها أبوها بغيرِ إذنِها؛ لأنه لا إذنَ لمِثلِها.
وقَول النبيِّ ﷺ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قال: أنْ تَسكُتَ» (١)، وظاهِرُ هذا الحَديثِ يقتضِي أنَّ البِكرَ لا يُنكِحُها وليُّها أبًا كانَ أو غيرَه حتَّى يَستأذِنَها ويَستأمِرَها، ولا يَستأذِنُ ولا يَستأمِرُ إلا البَوالِغَ، فهذا على عُمومِه في كلِّ بِكرٍ، إلَّا الصغيرةَ ذاتَ الأبِ، بدَليلِ قصَّةِ عائشةَ وإجماعِهم على أنَّ ذلكَ صَحيحٌ عنه ﷺ .
وكُلُّ مَنْ عقَدَ نكاحًا على غيرِ ما سَنَّه النبيُّ ﷺ فهو باطِلٌ،
стр. 8838
ودَلَّ الحَديثُ على أنَّ البكرَ إذا نُكحَتْ قبْلَ إذنِها بالصَّمتِ أنَّ النكاحَ باطلٌ، كما يَبطلُ نكاحُ الثيِّبِ قبلَ أنْ تُستأمَرَ.
ولأنَّ هذهِ الأحادِيثَ ورَدَتْ في الصِّحَاحِ بصِيغةِ الخبَرِ، والمُرادُ بها الأمرُ، وهو أقوَى وُجوهِ الأمرِ.
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ جارِيةً بِكرًا أتَتِ النبيَّ ﷺ فذكَرَتْ أنَّ أباها زوَّجَها وهيَ كارِهةٌ، فخَيَّرَها النبيُّ ﷺ » (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ جارِيةً بِكرًا أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: إنَّ أبي زوَّجَنِي وهي كارِهةٌ، فرَدَّ النبيُّ ﷺ نِكاحَها» (٢).
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵄: «أنَّ رَجلًا زوَّجَ ابنتَه وهي بِكرٌ مِنْ غَيرِ أمرِها، فأتَتِ النبيَّ ﷺ ففَرَّقَ بينَهُما»، وفي رواية: «فرَدَّ نكاحَها» (٣).
وعن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «إنَّ رَجلًا زوَّجَ ابنَتَه بِكرًا فكَرِهَتْ، فأتَتْ النبيَّ ﷺ فرَدَّ نِكاحَها» (٤).
وعن عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «جاءَتْ فَتاةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ
стр. 8839
فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبِي زوَّجَنِي ابنَ أخيهِ يَرفعُ بي خَسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالَتْ: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبِي، ولكنْ أرَدْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليسَ للآباءِ مِنْ الأمرِ شيءٌ» (١).
ولأنها جائِزةُ التصرُّفِ في مالِها، فلمْ يَجُزْ إجبارُها كالثيِّبِ والرجلِ، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ شَرعيةِ العَقدِ انتظامُ المَصالحِ بينَ الزوجَينِ؛ ليَحصلَ النَّسلُ ويَتربَّى بينَهُما، ولا يَتحقَّقُ هذا مع غايةِ المُنافَرةِ، فإذا عُرِفَ قيامُ سَببِ انتفاءِ المَقصودِ الشَّرعيِّ قبلَ الشُّروعِ وجَبَ أنْ لا يَجوزَ؛ لأنه حِينئذَ عقدٌ لا يَترتَّبُ عليه فائِدتُه ظاهِرًا، بخِلافِ ما إذا لم يَكنْ ذلكَ ظاهرًا ثمَّ يَطرأُ بعدَ العقدِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامُ ابنُ تَيميةَ ﵀: أمَّا إجبارُ الأبِ لابنتِه البكرِ البالِغةِ على النكاحِ ففيهِ قَولانِ مَشهورانِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ:
стр. 8840
(أحَدُهما): أنه يُجبِرُ البكرَ البالغَ، كما هو مَذهبُ مالكٍ والشافعيِّ، وهو اختيارُ الخِرقيِّ والقاضي وأصحابِه.
و (الثاني): لا يُجبِرُها، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ وغيرِه، وهو اختيارُ أبي بكرٍ عبدِ العَزيزِ بنِ جَعفرَ، وهذا القَولُ هو الصَّوابُ.
والناسُ مُتنازِعونَ في (مَناطِ الإجبارِ)، هل هو البَكارةُ أو الصِّغرُ أو مَجموعُها أو كلٌّ مِنهُما؟ على أربعةِ أقوالٍ في مَذهبِ أحمَدَ وغيرِه.
والصَّحيحُ أنَّ مَناطَ الإجبارِ هو الصِّغَرُ، وأنَّ البكرَ البالغَ لا يُجبِرُها أحَدٌ على النكاحِ؛ فإنه قد ثبَتَ في الصَّحيحِ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، ولا الثَّيبُ حتَّى تُستأمَرَ»، فقِيلَ له: إنَّ البِكرَ تَستحِي، فقالَ: «إذنُها صُماتُها» (١)، وفي لفظٍ في الصَّحيحِ: «البِكرُ يَستأذِنُها أبوها» (٢)، فهذا نهيُ النبيِّ لا تُنكَحُ حتَّى تُستأذَنَ، وهذا يَتناوَلُ الأبَ وغيرَه، وقد صرَّحَ بذلكَ في الروايةِ الأُخرى الصَّحيحةِ، وأنَّ الأبَ نفْسَه يَستأذِنُها.
وأيضًا: فإنَّ الأبَ ليسَ له أنْ يتصرَّفَ في مالِها إذا كانَتْ رَشيدةً إلَّا بإذنِها، وبُضعُها أعظَمُ مِنْ مالِها، فكيفَ يجوزُ أنْ يتصرَّفَ في بُضعِها معَ كَراهتِها ورُشدِها؟!
وأيضًا: فإنَّ الصِّغرَ سَببُ الحَجرِ بالنَّصِّ والإجماعِ، وأمَّا جَعلُ البَكارةِ
стр. 8841
مُوجِبةً للحَجرِ فهذا مُخالِفٌ لأصولِ الإسلامِ؛ فإنَّ الشَّارعَ لم يَجعلِ البَكارةَ سَببًا للحَجرِ في مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ المُجمَعِ عليها، فتَعليلُ الحَجرِ بذلكَ تَعليلٌ بوَصفٍ لا تأثيرَ له في الشرعِ.
وأيضًا: فإنَّ الذينَ قالُوا بالإجبارِ اضْطَربُوا فيما إذا عيَّنَتْ كُفؤًا وعيَّنَ الأبُ كُفؤًا آخَرَ، هل يُؤخَذُ بتَعيينِها أو بتَعيينِ الأبِ؟ على وجهَينِ في مَذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ، فمَن جعَلَ العِبرةَ بتَعيينِها نقَضَ أصْلَه، ومَن جعَلَ العِبرةَ بتَعيينِ الأبِ كانَ في قَولِه مِنْ الفَسادِ والضَّررِ والشَّرِّ ما لايَخفَى؛ فإنه قد قالَ النبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ تُستأذَنُ، وإذنُها صُماتُها»، وفي رِوايةٍ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وليِّها»، فلمَّا جعَلَ الثيِّبَ أحَقَّ بنفسِها دَلَّ على أنَّ البِكرَ ليسَتْ أحَقَّ بنَفسِها، بل الوَليُّ أحَقُّ، وليسَ ذلكَ إلا للأبِ والجَدِّ، هذهِ عُمدَةُ المُجبِرينَ، وهُمْ ترَكُوا العمَلَ بنَصِّ الحَديثِ وظاهِرِه، وتَمسَّكُوا بدَليلِ خِطابِه ولم يَعلمُوا مُرادَ الرَّسولِ ﷺ ، وذلكَ أنَّ قولَه: «الأيِّمُ أحَقِّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» يَعمُّ كلَّ وَليِّ، وهُمْ يَخصُّونَه بالأبِ والجَدِّ.
(والثَّاني): قولُه: «والبِكرُ تُستأذَنُ»، وهُمْ لا يُوجِبونَ استِئذانِها، بل قالُوا: هو مُستحَبٌّ، حتَّى طرَدَ بعضُهم قياسَه، وقالُوا: لمَّا كانَ مُستحَبًّا اكتَفَى فيه بالسُّكوتِ، وادَّعى أنه حَيثُ يجبُ استِئذانُ البكرِ فلا بُدَّ مِنْ النُّطقِ، وهذا قالَه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ وأحمَدَ، وهذا مُخالِفٌ لإجماعِ
стр. 8842
المُسلمينَ قبْلَهم ولنُصوصِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ فإنه قد ثبَتَ بالسُّنةِ الصَّحيحةِ المُستَفيضةِ واتِّفاقِ الأئمَّةِ قبلَ هؤلاءِ أنه إذا زوَّجَ البِكرَ أخوها أو عَمُّها فإنهُ يَستأذِنُها، وإذنُها صُماتُها.
وأمَّا المَفهومُ فالنبيُّ ﷺ فرَّقَ بينَ البكرِ والثيِّبِ كما قالَ في الحديثِ الآخَرِ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتَّى تُستأمَرَ»، فذكَرَ في هذه لفْظَ «الإذنِ» وفي هذهِ لفْظَ «الأمرِ» وجعَلَ إذنَ هذهِ الصُّماتُ كما أنَّ إذنَ تلكَ النُّطقُ، فهذانِ هُما الفَرقانِ اللَّذانِ فرَّقَ بهما النبيُّ ﷺ بينَ البكرِ والثيِّبِ، لم يُفرِّقْ بينَهُما في الإجبارِ وعدمِ الإجبارِ؛ وذلكَ لأنَّ (البِكرَ) لمَّا كانَتْ تَستحِي أنْ تتكلَّمَ في أمرِ نكاحِها لم تُخطَبْ إلى نَفسِها، بل تُخطَبُ إلى وَليِّها، ووَليُّها يَستأذِنُها فتأذَنُ له، لا تأمُرُه ابتِداءً، بل تأذَنُ له إذا استأذَنَها، وإذنُها صُماتُها، وأمَّا الثيِّبُ فقدْ زالَ عنها حَياءُ البكرِ، فتَتكلَّمُ بالنكاحِ فتُخطَبُ إلى نَفسِها وتَأمرُ الوليَّ أنْ يزوِّجَها، فهي آمِرةٌ له وعليه أنْ يُعطيَها فيُزوِّجَها مِنْ الكُفؤِ إذا أمَرَتْه بذلكَ، فالوليُّ مأمورٌ مِنْ جهةِ الثيِّبِ ومُستأذِنٌ للبكرِ، فهذا هو الَّذي دَلَّ عليه كلامُ النبيِّ ﷺ .
وأمَّا تَزويجُها مع كَراهتِها للنكاحِ فهذا مُخالِفٌ للأصولِ والعُقولِ، واللهُ لم يُسوِّغْ لوَليِّها أنْ يُكرِهَها على بَيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنِها، ولا على طَعامٍ أو شَرابٍ أو لِباسٍ لا تُريدُه، فكيفَ يُكرِهُها على مُباضَعةِ ومُعاشَرةِ مَنْ تَكرَهُ
стр. 8843
مُباضَعتَه ومُعاشَرةَ مَنْ تَكرَهُ مُعاشَرتَه، واللهُ قد جعَلَ بينَ الزوجينِ مودَّةً ورحمةً، فإذا كانَ لا يَحصلُ إلَّا مع بُغضِها له ونُفورِها عنهُ فأيُّ مودَّةٍ ورَحمةٍ في ذلكَ؟ …
والمَقصودُ أنَّ الشارعَ لا يُكرِهُ المرأةَ على النكاحِ إذا لم تُرِدْه، بل إذا كَرهَتِ الزوجَ وحصَلَ بينَهما شِقاقٌ فإنه يَجعلُ أمْرَها إلى غيرِ الزَّوجِ لمَن يَنظرُ في المَصلحةِ مِنْ أهلِها مع مَنْ يَنظرُ في المَصلحةِ مِنْ أهلِه، فيُخلِّصُها مِنْ الزوجِ بدونِ أمرِه، فكيفَ تُؤسَرُ معه أبدًا بدونِ أمرِها؟! والمرأةُ أسيرةٌ معَ الزَّوجِ كما قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهُنَّ عَوَانٌ عِندَكُم، أخَذتُموهنَّ بِأمانةِ اللهِ واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ».
ثمَّ قالَ: ويَجبُ على وَليِّ المَرأةِ أنْ يتَّقِي اللهَ فيمَن يُزوِّجُها بهِ، ويَنظرَ في الزوجِ هل هوَ كُفؤٌ أو غيرُ كُفؤٍ؟ فإنه إنَّما يزوِّجُها لمَصلحتِها لا لمَصلحتِه، وليسَ له أنْ يزوِّجَها بزَوجٍ ناقصٍ لغَرضٍ له مِثلَ أنْ يتزوَّجَ مُولِّيةَ ذلكَ الزوجِ بدَلَها، فيكونُ مِنْ جِنسِ الشِّغارِ الذي نهَى عنه النبيُّ ﷺ ، أو يزوِّجَها بأقوامٍ يُحالِفُهم على أغراضٍ له فاسِدةٍ، أو يزوِّجَها لرَجلٍ لمالٍ يَبذلُه له وقد خطَبَها مَنْ هو أصلَحُ لها مِنْ ذلكَ الزوجِ، فيقدِّمُ الخاطِبَ الذي بَرْطَلَه على الخاطِبِ الكُفؤِ الَّذي لم يُبَرْطِلْه.
وأصلُ ذلكَ أنَّ تصرُّفَ الوليِّ في بُضعِ وَليَّتِه كتصرُّفِه في مالِها، فكَمَا لا يتصرَّفُ في مالِها إلا بما هو أصلَحُ كذلكَ لا يَتصرفُ في بُضعِها إلا بما هو
стр. 8844
أصلَحُ لها، إلا أنَّ الأبَ له مِنْ التبسُّطِ في مالِ ولَدِه ما ليسَ لغيرِه كما قالَ النبيُّ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، بخِلافِ غيرِ الأبِ (١).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: قالَتِ الشَّافعيةُ: له أنْ يُجبِرَ ابنتَه البالِغةَ المُفتِيةَ العالِمةَ بدينِ اللهِ التي تُفتِي في الحَلالِ والحَرامِ على نِكاحِها بمَن هي أكرَهُ الناسِ لهُ وأشَدُّ الناسِ عنهُ نُفرةً بغيرِ رِضاها، حتَّى لو عيَّنَتْ كُفؤًا شابًّا جَميلًا دَيِّنًا تُحبُّه وعيَّنَ كُفؤًا شَيخًا مُشوَّهًا دَميمًا كانَ العِبرةُ بتَعيينِه دُونَها، فتَركُوا مَحْضَ القياسِ والمَصلحةَ ومَقصودَ النكاحِ مِنْ الوُدِّ والرحمةِ وحُسنِ المُعاشَرةِ وقالُوا: لو أرادَ أنْ يَبيعَ لها حَبلًا أو عُودَ أراكٍ مِنْ مالِها لم يَصحَّ إلا برِضاها، وله أنْ يُرِقَّها مُدةَ العُمرِ عندَ مَنْ هي أكرَهُ شيءٍ فيهِ بغيرِ رِضاها.
قالُوا: وكما خَرجْتُم عن مَحضِ القياسِ خَرجْتُم عن صَريحِ السُّنةِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خيَّرَ جاريةً بِكرًا زوَّجَها أبوها وهي كارِهةٌ، وخيَّرَ أخرَى ثيِّبًا، ومِن العَجبِ أنكُم قُلتُم: «لو تصرَّفَ في حَبلٍ مِنْ مالِها على غيرِ وَجهِ الحَظِّ لها كانَ مَردودًا، حتَّى إذا تصرَّفَ في بُضعِها على خِلافِ حَظِّها كانَ لازمًا»، ثمَّ قلتُم: «هو أخبَرُ بحَظِّها منها»، وهذا يَردُّه الحِسُّ؛ فإنها أعلَمُ بمَيلِها ونُفرتِها وحَظِّها ممَّن تُحبُّ أنْ تُعاشِرَه وتَكرَهُ عِشرتَه، وتعلَّقْتُم بما رواهُ مُسلمٌ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ يَرفعُه: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وليِّها، والبِكرُ تُستأذَنُ في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها»، وهو حُجةٌ عليكُم، وتَركْتُم ما في
стр. 8845
الصَّحيحينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ يَرفعُه: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ»، وفيهِما أيضًا مِنْ حديثِ عائِشةَ قالَتْ: قلتُ: «يا رَسولَ اللهِ تُستأمَرُ النِّساءُ في أبضاعِهنَّ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: فإنَّ البِكرَ تُستأذَنُ فتَستحِي؟ قالَ: إذنُها صُماتُها»، فنَهى أنْ تُنكَحَ بدونِ استِئذانِها وأمَرَ بذلكَ وأخبَرَ أنه هو شَرعُه وحُكمُه، فاتَّفقَ على ذلكَ أمرُه ونهيُه وخبَرُه، وهو مَحضُ القِياسِ والمِيزان (١).
وقالَ في «الزَّاد»: لا تُجبَرُ البِكرُ البالغُ على النكاحِ، ولا تزوَّجُ إلا برِضاها، وهذا قَولُ جُمهورِ السَّلفِ ومَذهبُ أبي حَنيفةَ وأحمدَ في إحدى الرِّواياتِ عنه، وهو القَولُ الذي نَدِينُ اللهَ به ولا نَعتقدُ سِواهُ، وهو المُوافِقُ لحُكمِ رسولِ اللهِ ﷺ وأمرِه ونهيِه وقَواعدِ شَريعتِه ومَصالحِ أمَّتِه.
أمَّا مُوافَقتُه لحُكمِه: فإنه حكَمَ بتَخييرِ البِكرِ الكارِهةِ …
وأمَّا مُوافَقةُ هذا القَولِ لأمرِه: فإنه قالَ: «والبِكرُ تُستأذَنُ»، وهذا أمرٌ مُؤكَّدٌ؛ لأنه ورَدَ بصِيغةِ الخبَرِ الدالِّ على تحقُّقِ المخبَرِ به وثُبوتِه ولُزومِه، والأصلُ في أوامِرِه ﷺ أنْ تكونَ للوُجوبِ ما لم يَقمْ إجماعٌ على خِلافِه.
وأمَّا مُوافَقتُه لنهيِه: فلقولِه: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ»، فأمَرَ ونهَى وحكَمَ بالتَّخييرِ، وهذا إثباتٌ للحُكمِ بأبلَغِ الطرقِ.
стр. 8846
وأمَّا مُوافَقتُه لقَواعدِ شَرعِه: فإنَّ البِكرَ البالِغةَ العاقِلةَ الرَّشيدةَ لا يتصرَّفُ أبوها في أقَلِّ شيءٍ مِنْ مالِها إلَّا برِضاها، ولا يُجبِرُها على إخراجِ اليَسيرِ منه بدونِ رضاها، فكيفَ يَجوزُ أنْ يُرِقَّها ويُخرجَ بُضعَها منها بغيرِ رِضاها إلى مَنْ يُريدُه هو، وهيَ مِنْ أكرَهِ الناسِ فيهِ، وهو مِنْ أبغَضِ شيءٍ إليها؟ ومع هذا فيُنكِحُها إياه قَهرًا بغيرِ رضاها إلى مَنْ يُريدُه ويَجعلُها أسيرةً عندَه، كما قالَ النبيُّ ﷺ : «اتَّقوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّهنَّ عَوانٌ عندَكم»، أي أَسرَى، ومَعلومٌ أنَّ إخراجَ مالِها كلِّه بغيرِ رضاها أسهَلُ عليها مِنْ تزويجِها بمَن لا تَختارُه بغيرِ رِضاها، ولقدْ أبطَلَ مَنْ قالَ: «إنها إذا عيَّنَتْ كُفئًا تُحبُّه وعيَّنَ أبوها كُفئًا فالعِبرةُ بتَعيينِه ولو كانَ بَغيضًا إليها قَبيحَ الخِلقةِ».
وأمَّا مُوافَقتُه لمَصالحِ الأمَّةِ: فلا يَخفَى مَصلحةُ البنتِ في تزويجِها بمَن تَختارُه وتَرضاهُ، وحُصولُ مَقاصدِ النكاحِ لها به وحُصولُ ضِدِّ ذلكَ بمَن تُبغضُه وتَنفرُ عنه، فلو لم تَأتِ السُّنةُ الصَّريحةُ بهذا القَولِ لَكانَ القِياسُ الصَّحيحُ وقَواعدُ الشَّريعةِ لا تَقتضِي غيرَه، وباللهِ التوفيقُ (١).
غيرُ الأبِ أو الجَدِّ لا يَجوزُ له إجبارُ البِكرِ البالغةِ إجماعًا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ غيرَ الأبِ والجَدِّ لا يَجوزُ له أنْ يُنكِحَ البكرَ البالِغةَ بغيرِ إذنِها ورِضاها.
стр. 8847
قالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا حالُ البِكرِ مع غيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ كالأخوةِ والأعمامِ فلا تَخلُو حالُها مَعهُم مِنْ أنْ تكونَ صَغيرةً أو كَبيرةً، فإنْ كانَتْ كبيرةً لم يَكنْ لهم إجبارُها إجماعًا، وليسَ لهم تَزويجُها إلَّا بإذنِها، والفَرقُ بينَ الآباءِ والعصَباتِ؛ أنَّ في الآباءِ بَعضيَّةً ليسَتْ في العصَباتِ، فقَويَتْ بها وِلايتُهم حتَّى تَجاوزَتْ ولايةَ النكاحِ إلى وِلايةِ المالِ، فصاروا بذلكَ أعجَزَ، ولأنه مِنْ العصَبات، وإنْ كانَتِ البِكرُ صَغيرةً فليسَ لأحَدٍ مِنْ العَصَباتِ تَزويجُها بحالٍ … (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: وإذا زوَّجَ البِكرَ غيرُ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ لمْ يَصحَّ حتَّى تُستأذَنَ، وهو إجماعٌ لا خِلافَ فيه (٢).
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: البِكرُ البالِغُ ليسَ لغيرِ الأبِ والجَدِّ تَزويجُها بدونِ إذنِها بإجماعِ المُسلمينَ (٣).
وليسَ للجَدِّ إجبارُ البالِغةِ عندَ عامَّةِ العُلماءِ خِلافًا للشافِعيةِ كما تقدَّمَ.
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ ثَيِّبًا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ الثَّيبَ البالِغةَ لا يَجوزُ لوَليِّها أبًا كانَ أو
стр. 8848
غيرَه أنْ يزوِّجَها إلا برِضاها؛ لِما رَوى البُخاريُّ عن خَنساءَ بنتِ خِذامٍ الأنصارِيةِ: «أنَّ أباها زوَّجَها وهي ثيِّبٌ فكَرِهَتْ ذلكَ، فأتَتِ النبيَّ ﷺ فرَدَّ نِكاحَها» (١).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: هذا حَديثٌ صَحيحٌ مُجتمَعٌ على صِحتِه وعلى القولِ به؛ لأنَّ القائِلينَ «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ» يقولونَ: إنَّ الثَّيبَ لا يزوِّجُها وَليُّها أبًا كانَ أو غيرَه إلا بإذنِها ورِضاها، ومَن قالَ: «ليسَ للوَليِّ مع الثَّيبِ أمرٌ» فهو أحرَى باستِعمالِ هذا الحَديثِ (٢).
وقالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه الثيِّبَ بغيرِ رضاها لا يَجوزُ (٣).
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا البالغُ الثيِّبُ فلا يَجوزُ تَزويجُها بغيرِ إذنها لا للأبِ ولا لغيرِه بإجماعِ المُسلمينَ (٤).
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: ولم يَختلفُوا في أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه الثيَّبَ غيرُ جائزٍ إلَّا برِضاها (٥).
وقالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ نَصرِ المروزيُّ ﵀: أمَّا الثيَّبُ فإنَّ هؤلاءِ لم
стр. 8849
يَختلفُوا فيه أنَّ نكاحَ الأبِ غيرُ جائزٍ عليها إلَّا برِضاها؛ لحَديثِ خَنساءَ بنتِ خِذامٍ وحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «والأيَّمُ أحَقٌّ بنَفسِها» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا زوَّجَ ابنتَه الثيَّبَ بغيرِ إذنِها فالنكاحُ باطِلٌ وإنْ رَضيَتْ بعدُ).
وجُملةُ ذلكَ أنَّ الثيَّبَ تَنقسِمُ قِسمينِ: كَبيرَة وصَغيرة، فأمَّا الكبيرةُ فلا يَجوزُ للأبِ ولغيرِه تَزويجُها إلَّا بإذنِها في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، إلَّا الحسَنَ قالَ: له تَزويجُها وإنْ كَرهَتْ، والنَّخعيُّ قالَ: يزوِّجُ بنتَه إذا كانَتْ في عِيالِه، فإنْ كانَتْ بائِنةً في بيتِها مع عِيالِها استأمَرَها.
قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: لا أعلَمُ أحَدًا قالَ في البِنتِ بقَولِ الحسَنِ، وهو قَولٌ شاذٌّ خالَفَ فيه أهلَ العِلمِ والسُّنةَ؛ فإنَّ الخَنساءَ ابنةَ خِدامٍ الأنصاريةَ رَوَتْ «أنَّ أباها زوَّجَها وهيَ ثيِّبٌ فكَرهَتْ ذلكَ، فأتَتِ النبيَّ ﷺ فرَدَّ نِكاحَه» رواهُ البُخاريُّ والأئمَّةُ كلُّهم.
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحَديثُ مُجمَعٌ على صِحتِه والقولِ به، لا نَعلمُ مُخالِفًا له إلَّا الحسَنَ، وكانَتْ الخَنساءُ مِنْ أهلِ قُباءَ، وكانَتْ تحتَ أُنيسِ بنِ قَتادةَ، فقُتِلَ عنها يومَ أحُدٍ، فزوَّجَها أبوها رَجلًا مِنْ بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ فكَرهَتْه، وشَكَتْ ذلكَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فرَدَّ نِكاحَها، ونكَحَتْ أبا لُبابَة بنَ عبدِ المُنذِرِ، ورَوى أبو هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ:
стр. 8850
«لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ» مُتفَقٌ عليهِ، وقالَ: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها»، ورَوى ابنُ عبَّاسٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «ليسَ للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ» رَواهُما النَّسائيُّ وأبو داودَ، ولأنها رَشيدةٌ عالِمةٌ بالمَقصودِ مِنْ النكاحِ مُختبرةٌ، فلم يَجُزْ إجبارُها عليهِ كالرَّجلِ (١).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الثَّيبِ الصَّغيرةِ، هل يَجوزُ تَزويجُها بغيرِ رضاها؟ أم يُشترطُ رِضاها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ للأبِ جبْرَ ابنتِه الثيِّبِ الصغيرةِ على النكاحِ؛ لأنَّ الصِّغرَ هو مَناطُ الحُكمِ، ولأنها صَغيرةٌ، فجازَ إجبارُها كالبِكرِ والغُلامِ، يحقِّقُ ذلكَ أنها لا تَزيدُ بالثُّيوبةِ على ما حصَلَ للغُلامِ بالذُّكوريةِ، ثمَّ الغُلامُ يُجبَرُ إنْ كانَ صغيرًا، فكذا هذهِ، والأخبارُ الوارِدةُ مَحمولةٌ على الكَبيرةِ؛ فإنه جعَلَها أحَقَّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والصَّغيرةُ لا حَقَّ لها.
ولعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ولأنَّ كلَّ مَنْ ثبتَتْ عليه الوِلايةُ في مالِه جازَ إجبارُه على النكاحِ كالبِكرِ الصَّغيرةِ وكالغُلامِ، ولأنَّ لها مَنفعتَينِ: استِخدامٌ واستِمتاعٌ، فلمَّا كانَ لوَليِّ العقدِ على استِخدامِ مَنفعتُها بالإجارةِ جازَ له العقدُ على مَنفعةِ الاستمتاعِ بها بالنكاحِ، وتَحريرُه أنها إحدَى مَنفعتَيها، فجازَ العقدُ عليها قبلَ بُلوغِها كالإجارةِ.
стр. 8851
ولأنه وَليُّ مَنْ لا يَلِي نفْسَه ومالَه، فيَستبدُّ بالعقدِ عليها كالبكرِ، وتأثيرُه أنَّ الشرعَ باعتِبارِ صِغرِها أقامَ رأيَ الوليِّ مَقامَ رأيِها كما في حَقِّ الغُلامِ وكما في حَقِّ المالِ، وبالثُّيوبةِ لا يَزولُ الصِّغرُ، وكذلكَ معنَى الرأيِ لا يَحصلُ لها بالثُّيوبةِ في حالةِ الصِّغرِ؛ لأنها ما نَضَّتْ شَهوتُها بهذا الفعلِ، ولو ثبَتَ لها رأيٌ فهي عاجِزةٌ عن التصرُّفِ بحُكمِ الرأيِ، فيُقامُ رأيُ الوليِّ مَقامَ رأيها، كما أنها لمَّا كانَتْ عاجِزةً عن التصرُّفِ في مِلكِها أُقيمَ تصرُّفُ الوليِّ مَقامَ تصرُّفِها.
والمُرادُ بالحَديثِ البالِغةُ؛ لأنه علَّقَ به ما لا يتحقَّقُ إلا بعدَ البُلوغِ، وهو المُشاوَرةُ وكُونُها أحَقَّ بنَفسِها، وذلكَ إنما يَتحقَّقُ في البالغةِ دونَ الصغيرةِ، ولَئِنْ ثبَتَ أنَّ الصغيرةَ مُرادٌ فالمُرادُ المَشورةُ على سبيل النَّدبِ دونَ الحَتمِ، كما أمَرَ باستئْمارِ أمَّهاتِ البناتِ فقالَ: «وتُؤامَرُ النِّساءُ في إبضاعِ بَناتِهنَّ»، وكانَ بطَريقِ النَّدبِ، فهذا مِثلُه (١).
ولأنَّ حالَ الصغيرةِ يَثبتُ معها الإجبارُ كالبِكرِ، ولأنَّ وِلايةَ الأبِ ثابتةٌ عليها في هذهِ الحالِ كالغُلامِ، ولأنَّ كلَّ معنًى لم يُؤثِّرْ في سُقوطِ الولايةِ عليها في المالِ لم يؤثِّرْ في إجبارِ الأبِ إياها على النكاحِ، أصلُه مُجرَّدُ البلوغِ، ولأنها ولايةٌ ثابتةٌ للأبِ على وَلدِه الصَّغيرِ، فلمْ يؤثِّرْ في إزالتِه ذهابُ البَكارةِ على أي
стр. 8852
وَجهٍ ذهَبَتْ، أصلُه ولايةُ المالِ، ولأنه عقدٌ على مَنفعةٍ يتضمَّنُ عِوضًا، فجازَ أنْ يَملكَه الأبُ على الثيِّبِ الصَّغيرةِ كالإجارةِ، ولأنه عقدٌ يتضمَّنُ عِوضًا، فجازَ أنْ يَملكَه الأبُ على الثيِّبِ الصَّغيرةِ كالبيعِ، ولأنَّ الثُّيوبةَ التي تُسقِطُ الإجبارَ هي التي يَثبتُ معها حُكمُ الإذنِ كالكبيرةِ، ولأنها إحدَى حالَتيِ المرأةِ، فلمْ يَنفَكَّ عنها مِنْ جوازِ إنكاحِ الأبِ إياها كحالِ البَكارةِ (١).
ولأنها لمَّا كانَتْ مَحجورًا عليها في مالِها حَجْرَ الصغيرِ جازَ أنْ يُجبِرَها على النكاحِ، وأيضًا: فإنها قد ساوَتِ البكرَ الصَّغيرةَ في أنها لا يَصحُّ اختِيارُها، فلا معنى لاستِئمارِها (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه لا يَجوزُ تزويجُها بغيرِ إذنِها؛ لعُمومِ الأخبارِ عن النبيِّ ﷺ في ذلكَ، حيثُ قالَ: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأْذَنَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أنْ تَسكُتَ» (٣).
وفي رِوايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأْذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأْمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قالَ: إذا سَكتَتْ» (٤).
стр. 8853
وفي رِوايةٍ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبُوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (١).
ولأنَّ الإجبارَ يَختلفُ بالبكارةِ والثُّيوبةِ، لا بالصِّغرِ والكِبَرِ، وهذه ثيِّبٌ، ولأنَّ في تأخيرِها فائدةً وهو أنْ تَبلغَ فتَختارَ لنَفسِها ويعتبَرُ إذنُها، فوجَبَ التأخيرُ، بخِلافِ البِكرِ.
ولأنَّ كلَّ صِفةٍ خرَجَ بها الوَليُّ عن كَمالِ الولايةِ قبلَ البُلوغِ قياسًا على عِتقِ الأمَةِ لمَّا كانَ حُدوثُه بعدَ البلوغِ مانِعًا مِنْ إجبارِها على النكاحِ كانَ حُدوثُه قبلَ البلوغِ مانعًا مِنْ إجبارِها، ولأنها حرَّةٌ سليمةٌ ذهَبَتْ عدَّتُها بجِماعٍ، فلمْ يَجُزْ إجبارُها على النكاحِ كالكبيرةِ.
فأمَّا الآيةُ إنْ حُمِلتْ على الأولياءِ فمَخصوصةٌ بما ذكَرْنا.
وأمَّا قياسُهم على البِكرِ والغُلامِ اعتبارًا بالولايةِ على المالِ فلا يَجوزُ اعتبارُ الولايةُ بالولايةِ على النكاحِ؛ لأنَّ ولايةَ المالَ أوسَعُ؛ لثُبوتِها للوَصيِّ الذي لا ولايةَ له على النكاحِ، ثمَّ المعنَى في البكرِ والغُلامِ أنه لمَّا لم يَثبتْ لهُما خيارٌ جازَ إجبارُهم، وليسَ كالثيِّبِ؛ لثُبوتِ الخيارِ لها عندَهم.
وأمَّا استِدلالُهم بمَنفعةِ الاستِخدامِ فالفَرقُ بينَهُما وبينَ الاستِمتاعِ أنَّ مدَّةَ الاستخدامِ مقرَّرةٌ بأمدٍ ينقضِي يَصلُ إلى مثلِ ذلكَ العقدِ بعدَ
стр. 8854
بلوغِها، ومدَّةُ الاستمتاعِ مُؤبَّدةٌ وهي لا تَصلُ إلى مثلِ ذلكَ العقدِ بعدَ بلوغِها، فافتَرقَا (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويتخرَّجُ وجهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ ابنةَ تِسعِ سِنينَ يزوِّجُها وليُّها بإذنها، ومَن دونَ ذلكَ على ما ذكَرْنا مِنْ الخِلافِ؛ لِمَا ذكَرْنا في البكرِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الثيِّبُ الغيرُ البالغِ فإنَّ مالِكًا وأبا حَنيفةَ قالا: يُجبِرُها الأبُ على النكاحِ، وقالَ الشافعيُّ: لا يُجبِرُها، وقالَ المتأخِّرونَ: إنَّ في المَذهبِ فيها ثَلاثةَ أقوالٍ:
قولٌ: إنَّ الأبَّ يُجبِرُها ما لم تَبلُغْ بعدَ الطَّلاقِ، وهو قولُ أشهَبَ.
وقَولٌ: إنه يُجبِرُها وإنْ بلغَتْ وهو قَولُ سحنونٍ.
وقَولٌ: إنه لا يُجبِرُها وإنْ لم تَبلغْ، وهو قولَ أبي تمَّامٍ.
والذي حَكَيناهُ عن مالكٍ هو الَّذي حكاهُ أهلُ مَسائلِ الخِلافِ كابنِ القصَّارِ وغيرِه عنه.
وسَببُ اختِلافهم مُعارَضةُ دليلِ الخِطَابِ للعُمومِ، وذلكَ أنَّ قولَه
стр. 8855
﵊: «تُستأمَرُ اليتيمةُ في نَفسِها» «ولا تُنكَحُ اليتيمةُ إلا بإذنِها» يُفهَمُ منه أنَّ ذاتَ الأبِ لا تُستأمَرُ، إلا ما أجمَعَ عليه الجُمهورُ مِنْ استئْمارِ الثيِّبِ البالغِ، وعُمومُ قولِه ﵊: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» يتناوَلُ البالغَ وغيرَ البالغِ، وكذلكَ قولُه: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ» «ولا تُنكَحُ حتَّى تُستأذَنَ» يَدلُّ بعُمومِه على ما قالَه الشافعيُّ.
ولاختِلافِهم في هاتَينِ المَسألتينِ سَببٌ آخَرُ: وهو استِنباطُ القِياسِ مِنْ مَوضعِ الإجماعِ، وذلكَ أنهُم لمَّا أجمَعُوا على أنَّ الأبَ يُجبِرُ البِكرَ غيرَ البالغِ وأنه لا يُجبِرُ الثيِّبَ البالغَ -إلَّا خِلافًا شاذًّا فيهِما جَميعًا كما قُلنَا- اختَلفُوا في مُوجِبِ الإجبارِ، هل هو البَكارةُ أو الصِّغرُ؟ فمَن قالَ: «الصِّغرُ» قالَ: لا تُجبَرُ البكرُ البالغُ، ومَن قالَ: «البَكارةُ» قالَ: تُجبَرُ البكرُ البالغُ ولا تُجبَرُ الثيِّبُ الصغيرةُ، ومَن قالَ: «كلُّ واحدٍ منهُما يُوجِبُ الإجبارَ إذا انفَردَ» قالَ: تُجبَرُ البكرُ البالغُ والثيِّبُ الغيرُ البالغِ، والتَّعليلُ الأولُ تَعليلُ أبي حَنيفةَ، والثاني تَعليلُ الشافعيِّ، والثالثُ تَعليلُ مالكٍ، والأصولُ أكثَرُ شَهادةً لتَعليلِ أبي حَنيفةَ (١).
الثُّيوبةُ التي تَرفعُ الإجبارَ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الثُّيوبةَ التي تَرفعُ الإجبارَ هي الحاصِلةُ بالوَطءِ في نِكاحٍ أو في شُبهةِ نكاحٍ، فإنْ جُومِعَتْ بنكاحٍ أو بشُبهةٍ أو نكاحٍ فاسِدٍ لم
стр. 8856
يَجُزْ تزويجُها بعدَ ذلك إلَّا برِضاها، ولا يُكتفَى بسُكوتِها في هذا المَوضعِ؛ لأنها ثيِّبٌ؛ لقَولِه ﷺ : «والثيَّبُ تُشاوَرُ».
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ أنَّ مَنْ زالَتْ عُذرَتُها بوَطءٍ يتعلَّقُ به ثُبوتُ النَّسبِ -وهو الوَطءُ بعَقدٍ جائزٍ أو فاسِدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ وجَبَ لها مَهرٌ بذلكَ الوطءِ- أنها تزوَّجُ كما تزوَّجُ الثيِّبُ (١).
إلَّا أنهم اختَلفُوا في مَوضعينِ:
المَوضعُ الأولُ: إذا زالَتْ بَكارتُها بزنًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زالَتْ بكارةُ المَرأةِ بزنًا أو غَصبٍ، هل يُرفَعُ الإجبارُ عنها بذلكَ وتكونُ في حُكمِ الثيِّبِ؟ أم تكونُ في حُكمِ البِكرِ وتزوَّجُ زواجَ الأبكارِ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ إلى أنَّ الثُّيوبةَ التي تَرفعُ الإجبارَ عن المرأةِ وأنْ تكونَ ثيِّبًا أو في حُكمِ الثيبِ هي التي تكونُ بوَطءٍ في نِكاحٍ صَحيحٍ أو شُبهةٍ مِنْ دُونِ الزِّنا والغَصبِ، فمَن زَنَتْ أو غُصبَتْ لا يَزولُ عنها الإجبارُ، وتُعامَلُ مُعامَلةَ البكرِ في الاستِئذانِ، وتزوَّجُ زواجَ الأبكارِ.
استدلَّ لأبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ عِلةَ وَضعِ النُّطقِ شَرعًا وإقامةَ السُّكوتِ مَقامَه في البِكرِ هو الحَياءُ، وقد وُجدَ، ودَلالةُ أنَّ العلَّةَ ما قُلنا إشارةُ النَّصِّ والمَعقولُ.
стр. 8857
أمَّا الأولُ فلِمَا رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «تُستأمَرُ النِّساءُ في أَبضاعِهنَّ، فقالَتْ عائِشةُ ﵂: البِكرُ تَستحِي يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ ﷺ : إذنُها صُماتُها»، فالاستِدلالُ به أنَّ قولَه ﷺ : «إذنُها صُماتُها» خرَجَ جَوابًا لقَولِ عائشةَ ﵂: «إنَّ البِكرَ تَستحِي» أي: عنِ الإذنِ بالنكاحِ نُطقًا، والجَوابُ بمُقتضَى إعادةِ السُّؤالِ؛ لأنَّ الجَوابَ لا يَتمُّ بدُونِ السؤالِ، كأنه قالَ ﷺ : «إذا كانَتِ البِكرُ تَستحِي عن الإذنِ بالنكاحِ نُطقًا فإذنُها صُماتُها»، فهذا إشارةٌ إلى أنَّ الحَياءَ علَّةُ وَضعِ النُّطقِ، وقيامُ الصُّماتِ مَقامَ الإذنِ علَّةٌ مَنصوصةٌ، وعلةُ النصِّ لا تتقيَّدُ بمَحلِّ النصِّ، كالطَّوافِ في الهِرَّةِ ونحوِ ذلكَ.
وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ الحَياءَ في البكرِ مانعٌ مِنْ النطقِ بصَريحِ الإذنِ بالنكاحِ؛ لِمَا فيه مِنْ إظهارِ رَغبتِها في الرِّجالِ؛ لأنَّ النكاحَ سَببُ الوطءِ، والناسُ يَستقبِحونَ ذلكَ منها ويَذمُّونَها ويَنسُبونَها إلى الوَقاحةِ، وذلكَ مانعٌ لها مِنْ النُّطقِ بالإذنِ الصَّريحِ، وهي مُحتاجةٌ إلى النكاحِ، فلو شُرطَ استِنطاقُها وهي لا تَنطقُ عادةً لَفاتَ عليها النكاحُ مع حاجتِها إليهِ، وهذا لا يَجوزُ، والحَياءُ مَوجودٌ في حَقِّ هذه وإنْ كانَتْ ثيِّبًا حَقيقةً؛ لأنَّ زَوالَ بَكارتِها لم تَظهرْ للناسِ، فيَستقبِحونَ منها الإذنَ بالنكاحِ صَريحًا ويَعدُّونَه مِنْ بابِ الوقاحةِ، ولا يَزولُ ذلكَ ما لم يُوجَدِ النكاحُ ويَشتهرِ الزِّنا، فحِينئذَ لا يُستقبَحُ الإظهارُ بالإذنِ ولا يُعَدُّ عَيبًا، بل الامتِناعُ عن الإذنِ عندَ استئْمارِ الوَليِّ يُعَدُّ رُعونةً منها؛ لحُصولِ العلمِ للناسِ بظُهورِ رَغبتِها في الرِّجالِ.
стр. 8858
وأمَّا حَديثُ: «البِكرُ تُستأمَرُ في نَفسِهَا، والثيِّبُ تُشاوَرُ» فالمُرادُ منهُ الثيِّبُ التي تَعارفَها الناسُ ثيِّبًا؛ لأنَّ مُطلَقَ الكَلامِ يَنصرفُ إلى المُتعارَفَ بينَ الناسِ، ولهذا لم تَدخلِ البكرُ التي زالَتْ عُذرَتُها بالطَّفرةِ والوَثبةِ والحَيضةِ ونحوِ ذلكَ في هذا الحَديثِ وإنْ كانَتْ ثيِّبًا حقيقةً (١).
وقالَ المالِكيةُ: ولأنَّ المَعنى الذي لأجْلِه ارتفَعَ إجبارُ الثيِّبِ بالنكاحِ أنَّ الحَياءَ الذي يَكونُ في البكرِ والانقِباضَ يَزولُ عنها وتَصيرُ مِنْ أهلِ الاختيارِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَزْنِيِّ بها؛ لأنَّ الحَياءَ يَغلُبُ عليها أشَدَّ مِنْ غَلبتِه على البِكرِ؛ لقُبحِ ما رَكبتْه وللعارِ الذي لَحِقَها لمَّا زَهِدَ الناسُ فيها، فلم يَرتفعِ الإجبارُ عنها، ولأنَّ ذهابَ البَكارةِ إذا لم يَحصلْ معَها الإجبارُ فذَهابُ الحَياءِ لا يُزيلُ الإجبارَ كالطَّفرةِ والوَثبةِ، ولأنَّ البكارةَ يتعلَّقُ بها أمرَانِ: حَجْرٌ في المالِ وإجبارُ التَّزويجِ، ثم ثبَتَ أنَّ وِلايةَ المالِ لا تَسقطُ عنها بهذا الفعلِ، كذلكَ الإجبارُ (٢).
وذهَبَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ زالَتْ بَكارتُها بوَطءٍ حَلالٍ أو حَرامٍ بزنًا أو غَصبٍ فهي كما لو
стр. 8859
زالَتْ بَكارتُها بالجِماعِ في النكاحِ، فيَكونُ حُكمُها حُكمُ الثيِّبِ في الإذنِ.
لقولِ النبيِّ ﷺ : «البِكرُ تُستأمَرُ، والثيِّبُ تُشاوَرُ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحِي؟ قالَ: سُكوتُها رِضاهَا» (١).
ولقَولِ النبيِّ ﷺ :» الثيِّبُ تُعرِبُ عن نَفسِهَا، والبِكرُ رضَاها صَمتُها» (٢)، وهذه ثيِّبٌ حَقيقةً؛ لأنَّ الثيِّبَ حَقيقةً مَنْ زالَتْ عُذرَتُها، وهذه كذلكَ، فيَجري عليها أحكامُ الثيِّبِ، ومِن أحكامِها أنه لا يَجوزُ نِكاحُها بغيرِ إذنِها نَصًّا، فلا يُكتفَى بسُكوتِها.
ولأنَّ قولَه ﷺ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أن تَسكُتَ» (٣).
وفي رِوايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قال: إذا سَكتَتْ» (٤).
وفي رواية: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبُوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٥)، يَدلُّ على أنه لا بُدَّ مِنْ نُطقِ الثيِّبِ؛ لأنه قَسَمَ النِّساءَ قِسمَينِ، فجعَلَ السُّكوتَ إذنًا لأحَدِهما، فوجَبَ أنْ يكونَ الآخَرُ بحالِه، وهذهِ ثيِّبٌ لغةً
стр. 8860
وشرعًا؛ فإنَّ الثَّيبَ هي المَوطوءةُ في القُبُلِ، وهذه كذلكَ، بدَليلِ أنه لو أَوصَى بعِتقِ كلِّ ثيِّبٍ في مِلكِه دخَلَتْ إجماعًا، وكذا لو أوصَى لثَيبِ النِّساءِ دخَلَتْ في الوَصيةِ، ولو أوصَى للأبكارِ لم تَدخلْ، ولو اشتَرطَها في التزويجِ أو الشراءِ بِكرًا فوجَدَها مُصابةً بالزنِّا ملَكَ الفسخَ، ولأنها مَوطوءةٌ في القُبلِ، فأشبَهَتِ المَوطوءةَ بشُبهةٍ، والتعليلُ بالحَياءِ غيرُ صَحيحٍ؛ فإنه أمرٌ خَفيٌّ لا يُمكِنُ اعتِبارُه بنَفسِه، وإنما يُعتبَرَ بمَظنتِه وهيَ البَكارةُ، ثم هذا التَّعليلُ يُفضِي إلى إبطالِ مَنطوقِ الحَديثِ، فيَكونُ باطِلًا في نَفسِه، ولا فرْقَ بينَ المُكرَهةِ والمُطاوِعةِ، وعلى هذا ليس لنا إجبارُها إذا كانَتْ بالِغةً، وقولُهم: «إنها لم تُباشِرِ الإذنَ» قُلنا: يَبطلُ بالمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في مِلكِ يَمينِ والمُزوَّجةِ وهي صَغيرةٌ (١).
المَوضعُ الثاني: إذا زالَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أو إصبَعٍ أو حِدَّةِ طَمثٍ:
فجُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ يَرَونَ أنه إذا زالَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أو إصبَعٍ أو حِدَّةِ طَمثٍ أنها في