السُّجودُ على الأنفِ وَحدَه، فقالَ: لا أعلَمُ أحَدًا سبقَه -أي: أبا حَنيفَةَ- إلى هذا القولِ، ولَعلَّه ذَهب إلى أنَّ الجَبهةَ والأنفَ عُضوٌ واحدٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا ذكرَ الجَبهةَ أشارَ إلى أنفِه، والعُضوُ الواحدُ يُجزِئُه السُّجودُ على بعضِه، وهذا قَولٌ يُخالِفُ الحَديثَ الصَّحِيحَ والإجماعَ الذي قبلَه؛ فلا يَصحُّ (١).
السُّجودُ على باقي الأعضاءِ:
ذَهب الشافِعيَّةُ في الصَّحِيحِ والحَنابلَةُ إلى أنَّ السُّجودَ على باقي الأعضاءِ واجِبٌ؛ لحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ المُتقَدِّمِ. ورَوى ابنُ عمرَ عن النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اليَدينِ تَسجُدَانِ كما يَسجُدُ الوَجهُ، فإذا وضعَ أحَدُكم وَجهَهُ فَليَضَع يَديهِ، وإذا رفعَ فَليَرفَعهُمَا» (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسُجودُ الوَجهِ لا يَنفي سُجودَ ما عَداه، فإن أخَلَّ بالسُّجودِ بِعُضوٍ مِنْ هذه الأعضاءِ لم تَصحَّ صَلاتُه، وإن عجَز عن السُّجودِ على بعضِ هذه الأعضاءِ سجدَ على بَقيَّتِها، وقرَّب العُضوَ
стр. 912
المَريضَ مِنْ الأرضِ غايةَ ما يُمكِنُه، ولم يَجِب عليه أن يَرفَعَ إليه شَيئًا، ولأنَّ السُّجودَ هو الهُبوطُ، ولا يَحصلُ ذلك برَفعِ المَسجودِ عليه، وإن سقطَ السُّجودُ على الجَبهةِ لِعارِضٍ أو غيرِه، سقطَ عنه السُّجودُ على غيرِه؛ لأنَّه الأصلُ، ولأنَّ غيرَه تَبَعٌ له، فإذا سقطَ الأصلُ سقطَ التَّبَعُ، ولهذا قالَ أحمدُ في المَريضِ الذي يَرفَعُ إلى جَبهتِه شَيئًا يَسجُدُ عليه أنَّه يُجزِئُه.
وقالَ أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ في القولِ الآخَرِ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يجبُ السُّجودُ على باقي الأعضاءِ، والسُّجودُ على الجَبهةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «سجدَ وَجهِي»، وهذا يدلُّ على أنَّ السُّجودَ على الوَجهِ، ولأنَّ الساجِدَ على الوَجهِ يُسمَّى ساجِدًا، ووَضعُ غيرِه على الأرضِ لا يُسمَّى به ساجِدًا، والأمرُ بالسُّجودِ يَنصرِفُ إلى ما يُسمَّى به ساجِدًا دونَ غيرِه.
وذكرَ الآمِديُّ هذا رِوايةً عن أحمدَ، قالَ القاضي في الجامِعِ: هو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَريضِ الذي يَرفَعُ شَيئًا يَسجُدُ عليه، أنه يُجزِئُه، ومَعلومٌ أنَّه أخَلَّ بالسُّجودِ على يَديه.
وقالوا: إنَّ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ: «أُمِرتُ أنَّ أَسجُدَ على سَبعَةِ أَعظُمٍ»، مَحمُولٌ على السُّنِّيةِ، بدَليلِ آخرِ الحَديثِ، وهو قولُه ﷺ : «ولا أَكفِتَ الشَّعرَ»؛ فإنَّهم نَصُّوا على عدمِ البُطلانِ بكَفتِه، وهذا يدلُّ على أنَّ الأمرَ ليس لِلوُجوبِ، ولا يُقالُ: إذًا لا يجبُ السُّجودُ على الجَبهةِ؛ فإنَّها مِنْ جُملةِ السَّبعةِ، نَقولُ: السُّجودُ أُخِذت فَرضيَّتُه مِنْ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وحَقيقةُ السُّجودِ وَضعُ الجَبهةِ بالأرضِ (١).
стр. 913
٨ - الجُلوسُ بينَ السَّجدتَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ، هل هو رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ، أو سُنَّةٌ؟
فَذَهب الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ الجُلوسَ بينَ السَّجدتَينِ رُكنٌ من أركانِ الصَّلاةِ؛ لقولِه ﷺ لِلمُسيءِ صَلاتَه: «ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ جالسًا»، وفي رِوايةٍ: «حتى تَطمَئن جالسًا، وَافعَل ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا» رَواه الشَّيخانِ، وفي الصَّحيحَينِ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذَا سجدَ فَرفعَ رَأسَه لم يَسجُد حتى يَستَوِيَ جالسًا»، ولأنَّه رَفعٌ واجِبٌ، فكانَ الاعتِدالُ عنه واجِبًا، كالرَّفعِ مِنْ السَّجدةِ الأخيرةِ.
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ إلى أنَّ الجُلوسَ بينَ السَّجدتَينِ ليس بواجِبٍ، بل هو سُنَّةٌ، بل يَكفي عندَ أبي حَنيفةَ أن يَرفَعَ رَأسَه مثلَ حَدِّ السَّيفِ؛ لأنَّ هذه جَلسةُ فَصلٍ بينَ مُتَشاكِلَينِ، فلم تكُن واجِبةً.
والمُعتَمدُ عندَ المالِكيَّةِ صحَّةُ صَلاةِ مَنْ لم يَرفَع يَديهِ عن الأرضِ حالَ الجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ، حيثُ اعتَدلَ.
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: الاعتِدالُ في الجَلسةِ بينَ السَّجدتَينِ يخرجُ على الاعتِدالِ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، وقد ذكَرناه (١).
стр. 914
٩ - الجُلوسُ لِلتشهُّدِ الأخيرِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الجَلسةَ في آخرِ الصَّلاةِ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ.
ثم اختَلَفوا في مِقدارِها، فقالَ أبو حَنيفَةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: الجُلوسُ بقَدرِ التشهُّدِ فَرضٌ، فلوِ انصَرفَ قبلَ أن يَجلِسَ هذا القَدرَ فَسَدَت صَلاتُه.
والتَّحقيقُ مِنْ مَذهبِ الإمامِ مالِكٍ ﵀: أنَّ الجُلوسَ بمِقدارِ إيقاعِ السَّلامِ فيها هو الفَرضُ عندَه، وما عَداه مَسنونٌ، وعليه فلو رفعَ رَأسَه مِنْ السُّجودِ واعتَدلَ جالسًا وسلَّم، كان ذلك الجُلوسُ هو الواجِبَ، وفاتَته السُّنةُ، ولو جلسَ ثم تَشهَّدَ ثم سلَّم كانَ آتِيًا بالفَرضِ والسُّنةِ، ولو جلسَ وتَشهَّدَ ثم استَقَلَّ قائِمًا وسلَّم كانَ آتِيًا بالسُّنةِ، تاركًا لِلفَرضِ، فتبطُلَ صَلاتُه بالاتِّفاقِ (١).
قالَ ابنُ عَبد البرِّ في التَّمهيدِ: والجُلوسُ بينَ السَّجدتَينِ فَرضٌ لا خِلافَ فيه، وكذلك الجَلسةُ الأخيرةُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ فَرضٌ أيضًا، وما أعلَمُ أحَدًا خالَفَ فيها إلا بَعضُ البَصريِّينَ بحَديثٍ ضَعيفٍ انفَرَد به مَنْ لا حُجَّةَ في نَقلِه، فكيف بانفِرادِه (٢).
стр. 915
١٠ - التشهُّدُ الأخيرُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في التشهُّدِ الأخيرِ، هل هو فَرضٌ أو واجِبٌ أو سُنَةٌّ؟ فَذَهب الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّه سُنَّةٌ، وليس بواجِبٍ.
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: التشهُّدانِ جَميعًا مَسنونانِ غيرُ مَفروضَينِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في إيجابِه الأخيرَ، ولغيرِه في إيجابِه إيَّاهُما؛ لقولِه ﷺ لِلأعرابيِّ لمَّا علَّمه الصَّلاةَ: «ثم اجلِس حتى تَطمَئن جالسًا، فإذا فَعَلتَ ذلك فقد تَمَّت صَلاتُكَ» ففيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّ التشهُّدَ لو كانَ مَفروضًا لَعلَّمه إيَّاه مع عِلمِه بأنَّه لا يُحسِنُ الصَّلاةَ.
والآخَرُ: قولُه: «فقد تَمَّت صَلاتُكَ»، فحَكَمَ بتَمامِها مع عدمِ هذا، ولأنَّه ذِكرٌ يَختَصُّ بالجُلوسِ، فلم يكن فَرضًا كالأوَّلِ، ولا يَدخلُ ﵇؛ لأنَّه لا يَختَصُّ بالجُلوسِ؛ لأنَّه يُؤتى به في الجِنازةِ، وإن شِئتَ قُلتَ: قبلَ التَّحليلِ، ولأنَّه ذِكرٌ يَتكرَّرُ في الصَّلاةِ إذا لم يكنِ الأوَّلُ واجِبًا، فكذلك الآخَرُ، كالتَّعظيمِ في الرُّكوعِ، والدُّعاءِ في السُّجودِ، وقِراءةِ ما عَدا الفاتِحةِ، ولأنَّه ذِكرٌ لا يُجهَرُ به في الصَّلاةِ على حالٍ، كالتَّوجيهِ على أصلِهم، والدُّعاءِ على أصلِ الجَميعِ، ولأنَّه جُملةُ ذِكرٍ مِنْ شَرطِه الشَّهادَتَانِ، فأشبَهَ الأذانَ والإقامةَ، ولأنَّه ذِكرٌ في تَضاعِيفِ الصَّلاةِ، ليس مِنْ المُعجِزِ، كسائرِ الأذكارِ، ولأنَّ ألفاظَه وردَت مُختَلِفةً غيرَ مُتعيَّنةٍ، فدلَّ على أنَّه غَيُر واجِبٍ، لأنَّ الأذكارَ المَفروضةَ مُتعيَّنةٌ، كالتَّحريمِ والتَّسليمِ والقِراءةِ.
стр. 916
ودَليلُنا على مَنْ أوجَبَهما أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قامَ مِنْ اثنَتَينِ فمَضى ثم سَجَد لِلسَّهوِ، وسُجودُ السَّهوِ لا يَنوبُ عن مَفروضٍ، ولأنَّ كلَّ ذِكرٍ صحَّتِ الصَّلاةُ بتَركِه سَهوًا صحَّت بتَركِه عَمدًا، أصلُه التَّسبيحُ، عَكسُه التَّحريمُ والسَّلامُ (١).
وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ التشهُّدَ الأخيرَ واجِبٌ، وليس بفَرضٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُعلِّمه لِلأعرابِيِّ، فدلَّ على أنَّه غيرُ فَرضٍ، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا قَعد الإمامُ في آخرِ صَلاتِه ثم أحدَثَ قبلَ أن يَتشهَّدَ، فقد تَمَّت صَلاتُه» (٢).
قالَ الكاسانيُّ ﵀: ولَنَا قولُ النَّبيِّ ﷺ لِلأعرابِيِّ: «إذا رَفَعتَ رَأسَكَ مِنْ آخرِ سَجدةٍ، وقَعَدتَ قَدرَ التشهُّدِ، فقد تَمَّت صَلاتُكَ»، أثبَتَ تَمامَ الصَّلاةِ عندَ مُجرَّدِ القَعدةِ، ولو كانَ التشهُّدُ فَرضًا لَمَا ثَبت التَّمامُ بدُونِه، دلَّ على أنَّه ليس بفَرضٍ، لكنَّه واجِبٌ بمُواظَبةِ النَّبيِّ ﷺ ، ومُواظَبتُه دَليلُ الوُجوبِ، فيما قامَ دَليلُ عدمِ فَرضِيَّتِه، وقد قامَ هَهُنَا، وهو ما ذكَرنا، فكانَ واجِبًا، لا فَرضًا، واللهُ أعلَمُ (٣).
стр. 917
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التشهُّدَ الأخيرَ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا به؛ لحَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: كُنَّا نَقُولُ قبلَ أن يُفرَضَ التشهُّدُ: السَّلامُ على اللهِ، السَّلامُ على جِبريلَ، السَّلامُ على مِيكائيلَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا تَقُولوا: السَّلامُ على اللهِ؛ فإنَّ اللهَ هو السَّلامُ، وَلَكِن قُولوا: التَّحِيَّاتُ للهِ … » الحَديثَ (١).
قالوا: وهذا أمرٌ، والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ، ويدلُّ على أنَّه فَرضٌ بعدَ أن لم يكن مَفروضًا، وحَديثُ الأعرابيِّ يَحتَمِلُ أنَّه كانَ قبلَ أن يُفرَضَ التشهُّدُ، ويَحتَمِلُ أنَّه تركَ تَعليمَه لأنَّه لم يَرَه أساءَ في تَركِه، ويَحتَمِلُ أنَّه لم يَذكُره له لأنَّه كان مَعلومًا عندَه، ولهذا لم يَذكُر له النِّيةَ، وقد أجمَعنا على وُجوبِها، ولم يَذكُرِ القُعودَ لِلتشهُّدِ، وقد وافَقَ أبو حَنيفَةَ على وُجوبِه، ولم يَذكُرِ السَّلامَ، وقد وَافَقَ مالِكٌ والجُمهورُ على وُجوبِه.
وأقَلُّ التشهُّدِ عندَ الشافِعيَّةِ: «التَّحيَّاتُ للهِ، سَلامٌ عَلَيكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، سَلامٌ عَلَينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه»، كذا قالَ الرَّافِعِيُّ، وقالَ النَّوويُّ: لا يُشترَطُ لَفظُ: «أشهَدُ». بل يَكفي: «وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه».
وهو أقَلُّه عندَ الحَنابلَةِ أيضًا بدُونِ لَفظِ: «وبَرَكاتُه». مع التَّخَيُّرِ بينَ: «وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ». وَ «وَأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه»؛ لِاتِّفاقِ الرِّواياتِ على ذلك (٢).
стр. 918
صِيَغُ التشهُّدِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الاعتِدادَ بكلِّ واحدٍ مِنْ التشهُّدِ المَروِيِّ عن النَّبيِّ ﷺ مِنْ طَريقِ الصَّحابةِ الثَّلاثةِ، وهُم عمرَ بنُ الخطَّابُ وعَبد اللهِ بنُ مَسعودٍ وعَبد اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵃.
ثم اختَلَفوا في الأفضَلِ منها، فاختارَ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ تَشهُّدَ ابنِ مَسعودٍ، وهو عَشرُ كَلِماتٍ: «التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه» (١).
ووَجهُ تَقديمِ حَديثِ ابنِ مَسعودٍ على غيرِه عندَهم أنَّه مُتفقٌ عليه، قالَ التِّرمذيُّ: حَديثُ ابنِ مَسعودٍ قد رُويَ مِنْ غيرِ وَجهٍ، وهو أصحُّ حَديثٍ رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ، وقد رَواه عن النَّبيِّ ﷺ ابنُ عمرَ وجابِرٌ وأبو مُوسى وعائِشَةُ، وعليه أكثرُ أهلِ العِلمِ، فتَعيَّن الأخذُ به وتَقديمُه (٢).
стр. 919
واختارَ الإمامُ مالِكٌ تَشهُّدَ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «التَّحِيَّاتُ للهِ الزَّكِيَّاتُ للهِ، الطَّيِّباتُ الصَّلواتُ للهِ، السَّلامُ عَليكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه» (١).
ولأنَّ عمرَ علَّم النَّاسَ التشهُّدَ على المِنبَرِ بهذه الألفاظِ، فلم يُنكَر عليه، ولا قيلَ له: إنَّ تَشهُّدَ النَّبيِّ ﵇ بخِلافِه؛ فكانَ إجماعًا (٢).
واختارَ الإمامُ الشافِعيُّ تَشهُّدَ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «التَّحِيَّاتُ المُبارَكاتُ الصَّلواتُ الطَّيِّباتُ للهِ، سَلامٌ عَليكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، سَلامٌ عَلَينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ» (٣).
ووَجهُ تَقديمِه عندَه زِيادةُ لَفظَةِ المُبارَكاتِ فيه، وهي مُوافِقةٌ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] (٤).
стр. 920
الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ بعدَ التشهُّدِ الأخيرِ:
أجمعَ العُلماءُ على مَشروعيَّةِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ، إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هلِ الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ فَرضٌ من فُروضِ الصَّلاةِ؟ أو سُنَّةٌ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ؟
فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ بعدَ التشهُّدِ سُنَّةٌ من سُننِ الصَّلاةِ، وليست واجِبةً، وحُجَّتُهم في ذلك حَديثُ الحَسنِ بنِ الحُرِّ عن القاسِمِ بنِ مُخَيمِرةَ قالَ: أخذَ عَلقَمةُ بيَدِي فحَدَّثَني أنَّ عَبد اللهِ بنَ مَسعودٍ أخذَ بيَدِه وقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أخذَ بيَدي كما أخَذتُ بيَدِكَ، فعلَّمني التشهُّدَ فقالَ: «قُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلواتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُه، السَّلَامُ عَلَينَا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشهَدُ أن لا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه. قالَ: فإذا قَضيتَ هذا، أو قالَ: فإذا فَعَلتَ هذا، فقد قَضيتَ صَلاتَكَ، إن شِئتَ أن تَقُومَ فَقُم، وإن شِئتَ أن تَقعُدَ فاقعُد» (١)، ولأنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ لو كانَت واجِبةً لبيَّن ذلك وذكرَه.
стр. 921
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إذا تَشهَّدَ أحَدُكم فَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِنْ أَربَعٍ» (١). فهذا أمرٌ بالاستِعاذةِ عُقَيبَ التشهُّدِ مِنْ غيرِ فَصلٍ.
ورَوى فَضَالةُ بنُ عُبَيدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سمِع رَجلًا يَدعُو في صَلاتِه لم يَحمَدِ اللهَ ، ولم يُصلِّ على النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «عَجِلَ هذا»، ثم دَعاه فقالَ له، أو لغيرِه: «إذا صلَّى أحَدُكم فَليَبدَأ بتَمجِيدِ رَبِّهِ جلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عليه، ثم يُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ثم يَدعُو بَعدُ بِمَا شَاءَ» (٢). ففي هذا الحَديثِ لم يَأمُرِ النَّبيُّ ﷺ المُصلِّي إذ لم يُصلِّ على النَّبيِّ ﷺ في صَلاتِه بالإعادةِ؛ فدلَّ على أنَّ ذلك ليس بفَرضٍ، ولو تركَ فَرضًا لَأَمرَه بالإعادةِ، كما أمرَ الذي لم يُقِم رُكوعَه وسُجودَه بالإعادةِ، وقالَ له: «ارجِع فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ»، وأيضًا لو كانتِ الصَّلاةُ عليه ﷺ فَرضًا لَلزِم تَأخيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ، لأنَّه علَّمهمُ التشهُّدَ وقالَ: «ثم يَتَخَيَّرُ بَعدُ مِنْ الدُّعاءِ ما شَاءَ». ولم يَذكُرِ الصَّلاةَ عليه.
стр. 922
قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ مَسنونةٌ، وليست بشَرطٍ في صحَّةِ الصَّلاةِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ وابنِ المَوَّازِ في قولِهما: إنَّها واجِبةٌ في التشهُّدِ الأخيرِ؛ لقولِه في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ لمَّا ذكرَ التشهُّدَ: «فإذا فَعَلتَ هذا فقد تَمَّت صَلاتُكَ»، ولأنَّ الجُلوسَ لم يكن من أركانِ الصَّلاةِ، فلم تكُنِ الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ مُستحَقَّةً فيه كالقيامِ والسُّجودِ، ولأنَّ الصَّلاةَ على الأنبياءِ ليست بشَرطٍ في صحَّةِ الصَّلاةِ، اعتبارًا بسائرِ الأنبياءِ، ولأنَّه ذكرُ آدَمِيٍّ في تَضاعيفِ الصَّلاةِ، مُنفَصِلٌ عن القُرآنِ، فلم يكن شَرطًا، أصلُه قولُنا: اللَّهمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ (١).
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَشهورِ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى وُجوبِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ الأخيرِ، فمَن تركَها بطَلت صَلاتُه؛ لحَديثِ كَعبِ بن عُجرَةَ ﵁ أنَّه قالَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَج علينا فقُلنا: يا رَسولَ اللهِ، قد عَلِمنا كيف نُسَلِّمُ عَليكَ، فكَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قالَ: «قُولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وَعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهمَّ بارِك على مُحمَّدٍ وَعلى آلِ مُحمَّدٍ كما بارَكتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٢).
стр. 923
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: استُدلَّ بهذا الحَديثِ على إيجابِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في كلِّ صَلاةٍ، لمَا وقعَ في هذا الحَديثِ مِنْ الزِّيادةِ في بعضِ الطُّرقِ عن أبي مَسعودٍ، وهو ما أخرَجه أصحابُ السُّننِ وصحَّحه التِّرمِذيُّ وابنُ خُزَيمةَ والحاكِمُ … بلَفظِ: «فَكَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ إِذَا نحن صلَّينَا عَلَيكَ في صَلاتِنَا» (١). قالَ الدَّارقُطنيُّ: إسنادُه حَسَنٌ مُتَّصِلٌ، وقالَ البَيهَقيُّ: إسنادُه حَسَنٌ صَحِيحٌ … وقد احتَجَّ بهذه الزِّيادةِ جَماعةٌ مِنْ الشافِعيَّةِ، كابنِ خُزَيمةَ، والبَيهَقيِّ؛ لِإيجابِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ بعدَ التشهُّدِ وقبلَ السَّلامِ، وتُعقِّب بأنَّه لا دِلالةَ فيه على ذلك، بل إنَّما يُفيدُ إيجابَ الإتيانِ بهذه الألفاظِ على مَنْ صلَّى على النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ، وعلى تَقديرِ أنَّه يدلُّ على إيجابِ أصلِ الصَّلاةِ، فلا يدلُّ على هذا المَحَلِّ المَخصوصِ، ولكِن قرَّب البَيهَقيُّ ذلك كما تَقدَّم أنَّ الآيةَ لمَّا نَزَلت، وكانَ النَّبيُّ ﷺ قد علَّمهم كَيفيَّةَ السَّلامِ عليه في التشهُّدِ، والتشهُّدُ في داخِلِ الصَّلاةِ، فسألوا عن كَيفيَّةِ الصَّلاةِ، فعلَّمهم، فدلَّ على أنَّ المُرادَ بذلك إيقاعُ الصَّلاةِ عليه في التشهُّدِ بعدَ الفَراغِ مِنْ التشهُّدِ الذي تَقدَّم تَعليمُه لهم، ثم قالَ: وانتَصَرَ جَماعةٌ لِلشافِعيِّ، فذَكَروا أدلَّةً نَقليَّةً، ونَظريَّةً، فنَقَلوا الوُجوبَ عن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ ومَن بعدَهم، وأصحُّ ما
стр. 924
وردَ في ذلك عن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ ما أخرَجه الحاكِمُ بسَنَدٍ قَويٍّ عن ابنِ مَسعودٍ قالَ: «يَتَشهَّدُ الرَّجلُ ثم يُصلِّي على النَّبيِّ ثم يَدعُو لِنَفسِهِ». وهذا أقوَى شَيءٍ يُحتَجُّ به لِلشافِعيِّ، فإنَّ ابنَ مَسعودٍ ذكرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّمهمُ التشهُّدَ في الصَّلاةِ، وأنَّه قالَ: «ثم ليَتخَيَّر مِنْ الدُّعاءِ مَا شَاءَ». فلمَّا ثَبت عن ابنِ مَسعودٍ الأمرُ بالصَّلاةِ عليه قبلَ الدُّعاءِ دلَّ على أنَّه اطَّلعَ على زِيادةِ ذلك بينَ التشهُّدِ والدُّعاءِ. وأخرَج العمرِيُّ عن ابنِ عمرَ بسَنَدٍ جَيِّدٍ قالَ: «لَا تَكُونُ صَلاةٌ إِلَّا بِقِراءَةٍ وَتَشهُّدٍ وَصَلاةٍ عَلَيَّ».
وأخرَج البَيهَقيُّ في: «الخِلافِيَّاتِ» بسَنَدٍ قَويٍّ عن الشَّعبِيِّ، وهو مِنْ كِبارِ التَّابِعينَ قالَ: «مَنْ لَم يُصلِّ على النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ فَليُعِد صَلاتَه» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ شُرِطَ فيها ذكرُ اللهِ تَعالى بالشَّهادةِ، فشُرِطَ ذكرُ النَّبيِّ ﷺ كالأذانِ (٢).
صِفةُ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ -:
اختَلفَ العُلماءُ في كَيفيَّةِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ ، ثم في قَدرِ ما يُجزِئُ منها، فاختارَ الشافِعيُّ وأحمدُ في إحدى رِوايَتَيه: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِك على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ
стр. 925
حَميدٌ مَجيدٌ» (١). إلا أنَّ النُّطقَ الذي اختارَه الشافِعيُّ ليس فيه: «وعلى آلِ إبراهيمَ»، إلى ذكرِ البَرَكةِ.
والرِّوايةُ الأُخرى عن أحمدَ: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِك على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ» (٢). وهي التي اختارَها الخرقيُّ.
وأمَّا مَذهبُ أبي حَنيفَةَ في اختِيارِه مِنْ ذلك فلم يُوجَد إلا ما ذكرَه مُحمدُ بنُ الحَسنِ في كتابِ الحَجِّ له، فقالَ: هو أن يَقولَ: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِك على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ (في العالَمينَ) إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ» (٣).
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: حدَّثنا مالِكُ بنُ أنَسٍ بنحوِ ذلك.
وقالَ مالِكٌ: العملُ عندَنا على ذلك.
وأمَّا الأُخرى فأقَلُّ ما يُجزِئُ عندَ الشافِعيِّ من ذلك أن يَقولَ: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ»، وما زادَ عليه فهو سُنَّةٌ، واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ في: «الآلِ»، فلهم فيه وَجهانِ، أحَدُهما: أنَّه لا تَجِبُ الصَّلاةُ عليهم، وعليه
стр. 926
أكثرُ أصحابِه، والوَجهُ الآخَرُ -وهو شَاذٌّ، كما يَقولُ النَّوويُّ- أنَّه تَجِبُ الصَّلاةُ عليهم.
وظاهرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الواجِبَ الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ فحَسبُ، كمَذهبِ الشافِعيِّ.
وقالَ أبو حامِدٍ (مِنْ أصحابِ أحمدَ): قَدرُ الإجزاءِ أنَّه تَجِبُ الصَّلاةُ عليه ﷺ وعلى آلِه، وعلى آلِ إبراهيمَ، والبَرَكةُ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ، وآلِ إبراهيمَ؛ لِأجلِ الحَديثِ الذي أخذَ به أحمدُ.
وذَهب الجُمهورُ إلى صحَّةِ الصَّلاةِ بكلِّ واحدٍ مِنْ هذه الصِّفاتِ الثَّابِتةِ (١).
١١ - التَّسلِيمُ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الإتيانَ بالتَّسلِيمِ مَشروعٌ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مِفتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وَتَحرِيمُهَا التَّكبيرُ، وَتَحلِيلُهَا التَّسليمُ»، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يسلِّمُ مِنْ صَلاتِه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ قدِ اختَلَفوا: هل التَّسليمُ فَرضٌ أو سُنَّةٌ؟
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه فَرضٌ لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا به؛ وذلك للحَديثِ المُتقدِّمِ، وفيه: «وَتَحلِيلُهَا التَّسليمُ»،
стр. 927
فَخصَّ التَّسليمَ بكَونِه مُحلِّلًا؛ فدلَّ على أنَّ التَّحليلَ بالتَّسليمِ على التَّعيُّنِ، فلا يَتحلَّلُ بدُونِه، ولأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ لها تَحليلٌ وتَحريمٌ، فيَكونُ التَّحليلُ فيها رُكنًا، قِياسًا على الطَّوافِ في الحَجِّ.
ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي»، وثَبت عنه أنَّه ﵇: «كانَ يَختِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليمِ» (١). ويُديمُ ذلك ولا يُخِلُّ به (٢).
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ إلى أنَّ التَّسلِيمَ لا يَتعيَّنُ لِلخُروجِ مِنْ الصَّلاةِ، بل إذا خرَج بما يُنافِي الصَّلاةَ مِنْ عمَلٍ أو حَدثٍ أو غيرِ ذلك، جازَ، إلا أنَّ التَّسليمَ مَسنونٌ، وليس برُكنٍ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُعلِّمه المُسيءَ في صَلاتِه، ولو وجبَ لَأَمرَ به؛ لأنَّه لا يَجوزُ تَأخِيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ولأنَّ إحدى التَّسلمَتَينِ غيرُ واجِبةٍ، فكذلك الأُخرى.
ولمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لابنِ مَسعودٍ ﵁ حينَ علَّمه التشهُّدَ: «إذا قُلتَ هذا أو فَعَلتَ هذا فقد قَضيتَ ما عَلَيكَ إن شِئتَ أن تَقُومَ فَقُم، وإن شِئتَ أن تَقعُدَ فَاقعُد» (٣).
стр. 928
قالَ الكاسانيُّ: والاستِدلالُ به مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّه جعلَه قاضيًا ما عليه عندَ هذا الفِعلِ، أو القولِ، وَ «مَا» لِلعُمومِ، فيما لا يُعلَمُ، فيَقضي أن يَكونَ قاضِيًا جَميعَ ما عليه، ولو كان التَّسليمُ فَرضًا لم يكن قاضيًا جَميعَ ما عليه بدُونِه؛ لأنَّ التَّسليمَ يَبقَى عليه.
والآخَرُ: أنَّه خَيَّره بينَ القيامِ وبَين القُعودِ، مِنْ غيرِ شَرطِ لَفظِ التَّسليمِ، ولو كانَ فَرضًا ما خَيَّره، ولأنَّ رُكنَ الصَّلاةِ ممَّا تُؤدَّى به الصَّلاةُ، والسَّلامُ خُروجٌ عن الصَّلاةِ وتَركٌ لها؛ لأنَّه كَلامٌ وخِطابٌ لغيرِه؛ فكانَ مُنافِيًا لِلصَّلاةِ، فكَيفَ يَكونُ رُكنًا لها (١).
والمُعتَمدُ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ السَّلامَ واجِبٌ؛ لِمُواظَبةِ النَّبيِّ ﷺ عليه، ومُواظَبتُه دَليلُ الوُجوبِ فيما قامَ الدَّليلُ على عدمِ فَرضِيَّتِه، وقد قامَ ههنا، وهو ما ذكَرنا، فكانَ واجِبًا لا فَرضًا (٢).
التَّسليمُ هل تُجزِئُ فيه تَسليمةٌ واحدةٌ أو اثنتَانِ؟
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ صَلاةَ مَنِ اقتَصرَ على تَسلِيمةٍ واحدةٍ جائِزةٌ (٣).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: أجمعَ العُلماءُ الَّذينَ يُعتَدُّ بهم على أنَّه لا يجبُ إلا تَسليمةٌ واحدةٌ، فإنِ اقتَصرَ عليها استُحِبَّ له أن يسلِّمَ تِلقاءَ
стр. 929
وَجهِهِ (١)، لأنَّ عائِشَةَ وسَلمةَ بنَ الأكوَعِ وسَهلَ بنَ سَعدٍ قد رَوَوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يسلِّمُ في الصَّلاةِ تَسلِيمَةً واحدةً تِلقاءَ وَجهِهِ»، فإن سلَّم تَسليمتَينِ جعلَ الأُولى عن يَمينِه، والأُخرى عن يَسارِه، قالَ ابنُ مَسعودٍ: «رَأَيتُ النَّبيَّ ﷺ يسلِّمُ حتى يُرَى بَيَاضُ خَدِّه، عَنْ يَمِينِه وَيَسَارِهِ» (٢).
لكِن حَكى القاضي مِنْ الحَنابلَةِ رِوايةً أُخرى عن الإمامِ أحمدَ أنَّ التَّسليمةَ الثانيةَ واجِبةٌ، وقالَ: هي أصحُّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحِيحُ الأوَّلُ، وليس نَصُّ أحمدَ بصَريحٍ في وُجوبِ التَّسليمَتَينِ، إنما قالَ: التَّسليمَتَانِ أصحُّ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وحَديثُ ابنِ مَسعودٍ وغيرِه أذهَبُ إليه، ويَجوزُ أن يُذَهب إليه في المَشروعيَّةِ والاستِحبابِ، دونَ الإيجابِ، كما ذَهب إلى ذلك غيرُه، وقد دلَّ عليه قولُه في رِوايةٍ: أعجَبُ إلَيَّ التَّسليمَتَانِ، ولأنَّ عائِشَةَ وسَلمةَ بنَ الأكوَعِ وَسَهلَ بنَ سَعدٍ قد رَوَوه أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يسلِّمُ تَسلِيمَةً واحدةً»، وكانَ المُهاجِرونَ يسلِّمونَ تَسليمةً واحدًة، ففيما ذكَرنا جَمعٌ بينَ الأخبارِ وأقوالِ الصَّحابةِ ﵃ في أن يَكونَ المَشروعُ والمَسنونُ تَسليمَتَينِ، والواجِبُ واحدةً، وقد دلَّ على صحَّةِ هذا الإجماعِ ما حَكاه ابنُ المُنذرِ، فلا مَعدِلَ عنه، وفِعلُ النَّبيِّ ﷺ يُحمَلُ على المَشروعيَّةِ والسُّنةِ، فإنَّ أكثرَ
стр. 930
أفعالِ النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ مَسنونةٌ غيرُ واجِبةٍ، فلا يَمتَنِعُ حَملُ فِعلِه لِهذه التَّسليمةِ على السُّنةِ عندَ قيامِ الدَّليلِ عليها، واللهُ أعلَمُ، ولأنَّ التَّسليمةَ الواحدةَ يَخرُجُ بها مِنْ الصَّلاةِ، لم يَجِب عليه شَيءٌ آخَرُ فيها، ولأنَّ هذه صَلاةٌ، فتُجزِئُه فيها تَسليمةٌ واحدةٌ، ولأنَّ هذه واحدةٌ كصَلاةِ الجِنازةِ والنَّافِلةِ، وأمَّا قولُه في حَديثِ جابرٍ: «إنَّما يَكفِي أَحدَكُم»، فإنَّه يَعني: في إصابةِ السُّنةِ، بدَليلِ أنَّه قالَ: «أَنْ يَضَعَ يَدهُ على فَخِذِهِ ثم يسلِّمَ على أَخِيهِ مِنْ على يَمِينِه، وَشِمَالِه».
وكلُّ هذا غيرُ واجِبٍ، وهذا الخِلافُ الذي ذكَرناه في الصَّلاةِ المَفروضةِ.
أمَّا صَلاتَا الجِنازةِ والنَّافِلةِ، وسُجودُ التِّلاوةِ، فلا خِلافَ في أنَّه يَخرُجُ منها بتَسليمةٍ واحدةٍ، قالَ القاضي: هذا رِوايةٌ واحدةٌ، نصَّ عليه أحمدُ في صَلاةِ الجِنازةِ وسُجودِ التِّلاوةِ، ولأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ لم يسلِّموا في صَلاةِ الجِنازةِ إلا تَسليمةً واحدةً، واللهُ أعلَمُ (١).
١٢ - الطُّمَأنينة:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الطُّمأنينةِ في الصَّلاةِ، فَذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الطُّمأنينةَ رُكنٌ من أركانِ الصَّلاةِ؛ لحَديثِ المُسيءِ في صَلاتِه، وهو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ المَسجدَ،
стр. 931
فَدخلَ رَجلٌ فَصلَّى فَسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فَردَّ، وقالَ: «ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ»، فَرَجعَ يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاء فَسلَّم على النَّبيِّ ﷺ فقالَ: «ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ». ثَلاثا، فقالَ: وَالَّذي بعَثكَ بِالحقِّ ما أُحسِنُ غيرَهُ، فَعَلِّمنِي. فقالَ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّر، ثم اقرَأ ما تَيَسَّرَ معَكَ مِنْ القُرآنِ، ثم اركَع حتى تَطمَئن رَاكِعًا، ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا، ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم ارفَع حتى تَطمَئن جالسًا، وَافعَل ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا».
وهذا الحَديثُ لِبَيانِ أقَلِّ الواجِباتِ، ثم إنَّ الاستِدلالَ به مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّه أمرَه بالإعادةِ، والإعادةُ لا تَجِبُ إلا عندَ فَسادِ الصَّلاةِ، وفَسادُها بفَواتِ الرُّكنِ.
والثاني: أنَّه نَفَى كَونَ المُؤدَّى صَلاةً، بقولِه: فإنَّكَ لم تُصَلِّ.
والثالِثُ: أنَّه أمرَه بالطُّمأنينةِ، ومُطلَقُ الأمرِ لِلفَرضيةِ.
ورَوى البُخاريُّ عن زَيدِ بنِ وَهبٍ قالَ: «رَأى حُذَيفَةُ رَجلًا لَا يُتمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجودَ، قالَ: ما صلَّيتَ، وَلَو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطرَةِ التي فَطَرَ اللهُ مُحمَّدًا ﷺ عليها» (١).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: استُدلَّ به على وُجوبِ الطُّمأنينةِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، وعلى أنَّ الإخلالَ بها مُبطِلٌ لِلصَّلاةِ (٢).
стр. 932
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: وهذا الذي لم يُتمَّ صَلاتَه إنَّما تركَ الطُّمأنينةَ، أو تركَ الاعتِدالَ، أو تركَ كِلَيهما، فإنَّه لا بدَّ أن يَكونَ قد تركَ بَعضَ ذلك؛ إذ نَقرُ الغُرابِ والفَصلُ بينَ السَّجدتَينِ بحَدِّ السَّيفِ، والهُبوطُ مِنْ الرُّكوعِ إلى السُّجودِ لا يُمكِنُ أن يَنقُصَ منه مع الإتيانِ بما قد يُقالَ: إنَّه رُكوعٌ أو سُجودٌ، وهذا الرَّجلُ كان يأتي بما يُقالَ له: رُكوعٌ وسُجودٌ، لكنَّه لم يُتمَّه، ومع هذا قالَ حُذيفةُ: «ما صلَّيتَ»، فنَفَى عنه الصَّلاةَ، ثم قالَ: ما صلَّيتَ، وَلَو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطرَةِ التي فَطَرَ اللهُ مُحمَّدًا ﷺ عليها، وعلى غيرِ السُّنةِ، وكِلاهما المُرادُ به هنا الدِّينُ والشَّريعةُ، وليس المُرادُ به فِعلُ المُستحَبَّاتِ، فإنَّ هذا لا يُوجِبُ هذا الذَّمَّ والتَّهديدَ، فلا يَكادُ أحَدٌ يَموتُ على كلِّ ما فعلَه النَّبيُّ ﷺ مِنْ المُستحَبَّاتِ (١).
وعن أبي مَسعودٍ البَدرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا تُجزِئُ صَلاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجلُ فيها صُلبَه في الرُّكُوعِ وَالسُّجودِ» (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ: فهذا صَريحٌ في أنَّه لا تُجزِئُ الصَّلاةُ حتى يَعتدِلَ الرَّجلُ مِنْ الرُّكوعِ ويَنتَصبَ مِنْ السُّجودِ؛ فهذا يدلُّ على إيجابِ الاعتِدالِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، وهذه المَسألةُ -وإن لم تكُن هي مَسألةَ الطُّمأنينةِ- تُناسِبُها وتُلازِمُها؛ وذلك أنَّ هذا الحَديثَ نَصٌّ صَريحٌ في وُجوبِ الاعتِدالِ، فإذا وجبَ الاعتِدالُ لِإتمامِ الرُّكوعِ والسُّجودِ فالطُّمأنينةُ فيهما أوجَبُ (٣).
стр. 933
ومَحَلُّ الطُّمأنينةِ عندَهم في الرُّكوعِ والسُّجودِ والاعتِدالِ مِنْ الرُّكوعِ والجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ.
وذَهب الحَنفيَّةُ -ما عدا أبا يُوسفَ- إلى أنَّ الطُّمأنينةَ في الصَّلاةِ -ويُسمُّونَها: «تَعديلَ الأركانِ»، أو تَسكينَ الجَوارِحِ- ليست بفَرضٍ، وهي سُنَّةٌ، على تَخريجِ الجُرجَانِيِّ، واجِبةٌ على تَخريجِ الكَرخِيِّ، وهو الصَّحِيحُ، ولهذا يُكرَهُ تَركُها عَمدًا، ويَلزمُه سُجودُ السَّهوِ إذا تركَها ساهِيًا.
ومَحَلُّ التَّعديلِ عندَهم في الرُّكوعِ والسُّجودِ، واختارَ بَعضُ الحَنفيَّةِ وُجوبَ التَّعديلِ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، والجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ أيضًا.
قالَ في البَحرِ: وتَسكينُ الجَوارِحِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ حتى تَطمَئن مَفاصِلُه، وأدناه مِقدارُ تَسبيحةٍ، واجِبٌ، على تَخريجِ الكَرخِيِّ، وهو الصَّحِيحُ؛ كما في شَرحِ المُنيَةِ، وسُنةٌ على تَخريجِ الجُرجانِيِّ، وفَرضٌ على ما نقلَه الحاوي عن الثَّلاثةِ.
والذي نقلَه الجَمُّ الغَفيرُ أنَّه واجِبٌ عندَ أبي حَنيفَةَ ومُحمدٍ، فَرضٌ عندَ أبي يُوسفَ … ويدلُّ على وُجوبِها المُواظَبةُ عليها، وبهذا يَضعُفُ قولُ الجُرجانِيِّ، ولهذا سُئلَ مُحمدٌ عن تَركِها، فقالَ: إنِّي أخافُ ألَّا تَجوزَ، وعنِ السُّرخسيِّ: مَنْ تركَ الاعتِدالَ تَلزَمُه الإعادةُ (١).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: الطُّمأنينةُ في الرُّكوعِ واجِبةٌ عندَ أبي حَنيفةَ، ومُحمدٍ، كذا ذكرَه الكَرخيُّ، حتى لو تركَها ساهِيًا يَلزمُه سُجودُ السَّهوِ،
стр. 934
وذكرَ الجُرجانيُّ أنَّها سُنَّةٌ … والصَّحِيحُ ما ذكرَه الكَرخيُّ؛ لأنَّ الطُّمأنينةَ مِنْ بابِ إتمامِ الرُّكنِ، وإكمالُ الرُّكنِ واجِبٌ، كإكمالِ القِراءةِ بالفاتِحةِ، ألا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ ألحَقَ صَلاةَ الأعرابيِّ بالعدمِ؟ والصَّلاةُ إنَّما يُقضَى عليها بالعدمِ إما لانعِدامِها أصلًا، بتَركِ الرُّكنِ، أو بانتِقاصِها بتَركِ الواجِبِ، فتَصيرُ عدمًا مِنْ وَجهٍ، فأمَّا تَركُ السُّنةِ فلا يُلحَقُ بالعدمِ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ نُقصانًا فاحِشًا، ولهذا يُكرَهُ تَركُها أشَدَّ الكَراهةِ، حتى رُويَ عن أبي حَنيفَةَ أنَّه قالَ: أخشَى ألَّا تَجوزَ صَلاتُه (١).
ونقلَ ابنُ عابدينَ عن البَحرِ قولَه: ومُقتضَى الدَّليلِ وُجوبُ الطُّمأنينةِ في الأربعةِ؛ أي: في الرُّكوعِ والسُّجودِ والجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ؛ لِلمُواظَبةِ على ذلك كلِّه، ولِلأمرِ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، ولمَا ذكرَه قاضي خانَ مِنْ لُزومِ سُجودِ السَّهوِ بتَركِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ ساهِيًا، وفي المُحِيطِ: لو تركَ تَعديلَ الأركانِ أو القَومةَ التي بينَ الرُّكوعِ والسُّجودِ ساهِيًا، لزِمه السَّهوُ، فيَكونَ حكمُ الجَلسةِ التي بينَ السَّجدتَينِ كذلك؛ لأنَّ الكَلامَ فيهما واحدٌ، والقولُ بوُجوبِ الكلِّ هو مُختارُ المُحقِّقِ ابنِ الهُمامِ، وتِلميذِه ابنِ أميرِ الحاجِّ، حتى إنَّه قالَ: إنَّه الصَّوابُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
قالَ ابنُ عابدينَ: والحاصِلُ أنَّ الأصحَّ رِوايةً ودِرايةً وُجوبُ تَعديلِ الأركانِ، وأمَّا القَومَةُ والجَلسةُ وتَعديلُها فالمَشهورُ في المَذهبِ السُّنِّيةُ، ورُويَ وُجوبُها، وهو المُوافِقُ لِلأدلَّةِ، وعليه الكَمالُ، ومَن بعدَه مِنْ
стр. 935
المُتأَخِّرينَ، وقالَ أبو يُوسفَ بفَرضيَّةِ الكلَّ، واختارَه في المَجمَعِ والعينِيِّ، ورَواها الطَّحاويُّ عن أئِمَّتِنا الثَّلاثةِ، وقالَ في الفَيضِ: إنَّه الأحوَطُ (١).
ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفَةَ فيمَن لم يُقِم صُلبَه في الرُّكوعِ، إن كانَ إلى القيامِ أقرَبَ منه إلى إتمامِ الرُّكوعِ، لم يُجزِئه، وإن كانَ إلى إتمامِ الرُّكوعِ أقرَبَ منه إلى القيامِ أجزَأَه؛ إقامةً لِلأكثَرِ مَقامَ الكلِّ (٢).
أمَّا المالِكيَّةُ فإنَّ عندَهم في الطُّمأنينةِ خِلافًا، قالَ الدُّسوقيُّ: القولُ بفرَضيَّتِها صحَّحه ابنُ الحاجِبِ، والمَشهورُ مِنْ المَذهبِ أنَّها سُنَّةٌ؛ ولِذا قالَ زَرُّوقٌ والبُنانيُّ: مَنْ تركَ الطُّمأنينةَ أعادَ في الوقتِ على المَشهورِ، وقيلَ: إنَّها فَضيلةٌ (٣).
وإلى ما ذَهب إليه ابنُ الحاجِبِ ذَهب القُرطُبيُّ وغيرُه، فقالَ القُرطُبيُّ ﵀: لمَّا قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، قالَ بَعضُ عُلمائِنا وغيرُهم: يَكفي منها ما يُسمَّى رُكوعًا وسُجودًا، وكذلك مِنْ القيامِ، ولم يَشتَرِطوا الطُّمأنينةَ في ذلك، فأخَذوا بأقَلِّ الاسمِ في ذلك، وكأنَّهم لم يَسمَعوا الأحاديثَ الثَّابِتةَ في إلغاءِ الصَّلاةِ.
стр. 936
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: ولا يُجزِئُ رُكوعٌ ولا سُجودٌ ولا وُقوفٌ بعدَ الرُّكوعِ، ولا جُلوسٌ بينَ السَّجدتَينِ حتى يَعتدِلَ راكِعًا وواقِفًا وساجِدًا، وهو الصَّحِيحُ في الأثَرِ، وعليه جُمهورُ العُلماءِ وأهلُ النَّظرِ، وهي رِوايةُ ابنِ وَهبٍ وأبي مُصعَبٍ عن مالِكٍ.
وقالَ القاضي أَبو بَكرِ بنُ العَربيِّ ﵀: وقد تَكاثَرتِ الرِّوايةُ عن ابنِ القاسِمِ وغيرِه بوُجوبِ الفَصلِ وسُقوطِ الطُّمأنينةِ، وهو وَهمٌ عَظيمٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَها، وأمرَ بها، وعلَّمها، فإن كانَ لِابنِ القاسِمِ عُذرٌ أن كانَ لم يَطَّلِع عليها، فما لَكم أنتُم وقدِ انتَهى العِلمُ إليكم، وقامَتِ الحُجَّةُ به عَليكم؟!
ثم ذكرَ القُرطبيُّ حَديثَ رِفاعةَ بنِ رافِعٍ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، ثم قالَ: فهذا بَيانُ الصَّلاةِ المُجمَلةِ في الكتابِ، بتَعليمِ النَّبيِّ ﷺ وتَبليغِه إيَّاها جَميعَ الأنامِ، فمَن لم يَقِف عندَ هذا البَيانِ وأخَلَّ بما فَرَضَ عليه الرَّحمنُ، ولم يَمتَثِل لما بلغَه عن نَبِيِّه ﷺ كانَ مِنْ جُملةِ مَنْ دخلَ في قولِه تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] (١).
أقَلُّ الطُّمأنينةِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ أقَلَّ الطُّمأنينةِ هو سُكونُ الأعضاءِ.
стр. 937
قالَ المالِكيَّةُ: أقَلُّها ذَهابُ حَركةِ الأعضاءِ زَمنًا يَسيرًا.
وقالَ الشافِعيَّةُ: أقَلُّها أن يَمكُثَ المُصلِّي حتى تَستَقرَّ أعضاؤُه وتَنفَصلَ حَركةُ هَوِيِّهِ عن ارتِفاعِه.
قالَ النَّوويُّ: لو زادَ في الهَوِيِّ ثم ارتَفعَ والحَركاتُ مُتَّصِلةٌ ولم يَلبَث، لم تَحصُلِ الطُّمأنينةُ، فزِيادةُ الهَوِيِّ لا تَقومُ مَقامَ الطُّمأنينةِ بلا خِلافٍ.
وقالَ الحَنابلَةُ: أقَلُّها حُصولُ السُّكونِ، وإن قَلَّ، وهذا على الصَّحِيحِ مِنْ المَذهبِ، وقيلَ: هي بقَدرِ الذِّكرِ الواجِبِ، قالَ المِردَاوِيُّ: وفائِدةُ الوجهَينِ: إذا نَسيَ التَّسبيحَ في رُكوعِه، أو سُجودِه، أو التَّحميدَ في اعتِدالِه، أو سُؤالَ المَغفرةِ في جُلوسِه، أو عجَز عنه لِعُجمٍ أو خرَسٍ، أو تعمَّد تَركَه، وقُلنا: هو سُنَّةٌ، واطمَأَنَّ قَدرًا لا يتَّسعُ له، فصَلاتُه صَحِيحةٌ على الوَجهِ الأوَّلِ، ولا تَصحُّ على الثاني.
وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ أقَلَّ الطُّمأنينةِ هو تَسكينُ الجَوارِحِ قَدرَ تَسبيحةٍ (١).
١٣ - تَرتيبُ الأركانِ:
ذَهب الفُقهاءُ إلى أنَّ تَرتيبَ أركانِ الصَّلاةِ رُكنٌ مِنْ أركانِها، فلو سجدَ مَثلًا قبلَ رُكوعِه عَمدًا، بطَلت صَلاتُه إجماعًا؛ لِتَلاعُبِه، ولو تركَه سَهوًا لم يُعتَدَّ بما فعلَه بعدَ الرُّكنِ المَتروكِ؛ لوُقوعِه في غيرِ مَحَلِّه، ويَلزمُه الرُّجوعُ؛ لِيَركَعَ ثم يَسجُدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّاها مُرتبَةً، وقالَ: «صَلُّوا كما
стр. 938
رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي»، وعلَّمها لِلمُسيءِ في صَلاتِه مُرتبَةً: ب «ثُمَّ». ويَلزمُه سُجودُ السَّهوِ، والتَّرتيبُ واجِبٌ في الفَرائِضِ في أنفُسِها فَقط، وأما تَّرتيبُ السُّنةِ في أنفُسِها، أو مع الفَرائِضِ فليس بواجِبٍ، كأَن قدَّم الاستِعاذةَ على دُعاءِ الاستِفتاحِ (١).
وجاءَ في «مَطالِبِ أُولي النُّهَى» مِنْ كُتُبِ الحَنابلَةِ: (فَرعٌ: لوِ اعتَقَدَ مُصَلٍّ هذه الأركانَ) المَذكورةَ (سُنَّةً)، وأَدَّى الصَّلاةَ بهذا الاعتِقادِ، فصَلاتُه صَحِيحةٌ، (أو اعتَقَدَ السُّنةَ فَرضًا) فصَحِيحةٌ أيضًا، (أو لم يَعتقد شَيئًا) مَسنونًا ولا واجِبًا ولا غيرَه (وأدَّاها عالِمًا أنَّ ذلك كلَّه مِنْ الصَّلاةِ فَ) صَلاتُه (صَحِيحةٌ).
وكذلك إذا لم يَعرِفِ الشَّرطَ مِنْ الرُّكنِ، والفَرضَ مِنْ السُّنةِ، قالَه أبو الخطَّابِ، وردَّ المَجدُ على مَنْ لم يُصَحِّح الائتِمامَ بمَن يَعتقدُ أنَّ الفاتِحةَ نَفلٌ، بفِعلِ الصَّحابةِ، فمَن بعدَهم، مع شِدَّةِ اختِلافِهم فيما هو الفَرضُ والسُّنةُ، ولأنَّ اعتِقادَ الفَرضيةِ والنَّفليَّةِ يُؤَثِّرُ في جُملةِ الصَّلاةِ، لا في تَفاصيلِها؛ لأنَّ مَنْ صلَّى يَعتقدُ الصَّلاةَ فَريضةً يَأتي بأفعالٍ تَصحُّ منها، بَعضُها فَرضٌ وبَعضُها نَفلٌ، وهو يَجهلُ مِنْ السُّنةِ، أو يَعتقدُ فَرضًا، صحَّت صَلاتُه إجماعًا، قاله في المُبدِعِ.
стр. 939
(ويُتَوَجَّهُ: وعلى قِياسِه) أي: قياسِ فِعلِ الصَّلاةِ (نَحوُ وُضوءٍ) كغُسلٍ وتَيَمُّمٍ وزَكاةٍ وحَجٍّ، وفعلَها مُعتقِدًا أركانَها فُروضًا أو سُنَنًا، أو فعلَها ولم يَعتقد شَيئًا، فعِبادَتُه صَحِيحةٌ؛ لمَا تَقدَّم؛ اكتِفاءً بعِلمِه أنَّ ذلك كلَّهُ منها، وهو مُتَّجَهٌ (١).
سُننُ الصَّلاةِ وواجباتُها:
أنواعُ السُّننِ في الصَّلاةِ:
قسَّم جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ سُننَ الصَّلاةِ باعتِبارِ تَأَكُّدِها وعدمِه وما يَترتَّبُ على تَركِها إلى نَوعَينِ:
فقسَّمها الحَنفيَّةُ إلى سُننٍ وآدابٍ، والمَقصودُ بالسُّننِ: السُّننُ المُؤكَّدةُ التي واظَبَ عليها الرَّسولُ ﷺ أو الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ مِنْ بَعدِه، وتَركُها يُوجِبُ الإساءةَ والإثم إذا أصَرَّ على التَّركِ.
والآدابُ هي: السُّنةُ غيرُ المُؤكَّدةِ، وتَركُها لا يُوجِبُ إساءةً ولا عِتابًا، لكنَّ فِعلَها أفضَلُ (٢).
كما قسَّمها المالِكيَّةُ إلى سُننٍ ومَندوباتٍ، فالسُّننُ: هي السُّننُ المُؤكَّدةُ، والمَندوباتُ: هي السُّننُ غيرُ المُؤكَّدةِ، ويُسمُّونَها أيضًا نَوافِلَ وفَضائِلَ ومُستحَبَّاتٍ (٣).
стр. 940
وعندَ الشافِعيَّةِ تَنقَسِمُ السُّننُ: إلى أبعاضٍ وهَيئاتٍ.
والأبعاضُ: هي السُّننُ المَجبورةُ بسُجودِ السَّهوِ: سَواءٌ تركَها عَمدًا أو سَهوًا، وسُمِّيت أبعاضًا؛ لِتأَكُّدِ شَأنِها بالجَبرِ؛ تَشبيهًا بالبعضِ حَقيقةً، والهَيئاتُ: هي السُّننُ التي لا تُجبَرُ (١).
ولم يُقَسِّمها الحَنابلَةُ بهذا الاعتِبارِ، وإنَّما قَسَّموها باعتِبارِ القولِ والفِعلِ، فهي تَنقَسِمُ عندَهم إلى: سُننِ أقوالٍ، وسُننِ أفعالٍ وهَيئاتٍ، ولا تبطُلُ الصَّلاةُ بتَركِ شَيءٍ منها، ولو عَمدًا، ويُباحُ السُّجودُ لِلسَّهوِ (٢).
سُننُ الصَّلاةِ:
١ - رَفعُ اليَدينِ عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُسنُّ لِلمُصلِّي عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ أن يَرفَعَ يَديه.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَرفَعُ يَديه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمعَتِ الأمَّةُ على استِحبابِ رَفعِ اليَدينِ عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ (٤). لحَديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ لِلصَلاةِ رفعَ يَديهِ حتى تَكُونَا حَذوَ مَنكِبَيهِ» (٥).
стр. 941
٢ - القَبضُ (وَضعُ اليَدِ اليُمنَى على اليُسرَى):
اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على أربَعةِ أقوالٍ:
الأوَّلُ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ القَبضَ، وهو وَضعُ اليَدِ اليُمنَى على اليُسرَى، وهو رِوايةُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ عن الإمامِ مالِكٍ، وقالوا: إنَّه السُّنةُ، وحَكاه أيضًا ابنُ المُنذرِ عن مالِكٍ. قالَ ابنُ العَربيِّ: وهو الصَّحِيحُ. واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
١ - ما رَوى قَبيصةُ بن هُلبٍ عن أبيه ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأخُذُ شِمَالَه بِيَمِينِه» (١). رَواه التِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ، وعليه العملُ عندَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ والتَّابِعينَ، ومَن بعدَهم.
٢ - ما رَواه أبو حازِمٍ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِديِّ قالَ: كانَ النَّاسُ يُؤمَرُونَ أن يَضَعَ الرَّجلُ اليَد اليُمنَى على ذِرَاعِه اليُسرَى في الصَّلاةِ، قالَ أبو حَازِمٍ: لَا أَعلَمُه إلا يَنمِي ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ (٢).
٣ - ما رُويَ عن وائِلِ بنِ حُجرٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه وضعَ يَدهُ اليُمنَى على كَفِه اليُسرَى وَالرُّسغِ وَالسَّاعِدِ» (٣).
стр. 942
٤ - ما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «مرَّ بِيَ النَّبيُّ ﷺ وأنا وَاضِعٌ يَدِي اليُسرَى على اليُمنَى، فَأَخذَ بِيَدِي اليُمنَى فَوضعَهَا على اليُسرَى» (١).
٥ - قولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّا معاشِرَ الأَنبِيَاءِ أُمِرنَا أن نُعَجِّلَ فِطرَنَا، وأن نُؤَخر سَحُورَنَا، وأن نَضَعَ أَيمَانَنَا على شَمَائِلِنِا في الصَّلاةِ» (٢).
القولُ الثاني: استِحبابُ الإرسالِ وكَراهيةُ القَبضِ في الفَرضِ، والجَوازُ في النَّفلِ، قيلَ: مُطلَقًا، وقيلَ: إن طَوَّلَ. وهذه رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ في المُدَوَّنةِ، وإليه ذَهب الشَّيخُ خَليلٌ، وشُرَّاحُ مَتنِه، كالدَّرديرِ والدُّسوقيِّ، وعُلِّلتِ الكَراهةُ في الفَرضِ بأنَّ القَبضَ فيه اعتِمادٌ على اليَدينِ، فأشبَهَ الاستِنادَ، ولذلك قالَ الدَّرديرُ: فلو فعلَه، لا لِلِاعتِمادِ، بل استِنادًا، لم يُكرَه، ثم قالَ: وهذا التَّعليلُ هو المُعتَمدُ، وعليه فيَجوزُ في النَّفلِ مُطلَقًا، لِجَوازِ الاعتِمادِ فيه بلا ضَرورةٍ.
القولُ الثَّالثُ: إباحَةُ القَبضِ في الفَرضِ والنَّفلِ، وهو قولُ مالِكٍ في سَماعِ أشهَبَ وابنِ نافِعٍ.
وذكرَ الحَطَّابُ نَقلًا عن ابنِ فَرحونَ: وأمَّا إرسالُهما (أي: اليَدينِ) بعدَ رَفعِهما، فقالَ سَنَدٌ: لم أرَ فيه نَصًّا، والأظهَرُ عِنْدِي أن يُرسِلَهما حالَ التَّكبيرِ؛ ليَكونَ مُقارِنًا لِلحَركةِ، ويَنبَغي أن يُرسِلَهما برِفقٍ (٣).
стр. 943
وقالَ ابنُ عَبد البرِّ: ووَضعُ اليُمنَى منهما على اليُسرَى أو إرسالُهما، كلُّ ذلك سُنَّةٌ في الصَّلاةِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: في وَضعِ اليُمنَى على اليُسرَى رِوايتانِ: إحداهما: الاستِحبابُ، والأُخرى: الإباحةُ، وأمَّا الكَراهةُ ففي غيرِ مَوضِعِ الخِلافِ، وهي إذا قَصد بها الاعتِمادَ والاتِّكاءَ.
فوَجهُ الاستِحبابِ قولُه ﷺ : «ثَلاثٌ مِنْ أخلاقِ النُّبُوَّةِ … »، فذكرَ وَضعَ اليُمنَى على اليُسرَى في الصَّلاةِ. وقيلَ في تَأويلِ قولِه : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، في الصَّلاةِ، وَضعُ اليُمنَى على اليُسرَى في الصَّلاةِ. ولأنَّه أزيَدُ وأدخَلُ في الخُشوعِ وَوَقارِ الصَّلاةِ.
ووَجهُ نَفيِه: «كُفُّوا أيديَكم في الصَّلاةِ»، ولأنَّه ﷺ علَّم الأعرابيَّ الصَّلاةَ مَفروضَها وسُنَّتَها، ولم يَذكُر ذلك فيها، والأوَّلُ أظهَرُ.
(فَصلٌ): وَصفَةُ وَضعِ إحداهما على الأُخرى أن تَكونَ تحتَ صَدرِه وفوقَ سُرَّتِه، خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ في قولِه: إنَّ السُّنةَ أن يَضَعَهما تحتَ السُّرَّةِ؛ لأنَّه مَوضِعٌ مَحكومٌ له مِنْ العَورةِ؛ فلم يكن مَحَلًّا لوَضعِ اليُمنَى على اليُسرَى كالفَخِذِ (٢).
هذا وقد ذُكر عن الشافِعيَّةِ ما يُؤيِّدُ قولَ المالِكيَّةِ، إذ قالَ الشِّربينيُّ ما نَصُّه: «والقَصدُ مِنْ القَبضِ المَذكورِ -يَعني قَبضَ اليَدينِ في الصَّلاةِ-
стр. 944
تَسكينُ اليَدينِ، فإن أرسَلها ولم يَعبَث فلا بَأسَ، وقد نقلَ ابنُ الصَّبَّاغِ عن الشافِعيِّ هذا» (١).
القولُ الرابِعُ: مَنعُ القَبضِ فيهما، حَكاهُ الباجِيُّ، وتبِعه ابنُ عَرفةَ، ولكِن قالَ المِسناويُّ: هذا مِنْ الشُّذوذِ (٢).
واحتَجَّ المالِكيَّةُ على ذلك بحَديثِ المُسيءِ صَلاتَه بأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «علَّمه الصَّلاةَ وَلَم يَذكُر وَضعَ اليُمنَى على اليُسرَى».
وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيَّةِ القَبضِ ومَكانِ وَضعِ اليَدينِ.
كَيفيَّةُ القَبضِ:
فرَّق الحَنفيَّةُ في كَيفيَّةِ القَبضِ بينَ الرَّجلِ وبينَ المَرأةِ، فذَهَبوا إلى أنَّ الرَّجلَ يَأخُذُ بيَدِه اليُمنى رُسغَ اليُسرَى بحيثُ يُحَلِّقُ الخِنصَرَ والإبهامَ على الرُّسغِ، ويَبسُطُ الأصابعَ الثَّلاثَ، كما في شَرحِ المُنيةِ، ونحوِه في البَحرِ والنَّهرِ والمِعراجِ والكِفايةِ والفَتحِ والسِّراجِ وغيرِها. وقالَ في الدُّرِّ المُختار: هو المُختارُ، وقالَ الكاسانيُّ في البَدائِعِ: يُحَلِّقُ إبهامَه وخِنصَرَه وبِنصَرَه، ويَضَعُ الوُسطَى والمُسَبِّحَةَ على مِعصَمِه.
стр. 945
وأمَّا المَرأةُ فإنَّما تَضَعُ الكَفَّ على الكَفِّ، وكَذلك الخُنثَى (١).
وذَهب المالِكيَّةُ والحَنابلَةُ: إلى أنَّه يَقبِضُ بيَدِه اليُمنَى على كُوعِ اليُسرَى؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وضعَ اليُمنَى على اليُسرَى (٢).
وعندَ الشافِعيَّةِ: يُستحبُّ أن يَضَعَ اليُمنَى على اليُسرَى ويَقبِضَ بكَفِّ اليُمنَى كُوعَ اليُسرَى وبَعضَ رُسغِها وساعِدِها، ويَبسُطَ أصابِعَها في عَرضِ المِفصلِ، ويَنشُرَها صَوبَ السَّاعِدِ؛ لمَا رَوى وائِلُ بنُ حُجرٍ قالَ: قُلتُ: لَأنظُرَنَّ إلى صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ كيف يُصلِّي، فنَظَرتُ إليه، فوضعَ يَده اليُمنى على ظَهرِ كَفِّه اليُسرَى والرُّسغِ والسِّاعِدِ (٣)(٤).
مَكانُ الوَضعِ:
ذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُصلِّي يَضَعُ يَديه تحتَ السُّرَّةِ؛ لقولِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁: «السُّنةُ وَضعُ الكَفِّ على الكَفِّ في الصَّلاةِ تحتَ السُّرَّةِ» (٥).
стр. 946
لكنَّ الحَنفيَّةَ خَصُّوا هذا بالرَّجلِ، أمَّا المَرأةُ فتَضَعُ يَدها على صَدرِها، وقيلَ: تحتَ ثَديِها.
وذَهب الشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ -في النَّفلِ- والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسنُّ وَضعُ اليَدينِ تحتَ الصَّدرِ وفوقَ السُّرَّةِ؛ لِحَديثِ وائِلِ بنِ حُجرٍ قالَ: «صلَّيتُ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَوضعَ يَدهُ اليُمنَى على يَدِه اليُسرَى على صَدرِهِ» (١)، قالوا: أي: آخره، فتَكونُ اليَدُ تحتَه بقَرينَةِ رِوايةِ: «تحتَ صَدرِهِ»، والحِكمةُ في جَعلِهما تحتَ صَدرِه: أن يَكونَ فوقَ أشرَفِ الأعضاءِ، وهو القَلبُ؛ فإنَّه تحتَ الصَّدرِ.
وعنِ الإمامِ أحمدَ: أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَميعَ مَروِيٌّ، والأمرُ في ذلك واسِعٌ (٢).
٣ - دُعاءُ الاستِفتاحِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ دُعاءَ الاستِفتاحِ، بعدَ تَكبيرةِ الإحرامِ، وذَهب طائِفةٌ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمدَ إلى وُجوبِ الذِّكرِ، الذي هو ثَناءٌ، كالاستِفتاحِ، وهو اختيارُ ابنِ بَطَّةَ، وغيرِه، وذُكر هذا رِوايةً عن أحمدَ (٣).
стр. 947
وخالَفَ في ذلك الإمامُ مالِكٌ، فقالَ ابنُ القاسِمِ في المُدَوَّنَةِ: وكانَ مالِكٌ لا يَرى هذا الذي يَقولُ النَّاسُ: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبِحَمدِكَ، تَباركَ اسمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُكَ، وكانَ لا يَعرِفُه.
ثم نقلَ في رِوايةِ ابنِ وَهبٍ بسَنَدِه عن أنَس بنِ مالِكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ كانوا يَفتَتِحونَ الصَّلاةَ ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ: وقالَ مالِكٌ: ومَن كانَ وَراءَ الإمامِ ومَن هو وَحدَه ومَن كانَ إمامًا، فلا يَقُل: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ … » إلخ، ولكِن يُكبِّرُ، ومِن ثَمَّ يَبتَدئُونَ القِراءةَ (١).
وجاءَ في مَنحِ الجَليلِ: تَعليقًا على قولِ خَليلٍ بالكَراهةِ، فيُكرَهُ على المَشهورِ لِلعمَلِ، وإن صحَّ الحَديثُ به، وعن مالِكٍ ﵁ نَدبُ قولُه قبلَها -أي: قبلَ تَكبيرةِ الإحرامِ-: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبَحمدِكَ … إلخ، و: وَجَّهتُ وَجهِي … إلخ، و: اللَّهمَّ باعِد بَينِي وبينَ خَطايَايَ … إلخ.
قالَ ابنُ حَبيبٍ: بقولِه بعدَ الإقامةِ وقبلَ الإحرامِ، قالَ في البَيانِ -أي: ابنُ رُشدٍ-: وذلك حَسَنٌ (٢).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: المُستحَبُّ أن يَقرأَ الفاتِحةَ عُقَيبَ الإحرامِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ، في استِحبابِه التَّوجيهَ والتَّسبيحَ؛ لمَا رَوى أبو حُمَيدٍ في وَصفِه صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه كانَ يَرفَعُ يَديه ويُكبِّرُ ثم
стр. 948
يَقرأُ، ورُويَ قولُه ﷺ لِلَّذي علَّمه الصَّلاةَ: «كَبِّر ثم اقرَأ»، وقولُه: «تُكَبِّرُ ثم تَقرَأُ»، وفي حَديثِ أُبَيٍّ: كيف تَقرَأُ إذا فَتحتَ الصَّلاةَ؟ قالَ: «اللهُ أكبَرُ»، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢] (١).
ونقلَ الرَّافِعيُّ مِنْ الشافِعيَّةِ عن مالِكٍ قولَه: لا يُستَفتَحُ بعدَ التَّكبيرِ إلا بالفاتِحةِ، والدُّعاءُ والتَّعوُّذُ يُقدِّمُهما على التَّكبيرِ (٢).
فعلى هذا يَكونُ الخِلافُ بينَ المالِكيَّةِ والجُمهورِ في الاستِفتاحِ راجِعًا إلى مَوضِعِه، فعندَهم يَكونُ قبلَ التَّكبيرِ، وعندَ غيرِهم بعدَه.
صِيَغُ الاستِفتاحِ:
ورَدَ في الحَديثِ عن النَّبيِّ ﷺ استِفتاحُ الصَّلاةِ بصِيَغٍ مُختَلِفةٍ، أشهَرُها ثَلاث:
الأُولى: عن عائِشَةَ ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ قالَ: سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، وَتَباركَ اسمُكَ وَتَعالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غيرُكَ» (٣).
الثانيةُ: عن علِيٍّ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: «وَجَّهتُ وَجهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا مُسلِمًا،
стр. 949
وما أنا مِنْ المُشرِكِينَ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ لَا شَرِيكَ له، وَبِذلك أُمِرتُ وأنا مِنْ المُسلِمِينَ». وفي رِوايةٍ: «وأنا أَوَّلُ المُسلِمِينَ. اللَّهمُّ أنتَ المَلِكُ، لَا إِلَهَ لي إلا أنتَ، أنتَ رَبِّي، وأنا عَبدُكَ، ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي فَاغفِر لي ذُنُوبِي جَميعًا؛ إنَّه لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنتَ، وَاهدِنِي لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ، لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إلا أنتَ، وَأصرِف عَنِّي سيِّئَهَا، لَا يَصرِفُ سيِّئَهَا إلا أنتَ، لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ وَالخَيرُ كُلُّه في يَديكَ، وَالشَّرُّ ليس إِلَيكَ، أنا بِكَ وَإِلَيكَ، تَبارَكتَ وَتَعالَيتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ» (١).
الثَّالثةُ: حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا كبَّر في الصَّلاةِ سكتَ هُنَيَّةً قبلَ أَنْ يَقرأَ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بِأَبِي أنتَ وَأُمِّي، أَرَأَيتَ سُكُوتَكَ بينَ التَّكبيرِ وَالقِراءَةِ؟ ما تَقُولُ؟ قالَ: أَقُولُ: اللَّهمَّ باعِد بَينِي وَبينَ خَطَايَايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرِقِ وَالمَغربِ، اللَّهمَّ نَقِّنِي من خَطَايَايَ كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنْ الدَّنَس، اللَّهمَّ اغسِلنِي من خَطَايَايَ بِالثَّلجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ» (٢).
وقدِ اختَلفَ العُلماءُ فيما يَختَارُونَه مِنْ الصِّيَغِ المَأثورةِ على أقوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ جُمهورُ الحَنفيَّةِ والحَنابلَةِ: يَستَفتِحُ: ب «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ … » إلخ.
стр. 950
الثاني: ذَهب الشافِعيَّةُ في المُعتمَدِ عندَهم والآجُرِّيُّ مِنْ الحَنابلَةِ إلى الاستِفتاحِ بما في خَبرِ علِيٍّ: «وَجَّهتُ وَجهي … » إلخ.
قالَ النَّوويُّ: والذي يَلي هذا الاستِفتاحَ في الفَضلِ حَديثُ أبي هُريرةَ، يَعني: «اللَّهمَّ باعِد بَينِي وَبينَ خَطَايَايَ … » إلخ.
الثَّالثُ: ذَهب أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ وجَماعةٌ مِنْ الشافِعيَّةِ منهم أبو إسحاقَ المَروَزِيُّ والقاضي أبو حامِدٍ، وهو اختِيارُ الوَزيرِ ابنِ هُبيرةَ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمدَ: أن يَجمعَ بينَ الصِّيغَتَينِ الوارِدَتَينِ: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ … » إلخ. و «وَجَّهتُ وَجهي … » إلخ. ونَسَبه المِردَاوِيُّ إلى ابنِ تيميَّةَ.
هذا وقدِ استَحَبَّ النَّوويُّ أيضًا أن يَكونَ الاستِفتاحُ بمَجموعِ الصِّيَغِ الوارِدةِ كلِّها لِمَنْ صلَّى مُنفرِدًا، ولِلإمامِ إذا أذِنَ له المَأمُومونَ. وجَميعُ الآراءِ السابقةِ إنَّما هي بالنِّسبةِ لِلفَريضةِ.
أمَّا في النَّافِلةِ وخُصوصًا في صَلاةِ اللَّيلِ فقدِ اتَّفق الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ على الجَمعِ بينَ الثَّناءِ ودُعاءِ التَّوَجُّهِ.
قالَ ابنُ عابدينَ: لِحَملِ ما وردَ مِنْ الأخبارِ عليها، فيَقولُه -أي: التَّوَجُّهَ- في صَلاةِ اللَّيلِ؛ لأنَّ الأمرَ فيها واسِعٌ.
وفي صَحِيحِ مُسلِمٍ أنَّه ﷺ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ -وفي رِوايةٍ: إذا استَفتَحَ الصَّلاةَ- كبَّر ثم قالَ: «وَجَّهتُ وَجهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا». واتَّفق القائِلونَ به على أنَّه يُقالُ سِرًّا (١).