يَجُزْ تزويجُها بعدَ ذلك إلَّا برِضاها، ولا يُكتفَى بسُكوتِها في هذا المَوضعِ؛ لأنها ثيِّبٌ؛ لقَولِه ﷺ : «والثيَّبُ تُشاوَرُ».
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ أنَّ مَنْ زالَتْ عُذرَتُها بوَطءٍ يتعلَّقُ به ثُبوتُ النَّسبِ -وهو الوَطءُ بعَقدٍ جائزٍ أو فاسِدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ وجَبَ لها مَهرٌ بذلكَ الوطءِ- أنها تزوَّجُ كما تزوَّجُ الثيِّبُ (١).
إلَّا أنهم اختَلفُوا في مَوضعينِ:
المَوضعُ الأولُ: إذا زالَتْ بَكارتُها بزنًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زالَتْ بكارةُ المَرأةِ بزنًا أو غَصبٍ، هل يُرفَعُ الإجبارُ عنها بذلكَ وتكونُ في حُكمِ الثيِّبِ؟ أم تكونُ في حُكمِ البِكرِ وتزوَّجُ زواجَ الأبكارِ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ إلى أنَّ الثُّيوبةَ التي تَرفعُ الإجبارَ عن المرأةِ وأنْ تكونَ ثيِّبًا أو في حُكمِ الثيبِ هي التي تكونُ بوَطءٍ في نِكاحٍ صَحيحٍ أو شُبهةٍ مِنْ دُونِ الزِّنا والغَصبِ، فمَن زَنَتْ أو غُصبَتْ لا يَزولُ عنها الإجبارُ، وتُعامَلُ مُعامَلةَ البكرِ في الاستِئذانِ، وتزوَّجُ زواجَ الأبكارِ.
استدلَّ لأبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ عِلةَ وَضعِ النُّطقِ شَرعًا وإقامةَ السُّكوتِ مَقامَه في البِكرِ هو الحَياءُ، وقد وُجدَ، ودَلالةُ أنَّ العلَّةَ ما قُلنا إشارةُ النَّصِّ والمَعقولُ.
стр. 8857
أمَّا الأولُ فلِمَا رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «تُستأمَرُ النِّساءُ في أَبضاعِهنَّ، فقالَتْ عائِشةُ ﵂: البِكرُ تَستحِي يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ ﷺ : إذنُها صُماتُها»، فالاستِدلالُ به أنَّ قولَه ﷺ : «إذنُها صُماتُها» خرَجَ جَوابًا لقَولِ عائشةَ ﵂: «إنَّ البِكرَ تَستحِي» أي: عنِ الإذنِ بالنكاحِ نُطقًا، والجَوابُ بمُقتضَى إعادةِ السُّؤالِ؛ لأنَّ الجَوابَ لا يَتمُّ بدُونِ السؤالِ، كأنه قالَ ﷺ : «إذا كانَتِ البِكرُ تَستحِي عن الإذنِ بالنكاحِ نُطقًا فإذنُها صُماتُها»، فهذا إشارةٌ إلى أنَّ الحَياءَ علَّةُ وَضعِ النُّطقِ، وقيامُ الصُّماتِ مَقامَ الإذنِ علَّةٌ مَنصوصةٌ، وعلةُ النصِّ لا تتقيَّدُ بمَحلِّ النصِّ، كالطَّوافِ في الهِرَّةِ ونحوِ ذلكَ.
وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ الحَياءَ في البكرِ مانعٌ مِنْ النطقِ بصَريحِ الإذنِ بالنكاحِ؛ لِمَا فيه مِنْ إظهارِ رَغبتِها في الرِّجالِ؛ لأنَّ النكاحَ سَببُ الوطءِ، والناسُ يَستقبِحونَ ذلكَ منها ويَذمُّونَها ويَنسُبونَها إلى الوَقاحةِ، وذلكَ مانعٌ لها مِنْ النُّطقِ بالإذنِ الصَّريحِ، وهي مُحتاجةٌ إلى النكاحِ، فلو شُرطَ استِنطاقُها وهي لا تَنطقُ عادةً لَفاتَ عليها النكاحُ مع حاجتِها إليهِ، وهذا لا يَجوزُ، والحَياءُ مَوجودٌ في حَقِّ هذه وإنْ كانَتْ ثيِّبًا حَقيقةً؛ لأنَّ زَوالَ بَكارتِها لم تَظهرْ للناسِ، فيَستقبِحونَ منها الإذنَ بالنكاحِ صَريحًا ويَعدُّونَه مِنْ بابِ الوقاحةِ، ولا يَزولُ ذلكَ ما لم يُوجَدِ النكاحُ ويَشتهرِ الزِّنا، فحِينئذَ لا يُستقبَحُ الإظهارُ بالإذنِ ولا يُعَدُّ عَيبًا، بل الامتِناعُ عن الإذنِ عندَ استئْمارِ الوَليِّ يُعَدُّ رُعونةً منها؛ لحُصولِ العلمِ للناسِ بظُهورِ رَغبتِها في الرِّجالِ.
стр. 8858
وأمَّا حَديثُ: «البِكرُ تُستأمَرُ في نَفسِهَا، والثيِّبُ تُشاوَرُ» فالمُرادُ منهُ الثيِّبُ التي تَعارفَها الناسُ ثيِّبًا؛ لأنَّ مُطلَقَ الكَلامِ يَنصرفُ إلى المُتعارَفَ بينَ الناسِ، ولهذا لم تَدخلِ البكرُ التي زالَتْ عُذرَتُها بالطَّفرةِ والوَثبةِ والحَيضةِ ونحوِ ذلكَ في هذا الحَديثِ وإنْ كانَتْ ثيِّبًا حقيقةً (١).
وقالَ المالِكيةُ: ولأنَّ المَعنى الذي لأجْلِه ارتفَعَ إجبارُ الثيِّبِ بالنكاحِ أنَّ الحَياءَ الذي يَكونُ في البكرِ والانقِباضَ يَزولُ عنها وتَصيرُ مِنْ أهلِ الاختيارِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَزْنِيِّ بها؛ لأنَّ الحَياءَ يَغلُبُ عليها أشَدَّ مِنْ غَلبتِه على البِكرِ؛ لقُبحِ ما رَكبتْه وللعارِ الذي لَحِقَها لمَّا زَهِدَ الناسُ فيها، فلم يَرتفعِ الإجبارُ عنها، ولأنَّ ذهابَ البَكارةِ إذا لم يَحصلْ معَها الإجبارُ فذَهابُ الحَياءِ لا يُزيلُ الإجبارَ كالطَّفرةِ والوَثبةِ، ولأنَّ البكارةَ يتعلَّقُ بها أمرَانِ: حَجْرٌ في المالِ وإجبارُ التَّزويجِ، ثم ثبَتَ أنَّ وِلايةَ المالِ لا تَسقطُ عنها بهذا الفعلِ، كذلكَ الإجبارُ (٢).
وذهَبَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ زالَتْ بَكارتُها بوَطءٍ حَلالٍ أو حَرامٍ بزنًا أو غَصبٍ فهي كما لو
стр. 8859
زالَتْ بَكارتُها بالجِماعِ في النكاحِ، فيَكونُ حُكمُها حُكمُ الثيِّبِ في الإذنِ.
لقولِ النبيِّ ﷺ : «البِكرُ تُستأمَرُ، والثيِّبُ تُشاوَرُ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحِي؟ قالَ: سُكوتُها رِضاهَا» (١).
ولقَولِ النبيِّ ﷺ :» الثيِّبُ تُعرِبُ عن نَفسِهَا، والبِكرُ رضَاها صَمتُها» (٢)، وهذه ثيِّبٌ حَقيقةً؛ لأنَّ الثيِّبَ حَقيقةً مَنْ زالَتْ عُذرَتُها، وهذه كذلكَ، فيَجري عليها أحكامُ الثيِّبِ، ومِن أحكامِها أنه لا يَجوزُ نِكاحُها بغيرِ إذنِها نَصًّا، فلا يُكتفَى بسُكوتِها.
ولأنَّ قولَه ﷺ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أن تَسكُتَ» (٣).
وفي رِوايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قال: إذا سَكتَتْ» (٤).
وفي رواية: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبُوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٥)، يَدلُّ على أنه لا بُدَّ مِنْ نُطقِ الثيِّبِ؛ لأنه قَسَمَ النِّساءَ قِسمَينِ، فجعَلَ السُّكوتَ إذنًا لأحَدِهما، فوجَبَ أنْ يكونَ الآخَرُ بحالِه، وهذهِ ثيِّبٌ لغةً
стр. 8860
وشرعًا؛ فإنَّ الثَّيبَ هي المَوطوءةُ في القُبُلِ، وهذه كذلكَ، بدَليلِ أنه لو أَوصَى بعِتقِ كلِّ ثيِّبٍ في مِلكِه دخَلَتْ إجماعًا، وكذا لو أوصَى لثَيبِ النِّساءِ دخَلَتْ في الوَصيةِ، ولو أوصَى للأبكارِ لم تَدخلْ، ولو اشتَرطَها في التزويجِ أو الشراءِ بِكرًا فوجَدَها مُصابةً بالزنِّا ملَكَ الفسخَ، ولأنها مَوطوءةٌ في القُبلِ، فأشبَهَتِ المَوطوءةَ بشُبهةٍ، والتعليلُ بالحَياءِ غيرُ صَحيحٍ؛ فإنه أمرٌ خَفيٌّ لا يُمكِنُ اعتِبارُه بنَفسِه، وإنما يُعتبَرَ بمَظنتِه وهيَ البَكارةُ، ثم هذا التَّعليلُ يُفضِي إلى إبطالِ مَنطوقِ الحَديثِ، فيَكونُ باطِلًا في نَفسِه، ولا فرْقَ بينَ المُكرَهةِ والمُطاوِعةِ، وعلى هذا ليس لنا إجبارُها إذا كانَتْ بالِغةً، وقولُهم: «إنها لم تُباشِرِ الإذنَ» قُلنا: يَبطلُ بالمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في مِلكِ يَمينِ والمُزوَّجةِ وهي صَغيرةٌ (١).
المَوضعُ الثاني: إذا زالَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أو إصبَعٍ أو حِدَّةِ طَمثٍ:
فجُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ يَرَونَ أنه إذا زالَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أو إصبَعٍ أو حِدَّةِ طَمثٍ أنها في
стр. 8861
حُكمِ الأبكارِ في الإذنِ؛ لأنَّ الثَّيبَ إنما اعتُبِرَ إذنُها بالنُّطقِ؛ لِذَهابِ الحَياءِ بالوطءِ، وهذا الحَياءُ لا يَذهبُ بغيرِ الوطءِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ في أنَّ كلَّ مَنْ زالَتْ عُذرَتُها بوَثبةٍ أو طَفرةٍ أو حَيضةٍ أو طُولِ التَّعنيسِ أنها في حُكمِ الأبكارِ، تزوَّجُ كما تزوَّجُ الأبكارُ، ولا خِلافَ أيضًا أنَّ مَنْ زالَتْ عُذرَتُها بوطءٍ يَتعلَّقُ به ثُبوتُ النَّسبِ -وهو الوَطءُ بعقدٍ جائزٍ أو فاسِدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ وجَبَ لها مهرٌ بذلكَ الوطءِ- أنها تزوَّجُ كما تزوَّجُ الثيِّبُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ ذهَبَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أو بإصبعٍ أو حِدَّةِ طَمثٍ فحُكمُها حُكمُ البِكرِ في المَذهبِ؛ لأنَّ الثيِّبَ إنما اعتُبِرَ إذنُها بالنُطقِ؛ لذَهابِ الحَياءِ بالوطءِ، وهذا الحَياءُ لا يَذهبُ بغيرِ الوطءِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ ذهَبَتْ عُذرَتُها بغيرِ جِماعٍ كالوَثبةِ أو شِدَّةِ حَيضةٍ أو بأصبعٍ أو عُودٍ ونحوِه فحُكمُها حُكمُ الأبكارِ، ذكَرَه ابنُ
стр. 8862
حامدٍ؛ لأنها لم تَختبِرِ المَقصودَ، ولا وُجدَ وَطؤُها في القُبلِ، فأشبَهَتْ مَنْ لم تَزلْ عُذرَتُها، ولو وُطئَتْ في الدُّبرِ لم تَصِرْ ثَيبًا ولا حُكمُها حُكمُهنَّ؛ لأنها غيرُ مَوطوءةٍ في القُبلِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وجهٍ إلى أنَّ مَنْ زالَتْ بكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أنَّ حُكمَها حُكمُ المَوطوءةِ بالنكاحِ؛ لأنها ثيِّبٌ (٢).
كَيفيةُ إذنِ البِكرِ والثَّيبِ:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأمَّةِ أنَّ إذنَ الثَّيبِ الكَلامُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قال: أنْ تَسكُتَ» (٣).
وفي رواية: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قالَ: إذا سَكتَتْ» (٤).
وفي روايةٍ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٥).
стр. 8863
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا الثيِّبُ فلا بُدَّ فيها مِنْ النطقِ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَ الوليُّ أبًا أو غيرَه؛ لأنه زالَ كَمالُ حَيائِها بمُمارَسةِ الرجالِ، وسواءٌ زالَتْ بكارتُها بنكاحٍ صَحيحٍ أو فاسدٍ أو بوَطءِ شُبهةٍ أو بزنًا، ولو زالَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو بإصبعٍ أو بطُولِ المُكثِ أو وُطئَتْ في دُبرِها فلها حُكمُ الثيِّبِ على الأصَحِّ، وقيلَ: حُكمُ البِكرِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الثيِّبُ فلا نَعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إذنَها الكلامُ؛ للخبَرِ، ولأنَّ اللسانَ هو المعبِّرُ عما في القلبِ، وهو المعتبَرُ في كُلِّ مَوضعٍ يُعتبَرُ فيه الإذنُ، غيرَ أشياءَ يَسيرةٍ أُقيمَ فيها الصَّمتُ مَقامَه لعارِضٍ (٢).
وأمَّا البكرُ فإذنُها الصُّماتُ في حَقِّ الأبِ والجَدِّ بإجماعِ أهلِ العِلمِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أنْ تَسكُتَ» (٣).
وفي روايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قالَ: إذا سكَتَتْ» (٤).
стр. 8864
وعن عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «يا رسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحِي؟ قالَ: رِضاها صَمتُها» (١).
وفي رواية: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٢).
ولأنَّ الحَياءَ في البِكرِ مانعٌ مِنْ النطقِ بصَريحِ الإذنِ بالنكاحِ؛ لِما فيهِ مِنْ إظهارِ رَغبتِها في الرِّجالِ؛ لأنَّ النكاحَ سَببُ الوطءِ، والناسُ يَستقبِحونَ ذلك منها ويَذمُّونَها ويَنسُبونَها إلى الوقاحةِ، وذلكَ مانعٌ لها مِنْ النطقِ بالإذنِ الصريحِ، وهي مُحتاجةٌ إلى النكاحِ، فلو شُرطَ استِنطاقُها وهي لا تَنطقُ عادةً لَفاتَ عليها النكاحُ مع حاجَتِها إليه، وهذا لا يَجوزُ (٣).
واختَلفُوا فيما لو استَأذَنَها غيرُ الأبِ أو الجَدِّ مِنْ الأولياءِ، هل يُشترطُ نُطقُها؟ أم يَكفي صَمتُها؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ وغيرُهم مِنْ العُلماءِ أنَّ إذنَها صُماتُها، ولا يُشترطُ أنْ تَنطقَ؛ لقولِه ﷺ : «والبِكرُ تُستأذَنَ، وإذنُها صُماتَها»، وقولِه: «تُستأذَنُ
стр. 8865
اليَتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سكَتَتْ فقدْ أَذِنَتْ»، فهذا نَصٌّ في مَوضعِ الخِلافِ، ولأنَّ الإذنَ الذي هو بالقولِ لا يَختلفُ باختِلافِ الأولياءِ، فكذلكَ الصُّماتُ، ولأنَّ السُّكوتَ إنما جُعلَ إذنًا في حَقِّها لأنها تَستحِي أنْ تتكلَّمَ ويَغلبُ عليها الحَياءُ، ويُكرَهُ أنْ تُسرعَ بالنطقِ إلى الإجابةِ فيُظنَّ منها مُحبِّةٌ لذلكَ، وهذا لا يَختلفُ باختلافِ الأولياءِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وجهٍ إلى أنه لا يَحصلُ إلَّا بنُطقِها؛ لأنَّ كلَّ مَنْ يَفتقرُ نكاحُها إلى إذنِها افتَقرَ إلى نُطقِها مع قُدرتِها على النطقِ كالثيِّبِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا البكرُ فإذنُها صُماتُها في قولِ أهلِ العلمِ، منهُم شُريحٌ والشعبيُّ وإسحاقُ والنخَعيُّ والثوريُّ والأوزاعيُّ وابنُ شُبرمةَ وأبو حَنيفةَ، ولا فرْقَ بينَ كونِ الوليِّ أبًا أو غيرَه.
وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: في صَمتِها في حَقِّ غيرِ الأبِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يكونُ إذنًا؛ لأنَّ الصُّماتَ عدمُ الإذنِ، فلا يكونُ إذنًا، ولأنه مُحتمِلٌ الرِّضا والحياءَ وغيرَهما، فلا يكونُ إذنًا كما في حَقِّ الثيِّبِ، وإنما اكتُفيَ به في حَقِّ الأبِ لأنَّ رِضاءَها غيرُ مُعتبَرٍ.
وهذا شُذوذٌ عن أهلِ العلمِ وتَركٌ للسُّنةِ الصحيحةِ الصريحةِ يُصانُ الشافعيُّ عن إضافتِه إليهِ وجَعْلِه مَذهبًا له مع كَونِه مِنْ أَتْبَعِ الناسِ لسُنةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يُعرِّجُ مُنصِفٌ على هذا القولِ،
стр. 8866
وقد تقدَّمَتْ رِوايتُنا عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ فكيفَ إذنُها؟ قالَ: أنْ تَسكُتَ».
وفي رِوايةٍ عن عائِشةَ أنها قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحيِي؟ قالَ رِضاها صُماتُها» مُتفَقٌ عليهِ.
وفي روايةٍ: «واليَتيمةُ تُستأمَرُ، فصَمتُها إقرارُها» رواهُ النَّسائيُّ.
وفي روايةٍ: «تُستأمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سَكتَتْ فهو إذنُها»، وهذا صَريحٌ في غيرِ ذاتِ الأبِ.
ورَوى الأثرَمُ عن عَديٍّ الكِنديِّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «الثيِّبُ تُعرِبُ عن نَفسِها، والبِكرُ رِضاها صُماتُها»، والأخبارُ في هذا كَثيرةٌ، ولأنَّ الحَياءَ عُقلةٌ على لِسانِها يَمنعُها النطقَ بالإذنِ، ولا تَستحيِ مِنْ إِبائِها وامتناعِها، فإذا سَكتَتْ على الظنِّ أنه لرِضاها فاكتُفيَ به، وما ذكَرُوه يُفضِي إلى أنْ لا يكونَ صُماتُها إذنًا في حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأنهُم جعَلَوا وُجودَه كعَدمِه، فيكونُ إذًا رَدًّا على النبيِّ ﷺ بالكُليةِ واطِّراحًا للأخبارِ الصريحةِ الجليلةِ وخَرقًا لإجماعِ الأمَّةِ المَرضيةِ.
فإنْ نطَقَتْ بالإذنِ فهو أبلَغُ وأتَمُّ في الإذنِ مِنْ صَمتِها، وإنْ بكَتْ أو ضَحكَتْ فهو بمَنزلةِ سُكوتِها.
стр. 8867
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إنْ بكَتْ فليسَ بإذنٍ؛ لأنه يَدلُّ على الكَراهيةِ، وليسَ بصَمتٍ فيَدخلَ في عُمومِ الحديثِ.
ولنا: ما روَى أبو بكرٍ بإسنادِه عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «تُستأمَرُ اليَتيمةُ، فإنْ بكَتْ أو سكَتَتْ فهو رِضاها، وإنْ أبَتْ فلا جَوازَ عليها»، ولأنها ناطِقةٌ بالامتِناعِ مع سَماعِها للاستِئذانِ، فكانَ إذنًا منها كالصُّماتِ والضَّحكِ، والبكاءُ يَدلُّ على فَرطِ الحياءِ لا على الكَراهةِ، ولو كَرهَتْ لامتَنعَتْ؛ فإنها لا تَستحيِي مِنْ الامتِناعِ، والحَديثُ يَدلُّ بصَريحِه على أنَّ هذا الصَّمتَ إذنٌ، وبمَعناهُ على ما في مَعناهُ مِنْ الضحكِ والبُكاءِ، وكذلكَ أقَمْنا الضَّحكَ مَقامَه (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا قولُه ﷺ في البِكرِ: «إذنُها صُماتُها» فظاهِرُه العُمومُ في كلِّ بكرٍ وكلِّ وليٍّ، وأنْ سُكوتَها يَكفِي مُطلقًا، وهذا هو الصَّحيحُ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: إنْ كانَ الوليُّ أبًا أو جَدًّا فاستِئذانُه مُستحَبٌّ ويكفِي فيه سكوتُها، وإنْ كانَ غيرَهما فلا بُدَّ مِنْ نُطقِها؛ لأنها تَستحِي مِنْ الأبِ والجَدِّ أكثرَ مِنْ غيرِهما، والصَّحيحُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّ السكوتَ كافٍ في جميعِ الأولياءِ؛ لعُمومِ الحَديثِ لوُجودِ الحَياءِ (٢).
стр. 8868
حُكمُ إعضالِ الأبِ:
العَضْلُ في اللغةِ مِنْ: عَضَلَ الرَّجلُ حُرمَتَه عَضْلًا -مِنْ بابَي قَتَلَ وضَرَبَ- منَعَها التزويجَ، وعَضَلَ المرأةَ عن الزَّوجِ: حَبَسَها، وعَضَلَ بهم المَكانُ: ضاقَ، وأعضلَ الأمرُ: اشتَدَّ، ومنه: داءٌ عُضالٌ أي: شَديدٌ (١).
وقد عرَّفَ الفُقهاءُ العَضْلَ بأنه: مَنعُ الوليِّ مُولِّيتَه مِنْ النكاحِ.
قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: العَضلُ: هو مَنعُ الوليِّ وليَّتَه مِنْ النكاحِ، وأصلُ العَضلِ: هو التَّضييقُ والمَنعُ، وأصلُه مِنْ عَضلَتِ الناقةُ: إذا نشَبَ ولَدُها ولم يَسهلْ مَخرجُه (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: العضل: هو منعُ المرأةِ مِنْ التزويجِ بكُفئِها إذا طلَبَتْ ذلكَ ورَغبَ كلُّ واحدٍ منهُما في صاحبِه، وسواءٌ طلَبَتِ التزويجَ بمَهرِ مثلِها أو دونِه (٣).
ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المرأةَ إذا دَعَتْ وَليَّها إلى أنْ يزوِّجَها مِنْ كُفءٍ بمَهرِ مثلِها فليسَ له الامتناعُ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والعَضلُ هو المَنعُ، وسَببُ ذلكَ امتناعُ مَعقلِ بنِ يَسارٍ مِنْ إنكاحِ أختِه الذي
стр. 8869
طلَّقَها زَوجُها، فنزلَتْ هذه الآيةُ، فدَعاهُ النبيُّ ﷺ فزوَّجَها إيَّاهُ، فروَى البُخاريُّ وغيرُه عنِ الحَسَنِ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قالَ: حدَّثَني مَعقلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلَتْ فيهِ، قالَ: «زوَّجْتُ أختًا لي مِنْ رَجلٍ فطلَّقَها، حتى إذا انقَضَتْ عدَّتُها جاءَ يَخطبُها، فقلتُ له: زوَّجتُكَ وفرَشتُكَ وأكرَمتُكَ فطلَّقتَها، ثُمَّ جِئتَ تَخطبُها، لا واللَّهِ لا تَعودُ إليكَ أبدًا، وكانَ رَجلًا لا بأسَ به، وكانَتِ المَرأةُ تُريدُ أنْ تَرجعَ إليه، فأَنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فقُلتُ: الآنَ أفعَلُ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فزوَّجَها إياه» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العلماءُ على أنَّ السُّلطانَ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ، وأجمَعُوا أنَّ السُّلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودَعَتْ إلى كُفءٍ وامتَنعَ الوليُّ مِنْ أنْ يزوِّجَها (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ السُّلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودَعَتْ إلى كُفؤٍ وامتَنعَ الوليُّ أنْ يزوِّجَها، وهذا على مَذهبِ مالكٍ والثوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ، وَروينَا معنَى هذا القَولِ عن عُثمانَ وشُريحٍ والنخَعيِّ، وكذلكَ نقولُ (٣).
стр. 8870
وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ السلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودَعَتْ إلى كُفؤٍ وامتنَعَ الوليُّ أنْ يزوِّجَها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنه ليسَ للوليِّ أنْ يَعضلَ وَليَّتَه إذا دَعَتْ إلى كُفءٍ وبصِداقِ مثلِها، وأنها تَرفعُ أمْرَها إلى السلطانِ فيُزوِّجُها، ما عَدَا الأبَ فإنه اختَلفَ فيه المَذهبُ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا وِلايةُ الإمامةِ فسَببُها الإمامةُ، ووِلايةُ الإمامةِ نَوعانِ أيضًا كولايةِ القَرابةِ، وشَرطُها ما هو شَرطُ تلكَ الولايةِ في النَّوعينِ جَميعًا، ولها شَرطانِ آخَرانِ:
أحَدُهما: يَعمُّ النَّوعينِ جَميعًا: وهو أنْ لا يكونَ هناكَ وليٌّ أصلًا؛ لقولِه ﷺ : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (٣).
والثَّاني: يَخصُّ أحَدَهما وهو وِلايةُ النَّدبِ والاستِحبابِ، أو ولايةُ الشَّركةِ على اختِلافِ الأصلِ: وهو لعَضلٍ مِنْ الوليِّ؛ لأنَّ الحرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا طلَبَتِ الإنكاحَ مِنْ كُفءٍ وجَبَ عليه التَّزويجُ منه؛ لأنه مَنهيٌّ عن
стр. 8871
العَضلِ، والنهيُ عن الشيءِ أمرٌ بضِدِّه، فإذا امتَنعَ فقدْ أضَرَّ بها، والإمامُ نُصِّبَ لدَفعِ الضَّررِ، فتَنتقلُ الولايةُ إليهِ (١).
وقد حُكيَ الإجماعُ أنه كَبيرةٌ، قالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ في «الزَّواجِر عَنْ اقتِرافِ الكبَائرِ»: الكَبيرةُ الخامِسةُ والخَمسونَ بعد المِائتينِ: عَضلُ الوليِّ مُولِّيتَه عنِ النكاحِ بأنْ دعَتْه إلى أنْ يزوِّجَها مِنْ كُفءٍ لها وهي بالِغةٌ عاقِلةٌ فامتَنعَ، وكونُ هذا كَبيرةً هو ما صرَّحَ به النَّوويُّ في فتاويهِ فقالَ: أجمَعَ المُسلمونَ على أنْ العَضلَ كَبيرةٌ، لكنَّ الذي قرَّرَه هو والأئمَّةُ في تَصانيفِهم أنه صَغيرةٌ، وأنَّ كونَه كَبيرةً وجهٌ ضَعيفٌ، بل قالَ إمامُ الحرَمينِ في «النهايةِ»: لا يَحرمُ العَضلُ إذا كانَ ثَمَّ حاكمٌ، وقالَ غيرُه: يَنبغِي ألَّا يَحرمَ مُطلقًا إذا جوَّزْنا التَّحكيمِ، أي: لأنَّ الأمرَ حِينئذٍ لم يَنحصرْ في الوليِّ.
وإذا قُلنَا: «صَغيرةٌ» فتكرَّرَ فظاهِرُ كلامِ النَّوويِّ والرَّافعيِّ أنه يَصيرُ كَبيرةً، حيثُ قالَ: وليسَ العَضلُ مِنْ الكَبائرِ، وإنما يَفسقُ به إذا عضَلَ مرَّاتٍ، أقلُّها فيما حُكيَ عن بَعضِهم ثَلاثٌ. انتهى (٢).
إلا أنَّ الفقهاءَ اختَلفُوا هُنا في ثَلاثِ مَسائلَ:
стр. 8872
المَسألةُ الأولى: إذا دَعَتِ المرأةُ إلى كُفءٍ بأقَلَّ مِنْ مَهرِ مِثلِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو دَعَتِ المَرأةُ إلى كُفءٍ بأقلَّ مِنْ مهرِ مِثلِها، هل للوليِّ أنْ يَمتنعَ مِنْ تزويجِها أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه ليسَ له أنْ يَمتنعَ مِنْ تزويجِها؛ لأنَّ المهرَ خالِصُ حَقِّها وعِوضٌ يَختصُّ بها، فلمْ يَكنْ لهم الاعتِراضُ عليها فيه كثَمنِ عَبدِها وأجرةِ دارِها، ولأنها لو أسقَطَتْه بعدَ وُجوبِه سقَطَ كلُّه، فبَعضُه أَولى، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ أرادَ أنْ يزوِّجَه: «الْتَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ» (١)، وقالَ لامرأةٍ زوِّجَتْ بنَعلينِ: «أرَضِيتِ بنَعلينِ مِنْ نَفسِكِ؟ قالَتْ: نعم، فأجازَه النبيُّ ﷺ » (٢)، وأنَّ هذا ليسَ بعارٍ عليهِم؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ قالَ: «لو كانَ مَكرُمةً في الدُّنيا أو تَقوى عندَ اللهِ كانَ أَولاكُم بها رَسولُ اللهِ ﷺ »، يعني غُلوَّ الصَّداقِ (٣).
стр. 8873
وذهَبَ الإمامُ أبوحَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ لِأوليائِها منْعَها مِنْ التزويجِ بدونِ مهرِ مثلِها؛ لأنَّ عليهم في ذلكَ عارًا، وفيه ضَررٌ على نِسائِها لنقصِ مهرِ مثلِهنَّ، ولأنهُم يَفتخرونَ بغَلاءِ المهرِ ويَتعيَّرونَ ببَخسِه، فيَلحقُهم الضررُ بالبَخسِ وهو ضَررُ التَّعييرِ، فكانَ لهم دَفعُ الضررِ عن أنفُسِهم بالاعتراضِ، ولهذا يَثبتُ لهم حَقُّ الاعتراضِ بسببِ عدمِ الكَفاءةِ، كذا هذا، ولأنها بالبَخسِ عن مهرِ مثلِها أضَرَّتْ بنِساءِ قَبيلتِها؛ لأنَّ مُهورَ مثلِها عندَ تَقادُمِ العهدِ تُعتبَرُ بها، فكانَتْ بالنَّقصِ مُلحِقةً الضررَ بالقبيلةِ، فكانَ لهم دَفعُ هذا الضررِ عن أنفُسِهم بالفَسخِ (١).
المَسألةُ الثانية: إذا دَعَتْ إلى كُفءٍ ودَعَى وليُّها إلى كُفءٍ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المرأةَ إذا دَعَتْ إلى كُفءٍ ودَعَا وليُّها غيرُ الأبِ إلى كُفءٍ أنه يقدَّمُ كفؤُها، فيجبُ على الوليِّ غيرِ الأبِ في البِكرِ إجابةُ المرأةِ إلى كُفءٍ مُعيَّنٍ دعَتْ إليه وهي بالغةٌ؛ لأنها لو لم تُجَبْ لذلكَ مع كونِها مُضطرةً إلى عَقدِه كانَ ذلكَ ضررًا بها، فإنْ دعَا الوليُّ إلى كُفءٍ غيرِ كُفئِها أُجيبَتْ وكانَ كُفؤُها أَولى مِنْ كُفئِه؛ لأنه أدوَمُ للعِشرةِ، فيأمُرُه الحاكمُ أنْ يزوِّجَ مَنْ دَعَتْ إليه، فإنْ فعَلَ فواضِحٌ.
стр. 8874
قالَ المالِكيةُ: يجبُ على الوليِّ ولو أبًا غيرَ مُجبِرٍ الإجابةُ لكُفءٍ رَضيَتْ به، سَواءٌ طلَبَتْه للتزويجِ بهِ أو لم تَطلبْه بأنْ خطَبَها ورَضيَتْ بهِ؛ لأنها لو لم تُجَبْ لذلكَ مع كَونِها مُضطرةً إلى عَقدِه كانَ ذلكَ ضررًا بها.
وإنْ دَعَتْ إلى كُفءٍ ودَعَا وليُّها إلى كُفءٍ غيرِ كُفئِها أُجيبَتْ وكانَ كُفؤُها أَولى مِنْ كُفئِه؛ لأنه أدوَمُ للعِشرةِ، فيأمُرُه الحاكمُ أنْ يزوِّجَ مَنْ دَعَتْ إليه، فإنْ فعَلَ فواضِحٌ.
وإنْ تَمادَى على الامتِناعِ فيَسألُه عن وَجهِه، فإنْ رآهُ صَوابًا رَدَّها إليه، وإنْ لم يُبْدِ وَجهًا صحيحًا أُمِرَ بتزويجِها، فإنِ امتَنعَ مِنْ تزويجِها بعدَ الأمرِ زوَّجَها الحاكِمُ بعدَ ثُبوتِ ثُيوبتِها عندَه، وملَّكَها أمْرَ نفسِها، وإنَّ المهرَ مَهرُ مثلِها وكَفاءةُ الخاطِبِ، ولا يَنتقلُ للأبعَدِ مِنْ الأولياءِ على الصحيحِ، وإنْ شاءَ الحاكِمُ رَدَّ العقدَ لغيرِ العاضِلِ مِنْ الأولياءِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا دَعَتْ بالغةٌ عاقِلةٌ بكرٌ أو ثَيبٌ إلى كُفءٍ ولو عِنِّينًا ومَجبوبًا وقد خطَبَها وعيَّنتْه ولو بالنوعِ كأنْ خطَبَها أكْفاءُ فدَعَتْه إلى أحَدِهم وامتَنعَ الوليُّ ولو مُجبِرًا غيرُ الأبِ أو قالَ: «لا أزوِّجُ إلَّا مَنْ هو أَكفَأُ منه» فهو عاضِلٌ ويزوِّجُها السُّلطانُ ولا تَنتقلُ الولايةُ للأبعَدِ، ومَحلُّ ذلكَ إذا
стр. 8875
كانَ العَضلُ دُونَ ثَلاثِ مرَّاتٍ، فإنْ كانَ ثلاثَ مراتٍ زوَّجَ الأبعدُ؛ بناءً على مَنعِ ولايةِ الفاسقِ.
وهل المُرادُ بالمرَّاتِ الثلاثِ الأنكِحةُ؟ أو بالنِّسبةِ إلى عَرضِ الحاكمِ ولو في نِكاحٍ واحدٍ؟ فيه نَظرٌ، والأوجَهُ الثاني (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ رَغبَتِ المرأةُ في كُفءٍ بعَينِه وأرادَ الوليُّ تزويجَها لغيرِه مِنْ أكفائِها وامتَنعَ مِنْ تَزويجِها مِنْ الذي أرادَتْه كانَ عاضِلًا لها.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: مِنْ صُورِ العَضلِ إذا امتَنعَ الخُطَّابُ مِنْ خِطبتِها لشدَّةِ الوليِّ (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فعِندَهم الكَفاءةُ مُعتبَرةٌ في النكاحِ، فإذا تزوَّجَتِ المرأةُ مِنْ غيرِ كُفءٍ فلِلأولياءِ أنْ يفرِّقُوا بينَهُما (٣).
فأمَّا إنْ طلَبَتِ التَّزويجَ بغيرِ كُفئِها فله مَنعُها مِنْ ذلكَ بلا خِلافٍ، ولا يكونُ عاضِلًا لها بهذا؛ لأنها لو زوِّجَتْ مِنْ غيرِ كُفئِها له فَسخُ النكاحِ، فلَأنْ تُمنعَ منه ابتِداءً أَولى (٤).
стр. 8876
إلا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو دَعَتْ إلى كُفءٍ ودعَا أبوها إلى كُفءٍ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنه يُقدَّمُ كُفءُ الأبِ، وكذا الجَدِّ عندَ الشافِعيةِ، ما لم يتكرَّرْ ويَتحقَّقْ عَضلُه وإضرارُه.
قالَ المالِكيةُ: لا يُعدُّ الأبُ المُجبِرُ عاضِلًا لمُجبَرتِه برَدِّه لكُفئِها رَدًّا مُتكرِّرًا؛ وذلكَ لِمَا جُبِلَ عليه الأبُ مِنْ الحَنانِ والشَّفقةِ على بنتِه، ولجَهلِها بمَصالحِ نَفسِها، فرُبَّما عَلِمَ الأبُ مِنْ حالِها أو مِنْ حالِ الخاطِبِ ما لا يُوافِقُ، فلا يُعَدُّ عاضِلًا بما ذُكِرَ حتَّى يَتحقَّقَ عَضلُه وإضرارُه ولو بمَرةٍ، فإنْ تَحقَّقَ قالَ له الإمامُ: «إمَّا أنْ تزوِّجَ وإلَّا زوَّجْناها عليكَ»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ» (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: إذا عيَّنَتِ المرأةُ المُجبَرةُ كُفئًا وأرادَ الأبُ أو الجَدُّ كُفئًا غيرَه فله ذلكَ وإنْ كانَ كُفؤُها يَبذلُ أكثرَ مِنْ مَهرِ المثلِ؛ لأنه أكمَلُ نَظرًا منها (٢).
стр. 8877
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ -وهوَ مُقتضَى مَذهبِ الحَنفيةِ- إلى أنَّ المَرأةَ إذا عيَّنَتْ كُفئًا وعيَّنَ وليُّها كُفئًا آخَرَ أنه يقدَّمُ كُفؤُها ويَلزمُه إجباتُها لذلكَ؛ إعفافًا لها (١).
المَسألةُ الثالِثةُ: حَدُّ العَضلِ:
قالَ المالِكيةُ: لا يُعَدُّ الأبُ المجبِرُ عاضِلًا لمُجبَرتِه برَدِّه لكُفئِها ردًّا مُتكررًا؛ وذلكَ لِمَا جُبِلَ عليه الأبُ مِنْ الحَنانِ والشَّفقةِ على بنتِه، ولجَهلِها بمَصالحِ نَفسِها، فرُبَّما عَلِمُ الأبُ مِنْ حالِها أو مِنْ حالِ الخاطِبِ ما لا يُوافِقُ، فلا يُعَدُّ عاضِلًا بما ذُكِرَ حتَّى يَتحقَّقَ عَضلُه وإضرارُه ولو بمَرةٍ، فإنْ تَحقَّقَ قالَ له الإمامُ: «إمَّا أنْ تُزوِّجَ وإلَّا زوَّجْناها عليكَ»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ».
وأمَّا غيرُ المُجبَرةِ سَواءٌ كانَتْ ثَيبًا أو بُكرًا مُرشدةً فيُعَدُّ الأبُ عاضِلًا لها برَدِّ أولِ كُفءٍ، وكذا غيرُه مِنْ الأولياءِ يُعَدُّ عاضلًا برَدِّه أولَّ كُفءٍ (٢).
стр. 8878
وقالَ الشافِعيةُ: لا بُدَّ مِنْ ثُبوتِ العَضلِ عندَ الحاكمِ ليُزوِّجَها، ولا يَتحققُ العَضلُ حتَّى يَمتنعَ بينَ يَدَي القاضي، وذلكَ بأنْ يَحضرَ الخاطِبُ والمَرأةُ والوليُّ ويأمُرَه القاضي بالتزويجِ فيقولُ: «لا أفعَلُ» أو يَسكتُ، فحِينئذٍ يزوِّجُها القاضي، وكانَ هذا فيما إذا تيسَّرَ إحضارُه عند القاضي.
فأمَّا إذا تَعذَّرَ بتعزُّزٍ أو تَوارٍ فيَجبُ أنْ يَجوزَ الإثباتُ بالبينةِ كسائرِ الحُقوقِ، وعندَ الحُضورِ لا معنَى للبينةِ، فإنه إنْ زوَّجَ وإلَّا فعَضلٌ.
ومَحلُّ تزويجِ الحاكمِ عندَ العَضلِ إذا لم يَتكرَّرْ ثلاثَ مَراتٍ، واختُلفَ هل المَراتُ الثلاثُ تكونُ في الأنكِحةِ؟ أم في العَرضِ على الحاكمِ ولو في نِكاحٍ واحدٍ؟ قالَ في «المهمَّات»: فيه نَظرٌ، والأوجَهُ الثاني (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَحصلُ العَضلُ إنْ تكرَّرَ مِنْ الوليِّ ثلاثًا، فإذا تكرَّرَ ذلكَ منه بأنْ خطَبَها كُفءٌ فمنَعَ وآخَرُ فمنَعَ وآخَرُ فمنَعَ صارَ ذلكَ كبيرةً تَمنعُ الولايةَ؛ لأجلِ الإضرارِ ولأجلِ الفسقِ، ولا يَفسقُ إلا أنْ يتكرَّرَ الخُطَّابُ وهو يَمنعُ، أو يَعضلَ جَماعةً مِنْ مُولِّياتِه دفعةً واحدةً، ومِن صُورِ العَضلِ المُسقطِ لوِلايتِه لو امتَنعَ الخُطَّابُ لشدَّةِ الوليِّ، قاله الشيخُ
стр. 8879
تقيُّ الدِّينِ، لكنَّ الظاهِرَ أنه لا حُرمةَ على الوليِّ هنا؛ لأنَّ ليس له فِعلٌ في ذلكَ، وحِينئذٍ تَنتقلُ الولايةُ إلى الأبعَدِ، فإنْ عضَلَ الأبعدُ أيضًا زوَّجَها الحاكِمُ (١).
стр. 8880
تكملة النكاح
стр. 8881
تكملة النكاح
الرُّكنُ الثَّالثُ: الشُّهودُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ النكاحَ المَعقودَ بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ صَحيحٌ.
واختَلفوا لو عُقدَ بوليٍّ بغيرِ شُهودٍ هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَشهورِ إلى أنه يُشترطُ لصِحةِ النكاحِ الشُّهودُ، فلا نكاحَ إلَّا بشَهادةٍ؛ لِما رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ، وما كانَ مِنْ نكاحٍ على غَيرِ ذلكَ فهوَ باطلٌ، فإنْ تَشاجَرُوا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١).
стр. 8882
وعَن عائشةَ ﵂ مَرفوعًا: «لا بُدَّ في النكاحِ مِنْ أربَعةٍ: الوَليِّ والزَّوجِ والشاهِدَينِ» (١).
وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢).
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «البَغايَا اللَّاتي يُنكِحنَ أنفُسَهنَّ بغيرِ بيِّنةٍ» (٣).
ولأنَّ الحاجَةَ مسَّتْ إلى دَفعِ تُهمةِ الزنا عنها، ولا تَندفعُ إلا بالشهودِ؛ لأنها لا تَندفعُ إلا بظُهورِ النكاحِ واشتِهارِه، ولا يَشتهرُ إلا بقَولِ الشُّهودِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ الشهادةَ في النكاحِ ما شُرطَتْ إلا في النكاحِ للحاجةِ إلى دَفعِ الجُحودِ والإنكارِ؛ لأنَّ ذلكَ يَندفعُ بالظهورِ والاشتهارِ؛ لكَثرةِ الشهودِ على النكاحِ بالسَّماعِ مِنْ العاقدَينِ وبالتَّسامُعِ، وبهذا فارَقَ سائرَ العُقودِ؛ فإنَّ الحاجةَ إلى الشهادَةِ هناكَ لدَفعِ احتِمالِ الشُّهودِ النِّسيانَ أو الجُحودَ والإنكار في الثاني؛ إذْ ليسَ بعدَها ما يُشهِرَها ليَندفعَ به الجُحودُ، فتقَعُ الحاجةُ إلى الدفعِ بالشهادةِ، فنُدِبَ إليها.
стр. 8883
ولأنَّ الشرطَ لمَّا كانَ هو الإظهارُ يُعتبَرُ فيه ما هو طَريقُ الظهورِ شَرعًا، وذلكَ شَهادةُ الشاهِدَينِ، فإنه مع شَهادتِهما لا يَبقَى سِرًّا، قالَ القائِلُ:
وسِرُّكَ ما كانَ عندَ امرئٍ … وسَرُّ الثَّلاثةِ غيرُ الخَفِي
ولأنَّ اشتِراطَ زِيادةِ شيءٍ في هذا العَقدِ لإظهارِ خَطرِ البُضعِ، فهو نَظيرُ اشتِراطِ زيادةِ شَيءٍ في إثباتِ إتْلافِ ما يُملَكُ بالنكاحِ، وإنما اختُصَّ ذلكَ مِنْ بينِ سائرِ نَظائرِه بزِيادةِ شاهِدَينِ، فكذلكَ هذا التَّمليكُ مُختَصٌّ مِنْ بينِ سائرِ نَظائرِه بزيادةِ شاهدَينِ (١).
ويُخالِفُ النكاحَ البَيعُ؛ فإنَّ القصدَ منهُ المالُ، والقَصدُ مِنْ النكاحِ الاستِمتاعُ وطَلبُ الولَدِ، ومَبناهُما على الاحتِياطِ؛ لأنَّ عقْدَ النكاحِ يَتعلقُ به حَقُّ غيرِ المُتعاقدَينِ وهو الولَدُ، فاشتُرطَتِ الشَّهادةُ فيهِ لئلَّا يَجحدَه أبوهُ فيَضيعَ نَسبُه، بخِلافِ البيعِ، فأمَّا نكاحُ النبيِّ ﷺ بغيرِ وَليٍّ وغيرِ شُهودٍ فمِن خَصائصِه في النكاحِ، فلا يُلحَقُ به غيرُه (٢).
قالَ الحَنفيةُ: الشَّهادةُ شَرطٌ في بابِ النكاحِ، فلا يَنعقدُ نكاحُ المُسلمينَ إلَّا بحُضورِ شاهدَينِ حُرَّينِ عاقِلينِ بالِغينِ مُسلمَينِ سامعَينِ معًا قَولَهُما فاهمَينِ كَلامَهُما، رَجلَينِ أو رَجلٌ وامرأتَينِ عُدولًا كانوا -أي الشُّهودُ- أو غيرَ عُدولٍ، أو مُحدودَينِ في القَذفِ أو أعمَيَينِ، أو ابنَي الزوجَينِ أو
стр. 8884
ابنَي أحَدِهما؛ لأنَّ كلًّا منهُم أهلٌ للوِلايةِ، فيكونُ أهلًا للشَّهادةِ تَحمُّلًا، وإنما الفائِتُ ثَمرةُ الأداءِ، فلا يُبالى بفَواتِه، ويُشترطُ حُضورُهما عندَ العقدِ لا عندَ الإجازةِ.
وأمَّا لو سَمِعَا مُتفرِّقينِ بأنْ حضَرَ أحدُهما العقدَ ثمَّ غابَ وأُعيدَ بحَضرةِ الآخَرِ، أو سَمعَ أحدُهما فقط العَقدَ فأُعيدَ فسَمعَه الآخَرُ دونَ الأولِ، أو سَمعَ أحَدُهما الإيجابَ والآخَرُ القبولَ ثم أُعيدَ فسَمعَ كلٌّ وحْدَه ما لم يَسمعْه أوَّلًا فلا يَصحُّ؛ لأنَّ في هذهِ الصورةِ وُجدَ عَقدانِ لم يَحضرْ كلَّ واحدٍ منهُما شاهِدانِ.
وعن أبي يُوسفَ أنه إنِ اتَّحدَ المَجلسُ جازَ استِحسانًا.
وقيلَ: يُكتفَى بمُجرِّدِ حُضورِهما.
وقَولُنا: «فاهِمَينِ» أنه لو عقَدَا بحَضرةِ هِنديَّينِ لم يَفهمَا كَلامَهما لم يَجُزْ، وهو المَذهبُ.
وقيلَ: لو يُحسِنانِ العرَبيةَ فعقَدَا بها والشُّهودُ لا يَعرفُونَها فإنه يَنعقدُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ النكاحُ إلا بحَضرةِ شاهدَينِ؛ لِما رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ
стр. 8885
وشاهِدَي عَدلٍ، وما كانَ مِنْ نكاحٍ على غَيرِ ذلكَ فهوَ باطلٌ، فإنْ تَشاجَرُوا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١)، قالَ: ولا يَصحُّ في ذِكرِ الشاهِدَينِ غيرُه.
والمعنَى في اعتِبارِهما الاحتِياطُ للأبْضاعِ وصِيانةُ الأنكِحةِ عن الجُحودِ.
ولا فرْقَ بينَ حُضورِهِما قَصدًا أو اتِّفاقًا أو حضَرَا وسَمعَا العقدَ صَحَّ وإنْ لم يَسمعَا الصَّداقَ، ويُسَنُّ إحضارُ جَمعٍ زيادةً على الشاهدَينِ مِنْ أهلِ الخيرِ والدِّينِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ في المَشهورِ: لا يَنعقدُ النكاحُ إلَّا بشاهدَينِ مُسلمَينِ عَدلَينِ ذكَرَينِ بالغَينِ عاقِلَينِ سامِعَينِ ناطقَينِ ولو كانَا عبْدَينِ أو ضَريرَينِ إذا تيقَّنَا الصوتَ تيقُّنًا لا شَكَّ فيه ولو كانَا عَدُوَّيِ الزَّوجينِ أو عَدوَّي أحَدِهما أو الوليِّ؛ للأدلَّةِ السابقةِ.
ولا يَنعقدُ بمُتهَمٍ لرَحِمٍ كابنَيِ الزَّوجينِ أو ابنَي أحَدِهما ونحوِه كأبوَيهِما وابنِ أحَدِهما أبِي الآخَرِ؛ للتُّهمةِ.
ولا يَنعقدُ النكاحُ بأصَمَّينِ أو أخرَسَينِ أو أحَدُهما كذلكَ.
стр. 8886
ولا يَبطلُ النكاحُ بالتَّواصِي بكِتمانِه؛ لأنه لا يكونُ معَ الشهادةِ عليه مَكتومًا.
فإنْ كتَمَه الزَّوجانِ والوَليُّ والشُّهودُ قَصدًا صَحَّ العقدُ وكُرِهَ كِتمانُهم له؛ لأنَّ السُّنةَ إعلانُ النكاحِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَصحُّ بغيرِ شُهودٍ، لكنْ بشَرطِ عَدمِ الكِتمانِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعن أحمَدَ أنه يَصحُّ بغيرِ شُهودٍ، وفعَلَه ابنُ عُمرَ والحسَنُ بنُ عليٍّ وابنُ الزُّبيرِ وسالِمٌ وحَمزةُ ابنَا ابنِ عُمرَ، وبه قالَ عبدُ اللهِ بنُ إدرِيسَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ ويَزيدُ بنُ هارونَ والعَنبريُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ، وهو قولُ الزُّهريِّ ومالكٍ إذا أعلَنوهُ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: لا يَثبتُ في الشاهدَينِ في النكاحِ خبَرٌ.
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: قد رُويَ عن النبيِّ ﷺ : «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهدَينِ عَدلَينِ» مِنْ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وابنِ عُمرَ، إلَّا أنْ في نَقلِه ذلكَ ضعيفًا، فلمْ أذكُرْه.
قالَ ابنُ المنذِرِ: وقد «أعتَقَ النبيُّ ﷺ صَفيةَ ابنةَ حُييٍّ فتزوَّجَها بغيرِ شُهودٍ».
стр. 8887
قالَ أنسُ بنُ مالكٍ: «اشتَرَى رسولُ اللهِ ﷺ جارِيةً بسَبعةِ قُروشٍ، فقالَ الناسُ: ما نَدري أتزوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ أمْ جعَلَها أمَّ وَلدٍ؟ فلمَّا أنْ أرادَ أنْ يَركبَ حجَبَها، فعَلِمُوا أنه تزوَّجَها» مُتفَقٌ عليهِ، قالَ: فاستَدلُّوا على تَزويجِها بالحِجابِ.
وقالَ يزيدُ بنُ هارُونَ: أمَرَ اللهُ تعالَى بالإشهادِ في البَيعِ دونَ النكاحِ (١).
قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ النكاحُ بغيرِ شُهودٍ، لكنْ لا يَجوزُ نكاحُ السِرِّ، وهو التَّواصِي بكِتمانِه.
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: نِكاحُ السِّرِّ عندَ مالكٍ وأصحابِه أنْ يُستكتَمَ الشُّهودُ، أو يكونَ عليه مِنْ الشُّهودِ رَجلٌ وامرأتانِ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يُقصدُ به إلى التستُّرِ وتَركِ الإعلانِ.
وروَى ابنُ القاسِمِ عن مالكٍ قالَ: لو تزوَّجَ ببيِّنةٍ وأمَرَهم أنْ يَكتمُوا ذلكَ لم يَجُزِ النكاحُ، وإنْ تزوَّجَ بغيرِ بيِّنةٍ على غيرِ استِسْرارٍ جازَ، واستَشهدَا فيما يَستقبِلانِ.
وروَى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ في الرَّجلِ يَتزوَّجُ المرأةَ بشَهادةِ رَجلَينِ ويَستكتِمُها قالَ: يُفرَّقُ بينَهُما بتَطليقةٍ، ولا يَجوزُ النكاحُ، ولها صَداقُها إنْ كانَ أصابَها، ولا يُعاقَبُ الشَّاهدانِ إنْ كانَا جَهلَا ذلكَ، وإنْ كانَا أتَيَا ذلكَ بمَعرفةِ أنْ ذلكَ لا يَصلحُ عُوقِبَا.
стр. 8888
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: مالِكٌ ﵀ يَرَى أنَّ النكاحَ مُنعقِدٌ برِضَا الزوجَينِ المالكَينِ لأنفُسِهما ووَليِّ المرأةِ، أو رِضَا الوليَّينِ في الصِّغارِ ومَن جَرَى مَجراهُم مِنْ البَوالِغِ الكِبارِ على ما ذكَرْنا مِنْ مَذهبِه في بابِ الأولياءِ.
وليسَ الشُّهودُ في النكاحِ عندَه مِنْ فَرائضِ عَقدِ النكاحِ، ويَجوزُ عَقدُه بغيرِ شُهودٍ، وهو قولُ اللَّيثِ.
والحُجَّةُ لمَذهبِه أنْ البُيوعَ التي ذكَرَ اللهُ فيها الإشهادَ عندَ العقدِ قد قامَتِ الدَلالةُ بأنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ فَرائضِ البُيوعِ، فالنكاحُ الذي لم يَذكُرِ اللهُ فيه الإشهادَ أحرَى بأنْ لا يكونَ الإشهادُ فيه مِنْ شُروطِ فَرائضِه، وإنَّما الفَرضُ الإعلانُ والظُّهورُ لحِفظِ الأنسابِ، والإشهادُ يَصلحُ بعدَ العقدِ للتَّداعِي والاختِلاف فيما يَنعقدُ بينَ المُتناكحَينِ.
وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «أعلِنُوا النكاحَ»، وقولُ مالكٍ هذا هو قَولُ ابنِ شِهابٍ وأكثرِ أهلِ المَدينةِ.
وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهما والثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ: لا نِكاحَ إلَّا بشُهودٍ.
وقالَ الشافعيُّ والحسَنُ والثَّوريُّ: أقَلُّ ذلكَ شاهِدَا عَدلٍ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قالَ: شُهودِ النكاحِ على العَدالةِ حتَّى تَتبيَّنَ الجُرحةُ في حينِ العقدِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: يَجوزُ أنْ يَنعقدَ النكاحُ بشَهادةِ أعمَيَينِ ومَحدودَينِ في قَذفٍ وفاسِقَينِ.
стр. 8889
قالَ أبو عُمرَ: ذهَبَ هؤلاءِ إلى أنَّ الإعلانَ المأمُورَ به في النكاحِ هو الإشهادُ في حينِ العقدِ، ولم يَشترطُوا في الإعلانِ العَدالةَ.
ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «لا نِكاحَ إلَّا بشاهِدَي عَدلٍ ووَليٍّ مُرشِدٍ»، ولا مُخالِفَ له مِنْ الصَّحابةِ عَلِمْتُه.
وعن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا أنه قالَ: «البِغاءُ اللَّواتي يُزوِّجنَ أنفُسَهنَّ بغيرِ بَينةٍ».
قالَ أبو عُمرَ: قد عُلِمَ أنَّ البَغيَّ لو أعلَنَتْ ببَغيِها حُدَّتْ، ولمْ يَدخلْ إعلانُها زِناها في بابِ إعلانٍ، كما أنَّ مهْرَ البَغيِّ لو كانَ أكثَرَ مِنْ مَهرِ الصَّداقِ لم يَكنْ ذلك حَلالًا كقَولِ ابنِ عبَّاسٍ، إنَّما هو تَحريضٌ على الإشهادِ ومَدحٌ له ونهيٌ عن تَركِه وذَمٌّ له؛ ليُوقَفَ عندَ السُّنةِ فيه ولا يُتعدَّى، كما قيلَ: كَسرُ عَظمِ المُؤمنِ مَيتًا ككَسرِه حَيًّا، ومَعلومٌ أنه لا قَودَ ولا دِيةَ في كَسرِ عَظمِ المَيتِ، وإنما اشتَبهنَ في الإثمِ كما أشبَهَ تَركُ الإشهادِ والإعلانِ بما يُستَرُ مِنْ الفواحِشِ في غيرِ الإثمِ.
قالَ أبو عُمرَ: الحَديثُ في هذا البابِ عن عُمرَ -أتِيَ بنِكاحٍ لم يَشهدْ عليهِ إلَّا رَجلٌ وامرأةٌ فقالَ: هذا نِكاحُ السِّرِّ ولا أُجيزُه، ولو كُنْتُ تَقدَّمتُ فيه لَرَجمْتُ- إنَّما ورَدَ في نكاحٍ لم يَحضرْهُ إلَّا رَجلٌ وامرأةٌ، فجعَلَه سِرًّا؛ إذْ لم تَتمَّ فيه الشهادةُ (١).
стр. 8890
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: يَنعقدُ النكاحُ مِنْ غيرِ إشهادٍ، خِلافًا لأبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لقَولِه تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولأنهُ عقدٌ مِنْ العُقودِ، فلمْ يَكنِ الإشهادُ شَرطًا في انعقادِه كسائرِ العُقودِ، ولأنه معنًى يُقصَدُ به التوثُّقُ، فلمْ يَكنْ شَرطًا في انعِقادِ النكاحِ كالرَّهنِ والكَفالةِ، ولأنَّ كلَّ شخصٍ لا يَحتاجُ إليه في إيجابٍ ولا قَبولٍ لم يَكنْ حُضورُه شَرطًا في انعِقادِ النكاحِ كالزَّوجةِ وسائرِ الأجانبِ، ولأنَّ كلَّ شَخصٍ لم يُحتَجْ إلى حُضورِه في عقدِ البَيعِ مع حُضورِ المُوجِبِ والقابِلِ لم يُحتَجْ إلى حُضورِه في عقدِ النكاحِ كالفاسقِ.
ثمَّ قالَ: التَّراضِي بكِتمانِ النكاحِ يُبطِلُ العقدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ والشافعيِّ؛ لقولِه ﷺ : «أَعلِنُوا النكاحَ، واضرِبُوا عليه بالغِرْبالِ» (١)، ورُويَ «أنه ﷺ نهَى عن نكاحِ السِّرِّ» (٢)، ولأنَّ الزِّنا لمَّا كانَ يَقعُ مُستسَرًّا مُكتتَمًا وجَبَ أنْ يقَعَ النكاحُ على خلافِه، وإلَّا كانَ ذَريعةً إلى إباحتِه؛ لأنَّ كلَّ مَنْ وُجِدَ مع امرأةٍ ادَّعَى أنها زَوجتُه وأنَّ شُهودَه غُيَّبٌ، فوجَبَ حَسمُ البابِ فيه.
стр. 8891
ولأنَّ في إظهارِه حِفظًا للأنسابِ واحتِياطًا مِنْ جَحدِها؛ لأنَّ الزوجَ قد يُنْكِرُ النكاحَ وتكونُ المرأةُ حامِلًا فلا يكونُ لها سَبيلٌ إلى إثباتِه، فيُؤدِّي إلى إضاعةِ النَّسبِ، فإذا كانَ هناكَ إشهادٌ وإعلانٌ لم يُمكِنْه ذلكَ (١).
إلَّا أنَّ كُتبَ المالِكيةِ -كما في مُختصَرِخَليلٍ وشُروحِه- تَنصُّ على أنَّ الإشهادَ عندَ العقدِ مُستحَبٌّ، فلو عقَدَا بلا إشهادٍ صَحَّ العقدُ، ولكنَّه واجِبٌ شَرطٌ عندَ الدُّخولِ، فإذا دخَلَ بلا إشهادٍ فإنَّ النكاحَ يُفسَخُ بينَهُما بطَلقةٍ بائنةٍ.
ولا حَدَّ على الزَّوجينِ إنْ كانَ النكاحُ والدُّخولُ ظاهِرًا فاشِيًا بينَ الناسِ بوَليمةٍ أو ضَربِ دُفٍّ، أو كانَ على العقدِ أو على الدخولِ شاهِدٌ واحِدٌ غيرُ الوليِّ ولو عَلِمَ كلٌّ مِنْ الزوجَينِ وُجوبَ الإشهادِ قبْلَ البناءِ وحُرمةَ الدُّخولِ بغيرِ إشهادٍ.
وإنما فُسخَ بطَلاقٍ؛ لأنه عَقدٌ صحيحٌ، ويُفسَخُ جَبرًا عليهما؛ سَدًّا لذَريعةِ الفسادِ، إذْ لا يَشاءُ اثنانِ يَجتمعانِ على فَسادٍ في خَلوةٍ إلا يَفعلانِه ويَدَّعيانِ سبْقَ العقدِ بغيرِ إشهادٍ، فيُؤدِّي إلى ارتفاعِ حَدِّ الزنا والتَّعزيرِ، ويَحصلُ الفُشوُّ بالوليمةِ وضَربِ الدُّفِ والدُّخانِ.
فلا يَصحُّ النكاحُ بلا شَهادةٍ أو شهادةٍ رَجلٍ وامرَأتينٍ، ولا بشَهادةٍ
стр. 8892
فاسقَينِ، ولا بَعدلَينِ أحَدُهما الوليُّ؛ لأنه لا تُفيدُ شَهادتُه بالتزويجِ؛ لاتِّهامِه على إرادتِه الستْرَ على وليَّتِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: باب الشُّهود في النكاحِ
اختَلفَ أهلُ العلمِ في عقدِ النكاحِ بغيرِ شُهودٍ:
فقالَتْ طائفةٌ: لا نِكاحَ إلَّا بشاهِدَي عَدلٍ ووَليٍّ مُرشِدٍ، هذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وقالَ عطاءٌ: لا نِكاحَ إلا بشاهِدَينِ، وبه قالَ سعيدُ بنُ المُسيبِ وجابرُ بنُ زيدٍ والحسَنُ البَصريُّ والنخَعيُّ وقَتادةُ والثوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ.
وقالَتْ طائفةٌ: النكاحُ جائِزٌ بدُونِ شُهودٍ، كذلكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ ويَزيدُ بنُ هارونَ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحسَنِ وأبو ثورٍ.
وزوَّجَ ابنُ عُمرَ ولم يحضرِ النكاحَ شاهِدينِ، وفعَلَ ذلك الحسَنُ بنُ عليٍّ، زوَّجَ ابنَ الزُّبيرِ وما معَهُما أحَدٌ ثمَّ أعلَنوهُ بعدُ، وَروينَا أنَّ حَمزةَ بنَ عبدِ اللهِ خطَبَ على ابنِه إلى سالمٍ فزوَّجَه وما معَهُما غيرُهُما.
وأجازَتْ طائفةٌ النكاحَ بغيرِ بيِّنةٍ إذا أعلَنوهُ، هذا قَولُ الزُّهريِّ ومالكٍ وأهلِ المَدينةِ.
стр. 8893
وفيه قَولٌ رابعٌ: وهو أنَّ النكاحَ لا يَجوزُ إلا بشاهدَينِ، ويَجوزُ أنْ يكونَا أعمَيَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ أو فاسقَينِ، ولا يَجوزُ لو كانَا عبدَينِ، هذا قولُ أصحابِ الرأيِ.
وأجازُوا النكاحَ بشَهادةِ الفاسقَينِ المُجمَعِ على فِسقِهما، وأبطَلُوا النكاحَ بشَهادةِ العبدَينِ اللَّذينِ قد اختَلفُوا في قَبولِ شهادتِهما، والنظرُ دالٌّ على قَبولِ شَهادتِهما.
قالَ أبو بكرٍ: وليسَ يَثبتُ عن النبيِّ ﷺ شَيءٌ في إثباتِ الشاهِدَينِ في النكاحِ، وكانَ يَزيدُ بنُ هارونَ يَعيبُ أصحابَ الرأيِ، يقولُ: أمَرَ اللهُ الإشهادَ على البَيعِ فقالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَة، وأمَرَ بالنكاحِ ولم يأمُرْ بالإشهادِ عليهِ، وزعَمَ أصحابُ الرأيِ أنَّ البَيعَ جائزٌ وإنْ لم يُشهَدْ عليه، وأبطَلُوا النكاحَ الذي لم يأمُرِ اللهُ بالإشهادِ عليهِ.
قالَ أبو بكرٍ: فإنِ اعتَرضَ مُعتَرِضٌ فاعتَلَّ بخبَرِ ابنِ عبَّاسٍ، فبِإزاءِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ الذينَ أجازُوا النكاحَ بغيرِ شُهودٍ ابنُ عُمرَ وابنُ الزُّبيرِ والحسَنُ بنُ عليِّ، مع أنَّ الخبَرَ الثابِتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ يَدلُّ على صِحةِ النكاحِ الذي لم يحضرْ شُهودٌ.
ثبَتَ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ أنه قالَ: «كُنْتَ رَديفَ أبي طَلحةَ فاشتَرَى رَسولُ اللهِ ﷺ جارِيةً بسَبعِ أرْؤُسٍ، فقالَ الناسُ: ما نَدري أتزوَّجَها أمْ جعَلَها أمَّ ولَدٍ؟ فلمَّا أرادَ أنْ يركَبَ حجَبَها، فعرَفُوا أنه تزوَّجَها».
стр. 8894
قالَ أبو بكرٍ: فاستَدلَّ مَنْ حضَرَ النبيَّ ﷺ على تَزويجِها بالحِجابِ (١).
بَعضُ المَسائلِ المُتعلِّقةِ بالشُّهودِ:
المَسألةُ الأُولى: شَهادةُ رَجلٍ وامرَأتينِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ النكاحَ يَصحُّ بشَهادةِ رَجلَينِ عدلَينِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو كانَ هناكَ رَجلٌ وامرَأتانِ، هل يَصحُّ النكاحُ بهِما أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النكاحَ يَنعقدُ ويَصحُّ بشَهادةِ رَجلٍ وامرَأتينِ؛ اعتِبارًا بالشَّهادةِ على المالِ، ولأنَّ المرأةَ تَصلحُ للوِلايةِ في هذا العَقدِ، ولأنَّ للنِّساءِ مع الرِّجالِ شَهادةً أصليةً، ولكنْ فيها ضَربُ شُبهةٍ مِنْ حَيثُ أنه يَغلبُ الضَّلالُ والنِّسيانُ عليهنَّ كما أشارَ اللهُ تعالَى في قولِه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وبانضِمامِ إحدَى المَرأتينِ إلى الأُخرى تَقلُّ تُهمةُ النِّسيانِ، ولا تَنعدمُ؛ لبَقاءِ سَببِها وهي الأُنوثةُ، فلا تُجعلُ حُجةً فيما يَندرئُ بالشُّبهاتِ كالحُدودُ والقِصاصُ، فأمَّا النكاحُ والطلاقُ يَثبتُ مع الشُّبهاتِ، فهذهِ الشهادةُ فيها نَظيرُ شَهادةِ الرِّجالِ، ولا إشكالَ أنَّ تُهمةَ الضَّلالِ والنسيانِ في شَهادةِ الحُضورِ لا تَتحقُّقُ، فكانَ ينبغي أنْ يَنعقدَ النكاحُ بشَهادةِ رَجلٍ وامرأةٍ، ولكنَّا نَقولُ: قد ثبَتَ بالنَّصِّ أنَّ
стр. 8895
المَرأتينِ شاهِدٌ واحدٌ، فكانَتِ المرأةُ الواحِدةُ نِصفَ الشاهدِ، وبنِصفِ الشاهدِ لا يَثبتُ شيءٌ، ولهذا لو شَهِدَ رَجلانِ وامرأةٌ ثم رجَعُوا لم تَضمَنِ المرأةُ شَيئًا (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ بشَهادةِ رَجلٍ وامرأتَينِ؛ لقَولِ الزُّهريِّ قالَ: «مضَتِ السُّنةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنْ لا يَجوزَ شهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ ولا في النكاحِ ولا في الطَّلاقِ» رواهُ أبو عُبيدٍ في «الأموَال»، وهذا يَنصرفُ إلى سُنةِ النبيِّ ﷺ ، ولأنه عَقدٌ ليس بمالِ ولا المَقصودُ منه المالُ ويَحضرُه الرِّجالُ في غالِبِ الأحوالِ، فلا يَثبتُ بشَهادتِهنَّ كالحُدودِ، وبهذا فارَقَ البيعَ (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعن أحمَدَ أنه قالَ: إذا تزوَّجَ بشَهادةِ نِسوةٍ لم يَجُزْ، وإنْ كانَ معَهنَّ رَجلٌ فهو أهوَنُ، فيُحتملُ أنَّ هذا روايةٌ أُخرى في