← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

ولأنَّ في إظهارِه حِفظًا للأنسابِ واحتِياطًا مِنْ جَحدِها؛ لأنَّ الزوجَ قد يُنْكِرُ النكاحَ وتكونُ المرأةُ حامِلًا فلا يكونُ لها سَبيلٌ إلى إثباتِه، فيُؤدِّي إلى إضاعةِ النَّسبِ، فإذا كانَ هناكَ إشهادٌ وإعلانٌ لم يُمكِنْه ذلكَ (١). إلَّا أنَّ كُتبَ المالِكيةِ -كما في مُختصَرِخَليلٍ وشُروحِه- تَنصُّ على أنَّ الإشهادَ عندَ العقدِ مُستحَبٌّ، فلو عقَدَا بلا إشهادٍ صَحَّ العقدُ، ولكنَّه واجِبٌ شَرطٌ عندَ الدُّخولِ، فإذا دخَلَ بلا إشهادٍ فإنَّ النكاحَ يُفسَخُ بينَهُما بطَلقةٍ بائنةٍ. ولا حَدَّ على الزَّوجينِ إنْ كانَ النكاحُ والدُّخولُ ظاهِرًا فاشِيًا بينَ الناسِ بوَليمةٍ أو ضَربِ دُفٍّ، أو كانَ على العقدِ أو على الدخولِ شاهِدٌ واحِدٌ غيرُ الوليِّ ولو عَلِمَ كلٌّ مِنْ الزوجَينِ وُجوبَ الإشهادِ قبْلَ البناءِ وحُرمةَ الدُّخولِ بغيرِ إشهادٍ. وإنما فُسخَ بطَلاقٍ؛ لأنه عَقدٌ صحيحٌ، ويُفسَخُ جَبرًا عليهما؛ سَدًّا لذَريعةِ الفسادِ، إذْ لا يَشاءُ اثنانِ يَجتمعانِ على فَسادٍ في خَلوةٍ إلا يَفعلانِه ويَدَّعيانِ سبْقَ العقدِ بغيرِ إشهادٍ، فيُؤدِّي إلى ارتفاعِ حَدِّ الزنا والتَّعزيرِ، ويَحصلُ الفُشوُّ بالوليمةِ وضَربِ الدُّفِ والدُّخانِ. فلا يَصحُّ النكاحُ بلا شَهادةٍ أو شهادةٍ رَجلٍ وامرَأتينٍ، ولا بشَهادةٍ

стр. 8892

فاسقَينِ، ولا بَعدلَينِ أحَدُهما الوليُّ؛ لأنه لا تُفيدُ شَهادتُه بالتزويجِ؛ لاتِّهامِه على إرادتِه الستْرَ على وليَّتِه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: باب الشُّهود في النكاحِ اختَلفَ أهلُ العلمِ في عقدِ النكاحِ بغيرِ شُهودٍ: فقالَتْ طائفةٌ: لا نِكاحَ إلَّا بشاهِدَي عَدلٍ ووَليٍّ مُرشِدٍ، هذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وقالَ عطاءٌ: لا نِكاحَ إلا بشاهِدَينِ، وبه قالَ سعيدُ بنُ المُسيبِ وجابرُ بنُ زيدٍ والحسَنُ البَصريُّ والنخَعيُّ وقَتادةُ والثوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ. وقالَتْ طائفةٌ: النكاحُ جائِزٌ بدُونِ شُهودٍ، كذلكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ ويَزيدُ بنُ هارونَ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحسَنِ وأبو ثورٍ. وزوَّجَ ابنُ عُمرَ ولم يحضرِ النكاحَ شاهِدينِ، وفعَلَ ذلك الحسَنُ بنُ عليٍّ، زوَّجَ ابنَ الزُّبيرِ وما معَهُما أحَدٌ ثمَّ أعلَنوهُ بعدُ، وَروينَا أنَّ حَمزةَ بنَ عبدِ اللهِ خطَبَ على ابنِه إلى سالمٍ فزوَّجَه وما معَهُما غيرُهُما. وأجازَتْ طائفةٌ النكاحَ بغيرِ بيِّنةٍ إذا أعلَنوهُ، هذا قَولُ الزُّهريِّ ومالكٍ وأهلِ المَدينةِ.

стр. 8893

وفيه قَولٌ رابعٌ: وهو أنَّ النكاحَ لا يَجوزُ إلا بشاهدَينِ، ويَجوزُ أنْ يكونَا أعمَيَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ أو فاسقَينِ، ولا يَجوزُ لو كانَا عبدَينِ، هذا قولُ أصحابِ الرأيِ. وأجازُوا النكاحَ بشَهادةِ الفاسقَينِ المُجمَعِ على فِسقِهما، وأبطَلُوا النكاحَ بشَهادةِ العبدَينِ اللَّذينِ قد اختَلفُوا في قَبولِ شهادتِهما، والنظرُ دالٌّ على قَبولِ شَهادتِهما. قالَ أبو بكرٍ: وليسَ يَثبتُ عن النبيِّ ﷺ شَيءٌ في إثباتِ الشاهِدَينِ في النكاحِ، وكانَ يَزيدُ بنُ هارونَ يَعيبُ أصحابَ الرأيِ، يقولُ: أمَرَ اللهُ الإشهادَ على البَيعِ فقالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَة، وأمَرَ بالنكاحِ ولم يأمُرْ بالإشهادِ عليهِ، وزعَمَ أصحابُ الرأيِ أنَّ البَيعَ جائزٌ وإنْ لم يُشهَدْ عليه، وأبطَلُوا النكاحَ الذي لم يأمُرِ اللهُ بالإشهادِ عليهِ. قالَ أبو بكرٍ: فإنِ اعتَرضَ مُعتَرِضٌ فاعتَلَّ بخبَرِ ابنِ عبَّاسٍ، فبِإزاءِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ الذينَ أجازُوا النكاحَ بغيرِ شُهودٍ ابنُ عُمرَ وابنُ الزُّبيرِ والحسَنُ بنُ عليِّ، مع أنَّ الخبَرَ الثابِتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ يَدلُّ على صِحةِ النكاحِ الذي لم يحضرْ شُهودٌ. ثبَتَ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ أنه قالَ: «كُنْتَ رَديفَ أبي طَلحةَ فاشتَرَى رَسولُ اللهِ ﷺ جارِيةً بسَبعِ أرْؤُسٍ، فقالَ الناسُ: ما نَدري أتزوَّجَها أمْ جعَلَها أمَّ ولَدٍ؟ فلمَّا أرادَ أنْ يركَبَ حجَبَها، فعرَفُوا أنه تزوَّجَها».

стр. 8894

قالَ أبو بكرٍ: فاستَدلَّ مَنْ حضَرَ النبيَّ ﷺ على تَزويجِها بالحِجابِ (١). بَعضُ المَسائلِ المُتعلِّقةِ بالشُّهودِ: المَسألةُ الأُولى: شَهادةُ رَجلٍ وامرَأتينِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ النكاحَ يَصحُّ بشَهادةِ رَجلَينِ عدلَينِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو كانَ هناكَ رَجلٌ وامرَأتانِ، هل يَصحُّ النكاحُ بهِما أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النكاحَ يَنعقدُ ويَصحُّ بشَهادةِ رَجلٍ وامرَأتينِ؛ اعتِبارًا بالشَّهادةِ على المالِ، ولأنَّ المرأةَ تَصلحُ للوِلايةِ في هذا العَقدِ، ولأنَّ للنِّساءِ مع الرِّجالِ شَهادةً أصليةً، ولكنْ فيها ضَربُ شُبهةٍ مِنْ حَيثُ أنه يَغلبُ الضَّلالُ والنِّسيانُ عليهنَّ كما أشارَ اللهُ تعالَى في قولِه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وبانضِمامِ إحدَى المَرأتينِ إلى الأُخرى تَقلُّ تُهمةُ النِّسيانِ، ولا تَنعدمُ؛ لبَقاءِ سَببِها وهي الأُنوثةُ، فلا تُجعلُ حُجةً فيما يَندرئُ بالشُّبهاتِ كالحُدودُ والقِصاصُ، فأمَّا النكاحُ والطلاقُ يَثبتُ مع الشُّبهاتِ، فهذهِ الشهادةُ فيها نَظيرُ شَهادةِ الرِّجالِ، ولا إشكالَ أنَّ تُهمةَ الضَّلالِ والنسيانِ في شَهادةِ الحُضورِ لا تَتحقُّقُ، فكانَ ينبغي أنْ يَنعقدَ النكاحُ بشَهادةِ رَجلٍ وامرأةٍ، ولكنَّا نَقولُ: قد ثبَتَ بالنَّصِّ أنَّ

стр. 8895

المَرأتينِ شاهِدٌ واحدٌ، فكانَتِ المرأةُ الواحِدةُ نِصفَ الشاهدِ، وبنِصفِ الشاهدِ لا يَثبتُ شيءٌ، ولهذا لو شَهِدَ رَجلانِ وامرأةٌ ثم رجَعُوا لم تَضمَنِ المرأةُ شَيئًا (١). وذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ بشَهادةِ رَجلٍ وامرأتَينِ؛ لقَولِ الزُّهريِّ قالَ: «مضَتِ السُّنةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنْ لا يَجوزَ شهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ ولا في النكاحِ ولا في الطَّلاقِ» رواهُ أبو عُبيدٍ في «الأموَال»، وهذا يَنصرفُ إلى سُنةِ النبيِّ ﷺ ، ولأنه عَقدٌ ليس بمالِ ولا المَقصودُ منه المالُ ويَحضرُه الرِّجالُ في غالِبِ الأحوالِ، فلا يَثبتُ بشَهادتِهنَّ كالحُدودِ، وبهذا فارَقَ البيعَ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعن أحمَدَ أنه قالَ: إذا تزوَّجَ بشَهادةِ نِسوةٍ لم يَجُزْ، وإنْ كانَ معَهنَّ رَجلٌ فهو أهوَنُ، فيُحتملُ أنَّ هذا روايةٌ أُخرى في

стр. 8896

انعقادِهِ بذلكَ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ ويُروى عن الشعبيِّ؛ لأنه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فانعَقدَ بشهادتِهنَّ مع الرِّجالِ كالبيعِ … ويُحتملُ أنَّ أحمدَ إنما قالَ: «هو أهوَنُ» لوُقوعِ الخِلافِ فيه، فلا يكونُ رِوايةً (١). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا في النكاحِ بشَهادةِ رَجلٍ واحدٍ وامرَأتينِ، فأجازَ ذلكَ الشعبيُّ وأصحابُ الرأيِ. وكانَ النخَعيُّ والأوزاعِيُّ والشافعيُّ وأحمَدُ يَقولونَ: لا يَجوزُ. وفي قولِ مَنْ أجازَ النكاحَ بغيرِ شُهودٍ إذا أعلَنوهُ: النكاحُ جائِزٌ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في النكاحِ بشهادةِ رَجلٍ وامرأتَينِ، فأجازَ ذلكَ الكُوفيُّونَ، وهو قولُ الشعبيِّ. وقالَ الشافِعيُّ والأوزاعيُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ: لا يَجوزُ إلا بشَهادةِ رَجلينِ، وهو قَولُ النخَعيِّ، ولا مَدخلَ عندَهم لشَهادةِ النِّساءِ في النكاحِ والطَّلاقِ كما لا مَدخلَ لها عندَ الجَميعِ في الحُدودِ، وإنَّما تَجوزُ في الأموالِ. وأمَّا مالكٌ فحُكمُ شَهادةِ النساءِ عندَه أنها لا تَجوزُ في النكاحِ والطلاقِ ولا في غَيرِ الأموالِ، إلا أنه جائزٌ عندَه عَقدُ النكاحِ بغيرِ بيِّنةٍ إذا أعلَنوهُ، ويُشهِدونَ بعدُ متَى شاؤُوا (٣).

стр. 8897

المَسألةُ الثانِيةُ: إسلامُ الشُّهودِ: الشاهِدانِ إمَّا أنْ يَشهدَا في نِكاحٍ لمُسلمٍ على مُسلمةٍ، وإمَّا أنْ يَشهدَا على نكاحِ مُسلمٍ على كِتابيةٍ: أولًا: أنْ يَشهدَا في نِكاحِ مُسلمٍ على مُسلمةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في الشاهِدَينِ الإسلامُ إذا كانَ كِلَا الزَّوجينِ مُسلمَينِ، فلا يَنعقدُ نكاحُ المُسلمِ المُسلمةِ بشَهادةِ الكفَّارِ؛ لأنَّ الكافرَ ليسَ مِنْ أهلِ الوِلايةِ على المُسلمِ، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، وكذا لا يَملكُ الكافرُ قَبولَ نكاحِ المُسلمِ، ولو قَضَى قاضٍ بشَهادتِه على المُسلمِ يُنقَضُ قَضاؤُه. ولِما رويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدْلٍ» (١). وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢)، ولا عَدالةَ مع الكُفرِ؛ لأنَّ الكُفرَ أعظَمُ الظُّلمِ وأفحَشُه، فلا يكونُ الكافِرُ عَدلًا، فلا يَنعقدُ النكاحُ بشَهادتِه.

стр. 8898

قالَ الكاسانِيُّ ﵀: إسلامُ الشاهِدِ صارَ شَرطًا في نِكاحِ الزَّوجينِ المُسلمَينِ بالإجماعِ (١). ثانيًا: أنْ يَشهدَا على نِكاحِ مُسلمٍ على كِتابيةٍ (أنْ يكونَ الشاهِدانِ ذمِّيَّينِ): لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُسلمَ إذا تزوَّجَ كِتابيةً وشَهِدَ شاهِدانِ مُسلِمانِ أنَّ النكاحَ صَحيحٌ. إلَّا أنهم اختَلفُوا فيما إذا تزوَّجَ مُسلمٌ كِتابيةً ذِمِّيةً بشهادةِ ذمِّيَّينِ، هل يَصحُّ ذلكَ أم لا؟ على قَولينِ: القَولُ الأولُ: وهوَ قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ ومُحمدٍ وزُفرَ مِنْ الحَنفيةِ أنه لا يَصحُّ؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢)، وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٣)، ولا عَدالةَ مع

стр. 8899

الكُفرِ؛ لأنَّ الكُفرَ أعظَمُ الظُّلمِ وأفحَشُه، فلا يكونُ الكافِرُ عَدلًا، فلا يَنعقدُ النكاحُ بشَهادتِه، ولأنَّ الشَّهادةَ إنما شُرطَتْ لإثباتِ الفِراشِ عندِ التَّجاحُدِ، ولا يُمكِنُ إثباتُه بشَهادةِ الكفَّارِ، وبأنَّ شهادَتَهم كَلَا شَهادةٍ، فقدْ خَلا النكاحُ عن الشهادةِ، وبأنَّ النكاحَ لو انعَقدَ بشهادَتِهما لَسُمعَتْ شهادَتُهما على المُسلمِ فيما يَرجعُ إلى حُقوقِ النكاحِ مِنْ وُجوبِ المَهرِ والنفقةِ والسُّكنَى، وهذا مُمتنِعٌ، ولأنه نكاحُ مُسلمٍ، فلمْ يَنعقدْ بشَهادةِ ذمِّيَّينِ كنِكاحِ المُسلمينِ. وقالَ مُحمدٌ وزُفرُ في هذا الحَديثِ: والمرادُ منه عَدالةُ الدِّينِ لا عَدالةُ التَّعاطي؛ لإجماعِنا على أنَّ فِسقَ التَّعاطي لا يَمنعُ انعِقادَ النكاحِ، ولأنَّ الإشهادَ شَرطُ جَوازِ العَقدِ، والعقدُ يتعلَّقُ وُجودُه بالطَّرفينِ -طَرفِ الزوجِ وطَرفِ المرأةِ-، ولم يُوجَدِ الإشهادُ على الطَّرفينِ؛ لأنَّ شهادةَ الكافرِ حُجةٌ في حَقِّ الكافرِ وليسَتْ بحُجَّةٍ في حَقِّ المُسلمِ، فكانَتْ شَهادتُه في حَقِّه مُلحَقةً بالعَدمِ، فلمْ يُوجَدِ الإشهادُ في جانبِ الزَّوجِ، فصارَ كأنَّهُما سَمِعَا كلامَ المرأةِ دونَ كلامِ الرجلِ، ولو كانَ كذلكَ لم يَكنِ النكاحُ، كذا هذا (١).

стр. 8900

القَولُ الثاني: أنه يَصحُّ النكاحُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ -وهو المَذهبُ- وأبي الخَطَّابِ مِنْ الحَنابلةِ. قالُوا: الشَّهادةُ في الحَقيقةِ للمُسلمِ على الكافرةِ؛ لأنهما يَشهدانِ علَيها بإثباتِ مِلكِ بُضعِها له أصلًا، فهي في الحَقيقةِ شَهادةُ كافرٍ على كافرٍ، ونَحنُ نَقبَلُها فنُصحِّحُ العقدَ بها. وأمَّا حُقوقُ النكاحِ فإنَّما تَثبتُ ضِمنًا وتَبَعًا، ويَثبتُ في التَّبَعِ ما لا يَثبتُ في المَتبوعِ، ونَظائرُه كثيرةٌ جدًّا. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولهُمَا -أي أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ- عُموماتُ النكاحِ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ، نحو قَولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقَولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقَولِ النبيِّ ﷺ : «تَزوَّجُوا ولا تُطلِّقُوا»، وقولِه ﷺ : «تَناكَحُوا»، وغيرِ ذلكَ مُطلَقًا عن غيرِ شَرطٍ، إلا أنَّ أهلَ الشهادةِ وإسلامَ الشاهدِ صارَ شَرطًا في نكاحِ الزَّوجينِ المُسلمَينِ بالإجماعِ، فمَنِ ادَّعى كَونَه شَرطًا في نِكاحِ المُسلمِ الذِّميةَ فعَليهِ الدَّليلُ، ورُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «لا نِكاحَ إلا بشُهودٍ»، ورُويَ: «لا نِكاحَ إلا بشاهِدَينِ»، والاستِثناءُ مِنْ النَّفيِ إثباتٌ ظاهِرٌ، وهذا نِكاحٌ بشُهودٍ؛ لأنَّ الشهادةَ في اللُّغةِ عبارةٌ عن الإعلامِ والبَيانِ، والكَافرُ مِنْ أهلِ الإعلامِ والبَيانِ؛ لأنَّ ذلكَ يَقفُ على العَقلِ واللِّسانِ والعِلمِ بالمَشهودِ به، وقد وُجِدَ، إلَّا أنَّ شَهادتَه على المُسلمِ خُصَّتْ مِنْ عُمومِ الحَديثِ، فبَقيَتْ

стр. 8901

شَهادتُه للمُسلمِ داخِلةً تحتَه، ولأنَّ الشهادةَ مِنْ بابِ الولايةِ؛ لِمَا بيَّنَّا، والكافرُ الشاهِدُ يَصلحُ وَليًّا في هذا العَقدِ بولايةِ نَفسِه، ويَصلحُ قابِلًا لهذا العقدِ بنَفسِه فيه صَلُحَ شاهِدًا، وكذا يَجوزُ للقاضي الحُكمُ بشَهادتِه هذه للمُسلمِ؛ لأنه مَحلُّ الاجتِهادِ على ما نَذكرُ، ولو قَضَى لا يَنفذُ قَضاؤُه، فيَنفذُ النكاحُ بحُضورِه. وأمَّا الحَديثُ فقَدْ قيلَ: أنه ضَعيفٌ، ولَئِنْ ثبَتَ فنَحمِلُه على نفيِ النَّدبِ والاستِحبابِ؛ تَوفيقًا بينَ الدَّلائلِ. وأمَّا قَولُه -أي مُحمَّد بن الحسَنِ-: «العَقدُ خَلا عن الإشهادِ في جانبِ الزَّوجِ؛ لأنَّ شَهادةَ الكافرِ ليسَتْ بحُجةٍ في حَقِّ المُسلمِ» فنَقولُ: شَهادةُ الكافرِ إنْ لم تَصلُحْ حُجَّةً للكافرِ على المُسلمِ فتَصلحُ حُجةً للمُسلمِ على الكافرِ؛ لأنَّها إنَّما لا تَصلحُ حُجةً على المُسلمِ لأنها مِنْ بابِ الوِلايةِ، وفي جَعْلِها حُجةً على المُسلمِ إثباتُ الولايةِ للكافرِ على المُسلمِ، وهذا لا يَجوزُ، وهذا المعنَى لم يُوجَدْ هَهُنا؛ لأنَّا إذا جَعلْناها حُجةً للمُسلمِ ما كانَ فيهِ إثباتُ الولايةِ للكافرِ، وهذا جائِزٌ، على أنَّا إنْ سَلَّمْنا قولَه: ليسَ بحُجةٍ في حَقِّ المُسلمِ، لكنْ حُضورُه، على أنَّ قولَه: حُجةً ليسَ بشَرطٍ لانعِقادِ النكاحِ؛ فإنه يَنعقدُ بحُضورِ مَنْ لا تُقبَلُ شهادتُه عليه … وهل يَظهرُ نكاحُ المُسلمِ الذمِّيةَ بشَهادةِ ذمِّيَّينِ عند الدَّعوى؟ يُنظَرُ في ذلكَ، إنْ كانَتِ المرأةُ هي المُدَّعيةُ للنكاحِ على المُسلمِ والمُسلمُ مُنكِرٌ لا يَظهرُ بالإجماعِ؛ لأنَّ هذه شهادةُ الكافرِ على المُسلمِ،

стр. 8902

وإنها غيرُ مَقبولةٍ، وإنْ كانَ الزَّوجُ هو المُدَّعي والمَرأةُ مُنكِرةٌ فعلى أصلِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ: يَظهرُ، سَواءٌ قالَ الشاهِدانِ: «كانَ معنَا عند العقدِ رَجلانِ مُسلمانِ» أو لم يَقولَا ذلكَ، واختَلفَ المَشايخُ على أصلِ مُحمدٍ؛ قالَ بَعضُهم: يَظهرُ كمَا قالَا، وقالَ بَعضُهم: لا يَظهرُ، سَواءٌ قالَا: «كانَ معنَا رَجلانِ مُسلمانِ» أو لم يَقولَا ذلكَ، وهو الصَّحيحُ مِنْ مَذهبِه، ووجْهُه أنَّ هذهِ شهادةٌ قامَتْ على نكاحٍ فاسِدٍ وعلى إثباتِ فِعلِ المُسلمِ؛ لأنَّهما إنْ شَهِدَا على نكاحٍ حَضَراهُ فقط لا تُقبَلُ شهادَتُهما؛ لأنَّ هذهِ شَهادةٌ على نكاحٍ فاسِدٍ عندَه، وإنْ شَهِدَا على أنهما حَضَراهُ ومَعهُما رَجلانِ مُسلمانِ لا تُقبَلُ أيضًا؛ لأنَّ هذهِ إنْ كانَتْ شهادةَ الكافرِ على الكافرِ لكنْ فيها إثباتُ فعلِ المُسلمِ، فيكونُ شَهادةً على مُسلمٍ فلا تُقبَلُ، كمُسلمٍ ادَّعَى عبدًا في يَدِ ذمِّيٍّ فجحَدَ الذميُّ دَعوَى المُسلمِ وزعَمَ أنَّ العبدَ عبْدُه فأقامَ المُسلمُ شاهدَينِ بشاهدَينِ ذمِّيَّينِ على أنَّ العبدَ عَبدُه وقَضَى له به على هذا الذِّميِّ قاضٍ فلا تُقبَلُ شهادتُهما وإنْ كانَ هذا شَهادةَ الكافرِ على الكافرِ، لكنْ لمَّا كانَ فيها إثباتُ فِعلِ المُسلمِ بشهادةِ الكافرِ وهو قَضاءُ القاضي لم تُقبَلْ، كذا هذا. وجهُ الكلامِ لأبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ على نحوِ ما ذكَرْنا في جانِبِ الاعتِقادِ، أنَّ الشَّهادةَ مِنْ بابِ الوِلايةِ، وللكافرِ ولايةٌ على الكافرِ. ولو كانَ الشاهِدانِ وقْتَ التحمُّلِ كافرَينِ ووقْتَ الأداءِ مُسلمَينِ فشَهِدَا للزوجِ فعَلى أصلِهما لا يُشكِلُ أنه تُقبَلُ شَهادتُهما؛ لأنهما لو كانَا في الوَقتينِ جَميعًا كافرَينِ تُقبَلُ، فهَهُنا أَولى، واختَلفَ المَشايخُ على أصلِ مُحمدٍ؛ قالَ

стр. 8903

بعضُهم: تُقبَلُ، وقالَ بعضُهم: لا تُقبَلُ، فمَن قالَ: «تُقبَلُ» نظَرَ إلى وَقتِ الأداءِ، ومَن قالَ: «لا تُقبَلُ» نظَرَ إلى وَقتِ التحمُّلِ (١). المَسألةُ الثالِثةُ: عَدالةُ الشُّهودِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشاهِدَينِ إذا كانَا عَدلَينِ فإنَّ النكاحَ صَحيحٌ. إلا أنهم اختَلفُوا في صِحَّتِه إذا كانَا فاسِقَينِ، هل يَصحُّ بهما أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَصحُّ النكاحُ بشَهادةِ الفاسِقَينِ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ كلَّ مَنْ يَصلحُ أنْ يكونَ قابِلًا للعَقدِ بنَفسِه يَنعقدُ النكاحُ بشهادَتِه، وكلُّ مَنْ يَصلحُ أنْ يكونَ وليًّا في نكاحٍ يَصلحُ أنْ يكونَ شاهِدًا في ذلكَ النكاحِ، فعَلى هذا يَنعقدُ النكاحُ بشَهادةِ الفاسِقَينِ. ولأنَّ الفِسقَ لا يُخرِجُه مِنْ أنْ يكونَ أهلًا للإمامةِ والسَّلْطنةِ، فإنَّ الأئمَّةَ بعدَ الخُلفاءِ الراشِدِينَ ﵃ قلَّ ما يَخلُو واحدٌ منهُم عَنْ فِسقٍ، فالقولُ بخُروجِه مِنْ أنْ يكونَ إمامًا بالفِسقِ يُؤدِّي إلى فَسادٍ عَظيمٍ، ومِن ضَرورةِ كونِه أهلًا للإمامةِ كَونُه أهلًا للقَضاءِ؛ لأنَّ تقلُّدَ القضاءِ يكونُ مِنْ الإمامِ، ومِن ضَرورةِ كَونِه أهلًا لولايةِ القَضاءِ أنْ يكونَ أهلًا للشَّهادةِ. ويَجوزُ للحاكِمِ الحُكمُ بشَهادتِه في الجُملةِ، ولو حكَمَ لا يُنقَضُ حُكمُه؛ لأنه مَحلُّ الاجتهادِ، فكانَ مِنْ أهلِ تحمُّلِ الشَّهادةِ، والفِسقُ لا يَقدحُ في أهليَّةِ التحمُّلِ، وإنما يَقدحُ في الأداءِ، فيَظهرُ أثَرُه في الأداءِ لا في الانعِقادِ،

стр. 8904

وقد ظهَرَ، حتَّى لا يَجبُ على القاضِي القضاءُ بشَهادتِه ولا يَجوزُ أيضًا إلَّا إذا تَحرَّى القاضِي الصِّدقَ في شهادتِه، وكذا كَونُ الشاهدِ غيرَ مَحدودٍ في القَذفِ ليسَ بشَرطٍ لانعِقادِ النكاحِ، فيَنعقدُ بحُضورِ المَحدودِ في القَذفِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الشاهِدَينِ العَدالةُ؛ لِما رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢). وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٣)، ولأنَّ النكاحَ لا يَثبتُ بشَهادةِ الفاسِقَينِ، فلم يَنعقدْ بشَهادتِهما كالمَجنونَينِ. قالَ المالِكيةُ: يُشترطُ في الشاهِدَينِ العَدالةُ، فغيرُ العَدلِ مِنْ مَستورٍ وفاسِقٍ عَدمٌ، وهذا عندَ وُجودِ العُدولِ، وأمَّا عندَ عَدمِهم فيكفِي اثنانِ مَستورٌ حالُهما، وقيلَ: يُستكثَرُ مِنْ الشُّهودِ (٤).

стр. 8905

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: «الشُّهودُ على العَدلِ حتَّى يُعلَمَ الجَرحُ يومَ وقَعَ النكاحُ». قالَ الماوَرْديُّ ﵀: والعَدالةُ المُعتبَرةُ في شُهودِ النكاحِ عندَ عقدِه هي عَدالةُ الظاهرِ، بخِلافِ الشهادةِ في إثباتِ الحُقوقِ عندَ الحاكمِ التي يُراعَى فيها عَدالةُ الظاهرِ والباطنِ، والفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ في إثباتِ الحُقوقِ عندَ الحاكمِ خَصمًا جاحِدًا، فاستُكشِفَ لأجْلِه عن عَدالةِ الباطنِ، وليسَ في عَقدِ النكاحِ هذا المعنَى، فلمْ تُعتبَرْ إلا عَدالةُ الظاهرِ. والثَّاني: أنَّ الحاكمَ يَقدرُ مِنْ استِبراءِ العَدالةِ في الباطنِ ما لا يَقدرُ عليه الزَّوجانِ، فسقَطَ اعتِبارُ ذلكَ عنهُما وإنْ لم يَسقطْ عن الحاكمِ، وإذا كانَ ذلكَ فعَدالةُ الظاهرِ في الشاهدَينِ في النكاحِ اجتِنابُ الكبائرِ والإقلالُ مِنْ الصَّغائرِ، فإنْ عقَدَ الزَّوجانِ نكاحًا بشاهدَينِ لم يَخْلُ حالُهما مِنْ أربعةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يكونَا عَدلَينِ في الظاهرِ والباطنِ، فعَقدُ النكاحِ بهِما صَحيحٌ؛ لعَدالةِ ظاهِرِهما، وإثباتُه عندَ الحُكَّامِ جائزٌ؛ لعدَالةِ باطِنِهما. والقِسمُ الثَّاني: أنْ يكونَا عدلَينِ في الظاهرِ دونَ الباطنِ، فعَقدُ النكاحِ بهِما صَحيحٌ؛ لعَدالةِ ظاهِرِهما، لكنَّ إثباتَه عندَ الحُكَّامِ لا يَصحُّ إلَّا باستِبْراءِ عَدالةِ باطنِهما، فيَكشفُ عن عَدالةِ الباطنِ وقْتَ الأداءِ لا وقْتَ العقدِ، فإنْ صحَّتْ للحاكمِ حكَمَ بشَهادتِهما في الأداءِ، وإنْ لم تَصحَّ لم يَحكمْ

стр. 8906

بشَهادتِهما في الأداءِ، والنكاحُ على حالِه مِنْ الصحَّةِ ما لم يَظهرْ مِنهُما تقدُّمُ الفسقِ. والقِسمُ الثالثُ: أنْ يكونَا فاسِقَينِ، فالعَقدُ باطِلٌ، فلو ظهَرَتْ عَدالتُهما بعدَ العقدِ مع تقدُّمِ الفسقِ وقْتَ العقدِ كانَ العقدُ على فسادِه. والقِسمُ الرابعُ: أنْ يكونَا مَجهولَيِ الحالِ لا يُعرَفُ فيهِما عَدالةٌ ولا فِسقٌ، فهُمَا على ظاهرِ العَدالةِ والنكاحُ بهما جائزٌ؛ لأنَّ الأصلَ العَدالةُ، والفِسقُ طارئٌ، وهو معنَى قولِ الشافعيِّ: «والشُّهودُ على العَدلِ حتَّى يُعلَمَ الجَرحُ يومَ وقَعَ النكاحُ»، وإذا صَحَّ العقدُ بهِما مع الجَهالةِ بحالِهِما لم يَحكمِ الحاكمُ بهِما مِنْ إثباتِ العَقدِ عندَه إلا بعدَ استِبراءِ حالِهما في الظاهرِ والباطنِ … فإذا أقَرَّ الزَّوجانِ عندَ الحاكمِ أنهُما عقَدَا النكاحَ بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ حكَمَ عليهِما بصِحةِ النكاحِ؛ بناءً على إقرارِهِما، ولم يَسألْ عن عَدالةِ الشاهدَينِ ورُشدِ الوَليِّ، فلو تَناكَرَ الزوجانِ مِنْ بعدُ أو ادَّعَى أحَدُهما سفَهَ الوَليِّ وفِسقَ الشاهدَينِ ألزَمَه صِحةَ النكاحِ بسابِقِ إقرارِه ولم يُؤثِّرْ فيه حُدوثُ إنكارِه، فلو قالَ: «أنَا أُقِيمُ البيِّنةَ بما ادَّعَيتُ مِنْ سفَهِ الوَليِّ وفِسقِ الشاهدَينِ» لم يَسمعْهُما منهُ؛ لأنَّ إقرارَه على نفسِه أَولى مِنْ بيِّنةٍ أكذبها بهِ (١).

стр. 8907

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الفاسِقانِ ففي انعِقادِ النكاحِ بشهادتِهما رِوايتانِ: إحداهُما: لا يَنعقدُ، وهو مَذهبُ الشافعيِّ؛ للخبَرِ، ولأنَّ النكاحَ لا يَثبتُ بشهادَتِهما، فلمْ يَنعقدْ بحُضورِهما كالمَجنونَينِ. والثانيةُ: يَنعقدُ بشهادَتِهما، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنها تحمُّلٌ، فصحَّتْ مِنْ الفاسقِ كسائرِ التحمُّلاتِ. وعلى كِلتَا الروايتَينِ لا يُعتبَرُحَقيقةُ العَدالةِ، بل يَنعقدُ بشَهادةِ مَستورَيِ الحالِ؛ لأنَّ النكاحَ يكونُ في القُرَى والبادِيةِ وبينَ عامَّةِ الناسِ ممَّن لا يَعرفُ حقيقةَ العَدالةِ، فاعتبارُ ذلكَ يَشقُّ، فاكتُفيَ بظاهرِ الحالِ وكونِ الشاهدِ مَستورًا لم يَظهرْ فِسقُه. فإنْ تَبيَّنَ بعدَ العقدِ أنه كانَ فاسِقًا لم يُؤثِّرْ ذلكَ في العقدِ؛ لأنَّ الشَّرطَ العَدالةُ ظاهِرًا، وهو أنْ لا يكونَ ظاهِرَ الفسقِ، وقد تَحقَّقَ ذلكَ، وقيلَ: «نَتبيَّنُ أنَّ النكاحَ كانَ فاسِدًا؛ لعَدمِ الشَّرطِ» وليسَ بصَحيحٍ؛ لأنه لو كانَتِ العَدالةُ في الباطنِ شَرطًا لَوجَبَ الكشفُ عنها؛ لأنه مع الشَّكِّ فيها يكونُ مَشكوكًا في شَرطِ النكاحِ، فلا يَنعقدُ، ولا تَحلُّ المَرأةُ مع الشَّكِّ في صِحةِ نكاحِها، وإنْ حدَثَ الفِسقُ فيهِما لم يُؤثِّرْ في صحةِ النكاحِ؛ لأنَّ الشَّرطَ إنَّما يُعتبَرُ حالةَ العقدِ. ولو أقَرَّ رَجلٌ وامرأةٌ أنهُما نكَحَا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ قُبِلَ قَولُهما وثبَتَ النكاحُ بإقرارِهما (١).

стр. 8908

المَسألةُ الرابِعةُ: التكتُّمُ على عَدمِ إظهارِ النِّكاحِ (نِكاحُ السِّرِّ): لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ نِكاحَ السِّرِّ الذي يَتواصَونَ بكِتمانِه ولا يُشهِدونَ عليهِ أحدًا باطِلٌ عندَ عامَّةِ العُلماءِ (١). واتَّفقُوا على أنَّ الإعلانَ شَرطٌ في صِحةِ النِّكاحِ. إلا أنهُم اختَلفُوا بعدَ ذلكَ في أنَّ الإعلانَ المُشترطَ هل يَحصلُ بالإشهادِ حتَّى لا يَضرُّ بعدَه تَوصيتُه للشُّهودِ بالكِتمانِ؟ أو لا يَحصلُ بمُجرَّدِ الإشهادِ، بل لا بُدَّ مِنْ الإعلانِ، حتَّى لو عُقِدَ بشُهودٍ ولم يُعلَنْ يكونُ باطِلًا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ (والظاهِريةُ) إلى أنَّ النكاحَ الذي يَنعقدُ بشاهدَينِ ليسَ بنكاحِ سِرٍّ وإنِ استُكتِمَ الشَّاهدانِ؛ لأنه بحُضورِ الشاهدَينِ يَحصلُ الإعلانُ ويَخرجُ مِنْ أنْ يَكونَ سِرًّا، ولأنه لم يَصحَّ قَطُّ نهيٌّ عن نكاحِ السرِّ إذا شَهِدَ عليه عَدلانِ، ولأنَّ النكاحَ الذي يَحضرُه الناكِحُ والمُنكِحُ والمُنكَحةُ والشاهِدانِ ليسَ بسِرٍّ، قالَ الشاعِرُ: أَلَا كُلُّ سِرٍّ جاوَزَ اثنَينِ شائِعٌ … ............................ وقالَ غيرُه: السِّرُّ يَكتمُه الاثنانِ بينَهُما … وكُلُّ سِرٍّ عَدا الاثنينِ مُنتشِرُ فنِكاحُ السِّرِّ ما لم يَحضرْه شاهِدانِ، فأمَّا ما حضَرَه شاهِدانِ فهو نِكاحُ عَلانيَةٍ لا نِكاحُ سِرٍّ؛ إذِ السرُّ إذا جاوَزَ اثنَينِ خرَجَ مِنْ أنْ يكونَ سرًّا، وكذلكَ

стр. 8909

قولُه ﷺ : «أعلِنُوا النكاحَ»؛ لأنهُما إذا أحضَراهُ شاهدَينِ فقدْ أعلَناهُ، وقولُه ﷺ : «ولو بالدُّفِّ»، نَدبٌ إلى زيادةِ إعلانِه، وهو مَندوبٌ إليهِ (١). وجاءَ في مُوطَّأِ الإمامِ مالكٍ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحسَنِ الشَّيبانِيِّ ﵀: (باب نِكاح السِّرِّ): ٥٣٣ - أخبَرَنا مالكٌ عن أبِي الزُّبيرِ: «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ في نِكاحٍ لم يَشهَدْ عليهِ إلا رَجلٌ وامرَأةٌ، فقالَ عُمرُ: هذا نكاحُ السِّرِّ ولا نُجيزُه، ولو كُنْتُ تقدَّمْتُ فيه لَرَجمْتُ». قالَ مُحمدٌ: وبهذا نأخُذُ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَجوزُ في أقَلَّ مِنْ شاهدَينِ، وإنما شَهِدَ على هذا الذي رَدَّه عُمرُ رَجلٌ وامرَأةٌ، فهذا نِكاحُ السِّرِّ؛ لأنَّ الشهادةَ لم تَكملْ، ولو كَمُلَتِ الشهادةُ برَجلَينِ أو رَجلٍ وامرَأتينِ كانَ نكاحًا جائِزًا وإنْ كانَ سِرًّا، وإنما يُفسِدُ نكاحَ السِّرِّ أنْ يكونَ بغيرِ شُهودٍ، فأما إذا كَمُلَتْ فيه الشهادةُ فهو نكاحُ العَلانيةِ وإنْ كانوا أسَرُّوهُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ عقَدَه بوَليٍّ وشاهدَينِ فأسَرُّوهُ أو تَواصَوا بكِتمانِه كُرهَ ذلكَ وصَحَّ النكاحُ، وبه يَقولُ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ وابنُ المُنذِرِ.

стр. 8910

وممَّن كَرِهَ نكاحَ السِّرِّ عُمرُ ﵁ وعُروةُ وعَبدُ اللهِ بنُ عُبيدِ اللهِ بنِ عُتبةَ والشَّعبيُّ ونافعٌ مولَى ابنِ عُمرَ. وقالَ أبو بَكرٍ عبدُ العَزيزِ: النكاحُ باطلٌ؛ لأنَّ أحمَدَ قالَ إذا تزوَّجَ بوَليٍّ وشاهدَينِ: لا، حتَّى يُعلِنَه، وهذا مَذهبُ مالكٍ. ولنا: قَولُه «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ»، مَفهومُه انعِقادُه بذلكَ وإنْ لم يُوجَدِ الإظهارُ، ولأنه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فلمْ يُشترطْ إظهارُه كالبيعِ، وأخبارُ الإعلانِ يُرادُ بها الاستحبابُ، بدليلِ أمرِه فيها بالضَّربِ بالدُّفِ والصَّوتِ، وليسَ ذلكَ بواجِبٍ، فكذلكَ ما عُطِفَ عليهِ، وقولُ أحمَدَ: «لا» نهيُ كَراهةٍ؛ فإنه قد صرَّحَ فيما حَكيْنا عنه قبلَ هذا باستِحبابِ ذلكَ، ولأنَّ إعلانَ النكاحِ والضربَ فيه بالدُّفِ إنما يكونُ في الغالِبِ بعدَ عقدِه، ولو كانَ شرطًا لاعتُبِرَ حالةَ العقدِ كسائرِ الشُّروطِ (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ولا يَبطلُ النكاحُ بالتَّواصِي بكِتمانِه؛ لأنه لا يكونُ مع الشَّهادةِ عليهِ مَكتومًا، فإنْ كتَمَه الزَّوجانِ والوليُّ والشهودُ قَصدًا صَحَّ العقدُ وكُرِهَ كِتمانُهم له؛ لأنَّ السُّنةَ إعلانُ النكاحِ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ النكاحَ المُوصَى بكِتمانِه يُبطِلُ العقدَ.

стр. 8911

قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: نكاحُ السِّرِّ عندَ مالكٍ وأصحابِه أنْ يُستكتمَ الشُّهودُ، أو يكونَ عليهِ مِنْ الشُّهودِ رَجلٌ وامرأتانِ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يُقصدُ به إلى التستُّرِ وتَركِ الإعلانِ. ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالِكٍ قالَ: لو تزوَّجَ ببيِّنةٍ وأمَرَهم أنْ يَكتمُوا ذلكَ لم يَجُزِ النكاحُ، وإنْ تزوَّجَ بغيرِ بيِّنةٍ على غيرِ استِسرارٍ جازَ واستَشهدَا فيما يَستقبلانِ. ورَوى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ في الرَّجلِ يتزوَّجُ المرأةَ بشَهادةِ رجلَينِ ويَستكتِمُها قالَ: يُفرَّقُ بينَهُما بتَطليقةٍ ولا يَجوزُ النكاحُ، ولها صَداقُها إنْ كانَ أصابَها، ولا يُعاقَبُ الشاهِدانِ إنْ كانَا جَهلَا ذلكَ، وإنْ كانَا أتَيَا ذلكَ بمَعرفةِ أنَّ ذلكَ لا يَصلحُ عُوقِبَا. وقالَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهما: إذا تزوَّجَها بشاهدَينِ وقالَ لهُمَا: «اكتُمَا» جازَ النكاحُ، وهو قَولُ يحيَى بنِ يحيَى صاحِبِنا، قالَ: كلُّ نكاحٍ شَهِدَ عليه رَجلانِ فقدْ خرَجَ مِنْ حَدِّ السرِّ، وأظُنُّه حكاهُ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ. والسِّرُّ عندَ الشافعيِّ والكوفيِّينَ ومَن تابَعَهم: كُلُّ نكاحٍ لم يَشهدْ عليهِ رَجلانِ فصاعِدًا، ويُفسَخُ على كلِّ حالٍ (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: التَّراضِي بكِتمانِ النكاحِ يُبطِلُ العقدَ، خِلافًا لأبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لقولِه ﷺ : «أَعلِنُوا النِّكاحَ،

стр. 8912

واضرِبُوا عليه بالغِرْبالِ» (١)، ورويَ «أنه ﷺ نهَى عن نِكاحِ السرِّ» (٢)، ولأنَّ الزِّنا لمَّا كانَ يقَعُ مُستسَرًّا مُكتتَمًا وجَبَ أنْ يقَعَ النكاحُ على خِلافِه، وإلَّا كانَ ذَريعةً إلى إباحتِه؛ لأنَّ كلَّ مَنْ وُجِدَ مع امرأةٍ ادَّعَى أنها زوْجَتُه وأنَّ شُهودَه غُيَّبٌ، فوجَبَ حسمُ البابِ فيه. ولأنَّ في إظهارِه حِفظًا للأنسابِ واحتِياطًا مِنْ جَحدِها؛ لأنَّ الزوجَ قد يُنْكِرُ النكاحَ وتكونُ المَرأةُ حامِلًا، فلا يكونُ لها سَبيلٌ إلى إثباتِه، فيُؤدِّي إلى إضاعةِ النَّسبِ، فإذا كانَ هُناكَ إشهادٌ وإعلانٌ لم يُمكِنْه ذلكَ (٣). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: بَاب نِكاح السرِّ: قالَ أبو بكرٍ: أحَلَّ اللهُ النكاحَ وحرَّمَ الزِّنا، وجاءَ الحَديثُ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «أَعلِنُوا النكاحَ» (٤)، وممَّن روينَا عنه أنه كَرِهَ

стр. 8913

نكاحَ السرِّ عمرُ بنُ الخطَّابِ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ والشعبيُّ ونافِعٌ مولَى ابنِ عُمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عُتبةَ. واختَلفُوا في النكاحِ يُعقَدُ ببيِّنةٍ عادِلةٍ سرًّا، فقالَ مالِكٌ: يُفرَّقُ بينَهُما، ويَجوزُ إنْ لم يَحضرْه شُهودٌ إذا أعلَنوهُ. وفي قَولِ الشافعيِّ: النكاحُ جائِزٌ، ولا يكونُ ذلكَ نِكاحَ السرِّ. وقالَ النُّعمانُ في نكاحِ السرِّ: لا يُفرَّقُ بينَهُما. قالَ أبو بكرٍ: النكاحُ جائزٌ إذا عُقِدَ بما يُعقَدُ به النكاحُ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا يَجوزُ نِكاحُ السرِّ. واختَلفُوا إذا أشهَدَ شاهدَينِ ووُصيَّا بالكِتمانِ، هل هو سِرٌّ أو ليسَ بسِرٍّ؟ فقالَ مالِكٌ: هو سِرٌّ ويُفسَخُ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: ليسَ بسِرٍّ. وسَببُ اختِلافِهم: هل الشَّهادةُ في ذلكَ حُكمٌ شَرعيٌّ؟ أم إنَّما المَقصودُ منها سَدُّ ذريعةِ الاختِلافِ أو الإنكارِ؟ فمَن قالَ: «حُكمٌ شَرعيٌّ» قالَ: هي شَرطٌ مِنْ شُروطِ الصِّحةِ، ومَن قالَ: «توثُّقٌ» قالَ: مِنْ شُروطِ التَّمامِ. والأصلُ في هذا ما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «لا نِكاحَ إلَّا بشاهِدَي عَدلٍ ووَليٍّ مُرشِدٍ»، ولا مُخالِفَ له مِنْ الصَّحابةِ، وكثيرٌ مِنْ الناسِ رَأى هذا داخِلًا في بابِ الإجماعِ، وهو ضَعيفٌ، وهذا الحَديثُ قد رُويَ مَرفوعًا، ذكَرَه الدَّارقطنيُّ وذكَرَ أنَّ في سَندِه مَجاهيلَ.

стр. 8914

وأبو حَنيفةَ يَنعقدُ النكاحُ عندَه بشَهادةِ فاسِقَينِ؛ لأنَّ المَقصودَ عندَه بالشهادةِ هو الإعلانُ فقطْ، والشافعيُّ يَرَى أنَّ الشهادةَ تَتضمَّنُ المَعنيَينِ، أعني: الإعلانَ والقَبولَ، ولذلكَ اشتَرطَ فيها العَدالةَ، وأمَّا مالكٌ فليسَ تَتضمَّنُ عندَه الإعلانَ إذا وُصِّيَ الشاهِدانِ بالكِتمانِ. وسَببُ اختِلافِهم: هل ما تقَعُ فيه الشَّهادةُ يَنطلقُ عليهِ اسمُ السرِّ أم لا؟ والأصلُ في اشتِراطِ الإعلانِ قَولُ النبيِّ ﵊: «أَعلِنُوا هذا النكاحَ، واضرِبُوا عليهِ بالدُّفوفُ» خرَّجَه أبو داودَ، وقالَ عُمرُ فيه: هذا نكاحُ السرِّ، ولو تَقدَّمتُ فيه لَرجَمْتُ (١). وقالَ الدِّرديرُ ﵀: (وفُسخَ) نِكاحٌ (مُوصًى) بكَتمِه عن امرأةِ الزَّوجِ حالةَ العَقدِ أو قبْلَه، والمُوصِي -بالكَسرِ- هو الزَّوجُ وحْدَه أو معَ زَوجتِه الجديدةِ، والمُوصَى -بالفتحِ- هم الشُّهودُ خاصَّةً، فقَولُه: (وإنْ بكَتمِ شُهودٍ) الواو للحالِ وإنْ زائِدةٌ، فلو حذَفَهما كانَ أخصَرَ وأوضَحَ؛ لأنَّ نكاحَ السرِّ هو ما أوصَى فيه الزَّوجُ الشُّهودَ بكَتمِه عن زَوجتِه أو عن جَماعةٍ ولو أهلَ مَنزلٍ كما يأتي إذا لم يَكنِ الكَتمُ خوفًا مِنْ ظالمٍ أو نحوِه، وأمَّا إيصاءُ الوَليِّ فقطْ أو الزَّوجةِ فقط أو هُمَا الشُّهودَ دونَ الزوجِ أو اتَّفقَ الزَّوجانِ والوليُّ على الكتمِ دونَ إيصاءِ الشهودِ لم يَضُرَّ، وكذا إذا حصَلَ الإيصاءُ بكَتمِ الشهودِ بعدَ العقدِ، وأُجيبَ بأنَّ مَصَبَّ المُبالَغةِ قولُه: (عنِ امرأةٍ) للزَّوجِ مُتعلِّقٌ بكَتمٍ، وظاهِرُه ولو مع إظهارِه لامرأةٍ أخرَى، وهو ظاهِرُ غيرِه

стр. 8915

أيضًا، (أو) مُوصًى بكَتمِه عن أهلِ (مَنزلٍ) دونَ غيرِهم، (أو) بكَتمِه مدَّةَ (أيامٍ) معيَّنةٍ، اللَّخميُّ: اليومَانِ كالأيامِ، وظاهرُ كَلامِ المصنِّفِ أنَّ كلامَ اللخميِّ مُقابلٌ، ومَحلُّ الفَسخِ (إنْ لم يَدخلْ ويطلْ) أي: إنِ انتَفيَا معًا بأنْ لم يَدخلْ أو دخَلَ ولم يطلْ، فإنْ دخلَ وطالَ لم يُفسَخْ، واستُظهِرَ أنَّ الطولَ هُنا بالعُرفِ لا بوِلادةِ الأولادِ، وهو ما يَحصلُ فيه الظُّهورُ والاشتِهارُ عادةً، (وعُوقِبَا) أي: الزَّوجانِ إنْ دَخلَا ولم يُعذَرَا بجَهلٍ ولم يَكونَا مَجبورَينِ، وإلَّا فوَليُّهما، (و) عُوقِبَ (الشهودُ) كذلكَ (١).

стр. 8916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8917

المَسألةُ الخامِسةُ: حُضورُ الشاهِدَينِ في مَجلسٍ واحِدٍ وقَصدُ إشهادِهِما: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشاهِدَينِ إذا حضَرَا عقْدَ النكاحِ وشَهِدَا عليهِ قصدًا في مَجلسٍ واحدٍ أنَّ النكاحَ صَحيحٌ. إلَّا أنهم اختَلفُوا فيما لو حضَرَ شاهِدانِ أو عُقدَ النكاحُ بحُضورِ قومٍ: فقالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ في الشاهدَينِ أنْ يكونَا حاضرَينِ، وأنْ يَسمعَا معًا لفْظَهُما، وأنْ يَكونا فاهمَينِ كَلامَهُما. وأمَّا لو سَمِعَا مُتفرِّقينِ بأنْ حضَرَ أحدُهما العقدَ ثمَّ غابَ وأُعيدَ بحَضرةِ الآخَرِ، أو سَمعَ أحدُهما فقط العَقدَ فأُعيدَ فسَمعَه الآخَرُ دونَ الأولِ، أو سَمعَ أحَدُهما الإيجابَ والآخَرُ القبولَ ثم أُعيدَ فسَمعَ كلٌّ وحْدَه ما لم

стр. 8918

يَسمعْه أوَّلًا فلا يَصحُّ؛ لأنَّ في هذهِ الصورةِ وُجدَ عَقدانِ لم يَحضرْ كلَّ واحدٍ منهُما شاهِدانِ. وعن أبي يُوسفَ أنه إنِ اتَّحدَ المَجلسُ جازَ استِحسانًا وقيلَ: يُكتفَى بمُجرِّدِ حُضورِهما. أمَّا إذا لم يَحضرَا مَجلسَ العقدِ معًا فلا يَصحُّ قَولًا واحِدًا. وهل يُشترطُ فَهمُ الشاهدَينِ للعَقدِ؟ قولانِ في المَذهبِ: أصَحُّهما: أنه يُشترطُ الفَهمُ، فلو عَقدَا بحَضرةِ أعجميَّينِ لم يَفهمَا كَلامَهما لم يَجُزْ، وهو المَذهبُ. وقيلَ: المُعتبَرُ السَّماعُ دونَ الفَهمِ، حتَّى لو تزوَّجَ بشهادةِ أعجميَّينِ لا يَفهمانِ العرَبيةَ والعَقدُ بالعرَبيةِ جازَ. ولا يَنعقدُ بحَضرةِ النائمَينِ، وإنْ صُحِّحَ فهو ضَعيفٌ، والمُختارُ عدمُ الانعقادِ إذا لم يَسمعَا كَلامَهُما، كما لا يَنعقدُ بحَضرةِ الأصمَّينِ على الصَّحيحِ، حتَّى لو كانَ أحدُ الشاهدَينِ أصَمَّ فسَمِعَ الآخَرُ ثمَّ خرَجَ وأسمَعَ صاحِبَه لم يَجُزْ، وكذا لا يَنعقدُ عن الأخرَسَينِ إلَّا إذا كانَا سامعَينِ. وقالَ الإمامُ السُّغديُّ ﵀: يَنعقدُ؛ لأنَّ عندَه الشَّرطُ حَضرةُ الشاهدَينِ دونَ السَّماعِ، وإلى أنه لا يُشترطُ فَهمُ المعنَى. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومنها سَماعُ الشاهدَينِ كلامَ المتعاقدَينِ جميعًا، حتَّى لو سَمعَا كلامَ أحَدِهما دونَ الآخَرِ أو سَمِعَ أحدُهما كَلامَ أحَدِهما والآخَرُ كَلامَ الآخَرِ لا يَجوزُ النكاحُ؛ لأنَّ الشهادةَ -أعني حُضورَ

стр. 8919

الشُّهودِ- شَرطُ رُكنِ العقدِ، ورُكنِ العَقدِ هو الإيجابُ والقَبولُ، فما لم يَسمعَا كلامَهُما لا تتحقَّقُ الشهادةُ عند الرُّكنِ فلا يُوجَدُ شَرطُ الرُّكنِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَصحُّ النكاحُ إلَّا بحَضرةِ شاهدَينِ، ولا فرْقَ بينَ حُضورِهِما قَصدًا أو اتِّفاقًا أو حضَرَا وسَمعَا العقدَ صَحَّ وإنْ لم يَسمعَا الصَّداقَ، ويُسَنُّ إحضارُ جَمعٍ زيادةً على الشاهدَينِ مِنْ أهلِ الخيرِ والدِّينِ، ويُشترطُ سَماعُهما؛ إذِ المَشهودُ عليهِ قَولٌ، فلا بُدَّ مِنْ سَماعِه، فلا يَنعقدُ بأصَّمَ، ومَعرفتُهما للِسانِ المُتعاقدَينِ، فلا يَنعقدُ بحَضرةِ مَنْ لا يَعرفُ لسانَهما على الأصَحِّ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: لا يَنعقدُ النكاحُ إلَّا بشاهدَينِ مُسلمَينِ عَدلَينِ ذكَرَينِ بالغَينِ عاقِلَينِ سامِعَينِ ناطقَينِ ولو كانَا عبْدَينِ أو ضَريرَينِ إذا تيقَّنَا الصوتَ تيقُّنًا لا شَكَّ فيه، فلا يَنعقدُ النكاحُ بأصمَّينِ؛ لأنَّ الأصَمَّ لا يَسمعُ العَقدَ فيَشهدَ بهِ، أو أخرَسَينِ؛ لأنَّ الأخرَسَ لا يَتمكَّنُ مِنْ أداءِ الشهادةِ، أو أحَدُهما كذلكَ (٣).

стр. 8920

المَسألةُ السادِسةُ: انعِقادُ النِّكاحِ بابْنَي الزَّوجينِ أو بابْنِ كلِّ واحِدٍ منهِما: اختَلفَ الفُقهاءُ في الشاهدَينِ، هل يَصحُّ أنْ يكونَا ابنَينِ للزَّوجينِ أو ابنًا لكلِّ واحِدٍ منهُما أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يَصحُّ أنْ يكونَ ابنَا الزَّوجينِ شاهدَينِ في عَقدِ النكاحِ، بأنْ كانَ أحَدُهما ابنَ الزَوجِ والآخَرُ ابنَ الزَّوجةِ، أو ابنَي كلِّ واحِدٍ منهُما، أو ابنَيهِما معًا بأنْ وقعَتِ الفُرقةُ بينَ رَجلٍ وامرأةٍ ثمَّ تزوَّجَا بحُضورِ ابنَيهِما، فيَنعقدُ بشَهادةِ ابنَيهِ لا منها، وبشَهادةِ ابنَيها لا منه، وبشَهادةِ ابنَيهِ منها؛ لعُمومِ قولِه ﷺ : «إلَّا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ»، ولأنه يَنعقدُ بهِما نكاحُ غيرِ هذا الزَّوجِ، فانعَقدَ بهما نِكاحُه كسائرِ العُدولِ، ولأنهُما مِنْ أهلِ الشَّهادةِ ويَنعقدُ بهِما النِّكاحُ في الجُملةِ، وكذا يَنعقدُ بالحَواشِي كالإخوةِ والأعمامِ إذا كانَ الوليُّ غيْرَهم، والأصلُ في هذا أنَّ كلَّ مَنْ يَصلحُ أنْ يكونَ وَليًّا في النكاحِ بوِلايةِ نَفسِه صَلحَ أنْ يكونَ شاهِدًا، ومَن لا فلا. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ بمُتهَمٍ لرَحمٍ كابْنَي الزَّوجينِ أو ابنَي أحَدِهما ونَحوِه كأبوَيهِما وابنِ أحَدِهما وأبِي الآخَرِ؛ للتُّهمةِ؛ لأنَّ الابنَ لا تُقبَلُ شهادتُه لوالِدهِ. وعلى هذا الخِلافِ إذا كانَ الشاهِدانِ عَدوَّينِ لهُما أو لأحَدِهما (١).

стр. 8921

الرُّكنُ الرَّابعُ: الزَّوجانِ: مَحلُّ عقدِ النكاحِ هُمَا الزَّوجُ والزَّوجةُ معًا، وهُمَا رُكنانِ في عقدِ النكاحِ عندَ الجُمهورِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، خِلافًا للحَنفيةِ؛ لأنَّ الركنَ عندَهم هو الإيجابُ والقَبولُ فقط والباقي شُروطٌ (١). ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنه يُشترطُ في كُلٍّ مِنْ الزَّوجينِ شُروطٌ تَكونُ فيهِما معًا، وشُروطٌ تَختصُّ بالزَّوجِ، وشُروطٌ تختَصُّ بالزَّوجةِ. أولاً: الشُّروطُ الَّتي تَختصُّ بهِما معًا (الزَّوجِ والزَّوجةِ): ١ - أنْ يكونَ كلٌّ مِنْ الزَّوجينِ حِلًّا للآخَرِ. ٢ - وأنْ لا يَقومَ بواحِدٍ منهُما مانعٌ مِنْ مَوانعِ النكاحِ.

стр. 8922

٣ - وعَدمُ المَحرَميةِ مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهَرةٍ: فلا يَصحُّ نِكاحُ مُحرَّمةٍ عليهِ بنَسبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهَرةٍ كما سيأتي ذلكَ مُفصَّلًا في المُحرَّماتِ مِنْ النكاحِ. ولا يَصحُّ نكاحُ مَنْ تَحرمُ جَمعُها مع زَوجٍ له كالأختَينِ أو المرأةِ وعمَّتِها أو خالَتِها كما سيأتي كلُّ ذلكَ مُفصَّلًا في المُحرَّماتِ مِنْ النكاحِ. ٤ - وعدمُ الإكراهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ المُكرَهِ والمُكرَهةِ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى صِحةِ نكاحِ المُكرَهِ والمُكرَهةِ، وأنَّ الطَّوعَ ليسَ بشَرطٍ لجَوازِ النكاحِ؛ لأنَّ الأصلَ عندَنا أنَّ كلَّ ما يَصحُّ مع الهَزلِ يَصحُّ مع الإكراهِ؛ لأنَّ ما يَصحُّ مع الهَزلِ لا يَحتملُ الفسخَ، وكلُّ ما لا يَحتملُ الفَسخَ لا يُؤثِّرُ فيه الإكراهِ، فإنْ كانَ المُسمَّى مثلَ مهرِ المثلِ أو أقَلَّ جازَ، ولا يَرجعُ على المُكرِهِ بشيءٍ؛ لأنه عِوضُه مثلُ ما أخرَجَه عن مِلكِه، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ مَهرِ المثلِ فالزيادةُ باطلةٌ، ويَجبُ مِقدارُ مَهرِ المثلِ، ويَصيرُ كأنهُما سَمَّيَا ذلكَ المِقدارَ، حتَّى إنه يَتنصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وأمَّا إنْ كانَتْ هي التي أكرَهَتِ الزَّوجَ على التزوُّجِ بها فلا يَجبُ لها عليه شَيءٌ؛ لأنَّ الإكراهَ جاءَ مِنْ جِهتِها، فكانَ في حُكمِ الباطلِ لا باطِلًا حَقيقةً (١).

стр. 8923

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ نكاحُ المُكرَهِ ولا المُكرَهةِ. قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وأمَّا نِكاحُ المكرَهِ فقالَ سحنونٌ: أجمَعَ أصحابُنا على إبطالِ نكاحِ المُكرَهِ والمُكرَهةِ، وقالُوا: لا يَجوزُ المقامُ عليهِ؛ لأنه لم يَنعقدْ. قالَ مُحمدُ بنُ سحنونٍ: وأجازَ أهلُ العِراقِ نكاحَ المكرَهِ، وقالُوا: لو أُكرِهَ على أنْ يَنكحَ امرأةً بعَشرةِ آلافِ دِرهمٍ وصَداقُ مثلِها ألفُ دِرهمٍ أنَّ النكاحَ جائزٌ وتَلزمُه الألفُ ويَبطلُ الفَضلُ، قالَ مُحمدٌ: فكَمَا أبطَلُوا الزائِدَ على الألفِ فكَذلكَ يَلزمُهم إبطالُ النكاحِ بالإكراهِ، وقولُهم خِلافُ السُّنةِ الثابتةِ في حَديثِ خَنساءَ بنتِ خِذامٍ الأنصاريةِ، ولأمرِه ﷺ بالاستِئمارِ في أبضاعِهنَّ، وقد تقدَّمَ، فلا مَعنى لقَولِهم. قالَ القُرطبيُّ: فإنْ وَطئَها المُكرَهُ على النكاحِ غيرَ مكرَهٍ على الوطءِ والرِّضا بالنكاحِ لَزمَه النكاحُ عندَنا على المُسمَّى مِنْ الصَّداقِ، ودُرِئَ عنه الحَدُّ، وإنْ قالَ: «وَطئْتُها على غيرِ رضًا منِّي بالنكاحِ» فعَليهِ الحَدُّ والصَّداقُ المسمَّى؛ لأنه مُدَّعٍ لإبطالِ الصداقِ المسمَّى، وتُحَدُّ المرأةُ إنْ أقدَمَتْ وهي عالِمةٌ أنه مُكرَهٌ على النكاحِ. وأمَّا المُكرَهةُ على النكاحِ وعلى الوَطءِ فلا حَدَّ عليها، ولها الصَّداقُ، ويُحَدُّ الواطِئُ، فاعلَمْه، قالَه سحنونٌ (١).

стр. 8924

قالَ الدُّسوقيُّ المالِكيُّ ﵀: فإذا أُكرِهَ على النِّكاحِ ثمَّ زالَ الإكراهُ فلا بُدَّ مِنْ فَسخِه، ولا عِبرةَ بإجازتِه اتفاقًا؛ وذلكَ لأنه غيرُ مُنعقِدٍ، ولو انعَقدَ لَبطَلَ؛ لأنه نِكاحٌ فيه خيارٌ (١). ٥ - وعَدمُ المَرضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ المَريضِ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى عَدمِ صحَّةِ نكاحِ المَريضِ ولا المَريضةِ ولا هُمَا معًا، سَواءٌ كانَ مرَضًا مَخُوفًا اتفاقًا، أو غيرَ مَخوفٍ على المَشهورِ، وسواءٌ أَذِنَ له الوارثُ الرَّشيدُ في ذلكَ أم لا على المَشهورِ؛ لاحتِمالِ مَوتِ الآذِنِ قبلَ موتِ المريضِ، ويكونُ الوارِثُ لذلكَ المريضِ غيرَ الآذِنِ، فلمَّا احتُملَ ذلكَ كانَ إذنُ الوارِثِ له بمَنزلةِ العدمِ. وسَواءٌ احتاجَ المَريضُ إلى النكاحِ أم لا على المَشهورِ الراجحِ؛ للنَّهيِ عن إدخالِ وارِثٍ، وإنما لم يُمنَعْ مِنْ وَطءِ زوْجَتِه لأنَّ في النكاحِ إدخالَ وارِثٍ مُحقَّقٍ، وليسَ عن كلِّ وَطءٍ حَمْلٌ. وفي قَولٍ -قالَ في «الجَواهِر»: إنَّه المَشهورُ-: أنَّ منْعَ النكاحِ المَذكورِ وإنْ أَذِنَ الوارثُ مُقيَّدٌ بعدمِ الاحتياجِ إلى النكاحِ أو إلى مَنْ يَقومُ به ويَخدمُه في مَرضِه، وعليهِ: إنِ احتاجَ إلى ذلكَ جازَ له النكاحُ وإنْ منَعَه الوارثُ منه.

стр. 8925

ويلحَقُ بالمريضِ في ذلكَ كلُّ مَحجورٍ مِنْ حاضِرِ صَفِّ القتالِ ومُقرَّبٍ لقَطعٍ ومَحبوسٍ لقَتلٍ وحامِلِ سِتَّةٍ بأنْ يكونَ زَوجُها طلَّقَها بائنًا دونَ الثَّلاثِ وأرادَ أنْ يَعقدَ عليها بعدَ مُضيِّ سِتةِ أشهُرٍ فأكثَرَ مِنْ حَملِها، فإنه لا يَجوزُ له ذلكَ ولا لها؛ لأنها مَحجورٌ عليها في تلكَ الحالةِ. وللمَريضةِ التي فُسخَ نكاحُها بعدَ الدُّخولِ المسمَّى، فإذا تزوَّجَتْ حالَ مَرضِها ودخَلَ بها الزوجُ فإنه يُقضَى لها مِنْ رأسِ مالِه بالمسمَّى، قَلَّ أو كَثُرَ وإنْ حَرُمَ، ومثلُ الدُّخولِ موتُه، فيُقضَى لها به مِنْ رأسِ مالِه، أو مَوتُها قبْلَه وقبْلَ الفَسخِ، ولا ميراثَ لمَن بقيَ حيًّا بعدَ موتِ صاحبِه. وإذا تزوَّجَ المريضُ مَرضًا مَخوفًا في مَرضِه ودخَلَ ولم يُفسَخِ النِّكاحُ فتارَةً يَموتُ فيكونُ عليه مِنْ ثُلثِ مالِه الأقلُّ مِن المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ، فإنْ كانَ الثَّلثُ أقلَّ منهُما أخَذَتْه فقطْ، فتَحصَّلَ مِنْ ذلكَ أنَّ عليه الأقلَّ مِنْ الثلاثةِ أشياءَ: الثَّلثِ والمُسمَّى وصَداقِ المثلِ. وتارةً يَصحُّ مِنْ المَرضِ فلا يُفسخُ النكاحُ، فتأخُذُ المسمَّى مِنْ رأسِ مالِه. ومتَى عُثرَ عليه فُسِخَ ولو بعدَ البناءِ ولو حائِضًا، فإنْ فُسخَ قبلَ الدخولِ فلا شيءَ عليهِ، إلا أنْ يَصحَّ المَريضُ فلا يُفسَخُ (١).

стр. 8926

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ نكاحُ المَريضِ ولو كانَ مرَضَ الموتِ، إلا أنه لا تَصحُّ الزيادةُ عن مَهرِ المثلِ، ومَهرُها دَينٌ مِنْ جميعِ المالِ كسائرِ الديونِ. وهكذا المَريضةُ إذا نكَحَتْ رجلًا صَحيحًا صَحَّ نكاحُها ووَرثَها الزوجُ، وعليهِ صَداقُها إنْ كانَ مهرَ المثلِ فما زادَ، فإنْ نكَحَتْه بأقلَّ مِنْ صَداقِ مثلِها بالمُحاباةِ فالنُّقصانُ وَصيةٌ له، فتُردُّ إنْ كانَ وارِثًا، وتَمضِي في الثلثِ إنْ كانَ الزَّوجُ غيرَ وارثٍ. والدليلُ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يُفرِّقْ بينَ صَحيحٍ ومَريضٍ، ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ ﵁ أنه قالَ في مرَضِه: «زوِّجُوني لِئلَّا ألقَى اللهَ عَزْبًا»، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «لو لم يَبْقَ مِنْ أجَلِي إلا عَشرةُ أيامٍ ما أحبَبْتُ إلا أنْ تكونَ لي زَوجةٌ»، ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه أنَّ الزُّبيرَ ﵁ دخَلَ على قُدامةَ يَعودُه فبَصرَ عندَه بجاريةٍ، فقالَ قُدامةُ: زوِّجْنِي بها، فقالَ: ما تَصنعُ بها وأنتَ على هذهِ الحالةِ؟ فقالَ: إنْ أنا عِشْتُ نسَبْتُ الزُّبيرَ، وإنْ متُّ فهُمْ أحَقُّ مَنْ يَرثنِي». ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يُمنَعْ مِنْ التَّسرِّي بالإماءِ لم يُمنَعْ مِنْ نكاحِ الحَرائرِ كالصَّحيحِ، ولأنه فِراشٌ لا يُمنَعُ منه الصحيحِ، فوجَبَ ألا يُمنعَ منه المَريضُ كالاستِمتاعِ بالإماءِ، ولأنه عقدٌ، فلمْ يَمنعْ منه المرضُ كالبيعِ والشراءِ، ولأنه لا يَخلُو عقدُه مِنْ أنْ يكونَ لحاجةٍ أو لِشهوةٍ، فإنْ كانَ

стр. 8927

لحاجةٍ لم يَجُزْ منعُه، وإنْ كانَ لشهوةٍ فهي مُباحةٌ له كما أُبيحَ له أنْ يَلتزمَ بما شاءَ مِنْ أكلٍ أو لبسٍ. فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بالتُّهمةِ ودُخولِ الضَّررِ فهو أنَّ التُّهمةَ تَبعُدُ عمَّن هو في مَرضِ موتِه؛ لأنه في الأغلبِ يَقصدُ وجْهَ اللهِ ، والضررُ لا يَمنعُ مِنْ جوازِ العُقودِ كالبيعِ، ولأنه إنْ كانَ ضَررًا لوَرثتِه فهو مَنفعةٌ لنَفسِه، وهو أحَقُّ بمَنفعةِ نَفسِه مِنْ منفعةِ وَرثتِه. فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ فيه مُزاحَمةً لبعضِ الوَرثةِ ودفْعًا لبَعضِهم فهو أنَّ ما لم تَمنعِ الصِّحةُ منه لم يَمنعِ المرضُ منه كالإقرارِ بوارثٍ وكالاستِيلاءِ للأمَةِ (١). وسيأتي بَيانُ وتَفصيلُ ذلكَ أكثَرَ في فصلِ الأنكِحةِ المَنهيِّ عنها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. ٦ - وعَدمُ الإشكالِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا يَصحُّ نكاحُ الخُنثَى المُشكلِ على أنه زَوجٌ أو زَوجةٌ؛ لأنه إنْ تزوَّجَ امرأةً لم يُومَنْ أنْ يكونَ امرأةً، وإنْ تزوَّجَ رَجلًا لم يُومَنْ أنْ يكونَ رجلًا (٢).

стр. 8928

٧ - وعَدمُ الإحرامِ: ألا يَكونَ أحَدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا بحَجٍّ أو عُمرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجينِ، هل يُشترطُ أنْ يكونَ كلٌّ منهُما خاليًا مِنْ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ أنْ يعقدَ النكاحُ ولوكانا مُحرِمَينِ أو أحَدُهما مُحرِمًا والآخَرُ حلالًا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ والوَليِّ عدمُ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ﵁ يقولُ: قالَ رَسولَ اللهِ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطبُ» (١). ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داوُدَ بنِ الحُصَينِ أنَّ أبا غَطَفانَ بنَ طَرِيفٍ المِرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ فرَدَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ نِكاحَه (٢). ٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٣).

стр. 8929

٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (١). وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٢). ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ، ولأنهُ عَقدٌ يَمنعُ الإحرامُ مِنْ مَقصودِه، فمُنعَ أصلُه كشِراءِ الصَّيدِ. قالَ المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ. وله أنْ يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ. وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما

стр. 8930

مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (١). وقال الشافعية: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» (٢)، والكافُ مَكسورةٌ فيهِما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني. وعن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (٣). ولا يَنقلُ الإحرامُ الوِلايةَ للأبعَدِ في الأصَحِّ؛ لأنه لا يَسلبُ الولايةَ؛ لبَقاءِ الرُّشدِ والنظرِ، وإنما يَمنعُ النكاحَ كما يَمنعَه إحرامُ الزَّوجِ أو الزوجةِ. فيُزوِّجُ السُّلطانُ عندَ إحرامِ الوليِّ لا الأبعَدُ؛ لأنَّ تأثيرَ الإحرامِ يَمنعُ الانعقادَ مع بقاءِ الولايةِ؛ لبقاءِ الرُّشدِ والنظرِ.
следующие страницы →