وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ نكاحُ المَريضِ ولو كانَ مرَضَ الموتِ، إلا أنه لا تَصحُّ الزيادةُ عن مَهرِ المثلِ، ومَهرُها دَينٌ مِنْ جميعِ المالِ كسائرِ الديونِ.
وهكذا المَريضةُ إذا نكَحَتْ رجلًا صَحيحًا صَحَّ نكاحُها ووَرثَها الزوجُ، وعليهِ صَداقُها إنْ كانَ مهرَ المثلِ فما زادَ، فإنْ نكَحَتْه بأقلَّ مِنْ صَداقِ مثلِها بالمُحاباةِ فالنُّقصانُ وَصيةٌ له، فتُردُّ إنْ كانَ وارِثًا، وتَمضِي في الثلثِ إنْ كانَ الزَّوجُ غيرَ وارثٍ.
والدليلُ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يُفرِّقْ بينَ صَحيحٍ ومَريضٍ، ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ ﵁ أنه قالَ في مرَضِه: «زوِّجُوني لِئلَّا ألقَى اللهَ عَزْبًا»، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «لو لم يَبْقَ مِنْ أجَلِي إلا عَشرةُ أيامٍ ما أحبَبْتُ إلا أنْ تكونَ لي زَوجةٌ»، ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه أنَّ الزُّبيرَ ﵁ دخَلَ على قُدامةَ يَعودُه فبَصرَ عندَه بجاريةٍ، فقالَ قُدامةُ: زوِّجْنِي بها، فقالَ: ما تَصنعُ بها وأنتَ على هذهِ الحالةِ؟ فقالَ: إنْ أنا عِشْتُ نسَبْتُ الزُّبيرَ، وإنْ متُّ فهُمْ أحَقُّ مَنْ يَرثنِي».
ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يُمنَعْ مِنْ التَّسرِّي بالإماءِ لم يُمنَعْ مِنْ نكاحِ الحَرائرِ كالصَّحيحِ، ولأنه فِراشٌ لا يُمنَعُ منه الصحيحِ، فوجَبَ ألا يُمنعَ منه المَريضُ كالاستِمتاعِ بالإماءِ، ولأنه عقدٌ، فلمْ يَمنعْ منه المرضُ كالبيعِ والشراءِ، ولأنه لا يَخلُو عقدُه مِنْ أنْ يكونَ لحاجةٍ أو لِشهوةٍ، فإنْ كانَ
стр. 8927
لحاجةٍ لم يَجُزْ منعُه، وإنْ كانَ لشهوةٍ فهي مُباحةٌ له كما أُبيحَ له أنْ يَلتزمَ بما شاءَ مِنْ أكلٍ أو لبسٍ.
فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بالتُّهمةِ ودُخولِ الضَّررِ فهو أنَّ التُّهمةَ تَبعُدُ عمَّن هو في مَرضِ موتِه؛ لأنه في الأغلبِ يَقصدُ وجْهَ اللهِ ، والضررُ لا يَمنعُ مِنْ جوازِ العُقودِ كالبيعِ، ولأنه إنْ كانَ ضَررًا لوَرثتِه فهو مَنفعةٌ لنَفسِه، وهو أحَقُّ بمَنفعةِ نَفسِه مِنْ منفعةِ وَرثتِه.
فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ فيه مُزاحَمةً لبعضِ الوَرثةِ ودفْعًا لبَعضِهم فهو أنَّ ما لم تَمنعِ الصِّحةُ منه لم يَمنعِ المرضُ منه كالإقرارِ بوارثٍ وكالاستِيلاءِ للأمَةِ (١).
وسيأتي بَيانُ وتَفصيلُ ذلكَ أكثَرَ في فصلِ الأنكِحةِ المَنهيِّ عنها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
٦ - وعَدمُ الإشكالِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا يَصحُّ نكاحُ الخُنثَى المُشكلِ على أنه زَوجٌ أو زَوجةٌ؛ لأنه إنْ تزوَّجَ امرأةً لم يُومَنْ أنْ يكونَ امرأةً، وإنْ تزوَّجَ رَجلًا لم يُومَنْ أنْ يكونَ رجلًا (٢).
стр. 8928
٧ - وعَدمُ الإحرامِ: ألا يَكونَ أحَدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا بحَجٍّ أو عُمرةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجينِ، هل يُشترطُ أنْ يكونَ كلٌّ منهُما خاليًا مِنْ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ أنْ يعقدَ النكاحُ ولوكانا مُحرِمَينِ أو أحَدُهما مُحرِمًا والآخَرُ حلالًا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ والوَليِّ عدمُ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ﵁ يقولُ: قالَ رَسولَ اللهِ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطبُ» (١).
ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داوُدَ بنِ الحُصَينِ أنَّ أبا غَطَفانَ بنَ طَرِيفٍ المِرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ فرَدَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ نِكاحَه (٢).
٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٣).
стр. 8929
٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (١).
وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٢).
ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ، ولأنهُ عَقدٌ يَمنعُ الإحرامُ مِنْ مَقصودِه، فمُنعَ أصلُه كشِراءِ الصَّيدِ.
قالَ المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ.
وله أنْ يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ.
وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما
стр. 8930
مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (١).
وقال الشافعية: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» (٢)، والكافُ مَكسورةٌ فيهِما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني.
وعن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (٣).
ولا يَنقلُ الإحرامُ الوِلايةَ للأبعَدِ في الأصَحِّ؛ لأنه لا يَسلبُ الولايةَ؛ لبَقاءِ الرُّشدِ والنظرِ، وإنما يَمنعُ النكاحَ كما يَمنعَه إحرامُ الزَّوجِ أو الزوجةِ.
فيُزوِّجُ السُّلطانُ عندَ إحرامِ الوليِّ لا الأبعَدُ؛ لأنَّ تأثيرَ الإحرامِ يَمنعُ الانعقادَ مع بقاءِ الولايةِ؛ لبقاءِ الرُّشدِ والنظرِ.
стр. 8931
والثَّاني: يَنقلُ للأبعدِ كالجُنونِ، ورجَّحَه في «المَطلَب».
وَكما لا يَصحُّ نِكاحُ المُحرمِ لا يَصحُّ إذنُه لعبدِه الحَلالِ في النكاحِ، ولا إذنُ المُحرمةِ لعبدِها فيه على الأصَحِّ في المَجمُوع.
ويَجوزُ أنْ تُزَفَّ إلى المُحرمِ زَوجتُه التي عقَدَ عليها قبلَ إحرامِه، وأنْ تُزفَّ المُحرمةُ إلى زَوجِها الحَلالِ والمُحرمِ.
ويَنعقدُ النكاحُ بشَهادةِ المُحرمِ؛ لأنه ليسَ بعاقِدٍ ولا مَعقودٍ عليهِ، لكنَّ الأَولى أنْ لا يَحضرَ، وتَصحُّ رَجعتُه؛ لأنها استِدامةٌ كالإمساكِ في دَوامِ النكاحِ.
ولو أحرَمَ الوليُّ أو الزَّوجُ بعدَ تَوكيلِه التَّزويجَ فعقَدَ وكيلُهُ الحَلالُ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملكُه، ففَرعُه أَولى، وأيضًا الوَكيلُ في النكاحِ سَفيرٌ مَحضٌ، فكأنَّ العاقِدَ هو المُوكِّلُ، ولا يَنعزلُ الوَكيلُ بإحرامِ مُوكِّلِه، فيَعقدُ بعدَ التَّحلُّلِ.
ولو عقَدَ الوكيلُ واختَلفَ الزَّوجانِ هل وقَعَ قبلَ الإحرامِ أو بعدَه؟ صدِّقَ مدَّعِي الصحَّةِ بيَمينِه؛ لأنَّ الظاهِرَ في العُقودِ الصحةُ.
ولو وكَّلَ مُحرِمٌ حَلالًا في تزويجِه أو أَذِنتْ مُحرِمةٌ لوليِّها أنْ يزوِّجَها صحَّ، سَواءٌ أقالَ كلٌّ: لتُزوِّجْ بعدَ التَّحللِ أم أطلَقَ؛ لأنَّ الإحرامَ إنما يَمنعُ الانعِقادَ دونَ الإذنِ، وإنْ شرَطَ صُدورَ العقدِ في الإحرامِ لم يَصحَّ التَّوكيلُ ولا الإذنُ.
ولو وكَّلَ حلالٌ مُحرِمًا ليُوكِّلَ حلالًا في التَّزويجِ صَحَّ؛ لأنه سَفيرٌ مَحضٌ.
стр. 8932
ولا خِلافَ أنَّ وكيلَ المُصلِّي يُزوِّجُ، بخِلافِ وَكيلِ المُحرِمِ؛ لأنَّ عِبارةَ المُحرمِ غيرُ صَحيحةٍ وعبارةَ المُصلِّي صَحيحةٌ، حتَّى لو زوَّجَها في صلاتِه ناسِيًا صَحَّ النكاحُ والصَّلاةُ، بخِلافِ المُحرِمِ لو تزوَّجَ ناسيًا للإحرامِ لم يَصحَّ نكاحُه؛ لأنَّ عِبارةَ المُحرمِ غيرُ صَحيحةٍ وعبارةَ المُصلِّي صَحيحةٌ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ذكَرَ مُسلمٌ الاختلافَ أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهوَ مُحرمٌ أو وهو حَلالٌ؟ فاختَلفَ العُلماءُ بسَببِ ذلكَ في نِكاحِ المُحرمِ.
فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهُم: لا يَصحُّ نكاحُ المُحرمِ، واعتَمدُوا أحادِيثَ البابِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ والكُوفيُّونَ: يَصحُّ نِكاحُه؛ لحَديثِ قِصةِ مَيمونةَ.
وأجاب الجُمهورُ عن حَديثِ مَيمونةَ بأجوَبةٍ:
أصَحُّها: أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما تزوَّجَها حَلالًا، هكذا رَواهُ أكثَرُ الصَّحابةِ، قالَ القاضي وغيرُه: ولمْ يَرْوِ أنه تزوَّجَها مُحرِمًا إلَّا ابنُ عبَّاسٍ وحْدَه، ورَوَتْ مَيمونةُ وأبو رافِعٍ وغيرُهما أنه تزوَّجَها حَلالًا، وهمْ أعرَفُ بالقَضيةِ؛ لِتَعلُّقِهم به، بخِلافِ ابنِ عبَّاسٍ، ولأنهم أضبَطُ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ
стр. 8933
وأكثَرُ.
الجَوابُ الثَّاني: تَأويلُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ على أنَّه تزوَّجَها في الحرَمِ وهو حَلالٌ، ويقالُ لمَن هو في الحَرمِ: «مُحرِمٌ» وإنْ كانَ حَلالًا، وهي لغةٌ شائِعةٌ مَعروفةٌ، ومنهُ البيتُ المَشهورُ:
قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا … ......................................
أي: في حَرمِ المَدينةِ.
والثالثُ: أنه تَعارَضَ القولُ والفعلُ، والصَّحيحُ حِينئذٍ عندَ الأصوليِّينَ تَرجيحُ القولِ؛ لأنه يَتعدَّى إلى الغيرِ، والفعلُ قد يكونُ مَقصورًا عليه.
والرابعُ: جَوابُ جَماعةٍ مِنْ أصحابنا أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ له أنْ يتزوَّجَ في حالِ الإحرامِ، وهو ممَّا خُصَّ به دُونَ الأمَّةِ، وهذا أصَحُّ الوجهَينِ عندَ أصحابنا، والوجهُ الثَّاني: أنه حَرامٌ في حَقِّه كغيرِه، وليسَ مِنْ الخَصائصِ.
وأمَّا قولُه ﷺ : «ولا يُنكِحُ» فمَعناهُ: لا يُزوِّجُ امرأةً بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، قالَ العلماءُ: سبَبَه أنه لمَّا مُنعَ في مدَّةِ الإحرامِ مِنْ العَقدِ لنَفسِه صارَ كالمرأةِ، فلا يَعقدُ لنَفسِه ولا لغيرِه، وظاهِرُ هذا العُمومِ أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يزوِّجَ بوِلايةٍ خاصَّةٍ كالأبِ والأخِ والعَمِّ ونحوِهم، أو بوِلايةٍ عامَّةٍ وهو السُّلطانُ والقاضي ونائبُه، وهذا هو الصَّحيحُ عندَنا، وبه قالَ جُمهورُ أصحابِنا، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يزوِّجَ المُحرِمُ بالولايةِ العامَّةِ؛ لأنها يُستفادُ بها ما لا يُستفادُ بالخاصَّةِ، ولهذا يَجوزُ للمُسلمِ تَزويجُ الذمِّيةِ بالوِلايةِ العامَّةِ دونَ
стр. 8934
الخاصَّةِ.
واعلَمْ أنَّ النهيَ عن النكاحِ والإنكاحِ في حالِ الإحرامِ نهيُ تَحريمٍ، فلو عقَدَ لم يَنعقدْ، سواءٌ كانَ المُحرمُ هو الزوجُ أو الزوجةُ أو العاقِدُ لهُما بوِلايةٍ أو وَكالةٍ، فالنكاحُ باطلٌ في كلِّ ذلكَ، حتَّى لو كانَ الزَّوجانِ والوليُّ مُحِلَّينِ ووكَّلَ الوليُّ أو الزوجُ مُحرِمًا في العقد لم يَنعقدْ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: (ولا يَتزوَّجُ المُحرمُ ولا يزوِّجُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطلٌ).
قولُه: (لا يتزوَّجُ) أي: لا يَقبلُ النكاحَ لنَفسِه، (ولا يُزوِّجُ) أي: لا يكونُ وليًّا في النكاحِ ولا وَكيلًا فيهِ، ولا يَجوزُ تَزويجُ المُحرِمةِ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وابنِه وزَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵃، وبه قالَ سعيدُ بنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ والزُّهريُّ والأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ.
وأجازَ ذلكَ ابنُ عبَّاسٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه عَقدٌ يَملكُ به الاستِمتاعَ، فلا يُحرِّمُه الإحرامُ كشِراءِ الإماءِ.
ولنا: ما رَوى أبانُ بنُ عُثمانَ عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مُسلمٌ، ولأنَّ الإحرامَ يُحرِّمُ الطِّيبَ، فيُحرِّمُ النكاحَ كالعدَّةِ.
стр. 8935
فأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فقدْ رَوى يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَها حَلالًا وبنَى بها حَلالًا وماتَتْ بِسَرفٍ في الظُّلةِ التي بنَى بها فيهَا» رواهُ أبو داودَ والأثرمُ.
وعن أبي رافِعٍ قالَ: «تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حَلالٌ، وكُنتُ أنا الرَّسولُ بينَهُما»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ومَيمونةُ أعلَمُ بنَفسِها، وأبو رافِعٍ صاحِبُ القصَّةِ وهو السَّفيرُ فيها، فهُمَا أعلَمُ بذلكَ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأَولى بالتَّقديمِ لو كانَ ابنُ عبَّاسٍ كَبيرًا، فكَيفَ وقد كانَ صَغيرًا لا يَعرفُ حَقائقَ الأمورِ ولا يَقفُ عليها؟ وقد أُنكِرَ عليهِ هذا القولُ.
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ، ما تزوَّجَها النبيُّ ﷺ إلَّا حَلالًا، فكَيفَ يُعملُ بحَديثٍ هذا حالُه؟ ويُمكِنُ حَملُ قولِه: «وهو مُحرِمٌ» أي: في الشَّهرِ الحَرامِ أو في البَلدِ الحَرامِ، كما قيلَ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا.
وقيلَ: تزوَّجَها حَلالًا وأظهَرَ أمْرَ تَزويجِها وهو مُحرمٌ.
ثمَّ لو صَحَّ الحَديثانِ كانَ تَقديمُ حَديثِنا أَولى؛ لأنه قَولُ النبيِّ ﷺ وذلكَ فِعلُه، والقَولُ آكَدُ؛ لأنه يَحتملُ أنْ يكونَ مُختَصًّا بما فعَلَه، وعَقدُ النكاحِ يُخالِفُ شِراءَ الأمَةِ؛ فإنه يَحرمُ بالعدَّةِ والردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ وكَونِ المَنكوحةِ أختًا له مِنْ الرَّضاعِ ويُعتبَرُ له شُروطٌ غيرُ مُعتبَرةٍ في الشِّراءِ.
стр. 8936
فَصلٌ: ومتَى تزوَّجَ المُحرِمُ أو زوَّجَ أو زوِّجَتْ مُحرِمةٌ فالنكاحُ باطلٌ، سَواءٌ كانَ الكلُّ مُحرِمينَ أو بعضُهم؛ لأنه مَنهيٌّ عنه، فلمْ يَصحَّ كنكاحِ المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها.
وعن أحمَدَ: إنْ زوَّجَ المُحرِمُ لم أفسَخِ النكاحَ.
قالَ بعضُ أصحابِنا: هذا يَدلُّ على أنه إذا كانَ الوليُّ بمُفرَدِه أو الوكيلُ مُحرِمًا ما لم يَفسدِ النكاحُ، والمَذهبُ الأولُ، وكَلامُ أحمدَ يُحملُ على أنه لا يَفسخُه لكَونِه مُختلَفًا فيه.
قالَ القاضي: ويُفرَّقُ بينَهُما بطَلقةٍ.
وهكذا كُلُّ نكاحٍ مُختلَفٍ فيه، قال أحمَدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: إذا تزوَّجَتْ بغيرِ وليٍّ لم يَكنْ للوليِّ أنْ يزوِّجَها مِنْ غيرِه حتَّى يُطلِّقَ.
ولأنَّ تَزويجَها مِنْ غيرِ طَلاقٍ يُفضِي إلى أنْ يَجتمعَ للمَرأةِ زَوجانِ، كلُّ واحِدٍ منهُما يَعتقدُ حِلَّها (١).
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: المُحرمُ إذا تَزوَّجَ لنَفسِه أو عقَدَ النكاحَ لغيرِه ككَونِه وليًّا أو وكيلًا فإنه لا يَصحُّ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مسلمٌ.
وإنْ عقَدَ الحلالُ نِكاحًا لمُحرمٍ بأنْ يكونَ وَكيلًا له أو وليًّا عليه أو عقَدَه على مُحرِمةٍ لم يَصحَّ؛ لدُخولِه في عُمومِ الحديثِ؛ لأنه إذا تزوَّجَ له وكيلُه فقدْ
стр. 8937
نكَحَ، وحَكَى القاضي في كَونِ المُحرمِ وليًّا لغيرِه رِوايتينِ:
إحداهُما: لا تَصحُّ، وهي اختِيارُ الخِرقيِّ.
والثانيةُ: تَصحُّ، وهي اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ النكاحَ حرِّمَ على المُحرِمِ؛ لأنه في دَواعِي الوَطءِ المُفسِدِ للحَجِّ، ولا يَحصلُ ذلكَ فيه بكَونِه وليًّا لغيرِه.
والأولُ أَولى؛ لدُخولِه في عُمومِ الخبَرِ، ولأنه عَقدٌ لا يَصحُّ للمُحرمِ، فلا يَصحُّ منه كشِراءِ الصَّيدِ (١).
وذهب الحنفية إلى أنه يَجوزُ للمُحرمِ أنْ يليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولغيرِه وأنْ يُوكِّلَ ويتوكَّلَ فيهِ (١)؛ لِمَا رواهُ مُسلمٌ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عنِ أبي الشَّعثاءِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ أخبَرَه: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» (٢)، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يَدخلَ بها حتَّى يَحِلَّ مِنْ إحرامِه.
قالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: فأمَّا النَّظرُ في ذلكَ: فإنَّ المُحرِمَ حرامٌ عليه جِماعُ النِّساءِ، فاحتُملَ أنْ يكونَ عقدُ نكاحِهنَّ كذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فوَجدْناهُم قد أجمَعُوا أنه لا بأسَ على المُحرمِ بأنْ يَبتاعَ جارِيةً، ولكنْ لا يَطؤُها حتَّى يَحِلَّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ لِيَتطيَّبَ به بعدَما يَحِلُّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ قَميصًا لِيَلبسَه بعدَما يَحلُّ، وذلكَ الجِماعُ هو والتطيُّبُ واللِّباسُ حَرامٌ
стр. 8942
عليه كلُّه وهو مُحرِمٌ، فلمْ يَكنْ حُرمةُ ذلكَ عليهِ تَمنعُه عقْدَ المِلكِ عليهِ، ورأَيْنا المُحرِمَ لا يَشتريْ صَيدًا، فاحتُملَ أنْ يكونَ حُكمُ عَقدِ النكاحِ كحُكمِ عَقدِ شِراءِ الصيدِ أو حُكمِ عقدِ شِراءِ ما وصَفْنا ممَّا سِوى ذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فإذا مَنْ أحرَمَ وفي يَدِه صَيدٌ أُمرَ أنْ يُطلِقَه، ومَن أحرَمَ وعليهِ قَميصٌ وفي يَدِه طِيبٌ أُمرَ أنْ يَطرحَه عنهُ ويَرفعَه، ولم يَكنْ ذلكَ كالصَّيدِ الذي يُؤمَرُ بتَخليتِه ويتركُ حَبسهُ، ورأَيْناهُ إذا أحرَمَ ومعَه امرأةٌ لم يُؤمرْ بإطلاقِها، بل يُؤمرُ بحِفظِها وصَونِها، فكانَتِ المرأةُ في ذلكَ كاللِّباسِ والطِّيبِ لا كالصَّيدِ، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يكونَ في استِقبالِ عَقدِ النكاحِ عليها في حُكمِ استقبالِ عقدِ المِلكِ على الثيابِ والطِّيبِ الذي يَحلُّ له به لبسُ ذلكَ واستعمالُه بعدَ الخُروجِ مِنْ الإحرامِ.
فقالَ قائِلٌ: فقدْ رأَيْنا مَنْ تزوَّجَ أختَه مِنْ الرَّضاعةِ كانَ نكاحُه باطِلًا، ولو اشتِراها كانَ شِراؤُه جائِزًا، فكانَ الشِّراءُ يَجوزُ أنْ يُعقدَ على ما لا يَحلُّ وَطؤُه، والنكاحُ لا يجوزُ أنْ يُعقدَ إلا على مَنْ يَحلُّ وَطؤُها، وكانَتِ المرأةُ حَرامًا على المُحرمِ جِماعُها، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يَحرمَ عليه نِكاحهُا.
فكانَ مِنْ الحُجةِ للآخرِينَ عليهِم في ذلكَ أنَّا رأَيْنا الصائمَ والمُعتكِفَ حَرامٌ على كلِّ واحدٍ منهُما الجِماعُ، وكلٌّ قد أجمَعَ أنَّ حُرمةَ الجِماعِ عليهِما لا يَمنعُهما مِنْ عَقدِ النكاحِ لأنفُسِهما؛ إذْ كانَ ما حرَّمَ الجِماعَ عليهما مِنْ ذلكَ إنما هو حُرمةُ دِينٍ كحُرمةِ حَيضِ المرأةِ الذي لا يَمنعُها مِنْ عقدِ النكاحِ على
стр. 8943
نَفسِها، فحُرمةُ الإحرامِ في النظرِ أيضًا كذلكَ.
وقد رأَيْنا الرَّضاعَ الَّذي لا يَجوزُ تَزويجُ المرأةِ لِمَكانِه إذا طرَأَ على النكاحِ فسَخَ النكاحَ، وكذلك لا يَجوزُ استِقبالُ النكاحِ عليهِ، وكانَ الإحرامُ إذا طرَأَ على النكاحِ لم يَفسخْه، فالنَّظرُ على ذلكَ أيضًا أنْ يكونَ لا يَمنعُ استقبالَ عُقدةِ النكاحِ، وحُرمةُ الجِماعِ بالإحرامِ كحُرمتِه بالصيامِ سَواءٌ، فإذا كانَتْ حُرمةُ الصيامِ لا تَمنعُ عقْدَ النكاحِ فكذلكَ حُرمةُ الإحرامِ لا تَمنعُ عُقدةَ النكاحِ أيضًا، فهذا هو النظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ ﵏ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفُوا في نكاحِ المُحرِمِ.
فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ وأحمدُ: لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطِلٌ، وهو قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ بذلكَ.
وسَببُ اختِلافِهم تَعارُضُ النقلِ في هذا البابِ، فمِنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، وهو حَديثٌ ثابِتُ النقلِ خرَّجَه أهلُ الصَّحيحِ، وعارَضَه أحادِيثُ كَثيرةٌ عن مَيمونةَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَها وهو حَلالٌ»، قالَ أبو عُمرَ: رُويَتْ عنها مِنْ
стр. 8944
طُرقٍ شتَّى مِنْ طَريقِ أبي رافعٍ، ومِن طريقِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وهو مَولاها، وعن يَزيدَ بنِ الأصَمِّ، ورَوى مالكٌ أيضًا مِنْ حَديثِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ مع هذا أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ».
فمَن رجَّحَ هذه الأحادِيثَ على حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ، ومَن رجَّحَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ أو جمَعَ بينَه وبينَ حديثِ عُثمانَ بنِ عفانَ بأنْ حمَلَ النهيَ الوارِدَ في ذلك على الكَراهيةِ قالَ: يَنكحُ ويُنكِحُ، وهذا راجِعٌ إلى تعارُضِ الفعلِ والقولِ، والوجهُ الجَمعُ أو تَغليبُ القولِ (١).
стр. 8945
ثانيًا: الشُّروطُ التي تَختصُّ بالزَّوجِ:
١ - الإسلامُ: إسلامُ الزَّوجِ إذا كانَتِ الزَّوجةُ مُسلِمةً:
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ إسلامَ الرَّجلِ إذا كانَتِ الزَّوجةُ مُسلِمةً شَرطٌ لصحَّةِ النكاحِ، فلا يَصحُّ ولا يَجوزُ كَونُ الزوجِ غيرَ مُسلمٍ، كِتابيًّا أو وَثنيًّا والزَّوجةُ مُسلِمةٌ بالإجماعِ.
واستَدلُّوا على ذلكَ بقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فأخبَرَ تعالَى أنَّ وطْءَ المُؤمِناتِ حَرامٌ على الكفَّارِ، فلذلكَ لم تُرَدَّ إليهمُ النِّساءُ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إجماعُ العُلماءِ على أنَّ المُسلمةَ لا يَحلُّ أنْ تكونَ زَوجةً لكافرٍ (١).
وقالَ أيضًا: إذْ في القُرآنِ والسُّنةِ والإجماعِ تَحريمُ فُروجِ المُسلماتِ على الكفَّارِ (٢).
وبقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، قالَ العِزُّ بنُ عبدِ السلامِ: هذا على عُمومِه إجماعًا (٣).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: حرَّمَ اللهُ على الكفَّارِ نساءَ
стр. 8946
المُؤمنينَ، لم يُبِحْ واحدةً مِنهنَّ بحالٍ، ولم يَختلفْ أهلُ العِلمِ في ذلكَ (١).
وقالَ أيضًا: لم يَختلفِ الناسُّ فيما عَلِمْنا في أنَّ الزانِيةَ المُسلمةَ لا تَحلُّ لمُشرِكٍ وَثنيٍّ ولا كِتابيٍّ، وأنَّ المُشرِكةَ الزانِيةَ لا تَحلُّ لمُسلمٍ زانٍ ولا غيرِه (٢).
وقالَ أيضًا: وإنْ كانَتِ الآيةُ نزَلَتْ في تَحريمِ نِساءِ المُؤمنينَ على المُشرِكينَ وفي مُشرِكي أهلِ الأوثانِ فالمُسلِماتُ مُحرَّماتٌ على المُشركينَ منهُم بالقرآنِ على كلِّ حالٍ وعلى مُشرِكي أهلِ الكتابِ؛ لقَطعِ الوِلايةِ بينَ المُشركينَ والمُسلمينَ، وما لم يَختلفْ الناسُ فيه عَلِمتُه قالَ: والمُحصَناتُ مِنْ المُؤمِناتِ ومِن أهلِ الكِتابِ الحَرائرُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ عقْدَ الكافرِ على نكاحِ المُسلمةِ باطلٌ (٤).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: لا تُزوِّجُوا المُسلمةَ مِنْ المُشرِكِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ المُشركَ لا يَطأُ المُؤمنةَ بوجهٍ؛ لِمَا في ذلكَ مِنْ الغَضاضةِ على الإسلامِ (٥).
стр. 8947
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إسلامُ الرَّجلِ إذا كانَتِ المَرأةُ مُسلمةً:
فلا يَجوزُ إنكاحُ المُؤمنةِ الكافِرَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولأنَّ في إنكاحِ المُؤمنةِ الكافِرَ خَوفُ وُقوعِ المُؤمنةِ في الكُفرِ؛ لأنَّ الزَّوجَ يَدعُوها إلى دِينِه، والنِّساءُ في العاداتِ يَتبعْنَ الرِّجالَ فيما يُؤثِرونَ مِنْ الأفعالِ ويُقلِّدونَهم في الدِّين إليه، وقد وقَعَتِ الإشارةُ في آخِرِ الآيةِ بقولِه : ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ لأنهم يَدعُونَ المُؤمناتِ إلى الكُفرِ، والدُّعاءُ إلى الكفرِ دعاءٌ إلى النارِ؛ لأنَّ الكُفرَ يُوجِبُ النارَ، فكانَ نكاحُ الكافرِ المُسلمةَ سَببًا داعيًا إلى الحَرامِ، فكانَ حَرامًا، والنَّصُّ وإنْ ورَدَ في المُشركينَ لكنَّ العِلَّةَ -وهي الدُّعاءُ إلى النارِ- يَعمُّ الكفَرةَ أجمَعَ، فيَتعمَّمُ الحُكمُ بعُمومِ العِلةِ، فلا يَجوزُ إنكاحُ المُسلمةِ الكتابِيَّ كما لا يجوزُ إنكاحُها الوثَنيَّ والمَجوسيَّ؛ لأنَّ الشَّرعَ قطَعَ ولايةَ الكافرِينَ عن المُؤمنينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، فلو جازَ إنكاحُ الكافرِ المُؤمنةَ لَثبَتَ له عَليها سَبيلٌ، وهذا لا يَجوزُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فالمُسلمةُ لا تَحلُّ لِكافرٍ بحالٍ، سواءٌ كانَ الكافرُ كِتابيًّا أو وثَنيًّا (٢).
стр. 8948
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والإجماعُ المُنعقِدُ على تَحريمِ تزوُّجِ المُسلماتِ على الكفَّارِ (١).
وقالَ: ولا يَحلُّ لمُسلمةٍ نكاحُ كافرٍ بحالٍ، كِتابيًّا كانَ أو غيرَ كِتابيٍّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقولِه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] (٢).
وقالَ شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: ولا يَحلُّ لمُسلمةٍ نكاحُ كافرٍ بحالٍ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولقولِه سُبحانَه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾، ولا نَعلمُ خِلافًا في ذلكَ (٣).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ المُسلمونَ على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ، ولا يَتزوَّجُ الكافِرُ المُسلمةَ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: الأصولُ دلَّتْ على تَحريمِ نكاحِ الكافرِ ابتِداءٍ والكافرةِ غيرَ الكتابيَّينِ، وهذا حَقٌّ لا خِلافَ فيه بينَ الأمَّةِ (٥).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: قَولُ البُخاريِّ: (بَاب الأكَفْاء في الدِّينِ).
стр. 8949
أي: هذا بابٌ في بَيانِ أنَّ الأكْفاءَ التي بالإجماعِ هي أنْ يكونَ في الدِّينِ، فلا يَحلُّ للمُسلمةٍ أنْ تتزوَّجَ بالكافرِ (١).
وقالَ الإمامُ الشَّوكانِيُّ ﵀: قولُه: ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، وهو يَحرمُ على الفاسِقةِ المُسلمةِ بالإجماعِ (٢).
٢ - خلوُ الزَّوجِ مِنْ أربَعٍ مِنْ الزَّوجاتِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا يَجوزُ لِمَنْ تحتَه أربَعُ نِسوةٍ وطلَّقَ إحداهُنَّ طلاقًا رَجعيًّا أنْ يتزوَّجَ مِنْ خامِسةٍ حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها، وكذا مَنْ طلَّقَ امرأتَه طلاقًا رَجعيًّا فلا يَجوزُ له أنْ يتزوَّجَ مِنْ أختِها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الرجلَ إذا طلَّقَ المَرأةَ طلاقًا يَملكُ الرَّجعةَ أنه ليسَ له أنْ يَنكحَ أختَها أو رابِعةً سِواها حتَّى تَنقضيَ عِدَّةُ المُطلَّقةِ (٣).
واختَلفُوا فيمَن طلَّقَ واحِدةً مِنهنَّ طلاقًا بائِنًا، هل له أنْ يَنكحَ وهي ما زالَتْ في عدَّتِها؟ أم لا بُدَّ مِنْ انتهاءِ العدَّةِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ له إذا كانَ تحتَه أربعُ نِسوةٍ وطلَّقَ واحدةً طلاقًا بائنًا فله أنْ يتزوَّجَ مِنْ أُخرى وإنْ كانَتْ هذهِ ما زالَتْ في عدَّتِها.
стр. 8950
قالَ المالِكيةُ: وكذلكَ الحُكمُ فيمَن عقَدَ على امرأةٍ بنِكاحٍ فلا يَحلُّ له وَطءُ أختِها أو عمَّتِها بنكاحٍ ما دامَتِ الأُولى في عِصمتِه، اللهمَّ إلَّا أنْ يُبِينَها إمَّا بأنْ يُخالِعَها، أو يُطلِّقَها ثلاثًا، أو واحدةً وهي غيرُ مَدخولٍ بها، أو بخُروجِها مِنْ العدَّةِ حيثُ كانَ الطلاقُ رَجعيًّا، والقَولُ قولُها في عَدمِ انقضاءِ عدَّتِها؛ لأنها مُؤتمَنةٌ على فَرْجِها، فإذا ادَّعَتِ احتباسَ الدَّمِ صُدِّقتْ بيَمينِها لأجْلِ النَّفقةِ إلى انقضاءِ السَّنةِ، فإذا ادَّعَتْ بعدَها تَحريكًا نظَرَها النِّساءُ، فإنْ صدَّقْنَها لم تَحلَّ أختُها مثلًا، وإلَّا لم يَلزمِ الزوجَ التربُّصُ إلى أقصَى الحَملِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تَحلُّ الأختُ ونحوُها كالعمَّةِ والزائِدةُ الخامِسةُ أو غيرُها في عدَّةِ بائنٍ؛ لأنها أجنَبيةٌ منه، لا رَجعيَّةً؛ لأنها في حُكمِ الزَّوجةِ، فلا تَحلُّ له حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها، وفي مَعناها المُتخلِّفةُ عن الإسلامِ والمُرتدةُ بعدَ الدخولِ بهِما ما بَقيَتِ العدَّةُ.
ولو ادَّعَى أنها أخبَرتْه بانقِضاءِ عدَّتِها وأنكَرَتْ وأمكَنَ انقضاؤُها فله نِكاحُ أختِها وأربعٍ سِواها؛ لزَعمِه انقضاءَها، ولا يُقبَلُ في إسقاطِ نَفقتِها (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ له أنْ يَنكحَ حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ التي طلَّقَها ولا أنْ يتزوَّجَ أختَها.
стр. 8951
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو كانَ تحتَه أربعُ نِسوةٍ لم يَدخلْ بهِنَّ فقالَ: «إحداكُنَّ طالِقٌ ثلاثًا» ثمَّ تزوَّجَ أخرَى جازَ له، وإنْ كانَ مَدخولًا بهنَّ فتزوَّجَ أخرَى لم يَجُزْ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: ومَن طلَّقَ واحِدةً مِنْ نهايةِ جَمعِه حَرُمَ تَزويجُه بدَلَها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها، سواءٌ كانَ الطَّلاقُ رَجعيًّا إجماعًا، أو بائنًا أو فَسخًا، بخلافِ مَوتِها، نَصَّ عليهِما.
فإنْ قالَ: «أخبَرتْنِي بانقِضاءِ عدَّتِها» فكذَّبَتْه فله نِكاحُ أختِها وبَدلِها في الأصَحِّ (٢).
ورَوى الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» عن رَبيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمنِ أنَّ القاسِمَ بنَ مُحمدٍ وعُروةَ بنَ الزُّبيرِ كانَا يَقولانِ في الرَّجلِ يكونُ عندَه أربَعُ نِسوةٍ فيُطلِّقُ إحداهُنَّ البتَّةَ أنه يتزوَّجُ إنْ شاءَ، ولا يَنتظرُ أنْ تَنقضيَ عدَّتُها (٣).
قالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَه البتَّةَ، هل له أنْ يتزوَّجَ أختَها وهي في عدَّةٍ منه؟
ومثلُه الرجلُ يكونُ له أربَعُ نِسوةٍ فيُطلِّقُ إحداهُنَّ طلاقًا بائنًا، هل له أنْ يتزوَّجَ خامِسةً في العدَّةِ؟
стр. 8952
فقالَ مالِكٌ والليثُ بنُ سعدٍ والأوزاعيُّ وعُثمانُ البتِّيُّ والشافعيُّ: يَجوزُ أنْ يتزوَّجَ الخامِسةَ والأختَ إذا كانَتِ المُطلَّقةُ قد بانَتْ، ولا يُراعُونَ العدَّةَ، وهو قولُ ابنِ شِهابٍ والحسَنِ وعَطاءٍ وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ على اختِلافٍ عنه، وكذلك اختلفَ فيه عن عَطاءٍ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ والحسَنِ والقاسِمِ، والصَّحيحُ عنه ما رواهُ مالكٌ عن رَبيعةَ عنه وعن غيرِه، ولم يُختلَفْ في ذلكَ عن عُروةَ، وهو قَولُ عُثمانَ بنِ عفَّانٍ، قالَ لرَجلٍ مِنْ ثَقيفٍ: إذا طلَّقْتَ امرأتَكَ ثلاثًا فإنها لا تَرثُكَ ولا تَرثُها، فانكِحْ إنْ شِئتَ.
وقالَ الأوزاعيُّ: كانَ رجالٌ مِنْ أهلِ العلمِ لا يَرَونَ به بأسًا، رواهُ عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ.
وعن ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَا: وهو أبعَدُ الناسُ منها إذا بَتَّ طَلاقَها، لا تَرثُه ولا يَرثُها، فإنْ شاءَ نكَحَ قبلَ أنْ تَنقضيَ عدَّتُها.
وقالَ الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والحسَنُ بنُ حَيٍّ: لا يتزوَّجُ الرَّجلُ المرأةَ في عِدَّةِ أختِها مِنْ بَينونةٍ، ولا يتزوَّجُ الخامِسةَ في عدَّةِ المَبتوتةِ، إلَّا أنَّ الحسَنَ بنَ حيٍّ قالَ: أستَحبُّ ألَّا تتزوَّجَ.
وأمَّا الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه فلا يتزوَّجُ عندَهم في العدَّةِ بحالٍ، ورُويَ قولُهم عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وزَيدِ بنِ ثابتٍ، وعن عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ومُجاهدٍ وإبراهيمَ.
واختُلفَ في ذلكَ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ والحسَنِ وعَطاءٍ والقاسمِ وسالمٍ، فرُويَ عنهُم الوَجهانِ جَميعًا.
стр. 8953
ورَوى مَعمرٌ والثوريُّ وابنُ عُيَينةَ عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ قالَ: لا يتزوَّجُ حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ التي طلَّقَ.
وسُفيانُ عن أبي الزِّنادِ عن سُليمانَ بنِ يسارٍ عن زَيدِ بنِ ثابتٍ مِثلَه.
ورَوى عبدُ الرزَّاقِ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ وأبو نُعيمٍ ومُحمدُ بنُ كثيرٍ عن الثوريِّ عن أبي هاشِمٍ الواسِطيِّ قالَ: سألْتُ إبراهيمَ: هل على الرَّجلِ عدَّةٌ؟ قالَ: نعَمْ، وعِدَّتانِ وثَلاثٌ، فذكَرَ الأختَينِ يُطلِّقُ إحداهُما والأربَعَ يُطلِّقُ واحِدةً منهنَّ.
والرَّجلُ يكونُ تحتَه المَرأةُ لها ولَدٌ مِنْ غيرِه فيَموتُ ولَدُها فليسَ لزَوجِها أنْ يقرَبَها حتَّى يَعلمَ أحامِلٌ هي أم لا؟ لِيَرثَ أخاه أو لا يَرثَه.
وذكَرَ أبو بكرٍ قالَ: حدَّثَنا جَريرٌ عن مُغيرةَ عن إبراهيمَ قالَ: إذا كانَتْ تحتَ الرَّجلِ أربَعُ نِسوةٍ فطلَّقَ إحداهُنَّ ثَلاثًا فلا يتزوَّجُ خامِسةً، فإنْ ماتَتْ فلْيَتزوَّجْ مِنْ يومِه، قالَ أبو عُمرَ: لأنه لا يُخافُ مع المَوتِ فَسادُ النَّسبِ، ولا يُراعَى اجتِماعُ الماءَينِ هُنا.
قالَ أبو عُمرَ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيمَن له أربعُ نِسوةٍ يطلِّقُ إحداهُنَّ طَلقةً يَملكُ رَجعتَها أنه لا يَحلُّ له نِكاحُ غيرِها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها؛ لأنها في حُكمِ الزَّوجاتِ في النَّفقةِ والسُّكنى والمَيراثِ ولُحوقِ الطَّلاقِ والإيلاءِ والظِّهارِ واللِّعانِ كالَّتي لم تُطلَّقْ منهنَّ سَواءٌ (١).
стр. 8954
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ زوْجَتَه طلاقًا يَملكُ رَجعتَها أنه ليسَ له أنْ يَنكحَ أختَها أو أربعًا سِواها حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ المُطلَّقةِ.
واختَلفُوا إذا طلَّقَها طلاقًا لا يَملكُ رَجعتَها، فقالَتْ طائفةٌ: ليسَ له أنْ يَنكحَ أختَها ولا رابعةً حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ التي طلَّقَ، ورُويَ عن عليٍّ وزَيدِ بنِ ثابتٍ، وهو مَذهبُ مُجاهِدٍ وعطاءِ بنِ أبي رَباحٍ والنخَعيِّ وسُفيانَ الثوريِّ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ وأصحابِ الرأيِ.
وقالَتْ طائفةٌ: له أنْ يَنكحَ أختَها وأربعًا سِواها، ورُويَ عن عطاءٍ وهي أثبَتُ الرِّوايتَينِ عنه، ورُويَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ أيضًا، وبه قالَ سَعيدُ ابنُ المُسيِّبِ والحسَنُ والقاسِمُ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وابنُ أبي ليلَى والشافعيُّ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: ولا أحسَبُه إلا قولَ مالكٍ، وبه نَقولُ (١).
وجاءَ في «مَسائلِ الإمامِ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ وابنِ رَاهويهِ» لإسحاقَ بنِ مَنصورِ بنِ بَهرامَ الكَوسجِ: قلتُ: الرَّجلُ يكونُ عندَه أربَعُ نِسوةٍ فيُطلِّقُ إحداهُنَّ، ألَهُ أنْ يتزوَّجَ وهي في العدَّةِ؟ قالَ: لا يتزوَّجُ الخامِسةَ حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ التي طلَّقَ، وإذا ماتَتْ يتزوَّجُ، قالَ إسحاقُ: هو كما قالَ (٢).
стр. 8955
ثالثًا: الشُّروطُ التي تَختصُّ بالزَّوجةِ:
يُشتَرطُ في الزَّوجةِ لكَي يَصحَّ عَقدُ الزَّواجِ عليها ما يَلي:
١ - خُلوُّ الزَّوجةِ مِنْ زَوجٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنه يُشترطُ في المَرأةِ التي تُريدُ الزَّواجَ أنْ تكونَ خَليَّةً عن زَوجٍ، فلا يَجوزُ نكاحُ المُزوَّجةِ ولا خِطبتُها، قالَ الخَطيبُ الشربينيُّ ﵀: تَحرمُ خِطبةُ مَنكوحةٍ إجماعًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وتَحرمُ خِطبةُ المَنكوحةِ، وتَحرمُ تَصريحًا وتَعريضًا كما في «البَدائِع» (٢).
٢ - أنْ تَكونَ خالِيةً مِنْ عدَّةٍ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا يَجوزُ نكاحُ المُعتدَّةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ وَفاةٍ أو طلاقٍ رَجعيٍّ أو بائنٍ؛ لمَفهومِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥].
стр. 8956
قالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا يَحلُّ لامرأةٍ أنْ تتزوَّجَ أكثَرَ مِنْ واحِدٍ في زمانٍ واحدٍ (١).
وأن الإسلامَ حرَّمَ التَّصريحَ لها بالخِطبةِ فَضلًا عن النكاحِ.
قالَ القُرطبيُّ ﵀: قالَ ابنُ عطيةٍ: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكَلامَ مع المُعتدَّةِ بما هو نَصٌّ في تزوُّجِها وتَنبيهٌ عليه لا يَجوزُ، وكذلكَ أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكلامَ معَها بما هو رفَثٌ وذِكرُ جِماعٍ أو تَحريضٌ عليه لا يَجوزُ، وكذلكَ ما أشبَهَه، وجُوِّزَ ما عَدَا ذلكَ (٢).
وقالَ الدَّميريُّ ﵀: يَحرمُ التَّصريحُ لمُعتدةٍ، سَواءٌ كانَتْ عن وَفاةٍ أو طَلاقٍ بائنٍ أو رَجعيٍّ أو شُبهةٍ بالإجماعِ (٣).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: ولا يجوزُ التَّصريحُ -وهو ما لا يَحتملُ إلَّا النكاحَ- بخِطبةِ المُعتدَّةِ بالإجماعِ (٤).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا يَجوزُ للأجنَبيِّ خِطبةُ المُعتدةِ صَريحًا، سَواءٌ كانَتْ مُطلَّقةً أو مُتوفَّى عنها زَوجُها (٥).
٣ - أنْ تَحلَّ للزَّوجِ: بأنْ تَكونَ مُسلمةً أو كِتابيَّةٍ، لا مُشرِكةً:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ نكاحِ المُسلمِ للكِتابيةِ -ولم يُخالَفْ في
стр. 8957
ذلكَ، إلا شَيئًا يُروَى عنِ ابنِ عُمرَ ﵄، ولم يُجِيزُوا نكاحَ المُشرِكةِ.
قالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: إباحَةُ نكاحِ الحَرائرِ منهنَّ إذا كُنَّ ذمِّياتٍ، فهذا لا خِلافَ بينَ السَّلفِ وفُقهاءِ الأمصارِ فيه، إلَّا شَيئًا يُروَى عنِ ابنِ عُمرَ أنه كَرِهَه (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا على جَوازِ نكاحِ الكِتابيةِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: ذهَبَ جُمهورُ العلماءِ إلى أنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ نكاحَ المُشرِكاتِ بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ثمَّ استَثنَى مِنْ هذهِ الجُملةِ نكاحَ نِساءِ أهلِ الكِتابِ، فأحَلَّهنَّ في سُورة المائِدة في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وبَقيَ سائرُ المُشرِكاتِ على أصلِ التَّحريمِ.
قالَ أبو عُبيدٍ: رُويَ هذا القَولُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وبه جاءَتِ الآثارُ عن الصَّحابةِ والتابعِينَ وأهلِ العِلمِ بعدَهم، أنَّ نكاحَ الكِتابيَّاتِ حَلالٌ، وبه قالَ مالكٌ والأوزاعيُّ والثوريُّ والكوفيُّونَ والشافعيُّ وعامَّةُ الفُقهاءِ.
وقالَ غَيرُه: ولا يُروَى خِلافُ ذلكَ إلا عنِ ابنِ عُمرَ أنه شَذَّ عن جَماعةِ الصَّحابةِ والتابعِينَ، ولم يُجِزْ نكاحَ اليَهوديةِ والنَّصرانيةِ، وخالَفَ ظاهِرَ قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يَلتفِتْ أحدٌ مِنْ العُلماءِ إلى قولِه.
стр. 8958
قالَ أبو عُبيدٍ: والمُسلمونَ اليومَ على الرُّخصةِ في نِساءِ أهلِ الكِتابِ، ويَرَونَ أنَّ التحليلَ هو الناسِخُ للتَّحريمِ، فقدْ تزوَّجَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ بِنائِلةَ بنتِ الفرافصةِ الكَلبيةَ وهي نَصرانيةٌ، تزوَّجَها على نسائِه، وتزوَّجَ طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ يَهوديةً، وتزوَّجَ حُذيفةُ يَهوديةً وعندَه حُرَّتانِ مُسلِمتانِ، وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه كانَ يأمُرُ بالتنزُّهِ عنهنَّ مِنْ غيرِ أنْ يُحرِّمهنَّ.
قالَ أبو عُبيدٍ: حدَّثَنا مُحمدُ بنُ يَزيدَ عن الصَّلتِ بنِ بَهرامَ عن شَقيقِ بنِ سَلمةَ قالَ: تزوَّجَ حُذيفةُ يَهوديةً، فكتَبَ إليه عُمرُ أنْ خَلِّ سَبيلَها، فقالَ: أحَرامٌ هيَ؟ فكتَبَ إليه عُمرُ: لا، ولكنْ أخافُ أنْ تُواقِعُوا المُومِساتِ منهم، يَعنِي الزَّوانيَ، فيرَى أنَّ عُمرَ ذهَبَ إلى قولِه تعالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، فنَقولُ: إنَّ اللهَ تعالَى إنَّما شرَطَ العَفائِفَ مِنهنَّ، وهذه لا يُؤمَنُ أنْ تكونَ غيرَ عَفيفةٍ، والذي عليهِ جَماعةُ الفُقهاءِ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] أنَّ المُرادَ بالآيةِ تَحريمُ الوثَنيَّاتِ والمَجوسِياتِ، وأنه لم يَنسخْ تَحريمَهنَّ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ.
وشَذَّ أبو ثَورٍ عن الجَماعةِ، فأجازَ مُناكَحةَ المَجوسِ وأكْلَ ذَبائحِهم، وهو مَحجوجٌ بالجَماعةِ والتَّنزيلِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَ أنْ نقَلَ كَلامِ ابنِ عُمرَ ﵄: وهذا قَولٌ شَذَّ فيه ابنُ عُمرَ عن جَماعةِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهِم، وخالَفَ ظاهِرَ قولِ اللهِ : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
стр. 8959
لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يَلتفتْ أحَدٌ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ قَديمًا وحَديثًا إلى قولِه ذلكَ؛ لأنَّ إحدَى الآيتَينِ ليسَتْ بأَولى بالاستِعمالِ مِنْ الأخرَى، ولا سَبيلَ إلى نَسخِ إحداهُما بالأخرَى ما كانَ إلى استعمالِهِما سبيلٌ، فآيةُ سُورَة البقَرَة عندَ العلماءِ في الوثَنيَّاتِ والمَجوسِياتِ، وآيةُ المائِدَة في الكِتابيَّاتِ، وقد تزوَّجَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ نائِلةَ بنتَ الفَرافصةِ الكَلبيةَ نَصرانيةً، وتزوَّجَ طَلحةُ بنُ عبدِ اللهِ يَهوديةً، وتزوَّجَ حَذيفةُ يَهوديةً وعندَه حُرَّتانِ مُسلِمتانِ عرَبيَّتانِ.
ولا أعلَمُ خِلافًا في نكاحِ الكِتابيَّاتِ الحِرائرِ بعدَ ما ذكَرْنا إذا لم تَكنْ مِنْ نساءِ أهلِ الحَربِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا يجوزُ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ الوَثنيةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، واختَلفُوا في نِكاحِها بالمِلكِ.
واتَّفقُوا على أنه يَجوزُ أنْ يَنكحَ الكِتابيةَ الحرَّةَ، إلَّا ما رُويَ في ذلكَ عن ابنِ عُمرَ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومنها أنْ لا تكونَ المَرأةُ مُشرِكةً إذا كانَ الرجلُ مُسلمًا، فلا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ المُشركةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا
стр. 8960
تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويَجوزُ أنْ يَنكحَ الكِتابيةَ؛ لقَولِه : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والَفرقُ أنَّ الأصلَ أنْ لا يَجوزَ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ الكافِرةَ؛ لأنَّ ازدِواجَ الكافرةِ والمُخالَطةَ معَها مع قيام العَداوةِ الدِّينيةِ لا يَحصلُ السكَنُ والمودَّةُ الذي هو قوامُ مَقاصدِ النكاحِ، إلا أنه جوَّزَ نِكاحَ الكِتابيةِ لرَجاءِ إسلامِها؛ لأنها آمنَتْ بكُتبِ الأنبياءِ والرُّسلِ في الجُملةِ، وإنما نقضَتِ الجُملة بالتَّفصيلِ بناءً على أنها أُخبِرتْ عن الأمرِ على خِلافِ حَقيقتِه، فالظاهرُ أنها متَى نُبِّهتْ على حَقيقةِ الأمرِ تنبَّهَتْ وتأتِي بالإيمانِ على التَّفصيلِ على حَسبِ ما كانَتْ أتَتْ به على الجُملةِ.
هذا هو الظاهِرُ مِنْ حالِ التي بُنِيَ أمرُها على الدَّليلِ دونَ الهوَى والطَّبعِ، والزوجُ يَدعُوها إلى الإسلامِ وينبِّهُها على حَقيقةِ الأمرِ، فكانَ في نكاحِ المُسلمِ إياها رَجاءُ إسلامِها، فجوَّزَ نكاحَها لهذهِ العاقبةِ الحَميدةِ، بخِلافِ المُشرِكةِ؛ فإنها في اختيارِها الشِّركَ ما ثبَتَ أمرُها على الحجَّةِ، بل على التقليدِ بوُجودِ الإباءِ عن ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَنتهيَ ذلكَ الخبَرُ ممَّن يجبُ قَبولُ قولِه واتباعُه، وهو الرَّسولُ، فالظاهِرُ أنها لا تَنظرُ في الحجَّةِ ولا تَلتفتُ إليها عندَ الدَّعوةِ، فيَبقَى ازدواجُ الكافرِ مع قيامِ العَداوةِ الدِّينيةِ المانعةِ عن السكَنِ والازدِواجِ والمودَّةِ خاليًا عن العاقبةِ الحَميدةِ، فلمْ يَجُزْ إنكاحُها، وسواءٌ كانَتِ الكِتابيةُ حرَّةً أو أمَةً عندَنا.
стр. 8961
وقالَ الشافعيُّ: لا يَجوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابيةِ، ويَحلُّ وَطؤُها بمِلكِ اليمينِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ليسَ بينَ أهلِ العِلمِ -بحَمدِ اللهِ- اختلافٌ في حِلِّ حَرائرِ نِساءِ أهلِ الكِتابِ، وممَّن رُويَ عنه ذلكَ عُمرُ وعُثمانُ وطَلحةُ وحُذيفةُ وسَلمانُ وجابرٌ وغيرُهم.
قالَ ابنُ المنذِرِ: ولا يَصحُّ عن أحَدٍ مِنْ الأوائلِ أنه حَرَّمَ ذلكَ، ورَوى الخلَّالُ بإسنادِه أنَّ حُذيفةَ وطَلحةَ والجارُودَ بنَ المُعلَّى وأُذينةَ العَبديَّ تزوَّجُوا نِساءً مِنْ أهلِ الكتابِ، وبه قالَ سائرُ أهلِ العِلمِ …
وأهلُ الكِتابِ الذينَ هذا حُكمُهم هم أهلُ التَّوراةِ والإنجيلِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، فأهلُ التَّوراةِ اليهودُ والسامِرةُ، وأهلُ الإنجيلِ النَّصارى ومَن وافَقَهم في أصلِ دِينِهم مِنْ الإفرنْجِ والأرمَنِ وغيرِهم.
وأمَّا الصابئونَ فاختَلفَ فيهم السَّلفُ كَثيرًا، فرُويَ عن أحمَدَ أنهم جِنسٌ مِنْ النَّصارَى، ونَصَّ عليه الشافِعيُّ، وعلَّقَ القولَ فيهم في مَوضعٍ آخَرَ.
وعن أحمَدَ أنه قالَ: بلَغَني أنهم يَسبِتونَ، فهؤلاءِ إذًا يُشبِهونَ اليهودَ.
والصَّحيحُ فيهم أنهم إنْ كانوا يُوافِقون النَّصارى أو اليهودَ في أصلِ دينِهم ويُخالِفونَهم في فُروعِه فهُم ممَّن وافَقوهُ، وإنْ خالَفوهُم في أصلِ الدِّينِ فليسَ هم منهُ، والله أعلَمُ.
стр. 8962
وأمَّا مَنْ سِوى هؤلاءِ مِنْ الكفَّارِ مثلَ المُتمسِّكِ بصُحفِ إبراهيمَ وشِيث وزَبورِ داودَ فليسُوا بأهلِ كتابٍ، ولا تَحلُّ مُناكَحتُهم ولا ذبائِحُهم، وهذا قَولُ الشافعيِّ، وذكَرَ القاضي فيهم وَجهًا آخَرَ أنهم مِنْ أهلِ الكِتابِ وتَحلُّ ذَبائحُهم ونكاحُ نسائِهم ويُقرَّونَ بالجِزيةِ؛ لأنهم تَمسَّكُوا بكتابٍ مِنْ كُتبِ اللهِ، فأشبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى.
ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، ولأنَّ تلكَ الكُتبَ كانَتْ مَواعِظَ وأمثالًا لا أحكامَ فيها، فلمْ يَثبتْ لها حُكمُ الكُتبِ المُشتمِلةِ على الأحكامِ (١).
وقد سُئلَ شيخُ الإسلامِ ﵀ عن قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وقد أباحَ العُلماءُ التَّزويجَ بالنَّصرانيةِ واليَهوديةِ، فهل هُما مِنْ المُشركينَ أم لا؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، نكاحُ الكِتابيةِ جائزٌ بالآيةِ الَّتي في المائِدة، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا مَذهبُ جَماهيرِ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغيرِهم، وقد رُويَ عن ابنِ عُمرَ أنه كَرِهَ نكاحَ النصرانيةِ وقالَ: «لا أعلَمُ شِركًا أعظَمَ ممَّن تَقولُ: إنَّ رَبَّها عيسى ابنُ مَريمَ»، وهو اليومَ مَذهبُ طائفةٍ مِنْ أهلِ البدَعِ.
стр. 8963
وقد احتَجُّوا بالآيةِ الَّتي في سُورَة البقَرَة، وبقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والجَوابُ عن آيةِ البقَرَة مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدَها: أنَّ أهلَ الكِتابِ لم يَدخلُوا في المُشركينَ، فجعَلَ أهلَ الكِتابِ غيرَ مُشركينَ بدليلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧].
فإنْ قيلَ: فقدْ وصَفَهم بالشِّركِ بقولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
قيلَ: إنَّ أهلَ الكِتابِ ليسَ في أصلِ دِينِهم شِركٌ، فإنَّ اللهَ إنَّما بعَثَ الرُّسلَ بالتَّوحيدِ، فكُلُّ مَنْ آمَنَ بالرُّسلِ والكتُبِ لم يَكنْ في أصلِ دِينِهم شِركٌ، ولكنَّ النَّصارى ابتَدعُوا الشِّركَ كما قالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فحيثُ وصَفَهم بأنهُم أشرَكُوا فلِأجْلِ ما ابتَدعُوه مِنْ الشِّركِ الذي لم يأمُرِ اللهُ به، فوجَبَ تميُّزُهم عن المُشركينَ؛ لأنَّ أصلَ دِينِهم اتِّباعُ الكُتبِ المُنزَلةِ التي جاءَتْ بالتوحِيدِ لا بالشِّركِ.
فإذا قيلَ: أهلُ الكتابِ لم يَكونُوا مِنْ هذهِ الجهةِ مُشركينَ، فإنَّ الكِتابَ الذي أُضيفُوا إليه لا شِركَ فيه، كما إذا قيلَ: «المُسلِمونَ وأمَّةُ مُحمدٍ» لم يَكنْ فيهِم مِنْ هذه الجهةِ لا اتِّحادٌ ولا رَفضٌ ولا تَكذيبٌ بالقَدرِ ولا غيرُ ذلكَ مِنْ البدَعِ، وإنْ كانَ بعضُ الداخِلينَ في الأمَّةِ قد ابتَدَعَ هذه البدَعَ، لكنَّ
стр. 8964
أمَّةَ محمَّدٍ ﷺ لا تَجتمعُ على ضَلالةٍ، فلا يَزالُ فيها مَنْ هو مُتبِعٌ لشَريعةِ التوحيدِ، بخِلافِ أهلِ الكتابِ، ولم يُخبِرِ اللهُ عن أهلِ الكتابِ أنهُم مُشركونَ بالاسمِ، بل قالَ: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفِعلِ، وآيةُ البقَرَة قالَ فيها: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ بالاسمِ، والاسمُ أوكَدُ مِنْ الفعلِ.
الوَجهُ الثاني: أنْ يُقالَ: إنْ شَملَهم لفظُ المُشركينَ مِنْ سُورَة البقَرَة كما وصَفَهم بالشِّركِ، فهذا مُتوجِّهٌ بأنْ يفرَّقَ بين دَلالةِ اللفظِ مُفردًا ومَقرونًا، فإذا أُفرِدُوا دخَلَ فيهم أهلُ الكِتابِ، وإذا قُرِنُوا مع أهلِ الكتابِ لم يَدخلُوا فيهِم، كما قيلَ مثلُ هذا في اسمِ الفقيرِ والمِسكينِ ونحوِ ذلكَ، فعَلى هذا يُقالُ: آيةُ البقَرَة عامَّةٌ وتلكَ خاصَّةٌ، والخاصُّ يقدَّمُ على العامِّ.
الوجهُ الثالثُ: أنْ يُقالَ: آيةُ المائِدَة ناسِخةٌ لآيةِ البقَرَة؛ لأنَّ المائِدَة نزلَتْ بعدَ البقَرَة باتِّفاقِ العُلماءِ، وقد جاءَ في الحَديثُ: «المائِدةُ مِنْ آخِرِ القُرآنِ نُزولًا، فأَحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها»، والآيةُ المُتأخرِّةُ تَنسخُ الآيةَ المتقدِّمةَ إذا تعارَضَتَا، وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإنها نزَلَتْ بعدَ صُلحِ الحُدَيبيةِ لمَّا هاجَرَ مِنْ مكَّةَ إلى المَدينةِ، وأنزَلَ اللهُ سُورَة المُمتحنَة وأمَرَ بامتحانِ المُهاجرِينَ، وهو خِطابٌ لمَن كانَ في عِصمتِه كافرةٌ، واللام لتَعريفِ العَهدِ، والكَوافرُ المَعهوداتُ هنَّ المُشركاتُ، مع أنَّ الكفَّارَ قد يُميَّزُوا مِنْ أهلِ الكتابِ أيضًا في بعضِ المَواضعِ، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]، فإنَّ
стр. 8965
أصلَ دِينِهم هو الإيمانُ، ولكنْ هم كفَرُوا مُبتدعِينَ الكفرَ كما قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠] (١).
نِكاحُ الحَربيةِ الكِتابيةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ نكاحِ الكِتابيةِ الحَربيةِ؛ اعتبارًا بالكِتابِ لا بالدارِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يُفرِّقْ فيه بينَ الحَربيَّاتِ والذمِّياتِ، وغيرُ جائزٍ تَخصيصُه بغيرِ دَلالةٍ، ولأنَّ الحرِّيةَ في إباحتِهنَّ الكتابُ دونَ الدارِ، ولأنه لمَّا جازَ وَطؤُهنَّ بالسَّبيِ فأَولى أنْ يجوزَ وَطؤُهنَّ بالنكاحِ، ولأنَّ مَنْ حَلَّ نكاحُها في دارِ الإسلامِ حَلَّ نكاحُها في دارِ الحربِ كالمُسلمةِ.
وأمَّا قولُه تعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] لا تعلُّقَ له بجَوازِ النكاحِ ولا فسادِه، ولو كانَ وُجوبُ القِتالِ علَّةً لفسادِ النكاحِ لَوجَبَ أنْ لا يَجوزَ نكاحُ نِساءِ الخَوارجِ وأهلِ البغيِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فبانَ بما وصَفْنا أنه لا تأثيرَ لوُجوبِ القتالِ في إفسادِ النكاحِ.