وقالَ الشافعيُّ: لا يَجوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابيةِ، ويَحلُّ وَطؤُها بمِلكِ اليمينِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ليسَ بينَ أهلِ العِلمِ -بحَمدِ اللهِ- اختلافٌ في حِلِّ حَرائرِ نِساءِ أهلِ الكِتابِ، وممَّن رُويَ عنه ذلكَ عُمرُ وعُثمانُ وطَلحةُ وحُذيفةُ وسَلمانُ وجابرٌ وغيرُهم.
قالَ ابنُ المنذِرِ: ولا يَصحُّ عن أحَدٍ مِنْ الأوائلِ أنه حَرَّمَ ذلكَ، ورَوى الخلَّالُ بإسنادِه أنَّ حُذيفةَ وطَلحةَ والجارُودَ بنَ المُعلَّى وأُذينةَ العَبديَّ تزوَّجُوا نِساءً مِنْ أهلِ الكتابِ، وبه قالَ سائرُ أهلِ العِلمِ …
وأهلُ الكِتابِ الذينَ هذا حُكمُهم هم أهلُ التَّوراةِ والإنجيلِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، فأهلُ التَّوراةِ اليهودُ والسامِرةُ، وأهلُ الإنجيلِ النَّصارى ومَن وافَقَهم في أصلِ دِينِهم مِنْ الإفرنْجِ والأرمَنِ وغيرِهم.
وأمَّا الصابئونَ فاختَلفَ فيهم السَّلفُ كَثيرًا، فرُويَ عن أحمَدَ أنهم جِنسٌ مِنْ النَّصارَى، ونَصَّ عليه الشافِعيُّ، وعلَّقَ القولَ فيهم في مَوضعٍ آخَرَ.
وعن أحمَدَ أنه قالَ: بلَغَني أنهم يَسبِتونَ، فهؤلاءِ إذًا يُشبِهونَ اليهودَ.
والصَّحيحُ فيهم أنهم إنْ كانوا يُوافِقون النَّصارى أو اليهودَ في أصلِ دينِهم ويُخالِفونَهم في فُروعِه فهُم ممَّن وافَقوهُ، وإنْ خالَفوهُم في أصلِ الدِّينِ فليسَ هم منهُ، والله أعلَمُ.
стр. 8962
وأمَّا مَنْ سِوى هؤلاءِ مِنْ الكفَّارِ مثلَ المُتمسِّكِ بصُحفِ إبراهيمَ وشِيث وزَبورِ داودَ فليسُوا بأهلِ كتابٍ، ولا تَحلُّ مُناكَحتُهم ولا ذبائِحُهم، وهذا قَولُ الشافعيِّ، وذكَرَ القاضي فيهم وَجهًا آخَرَ أنهم مِنْ أهلِ الكِتابِ وتَحلُّ ذَبائحُهم ونكاحُ نسائِهم ويُقرَّونَ بالجِزيةِ؛ لأنهم تَمسَّكُوا بكتابٍ مِنْ كُتبِ اللهِ، فأشبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى.
ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، ولأنَّ تلكَ الكُتبَ كانَتْ مَواعِظَ وأمثالًا لا أحكامَ فيها، فلمْ يَثبتْ لها حُكمُ الكُتبِ المُشتمِلةِ على الأحكامِ (١).
وقد سُئلَ شيخُ الإسلامِ ﵀ عن قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وقد أباحَ العُلماءُ التَّزويجَ بالنَّصرانيةِ واليَهوديةِ، فهل هُما مِنْ المُشركينَ أم لا؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، نكاحُ الكِتابيةِ جائزٌ بالآيةِ الَّتي في المائِدة، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا مَذهبُ جَماهيرِ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغيرِهم، وقد رُويَ عن ابنِ عُمرَ أنه كَرِهَ نكاحَ النصرانيةِ وقالَ: «لا أعلَمُ شِركًا أعظَمَ ممَّن تَقولُ: إنَّ رَبَّها عيسى ابنُ مَريمَ»، وهو اليومَ مَذهبُ طائفةٍ مِنْ أهلِ البدَعِ.
стр. 8963
وقد احتَجُّوا بالآيةِ الَّتي في سُورَة البقَرَة، وبقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والجَوابُ عن آيةِ البقَرَة مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدَها: أنَّ أهلَ الكِتابِ لم يَدخلُوا في المُشركينَ، فجعَلَ أهلَ الكِتابِ غيرَ مُشركينَ بدليلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧].
فإنْ قيلَ: فقدْ وصَفَهم بالشِّركِ بقولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
قيلَ: إنَّ أهلَ الكِتابِ ليسَ في أصلِ دِينِهم شِركٌ، فإنَّ اللهَ إنَّما بعَثَ الرُّسلَ بالتَّوحيدِ، فكُلُّ مَنْ آمَنَ بالرُّسلِ والكتُبِ لم يَكنْ في أصلِ دِينِهم شِركٌ، ولكنَّ النَّصارى ابتَدعُوا الشِّركَ كما قالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فحيثُ وصَفَهم بأنهُم أشرَكُوا فلِأجْلِ ما ابتَدعُوه مِنْ الشِّركِ الذي لم يأمُرِ اللهُ به، فوجَبَ تميُّزُهم عن المُشركينَ؛ لأنَّ أصلَ دِينِهم اتِّباعُ الكُتبِ المُنزَلةِ التي جاءَتْ بالتوحِيدِ لا بالشِّركِ.
فإذا قيلَ: أهلُ الكتابِ لم يَكونُوا مِنْ هذهِ الجهةِ مُشركينَ، فإنَّ الكِتابَ الذي أُضيفُوا إليه لا شِركَ فيه، كما إذا قيلَ: «المُسلِمونَ وأمَّةُ مُحمدٍ» لم يَكنْ فيهِم مِنْ هذه الجهةِ لا اتِّحادٌ ولا رَفضٌ ولا تَكذيبٌ بالقَدرِ ولا غيرُ ذلكَ مِنْ البدَعِ، وإنْ كانَ بعضُ الداخِلينَ في الأمَّةِ قد ابتَدَعَ هذه البدَعَ، لكنَّ
стр. 8964
أمَّةَ محمَّدٍ ﷺ لا تَجتمعُ على ضَلالةٍ، فلا يَزالُ فيها مَنْ هو مُتبِعٌ لشَريعةِ التوحيدِ، بخِلافِ أهلِ الكتابِ، ولم يُخبِرِ اللهُ عن أهلِ الكتابِ أنهُم مُشركونَ بالاسمِ، بل قالَ: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفِعلِ، وآيةُ البقَرَة قالَ فيها: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ بالاسمِ، والاسمُ أوكَدُ مِنْ الفعلِ.
الوَجهُ الثاني: أنْ يُقالَ: إنْ شَملَهم لفظُ المُشركينَ مِنْ سُورَة البقَرَة كما وصَفَهم بالشِّركِ، فهذا مُتوجِّهٌ بأنْ يفرَّقَ بين دَلالةِ اللفظِ مُفردًا ومَقرونًا، فإذا أُفرِدُوا دخَلَ فيهم أهلُ الكِتابِ، وإذا قُرِنُوا مع أهلِ الكتابِ لم يَدخلُوا فيهِم، كما قيلَ مثلُ هذا في اسمِ الفقيرِ والمِسكينِ ونحوِ ذلكَ، فعَلى هذا يُقالُ: آيةُ البقَرَة عامَّةٌ وتلكَ خاصَّةٌ، والخاصُّ يقدَّمُ على العامِّ.
الوجهُ الثالثُ: أنْ يُقالَ: آيةُ المائِدَة ناسِخةٌ لآيةِ البقَرَة؛ لأنَّ المائِدَة نزلَتْ بعدَ البقَرَة باتِّفاقِ العُلماءِ، وقد جاءَ في الحَديثُ: «المائِدةُ مِنْ آخِرِ القُرآنِ نُزولًا، فأَحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها»، والآيةُ المُتأخرِّةُ تَنسخُ الآيةَ المتقدِّمةَ إذا تعارَضَتَا، وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإنها نزَلَتْ بعدَ صُلحِ الحُدَيبيةِ لمَّا هاجَرَ مِنْ مكَّةَ إلى المَدينةِ، وأنزَلَ اللهُ سُورَة المُمتحنَة وأمَرَ بامتحانِ المُهاجرِينَ، وهو خِطابٌ لمَن كانَ في عِصمتِه كافرةٌ، واللام لتَعريفِ العَهدِ، والكَوافرُ المَعهوداتُ هنَّ المُشركاتُ، مع أنَّ الكفَّارَ قد يُميَّزُوا مِنْ أهلِ الكتابِ أيضًا في بعضِ المَواضعِ، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]، فإنَّ
стр. 8965
أصلَ دِينِهم هو الإيمانُ، ولكنْ هم كفَرُوا مُبتدعِينَ الكفرَ كما قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠] (١).
نِكاحُ الحَربيةِ الكِتابيةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ نكاحِ الكِتابيةِ الحَربيةِ؛ اعتبارًا بالكِتابِ لا بالدارِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يُفرِّقْ فيه بينَ الحَربيَّاتِ والذمِّياتِ، وغيرُ جائزٍ تَخصيصُه بغيرِ دَلالةٍ، ولأنَّ الحرِّيةَ في إباحتِهنَّ الكتابُ دونَ الدارِ، ولأنه لمَّا جازَ وَطؤُهنَّ بالسَّبيِ فأَولى أنْ يجوزَ وَطؤُهنَّ بالنكاحِ، ولأنَّ مَنْ حَلَّ نكاحُها في دارِ الإسلامِ حَلَّ نكاحُها في دارِ الحربِ كالمُسلمةِ.
وأمَّا قولُه تعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] لا تعلُّقَ له بجَوازِ النكاحِ ولا فسادِه، ولو كانَ وُجوبُ القِتالِ علَّةً لفسادِ النكاحِ لَوجَبَ أنْ لا يَجوزَ نكاحُ نِساءِ الخَوارجِ وأهلِ البغيِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فبانَ بما وصَفْنا أنه لا تأثيرَ لوُجوبِ القتالِ في إفسادِ النكاحِ.
стр. 8966
إلا أنهُم أجمَعُوا على كَراهتهِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والنكاحُ يُوجِبُ المودَّةَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فلمَّا أخبَرَ أنَّ النكاحَ سببُ المودَّةِ والرَّحمةِ ونهانَا عن مُوادَّةِ أهلِ الحربِ كُرِهَ ذلكَ.
وقولُه: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إنَّما هو في أهلِ الحربِ دونَ أهلِ الذمَّةِ؛ لأنه لفظٌ مُشتَقٌّ مِنْ كونِهم في حَدٍّ ونحنُ في حَدٍّ، وكذلكَ المشاقَّةُ وهو أنْ يكونُوا في شِقٍّ ونحنُ في شقٍّ، وهذه صفةُ أهلِ الحربِ دونَ أهلِ الذمَّةِ، فلذلكَ كرهُوا ذلكَ.
ولأنَّ الإنسانَ لا يأمَنُ أنْ يكونَ بينَهُما ولَدٌ، فيَنشأُ على طَبائعِ أهلِ الحربِ ويَتخلَّقُ بأخلاقِهم، فلا يَستطيعُ المُسلمُ قلْعَه عن تلكَ العادةِ.
ولئلَّا يفتنَ عن دينِه بها أو بقَومِها، فإنَّ الرجلَ يَصبُو إلى زوْجتِه بشدَّةِ مَيلِه، ولئلَّا يكثرَ سَوادَهُم بنُزولِه بينَهم (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في قولٍ إلى أنه يَحرمُ نكاحُ الحَربيةِ مُطلَقًا.
قالَ المِرْداويُّ ﵀: وقيلَ: يجوزُ في دارِ الإسلامِ لا في دارِ الحربِ
стр. 8967
وإنِ اضْطرَّ، وهو مَنصوصُ الإمامِ أحمَدَ ﵀ في غيرِ روايةٍ، واختيارُ ابنِ عَقيلٍ.
وقيلَ بالجوازِ في دارِ الحَربِ مع الضرورةِ.
قالَ الزَّركشيُّ: وهو اختيارُ طائفةٍ مِنْ الأصحابِ، ونَصَّ عليهِ الإمامُ أحمَدُ أيضًا (١).
نكاحُ المَجوسيَّةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلا أبا ثَورٍ -وابنَ حزمٍ- على أنه لا يَحلُّ نكاحُ المَجوسيةِ؛ لأنها ليسَتْ مِنْ أهلِ الكتابِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فرخَّصَ مِنْ ذلكَ في أهلِ الكتابِ، فمَن عَداهُم يبقَى على العُمومِ.
ولم يَثبتْ أنَّ للمَجوسِ كتابًا، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] إلى قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، معناهُ: أي أنزلَتْ عليكُم لئلَّا تقولُوا إنَّما أُنزلَ الكِتابُ على طائفَتينِ مِنْ قبْلِنا، ولو كانَ المَجوسُ مِنْ أهلِ الكِتابِ لَكانَ أهلُ الكِتابِ ثَلاثَ طَوائفَ، فيُؤدِّي إلى الخُلفِ في خبَرِه وذلكَ مُحالٌ، على أنَّ هذا لو كانَ حِكايةً عن قَولِ المُشركينَ لَكانَ دَليلًا على ما قُلنَا؛ لأنه حكَى عنهُم القولَ ولم يَعقبْه بالإنكارِ عليهم والتكذيبِ إيَّاهم، والحَكيمُ إذا حكَى عن مُنكَرٍ غيَّرَه.
стр. 8968
وسُئلَ أحمَدُ ﵀: أيَصحُّ عن عليٍّ أنَّ للمَجوسِ كِتابًا؟ فقالَ: هذا باطلٌ، واستَعظَمَه جدًّا، ولو ثبَتَ أنَّ لهم كِتابًا فإنَّ حُكمَ أهلِ الكتابِ لا يَثبتُ لغيرِ أهلِ الكِتابَينِ.
وأمَّا قولُه ﷺ : «سُنُّوا بهِم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ» دليلٌ على أنه لا كِتابَ لهُم، وإنما أرادَ به النبيُّ ﷺ في حَقنِ دمائِهم وإقرارِهم بالجِزيةِ لا غَير، وذلكَ أنهُم لمَّا كانَتْ لهُم شُبهةُ كِتابٍ غلَبَ ذلكَ في تَحريمِ دمائِهم، فيَجبُ أنْ يَغلبَ حُكمُ التَّحريمِ لنِسائِهم وذَبائحِهم، فإنَّنا إذا غلَّبْنا الشُّبهةَ في التحريمِ فتَغليبُ الدَّليلِ الذي عارَضَتْه الشُّبهةُ في التحريمِ أَولى، ولم يَثبتْ أنَّ حُذيفةَ تزوَّجَ مَجوسيةً.
وأمَّا إقرارُهم بالجِزيةِ فلِأنَّنا غلَّبْنا حُكمَ التَّحريمِ لدِمائِهم، فيَجبُ أنْ يغلبَ حُكمُ التَّحريمِ في ذَبائحِهم ونِسائِهم (١).
نِكاحُ سائرِ الكفَّارِ غيرِ أهلِ الكتابِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ سائرَ الكفَّارِ غيرَ أهلِ الكتابِ كمَن عبَدَ ما استَحسَنَ مِنْ الأصنامِ والأحجارِ والشَّجرِ والحَيوانِ أنه تَحرمُ نِساؤُهم وذَبائحُهم؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]،
стр. 8969
وقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فرخَّصَ مِنْ ذلكَ في أهلِ الكِتابِ، فمَن عَداهُم يَبقَى على ظاهرِ التَّحريمِ (١).
حُكمُ نِكاحِ المرتدَّةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا يَحلُّ نِكاحُ المرتدَّةِ؛ لأنه لا فائدةَ فيهِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ شَرعِ النكاحِ مَصالحُه، ولا تُوجَدُ؛ لأنَّ المُرتدَّ يُقتَلُ، ولأنه لا ملَّةَ لهُما؛ لأنهُما خرَجَا عن الإسلامِ ولا يُقَرانِ على ما انتَقلَا إليه.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ نكاحُ المُرتدةِ مع أحَدٍ؛ لأنها مأمورةٌ بالتأمُّلِ لتَعودَ إلى الإسلامِ، ومَمنوعةٌ مِنْ الاشتِغالِ بشيءٍ آخَرَ، ولأنها بالرِّدةِ صارَتْ مُحرَّمةً، والنكاحُ مُختَصٌّ بمَحلِّ الحِلِّ ابتداءً، فلِهذا لا يَجوزُ نكاحُها مع أحَدٍ (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: منها أنْ يكونَ للزَّوجينِ ملَّةٌ يُقَرانِ عليها، فإنْ لم يَكنْ بأنْ كانَ أحَدُهما مُرتدًّا لا يَجوزُ نكاحُه أصلًا لا بمُسلمٍ ولا بكافرٍ غيرِ مُرتدٍّ، والمُرتدُّ مِثلهُ؛ لأنه ترَكَ ملَّةَ الإسلامِ ولا يُقَرُّ على الردةِ، بل يُجبَرُ على الإسلامِ إمَّا بالقَتلِ إنْ كانَ رَجلًا بالإجماعِ، وإمَّا بالحَبسِ والضَّربِ إنْ كانَتِ امرأةً عندَنا إلى أنْ تَموتَ أو تُسلمَ، فكانَتِ الرِّدةُ في
стр. 8970
معنَى الموتِ؛ لكونِها سَببًا مُفضِيًا إليه، والمَيتُ لا يكونُ مَحلًّا للنكاحِ، ولأنَّ مِلكَ النكاحِ مِلكٌ مَعصومٌ، ولا عِصمةَ مع المُرتدَّةِ، ولأنَّ نكاحَ المُرتدِّ لا يقَعُ وَسيلةً إلى المقاصِدِ المَطلوبةِ منه؛ لأنه يُجبَرُ على الإسلامِ على ما بيَّنَّا، فلا يُفيدُ فائدتَه فلا يَجوزُ، والدليلُ عليه أنَّ الرِّدةَ لو اعتَرضَتْ على النكاحِ رفَعَتْه، فإذا قارَنَتْه تَمنعُه مِنْ الوُجودِ مِنْ طريقِ الأَولى كالرَّضاعِ، لأنَّ المنعَ أسهَلُ مِنْ الرَّفعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ نِكاحُ المُرتدِّ ولا المُرتدةِ؛ لأنَّ كلَّ معنًى إذا طرَأَ على النكاحِ أوجَبَ فسْخَه فإذا وُجِدَ في الابتِداءِ منَعَ العقدَ، أصلُه المِلكُ والرَّضاعُ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَحلُّ لأحَدٍ نكاحُ المُرتدةِ، لا مِنْ المُسلمينَ؛ لأنها كافرةٌ لا تُقَرُّ كالوَثنيةِ، ولا مِنْ الكفَّارِ؛ لبَقاءِ عَلقةِ الإسلامِ فيها، ولا مِنْ المُرتدِّينَ؛ لأنَّ القَصدَ مِنْ النكاحِ الدَّوامُ، وهي ليسَتْ مُبقاةً (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: المُرتدةُ يَحرمُ نكاحُها على أيِّ دِينٍ كانَتْ؛ لأنه لم يَثبتْ لها حُكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انتقَلَتْ إليه في إقرارِها عليه، ففي حِلِّها أَولى (٤).
стр. 8971
٤ - ويُشترطُ تَعيينُ كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ في عَقدِ النكاحِ: فلو قالَ: «زوَّجتُكَ إحدى بَناتي، أو زوَّجْتُ بنتِي -مثلًا- أحَدَكما» بطَلَ العقدُ؛ لأنَّ المقصودَ مِنْ النكاحِ التَّعيينُ، فلا يَصحُّ بدُونِه، وتُزوَّجُ باسمِها الذي تُعرَفُ به، ولا يُشترطُ الرُّؤيةُ، وإنْ قالَ: «زوَّجتُكَ بنتِي» وليسَ له غيرُها أو أشارَ إليها صَحَّ التزويجُ، ولو سمَّى البنتَ المَذكورةَ بغيرِ اسمِها صَحَّ التزويجُ (١).
стр. 8972
فصل في الكفاءةِ المعتبرةِ في النكاحِ
الكَفاءةُ لُغةً: التَّعادلُ والتَّساوِي.
واصِطلاحًا: عرَّفَها الحَنفيةُ بأنها: مُساواةٌ مَخصوصةٌ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ (١)، أو كَونُ الزَّوجِ نَظيرًا للزَّوجةِ (٢).
وعرَّفَها المالِكيةُ بأنها: المُماثَلةُ والمُقارَبةُ، يُقالُ: هذا كفُؤُ هذا، أيْ: مِثلُه (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: الكَفاءةُ: أمرٌ يُوجِبُ عَدمُه عارًا، وضابِطُها: مُساواةُ الزَّوجِ للزَّوجةِ في كَمالٍ أو خِسَّةٍ ما عَدا السَّلامةَ مِنْ عُيوبِ النِّكاحِ (٤).
وقالَ الحَنابلةُ: الكَفاءةُ: هيَ المُماثَلةُ والمُساواةُ، ومِنهُ قولُه
стр. 8973
ﷺ : «المُسلِمونَ تَتكافَأُ دِماؤُهُم» أيْ: تَتَساوى فيَكونُ دمُ الوَضيعِ مِنهم كدَمِ الرَّفيعِ، وهيَ هنا مُعتبَرةٌ في خَمسةِ أشياءَ (١).
اعتبارُ الكَفاءةِ في النكاحِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على اعتِبارِ الكَفاءةِ في النِّكاحِ؛ لأنَّ المَصالحَ إنَّما تَنتَظمُ بيْنَ المُتكافِئينَ عادةً؛ لأنَّ الشَّريفةَ تَأبَى أنْ تكونَ مُستفرَشةً للخَسيسِ، وهي مُعتبَرةٌ عندَ ابتداءِ النكاحِ، ولا يُعتبَرُ استِمرارُها بعدَ ذلكَ، حتَّى لو تَزوَّجَها وهوَ كُفءٌ ثمَّ صارَ فاجِرًا لم يُفسخِ النكاحُ.
ولأنَّ المَقصودَ مِنْ شَرعيةِ النكاحِ انتِظامُ مَصالحِ كُلٍّ مِنْ الزَّوجَينِ بالآخَرِ في مُدَّةِ العُمرِ؛ لأنه وُضعَ لِتأسيسِ القَراباتِ الصِّهريةِ، ليَصيرَ البَعيدُ قَريبًا عَضُدًا وساعِدًا، يَسرُّه ما يَسرُّكَ ويَسوءُه ما يَسوءُكَ، وذلكَ لا يكونُ إلَّا بالمُوافَقةِ والتَّقاربِ، ولا مُقارَبةَ للنُّفوسِ عندَ مُباعَدةِ الأنسابِ.
ولأنَّ النكاحَ مَقصودُه حُسنُ الأُلفةِ، فإذا كانَتِ المَرأةُ أعلى مَنصِبًا اشتَغلَتْ عنِ الرجلِ، فلا يَتمُّ بهِ المَقصودُ.
ثمَّ الكَفاءةُ إنَّما تُعتبَرُ لحَقِّ النِّساءِ لا لحَقِّ الرِّجالِ، فإنَّ الشَّريفَ إذا تَزوَّجَ وَضيعةً دَنيئةً ليسَ لأوليائِهِ حَقُّ الاعتِراضِ؛ لأنه مُستفرِشٌ لا مُستفرَشٌ، فلا يَغيظُه دَناءةُ الفِراشِ، ولأنَّ النُّصوصَ ورَدَتْ باعتبارِها في حقِّ الرِّجالِ خاصَّةً، فإنَّ النبيَّ ﷺ لا مُكافِئَ لهُ وقدْ تَزوَّجَ مِنْ أحياءِ العربِ.
стр. 8974
وقالَ النبيُّ ﷺ : «ثلاثةٌ يُؤتَونَ أجرَهُم مَرَّتينِ، الرَّجلُ تكونُ له الأمَةُ فيُعلِّمُها فيُحسِنُ تَعليمَها ويُؤدِّبُها فيُحسِنُ أدَبَها ثمَّ يُعتِقُها فيَتزوَّجُها فلهُ أجرانِ، ومُؤمِنُ أهلِ الكِتابِ الذي كانَ مُؤمِنًا ثمَّ آمَنَ بالنبيِّ ﷺ فلهُ أجرانِ، والعَبدُ الذي يُؤدِّي حقَّ اللهِ ويَنصَحُ لسيِّدِه» (١).
ولأنَّ المَعنى الذي شُرِعَتْ له الكَفاءةُ يُوجِبُ اختِصاصَ اعتِبارِها بجانِبِهم؛ لأنَّ المرأةَ هي التي تَستَنْكِفُ لا الرَّجلُ؛ لأنها هي المُستفرَشةُ، فأمَّا الزَّوجُ فهوَ المُستفرِشُ، فلا تَلحقُه الأَنَفةُ مِنْ قِبلِها.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ومِن مَشايخِنا مَنْ قالَ: إنَّ الكفاءةَ في جانِبِ النِّساءِ مُعتبَرةٌ أيضًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ استِدلالًا بمَسألةٍ ذكَرَها في «الجَامع الصَّغير» في بابِ الوَكالةِ، وهيَ أنَّ أميرًا أمَرَ رجلًا أنْ يُزوِّجَهُ امرأةً فزوَّجهُ أمَةً لغيرِه، قالَ: جازَ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهُما لا يَجوزُ، ولا دَلالةَ في هذه المَسألةِ على ما زعَمُوا؛ لأنَّ عدمَ الجوازِ عندَهما يَحتِملُ أنْ يكونَ لمعنًى آخَرَ، وهو أنَّ مِنْ أصلِهما أنَّ التَّوكيلَ المُطلَقَ يتقيَّدُ بالعُرفِ والعادةِ، فيَنصرفُ إلى المُتعارَفِ، كما في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ (٢).
стр. 8975
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يَجوزُ تَزويجُها مِنْ غيرِ كُفءٍ بغيرِ رِضاها، إلا رِوايةً عَنْ أبي حَنيفةَ كما تَقدَّمَ؛ لأنهُ إضرارٌ بها وإدخالٌ للعارِ عليها، فإنْ زوَّجَها مِنْ غيرِ كُفءٍ ثبَتَ لها الخِيارُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ؛ لِمَا رُوي عَنْ عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «جاءَتْ فَتاةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبِي زوَّجَني ابنَ أخيهِ يَرفعُ بي خَسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالَتْ: فإني قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبِي، ولكنْ أرَدتُ أنْ تَعلمَ النِّساءُ أنْ ليسَ للآباءِ مِنْ الأمرِ شيءٌ» (١).
وفي البُخارِيِّ: «عنِ الخَنساءِ بِنتِ خِذامٍ الأنصارِيةَ أنَّ أباها زوَّجَها وهيَ ثيِّبٌ فكَرهَتْ ذلكَ، فأتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فرَدَّ نِكاحَه» (٢).
هَلِ الكَفاءةُ شرطٌ في صحَّةِ النكاحِ؟ أم في لُزومِهِ؟ أم ليستْ شرطًا أًصلاً؟
اختَلفَ الفُقهاءِ في الكَفاءةِ في النكاحِ، هل هي شَرطٌ في صحَّةِ النكاحِ فلا يَصحُّ النكاحُ إلا إذا حَصلَتِ الكَفاءةُ بينَ الزَّوجَينِ؟ أم شَرطٌ في لُزومِه فيَجوزُ للمَرأةِ أو لأوليائِها أنْ يَتنازَلُوا عنها؟ أم ليسَتْ شَرطًا أصلًا ولا يَثبتُ فيها خِيارٌ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكَفاءةَ في النكاحِ ليسَتْ شَرطًا في صحَّةِ النكاحِ، بلْ شَرطٌ
стр. 8976
في لزُومِه، فإذا اتَّفقَتِ المَرأةُ وأولياؤُها على تَركِ الكَفاءةِ وزُوِّجتْ بمَن يَقصُرُ عنها في الكَفاءةِ جازَ النكاحُ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقالَ تعالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، وقد قالَ تَعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وقالَ ﷺ : «يا أيُّها النَّاسُ، أَلَا إنَّ ربَّكُم واحِدٌ وإنَّ أباكُم واحِدٌ، أَلَا لا فَضْلَ لعَربيٍّ على أعجَميٍّ ولا لعَجميٍّ على عَربيٍّ ولا لأحمَرَ على أسوَدَ ولا أسوَدَ على أحمَرَ إلَّا بالتَّقوى» (١).
وقالَ ﷺ : «ألَا إنَّ آلَ أبِي فُلانٍ لَيسُوا لي بأولياءَ، إنَّما وَليِّيَ اللهُ وصالِحُ المُؤمنِينَ» (٢).
وقالَ النبيُّ ﷺ : «إذا جاءَكُم مَنْ تَرضَونَ دِينَه وخُلُقَه فأَنكِحُوهُ، إلَّا تَفعلُوا تَكنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفَسادٌ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وإنْ كانَ فيهِ؟ قالَ: إذا جاءَكُم مَنْ تَرضَونَ دِينَهُ وخُلُقَه فأَنكِحُوهُ، ثلاثَ
ﷺ في اليافوخِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «يا بَني بَياضةَ أَنكِحُوا أبا هِندٍ وأَنكِحُوا إليهِ» (١).
وقالَ ابنُ مَسعودٍ لأُختِه: «أَنشُدُكِ اللهَ ألَّا تَنكحِي إلَّا مُسلِمًا وإنْ كانَ أحمَرَ رُوميًّا أو أسوَدَ حَبشيًّا» (٢).
وفي كلِّ ذلكَ دَلالةً على أنَّ نِكاحَ غيرِ الكُفءِ ليسَ بمُحرَّمٍ إذا رَضيَ به الوَليُّ والمرأةُ وكَانتْ رَشيدةً.
ولأنَّ المَنعَ مِنْ الكَفاءةِ لإلحاقِ العارِ، وذلك حَقٌّ لها وللأولياءِ لا يَتعلَّقُ به حَقٌّ للهِ تعالى، فإذا اتَّفقَا على إسقاطِه جازَ، كالنُّقصانِ مِنْ مَهرِ المِثلِ وكالسَّلامةِ مِنْ العُيوبِ (٣).
стр. 8979
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -وهي المَذهبُ عندَ أكثَرِ المُتقدِّمينَ- إلى أنَّ الكَفاءةَ شَرطٌ في صحَّةِ النِّكاحِ، فلو رَضيَتِ امرأةٌ معَ أوليائِها بتَزويجِ غَيرِ كُفؤٍ لم يَصحَّ النكاحُ؛ لفَواتِ شَرطِه، فإذا تزوَّجَ المُولى العربيَّةَ فُرِّقَ بيْنَهما؛ لأنَّ منْعَها مِنْ تَزويجِ نفسِها لئلَّا تضَعَها في غيرِ كُفءٍ، فبطَلَ العَقدُ؛ لتَوهُّمِ العارِ، فهاهُنا أَولى، ولِما فيهِ مِنْ حقِّ اللهِ تعالى.
ولِمَا رَوى جَابرٌ مَرفوعًا: «لا تُنكِحُوا النِّساءَ إلَّا الأكْفَاءَ، ولا يُزوِّجُهنَّ إلَّا الأولياءُ، ولا مهْرَ دونَ عَشرةِ دَراهمَ» (١).
ولِمَا رَواهُ أبو إسحاقَ الهمْدانِيُّ عن أبي لَيلى الكِنديِّ قالَ: خرَجَ سَلمانُ ﵁ في ثلاثةَ عشَرَ رَجلًا مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ في سفَرٍ، فلمَّا حَضرتِ الصَّلاةُ قالوا: تَقدَّمْ يا أبا عبدِ اللهِ فأنتَ أعلَمُنا وأسَنُّنا، فقالَ: إنَّ اللهَ قدْ فضَّلَكم علينا يا مَعشرَ العَربِ، تَأمُّونا ولا نَأمُّكُم، وتَنكِحُونَ نِساءَنا ولا نَنكِحُ نِساءَكمْ، فتَقدَّمَ رَجلٌ مِنْ القومِ فصلَّى بهم أربعًا، فلمَّا انصَرفَ قالَ لهُ سلمانُ: صَلَّيتَ أربعًا، كُنَّا إلى الرُّخصةِ أحوَجَ» (٢).
وقالَ عُمَرُ ﵁: «لَأمنَعَنَّ تزوُّجَ ذاتِ الأحْسابِ إلَّا مِنْ الأكْفَاءِ» (٣)،
стр. 8980
ولأنَّ النكاحَ مَقصودُه حُسنُ الأُلفَةِ، فإذا كانتِ المرأةُ أعلى مَنصِبًا اشتَغلَتْ عنِ الرَّجلِ، فلا يَتمُّ بهِ المَقصودُ (١).
وذهَبَ الكَرخيُّ مِنْ الحَنفيةِ وحَكاهُ الكاسانِيُّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ والحسَنِ البَصريِّ إلى أنَّ الكَفاءةَ ليسَتْ بشَرطٍ أصلًا، واحتَجُّوا بما رُوي أنَّ أبا طَيبةَ خطَبَ إلى بَني بَياضةَ فأبَوا أنْ يُزوِّجوهُ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يا بَني بَياضَة أَنكِحُوا أبَا هِندٍ وأَنكِحُوا إليه» (٢).
ورُويَ أنَّ بِلالًا ﵁ خطَبَ إلى قَومٍ مِنَ الأنصارِ فأبَوا أنْ يُزوِّجُوه، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : «قُلْ لهم: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يأمُرُكم أنْ تُزوِّجوني» (٣)، أمَرَهم رسولُ اللهِ ﷺ بالتَّزويجِ عندَ عدمِ الكَفاءةِ، ولو كانَتْ مُعتبَرةً لَمَا أمَرَ؛ لأنَّ التَّزويجَ مِنْ غيرِ كُفءٍ غيرُ مأمورٍ به، وقالَ ﷺ : «لا فَضْلَ لعَربيٍّ على أعجَمِيٍّ ولا لعَجمِيٍّ على عَربيٍّ ولا لأحمَرَ على أسوَدَ ولا أسوَدَ على أحمَرَ إلا بالتَّقوى» (٤)، وهذا نَصٌّ، ولأنَّ الكَفاءةَ لو كانَتْ مُعتبَرةً في الشَّرعِ لَكانَ أَولى الأبوابِ بالاعتبارِ بها
стр. 8981
بابُ الدِّماءِ؛ لأنه يُحتاطُ فيه ما لا يُحتاطُ في سائرِ الأبوابِ، ومع هذا لَم يُعتبَرْ، حتَّى يُقتَلُ الشَّريفُ بالوَضيعِ، فهاهُنا أَولى، والدَّليلُ عليهِ أنها لم تُعتبَرْ في جانِبِ المرأةِ، فكذا في جانبِ الزَّوجِ (١).
حُكمُ الكفاءَةِ في النكاحِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الكَفاءةِ، هلْ هي واجِبةٌ على الوليِّ؟ أم مُستحَبةٌ فيَجوزُ لهُ تَركُها وكذا للمرأةِ؟
فقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: مُقتضَى الأدلَّةِ وُجوبُ إنكاحِ الأكْفاءِ … ثُمَّ هذا الوُجوبُ يَتعلَّقُ بالأولياءِ حقًّا لها، وبها حقًّا لهم … لكنْ إنَّما تَتحقَّقُ المَعصيةُ في حقِّهم إذا كانَتْ صَغيرةً؛ لأنها إذا كانَتْ كبيرةً لا يَنفذُ عليها تَزويجُهم إلَّا برِضاها فهي تارِكةٌ لحقِّها، كما إذا رَضيَ الوليُّ بتَركِ حقِّهِ حيثُ يَنفذُ، هذا كلُّه مُقتَضى الأدلَّةِ التي ذكَرْناها مع قطعِ النَّظرِ عَنْ غيرِها (٢).
وقالَ المالِكيةُ: للمَرأةِ وللوليِّ معًا تركُ الكَفاءةِ وتَزويجُها مِنْ فاسقٍ سِكِّيرٍ يُؤمَنُ عليها منهُ؛ وذلكَ لأنَّ الحَقَّ لهُما في الكَفاءةِ، فإذا أسقَطَا حَقَّهما مِنها وزوَّجَها مِنْ فاسِقٍ كانَ النكاحُ صَحيحًا على المُعتمَدِ.
فإنْ لم يَرضَيَا معًا فالقولُ لمَن امتَنعَ منهُما، وعلى الحاكمِ مَنعُ مَنْ رَضيَ منهُما وإنْ رَضيَتْ لِحقِّ اللهِ حِفظًا للنُّفوسِ.
стр. 8982
وقِيلَ: إنَّ تَزويجَ الفاسِقِ غيرُ صَحيحٍ ويَتعيَّنُ فَسخُه، ورجَّحَه جَماعةٌ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وحاصِلُ ما في المَسألةِ أنَّ ظاهِرَ ما نقَلَه الحطَّابُ وغيرُه واستَظهَرهُ الشَّيخُ ابنُ رَحالٍ مَنعُ تَزويجِها مِنْ الفاسِقِ ابتداءً وإنْ كانَ يُؤمَنُ عليها مِنه، وأنه ليسَ لها ولا للوليِّ الرِّضا بهِ، وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّ مُخالَطةَ الفاسِقِ مَمنوعةٌ وهَجْرَهُ واجِبٌ شَرعًا، فكَيفَ بخُلطةِ النِّكاحِ؟ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يُكرَهُ التَّزويجُ مِنْ غيرِ كُفءٍ برضاها إلَّا لمَصلحةٍ، ويُكرَهُ التَّزويجُ مِنْ الفاسِقِ برِضاها كما قالَه الشَّيخُ عزُّ الدِّينِ، إلا أنْ يَكونَ يخَافُ مِنْ فاحِشةٍ أو رِيبةٍ تَنشأُ مِنْ عَدمِ تَزويجِها له، كأنْ خِيفَ زِناهُ بها لو لمْ يَنكِحْها، أو تَسلطِ فاجرٍ عليها (٢).
وقتُ اعتبارِ الكَفاءةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الجُملةِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الكَفاءةَ تُعتبَرُ عندَ ابتِداءِ النكاحِ، ولا يُشتَرطُ استِدامتُها، فلَو كانَ الزَّوجُ عندَ عَقدِ النكاحِ مُستوفِيًا لخِصالِ الكَفاءةِ ثمَّ زالَتْ بعدَ العَقدِ فإنَّ العقدَ صَحيحٌ لا يَبطلُ بذلكَ.
قالَ الحَنفيةُ: الكَفاءةُ في النكاحِ تُعتبَرُ عندَ ابتِداءِ النِّكاحِ، ولا يُعتبَرُ
стр. 8983
استِمرارُها بعدَ ذلكَ، حتَّى لو تزوَّجَها وهوَ كُفءٌ ثمَّ صارَ فاجِرًا داعِرًا لا يُفسخُ النكاحُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: العِبرةُ في خِصالِ الكَفاءةِ بحالةِ العَقدِ، نَعمْ تَركُ الحِرفةِ الدنيئةِ قبلَه لا يؤثِّرُ إلا إنْ مضَتْ سنَةٌ كما أطلَقَه جَمعٌ، وهو واضِحٌ إنْ تلبَّسَ بغيرِها بحَيثُ زالَ عَنه اسمُها ولم يُنسَبْ إليها أصلًا، وإلا فلا بدَّ مِنْ مُضيِّ زمنٍ يَقطعُ نِسبتَها عنهُ بحيثُ صارَ لا يُعيَّرُ بها.
وقدْ بحَثَ ابنُ العِمادِ والزَّركشيُّ أنَّ الفاسِقَ إذا تابَ لا يُكافِئُ العَفيفةَ، وصرَّحَ ابنُ العمادِ في مَوضعٍ آخَرَ بأنَّ الزانِيَ المُحصَنَ وإنْ تابَ وحَسُنتْ تَوبتُه لا يَعودُ كُفئًا كما لا تَعودُ عفَّتُه، وبأنَّ المَحجورَ عليهِ بسَفهٍ ليسَ بكُفءٍ للرَّشيدةِ.
وبما تَقرَّرَ مِنْ أنَّ العِبرةَ بحالةِ العَقدِ عُلِمَ أنَّ طُروءَ الحِرفةِ الدَّنيئةِ لا يُثبتُ الخِيارَ، وهو الأوجَهُ؛ لأنَّ الخِيارَ في النِّكاحِ بعدَ صحَّتِه لا يُوجَدُ إلا بالأسبابِ الخَمسةِ الآتيةِ في بابِه وبالعِتقِ تحتَ رقيقٍ، وليسَ طروءُ ذلك واحدًا مِنْ هذهِ ولا في مَعناها.
قالَ الشِّهابُ الرَّمليُّ ﵀: وأمَّا قَولُ الإِسنَويِّ: «يَنبغِي الخِيارُ إذا تَجدَّدَ الفِسقُ» فمَردودٌ كما قالَهُ الأذرَعيُّ وابنُ العِمادِ وغيرُهما، نعمْ طُروءُ الرِّقِّ يُبطلُ النكاحَ، وقَولُ الإِسنويِّ: «تَتخيَّرُ بهِ» وَهمٌ (٢).
стр. 8984
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لو زالَتِ الكَفاءةُ بعدَ العَقدِ فللزَّوجةِ الفَسخُ فقطْ دُونَ أوليائِها كعِتقِها تحتَ عَبدٍ، ولأنَّ حَقَّ الأولياءِ في ابتداءِ العَقدِ لا في استدامتِه.
قيلَ للإمامِ أحمدَ فِيمَن يَشربُ الخَمرَ: يُفرَّقُ بينَهُما؟ قالَ: استَغفرُ اللهَ، فالمُعتبَرُ على هذهِ الرِّوايةِ وُجودُها حالَ العَقدِ لا بعدَه (١).
الحقُّ فِي الكَفاءةِ للمرأةِ وللأولياءِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الكَفاءةَ حَقٌّ للزَّوجةِ وللأولياءِ معًا، حتَّى وإنْ رَضيَتِ الزوجةُ بغَيرِ الكُفءِ جازَ للأولياءِ الاعتِراضُ ورَدُّ النكاحِ.
قالَ الحَنفيةُ: الكَفاءةُ حَقٌّ للأولياءِ وللمَرأةِ، فإذا زوَّجَتِ المرأةُ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ فلِلأولياءِ أنْ يُفرِّقُوا بينَهُما دَفعًا للعارِ عَنْ أنفُسِهم؛ لأنَّ الحَقَّ الثَّابتَ لها غيرُ الحَقِّ الثابتِ لِلأولياءِ؛ لأنَّ الثابتَ لها صِيانةُ نَفسِها عَنْ ذُلِّ الاستِفراشِ، ولِلأولياءِ صِيانةُ نَسبِهم عن أنْ يُنسَبَ إليهم بالمُصاهَرةِ مَنْ لا يُكافِئُهم، وأحَدُهما غيرُ الآخَرِ، فلمْ يَكنْ إسقاطُ أحدِهِما مُوجِبًا سُقوطَ الآخَرِ، ألَا تَرى أنه قدْ يَثبتُ الخيارُ لها في مَوضعٍ لا يَثبتُ لِلأولياءِ.
وسواءٌ كانَ الوَليُّ ذا رَحمٍ مُحرَّمٍ أو لا كابنِ العمِّ، ولا تكونُ هذه الفُرقةُ إلَّا عندَ الحاكمِ.
стр. 8985
وسُكوتُ الوَليِّ عَنْ المُطالَبةِ بالتَّفريقِ لا يُبطِلُ حقَّهُ في الفَسخِ وإنْ طالَ الزَّمانُ حتَّى تَلدَ، فإنْ ولَدَتْ منهُ لمْ يَبقَ لهمْ أنْ يُفرِّقوا؛ كي لا يَضيعَ الولدُ عمَّنْ يُربيهِ، وما لمْ يَقضِ القاضي بينَهُما فحُكمُ الطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ والمِيراثِ قائِمٌ بينَهُما، والفُرقةُ تَكونُ فَسخًا لا طلاقًا.
فإنْ لمْ يَكنِ الزَّوجُ دخَلَ بها فلا شَيءَ لها، وإنْ دخَلَ بها أو خَلا بها خَلوةً صَحيحةً لَزمَه كلُّ المُسمَّى ونَفقةُ العدَّةِ وعليها العدَّةُ.
وإذا زوَّجَتْ نفسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ وجهَّزَها وليُّها وقبَضَ مَهرَها فليسَ لهُ حقُّ الفَسخِ بعدَ ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ تَقريرٌ لحُكمِ العَقدِ.
وإذا تَزوَّجتِ المَرأةُ غيرَ كُفءٍ فرَضيَ بهِ أحَدُ الأولياءِ جازَ ذلكَ، ولا يَكونُ لمَن هو مِثلُه في الوِلايةِ أو أبعَدُ مِنهُ أنْ ينقضَهُ، إلَّا أنْ يكونَ أقرَبَ منهُ، فحِينئذٍ لهُ المُطالَبةُ بالتَّفريقِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا رَضيَ أحَدُ الوَليَّينِ بغيرِ كُفءٍ فللوليِّ الَّذي هو مِثلهُ أنْ لا يَرضَى بهِ.
ولو أسقَطَ بعضُ الأولياءِ حقَّهُ مِنْ الكَفاءةِ سقَطَ حَقُّ الباقِينَ إذا رَضيَتْ بذلكَ المَرأةُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَسقُطُ حقُّ مَنْ لمْ يَرضَ (١).
стр. 8986
وقالَ المالِكيةُ: الكَفاءةَ حَقٌّ للمرأةِ وللوليِّ معًا، ولهُما تَركُها معًا، فإنْ لَم يَرضَيَا معًا فالقَولُ لِمَنْ امتَنعَ منهُما، وعلى الحاكِمِ مَنعُ مَنْ رَضيَ مِنهُما (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الكَفاءةُ حَقٌّ للمَرأةِ والوَليِّ، واحِدًا كانَ الوَليُّ أو جماعَةً مُستوِينَ في دَرجةٍ، فلا بُدَّ مع رِضاها بغيرِ الكُفءِ مِنْ رضَا سائرِ الأولياءِ بهِ لا رِضَا أحَدِهم؛ لأنَّ لهمْ حَقًّا في الكَفاءةِ، فاعتُبِرَ رِضاهم بتَركِها كالمَرأةِ، بخِلافِ ما إذا زوَّجَها أحَدُهم بكُفءٍ بدُونِ مَهرِ مِثلِها برِضاها دونَ رِضاهُم فإنهُ يَصحُّ؛ إذْ لا حقَّ لهُم في المَهرِ ولا عارَ.
ولو زوَّجَها الوَليُّ الأقربُ غيرَ كُفءٍ برِضاها فليسَ للأبعَدِ مِنْ الأولياءِ الاعتِراضُ؛ إذْ لا حقَّ له الآنَ في التَّزويجِ.
وإنْ زوِّجَتِ البِكرُ بالإجبارِ أو الثيِّبُ بإذنٍ مِنها مُطلَقٍ عنِ التَّقييدِ بكُفءٍ أو بغيرِه مِنْ غيرِ كُفءٍ لمْ يَصحَّ التَّزويجُ؛ لعَدمِ رِضاها بهِ.
ويُستَثنى ممَّا ذُكرَ ما لو كانَ عَدمُ الكَفاءةِ لجَبٍّ أو عُنَّةٍ، فيَصحُّ تَزويجُها مِنْ المَجبوبِ والعِنِّينِ برِضاها وإنْ لمْ يَرضَ الوليُّ.
ولو طلَبتْ مَنْ لا وَليَّ لها خاصًّا أنْ يُزوِّجَها السُّلطانُ أو نائبُه بغيرِ كُفءٍ ففعَلَ لم يَصحَّ تَزويجُه بهِ في الأصَحِّ؛ لأنه نائِبُ المُسلِمينَ ولهُم حَظٌّ في الكَفاءةِ.
стр. 8987
ومُقابِلُ الأصَحِّ: يَصِحُّ كالوَليِّ الخاصِّ، بخِلافِ ما لو زوَّجَ السُّلطانُ لغَيبةِ الوليِّ أو عَضلِه، فلا تُزوَّجُ إلَّا مِنْ كُفءٍ قَطعًا.
ويُكرهُ التَّزويجُ مِنْ غيرِ كُفءٍ برِضاها، ومِن الفاسِقِ برِضاها، كما قالَه الشيخُ عزُّ الدِّينِ، إلَّا أنْ يكونَ يخافُ مِنْ فاحِشةٍ أو رِيبةٍ تَنشأُ مِنْ عَدمِ تَزويجِها له، كأنْ خِيفَ زِناهُ بها لو لمْ يَنكحْها، أو تَسلطِ فاجِرٍ عليها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: الكَفاءةُ في النكاحِ حَقٌّ للمَرأةِ وللأولياءِ كُلِّهم القَريبِ والبَعيدِ، حتَّى مَنْ يَحدُثُ مِنهم بعدَ العَقدِ؛ لتَساوِيهِم في لُحوقِ العارِ بفَقدِ الكَفاءةِ.
فلو زوِّجَتِ المَرأةُ مِنْ غيرِ كُفءٍ جازَ لها أنْ تَفسَخَ النِّكاحَ ولو مُتراخِيًا؛ لأنه لنَقصٍ في المَعقودِ عليهِ، أشبَهَ خِيارَ العَيبِ، ما لمْ تَرضَ بقَولٍ أو فِعلٍ، كأنْ مَكَّنتْه عالِمةً بأنه غيرُ كُفءٍ.
وكذا لأوليائِها الفَسخُ؛ لتَساوِيهم في لُحوقِ العارِ بفَقدِ الكفاءةِ.
ولو رَضيَتِ المرأةُ أو رَضيَ بَعضُهم فلِمَن لمْ يَرضَ الفَسخُ، ويَملكُه الأبعَدُ معَ رضَا الأقرَبِ؛ لعَدمِ لُزومِ النكاحِ لفَقدِ الكَفاءةِ، ولأنَّ العارَ عَليهم أجمعِينَ.
стр. 8988
فلو زوَّجَ الأبُ ابنتَهُ بغَيرِ كُفؤٍ برِضاها فللإخوَةِ الفَسخُ نَصًّا؛ لأنَّ العارَ في تزويجِ مَنْ ليسَ بكُفءٍ عليهم جَميعًا.
ولو زالَتِ الكَفاءةُ بعدَ العَقدِ فللزَّوجةِ الفَسخُ فقَطْ دونَ أوليائِها كعِتقِها تَحتَ عَبدٍ، ولأنَّ حَقَّ الأولياءِ في ابتِداءِ العَقدِ لا في استِدامتِه (١).
خِصالُ الكَفاءةِ:
خِصالُ الكَفاءةِ: هيَ الصِّفاتُ التي تُعتبَرُ في الزَّوجِ حتَّى يَكونَ كُفئًا، وهيَ: الدِّينُ والنَّسَبُ (الحَسَبُ) والحُريةُ والحِرفةُ (الصَّنعةُ) والمالُ والسَّلامةُ مِنْ العُيوبِ المُوجِبةِ للخِيارِ، وهذهِ الخِصالُ بعضُها مُتفَقٌ عليهِ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ وبعضُها مُختلَفٌ فيهِ.
١ - الدِّينُ: والمُرادُ بالدِّينِ التَّديُّنُ، أي: كَونُه ذا دِيانةٍ غيرَ فاسِقٍ، لا بمَعنى الدِّينِ أي الإسلامِ؛ لأنه ليسَ لها ولا للوليِّ تَركُه وتأخذُ كافرًا، فلا يَكونُ الفاجِرُ والفاسِقُ كُفؤًا لعَفيفةٍ عَدلٍ؛ لأنه مَردودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، وذلكَ نَقصٌ في إنسانيَّتِه، فليسَ كُفئًا لعَدلٍ، قالَ تَعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨].
وقالَ النبيُّ ﷺ : «إذا جاءَكُمْ مَنْ تَرضَونَ دِينَه وخُلُقَه فأَنكِحُوه، إلَّا تفعَلُوا تكُنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفَسادٌ، قالُوا: يا رَسولَ اللهِ وإنْ كانَ فيهِ؟ قالَ: إذا جاءَكُم مَنْ تَرضَونَ دِينَه وخُلُقَه فأَنكِحُوه، ثلاثَ
стр. 8989
مرَّاتٍ» (١)، ولأنَّ الفاسِقَ مَرذُولٌ مَردودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ غيرُ مأمُونٍ على النَّفسِ والمالِ مَسلوبُ الوِلايةِ ناقصٌ عندَ اللهِ وعندَ خَلقِه قَليلُ الحَظِّ في الدُّنيا والآخِرةِ، فلا يَجوزُ أنْ يكونَ كُفؤًا لعَفيفةٍ ولا مُساوِيًا لها، لكنْ يكونُ كُفؤًا لمِثلِه.
فلو زوَّجَ الوَليُّ المَرأةَ الصَّالحةَ مِنْ فاسِقٍ أو فاجِرٍ بغيرِ رِضاها جازَ لها فَسخُ النكاحِ، وكذا إذا كانَتْ مِنْ بَناتِ الصالِحينَ وزوَّجَتْ نفْسَها مِنْ فاسِقٍ كانَ لأوليائِها حَقُّ الاعتِراضِ؛ لأنَّ التَّفاخُرَ بالدِّينِ أحَقُّ مِنْ التفاخُرِ بالنَّسبِ والحُريةِ والمالِ، والتَّعييرُ بالفِسقِ أشَدُّ وُجوهِ التَّعييرِ، وقَولُ النبيِّ ﷺ : «تُنكَحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها ولحَسَبِها وجَمالِها ولدِينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَداكَ» (٢) إشارةٌ إلى أنه أبلَغُ في المَقصودِ، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في المَذهبِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: لا تُعتبَرُ الكَفاءةُ في الدِّينِ؛ لأنها مِنْ أمورِ الآخِرةِ، والكَفاءةُ مِنْ أحكامِ الدُّنيا، فلا يَقدَحُ فيها الفِسقُ، إلا إذا كانَ شَيئًا فاحِشًا، بأنْ كانَ الفاسِقُ مِمَّنْ يُسخَرُ منهُ ويُضحَكُ عليهِ ويُصفَعُ، فإنْ كانَ ممَّن يُهابُ منه بأنْ كانَ أميرًا قتَّالًا يَكونُ كُفئًا؛ لأنَّ هذا الفِسقَ لا يُعَدُّ شَينًا في العادةِ، فلا يَقدحُ في الكَفاءةِ، وعن أبي يُوسفَ أنَّ الفاسقَ إذا كانَ مُعلِنًا لا يَكونُ كُفئًا، وإنْ كانَ مُستتِرًا يكونُ كُفئًا (٣).
стр. 8990
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ الفُقهاءُ على اعتِبارِ الكَفاءةِ في الدِّينِ، وعلى ثُبوتِ الفَسخِ بفَواتِ هذهِ الكَفاءةِ، واختَلفُوا في صحَّةِ النكاحِ بدُونِ ذلكَ، وهُما قَولانِ مَشهورانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، فإنَّ مَنْ نكَحَ زانِيةً معَ أنها تَزنِي فقدْ رَضيَ بأنْ يَشتَرِكَ هو وغيرُه فيها، ورَضيَ لنَفسِه بالقِيادةِ والدِّياثةِ، ومَن نكَحَتْ زانٍ وهو يزنِي بغيرِها فهو لا يَصونُ ماءَهُ حتَّى يَضعَهُ فيها، بَلْ يَرميهِ فيها وفي غيرِها مِنْ البغايَا، فهي بمَنزلةِ الزَّانيةِ المتَّخِذةِ خِدْنًا، فإنَّ مَقصودَ النكاحِ حِفظُ الماءِ في المَرأةِ وهذا الرَّجلُ لا يَحفظُ ماءَه، واللهُ سُبحانَه شرَطَ في الرِّجالِ أنْ يَكونُوا مُحصِنينَ غيرَ مُسافِحِينَ فقالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا المَعنى ممَّا لا يَنبغِي إغفالُه، فإنَّ القُرآنَ
стр. 8991
قدْ نصَّهُ وبيَّنَه بيانًا مَفروضًا، كما قالَ تعالَى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: فالَّذي يَقتضيهِ حُكمُه ﷺ اعتِبارُ الدِّينِ في الكَفاءةِ أصلًا وكَمالًا، فلا تُزوَّجُ مُسلِمةٌ بكافرٍ، ولا عَفيفةٌ بفاجِرٍ، ولم يَعتبِرِ القُرآنُ والسُّنةُ في الكَفاءةِ أمرًا وراءَ ذلكَ، فإنه حرَّمَ على المُسلمةِ نِكاحَ الزَّاني الخَبيثِ، ولَم يَعتبِرْ نَسبًا ولا صِناعةً ولا غِنًى ولا حُريةً، فجوَّزَ للعَبدِ القِنِّ نكاحَ الحرَّةِ النَّسيبةِ الغَنيَّةِ إذا كانَ عَفيفًا مُسلمًا، وجوَّزَ لغيرِ القُرشيِّينَ نكاحَ القُرشيَّاتِ، ولغيرِ الهاشِميِّينَ نكاحَ الهاشميَّاتِ، وللفُقراءِ نكاحَ المُوسِراتِ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا الكَفاءةُ فإنهمُ اتَّفقُوا على أنَّ الدِّينَ مُعتبَرٌ في ذلكَ، إلَّا ما رُويَ عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ مِنْ إسقاطِ اعتِبارِ الدِّينِ، ولم يَختلفِ المَذهبُ أنَّ البِكرَ إذا زوَّجَها الأبُ مِنْ شارِبِ الخَمرِ وبالجُملةِ مِنْ فاسِقٍ أنَّ لها أنْ تَمنعَ نفْسَها مِنْ النِّكاحِ، ويَنظرُ الحاكمُ في ذلكَ فيُفرِّقُ بيْنَهما، وكذلكَ إنْ زوَّجَها مِمَّنْ مالُه حَرامٌ أو ممَّن هو كَثيرُ الحلِفِ بالطَّلاقِ (٣).