وعن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ في رِوايةٍ أنَّ الحِرفةَ لا تُعتبَرُ، وهو الظَّاهرُ، حتَّى إنَّ البِيطارَ يَكونُ كُفئًا للعطَّارِ؛ وذلكَ لأنَّ الحِرفةَ ليسَتْ بلازِمةٍ، ويُمكِنُ التَّحولُ عنِ الخَسيسةِ إلى النَّفيسةِ مِنها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الحِرفَةُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النِّكاحِ، فصاحبُ حِرفةٍ فيهِ أو في أحَدِ آبائِه -وهي ما يَتحرَّفُ بهِ لطَلبِ الرِّزقِ مِنْ الصَّنائعِ وغيرِها- دَنيئةٍ -وهيَ ما دلَّتْ مُلابَستُها على انحِطاطٍ في المُروءةِ وسُقوطِ النَّفسِ كمُلابَسةِ القاذُوراتِ- ليسَ هو ولا ابنُه كُفءَ أرفَعِ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] أي: في سَببِه، فبَعضُهم يَصلُ إليهِ بعِزٍّ وراحةٍ، وبَعضُهم بذُلٍّ ومَشقَّةٍ، وبقولِه تعالَى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ [الشعراء: ١١١] قالَ المُفسِّرونَ: كانُوا حاكَةً، ولم يُنكِرْ عليهِم هذهِ التَّسميةَ.
فكنَّاسُ وحَجَّامٌ وحارِسٌ وراعٍ وقيِّمُ الحَمَّامِ ونَحوُهم كَحائِكٍ ليسَ كُفؤَ بنتِ خيَّاطٍ، والظَّاهرُ أنَّ هؤلاءِ أكفَاءٌ لبَعضِهم بَعضًا.
ولا خيَّاطٌ كُفؤَ بنتِ تاجِرٍ أو بنتِ بَزَّازٍ، وكلٌّ مِنهما كُفءٌ للآخَرِ.
ولا هُما -أي التَّاجر والبَزَّاز- كفُؤَ بنتِ عالِمٍ وبنتِ قاضٍ؛ نَظرًا للعُرفِ في ذلكَ.
стр. 9001
فإنْ قيلَ: كيفَ يُعَدُّ الرَّعيُ مِنْ الحِرَفِ الدَّنيئةِ معَ أنها سُنَّةُ الأنبياءِ في ابتداءِ أمرِهم؟
أُجيبَ بأنه لا يَلزمُ مِنْ ذلكَ كَونُه صِفةَ مَدحٍ لغيرِهم، ألَا تَرى أنَّ فقْدَ الكِتابةِ في حقِّهِ ﵊ مُعجِزةٌ، فتكونُ صِفةَ مَدحٍ في حقِّهِ، وفي حَقِّ غَيره ليسَتْ كذلكَ.
والأَوجَهُ أنَّ كلَّ ذي حِرفةٍ فيها مُباشَرةُ نَجاسةٍ كالجزَّارةِ على الأصَحِّ ليسَ كُفءَ الَّذي حِرفتُه لا مُباشَرةَ فيها لها، وأنَّ بقيَّةَ الحِرَفِ التي لم يَذكُروا فيها تَفاضُلًا مُتساوِيةٌ، إلَّا إنِ اطَّردَ العُرفُ بتَفاوتِها، ويُؤيِّدُ ذلكَ قولُ بَعضِهم: إنَّ القَصَّابَ ليسَ كُفئًا لبِنتِ السَّمَّاكِ …
ومَن لهُ حِرفتانِ دَنيَّةٌ ورَفيعةٌ اعتُبِرَ ما اشتُهرَ بهِ، والأغلبُ الدَّنيَّةُ، بل لو قيلَ بتَغليبِها مُطلَقًا -لأنه لا يَخلُو عَنْ تَعيُّرِه بها- لم يَبعُدْ.
وتُراعَى العادةُ في الحِرَفِ والصَّنائعِ، فإنَّ الزِّراعةَ في بَعضِ البِلادِ أَولى مِنْ التِّجارةِ، وفي بَعضِها بالعَكسِ.
وقيلَ: الاعتِبارُ في ذلكَ بالعُرفِ العامِّ.
والمُعتبَرُ فيهِ بلدُ الزَّوجةِ لا بَلدُ العَقدِ؛ لأنَّ المَدارَ على عارِها وعَدمِه، وذلكَ إنَّما يُعرَفُ بالنِّسبةِ لعُرفِ بَلدِها، أي الَّتي هيَ بها حالةَ العَقدِ (١).
стр. 9002
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: الصِّناعةُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فمَن كانَ مِنْ أهلِ الصِّناعةِ الدَّنيئةِ كالحائِكِ والحَجَّامِ والحارِسِ والكَسَّاحِ والدبَّاغِ والقَيِّمِ والحَمَّامِيُّ والزبَّالُ فليسَ بكُفءٍ لبَناتِ ذَوي المُروءاتِ أو أصحابِ الصَّنائعِ الجَليلةِ كالتِّجارةِ والبنايَةِ؛ لأنَّ ذلكَ نَقصٌ في عُرفِ النَّاسِ فأشبَهَ نقْصَ النَّسَبِ، وقدْ جاءَ في الحَديثِ: «العَربُ بَعضُهم لبَعضٍ أكْفَاءٌ إلا حائِكًا أو حَجَّامًا» (١)، قيلَ لأحمدَ ﵀: وكيفَ تَأخذُ بهِ وأنتَ تُضعِّفُه؟ قالَ: العَملُ عليهِ، يَعني أنه ورَدَ مُوافِقًا لأهلِ العُرفِ (٢).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ والمالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ ذلكَ ليسَ بنَقصٍ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بنَقصٍ في الدِّينِ، ولا هو مُلازِمٌ؛ لأنَّ الحِرفةَ ليسَتْ بلازِمةٍ، ويُمكِنُ التَّحولُ عن الخَسيسةِ إلى النَّفيسةِ مِنها، فأشبَهَ الضَّعفَ والمَرضَ.
قالَ بَعضُهم:
ألَا إنَّما التَّقوى هيَ العزُّ والكَرَمْ … وحُبُّكَ للدُّنيا هو الذلُّ والسَّقَمْ
وليسَ على عَبدٍ تَقيٍّ نَقيصةٌ … إذا حقَّقَ التَّقوى وإنْ حَاكَ أو حَجَمْ
ولأنَّ المالِكيةَ لا يَعتبِرونَ الكَفاءةَ إلا في ثلاثةٍ أشياءَ: الدِّينُ والحُريةُ والسَّلامةُ مِنْ العُيوبِ المُوجِبةِ للردِّ (٣).
стр. 9003
٥ - اليَسَارُ (المالُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في اليَسارِ، هل يُعتبَرُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ فلا يَكونُ الفَقيرُ كُفئًا للغَنيةِ أم لا يُعتبَرُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ اليَسارَ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فلا يكونُ المُعسِرُ كُفؤًا لمُوسِرةٍ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «الحَسَبُ المالُ والكَرَمُ التَّقوى» (١).
وقالَ النبيُّ ﷺ : «إنَّ أَحسابَ أهلِ الدُّنيا هذا المالُ» (٢)، وقالَ لفاطِمةَ بنتِ قَيسٍ حينَ أخبَرتْه أنَّ مُعاويةَ خطَبَها: «وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ لهُ» (٣)، ولأنَّ التَّفاخُرَ بالمالِ أكثَرُ مِنْ التَّفاخُرِ بغيرِه عادةً، وخُصوصًا في زمَنِنا هذا، ولأنَّ للنكاحِ تعلُّقًا بالمَهرِ والنَّفقةِ تَعلُّقًا لازمًا، ولا تَعلُّقَ له بالنَّسبِ والحُريَّةِ، فلمَّا اعتُبِرَت الكَفاءةُ في النَّسبِ والحُريةِ فلَأنْ تُعتبَرَ هنا أَولى.
стр. 9004
ولأنَّ على المُوسرةِ ضَررًا في إعسارِ زَوجِها؛ لإخلالِهِ بنَفقتِها ومَؤونةِ أولادِها، ولهذا مَلكَتِ الفَسخَ بإخلالِهِ بالنَّفقةِ، فكذلكَ إذا كانَ مُقارِنًا، ولأنَّ ذلكَ مَعدُودٌ نَقصًا في عُرفِ النَّاسِ، ويَتفاضَلونَ فيه كتَفاضُلِهم في النَّسبِ وأبلَغَ، قالَ نبيهُ بنُ الحجَّاجِ السَّهمِيُّ:
سَألَتَاني الطَّلاقَ أنْ رَأَتاني … قَلَّ مالي قدْ جِئتُماني بِنُكْرِ
وَيْكَأنَّ مَنْ له نَشَبٌ مُحَبَّبٌ … ومَن يَفتقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
فكانَ مِنْ شُروطِ الكَفاءةِ كالنَّسبِ.
والمُعتبَرُ في المالِ عندَ الحَنفيةِ أنْ يكونَ مالِكًا للمَهرِ والنَّفقةِ، والمُرادُ بالمَهرِ المَهرُ المُعَجَّلُ، وهو ما تَعارَفُوا تَعجيلَه، ولا يُعتبَرُ الباقي ولو كانَ حالًّا، وبالنَّفقةِ أنْ يَكتَسبَ كلَّ يَومٍ قَدْرَ النَّفقةِ وقدْرَ ما يحتاجُ إليهِ مِنْ الكِسوَةِ، ولا يُعتبَرُ أنْ يكونَ مُساوِيًا لها في الغِنى، فإذا كانَ الزَّوجُ قادرًا على مَهرِ مثلِها ونَفقتِها يَكونُ كُفئًا لها وإنْ كانَ لا يُساويها في المالِ.
وقيلَ: إنْ كانَ ذا جاهٍ كالسُّلطانِ والعالِمِ يَكونُ كُفئًا وإنْ لَم يَملِكْ إلا النَّفقةَ؛ لأنَّ الخَللَ يَنجبِرُ بهِ، ومِن ثَمَّ قالُوا: الفَقيهُ العَجميُّ يَكونُ كُفئًا للعَربيِّ الجاهِلِ.
وقيلَ: إنَّ النَّفقةَ تُعتبَرُ نَفقةَ ستَّةِ أشهرِ، وقيلَ: نَفقة شَهرٍ.
وقيلَ: إذا كانَ يَجِدُ نَفقتَها ولا يجِدُ نَفقةَ نفْسِه يكونُ كُفئًا، وإنْ لم يَجِدْ نَفقتَها لا يكونُ كُفئًا وإنْ كانَتْ فَقيرةً، ولو كانَتِ الزَّوجةُ صَغيرةً لا تُطيقُ الجِماعَ فهو كُفءٌ وإنْ لَم يَقدِرْ على النَّفقةِ؛ لأنها لا نَفقةَ لها.
стр. 9005
وعن أبي يُوسفَ أنه لَم يَعتبِرِ القُدرةَ على المَهرِ؛ لأنه تَجرِي المُساهَلةُ فيه، ويُعَدُّ قادرًا بيَسارِ أبيهِ، ولأنَّ المالَ لا ثَباتَ لهُ وهو غادٍ ورائِحٌ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: اليَسارُ المُعتبَرُ ما يَقدرُ به على الإنفاقِ عليها حَسبَ ما يَجبُ لها ويُمكِنُه أداءُ مَهرِها، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: بحَيثِ لا تَتغيَّرُ عليها عادتُها عندَ أبيها في بَيته (٢).
وقالَ الشافِعيةُ على هذا القَولِ -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ في المَذهبِ-: أنَّ في اعتِبارِ اليَسارِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ المُعتبَرَ اليَسارُ بقَدرِ المَهرِ والنَّفقةِ، فإذا أيسَرَ بهما فهو كُفءٌ لصاحِبةِ الأُلوفِ.
وأصحُّهما: لا يَكفي ذلكَ، بلِ الناسُ أصنافٌ: غَنيٌّ وفَقيرٌ ومُتوسِّطٌ، وكلُّ صِنفٍ أكْفَاءٌ وإنِ اختَلفَتِ المَراتِبُ (٣).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ اليَسارَ لا يُعتبَرُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فالفَقيرُ كُفءٌ للغنيَّةِ؛ لأنَّ
стр. 9006
المالَ ظلٌّ زائِلٌ وحالٌ حائِلٌ ومالٌ مائِلٌ يَروحُ ويَغدُو، ولا يَفتخرُ بهِ ذَوُو المُروءاتِ، وإنَّما يَفتخِرُ بهِ أربابُ الرُّعُوناتِ، ولهذا قالَ الشَّاعرُ:
غَنَيْنَا زمانًا بالتَّصَعلُكِ والغِنى … وكُلًّا سَقاناهُ بكاسَيْهِما الدَّهْرُ
فما زادَنا بَغْيًا على ذِي قَرابةٍ … غِنَانا ولا أَزْرَى بأَحْسابِنا الفَقرُ
ولأنَّ الفَقرَ شَرَفٌ في الدِّينِ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «اللهُمَّ أَحيِني مِسكِينًا وأَمتنِي مسكِينًا واحشُرني في زُمرةِ المَساكينِ يَومَ القِيامةِ» (١).
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِديِّ ﵁ أنه قالَ: مَرَّ رَجلٌ على رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ لرَجلٍ عندَه جالِسٍ: ما رأيُكَ في هذا؟ فقالَ: رَجلٌ مِنْ أشرافِ الناسِ، هذا واللهِ حَرِيٌّ إنْ خطَبَ أنْ يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ، قالَ: فسكَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجلٌ فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : ما رَأيُكَ في هذا؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ مِنْ فقَراءِ المسلمِينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خطَبَ أنْ لا يُنكَحَ، وإنْ شفَعَ أنْ لا يُشفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسمَعَ لقَولِه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرضِ مِثلَ هذا» (٢)، وليسَ هو أمرًا لازِمًا، فأشبَهَ العافيةَ مِنْ المَرضِ (٣).
стр. 9007
٦ - السَّلامةُ مِنَ العُيوبِ الفاحِشةِ المُوجِبةِ للردِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّلامةِ مِنْ العُيوبِ الفاحِشةِ المُثْبتةِ لخِيارِ فَسخِ النكاحِ، هل هيَ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ عَقيلٍ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنَّ السَّلامةَ مِنْ العُيوبِ المُثبِتةِ للخِيارِ في النكاحِ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فمَن به بَعضُها كالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ لا يكونُ كفُؤًا للسَّليمةِ عنها.
قالَ المالِكيةُ: الكَفاءةُ مُعتبَرةٌ في النكاحِ في الحالِ، والمُرادُ بالحالِ السَّلامةُ مِنْ العُيوبِ التي يَثبتُ للزَّوجةِ بها الخِيارُ، بأنْ يُساوِيَها في الصِّحةِ، وهذهِ العُيوبُ هي: الجُنونُ والجُذامُ والبَرَصُ والجَبُّ والعُنَّةُ؛ لأنها نَقصٌ يُوجِبُ الخِيارَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ المُعتبَرةِ في النكاحِ السَّلامةُ مِنَ
стр. 9008
العُيوبِ المُثبِتةِ للخِيارِ في النكاحِ، فمَن به بَعضُها كجُنونٍ أو جُذامٍ أو بَرَصٍ وجَبٍّ وعُنَّةٍ ليسَ كفُؤًا للسَّليمةِ منه؛ لأنَّ النَّفسَ تَعافُ صُحبةَ مَنْ بهِ بَعضُها، ويَختلُّ بها مَقصودُ النكاحِ، وكذا إذا كانَ بها ذلكَ العَيبُ فلا كَفاءةَ، اختَلفَ العَيبانِ كرَتقاءَ ومَجبُوبٍ، أو اتَّفقَا كأبرَصَ وبَرصاءَ، وإنْ كانَ ما بها أكثرَ وأفحَشَ؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غيره ما لا يَعافُه مِنْ نَفسِه.
وهذهِ الخصلةُ تُعتبَرُ في الزَّوجَينِ خاصَّةً دُونَ آبائِهما.
وأمَّا العُيوبُ التي لا تُثبِتُ الخِيارَ فلا تُؤثِّرُ، كعَمًى وقَطعِ أطرافٍ وتَشوُّهِ الصُّورةِ وعَدمِ الشَّبابِ لشابَّةٍ وكلِّ ما يَكسِرُ التَوَقانَ على الصَّحيحِ.
وقيلَ: أنَّ هذهِ العُيوبَ تَمنعُ الكَفاءةَ.
وليسَ مِنَ الخِصالِ المُعتبَرةِ الجَمالُ ونَقيضُه، ولا البُخلُ والكَرمُ والطُّولُ والقِصَرُ مُعتبَرًا.
واشتِراطُ السَّلامةِ مِنْ هَذهِ العُيوبِ بالنِّسبةِ إلى المَرأةِ، أمَّا بالنِّسبةِ إلى الوَليِّ فيُعتبَرُ في حقِّهِ الجُنونُ والجُذامُ والبَرصُ، لا الجَبُّ والعُنَّةُ (١).
وقالَ الرُّحَيبانِيُّ ﵀: (ويَتَّجِه) أنه (و) ممَّا يَنبغِي اشتِراطُه في الكَفاءةِ (فقْدُ العُيوبِ) المُثبِتةِ لخِيارِ الفَسخِ، ولمْ يَذكرْه أصحابُنا، لكنْ عندَ ابنِ
стр. 9009
عَقيلٍ وأبي مُحمدٍ أنه شَرطٌ، قالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وقد أومَأَ إليهِ أحمدُ أنها لا تُزوَّجُ بمَعِيبٍ وإنْ أرادَتْ، فعلى هذا السَّلامةُ مِنَ العُيوبِ مِنْ جُملةِ خِصالِ الكَفاءةِ، وإنَّما لم يَذكُرْ أصحَابُنا الكَفاءةَ هنا على هذا القَولِ أيضًا؛ لأنهم ذكَرُوا الكَفاءةَ المُختلَفَ في اشتِراطِها في صحَّةِ النكاحِ التي هيَ حقٌّ للهِ أو لِمَنْ يَحدُثُ مِنْ الأولياءِ، والسلامةُ مِنْ العُيوبِ لا يَبطلُ النكاحُ بفقْدِها مَع رِضَى المَرأةِ والأولياءِ قَولًا واحِدًا. انتَهى.
إذا تَقرَّرَ هذا (فلا تُزوَّجُ صَحيحةٌ بنَحوِ مَجذُومٍ) كمَن به بَرصٌ وجُنونٌ (كما يأتي) في بابِ العُيوبِ في النِّكاحِ، وهو مُتَّجِهٌ …
(ولا تُعتبَرُ هذهِ الصِّفاتُ) وهيَ الدِّينُ والمنصِبُ والحريَّةُ والصِّناعةُ غَيرُ الرَّزيةِ واليَسارُ (في المَرأةِ)؛ لأنَّ الولَدَ يَشرُفُ بشَرفِ أبيهِ لا بشَرفِ أمهِ، فليسَتِ الكَفاءةُ شَرطًا في حَقِّها للرَّجلِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السَّلامةَ مِنْ العُيوبِ ليسَتْ مِنْ شُروطِ الكَفاءةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا السَّلامةُ مِنْ العُيوبِ فليسَ مِنْ شُروطِ الكَفاءةِ، فإنه لا خِلافَ في أنه لا يَبطلُ النكاحُ بعَدمِها، ولكنَّها تُثبِتُ الخِيارَ للمَرأةِ دُونَ الأولياءِ؛ لأنَّ ضَررَه مُختَّصٌ بها، ولوَليِّها مَنعُها مِنْ نِكاحِ المَجذُومِ والأبرَصِ والمجنُونِ، وما عدا هذا فليسَ بمُعتبَرٍ في الكَفاءةِ (٢).
стр. 9010
وقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: ولا تُعتبَرُ الكَفاءةُ عِندَنا في السَّلامةِ مِنَ العُيوبِ التي يُفسَخُ بهَا البَيعُ، كالجُذامِ والجُنونِ والبَرَصِ والبَخَرِ والدَّفرِ (١).
وذهَبَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ إلى أنَّ الكَفاءةَ إنَّما تَكونُ في الدِّينِ فقطْ.
قالَ ﵀: فالَّذي يَقتضِيهِ حُكمُه ﷺ اعتِبارُ الدِّينِ في الكَفاءةِ أصلًا وكَمالًا، فلا تُزوَّجُ مُسلِمةٌ بكافرٍ، ولا عَفيفةٌ بفاجِرٍ، ولم يَعتبِرِ القُرآنُ والسُّنةُ في الكَفاءةِ أمرًا وراءَ ذلكَ، فإنه حرَّمَ على المُسلمةِ نِكاحَ الزَّاني الخَبيثِ، ولمْ يَعتبِرْ نَسبًا ولا صِناعةً ولا غِنًى ولا حُريةً، فجوَّزَ للعبدِ القِنِّ نِكاحَ الحُرَّةِ النَّسيبةِ الغَنيةِ إذا كانَ عَفيفًا مُسلِمًا، وجوَّزَ لغَيرِ القُرشيِّينَ نِكاحَ القُرشيَّاتِ، ولغَيرِ الهاشِميِّينَ نكاحَ الهاشِميِّاتِ، وللفقَراءِ نِكاحَ المُوسِراتِ (٢).
ما يَترتَّبُ على تَخلُّفِ الكَفاءةِ:
الكَفاءةُ -كما تَقدَّمَ- تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لآخَرَ، إلا أنَّ الكَفاءةَ إذا تَخلَّفتْ عندَ مَنْ يَشترطُونَها لصحَّةِ النكاحِ (وهُمُ الحَنابلةُ في روايةٍ مُرجَّحةٍ في المَذهبِ) فإنَّ النكاحَ يَكونُ باطِلًا أو فاسِدًا.
أمَّا مَنْ لا يَعتبِرونَ الكَفاءةَ لصحَّةِ النكاحِ (وهُمُ الجُمهورُ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ) فيَرَونَ أنَّ الكَفاءةَ حقٌّ للمَرأةِ وللأولياءِ، فيَجوزُ ترْكُها إذا رَضيَا جَميعًا بتَركِها ويَصحُّ النكاحُ.
стр. 9011
إلا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو رَضِيَ الوَليُّ بتخلُّفِ الكَفاءةِ ولَم تَرضَ المَرأةُ، هل لها أنْ تَفسخَ النكاحَ أم لا؟ أو رَضيَتِ المرأةُ بمَن ليسَ بكُفؤٍ وتَزوَّجتْ ولم يَرضَ الوَليُّ؛ هل يَحِقُّ لهُ فسخُ النكاحِ أم لا؟
على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ: إذا زَوَّجتِ المرأةُ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ فلِلأولياءِ أنْ يُفرِّقوا بينَهُما دفْعًا للعارِ عن أنفُسِهم؛ لأنَّ الحَقَّ الثَّابتَ لها غَيرُ الحَقِّ الثابتِ للأولياءِ؛ لأنَّ الثابتَ لها صِيانةُ نفْسِها عَنْ ذلِّ الاستِفراشِ، وللأولياءِ صِيانةُ نسَبِهم عن أنْ يُنسَبَ إليهِم بالمُصاهَرةِ مَنْ لا يُكافِئُهم، وأحَدُهما غيرُ الآخَرِ، فلمْ يكنْ إسقاطُ أحَدِهما مُوجِبًا سُقوطَ الآخَرِ، ألَا تَرى أنه قد يَثبتُ الخِيارُ لها في مَوضعٍ لا يَثبتُ للأولياءِ.
وسواءٌ كانَ الوَليُّ ذا رَحمٍ مُحرَّمٍ أو لا كابنِ العَمِّ، ولا تكونُ هذهِ الفُرقةُ إلا عندَ الحاكمِ؛ لأنه مُجتهَدٌ فيهِ.
وسُكوتُ الوَليِّ عنِ المُطالَبةِ بالتَّفريقِ لا يُبطلُ حَقَّه في الفَسخِ وإنْ طالَ الزَّمانُ حتَّى تَلدَ، فإنْ وَلدَتْ مِنهُ لم يَبقَ لهم أنْ يُفرِّقوا؛ كَي لا يَضيعَ الولَدُ عمَّن يُربِّيهِ؛ لأنَّ السُّكوتَ عنِ الحَقِّ المُتأكِّدِ لا يُبطلُه؛ لاحتِمالِ تأخُّرِه إلى وَقت يَختارُ فيهِ الخُصومةَ.
وما لم يَقضِ القاضي بيْنَهما فحُكمُ الطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ والمِيراثِ قائمٌ بينَهما، والفُرقةُ تَكونُ فَسخًا لا طَلاقًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَصرُّفٌ في النِّكاحِ، وهذا فَسخٌ لِأصلِ النِّكاحِ.
стр. 9012
فإنْ لَم يَكنِ الزوجُ دخَلَ بها فلا شيءَ لها، وإنْ دخَلَ بها أو خَلا بها خَلوةً صَحيحةً لزِمَه كلُّ المُسمَّى ونَفقةُ العدَّةِ وعليها العدَّةُ.
وإذا زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ وجهَّزَها وَليُّها وقبَضَ مهْرَها فليسَ لهُ حَقُّ الفَسخِ بعدَ ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ تَقريرٌ لحُكمِ العَقدِ، كما إذا زوَّجَها فمَكَّنتِ الزَّوجَ مِنْ نفْسِها لا يَكونُ لها حقُّ الفَسخِ بعدَ ذلكَ.
وإذا تَزوَّجتِ المَرأةُ غيرَ كُفءٍ فرَضيَ بهِ أحَدُ الأولياءِ جازَ ذلكَ، ولا يكونُ لمَن هو مِثلُه في الولايةِ أو أبعَدُ منه أنْ يَنقضَهُ، إلا أنْ يكونَ أقرَبَ منه، فحِينئذٍ له المُطالَبةُ بالتَّفريقِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا رَضيَ أحَدُ الوَليَّينَ بغيرِ كُفءٍ فللوَليِّ الذي هو مِثلُه أنْ لا يَرضَى به.
ولو أسقَطَ بَعضُ الأولياءِ حقَّه مِنْ الكَفاءةِ سقَطَ حَقُّ الباقِينَ إذا رَضيَتْ بذلكَ المَرأةُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَسقطُ حقُّ مَنْ لَم يَرضَ.
ورَوى الحَسنُ عن أبِي حَنيفةَ: إذا تزوَّجتْ بغَيرِ كفْءٍ لَم يَجُزْ، وقيلَ: عَليهِ الفَتوى، قالَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخسيُّ: وهوَ أحوَطُ، فليسَ كُلُّ وَليٍّ يُحسِنُ المُرافَعةَ إلى القاضِي، ولا كُلُّ قاضٍ يَعدِلُ، فكانَ الأحوطَ سدُّ هذا البابِ.
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: أمَّا على الرِّوايةِ المُختارةِ للفَتوى لا يَصحُّ العَقدُ أصلًا إذا كانَتْ زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ.
стр. 9013
وهل للمَرأةِ إذا زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ أنْ تَمنعَ نفْسَها مِنْ أنْ يَطأَها؟ مُختارُ الفَقيهِ أبي اللَّيثِ: نَعم، قالَ في «التَّجنِيس»: هذا وإنْ كانَ خِلافَ ظاهرِ الجَوابِ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ المَرأةِ أنْ تقولَ: إنَّما تزوَّجتُكَ على رَجاءِ أنْ يُجيزَ الوَليُّ، وعسَى لا يَرضى، فيُفرَّقُ فيَصيرُ هذا وَطأً بشُبهةٍ (١).
وقالَ المالِكيةُ: للمَرأةِ وللوليِّ معًا تَركُ الكَفاءةِ وتَزويجُها مِنْ فاسِقٍ سِكِّيرٍ يُؤمَنُ عَليها منهُ؛ وذلكَ لأنَّ الحَقَّ لهُمَا في الكَفاءةِ، فإذا أسقَطَا حَقَّهما مِنها وزوَّجَها مِنْ فاسِقٍ كانَ النِّكاحُ صَحيحًا على المُعتمَدِ.
فإنْ لَم يَرضَيَا معًا فالقَولُ لمَنِ امتَنعَ مِنهُما، وعلى الحاكمِ مَنعُ مَنْ رَضيَ مِنهُما وإنْ رَضيَتْ لحَقِّ اللهِ حِفظًا للنُّفوسِ.
وقيلَ: إنَّ تَزويجَ الفاسِقِ غَيرُ صَحيحٍ ويَتعيَّنُ فَسخُه، ورجَّحَهُ جماعةٌ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وحاصِلُ ما في المَسألةِ أنَّ ظاهرَ ما نقَلَه الحطَّابُ وغَيرُه واستظهَرَه الشَّيخُ ابنُ رَحالٍ مَنعُ تَزويجِها مِنْ الفاسِقِ ابتِداءً وإنْ كانَ يُؤمَنُ عَليها مِنهُ، وأنه ليسَ لها ولا للوَليِّ الرِّضا به، وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّ مُخالَطةَ الفاسقِ مَمنُوعةٌ وهجرَهُ واجبٌ شَرعًا، فكيفَ بخُلطةِ النِّكاح؟!
стр. 9014
فإذا وقَعَ ونزَلَ وتزوَّجَها فَفي العَقدِ ثَلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: لُزومُ فَسخِه؛ لفَسادِه، وهو ظاهِرُ اللَّخميِّ وابنِ بَشيرٍ وابنِ فرحُونَ وابنِ سَلْمونَ.
الثَّاني: أنه صَحيحٌ، وشهَّرَه الفاكهانِيُّ.
الثالثُ لأصبَغَ: إنْ كانَ لا يُؤمَنُ منه رَدَّه الإمامُ وإنْ رَضيَتْ بهِ …
والَّذي قَرَّرهُ شَيخُنا أنَّ المُعتمَدَ القَولُ بالصِّحةِ كما شَهَّرهُ الفاكهانِيُّ (١).
وقالَ الحطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ بَشيرٍ: والمَطلوبُ مِنْ الزَّوجِ أنْ يَكون كُفؤًا في دِينهِ بلا خِلافٍ، وإنْ كانَ فاسِقًا فلا خِلافَ مَنصوصٌ أنَّ تَزويجَ الأبِ مِنْ الفاسِقِ لا يَصحُّ، وكذا غَيرُه مِنْ الأولياءِ، فإنْ وقَعَ وجَبَ للزَّوجةِ ولِمَن قامَ لها فَسخُه.
وكانَ بَعضُ أشياخِنا يَهربُ مِنْ الفَتوى في هذا، ويَرى أنه يُؤدِّي إلى فَسخِ كَثيرٍ مِنْ الأنكحةِ.
ابنُ عَبدِ السَّلامِ: وقَولُ ابنِ بَشيرٍ وإنْ وقَعَ يَحتملُ أنْ يَكونَ داخِلًا في غيرِ المُختلَفِ فيهِ، وهو ظاهِرٌ، ويَحتملُ أنْ يَكونَ ابتِداءَ كَلامٍ وتَأسيسَ مَسألةٍ معَ عَدمِ التعرُّضِ لنَفيِ الخِلافِ. انتَهى مِنْ «التَّوضِيح».
وهذا ليسَ بظاهرٍ لقَولِه أولًا: لا خِلافَ أنه لا يَصحُّ، وإنْ كانَ كذلكَ فهوَ فاسِدٌ.
стр. 9015
وقالَ ابنُ سَلْمونَ: قالَ ابنُ بَشيرٍ: لا خِلافَ مَنصوصٌ أنَّ للزوجةِ ولمَن قامَ لها فَسخُ نكاحِ الفاسِقِ.
وسُئلَ ابنُ زَرْبٍ عَنْ وليَّةٍ لقومٍ نكَحَها رَجلٌ مِنْ أهلِ الشَّرِّ والفَسادِ وأنكَرَ ذلكَ أولياؤُها عليها وذَهبوا إلى فَسخِ النِّكاحِ وكانَ قَدْ بَنَى بها، فقالَ: لا سَبيلَ إلى حَلِّ النكاحِ إنْ كانَ قدْ دخَلَ بها، قيلَ له: فلو لم يَدخلْ بها؟ فوقَفَ وقالَ: الذي لا يُشَكُّ فيه أنه إذا دخَلَ لَم يُفسخْ، والكَفاءةُ حقٌّ للزوجةِ وللأولياءِ، فإذا تَركوها جازَ.
ووقَعَ لأصبَغَ في «النَّوادِر» أنه إذا زوَّجَ الأبُ ابنَتَه البِكرَ مِنْ رَجلٍ سِكِّيرٍ فاسِقٍ لا يُؤمَنُ عليها لم يجُزْ، ولْيَردَّه الإمامُ وإنْ رَضيَتْ هي به.
وذكَرَ ابنُ أبي زَمَنِينَ عن بَعضِ المُوثَّقينَ أنه قالَ: لا بُدَّ أنْ تَثبتَ الكَفاءةُ في الثيِّبِ كالبِكرِ، حَكاهُ عنهُ ابنُ فَتْحونَ، وحكى أنَّ القاضي أبا الوليدِ كانَ يَأخذُ بهذا القَولِ ويُكلِّفُ إثباتَ الكَفاءةِ عندَه ويقولُ: إنْ كانَتْ تَملكُ نفْسَها فإنها إذا دَعَتْ إلى غيرِ كُفءٍ لا يَلزمُني أنْ أُعينَها على ذلكَ. اه.
وفي أحكامِ ابن سَهلٍ ذكَرَ فَتوَى ابنِ زَرْبٍ وأنها في صَفَرَ سنَةَ سَبْعٍ وسَبعينَ وثلاثِمائةٍ، وذكَرَ كَلامَ أصبغَ في «النَّوادِر»، وزادَ في آخِرِه في الوَصيِّ ونحوِه في آخِرِ نَوازلِه. اه.
وفي «تَفسِير القُرطبيِّ» في أولِ سُورَةِ النُّورِ قالَ ابنُ خُوَيزِ مَنْدادٍ: مَنْ كانَ مَعروفًا بالزنا أو بغيرِه مِنَ الفُسوقِ مُعلِنًا بهِ فتَزوجَ إلى أهلِ بَيتِ ستْرٍ وغَرَّهُم مِنْ نفْسِه فلهُم الخِيارُ في البقاءِ معَه وفراقِه، وذلكَ كَعَيبٍ مِنَ العُيوبِ،
стр. 9016
واحتَجَّ بقَولِه ﵊: «لا يَنْكِحُ الزَّاني المَجلودُ إلا مِثلَه» (١)، قالَ ابنُ خُوَيزِ مَندادٍ: وإنما ذكَرَ المَجلودَ لاشتهارِه بالفِسقِ، وهو الذي يَجبُ أنْ يُفرَّقَ بيْنَه وبيْنَ غيرِهِ، فأمَّا مَنْ لم يَشتهرْ بالفُسوقِ فلا. اه.
وفي «المَسائِل المَلقوطَة» قالَ ابنُ بَشيرٍ: لا خِلافَ مَنصوصٌ أنه للزوجةِ ولِمَن قامَ لها فَسخُ نكاحِ الفاسِقِ، مُرادُه الفاسِقُ بجَوارِحِه، فزواجُ الوالدِ مِنَ الفاسقِ لا يَصحُّ، وكذلكَ غيرُه مِنْ الأولياءِ.
وفي «التَّبصِرَة»: وإنْ كانَ كَسْبُه حرامًا أو كثيرَ الأَيمانِ بالطلاقِ لم يَكنْ للأبِ أنْ يُزوِّجَ ابنتَهُ منه؛ لأنَّ الغالِبَ على مِثلِ هذا الحِنْثُ والتَّمادي مَعها، فإنْ فعَلَ فرَّقَ الحاكِمُ بيْنَهما، ويُمنَعُ مِنْ تَزويجِها مَنْ يَشرَبُ الخَمرَ؛ لأنه يَدعُوها إلى ذلكَ. انتَهى مِنْ «تَسهِيل الأُمَّهاتِ».
ابنُ الحاجِبِ: وقالَ الفاكهانِيُّ في شَرحِ قَولِ الرِّسالةِ: ولا يَخطُبُ أحدٌ على خِطبةِ أخيهِ، لمَّا ذكَرَ أنه إذا خطَبَها الفاسقُ ركَنَتْ إليهِ، وللصَّالحِ أنْ يَخطبَها وهوَ أحقُّ.
قُلتُ: إنَّما يَجيءُ هذا على أحَدِ القولَينِ أنَّ نِكاحَ الفاسِقِ صَحيحُ، وهوَ المَشهورُ، وإلا فمَتى قُلنا بالقَولِ الآخَرِ فما بيْنَهما صِيغَةُ أفعَلَ، واللهُ أعلَمُ.
وهذا في الفاسِقِ بالجَوارحِ، وأمَّا الفاسقُ بالاعتِقادِ فقالَ ابنُ الحاجِبِ: مالِكٌ لا يُزوِّجُ مِنْ القَدَريَّةِ ولا يُزوَّجونَ، قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: إنه يُفسَخُ.
стр. 9017
وقالَ في «التَّوضِيح»: هذا لمالكٍ في «المُدوَّنة»، ولا يتَأتَّى، هُنا توقَّفُ الشيخُ المُتقدِّمُ في الفاسقِ بجَوارِحِه؛ لأنه يُؤدِّي إلى فَسخِ كَثيرٍ مِنْ الأنكِحةِ، ويُشارِكُ القَدَريَّ مَنْ يُساويهِ في البدعَةِ. اه.
وفي «المَسائِل المَلقوطَة»: قالَ مالِكٌ: لا تُزوَّجُ إلى القَدَريَّةِ، يَعني أنه يُفسَخُ النكاحُ الواقِعُ بيْنَ أهلِ السُّنةِ وبيْنَهم، وهذا على القَولِ بتكفيرِهم، وأمَّا على القَولِ بأنهم فُسَّاقٌ فهُم كالفاسقِ بجَوارحِه وأشدُّ؛ لأنه يَجُرُّها إلى اعتِقادِه ومذهَبِه، ولا يُتزوَّجُ مِنهم ولا يُزوَّجونَ مِنْ نِساءِ أهلِ السُّنةِ.
وقَولُ مالِكٍ في القَدَريَّةِ جارٍ فِيمَن يُساويهِم في البدعَةِ، وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّ مالِكًا تَلا قولَه تَعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] وهذا يَدلُّ على أنه أرادَ تَكفيرَهُم. اه مِنْ «تَسهيل الأُمَّهاتِ».
تَنبيهٌ: قالَ ابنُ فَرحون في تَبصِرَته في الفَصلِ الذي في بَيانِ ما يَفتقِرُ إلى حُكمِ الحاكِمِ وما لا يَفتقرِ: أنَّ مِنَ الطَّلاقِ الذي يُوقِعُه الحاكِمُ بغيرِ إذنِ المَرأةِ وإنْ كَرهَتْ إيقاعَه نِكاحَها الفاسقَ. اه بالمَعنى.
وظاهِرُه: سواءٌ كانَ فاسِقًا بالجَوارحِ أو بالاعتِقادِ، وظاهِرُ كَلامِهم أنه يُفسَخُ مُطلَقًا بعدَ الدُّخولِ وقبْلَه، فظاهِرُ كَلامِ ابنِ فَرحُون أنه يُفسَخُ بطَلاقٍ؛ لأنه جعَلَه مِنَ الطلاقِ الَّذي يُوقِعُه الحاكِمُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الكَفاءةُ حَقٌّ للمرأةِ والوَليِّ، واحِدًا كانَ الوَليُّ أو
стр. 9018
جَماعةً مُستَوينَ في دَرجةٍ، فلا بُدَّ مَع رِضاها بغَيرِ الكُفءِ مِنْ رِضا سائرِ الأولياءِ بهِ لا رِضا أحَدِهم؛ لأنَّ لهُم حَقَّا في الكَفاءةِ، فاعتُبِرَ رِضاهُم بتَركِها كالمَرأةِ، بخِلافِ ما إذا زوَّجَها أحَدُهم بكُفءٍ بدُونِ مَهرِ مِثلِها برِضاها دُونَ رِضاهُم فإنه يَصحُّ؛ إذْ لا حقَّ لهُم في المَهرِ ولا عارَ.
ولو زوَّجَها الوَليُّ الأقرَبُ غيْرَ كُفءٍ برِضاها فليسَ للأبعدِ مِنْ الأولياءِ الاعتِراضُ؛ إذْ لا حقَّ لهُ الآنَ في التَّزويجِ.
وإنْ زوَّجَ الأبُ أو الجَدُّ البِكرَ بالإجبَارِ -الصَّغيرةَ أو البالِغةَ- أو الثَّيبَ بإذنٍ مِنها مُطلَقٍ عَنْ التَّقييدِ بكُفءٍ أو بغَيرِه مِنْ غيرِ كُفءٍ لم يَصحَّ التزويجُ؛ لعَدمِ رِضاها بهِ، والتَّزويجُ باطِلٌ في الأظهَرِ؛ لأنه على خِلافِ الغِبطةِ؛ لأنَّ وَليَّ المالِ لا يَصحُّ تَصرُّفُه بغيرِ الغِبطةِ، فوَليُّ البُضعِ أَولى.
ومُقابِلُ الأظهَرِ: يَصحُّ، وللبالِغةِ الخِيارُ في الحالِ، ولِلصَّغيرةِ الخِيارُ إذا بلَغَتْ.
ويَجرِي الخِلافُ في تَزويجِ غَيرِ المُجبِرِ إذا أَذنَتْ في التَّزويجِ مُطلَقًا عَنِ التَّقييدِ بكُفءٍ أو بغَيرِه.
ويُستَثنَى ممَّا ذُكِرَ ما لَو كانَ عَدمُ الكَفاءةِ لجَبِّ أو عُنَّةٍ، فيَصحُّ تَزويجُها مِنَ المَجبوبِ والعِنِّينِ برِضاها وإنْ لَم يَرضَ الوَليُّ.
ولو طَلبَتْ مَنْ لا وَليَّ لها خاصًّا أنْ يُزوِّجَها السُّلطانُ أو نائِبُه بغَيرِ كُفءٍ ففعَلَ لَم يَصحَّ تَزويجُهُ بهِ في الأصحِّ؛ لأنه نائِبٌ المُسلِمينَ، ولهُم حَظٌّ في الكَفاءةِ.
стр. 9019
ومُقابِلُ الأصحِّ: يَصحُّ كالوليِّ الخاصِّ، بخِلافِ ما لَو زوَّجَ السُّلطانُ لغَيبةِ الوَليِّ أو عَضلِه، فلا تُزوَّجُ إلا مِنْ كُفءٍ قَطعًا.
ولو كانَ لها وَليٌّ ولكنْ زوَّجَها السُّلطانُ لغَيبتِه أو عَضلِه أو إحرامِه فلا تُزوَّجُ إلا مِنْ كفءٍ قَطعًا؛ لأنه نائِبٌ عنه في التصرُّفِ، فلا يَصحُّ ذلكَ معَ عَدمِ إذنِه.
ولو كانَ الوَليُّ حاضِرًا وفيه مانِعٌ مِنْ فِسقٍ ونَحوِه وليسَ بعْدَه إلَّا السُّلطانُ فزوَّجَ السُّلطانُ مِنْ غيرِ كُفءٍ برضاها فظاهِرُ إطلاقِهِم طَردُ الوجهَينِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: الكَفاءةُ في النكاحِ حقٌّ للمَرأةِ وللأولِياءِ كِلِّهم القَريبِ والبَعيدِ، حتَّى مَنْ يَحدُثُ مِنهم بعدَ العَقدِ؛ لتَساوِيهم في لُحوقِ العارِ بفَقدِ الكَفاءةِ.
فلَو زُوِّجَتِ المَرأةُ مِنْ غيرِ كُفءٍ جازَ لها أنْ تَفسخَ النكاحَ ولو مُتَراخِيًا؛ لأنهُ لنَقصٍ في المَعقودِ عليهِ، أشبَهَ خِيارَ العَيبِ، ما لَم تَرضَ بقَولٍ أو فِعلٍ كأنْ مَكَّنتْه عالِمةً بأنه غيرُ كفءٍ.
وكذا لأوليائِها الفَسخُ؛ لتَساوِيهم في لُحوقِ العارِ بفَقدِ الكَفاءةِ.
ولو رَضيَتِ المَرأةُ أو رَضيَ بَعضُهم فلِمَن لَم يَرضَ الفَسخُ، ويَملكُه
стр. 9020
الأبعَدُ معَ رِضا الأقربِ؛ لعَدمِ لُزومِ النكاحِ لفَقدِ الكَفاءةِ، ولأنَّ العارَ عليهِم أجمَعينَ.
فلو زوَّجَ الأبُ ابنَتَه بغيرِ كفءٍ برِضاها فللإخوَةِ الفَسخُ نَصُّا؛ لأنَّ العارِ في تَزويجِ مَنْ ليسَ بكُفءٍ عليهِم جَميعًا.
ولو زالتِ الكَفاءةُ بعدَ العَقدِ فللزوجةِ الفَسخُ فقطْ دُونَ أوليائِها كعتْقِها تحتَ عَبدٍ، ولأنَّ حقَّ الأولياءِ في ابتِداءِ العَقدِ لا في استِدامَتِه.
وأمَّا على الرِّوايةِ الأُخرى فإنَّ نِكاحَ المَرأةِ بغَيرِ كُفءٍ باطِلٌ لا يَصحُّ (١).
الاختِلافُ في كَفاءةِ الخاطِبِ:
قالَ الشافِعيةُ: إذا طلَبَتِ المرأةُ التزويجَ مِنْ رَجلٍ وادَّعتِ المرأةُ كَفاءةَ الخاطِبِ وأنكَرَها الوَليُّ رُفعَ الأمرُ إلى القاضِي، فإنْ ثَبتَتْ كَفاءتُه ألزمَه تَزويجَها، فإنِ امتَنعَ زوَّجَها القاضي به، وإنْ لم تَثبتْ كَفاءتُه فلا يَلزمَه تَزويجُها بهِ (٢).
إذا تَزوَّجتْ مِنْ غيرِ كُفءٍ ثمَّ فارَقَها، هلْ لها أن تَتزوَّجَه ثانِيًا بغَيرِ رِضَا الأولياءِ؟
قالَ الحَنفيةُ: يَتجدَّدُ اعتِراضُ الوَليِّ بتَجدُّدِ النِّكاحِ، كما لَو زوَّجَها
стр. 9021
الوَليُّ بإذنِها مِنْ غَيرِ كُفْءٍ فَطلَّقَها ثمَّ زوَّجَتْ نفْسَها مِنهُ ثانيًا كانَ لِذلكَ الوَليِّ التَّفريقُ، ولا يَكونُ الرِّضا الأوَّلُ رِضًا بالثَّاني؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَبعدُ رُجوعُه عن خُلةٍ دنيَّةٍ.
أمَّا لو طلَّقَها رَجعيًّا ثمَّ راجَعَها في العدَّةِ فليسَ للوليِّ الاعتِراضُ.
وكذا لو زوَّجَها هو مِنْ غَيرِ كُفءٍ فطلَّقَها فتَزوَّجتْ آخَرَ غيْرَ كُفءٍ كانَ له الاعتِراضُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: ليسَ لوليٍّ رَضيَ بتَزويجِ وَليَّتِه غيْرَ كُفءٍ وزوَّجَه إياها فطلَّقَها طلاقًا بائِنًا أو رَجعيًّا وانقَضَتْ عدَّتُه ثُمَّ أرادَ أنْ يتزوَّجَها ورَضيَتْ بهِ فليسَ لوَليِّها الذي زوَّجَها له أولًا الامتِناعُ مِنْ تزويجِها لهُ ثانيًا بلا عَيبٍ حادثٍ في الزَّوجِ بعْدَ التَّزويجِ الأولِ مُقتَضٍ للامتِناعِ؛ لسُقوطِ حَقِّه في الكَفاءةِ برِضاهُ بهِ أولًا، فإنِ امتَنعَ منهُ عُدَّ عاضِلًا.
وأمَّا إنْ حدَثَ عَيبٌ فله الامتِناعُ لحادِثٍ.
وأمَّا إذا كانَ الطلاقُ رجعيًّا ولمْ تَنقَضِ العدَّةُ فهي زَوجةٌ، فلا كَلامَ لها ولا لِوليِّها (٢).
стр. 9022
وقالَ الشافِعيةُ: لو رَضيَ الأولياءُ بتَزويجِها بغَيرِ كُفءٍ ثُمَّ خالَعَها الزوجُ ثُمَّ زوَّجَها أحَدُهم بهِ برِضاها دُونَ رِضا الباقِينَ فإنه يَصحُّ، كما هوَ قَضيةُ كَلامِ «الرَّوضَة» وجزَمَ بهِ ابنُ المُقْرِي؛ لرِضاهُم بهِ أولًا، وإنْ خالَفَ في ذلكَ صاحِبُ «الأَنوار».
وفي مَعنى المُختلِعِ الفاسِخُ والمُطلِّقُ رَجعيًّا إذا أعادَ زوجَتَه بعدَ البَينونةِ والمُطلِّقُ قبْلَ الدُّخولِ (١).
تَعذُّرُ الكَفاءةِ للمَخطوبةِ:
قالَ الشافِعيةُ: إذا كانتِ المَرأةُ بحَيثُ لا يُوجَدُ لها كفُؤٌ أصلًا جازَ للوَليِّ تَزويجُها للضَّرورةِ بغَيرِ كُفءٍ (٢).
تَكلُّمُ أمِّ المَرأةِ في زَواجِ ابنَتِها:
قالَ المالِكيةُ: إذا أرادَ الأبُ أنْ يُزوِّجَ ابنتَهُ المُوسِرةَ المَرغوبَ فيها مِنْ ابنِ أخٍ لهُ فَقيرٍ أو غَيرِه فإنَّ للأمِّ أنْ تَتكلَّمَ وتَعترضَ وتَرفعَ الأمرَ إلى الحاكمِ ليَنظُرَ فيما أرادَهُ الأبُ هَلْ هو صَوابٌ أم لا؟ سواءٌ كانَتِ الأمُّ مُطلَّقةً أو في العِصمةِ، ومثلُ الفَقيرِ مَنْ يُغرِّبُها عَنْ أمِّها مَسافةَ خَمسةِ أيَّامٍ.
ونَصُّ «المُدوَّنة»: وقدْ أتَتِ امرَأةٌ مُطلَّقةٌ إلى مالكٍ فقالتْ: إنَّ لي ابنَةً في
стр. 9023
حِجرِي مُوسِرةً مَرغوبًا فيها، فأرادَ أبوها أنْ يزوِّجَها مِنْ ابنِ أخٍ لهُ فَقيرٍ -وفي «الأمَّهات»: مُعدَمًا لا مالَ لهُ- فتَرى لي في ذلكَ مُتكلَّمًا؟
قالَ: نَعمْ إنِّي لَأرى لَكِ مُتكلَّمًا، ورُويَتِ «المُدوَّنة» أيضًا بالنَّفيِ، أي: لا أرَى لَكِ مُتكلَّمًا.
والصَّوابُ الأولُ؛ لأنها سَألتْ أنَّ لها تَكلُّمًا قالَ: نَعمْ، ثمَّ أعادَ عليها أنه رَأى لها مُتكلَّمًا، ومَن رَوى: فلا أرَى -أي: على النَّفيِ- لَمْ يَستقِمْ مع قولِه قبْلُ: نَعمْ، واختَلَّ المَعنى وناقَضَ بَعضُ كلامِهِ بَعضًا.
ثمَّ قالَ ابنُ القاسمِ بعْدَ الكَلامِ السَّابقِ: وأنا أراهُ ماضِيًا، إلَّا لِضررٍ بيِّنٍ فلها التكلُّمُ.
واختُلفَ في قَولِ ابنِ القاسِمِ؛ هلْ هوَ خِلافٌ لِقولِ مالِكٍ أو وِفاقٌ؟
فمِنهُم مَنْ حمَلَه على الخِلافِ -وهوَ مَذهَبُ سحنونٍ- وقالَ: بقَولِ ابنِ القاسِمِ أقولُ، قالَ: ويَعنِي بالضَّررِ ضرَرَ البَدنِ، وأمَّا الفَقرُ فلا، ومِنهُم مَنْ قالَ: هوَ وفاقٌ، ولَعلَّ ابنَ القاسمِ لَم يَتكلَّمْ على الفَقرِ الفادِحِ المُضرِّ بها، وإنَّما تكلَّمَ على أنَّ ابنَ الأخِ بالإضافةِ إلى مالِها فَقيرٌ لِسعَةِ حالِها وكَثرةِ يُسرِها، أو أنَّ ابنَ القاسمِ تَكلَّمَ على ما بعْدَ الوُقوعِ، ومالِكٌ إنَّما تَكلَّمَ قبلَهُ، وقالَ: لها مُتكلَّمٌ، ولمْ يقُلْ: إنَّ النِّكاحَ مَفسوخٌ (١).
стр. 9024
فصل في الخِيارِ لأحَدِ الزَّوجَينِ
ثُبوتُ الخِيارِ لأحَدِ الزوجَينِ في فَسخِ النِّكاحِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على جَوازِ فَسخِ النِّكاحِ بيْنَ الزَّوجَينِ والتَّفريقِ بينَهُما للعُيوبِ؛ لِمَا رواهُ الإمامُ أحمدُ وغيرُه عَنْ جَميلِ بنِ زَيدٍ قالَ: صَحِبتُ شَيخًا مِنْ الأنصارِ ذكَرَ أنه كانَتْ لهُ صُحبةٌ يقالُ لهُ كَعبُ بنُ زَيدٍ أو زيدُ بن كَعبٍ، فحدَّثَني «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَ امرَأةً مِنْ بَني غِفارٍ، فلمَّا دخَلَ عَليها وضَعَ ثَوبَه وقعَدَ على الفِراشِ أبصَرَ بكَشْحِها بَياضًا فانحازَ عَنْ الفِراشِ ثُمَّ قالَ: خُذِي عَليكِ ثيابَكِ، ولم يَأخُذْ مِمَّا آتاها شَيئًا»، وفي رِوايةٍ: «دَلَّستُمْ عَليَّ»، وفي رِوايةٍ: «فرَدَّ نِكاحَها» (١)، وهَذا صَريحٌ في الفَسخِ؛ لأنَّ الرَّدَّ مَتى ذُكرَ عَقيبَ العَيبِ يَكونُ بطَريقِ الفَسخِ.
والكَشْحُ الجَنْبُ، فثبَتَ في البَرَصِ النَّصُّ، وقِيسَ الباقي عليهِ؛ لأنه في مَعناهُ في المَنعِ مِنْ كِمالِ الاستِمتاعِ وأَولى.
стр. 9025
قالَ عمَرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «أيُّما رَجلٍ تَزوَّجَ امرَأةً وبها جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمَسَّها فلَها صَداقُها كامِلًا، وذلكَ لزَوجِها غُرمٌ على وَليِّها» (١).
ولأنَّ النِّكاحِ عَقدُ مُعاوضَةٍ قابِلٌ للرَّفعِ فجازَ رَفعُه بسَببِ العُيوبِ المُؤثِّرةِ في المَقصودِ كالبَيعِ.
وقالَ ﷺ : «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرارَكَ مِنَ الأسَدِ»، والفَسخُ طَريقُ الفِرارِ، ولو لَزمَ النِّكاحُ لَمَا أمَرَ بالفِرارِ.
وعَن عُمرَ ﵁ أنه أَثبَتَ الخِيارَ للزَّوجِ بهذهِ العُيوبِ.
والمَعنى فيهِ أنَّ النِّكاحَ عَقدُ مُعاوَضةٍ يَحتمِلُ الفَسخَ بأسبابٍ، فيَثبتُ فيهِ حَقُّ الرَّدِّ بعَيبٍ يُخِلُّ بالمَقصُودِ كالبَيعِ، والمَقصودُ بالنِّكاحِ طَبعًا قَضاءُ الشَّهوةِ، وشَرعًا النَّسْلُ، وهذهِ العُيوبُ تُخِلُّ بهذا المَقصودِ.
ولأنَّ مَصالحَ النِّكاحِ لا تَقومُ معَ وُجودِ العُيوبِ أو تَختلُّ بها؛ لأنَّ بعْضَها ممَّا يَنفرُ عَنها الطِّباعُ السَّليمةُ، وهوَ الجُذامُ والجُنونُ والبَرَصُ، فلا تَحصلُ المُوافقةُ فلا تَقومُ المَصالحُ أو تَختلُّ، وبعْضُها ممَّا يَمنعُ مِنَ الوَطءِ، وهوَ الرَّتْقُ والقَرَنُ، وعامَّةُ مَصالحِ النِّكاحِ يَقفُ حُصولُها على الوَطءِ، فإنَّ العِفَّةَ عنِ الزِّنا والسَّكنَ والولَدَ لا يَحصلُ إلا بالوَطءِ، ولِهذا يَثبتُ الخِيارُ في العُيوبِ.
стр. 9026
ولأنه عَيبٌ يَمنعُ غالِبَ المَقصُودِ بالعَقدِ فجازَ أنْ يَثبتَ بهِ خِيارُ الفَسخِ، ولأنَّ العَقدَ الذي يَلزمُ مِنْ الجهتَينِ إذا احتَملَ الفَسخَ وجَبَ أنْ يجرِيَ الفَسْخ في جِنسِ العَقدِ، ولأنه عَيبٌ مَقصودٌ بعَقدِ النِّكاحِ فوجَبَ أنْ يَستحقَّ الفَسْخَ كالعَيبِ في الصَّداقِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ ملَكَ ردَّ عِوضٍ ملَكَ عَليهِ ردَّ المُعوَّضِ كالثَّمنِ والمُثمَّنِ في البَيعِ، ولأنَّ المَعقودَ عليهِ هوَ الاستِمتاعُ المُستباحُ، وهذهِ عُيوبٌ فيهِ، كما أنَّ زَمانةَ العَبدِ المُستأجَرِ عَيبٌ في مَنافعِهِ فاستحقَّ بها الفَسْخ (١).
قالَ ابنُ رشدٍ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ هلْ يُردُّ بالعُيوبِ أو لا يُردُّ؟
فإنَّ مالكًا والشافِعيَّ وأصحابَهما قالُوا: العُيوبُ تُوجِبُ الخِيارَ في الرَّدِّ أوِ الإمساكِ.
وقالَ أهلُ الظَّاهرِ: لا تُوجِبُ خِيارَ الرَّدِّ والإمساكِ، وهوَ قَولُ عُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ.
стр. 9027
وسَببُ اختِلافِهم شَيئانِ: أحَدُهما: هلْ قَولُ الصَّاحبِ حُجَّةٌ؟ والآخَرُ: قِياسُ النِّكاحِ في ذلكَ على البَيعِ.
فأمَّا قَولُ الصَّاحِبِ الوَاردُ في ذلكَ: فهوَ ما رُويَ عنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه قالَ: «أيُّما رَجلٍ تَزوَّجَ امرَأةً وبها جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ -وفي بَعضِ الرِّواياتِ: أو قَرَنَ- فلَها صَداقُها كامِلًا، وذلكَ غُرمٌ لِزَوجِها على وَليِّها» (١).
وأمَّا القِياسُ على البَيعِ: فإنَّ القائِلينَ بمُوجِبِ الخِيارِ للعَيبِ في النِّكاحِ قالُوا: النكاحُ في ذلكَ شَبيهٌ بالبَيعِ، وقالَ المُخالِفونَ لهُم: ليسَ شَبيهًا بالبَيعِ؛ لِإجماعِ المُسلمِينَ على أنَّه لا يُرَدُّ النكاحُ بكُلِّ عَيبٍ ويُرَدُّ بهِ البَيعُ (٢).
ثُبوتُ الخِيارِ للزوجَينِ معًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ فَسخُ النِّكاحِ خاصٌّ بالزَّوجةِ دُونَ الزَّوجِ؟ أم يَثبتُ لهُما جَميعًا على سَواءٍ؟
فذَهبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ التَّفريقَ خاصٌّ بعُيوبِ الزَّوجِ دُونَ عُيوبِ الزَّوجةِ، فيَثبتُ للزوجةِ الخِيارُ إذا وَجدَتْ بزَوجِها عَيبًا.
وإذا كانَ بالزوجَةِ عَيبٌ -أيَّ عَيبٍ كانَ- كجُنونٍ أو جُذامٍ أو بَرَصٍ أو رَتْقٍ أو قَرَنٍ فلا يَثبتُ لزَوجِها الخِيارُ؛ لِمَا فيهِ مِنَ الضَّررِ بها بإبطالِ حَقِّها،
стр. 9028
ودَفعُ ضَررِ الزوجِ مُمكِنٌ بالطلاقِ أو بنِكاحِ أُخرى؛ لأنَّ المُستحَقَّ هوَ التَّمكينُ وإنهُ مَوجودٌ، والاستِيفاءُ مِنَ الثَّمراتِ، وفَوتُ الثَّمرةِ لا يُؤثِّرُ في العَقدِ، ألَا تَرى أنه لو لَم يَستَوفِ لِبَخَرٍ أوْ ذفَرٍ أوْ قرُوحٍ فاحشةٍ لَم يَكنْ لَه حُقُّ الفسخِ، وإنَّما المُستحَقُّ هو التمكُّنُ، وهو حاصِلٌ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ التَّفريقَ يَثبتُ لِكلٍّ مِنَ الزوجَينِ إذا وجَدَ بصاحبِهِ عَيبًا مِنَ العُيوبِ التي تَفسخُ النكاحَ، فإذا وجَدَ الرَّجلُ بزَوجتِهِ عَيبًا مِنْ هذهِ العيوبِ جازَ لهُ فَسخُ النكاحِ، وكَذا المَرأةُ إذا وَجدَتْ بزَوجِها عَيبًا مِنْ هذهِ العُيوبِ الآتِي ذِكرُها جازَ لها فَسخُ النِّكاحِ، فالتَّفريقُ بالعَيبِ حقٌّ لهُما على سَواءٍ.
ولأنَّ المَرأةَ أحَدُ العِوضَينِ في النكاحِ، فجازَ ردُّهُ بالعَيبِ كالصَّداقِ، أو أحَدُ الزوجَينِ فثَبتَ لهُ الخِيارُ بالعِيبِ في الآخَرِ كالمَرأةِ (٢).
стр. 9029
العُيوبُ التي تُثبِتُ الخِيارَ وتَفسخُ النِّكاحَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على ثُبوتِ الخِيارِ بالعُيوبِ.
إلَّا أنهمُ اختَلفُوا في العُيوبِ المُثبِتةِ للتَّفريقِ على أقوالٍ.
قالَ الحَنفيةُ: ليسَ كُلُّ العُيوبِ في الرَّجلِ تُثبِتُ للمَرأةِ حقَّ الفَسخِ، فلا يَثبتُ الفَسخُ للمَرأة إلا إذا وَجدَتْ بالرجلِ جَبًّا أو عُنَّةً (١) أو خَصْيًا
стр. 9030
اتِّفاقًا، وحُكمُ الخُنثَى المُشكِلِ حُكمُ العِنِّينِ، فإذا وَجدَتْ زوْجَها خُنْثى ثبَتَ لها الخِيارُ.
стр. 9031
واختَلفُوا إذا وُجدَ بالرَّجلِ جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ؛ هَلْ يَثبتُ لها الخِيارُ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ -وعَليهِ الفَتوى عندَهُم- إلى أنه لا يَثبتُ الخِيارُ للمَرأةِ إلا بالجَبِّ والعُنَّةِ والخَصْيِ فقطْ، ولا يَثبتُ لها الخِيارُ بالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ؛ لأنَّ الخِيارَ يُبطِلُ حَقَّ الزوجِ، فلا يَثبتُ، وإنَّما ثبَتَ في الجَبِّ والعُنَّةِ لإخلالِهما بالمَقصودِ مِنَ النكاحِ وهوَ الوَطءُ، وهذهِ العُيوبُ غَيرُ مُخلَّةٍ بهِ، ولأنَّ المُستحَقَّ على الزوجِ تَصحيحُ مَهرِها بوَطئِه إيَّاها، وهذا مَوجودٌ.
وذَهبَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحسَنِ إلى أنه يَثبتُ للمَرأةِ حَقُّ الفَسخِ بجُنونِ الزَّوجِ أو جُذامِهِ أو بَرَصَه؛ لأنه لا يَنتظِمُ بيْنَهما المَصالحُ، فيَثبتُ لها الخِيارُ دَفعًا للضَّررِ عَنها، بخِلافِ الزوجِ؛ لأنه يَقدرُ على دَفعِهِ بالطلاقِ، وصارَ كالجَبِّ والعُنَّةِ، ولأنها يَلحقُها الضَّررُ بالمقَامِ معَ المَجنونِ أكثرَ ممَّا يَلحقُها بالمقَامِ معَ العنِّينِ، فإذا ثبَتَ لها الخِيارُ معَ العنِّينِ فهذا أَولى (١).
стр. 9032
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العُيوبَ أوسَعُ مِنْ ذلكَ، وأنها ثَلاثةُ أقسامٍ: قِسمٌ مِنها خاصٌّ بالرِّجالِ، وقِسمٌ خاصٌّ بالنِّساءِ، وقِسمٌ مُشتَرَكٌ بيْنَهُما، واتَّفقُوا على بَعضِها واختَلفُوا في بَعضِها، فأكثرُهُم تَوسُّعًا في العُيوبِ همُ المالِكيةُ.
قالَ المالِكيةُ: العُيوبُ الَّتي يُفرَّقُ بها ثلاثةَ عشَرَ عَيبًا:
يَشتَركانِ في أربعةٍ:
١ - الجُنونُ: سواءٌ كانَ بصَرَعٍ أو وسْواسٍ، ولا يُشتَرطُ استِغراقُه جميعَ الأوقاتِ، بل يَكفي بعضُها ولو كانَ يَحصلُ رأسَ كلِّ شَهرٍ ويَسلَمُ فيما بيْنَ ذلكَ؛ لأنَّ النُّفوسَ تَنفرُ مِنَ المصروعِ وتَخافُه.
стр. 9033
٢ - والجُذامُ البَيِّنُ: ولو قَلَّ أو حدَثَ بعْدَ العَقدِ، وأمَّا لَو كانَ مَشكوكًا في كَونِه جُذامًا فلا ردَّ بهِ اتِّفاقًا.
٣ - والبَرَصُ: ولا فرْقَ بيْنَ أبيَضِه وأسوَدِه الأردَأِ مِنَ الأبيضِ؛ لأنه مُقدِّمةُ الجُذامِ، وعَلامةُ الأسوَدِ التَّقشيرُ والتَّفليسُ، أي: يَكونُ له قِشرٌ مُدوَّرٌ يُشبهُ الفُلوسَ ويُشبهُ قِشرَ بعضِ السَّمكِ، ولا فرْقَ بيْنَ قَليلِه وكَثيرِه اتِّفاقًا في المَرأةِ، وعلى أحَدِ القَولينِ في يَسيرِ الرجلِ.
وهذا كلُّه في بَرَصٍ قَديمٍ قبلَ العَقدِ، وأمَّا الحادِثُ بعدَه فلا رَدَّ باليَسيرِ اتِّفاقًا، وفي الكَثيرِ خِلافٌ، وهذا فيما حدَثَ بالرَّجلِ، وأمَّا في المرأةِ فمُصيبةٌ نَزلَتْ بهِ.
٤ - والعِذْيَطَةُ: بكَسرِ العَينِ المُهمَلةِ وسُكونِ الذَّالِ المُعجَمةِ وفَتحِ المُثنَّاةِ التَّحتيَّةِ فَطاءٌ مُهمَلةٌ، وهيَ التغوُّطُ عِنْدَ الجِماعِ إذا كانَ قَديمًا أو شكَّ فيهِ، لا إنْ تَحقَّقَ حُدوثَه فلا رَدَّ بهِ، ومِثلُه البَولُ عندَ الجِماعِ، ولا رَدَّ بالرِّيحِ قَولًا واحِدًا، ولا بالبَولِ في الفُرُشِ على الأرجَحِ (١).
فإذا وجَدَ أحَدُ الزوجَينِ بالآخَرِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ الأربعةِ جازَ لهُ فَسخُ النكاحِ ولو كانَ بهِ ذلكَ العَيبُ أو غيرُه، فيَجوزُ لِكلِّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ أنْ يَفسخَ النكاحَ، وهذا إذا كانَتِ العُيوبُ مَوجودةً قبْلَ العَقدِ، وأمَّا إنْ وُجدِتَ بعدَ العَقدِ كانَ للزوجةِ أنْ تَردَّ بهِ الزوجَ، دُونَ الزَّوجِ فليسَ لهُ أنْ يَردَّ
стр. 9034
الزوجةَ؛ لأنه قادِرٌ على مُفارقَتِها بالطَّلاقِ إنْ تضرَّرَ؛ لأنَّ الطلاقَ بيَدهِ، بخِلافِ المَرأةِ، فلِذا ثبَتَ لها الخِيارُ.
ويُؤجَّلُ الزَّوجانِ في الأدْواءِ الثَّلاثةِ -الجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ- سَنةً كامِلةً إنْ رُجِيَ بُرؤُها، وإلا فلا فائِدةَ في التَّأجيلِ.
وللزَّوجةِ في الأجَلِ النَّفقةُ على زَوجِها دُونَ أُجرةِ الطَّبيبِ والدَّواءِ إنْ دَخلَ بها، لا إنْ لمْ يَدخُلْ فليسَ عليهِ نَفقةٌ.
ويَختصُّ الرَّجلُ بأربعةٍ:
١ - الخِصاءُ: وهوَ قَطْعُ الذَّكَرِ دُونَ الأُنثيَينِ أوِ الأُنثيَينِ دُونَ الذَّكرِ (١).
٢ - والجَبُّ: وهوُ قَطعُ الذَّكرِ والأُنثيَينِ.
٣ - والعُنَّةُ: صِغَرُ الذَّكَرِ جِدًّا بحَيثِ لا يَتأتَّى مَعهُ الجِماعُ (٢).
٤ - والاعتِراضُ: عَدمُ انتِشارِ الذَّكَرِ، أيْ لا يَقدِرُ عَلى الجِماعِ لعَدمِ انتِشارِه ونَحوِه، وربَّما كانَ بعدَ وَطءٍ وفي امرَأةٍ دُونَ أُخرَى، ويُقالُ لهُ المَربوطُ.
فيَثبتُ للمَرأةِ الخِيارُ إذا وَجدَتْ في الزوجِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ، أمَّا إنْ حَدثَتْ بعْدَ الوَطءِ فيها ولَو مرَّةً فلا يَثبتُ لها الخِيارُ وهيَ مُصيبةٌ نَزلَتْ بها، إلا أنْ يَتسبَّبَ فيهِ فلها الرَّدُّ بهِ كالحادِثِ قبلَ الوَطءِ وبعدَ العَقدِ.
стр. 9035
وتَختَصُّ المَرأةُ بخَمسةٍ:
١ - الرَّتقُ: وهو انسِدادُ مَسلَكِ الذَّكرِ بحَيثُ لا يُمكِنُ الجِماعُ معهُ، إلَّا إذا انسَدَّ بلَحمٍ أمكَنَ عِلاجُه لا بعَظمٍ.
٢ - والقَرنُ: هو شَيءٌ يَبرزُ في قَرنِ المَرأةِ يُشبهُ قَرْنَ الشَّاةِ، يَكونُ لَحمًا غالِبًا فيُمكِنُ عِلاجُه، وتارةً يكونُ عَظمًا فلا يُمكِنُ علاجُه.
٣ - والعَفَلُ: وهو لَحمٌ يَبرزُ في قُبُلِها يُشبِهُ الأدرةَ التي بالرجلِ، ولا يَخلُو مِنْ رَشحٍ، وقيلَ: رَغوةٌ تَحدُثُ في الفَرجِ عندَ الجِماعِ.
٤ - والإفضاءُ: وهو اختِلاطُ مَسلَكِ البولِ والذَّكرِ، وأَولى منهُ اختِلاطُ مَسلَكيِ الذَّكرِ والغائِطِ.
٥ - والبَخَرُ: أي نُتونةٌ فَرْجِها؛ لأنه مُنفِّرٌ جِدًّا، بخِلافِ نَتَنِ الفَمِ فلا ردَّ بهِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: يردُّ بهِ؛ لأنَّ نَتَنَ الأعلى أَولى بالردِّ؛ لمَضرَّتِه وقُربِه وبُعدِ مَضرَّةِ الآخَرِ.
فيَثبتُ الخِيارُ للرجلِ إذا وجَدَ في المَرأةِ أحَدَ هَذهِ العُيوبِ قبْلَ العَقدِ أو حِينَه، أمَّا الحادِثةُ بالمِرأةِ بعْدَ العَقدِ فمُصيبةٌ نَزلَتْ بالرَّجلِ ولا يَحقُّ لهُ الفَسخُ بهِ.
ولا خِيارَ بغَيرِ العُيوبِ المُتقدِّمةِ مِنْ سَوادٍ وقَرعٍ وعَمًى وعَوَرٍ وعَرجٍ وشَللٍ وقَطعِ عُضوٍ وكَثرةِ أكلٍ ونَحوِها ممَّا يُعَدُّ في العُرفِ عَيبًا، إلَّا بشَرطٍ، فيَثبتُ الخِيارُ بهذهِ العُيوبِ وبغَيرِها إنْ شَرَطَ السَّلامةَ منها، فلَو تَبيَّنَ أنَّ