واختَلفُوا إذا وُجدَ بالرَّجلِ جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ؛ هَلْ يَثبتُ لها الخِيارُ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ -وعَليهِ الفَتوى عندَهُم- إلى أنه لا يَثبتُ الخِيارُ للمَرأةِ إلا بالجَبِّ والعُنَّةِ والخَصْيِ فقطْ، ولا يَثبتُ لها الخِيارُ بالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ؛ لأنَّ الخِيارَ يُبطِلُ حَقَّ الزوجِ، فلا يَثبتُ، وإنَّما ثبَتَ في الجَبِّ والعُنَّةِ لإخلالِهما بالمَقصودِ مِنَ النكاحِ وهوَ الوَطءُ، وهذهِ العُيوبُ غَيرُ مُخلَّةٍ بهِ، ولأنَّ المُستحَقَّ على الزوجِ تَصحيحُ مَهرِها بوَطئِه إيَّاها، وهذا مَوجودٌ.
وذَهبَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحسَنِ إلى أنه يَثبتُ للمَرأةِ حَقُّ الفَسخِ بجُنونِ الزَّوجِ أو جُذامِهِ أو بَرَصَه؛ لأنه لا يَنتظِمُ بيْنَهما المَصالحُ، فيَثبتُ لها الخِيارُ دَفعًا للضَّررِ عَنها، بخِلافِ الزوجِ؛ لأنه يَقدرُ على دَفعِهِ بالطلاقِ، وصارَ كالجَبِّ والعُنَّةِ، ولأنها يَلحقُها الضَّررُ بالمقَامِ معَ المَجنونِ أكثرَ ممَّا يَلحقُها بالمقَامِ معَ العنِّينِ، فإذا ثبَتَ لها الخِيارُ معَ العنِّينِ فهذا أَولى (١).
стр. 9032
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العُيوبَ أوسَعُ مِنْ ذلكَ، وأنها ثَلاثةُ أقسامٍ: قِسمٌ مِنها خاصٌّ بالرِّجالِ، وقِسمٌ خاصٌّ بالنِّساءِ، وقِسمٌ مُشتَرَكٌ بيْنَهُما، واتَّفقُوا على بَعضِها واختَلفُوا في بَعضِها، فأكثرُهُم تَوسُّعًا في العُيوبِ همُ المالِكيةُ.
قالَ المالِكيةُ: العُيوبُ الَّتي يُفرَّقُ بها ثلاثةَ عشَرَ عَيبًا:
يَشتَركانِ في أربعةٍ:
١ - الجُنونُ: سواءٌ كانَ بصَرَعٍ أو وسْواسٍ، ولا يُشتَرطُ استِغراقُه جميعَ الأوقاتِ، بل يَكفي بعضُها ولو كانَ يَحصلُ رأسَ كلِّ شَهرٍ ويَسلَمُ فيما بيْنَ ذلكَ؛ لأنَّ النُّفوسَ تَنفرُ مِنَ المصروعِ وتَخافُه.
стр. 9033
٢ - والجُذامُ البَيِّنُ: ولو قَلَّ أو حدَثَ بعْدَ العَقدِ، وأمَّا لَو كانَ مَشكوكًا في كَونِه جُذامًا فلا ردَّ بهِ اتِّفاقًا.
٣ - والبَرَصُ: ولا فرْقَ بيْنَ أبيَضِه وأسوَدِه الأردَأِ مِنَ الأبيضِ؛ لأنه مُقدِّمةُ الجُذامِ، وعَلامةُ الأسوَدِ التَّقشيرُ والتَّفليسُ، أي: يَكونُ له قِشرٌ مُدوَّرٌ يُشبهُ الفُلوسَ ويُشبهُ قِشرَ بعضِ السَّمكِ، ولا فرْقَ بيْنَ قَليلِه وكَثيرِه اتِّفاقًا في المَرأةِ، وعلى أحَدِ القَولينِ في يَسيرِ الرجلِ.
وهذا كلُّه في بَرَصٍ قَديمٍ قبلَ العَقدِ، وأمَّا الحادِثُ بعدَه فلا رَدَّ باليَسيرِ اتِّفاقًا، وفي الكَثيرِ خِلافٌ، وهذا فيما حدَثَ بالرَّجلِ، وأمَّا في المرأةِ فمُصيبةٌ نَزلَتْ بهِ.
٤ - والعِذْيَطَةُ: بكَسرِ العَينِ المُهمَلةِ وسُكونِ الذَّالِ المُعجَمةِ وفَتحِ المُثنَّاةِ التَّحتيَّةِ فَطاءٌ مُهمَلةٌ، وهيَ التغوُّطُ عِنْدَ الجِماعِ إذا كانَ قَديمًا أو شكَّ فيهِ، لا إنْ تَحقَّقَ حُدوثَه فلا رَدَّ بهِ، ومِثلُه البَولُ عندَ الجِماعِ، ولا رَدَّ بالرِّيحِ قَولًا واحِدًا، ولا بالبَولِ في الفُرُشِ على الأرجَحِ (١).
فإذا وجَدَ أحَدُ الزوجَينِ بالآخَرِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ الأربعةِ جازَ لهُ فَسخُ النكاحِ ولو كانَ بهِ ذلكَ العَيبُ أو غيرُه، فيَجوزُ لِكلِّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ أنْ يَفسخَ النكاحَ، وهذا إذا كانَتِ العُيوبُ مَوجودةً قبْلَ العَقدِ، وأمَّا إنْ وُجدِتَ بعدَ العَقدِ كانَ للزوجةِ أنْ تَردَّ بهِ الزوجَ، دُونَ الزَّوجِ فليسَ لهُ أنْ يَردَّ
стр. 9034
الزوجةَ؛ لأنه قادِرٌ على مُفارقَتِها بالطَّلاقِ إنْ تضرَّرَ؛ لأنَّ الطلاقَ بيَدهِ، بخِلافِ المَرأةِ، فلِذا ثبَتَ لها الخِيارُ.
ويُؤجَّلُ الزَّوجانِ في الأدْواءِ الثَّلاثةِ -الجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ- سَنةً كامِلةً إنْ رُجِيَ بُرؤُها، وإلا فلا فائِدةَ في التَّأجيلِ.
وللزَّوجةِ في الأجَلِ النَّفقةُ على زَوجِها دُونَ أُجرةِ الطَّبيبِ والدَّواءِ إنْ دَخلَ بها، لا إنْ لمْ يَدخُلْ فليسَ عليهِ نَفقةٌ.
ويَختصُّ الرَّجلُ بأربعةٍ:
١ - الخِصاءُ: وهوَ قَطْعُ الذَّكَرِ دُونَ الأُنثيَينِ أوِ الأُنثيَينِ دُونَ الذَّكرِ (١).
٢ - والجَبُّ: وهوُ قَطعُ الذَّكرِ والأُنثيَينِ.
٣ - والعُنَّةُ: صِغَرُ الذَّكَرِ جِدًّا بحَيثِ لا يَتأتَّى مَعهُ الجِماعُ (٢).
٤ - والاعتِراضُ: عَدمُ انتِشارِ الذَّكَرِ، أيْ لا يَقدِرُ عَلى الجِماعِ لعَدمِ انتِشارِه ونَحوِه، وربَّما كانَ بعدَ وَطءٍ وفي امرَأةٍ دُونَ أُخرَى، ويُقالُ لهُ المَربوطُ.
فيَثبتُ للمَرأةِ الخِيارُ إذا وَجدَتْ في الزوجِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ، أمَّا إنْ حَدثَتْ بعْدَ الوَطءِ فيها ولَو مرَّةً فلا يَثبتُ لها الخِيارُ وهيَ مُصيبةٌ نَزلَتْ بها، إلا أنْ يَتسبَّبَ فيهِ فلها الرَّدُّ بهِ كالحادِثِ قبلَ الوَطءِ وبعدَ العَقدِ.
стр. 9035
وتَختَصُّ المَرأةُ بخَمسةٍ:
١ - الرَّتقُ: وهو انسِدادُ مَسلَكِ الذَّكرِ بحَيثُ لا يُمكِنُ الجِماعُ معهُ، إلَّا إذا انسَدَّ بلَحمٍ أمكَنَ عِلاجُه لا بعَظمٍ.
٢ - والقَرنُ: هو شَيءٌ يَبرزُ في قَرنِ المَرأةِ يُشبهُ قَرْنَ الشَّاةِ، يَكونُ لَحمًا غالِبًا فيُمكِنُ عِلاجُه، وتارةً يكونُ عَظمًا فلا يُمكِنُ علاجُه.
٣ - والعَفَلُ: وهو لَحمٌ يَبرزُ في قُبُلِها يُشبِهُ الأدرةَ التي بالرجلِ، ولا يَخلُو مِنْ رَشحٍ، وقيلَ: رَغوةٌ تَحدُثُ في الفَرجِ عندَ الجِماعِ.
٤ - والإفضاءُ: وهو اختِلاطُ مَسلَكِ البولِ والذَّكرِ، وأَولى منهُ اختِلاطُ مَسلَكيِ الذَّكرِ والغائِطِ.
٥ - والبَخَرُ: أي نُتونةٌ فَرْجِها؛ لأنه مُنفِّرٌ جِدًّا، بخِلافِ نَتَنِ الفَمِ فلا ردَّ بهِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: يردُّ بهِ؛ لأنَّ نَتَنَ الأعلى أَولى بالردِّ؛ لمَضرَّتِه وقُربِه وبُعدِ مَضرَّةِ الآخَرِ.
فيَثبتُ الخِيارُ للرجلِ إذا وجَدَ في المَرأةِ أحَدَ هَذهِ العُيوبِ قبْلَ العَقدِ أو حِينَه، أمَّا الحادِثةُ بالمِرأةِ بعْدَ العَقدِ فمُصيبةٌ نَزلَتْ بالرَّجلِ ولا يَحقُّ لهُ الفَسخُ بهِ.
ولا خِيارَ بغَيرِ العُيوبِ المُتقدِّمةِ مِنْ سَوادٍ وقَرعٍ وعَمًى وعَوَرٍ وعَرجٍ وشَللٍ وقَطعِ عُضوٍ وكَثرةِ أكلٍ ونَحوِها ممَّا يُعَدُّ في العُرفِ عَيبًا، إلَّا بشَرطٍ، فيَثبتُ الخِيارُ بهذهِ العُيوبِ وبغَيرِها إنْ شَرَطَ السَّلامةَ منها، فلَو تَبيَّنَ أنَّ
стр. 9036
المَرأةَ ابنَةُ زِنًا أو قدْ أُزيلَتْ بَكارتُها بِزنًا فلا خِيارَ لِلزَّوجِ، إلَّا أنْ يَشتَرِطَ السَّلامةَ مِنْ ذلكَ فلهُ الخِيارُ.
ولهُ الرَّدُّ ولو بوَصفِ الوَليِّ لها عِنْدَ الخِطبةِ كأنْ يَقولَ: هيَ سَليمةُ العَينَينِ طَويلةُ الشَّعرِ لا عَيبَ بها، فتُوجَدَ بخَلافِه فله الرَّدُّ؛ لأنَّ وَصْفَه لها مُنزَّلٌ مَنزِلةَ الشَّرطِ، وكذا وَصفُ غيرِه كأمِّها بحُضورِهِ وهو ساكِتٌ.
ومَن تزوَّجَ امرَأةً يَظنُّها بِكْرًا فوَجدَها ثيِّبًا؛ فإنْ لمْ يَكنْ شرَطَ فلا رَدَّ مُطلَقًا، عَلِمَ الوليُّ بثُيوبَتِها أم لا، وإنْ شرَطَ العَذارةَ فلهُ الرَّدُّ مُطلَقًا، أو البكَارةُ وكانَ زَوالُها بنِكاحٍ، وإن شرَطَ البَكارةَ وكانَ زَوالُها بوَثْبةٍ أو زنًا فإنْ عَلِمَ الوَليُّ وكتَمَ على الزوجِّ كانَ لهُ الرَّدُّ، ورجَعَ بالصَّداقِ على الأبِ، وعلى غَيرِه إنْ تَولَّى العَقدَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في العِلَّةِ الَّتي مِنْ أجْلِها قُصِرَ الرَّدُّ على هذهِ العُيوبِ الأربعَةِ، فقيلَ: لأنَّ ذلكَ شَرعٌ غيرُ مُعلَّلٍ، وقيلَ: لأنَّ ذلكَ ممَّا يَخفَى، ومَحمَلُ سائرِ العُيوبِ على أنها ممَّا لا تَخفَى، وقيلَ: لأنها يُخافُ سِرايتُها إلى الأبناءِ، وعلى هذا التَّعليلِ يُرَدُّ بالسَّوادِ
стр. 9037
والقَرَعِ، وعلى الأوَّلِ يُرَدُّ بكُلُّ عَيبٍ إذا عُلِمَ أنه ممَّا خُفِّيَ على الزَّوجِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: العُيوبُ المُثبِتةُ للخِيارِ ثلاثةُ أقسامٍ:
القِسمُ الأوَّلُ: مُشترَكٌ بيْنَ الزَّوجينِ: وهوَ إذا وجَدَ أحَدُ الزَّوجينِ بالآخَرِ أحَدَ ثلاثةِ أشياءَ يَثبتُ لهُ الخِيارُ:
١ - الجُنونُ: وهوَ زَوالُ الشُّعورِ مِنَ القَلبِ معَ بَقاءِ الحَركةِ والقوَّةِ في الأعضَاءِ، وسَواءٌ كانَ مُتقطِّعًا أو مُطبِقًا، ولا يَلتحِقُ بهِ الإغماءُ كسائرِ الأمراضِ، والخَبَلُ كالجُنونِ، وكذا الصَّرعُ نوعٌ مِنَ الجُنونِ.
٢ - الجُذامُ: وهوَ عِلَّةٌ صَعبةٌ يَحمَرُّ مِنها العُضوُ ثمَّ يَسوَدُّ ثمَّ يَنقطعُ ويَتناثرُ، ويُتصوَّرُ ذلكَ في كلِّ عُضوٍ، لكنَّهُ في الوَجهِ أَغلبُ.
٣ - والبَرَصُ المُستحكِمُ: وهوَ بَياضٌ شَديدٌ يَبقعُ الجِلدَ فتَذهبُ دَمويَّتُه، وعَلامتُهُ أنْ يُعصَرَ المَكانُ فلا يَحمَرَّ لأنه مَيتٌ، ولا يَلتحِقُ بهِ البَهَقُ؛ لأنه بَياضٌ على غَيرِ هذا الوَجهِ.
وإذا زالَ الجُنونُ والجُذامُ والبَرَصُ بالتَّداوِي سَقطَ حَقُّ الفَسخِ؛ لِزَوالِ ما يَدعُو إليهِ.
ويَثبتُ لِكلِّ واحِدٍ منهُما الخِيارُ في هَذهِ الثَّلاثةِ، ولَو كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما فيهِ نَفسُ العَيبِ عَلى الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غَيرِه ما لا يَعافُه مِنْ نفْسِه، فيَمنعُه ذلكَ مِنَ الاستِمتاعِ.
стр. 9038
وقِيلَ: إنْ وجَدَ بهِ مِثلَ عَيبِه فلا خِيارَ؛ لِتَساويهِما.
فإنْ كانَا مِنْ جِنسَينِ فلِكلِّ واحِدٍ مِنهُما الخِيارُ، إلَّا إذا كانَ الرَّجلُ مَجبوبًا والمَرأةُ رَتقاءَ فهُمَا كالجِنسِ الواحِدِ.
القِسمُ الثَّاني: خاصٌّ بالزَّوجةِ: فيَثبتُ للزَّوجِ الخِيارُ في فَسخِ النِّكاحِ إذا وجَدَ زَوجتَه رَتقاءَ أو قَرناءَ، بأنِ انسَدَّ مَحَلُّ الجِماعِ مِنها في الأوَّلِ بِلَحمٍ، وبالثَّاني بعَظمٍ في الأصَحِّ، وقيلَ: بِلَحمٍ، وعَليهِ فالرَّتقُ والقَرَنُ واحِدٌ، فيَثبتُ لهُ الخِيارُ في فَسخِ النكاحِ، وليسَ للزَّوجِ إجبارُ الرَّتقاءِ على شقِّ المَوضِعِ، وإنْ شقَّتْهُ بنحوِ عمليَّةٍ جِراحيَّةٍ وأمكَنَ الوَطءُ فلا خِيارَ للزوجِ حِينَئذٍ؛ لِعَدمِ وُجودِ المُقتَضي للفَسخِ.
القِسمُ الثَّالثُ: خاصٌّ بالزَّوجِ: فيَثبتُ للزَّوجةِ الخِيارُ إذا وَجدتْ زوْجَها:
١ - عِنِّينًا: أي عاجزًا عَنِ الوَطءِ في القُبُلِ خاصَّةٍ، والعِنِّينُ مَنْ بهِ داءٌ يَمنعُ انتِشارَ ذكَرِه في قُبُلِها وإنْ قدرَ عَلى غَيرِها، ويَكونُ عَدمُ انتِشارِ ذكَرِه إمَّا لضَعفٍ في القَلبِ أو الكَبِدِ أو الدِّماغِ أو الآلةِ فيَمتَنعُ الانتِشارُ، وقدْ يتَّفقُ علَى امرأةٍ معيَّنةٍ بأنْ تَحتَبسَ الشَّهوةُ عنها لنَفرةٍ أو حَياءٍ معَ القَدرةِ على غَيرِها لمَيْلٍ أو أُنسٍ.
٢ - أو مَجبوبًا: أي مَقطُوعَ الذَّكرِ كلِّهِ أو دُونَ قَدْرِ الحشَفةِ، بحَيثُ لا يَبقى منهُ ما يُمكِنُ بهِ الجِماعُ.
فيَثبتُ لِلمَرأةِ فَسخُ النِّكاحِ، ولَو عَلمَتْ بعُنَّةِ زَوجِها قبْلَ العَقدِ ثَبتَ الخِيارُ لها أيضًا.
стр. 9039
أمَّا لَو عَلمَتْ أو عَلِمَ هوَ بعَيبٍ آخَرَ مِنْ باقِي العُيوبِ قبْلَ العَقدِ فلا خِيارَ، فيَثبتُ الخِيارُ بهَذهِ العُيوبِ عِنْدَ الجَهلِ بها دُونَ العِلمِ، إلَّا في العُنَّةِ.
ولا فَسْخَ بالخُنوثَةِ الَّتي بانَتْ قبْلَ العَقدِ في الأظهرِ؛ لأنه لا يَفوتُ مَقصودُ النِّكاحِ.
والثَّاني: يَثبتُ الخِيارُ لِتَنفيرِه بالطبعِ، أمَّا الَّتي بَقيَتْ مُشكلةً فنِكاحُها باطِلٌ.
ولَو حدَثَ بالزَّوجِ بعْدَ العَقدِ عَيبٌ ممَّا مَرَّ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه ولَو بفِعلِها تخيَّرَتِ الزَّوجةُ بيْنَ فَسخِ النِّكاحِ وإدامتِه؛ لِتَضرُّرِها بالحادِثِ كالمُقارِنِ، إلَّا عُنَّةً حَدثَتْ بعْدَ وطْءٍ فلا تَتخيَّرُ بها؛ لأنَّ مَقصودَ النِّكاحِ قد حَصلَ لها مِنَ المَهرِ وثُبوتِ الحَصانةِ، ولمْ يَبقَ إلَّا التلذُّذُ، وهو شَهوةٌ لا يُجبَرُ الزوجُ عليها، ولأنها تَرجُو زَوالَ عُنَّتِه.
أو حَدَثَ بها عَيبٌ ممَّا مرَّ قبلَ الدُّخولَ أو بعدَه تخيَّرَ في الجَديدِ، كمَا يَثبتُ لها إذَا حَدثَ العيبُ بهِ، وفي القَديمِ لا يَتخيَّرُ بِهِ؛ لأنه لا تَدليسَ منها وهوَ مُتمكِّنٌ مِنَ التَّخلصِ بالطَّلاقِ غيرُ مُضطَرٍ إلى الفَسخِ.
ولا خِيارَ لِلوليِّ بعَيبٍ حادِثٍ بالزَّوجِ؛ لأنَّ حقَّ الأولياءِ في الكَفاءةِ إنَّما يُراعَى في الابتِداءِ دُونَ الدَّوامِ، وكذا لا خِيارَ للوَليِّ بمُقارنِ جَبٍّ وعُنَّةٍ؛ لعَدمِ العارِ، والضَّررُ عليها فقطْ، ولذا لَزمَه إجَابتُها إليهما، وإلا كانَ عاضِلًا.
وفي وَجهٍ: أنَّ لِلأولياءِ الخِيارُ بجَميعِ العُيوبِ المُقارِنةِ.
стр. 9040
فإنْ قِيلَ: العُنَّةُ لا تَثبتُ إلَّا بعْدَ العَقدِ فكَيفَ صُورتُها؟
قيلَ: يُمكِنُ تَصوريها بما إذا تَزوَّجَها وعَنَّ عَنها ثُمَّ طَلَّقَها وأرادَ تَجديدَ نِكاحِها.
ويتَخيَّرُ بمُقارنِ جُنونٍ وإنْ رَضِيَتِ المَرأةُ إجماعًا؛ لأنَّ الأولياءَ يتَعيَّرونَ بهِ، وكذا جُذامٌ وبَرَصٌ في الأصحِّ.
والثَّاني: لا خِيارَ للوَليِّ؛ لأنَّ الضَّررَ في الجُذامِ والبَرَصِ خاصٌّ بصُحبةِ مَنْ تَعافُه النَّفسُ، وهذا المَعنَى يَختصُّ بها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَثبتُ خِيارُ العَيبِ لكلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ، وأقسامُها المُثبِتةُ للخِيارِ ثلاثةٌ:
القِسمُ الأوَّلُ: يَختَصُّ بالرَّجلِ: فيَثبتُ للمَرأةِ الخِيارُ إذا وَجدتْ زوْجَها:
١ - مَجبُوبًا: أي مَقطوعَ الذَّكرِ كلِّه أو بعْضِه بحَيثُ لم يَبْقَ منهُ ما يطَأَ بهِ، أو قُطعَتْ خِصيتاهُ، أو رضَّ الخِصيَتينِ: وهو رضُّ عِرقِ البَيضتَينِ حتَّى يَنفسِخَ فيَكونُ شَبيهًا بالخِصاءِ.
٢ - أو أشَلَّ الذَّكرِ: فلها الفَسخُ في الحالِ؛ لأنَّ فيهِ نَقصًا يَمنعُ الوطءَ أو يُضعفُه، ورَوى أبو عُبيدٍ بإسنادِهِ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ: «أنَّ ابنَ سندر تزوَّجَ
стр. 9041
امرأةً وهو خَصيٌّ، فقالَ لهُ عُمرُ: أعْلَمتَها؟ قالَ: لا، قالَ: أَعلِمْها ثمَّ خَيِّرْها».
٣ - والعُنَّةُ: إلا أنه إنْ كانَ عنِّينًا بإقرارِه أو ببيِّنةٍ أو طلَبَتْ يَمينَه فنكَلَ ولمْ يَدَّعِ وَطْأً أُجِّلَ سنَةً هلاليَّةً مِنذُ تَرافعَ إلى الحاكِمِ، لا مِنْ العَقدِ ولا مِنَ الدُّخولِ اتِّفاقًا، وعليهِ فَتوى فُقهاءِ الأمصارِ.
فإنْ مَضتِ السَّنةُ ولم يطَأْها فلَها الفَسخُ؛ لأنه إذا مَضتِ الفُصولُ الأربَعةِ ولم يَزُلْ عُلِمَ أنه خِلقةٌ؛ لأنَّ هذا العَجزَ قدْ يكُونُ لعُنَّتِه وقدْ يكونُ لمَرضٍ، فضُرِبَ لهُ سَنةٌ لتَمرَّ بهِ الفُصولُ الأربعَةُ، فإنْ كانَ مِنْ يَبَسٍ زالَ في فَصلِ الرُّطوبةِ، وإنْ كانَ مِنْ رُطوبةٍ زالَ في فَصلِ اليَبَسِ، وإنْ كانَ مِنْ بُرودةٍ زالَ في فَصلِ الحرارةِ، وإنْ كانَ مِنِ انحِرافِ مزاجٍ زالَ في فَصلِ الاعتِدالِ، فإذا مَضتِ الفصولُ الأربَعةُ ولم يَزُلْ عَلِمْنا أنه خِلقةٌ.
ولا يُحتسَبُ عليهِ مِنها ما اعتَزلَتْه المَرأةُ لهُ بالنُّشوزِ أو غيرِه؛ لأنَّ المانِعَ مِنها.
ولو عَزَلَ الزوجُ نفْسَه عَنها أو سافَرَ لحاجةٍ أو غيرِها حُسِبَ عليهِ ذلكَ مِنَ المُدَّةِ؛ لأنه مِنْ قِبَلِه وكالمُولي، فإنْ وطِئَ الزَّوجُ في السَّنةِ فليسَ بعِنِّينٍ.
وإلَّا بأنْ مَضتْ ولم يطَأْها فيها فلَها فَسخُ نِكاحِها منهُ.
فإنْ قالَ الزوجُ: «قدْ عَلِمَتْ أني عنِّينٌ قبلَ أنْ أنكِحَها» فإنْ أقَرَّتْ بذلكَ أو ثبَتَ عِلمُها بهِ ببيِّنةٍ فلا يُؤجَّلُ وهيَ امرأتُهُ، ولا فسْخَ لها؛ لدُخولِها على بَصيرةٍ.
стр. 9042
وإنْ عَلِمَتْ أنه عنِّينٌ بعدَ الدُّخولِ فسكَتَتْ عنِ المُطالَبةِ ثمَّ طالبَتْ بعدُ فلَها ذلكَ؛ لأنه على التَّراخي، ويُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يَومِ تَرافُعِه لا مِنْ العَقدِ ولا مِنْ الدُّخولِ.
وإنْ قالَتْ في وَقتٍ مِنْ الأوقاتِ: «رَضِيتُ بهِ عنِّينًا» لمْ يَكنْ لها المُطالَبةُ بعدَ ذلكَ بالفَسخِ؛ لإسقاطِها حَقَّها منه.
وإنْ لمْ يَعتَرِفْ بأنه عنِّينٌ ولمْ تكنْ بيِّنةٌ تَشهَدُ باعتِرافِه أو بعُنَّتِه إنْ أمكَنَ ولم يَدَّعِ وَطئًا حَلَفَ على ذلكَ لقَطعِ دَعواها، وإنَّما كانَ القولُ قولَه لأنَّ الأصلَ في الرَّجلِ السَّلامةُ، فإنْ نكَلَ عنِ اليَمينِ أُجِّلَ سَنةً.
فإنِ اعتَرفَتِ المَرأةُ أنه وطِئَها مرَّةً في القُبُلِ بطَلَ كونُهُ عنِّينًا؛ لزَوالِ عنَّتِه بالوطءِ، فإنْ وَطئَها في الدُّبرِ لم تَزُلِ العُنَّةُ؛ لأنه ليسَ مَحلًّا للوطءِ فيما دُونَ الفَرجِ، ولذلك لا يَتعلَّقُ بهِ إحصانٌ ولا إحلالٌ لمُطلَّقةٍ ثلاثًا.
أو وطِئَها في نِكاحٍ سابقٍ أو وَطئَ غيرَها لم تَزُلِ العنَّةُ؛ لأنها قدْ تَطرأُ، ولأنَّ حُكمَ كلِّ امرأةٍ يُعتبَرُ بنفسِها، والفَسخُ لزَوالِ الضَّررِ الحاصلِ بعَجزِه عنْ وَطئِها، وهو لا يَزولُ بوَطءِ غيرِها.
وإنِ ادَّعى زوجٌ وطْءَ بِكرٍ فشَهدَ بعُذرتِها -أي بَكارتِها- امرَأةٌ ثِقةٌ أُجِّلَ سَنةً كما لو كانَتْ ثيِّبًا، والأحوَطُ شَهادةُ امرأتَينِ ثِقتَينِ، وإنْ لم يَشهدْ بها -أي البَكارةِ- أحَدٌ فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصلَ السَّلامةُ، وعليها اليَمينُ إنْ قالَ الزَّوجُ: «أزلْتُ بَكارتَها وعادَتْ»؛ لاحتِمالِ صِدقِه.
стр. 9043
القِسمُ الثَّاني: يَختصُّ بالأنثى: فيَثبتُ للزوجِ الخِيارُ إذا وجَدَ بالمَرأةِ واحِدًا مِنْ هذهِ العُيوبِ:
١ - الرَّتقُ: وهوَ كونُ الفَرْجِ مَسدودًا مَلتصِقًا لا يَسلُكُه ذَكَرٌ بأصلِ الخِلقةِ.
٢ - أو بفَرجِها بَخَرٌ: وهو نَتَنٌ بالفَرجِ يَثورُ بالوطءِ.
٣ - أو به قُروحٌ سَيَّالةٌ.
٤ - أو كَونُها فَتْقاءَ: بانخِرامِ ما بيْنَ سَبيلَيْها -وهوَ القُبلُ والدُّبرُ مِنَ المَرأةِ-، أو بانخِراقِ ما بيْنَ مَخرَجِ بَولٍ ومَنيٍّ وهو الفَتْقُ؛ لأنه يَمنعُ لذَّةَ الوطءِ وفائِدتَه.
٥ - أو كَونُها مُستحاضةً.
فيَثبتُ الخِيارُ للزوجِ؛ لأنَّ ذلك يَمنعُ الوَطءَ أو يَمنعُ لذَّتَه، ولِمَا فيه مِنْ النَّفرةِ أوِ النَّقصِ أو خَوفِ تَعدِّي أذاه أو نَجاستِه.
القِسمُ الثالثُ: مُشترَكٌ بيْنَ الزَّوجَينِ: فيَثبتُ لِكلِّ واحِدٍ مِنهُما الخيارُ إذا وَجَدَ بِصاحبِه أحَدَ هذهِ العُيوبِ، وهيَ:
١ - الجُنونُ: ولو أحيانًا، وإنْ زالَ العَقلُ بمَرضٍ فهو إغماءٌ لا يَثبتُ بهِ خيارٌ؛ لأنه لا تَطولُ مدَّتُه ولا تَثبتُ الوِلايةُ بهِ، وإنْ زالَ المرَضُ ودامَ الإغماءُ فهو كالجُنونِ يَثبتُ بهِ الخيارُ.
٢ - والجُذامُ.
стр. 9044
٣ - والبَرَصُ.
٤ - وبَخَرُ الفَمِ.
٥ - والباسُورُ: وهوَ داءٌ بالمَقعَدَةِ، منهُ ما يَأتي كالعدَسِ والحُمُّصِ أو العِنَبِ والتُّوتِ، ومنه ما هو غائرٌ داخِلَ المَقعَدَةِ، وكلٌّ مِنْ ذلكَ إمَّا سائلٌ أو غَيرُ سائلٍ.
٦ - والناصُورُ: داءٌ بالمَقعَدَةِ، وهوَ قُروحٌ غائِرةٌ تَحدُثُ في المَقعَدةِ يَسيلُ منها صَديدٌ، ويَنقسمُ إلى نافِذةٍ وغيرِ نافِذةٍ، وعَلامةُ النافذةِ أنْ يَخرجَ الرِّيحُ والنَّجْوُ بلا إرادةٍ، وإنْ أَدخَلَ في النَّاصورِ مِيلًا وأَدخلَ الأصبعَ في المَقعَدةِ فإنِ التَقيَا فالناصورُ نافذٌ.
٧ - واستِطْلاقُ البَولِ أوِ الغائِطِ.
٨ - وكونُ أحَدِهما خُنثى غيرَ مُشكِلٍ، وأمَّا المُشكِلُ فلا يَصحُّ نِكاحُه.
فيُفسَخُ بكلِّ عَيبٍ ممَّا تقدَّمَ، وسواءٌ وجَدَ أحدُهما بالآخَرِ نفْسَ عَيبِه أو غيرَه؛ لأنَّ الإنسانِ يَعافُ مِنْ غَيرِه ما لا يَعافُ مِنْ نفْسِه، إلَّا أنْ يَجِدَ المَجبوبُ المرأةَ رَتقاءَ فلا يَنبغِي أنْ يَثبتَ لهُمَا خيارٌ؛ لامتِناعِ الاستِمتاعِ بعَيبِ نفْسِه.
ويَثبتُ الخِيارُ أيضًا بحُدوثِ العَيبِ بعْدَ العَقدِ ولو بعْدَ الدُّخولِ؛ لأنه عَيبٌ أثبَتَ الخِيارَ مقارِنًا فأثبَتَ طارِئًا كالإعسارِ.
فإنْ كانَ أحَدُ الزَّوجينِ عالِمًا بالعَيبِ في الآخَرِ وقْتَ العَقدِ فَلا خِيارَ لهُ، وكذا لو عَلِمَ بالعَيبِ بعْدَ العقدِ ورَضيَ بهِ فلا خِيارَ لهُ بلا خِلافٍ، لأنه قد رَضيَ بهِ كمُشتَري المَعيبِ.
стр. 9045
وكذا لو وُجدَ مِنهُ دَلالةٌ على الرِّضا بالعَيبِ مِنْ وَطءٍ أو تَمكينٍ مِنْ وَطءٍ معَ العلمِ بالعَيبِ فلا خِيارَ لهُ.
وإنِ اختَلفَا في العِلمِ بالعَيبِ فالقولُ قَولُ مُنكِرِ العلمِ معَ يمينِهِ في عَدمِ عِلمِه بالعَيبِ؛ لأنه الأصلُ.
فإنْ رَضيَ بعَيبٍ -كما لو رَضيَها رَتقاءَ مَثلًا- ثمَّ حدَثَ عَيبٌ آخرُ مِنْ غَيرِ جِنسِه بأنْ حدَثَ للرَّتقاءِ جُذامٌ فلهُ الخِيارُ للعَيبِ الحادِثِ؛ لأنه لم يرضَ بهِ.
فإنْ ظنَّ العَيبَ الذي رَضيَ بهِ يَسيرًا فَبانَ كَثيرًا -كمَنْ ظنَّ البَرَصَ في قَليلٍ مِنْ جَسدِه فَبانَ في كَثيرٍ منهُ- أو زادَ العَيبُ بعْدَ العَقدِ فَلا خِيارَ لهُ؛ لأنه مِنْ جِنسِ ما رَضيَ بهِ، ورضاهُ بهِ رضًا بما يَحدثُ منهُ.
ولا يَثبتُ الخِيارُ بعَوَرٍ وعَرَجٍ وقَطعِ يدٍ ورِجلٍ وعَمًى وخَرَسٍ وطَرَشٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَمنعُ الاستمتاعَ ولا يُخشى تعدِّيهِ (١).
وذهبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ -رحمهما الله- إلى أنَّ العُيوبَ لا تُقتصرُ على ما ذُكِرَ فقطْ، فيُلحقُ بها كلُّ عَيبٍ يُماثلُها في الضَّررِ.
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قَدْ عُلِمَ أنَّ عُيوبَ الفرْجِ المانِعةَ مِنَ الوطءِ لا يُرضى بها في العادَةِ، بخِلافِ اللَّونِ والطُّولِ والقِصَرِ والعَرَجِ
стр. 9046
ونحوِ ذلكَ ممَّا تُردُّ بهِ الأمَةُ المَعيبةُ، فإنَّ الحرَّةَ لا تُقلَّبُ كما تُقلَّبُ الأمَةُ، والزَّوجُ قد رَضيَ بها رضًى مُطلَقًا، بخِلافِ البيعِ، وهوَ معَ هذا لم يَشتَرطْ فيها صِفةً فبانَتْ دُونَها، والشَّرطُ إنَّما يَثبتُ شَرطًا وعُرفًا، وما أمكَنَ معهُ الوَطءُ وكمالُهُ فلا يَنضبطُ فيه أغرَاضُ النَّاسِ، والنِّساءُ يُرضَى بهنَّ في العُرفِ والعادَةِ معَ الصِّفاتِ المُختلِفةِ، والمَقصودُ مِنَ النكاحِ المُصاهَرةُ والاستِمتاعُ، وذلكَ يَختلفُ باختِلافِ الصِّفاتِ، فهذا فَرقٌ شَرعيٌّ مَعقولٌ في عُرفِ الناسِ.
وقالَ: وأمَّا الرَّجلُ فأمرُه ظاهِرٌ يراهُ مَنْ شاءَ، فليسَ فيهِ عَيبٌ يُوجِبُ الردَّ، والمَرأةُ إذا فرَّطَ الزوجُ في بَصَرِها أولًا فلَهُ طريقٌ إلى التَّخلصِ منها بالطَّلاقِ، فإنَّهُ بيدهِ دونَ المَرأةِ (١).
وقالَ أيضًا: يَثبتُ بالاستِحاضةِ الفَسخُ في أظهَرِ الوجهَينِ، وتُردُّ المرأةُ بكلِّ عَيبٍ يُنفرُ عن كَمالِ الاستِمتاعِ.
وقالَ: ولو بانَ الزوجُ عَقيمًا فقِياسُ قَولِنا بثُبوتِ الخِيارِ للَمرأةِ أنَّ لها حقًّا في الولَدِ، ولِهذا قُلنا: لا يعزلُ عنِ الحُرةِ إلا بإذنِها، وعنِ الإمامِ أحمَدَ ما يَقتضِيه، ورُوي عن أميرِ المُؤمنِينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أيضًا (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا الاقتِصارُ على عَيبَينِ أو ستَّةٍ أو سَبعةٍ أو ثمانيَةٍ دونَ ما هوَ أَولى منها أو مُساوٍ لها فلا وَجهَ لهُ، فالعَمى والخَرَسُ والطَرَشُ وكونُها مَقطوعةَ اليدَينِ أو الرِّجلَينِ أو إحداهُما أو كَونُ الرَّجلِ
стр. 9047
كذلكَ مِنْ أَعظمِ المُنفِّراتِ، والسُّكوتُ عنهُ مِنْ أَقبحِ التَّدليسِ والغشِّ، وهوَ مُنافٍ للدِّينِ، والإطلاقُ إنَّما يَنصرفُ إلى السَّلامةِ، فهوَ كالمَشروطِ عُرفًا، وقد قالَ أميرُ المُؤمنِينَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ لمَن تزوَّجَ امرأةً وهوَ لا يُولَدُ لهُ: «أَخبِرْهَا أنَّكَ عَقِيمٌ وخَيِّرْها»، فماذا يقولُ ﵁ في العُيوبِ الَّتي هذا عِندَها كمالٌ لا نقصٌ؟!
والقِياسُ أنَّ كلَّ عَيبٍ يُنفِّرُ الزوجَ الآخَرَ منهُ ولا يَحصلُ بهِ مَقصودُ النِّكاحِ مِنَ الرَّحمةِ والمودَّةِ يُوجِبُ الخيارَ، وهو أَولى مِنْ البَيعِ، كما أنَّ الشُّروطَ المُشتَرَطةَ في النكاحِ أَولى بالوفاءِ مِنْ شُروطِ البَيعِ، وما أَلزمَ اللهُ ورسولُه مَغرورًا قطُّ ولا مَغبونًا بما غُرَّ بهِ وغُبنَ به، ومَن تدبَّرَ مَقاصدَ الشَّرعِ في مَصادرِهِ ومَواردِهِ وعدلِهِ وحِكمتِه وما اشتَملَ عليهِ مِنَ المَصالحِ لم يَخْفَ عليهِ رُجحانُ هذا القولِ وقربُهُ مِنْ قواعدِ الشَّريعةِ (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: فَصلٌ: وأمَّا خُلوُّ الزَّوجِ عمَّا سِوى هذهِ العيوبِ الخَمسةِ منَ الجَبِّ والعُنَّةِ والتأَخُّذِ والخِصاءِ والخُنوثَةِ؛ فهلْ هوَ شرطُ لزومِ النكاحِ؟
قالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ: ليسَ بشَرطٍ ولا يُفسخُ النِّكاحُ بهِ.
وقالَ محمَّدٌ: خُلوُّهُ مِنْ كلِّ عَيبٍ لا يُمكِنُها المقامُ معهُ إلَّا بضَررٍ كالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ شَرطُ لزومِ النكاحِ، حتَّى يُفسخُ بهِ النكاحُ، وخلوُّهُ عمَّا سِوى ذلكَ ليسَ بشَرطٍ، وهو مَذهبُ الشَّافعيِّ.
стр. 9048
وجهُ قولِ مُحمدٍ: أنَّ الخِيارَ في العُيوبِ الخَمسةِ إنَّما ثَبَتَ لدَفعِ الضَّررِ عنِ المرأةِ، وهذهِ العُيوبُ في إلحاقِ الضَّررِ بها فَوقَ تلكَ؛ لأنها مِنَ الأدْواءِ المُتعدِّيةِ عادةُ، فلمَّا ثَبَتَ الخيارُ بتلكَ فلَأنْ يَثبتَ بهذهِ أَولى، بخِلافِ ما إذا كانَتْ هذهِ العُيوبُ في جانِبِ المرأةِ؛ لأنَّ الزَّوجَ وإنْ كانَ يَتضررُ بها لكنْ يُمكِنُهُ دفعُ الضَّررِ عن نفسِهِ بالطلاقِ؛ فإنَّ الطلاقَ بيدِهِ، والمرأةُ لا يُمكِنُها ذلكَ؛ لأنها لا تَملكُ الطلاقَ، فتَعيَّنَ الفَسخُ طَريقًا لدفعِ الضَّررِ (١).
هلْ يَجوزُ للوليِّ كَتمُ بعضِ العيوبِ:
قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للوليِّ كَتمُ العَمى ونَحوِه مِنْ كلِّ عَيبٍ لا يُوجبُ الخِيارَ كالقَرَعِ والسَّوادِ والشَّللِ وغيرِ ذلكَ مِنْ كلِّ عَيبٍ تكرهُهُ النُّفوسُ غيرَ الثَّلاثةَ عشَرَ عيبًا إذا لمْ يَشترطِ الزوجُ السَّلامةَ منهُ؛ لأنَّ النكاحَ مبنيٌّ على المُكارمَةِ، بخِلافِ البيعِ؛ يُجبُ على البائعِ بَيانُ كلِّ ما يَكرهُه المُشتَري، وأمَّا ما يُوجبُ الخِيارَ فعَلى الوليِّ بيانُهُ.
ويَجبُ عليهِ كتمُ الخَنَى -أي الفَواحشِ التي تُوجِبُ العارَ- كالزِّنا والسَّرقةِ، ولوِ اشتَرطَ الزوجُ السَّلامةَ مِنْ ذلكَ.
والذي يَنبغي حِينئذٍ أنْ يُقالَ: يَجبُ الكَتمُ للستْرِ والمَنعُ مِنْ تزويجِها بأنْ يَقولَ للزوجِ: «هي لا تَصلحُ لكَ»؛ لأنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ (٢).
стр. 9049
شُروطُ التَّفريقِ للعَيبِ لدَى الفُقهاءِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لثُبوتِ التَّفريقِ بالعَيبِ ما يلي:
١ - عَدمُ الرِّضا بالعَيبِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ السَّليمَ مِنَ الزَّوجينِ إذا عَلِمَ بعَيبِ الآخَرِ قبْلَ العَقدِ أو أثناءَ العَقدِ أو بعدَ العقدِ صَراحةً أو دَلالةً كأنْ يقولَ: «رَضِيتُ بهذا العيبِ» أو يطأَها أو تُمكِّنَه مِنَ الوَطءِ فلا خِيارَ لأحَدِهما بعدَ ذلكَ، كمُشتَري المَعيبِ يَسقطُ خِيارُه بالقَولِ وبِما يَدلُّ على رِضاهُ بالعَيبِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومِن شَرطِ ثبوتِ الخِيارِ بهذهِ العُيوبِ أنْ لا يكونَ عالِمًا بها وقتَ العَقدِ ولا يَرضى بها بعدَه، فإنْ عَلِمَ بها في العَقدِ أو بعدَهُ فرَضيَ فلا خِيارَ لهُ، لا نعلمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنه رَضيَ بهِ، فأشبَهَ مُشتَري المَعيبِ (١).
إلَّا في مسألةِ العنِّينِ فاختَلفُوا فيها:
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنها إنْ عَلِمَتْ بأنه عنِّينٌ وسكتَتْ ثمَّ طَالبتْ بعدَ ذلكَ بالفَسخِ جازَ لها.
قالَ الحَنابلةُ: إنْ عَلِمَتْ أنه عنِّينٌ بعدَ الدُّخولِ فسَكتَتْ عنِ المُطالَبةِ ثمَّ
стр. 9050
طالبَتْ بعدُ فلها ذلكَ؛ لأنه على التَّراخي، ويُؤَجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ تَرافعِهِ لا مِنَ العَقدِ ولا مِنَ الدُّخولِ.
وإنْ قالَتْ في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ: «رَضِيتُ بهِ عِنِّينًا» لم يَكنْ لها المُطالَبةُ بعْدَ ذلكَ بالفَسخِ؛ لإسقاطِها حَقَّها منهُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ عَلِمَتْ أنه عنِّينٌ بعدَ الدُّخولِ فسَكتَتْ عنِ المُطالَبةِ ثمَّ طالبَتْ بعْدُ فلها ذلكَ، ويُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ تَرافعِه، لا نَعلمُ في هذا اختِلافًا؛ وذلكَ لأنَّ سُكوتَها بعْدَ العَقدِ ليسَ بدَليلٍ على الرِّضى؛ لأنه زَمنٌ لا تَملكُ فيهِ الفَسخَ ولا الامتِناعَ مِنْ استِمتاعِه، فلمْ يَكنْ سُكوتُها مُسقِطًا لحقِّها، كسُكوتِها بعدَ ضَربِ المدَّةِ وقبلَ انقِضائِها.
ولو سَكتَتْ بعدَ المدَّةِ لم يَبطلْ خِيارُها أيضًا؛ لأنَّ الخِيارَ لا يَثبتُ إلَّا بعدَ رَفعِه إلى الحاكِمِ وثُبوتِ عَجزِه، فلا يَضرُّ السُّكوتُ قَبلَه (١).
والمالِكيةُ يَرَونَ أنَّ المُعتَرِضَ والاعتِراضَ هو عَدمُ انتِشارِ الذَّكَرِ، أي لا يَقدرُ على الجِماعِ لعَدمِ انتِشارِه ونَحوِه، وربَّما كانَ بعدَ وَطءٍ وفي امرأةٍ دونَ أُخرى، ويقالُ لهُ المَربوطُ، وهوَ شَبيهٌ بالعِنِّينِ عندَ الجُمهورِ، يَثبتُ لزَوجتِه الخِيارُ إذا مكَّنَتْه مِنْ نفْسِها عالِمةً باعتِراضِه، فلا يَسقطُ بذلكَ حقُّها مِنَ التَّفريقِ.
قالَ الدِّرديرُ ﵀: الخِيارُ لأحَدِ الزَّوجَينِ بسَببِ وُجودِ عَيبٍ مِنَ
стр. 9051
العُيوبِ الآتي بَيانُها … إنْ لمْ يَسبقِ العِلمُ أو لم يَرضَ بعَيبِ المَعيبِ صَريحًا أوِ التِزامًا حَيثُ اطَّلعَ عليهِ بعْدَ العَقدِ أو لم يَتلذَّذْ بالمَعيبِ عالِمًا بهِ، إلَّا امرَأةَ المعتَرضِ إذا عَلِمتْ قبلَ العَقدِ أو بعدَه باعتِراضِه ومكَّنتْهُ مِنْ التَّلذذِّ بها، فلها الخِيارُ حَيثُ كانَتْ تَرجُو بُرأهُ فيهِما ولم يَحصلْ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: إنْ عَلِمتْ بعُنَّتِه وقتَ النِّكاحِ فلا خِيارَ لها، كمَا لو عَلِمَ المُشتَري بعَيبِ المَبيعِ، وإن لم تَعلمْ بهِ وقتَه وعَلمَتْ بعْدَه كانَ لها الخُصومةُ وإن طالَ الزَّمانُ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يَثبتُ للمَرأةِ فَسخُ النكاحِ ولو عَلمَتْ بعُنَّةِ زوْجِها قبْلَ العَقدِ فلها الخِيارُ بعدَه على المَذهبِ؛ لأنَّ العُنَّةَ تَحصلُ في حَقِّ امرأةٍ دونَ أُخرى، وفي نِكاحٍ دُونَ نكاحٍ، ويَثبتُ الخِيارُ للزَّوجةِ بالعُنَّةِ وإنْ كانَ قادرًا على جِماعِ غَيرِها.
وكذا لو عَلمَتْ بعُنَّتِهِ وأخَّرتِ الرَّفعَ إلى القاضي لا يَسقطُ خِيارُها، أمَّا لو حَدَثتْ بهِ عُنَّةٌ بعدَ الدُّخولِ بها فلا خِيارَ لها؛ لحُصولِ المَقصودِ مِنَ النِّكاحِ مِنَ المَهرِ وثُبوتِ الحَصانةِ، وقد عرَفَتْ قُدرَتَه على الوَطءِ ووصَلَتْ إلى حَقِّها منهُ (٣).
стр. 9052
وأمَّا إنْ رَضِيَتْ بهِ عنِّينًا بعدَ عِلمِها بذلكَ بَطلَ خِيارُها عندَ عامَّةِ الفقهاءِ إلا أحَدَ قولَي الشافِعيةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ قالَتْ في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ: «قد رَضِيتُ بهِ عنِّينًا» لم يكنْ لها المُطالَبةُ بعْدُ).
وجُملةُ الأمرِ أنها متى رَضِيتْ بهِ عنِّينًا بَطلَ خِيارُها، سواءٌ قالَتْ عَقيبَ العَقدِ أو بعْدَ ضَربِ المدَّةِ أو بعْدَ انقضائِها، ولا نَعلمُ في بُطلانِ خيارِها بقَولِها ذلكَ بعدَ انقضاءِ المدَّةِ خِلافًا.
فأمَّا قبلَها فإنَّ الشافِعيَّ قالَ في الجَديدِ: لا يَبطلُ خِيارُها؛ لأنَّ حقَّها في الفسخِ إنَّما يَثبتُ بعدَ انقضاءِ المدَّةِ، فلم يصحَّ إسقاطُهُ قبْلَها، كالشَّفيعِ يُسقِطُ حقَّه قبلَ البَيعِ.
ولنَا: إنِّها رَضِيتْ بالعيبِ بعْدَ العَقدِ، فسَقطَ خيارُها كسائرِ العُيوبِ كما بعْدَ انقضاءِ المدَّةِ.
وما ذكَرُوه غَيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ العُنَّةَ التي هيَ سَببُ الفَسخِ مَوجودةٌ، وإنَّما المدَّةُ ليُعلَمَ وُجودُها ويَتحقَّقَ عِلمُها، فهيَ كالبيِّنةِ في سائرِ العُيوبِ، ويُفارِقُ الشُّفعةَ؛ فإنَّ سبَبَها البَيعُ، ولم يُوجَدْ بعدُ (١).
ولا خِلافَ بَينَ العُلماءِ على أنَّ المَرأةَ إذا رَفعَتْ أمْرَها إلى الحاكِمِ مِنْ أجْلِ عُنَّةِ زَوجِها أنه يُؤخِّرُه سنَةً.
стр. 9053
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا أعلَمُ بينَ الصَّحابةِ خِلافًا في أنَّ العنِّينَ يُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ يُرفعُ إلى السُّلطانِ، ورُويَ ذلكَ عنَ عمرَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ والمُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵃، وقد ذكَرْنا الخبَرَ عَنهم بذلكَ عَنْ عمرَ وعليٍّ ﵄.
وخبَرُ عُمرَ رواهُ المدَنيُّونَ والكُوفيُّونَ والبَصريُّونَ، ولم يَختلفُوا عنهُ فيهِ.
وخبَرُ عليٍّ مِنْ رِوايةِ أهلِ الكُوفةِ خاصَّةً، وهو مُختلَفٌ عنهُ فيهِ أيضًا، ولا يَصحُّ فيهِ عنهُ شيءٌ مِنْ جهةِ الإسنادِ، واللهُ أعلَمُ …
قالَ أبو عمَرَ: على هذا جَماعةُ التَّابعِينَ بالحِجازِ والعراقِ، أنَّ العنِّينَ يُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ يُرفعُ إلى السُّلطانِ، وقد رُويَ عن بَعضِهم بأنه أجَّلَه عشرةَ أشهرٍ، وليسَ بشَيءٍ.
وإنَّما أجَّلَه سنَةً فيما ذُكِرَ واللهُ أعلمُ؛ لتَكملَ لهُ المُداواةُ والعِلاجُ في أزمانِ السنَةِ كلِّها؛ لاختِلافِ أعْراضِ العِللِ في أزمِنةِ العامِ وفُصولِه، فإنْ لم يَبرأْ في السَّنةِ يَئِسوا منهُ، وفُرِّقَ بينَهُ وبينَ امرأتِهِ.
والفُرقةُ بيْنَهما تَطليقةٌ واحِدةٌ عِنْدَ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهما والثَّوريِّ، وحجَّتُهم أنَّ الفُرقةَ واقِعةٌ لسَببٍ مِنَ الزوجِ فكانَ طلاقًا.
وقالَ الشَّافعيُّ والحسَنُ بنُ حيٍّ وأبو ثَورٍ: الفُرقةُ بيْنَهما فَسخٌ ليستْ بطَلاقٍ، قالَ الشَّافعيُّ: لأنَّ الفُرقةَ إليها دونَهُ لا تَقعُ إلَّا باختيارِها.
ولو رَضيَتْ بهِ على ذلكَ وأقامَتْ معهُ على ذلكَ لم تَقعْ فُرقةٌ
стр. 9054
عندَ الجَميعِ، وإذا لم تَكنِ الفُرقةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ فهوَ فَسخٌ لا طلاقٌ.
وقد أجمَعُوا أنه لا يُفرَّقُ بينَ العنِّينِ وامرأتِهِ بعْدَ تمامِ السنَةِ؛ إلَّا أنْ تَطلبَ ذلكَ وتَختارَهُ (١).
إذا جامَعَ زوْجَتَه مرَّةً ثم عَنَّ عنها هل يَثبتُ لها الخيارُ؟
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الزَّوجَ إذا جامَعَ امرأتَهُ ولو مرَّةً واحدةً ثمَّ عَنَّ عنها فليسَ لها حقُّ التَّأجيلِ أوِ الخِيارِ في هذا الزواجِ، حتَّى ولو كانَ طلَّقَها ثمَّ راجَعَها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنِ اعتَرفَتْ أنه قد وصَلَ إليها مَرةً بَطلَ أنْ يكونَ عنِّينًا).
أكثرُ أهلِ العِلمِ على هذا، يَقولونَ: متَى وَطِئَ امرَأتَه ثمَّ ادَّعتْ عَجزَه لم تُسمَعْ دَعواها ولمْ تُضرَبْ له مدَّةٌ، مِنهُم عَطاءٌ وطاوُسٌ والحسَنُ ويَحيى الأنصاريُّ والزُّهريُّ وعَمرُو بنُ دِينارٍ وقَتادةُ وابنُ هاشمٍ ومالكٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو عُبيدٍ وأصحابُ الرَّأيِ.
وقالَ أبو ثَورٍ: إنْ عجَزَ عن وَطئِها أُجِّلَ لها؛ لأنه عجَزَ عن وَطئِها فيَثبتُ حقُّها كما لو جُبَّ بعْدَ الوَطءِ.
ولنا: إنه قد تَحقَّقتْ قُدرتُه على الوَطءِ في النكاحِ وزَوالُ عُنَّتِه، فلم تُضرَبْ له مدَّةٌ كما لو لم يَعجَزْ، ولأنَّ حُقوقَ الزَّوجيةِ مِنْ استِقرارِ
стр. 9055
المَهرِ والعدَّةِ تَثبتُ بوَطءٍ واحِدٍ وقَد وُجدَ، وأمَّا الجبُّ فإنه يتحققُ بهِ العَجزُ، فافتَرقَا (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: إنِ اتَّفقَا -أي: الزوجُ والزَّوجةُ- على أنه قد وَصلَ إليها فهيَ زَوجتُه ولا خِيارَ لها، فلو وَصلَ إليها مرَّةً واحدةً فلا خِيارَ لها؛ لأنه وَصلَ إليها حقُّها بالوَطءِ مرَّةً واحدةً، والخِيارُ لتَفويتِ الحقِّ المُستحَقِّ ولم يُوجَدْ (٢).
وقالَ الموصليُّ ﵀: ولو وَطئَها الزوجُ مرَّةً واحِدةً ثمَّ عَنَّ أو جُبَّ فلا طلَبَ لها ولا خِيارَ (٣).
وقالَ العَمرانِيُّ الشافِعيُّ ﵀: إذا تزوَّجَ رَجلٌ امرأةً فوَطئَها ثمَّ عجَزَ عنْ وَطئِها .. لم يَثبتْ لها الخِيارُ، ولا يُحكَمُ لها عليهِ بالعُنَّةِ.
وقالَ أبو ثورٍ: (تُضربُ لهُ المدَّةُ ويَثبتُ لها الخِيارُ، كما لو وَطئَها ثمَّ جُبَّ ذَكَرُه).
دَليلُنا: أنَّ العنَّةَ يُتوصَّلُ إليها بالاستِدلالِ والاجتِهادِ، فإذا تَحقَّقْنا قُدرتَهُ على الوَطءِ في هذا النكاحِ .. لم يُرجَعْ فيهِ إلى الاستِدلالِ بمُضيِّ الزَّمانِ؛ لأنه رُجوعٌ مِنْ اليقينِ إلى الظنِّ، ويُخالِفُ إذا وَطئَها ثمَّ جُبَّ؛ لأنَّ الجَبَّ
стр. 9056
أمرٌ مُشاهَدٌ مُتحقَّقٌ، فجازَ أن تُرفعَ قُدرتُه على الوَطءِ بالأمرِ المُتحقَّقِ (١).
٢ - هل يُشترطُ أنْ يَكونَ العَيبُ قَديمًا:
جُمهورُ الفُقهاءِ لا يُفرِّقونَ بيْنَ العَيبِ القديمِ السَّابقِ للعَقدِ أوِ المرافِقِ لهُ بعدَ العقدِ، فيَثبتُ الخيارُ في الجميعِ.
إلا أنَّهمُ اختَلفُوا في العَيبِ الحادِثِ بعْدَ العَقدِ؛ هل يَثبتُ بهِ الخِيارُ أم لا؟
قالَ المالِكيةُ: الجُنونُ والجُذامُ والبَرصُ والعِذْيَطَةُ؛ إذا وجَدَ أحَدُ الزوجَينِ بالآخَرِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ الأربَعةِ -الجُنُون والجُذَام والبَرَص والعِذْيَطَة- جازَ لهُ فَسخُ النكاحِ ولو كانَ بهِ ذلكَ العَيبُ أو غيرُه، فيَجوزُ لكلِّ واحدٍ منَ الزَّوجَينِ أنْ يَفسخَ النِّكاحَ، وهذا إذا كانَتِ العُيوبُ مَوجودةً قبلَ العَقدِ.
وأمَّا إنْ وُجدَتْ بعدَ العَقدِ كانَ للزَّوجةِ أنْ تَردَّ بهِ الزوجَ، دُونَ الزوجِ فليسَ لهُ أنْ يَردَّ الزَّوجةَ؛ لأنه قادرٌ على مُفارَقتِها بالطَّلاقِ إنْ تَضرَّرَ؛ لأنَّ الطلاقَ بيَدهِ بخلافِ المَرأةِ، فلذا ثَبتَ لها الخِيارُ.
وأمَّا إذا وجَدَتِ المرأةُ في الزَّوجِ خِصاءً أو جَبًّا أو عُنَّةً أوِ اعتراضًا قبلَ الوَطءِ فيَثبتُ لها الخِيارُ، أمَّا إنْ حَدثَتْ هذهِ العُيوبُ بعْدَ الوَطءِ فيها ولو مرَّةً فلا يَثبتُ لها الخِيارُ وهيَ مُصيبةٌ نزلَتْ بها، إلَّا أنْ يَتسبَّبَ فيهِ فلها الردُّ بهِ كالحادِثِ قبلَ الوطءِ وبعدَ العَقدِ.
стр. 9057
وإنْ وجَدَ الرَّجلُ هذهِ العُيوبَ -الرَّتقَ أوِ القَرنَ أوِ العَفَلَ أوِ الإفضاءَ أو البَخَرَ- في المَرأةِ قبلَ العَقدِ أو حينَه ثبَتَ لهُ الخِيارُ.
أمَّا الحادِثةُ بالمَرأةِ بعدَ العقدِ فمُصيبةٌ نزلَتْ بالرَّجلِ، ولا يَحقُّ لهُ الفَسخُ بهِ ولا خيارَ لهُ، فإنْ شاءَ أمسَكَ أو فارَقَ، فإنْ فارَقَ قبلَ البناءُ لَزمَه نِصفُ الصَّداقِ، وإنْ فارقَ بعدَه لزمَه الصَّداقُ كامِلًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو عَلِمتِ المَرأةُ أو عَلِمَ الزوجُ بعَيبٍ مِنْ العُيوبِ قبلَ العَقدِ فلا خيارَ له، إلا العُنَّة فيَثبتُ للمَرأةِ فَسخُ النِّكاحِ ولو عَلِمتْ بعُنَّةِ زَوجِها قبلَ العَقدِ.
ولو حدَثَ بالزَّوجِ بعدَ العَقدِ عَيبٌ ممَّا مرَّ قبْلَ الدُّخولِ أو بعْدَه ولو بفِعلِها -كأنْ جُبَّ ذكَرَه- تخيَّرَتِ الزَّوجةُ بيْنَ فَسخِ النِّكاحِ وإدامتِهِ؛ لتَضرُّرِها بالحادثِ كالمُقارِنِ، إلا عُنَّةً حدَثَتْ بعدَ وطءٍ فلا تَتخيَّرُ بها؛ لأنَّ مَقصودَ النكاحِ قد حَصلَ لها مِنَ المَهرِ وثُبوتِ الحَصانةِ، ولم يَبقَ إلا التَّلذذُ، وهوَ شَهوةٌ لا يُجبَرُ الزَّوجُ عَليها، ولأنها تَرجو زَوالَ عُنَّتِه.
وكذا لو حدَثَ بها عَيبٌ ممَّا مرَّ قبلَ الدُّخولِ أو بعْدَه تخيَّر في الجَديدِ كما يَثبتُ لها إذا حدَثَ العَيبُ بهِ؛ لتَضرُّرِه بالعَيبِ الطَّارئِ كتَضرُّرِه بالعَيبِ
стр. 9058
القَديمِ، ولا مَعنى لإمكانِ تخلُّصِه منها بالطَّلاقِ دُونَها؛ لأنه سَيغرَمُ نِصفَ الصَّداقِ لها قبْلَ الدُّخولِ، دُونَ الفَسخِ بالعَيبِ.
وفي القَديمِ: لا يَتخيَّرُ بهِ؛ لأنه لا تَدليسٌ منها، وهوَ مُتمكِّنٌ مِنَ التَّخلصِ بالطلاقِ غَيرُ مُضطرٍّ إلى الفَسخِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يَثبتُ الخِيارُ، سواءٌ وُجِدَ العَيبُ قبْلَ العَقدِ أو بعْدَ العقدَ ولو بعْدَ الدُّخولِ؛ لأنه عَيبٌ أَثبَتَ الخِيارَ مقارِنًا فأَثبَتَ طارئًا كالإعسارِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ حدَثَ العَيبُ بأحَدِهما بعدَ العقدِ ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يَثبتُ الخِيارُ، وهو ظاهرُ قَولِ الخرقيِّ؛ لأنه قالَ: فإنْ جبَّ قبْلَ الدُّخولِ فلَها الخيارُ في وقتِها؛ لأنه عَيبٌ في النِّكاحِ يُثبتُ الخيارَ مقارِنًا فأثبَتَه طارِئًا كالإعسارِ، وكالرِّقِّ، فإنه يُثبتُ الخيارَ إذا قارَنَ، مِثل أنْ تُغَرَّ الأمَةُ مِنْ عَبدٍ، ويُثبتُه إذا طَرأتِ الحرِّيةُ، مِثل إنْ أُعتقَتِ الأمَةُ تحتَ العَبدِ، ولأنه عَقدٌ على مَنفعةٍ، فحُدوثُ العَيبِ بها يُثبتُ الخِيارَ كالإجارةِ.
والثَّاني: لا يَثبتُ الخِيارُ، وهوَ قولُ أبي بكرٍ وابنِ حامدٍ ومذهبُ مالكٍ؛
стр. 9059
لأنه عَيبٌ حدَثَ بالمَعقودِ عليهِ بعْدَ لزومِ العَقدِ أشبَهَ الحادثَ بالبَيعِ، وهذا يَنتقضُ بالعيبِ الحادثِ في الإجارةِ.
وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: إنْ حدَثَ بالزوجِ ثَبتَ الخِيارُ، وإنْ حدَثَ بالمَرأةِ فكذلكَ في أحدِ الوجهَينِ، والآخَرُ: لا يُثبِتُه؛ لأنَّ الرَّجلَ يُمكِنُه طلاقُها، بخِلافِ المرأةِ.
ولنا: إنهُما تَساويَا فيما إذا كانَ العَيبُ سابقًا فتَساويَا فيهِ لاحقًا كالمُتبايعَينِ (١).
٣ - سَلامةُ طالبِ الفَسخِ مِنَ العُيوبِ:
لا يُشتَرطُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ لطَلبِ التَّفريقِ بالعَيبِ أنْ يكونَ طالبُ التَّفريقِ سالِمًا مِنَ العيوبُ.
قالَ المالِكيةُ: يَثبتُ الخِيارُ لكُلِّ واحدِ مِنَ الزَّوجينِ لعَيبِ صاحبِهِ ولو كانَ بهِ ذلكَ العَيبُ أو غَيرُه، فيَثبتُ الخِيارُ لهُما ولو كانتِ العُيوبُ بهما جَميعًا.
وللَّخميِّ تَفصيلٌ ونصُّهُ: وإنِ اطَّلعَ كلُّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ على عَيبٍ في صاحبِهِ مُخالِفٍ لعَيبِه بأنْ تَبيَّنَ أنَّ بهِ جُنونًا وبها جُذامٌ أو بَرصٌ أو داءُ فرْجٍ كانَ لِكلِّ واحِدٍ منهُمَا القِيامُ، وأمَّا إنْ كانَا مِنْ جِنسٍ واحِدٍ كجُذامٍ أو بَرَصٍ
стр. 9060
أو جُنونِ صَرَعٍ لم يَذهبْ فإنَّ لهُ القيامَ دونَها؛ لأنه بذَلَ صَداقًا لِسالمةٍ فوجَدَها ممَّن يكونُ صَداقُها أقلَّ مِنْ ذلكَ.
قالَ الدُّسوقيُّ: والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنَّ المُدرَكَ الضُّررُ، واجتِماعُ المَرضِ على المرضِ يُؤثِّرُ زِيادةً (١).
وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: ويَثبتُ لكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوجينِ الخِيارُ ولو كانَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما فيهِ نَفسُ العَيبِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غيرِهِ ما لا يَعافُهُ مِنْ نَفسهِ، فيَمنعُه ذلكَ مِنَ الاستمتاعِ.
وقيلَ: إنْ وَجَدَ بهِ مِثلَ عيبِهِ فلا خيارَ؛ لِتساويهِما.
فإنْ كانَا مِنْ جِنسَينِ فلِكلِّ واحدٍ مِنهُما الخِيارُ، إلَّا إذا كانَ الرَّجلُ مَجبوبًا والمَرأةُ رَتقاءَ فهُمَا كالجِنسِ الواحدِ.
قالَ الماوَردِيُّ ﵀: لو وَجَدَ الزَّوجُ بها عَيبًا ووَجدَتْ بالزَّوجِ عَيبًا، فهذا على ضربَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَختَلفَ العَيبانِ، فيَكونُ عَيبُ أحَدِهما جُذامًا وعَيبُ الآخَرِ بَرصًا، فلِكلِّ واحِدٍ الخِيارُ بعَيبِ صاحِبهِ؛ لأنَّ المَجذُومَ قد يَعافُ الأبرصَ، والأبرَصَ قد يَعافُ المَجذومَ.
والضَّربُ الثَّاني: أنْ يَتساوَى العَيبانِ، فيَكونُ بكلِّ واحدٍ مِنهُما بَرصٌ أو جُذامٌ، فَفي ثُبوتِ الخِيارِ وجهانِ:
стр. 9061
أحَدُهما: أنْ لا خِيارَ؛ لِتكافُئِهما، وأنه ليسَ بنَقصِ أحَدِهما عنْ حالةِ صاحبِه.
والوَجهُ الثَّاني: أنَّ لكلِّ واحدٍ منهُما الخِيارُ؛ لأنه قد يَعافُ مِنْ غَيرِهِ ما لا يَعافُه مِنْ نفسِهِ مِنْ بُصاقٍ ومُخاطٍ وأَذًى (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لكلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجينِ أنْ يَفسخَ النكاحَ بعَيبٍ ممَّا تَقدَّمَ، وسواءٌ وجَدَ أحَدُهما بالآخَرِ نَفسَ عَيبِه -على الصَّحيحِ- أو غيرَه؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غَيرِه ما لا يَعافُ مِنْ نفسِهِ، إلَّا أنْ يَجدَ المَجبوبُ المرأةَ رَتقاءَ فلا يَنبغي أنْ يَثبتَ لهُمَا خِيارٌ؛ لامتِناعِ الاستِمتاعِ بعيبِ نفسِهِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا أصابَ أحَدُهما بالآخَرِ عَيبًا وبهِ عيبٌ مِنْ غَيرِ جِنسِه كالأبرَصِ يَجدُ المَرأةَ مَجنونةً أو مَجذومةً فلكلِّ واحِدٍ مِنهُما الخِيارُ؛ لوُجودِ سَببِه، إلَّا أنْ يَجدَ المَجبوبُ المَرأةَ رَتقاءَ فلا يَنبغِي أنْ يَثبتَ لهُمَا الخيارُ؛ لأنَّ عَيبَه ليسَ هوَ المانعَ لصاحبِه مِنَ الاستِمتاعِ، وإنَّما امتَنعَ لعَيبِ نَفسهِ.
وإنْ وجدَ أحَدُهما بصاحبِهِ عَيبًا بهِ مثلُه ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا خِيارَ لهُمَا؛ لأنهُما مُتساوِيانِ ولا مَزيةَ لأحَدِهما على صاحبِهِ، فأشبَهَا الصَّحيحَينِ.
والثاني: لهُ الخِيارُ؛ لوُجودِ سَببِه، فأشبَهَ ما لو غُرَّ عَبدٌ بأمَةٍ (٢).
стр. 9062
هل الفُرقةُ الثابِتةُ بالعَيبِ طَلاقٌ أم فَسخٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفرقةِ الثابتةِ بالعَيبِ؛ هل هيَ طلاقٌ أم فسخٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الفُرقةَ الثابِتةَ بالعَيبِ طَلاقٌ يَحصلُ بتَطليقةٍ واحِدةٍ بائنةٍ؛ لأنَّ الغَرضَ مِنْ هذا التَّفريقِ تَخليصُها مِنْ زَوجٍ لا يُتوقَّعُ منهُ إيفاءُ حقِّها؛ دَفعًا للظُّلمِ والضَّررِ عَنها، وذَا لا يَحصلُ إلَّا بالبائنِ؛ لأنه لو كانَ رَجعيًّا يُراجِعَها الزَّوجُ مِنْ غيرِ رِضاها، فيُحتاجُ إلى التَّفريقِ ثانِيًا وثالِثًا، فَلا يُفيدُ التَّفريقُ فائدتَهُ.
وذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها فَسخٌ لا طلاقٌ لا يَنقصُ بها عَددُ الطَّلاقِ، فإنْ عادَ فتَزوَّجَها كانتْ مَعهُ على ثلاثٍ؛ لأنَّ هذا خِيارٌ ثَبتَ لأجلِ العَيبِ، فكانَ فَسخًا كفَسخِ المُشتَري لأجْلِ العَيبِ (١).
هل يَثبتُ التَّفريقُ بينَهُما بتَفريقِ القاضي؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفُرقةِ الحاصِلةِ بسَببِ العَيبِ العُنَّةِ أو غيرِها، هل لا تَثبتُ إلَّا عندَ القاضي؟ أم تصحُّ باختيارِ المَرأةِ نفْسَها؟
قالَ الحَنفيةُ: اختِيارُ المَرأةِ نفْسَها لعَيبِ الجَبِّ والعُنَّةِ والخِصاءِ والخُنوثةِ هل يَكونُ التأخُّذُ بتَفريقِ القاضِي أو بنَفسِ الاختِيارِ؟ قَولان:
стр. 9063
فقالَ أبو يُوسفَ ومحمَّدٌ: إنِ اختارَتْ نفْسَها بانَتْ، وهوَ ظاهرُ الرِّوايةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ خيَّرَها عِنْدَ تمامِ الحَولِ في العُنَّةِ؛ دَفعًا للضَّررِ عَنها، فلا يَحتاجُ إلى تَفريقِ القاضِي كما إذا خيَّرَها الزَّوجُ.
ورَوى الحسَنُ عن أبي حَنيفةَ: لا تَبِينُ إلَّا بتَفريقِ القاضي، وهوَ المَشهورُ مِنْ مَذهبِهِ … ؛ لأنَّ النِّكاحَ عَقدٌ لازمٌ ومِلكَ الزَّوجِ فيهِ مَعصومٌ، فلا يَزولُ إلَّا بإزالتِهِ؛ دَفعًا للضَّررِ عَنهُ، لكنْ لمَّا وَجَبَ عليهِ الإمساكُ بالمَعروفِ أوِ التَّسريحُ بالإحسانِ وقدْ عَجَزَ عنِ الأوَّلِ بالعُنَّةِ ولا يُمكِنُ القَاضي النِّيابةُ فيهِ فوجَبَ عليهِ التَّسريحُ بالإحسانِ، فإذا امتَنعَ عنهُ نابَ القاضي مَنابَه؛ لأنه نُصِّبَ لدفعِ الظُّلمِ، فلا تَبِينُ بدُونِ تَفريقِ القاضي، فإذا فرَّقَ يَصيرُ كأنه طلَّقَها بنَفسِهِ، فتكونُ تَطليقةً بائِنةً؛ ليحصلَ مَقصودُها، وهوَ دَفعُ الظُّلمِ عنها بمِلكِها نفسَها (١).
وقالَ المالكيَّةُ: لا يكونُ الطَّلاقُ هُنا إلَّا بحُكمِ الحاكمِ، فإنْ لم يَكنْ حاكمٌ فصالِحُو البلدِ يَقومُونَ مقامَ الحاكمِ.
وإنْ فاتتِ السَّنةُ المَضروبةُ للعُنَّةِ طلَّقَها الزوجُ بإذنِ الحاكمِ بأنْ يأمرَهُ الحاكمُ بهِ، فإنْ طلَّقَها فواضِحٌ، وإلَّا طَلَّقَ عليهِ الحاكِمُ، ويَجوزُ للحاكمِ أن يأمُرَها بإيقاعِ الطَّلاقِ ك: «طَلَّقْتُ نَفْسِي مِنْكَ» وما في معناهُ، ويُشهِدُ الحاكمُ على ذلكَ الطَّلاقِ الواقعِ مِنها (٢).
стр. 9064
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ في الفَسخِ بعَيبِ العُنَّةِ رَفعٌ إلى حاكِمٍ جزمًا؛ لأنَّ ثُبوتَها يَتوقَّفُ على مَزيدِ نظرٍ واجتِهادٍ، ويَكفي عنهُ مُحَكَّمٌ بشَرطِهِ ولَو معَ وُجودِ قاضٍ.
وكذا سائرُ العُيوبِ السَّابقةِ، يُشتَرطُ في الفَسخِ بكُلٍّ منها الرَّفعُ إلى الحاكمِ في الأصَحِّ؛ لأنه فَسخٌ مُجتَهدٌ فيهِ، فأشبَهَ الفَسخَ بالإعْسارِ، ولو تَراضيَا بالفَسخِ ممَّا يَجوزُ الفسخُ بهِ لم يَصحَّ.
والثَّاني: لا يُشتَرطُ الرَّفعُ للحاكمِ، بل لكلٍّ مِنهُما الانفِرادُ بالفَسخِ كالردِّ بالعَيبِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الفَسخَ في خيارِ العَيبِ أو خِيارِ الشَّرطِ لا يَكونُ إلَّا بحُكمِ حاكمٍ؛ لأنه فَسخٌ يُجتهَدُ فيهِ فافتقرَ إليهِ، فيَفسخُهُ الحاكمُ أو يَردُّ الفَسخَ إلى مَنْ لهُ الخِيارُ فيَفسخُه، ويَصحُّ الفسخُ مِنَ المَرأةِ حيث مَلَكَتْهُ في غَيبةِ الزَّوجِ، والأَولى الفَسخُ مع حُضورِ الزَّوجِ.
стр. 9065
قالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وقالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: ليسَ هوَ الفاسِخ، وإنَّما يَأذَنُ ويَحكمُ بهِ، فمَتى أَذِنَ أو حكَمَ لأحَدٍ باستحقاقِ عَقدٍ أو فَسخٍ فعقَدَ أو فسَخَ لم يَحتجْ بعْدَ ذلكَ إلى حُكمٍ بصحَّتِهِ بلا نِزاعٍ، لكنْ لو عقَدَ هو أو فسَخَ فهوَ كفعلِهِ فيهِ الخلافُ، وإنْ عقَدَ المُستحِقُّ أو فسَخَ بلا حُكمٍ فأمرٌ مُختلَفٌ فيهِ فيُحكمُ بصحَّتِهِ.
وخرَّجَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ جَوازَ الفَسخِ بلا حُكمٍ في الرِّضَى بعاجزٍ عنِ الوَطءِ كعاجزٍ عنِ النَّفقةِ.
قالَ في القاعدةِ الثَّالثةِ والسِّتينَ: ورجَّحَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ أنَّ جَميعَ الفُسوخُ لا تَتوقَّفُ على حُكمِ حاكمٍ (١).
الخِيارُ في العَيبِ على الفَورِ أم على التَّراخي؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في خيارِ العَيبِ، هل يَثبتُ على الفَورِ أم على التَّراخي؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ كلَّ مَوضِعٍ جازَ لأحَدِ الزَّوجَينِ أنْ يَفسخَ النِّكاحَ بالعَيبِ فإنَّ ذلكَ الخِيارَ يَثبتُ لهُ على الفَورِ لا على التَّراخي؛ لأنه خيارُ عَيبٍ لا يَحتاجُ إلى نَظَرٍ وتأمُّلٍ، فكانَ على الفورِ كما لوِ اشتَرى عَينًا فوجَدَ فيها عَيبًا، فيَكونُ الردُّ على الفَورِ.
لَسنَا نُريدُ أنَّ الفَسخَ يكونُ على الفَورِ، وإنَّما نُريدُ بهِ أنَّ المُطالَبةَ
стр. 9066
بالفَسخِ تكونُ على الفَورِ، وهو أنَّ أحَدَ الزَّوجَينِ إذا عَلِمَ بالآخرِ عَيبًا .. فإنه يَرفعُ ذلكَ إلى الحاكمِ، فيَستَدعِي الحاكِمُ الآخَرَ ويَسألُه، فإنْ أقرَّ بهِ أو كانَ ظاهِرًا .. فسَخَ النكاحَ بينَهما، وإنْ أنكَرَ أو كانَ خَفيًّا .. فعلى المُدَّعِي أنْ يُقيمَ البيِّنةَ، فإذا أقامَ البيِّنةَ .. فَسخَ النِّكاحَ بينَهما (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ خِيارَ العَيبِ ثابتٌ على التَّراخي، لا يَسقطُ ما لم يُوجَدْ منهُ ما يَدلُّ على الرِّضى بهِ مِنَ القَولِ والاستِمتاعِ مِنَ الزَّوجِ أو التَّمكينِ مِنَ المرأةِ؛ لأنه خِيارٌ لهُ لدَفعِ ضَررٍ مُتحقِّقٍ، فكانَ على التَّراخي كخِيارِ القِصاصِ، وخِيارُ العَيبِ في المبيعِ يَمنَعُه، ثمَّ الفَرقُ بينَهما أنَّ ضررَهُ في المَبيعِ غيرُ مُتحقِّقٍ؛ لأنه قد يَكونُ المَقصودُ ماليَّتَه أو خدمَتَهُ، ويَحصلُ ذلكَ مع عيبِهِ، وهاهُنا المَقصودُ الاستِمتاعُ ويَفوتُ ذلكَ بعيبِهِ (٢).
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ ما يَبطلُ بهِ الخِيارُ فما يَبطلُ بهِ الخِيارُ نَوعانِ: نصٌّ ودَلالةٌ، فالنَّصُّ هوَ التَّصريحُ بإسقاطِ الخِيارِ وما يَجري مَجراهُ نحوُ أنْ تَقولَ: «أسقَطْتُ الخِيارَ، أو رَضِيتُ بالنِّكاحِ، أوِ اختَرتُ الزَّوجَ» ونحوَ ذلكَ، سَواءٌ كانَ ذلكَ بعْدَ تَخييرِ القاضِي أو قبلَه.
والدَّلالةُ هيَ أنْ تَفعلَ ما يَدلُّ على الرِّضا بالمقامِ معَ الزَّوجِ، بأنْ خيَّرَها
стр. 9067
القاضي فأقامَتْ معَ الزَّوجِ مُطاوِعةً لهُ في المَضجعِ وغَيرِ ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ دليلُ الرِّضا بالنكاحِ والمقامِ معَ الزَّوجِ، ولو فعلَتْ ذلكَ بعدَ مُضيِّ الأجلِ قبْلَ تَخييرِ القاضي لم يكنْ ذلكَ رضًا؛ لأنَّ إقامتَها معهُ بعدَ المدَّةِ قد تكونُ لاختيارهِ وقد تكونُ للاختِيارِ بحالِهِ، فلا تكونُ دليلَ الرِّضا معَ الاحتمالِ.
وهل يَبطلُ خيارُها بالقيامِ عنِ المَجلسِ؟ ذَكَرَ الكرخيُّ أنَّ ابنَ سِماعَةَ وبِشرًا قالَا عن أبي يُوسفَ: إذا خيَّرَها الحاكمُ فأقامَتْ معهُ أو قامَتْ مِنْ مَجلسِها قَبلَ أنْ تَختارَ أو قامَ الحاكمُ أو أقامَها عن مَجلسِها بعضُ أعوانِ القاضي ولم تَقُلْ شَيئًا فلا خِيارَ لها، وهذا يَدلُّ على أنَّ خِيارَها يَتقيَّدُ بالمَجلسِ، وهوَ مَجلسُ التَّخييرِ، ولم يَذكُرِ الخِلافَ، وذَكَرَ القاضي في شَرحِهِ مُختصرَ الطَّحاويِّ أنه لا يُقتصَرُ على المَجلسِ في ظاهرِ الرِّوايةِ، ورُويَ عن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنهُما قالَا: يُقتصرُ على المَجلسِ كخيارِ المُخيَّرةِ.
وجهُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنَّ تَخييرَ القاضي هَهُنا قائمٌ مَقامَ تَخييرِ الزوجِ، ثمَّ خيارُ المُخيَّرةِ بتَخييرِ الزَّوجِ يَبطلُ بقيامِها عنِ المَجلسِ، فكذا خِيارُ هذهِ، وكذا إذا قامَ الحاكمُ عنِ المَجلسِ قبْلَ أنْ تَختارَ؛ لأنَّ مَجلسَ التَّخييرِ قد بَطلَ بقيامِ الحاكمِ، وكذا إذا أقامَها عن مَجلسِها بعْضُ أعوانِ القاضي قبْلَ الاختِيارِ؛ لأنها كانَتْ قادِرةً على الاختيارِ قبْلَ الإقامةِ، فدلَّ امتناعُها معَ القُدرةِ على الرِّضا بالنكاحِ.
وجهُ ظاهرِ الرِّوايةِ -وهوَ الفَرقُ بيْنَ هذا الخِيارِ وبيْنَ خيارِ المُخيَّرةِ-
стр. 9068
أنَّ خيارَ المُخيَّرةِ إنَّما اقتَصرَ على المَجلسِ؛ لأنَّ الزَّوجَ بالتَّخييرِ مَلَّكَها الطلاقَ؛ إذِ المالكُ للشَّيءِ هوَ الذي يَتصرَّفُ فيهِ باختيارِهِ ومَشيئَتِه، فكانَ التَّخييرُ مِنَ الزوجِ تَمليكًا للطلاقِ، وجوابُ التمليكِ يَقتصرُ على المَجلسِ؛ لأنَّ المُملِّكَ يَطلبُ جوابَ التَّمليكِ في المَجلسِ عادةً، ولهذا يَقتصرُ القَبولُ على المَجلسِ في البَيعِ، كذا هَهُنا، والتَّخييرُ مِنَ القاضِي تفويضُ الطَّلاقِ وليسَ بتَمليكٍ، لأنه لا يَملِكُ الطَّلاقَ بنفسِهِ؛ لأنَّ الزوجَ ما مَلَّكهُ الطلاقَ وإنَّما فوَّضَ إليهِ التَّطليقَ وولَّاهُ ذلكَ، فيَلِي التَّفويضَ لا التَّمليكَ، وإذا لم يَملِكْ بنفسِهِ فكَيفَ يملكُهُ مِنْ غيرِهِ؟ فهوَ الفرقُ بيْنَ التَّخييرينِ، واللهُ أعلمُ.
والمُؤَخَّذُ والخَصِيُّ في جَميعِ ما وَصفْنا مثلُ العِنِّينِ؛ لوُجودِ الآلةِ في حقِّهِما فكانَا كالعنِّينِ، وكذلكَ الخُنثى.
وأمَّا المَجبوبُ فإنه إذا عُرِفَ أنه مَجبوبٌ إمَّا بإقرارِهِ أو بالمَسِّ فوقَ الإزارِ؛ فإنْ كانتِ المَرأةُ عالِمةً بذلكَ وقْتَ النكاحِ فلا خيارَ لها؛ لرِضاها بذلكَ، وإنْ لم تكنْ عالِمةً بهِ فإنَّها تُخيَّرُ للحالِ، ولا يُؤجَّلُ حَولًا؛ لأنَّ التَّأجيلَ لرَجاءِ الوُصولِ، ولا يُرجى منهُ الوُصولُ، فلم يكنِ التَّأجيلُ مُفيدًا فلا يُؤجَّلُ، وإنِ اختَارتِ الفُرقةَ وفرَّقَ القاضي بيْنَهما أو لم يُفرِّقْ -على الاختِلافِ الذي ذكَرْنا- فلَها كمالُ المَهرِ وعليها كمالُ العدَّةِ إنْ كانَ قد خَلا بها في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما لها نِصفُ المهرِ وعليها كَمالُ العدَّةِ، وإن كانَ لم يَخلُ بها فلها نِصفُ المهرِ ولا عدَّةَ عَليها بالإجماعِ (١).
стр. 9069
ما الذي يَجبُ للمَرأةِ مِنْ المَهرِ إنْ حصَلَ فِراقٌ بسَببِ العَيبِ:
الفُرقةُ بسَببِ العَيبِ إمَّا أنْ تَحصلَ بعْدَ العَقدِ وقبْلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ، وإمَّا أنْ تَحصلَ بعْدَ العَقدِ والدُّخولِ.
فإنْ حَصلَتِ الفُرقةُ بعْدَ العَقدِ وقبْلَ الدُّخولِ فلا شيءَ على الزوجِ عِنْدَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالكيَّةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ، سواءٌ كانَ الفَسخُ مِنَ الزوجِ أو مِنَ الزوجةِ لعَيبٍ فيهِ أو فيها؛ لأنَّ الفَسخَ إنْ كانَ منها فالفُرقةُ مِنْ جِهتِها، فسقَطَ مَهرُها كما لو فَسختْهُ برَضاعِ زَوجةٍ لهُ أُخرى.
وإنْ كانَ الفَسخُ مِنَ الزوجِ فإنَّما فَسخَ لمَعنًى مِنْ جِهتِها، وهوَ تَدليسُها بالعَيبِ، فصارَ الفَسخُ كأنهُ مِنها، ولأنَّ شأنَ الفَسخِ تَرادُّ العِوضَينِ، وقد رَجعَ البُضعُ إليها سالِمًا، فيَرجعُ عِوضُه إليهِ سالِمًا.
وإنْ حصلَ الفَسخُ بعْدَ الدُّخولِ بها أوِ الخَلوةِ فلها المَهرُ كامِلًا عندَ المالكيَّةِ -على تَفصيلٍ عِندَهم يأتي- والشَّافعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ المَهرَ تقرَّرَ بنَفسِ الوَطءِ.
قالَ المالكيَّةُ: إذا حَصلَ ردُّ النكاحِ قبْلَ البناءِ بالمَرأةِ فلا صَداقَ لها ولو وقَعَ بلفظِ الطلاقِ؛ لأنَّ العَيبَ إذا كانَ بهِ فقَدِ اختارَتْ فِراقَهُ قبْلَ استيفاءِ سلعَتِها، وإنْ كانَ بها فغارَّةٌ مدلِّسةٌ.
وقِيلَ: إنْ كانَ العَيبُ بهِ فلها نِصفُ الصَّداقِ؛ لأنهُ غارٌّ وقَد دَخلَ على أنْ تردَّهُ بذلكَ.
стр. 9070
وإنْ حَصلَ الرَّدُّ بعْدَ بناءِ مَنْ يُتصوَّرُ وَطؤُه كالمَجنونِ والأبرَصِ فيَجبُ لها المُسمَّى؛ لِتَدليسِه.
وأمَّا المَجبوبُ والعنِّينُ والخَصيُّ المَقطوعُ الذَّكَرِ فإنهُ لا مهرَ لها (١).
إلَّا أنَّ الشافِعيةَ والحَنابلةَ اختَلفُوا بعْدَ ثُبوتِ المَهرِ؛ هل يجبُ المُسمَّى أم مهرُ المِثلِ؟ على تَفصيلٍ عِندَهم.
قالَ الشَّافعيةُ: الفَسخُ بعْدَ الدُّخولِ إمَّا أنْ يكونَ لعَيبٍ كانَ مَوجودًا حالَ العَقدِ، وإمَّا أنْ يَكونَ لعَيبٍ مُقارِنٍ أو حادِثٍ بعْدَ الوَطءِ.
فإنْ حَصلَ الفَسخُ بعْدَ الدُّخولِ بأنْ لم يُعلمْ بهِ إلَّا بعْدَه فالأصحُّ أنَّه يَجبُ مَهرُ مِثلٍ إنْ فُسخَ النكاحُ بعَيبٍ بهِ أو بها مُقارِنٍ للعَقدِ.
أو فُسخَ بعَيبٍ حادثٍ بيْنَ العقدِ والوطءِ جَهلَه الواطِئُ إنْ كانَ بالمَوطوءةِ وجهلَتْهُ هيَ إنْ كانَ بالواطِئِ؛ لأنهُ قدِ استَمتَعَ بمَعيبَةٍ، وهوَ إنَّما بذَلَ المسمَّى عَلى ظنِّ السَّلامةِ ولم تَحصلْ، فكأنَّ العَقدَ جَرى في الأوَّلِ بلا تَسميةٍ، ويُجعَلُ اقتِرانُه بالوَطءِ المُقارِنِ للمهرِ في الثَّاني كالاقتِرانِ بالعَقدِ، فكأنهُ أيضًا جَرى بلا تَسميةٍ، ولأنَّ قَضيةَ الفَسخِ رُجوعُ كلٍّ منهُما إلى عَينِ حقِّهِ أو إلى بدلِهِ إنْ تَلفَ، فيَرجعُ الزوجُ إلى عَينِ حقِّهِ وهو المُسمَّى، والزوجةُ إلى بَدَلِ حقِّها وهوَ مهرُ المِثلِ؛ لفواتِ حقِّها بالدُّخولِ.