بالفَسخِ تكونُ على الفَورِ، وهو أنَّ أحَدَ الزَّوجَينِ إذا عَلِمَ بالآخرِ عَيبًا .. فإنه يَرفعُ ذلكَ إلى الحاكمِ، فيَستَدعِي الحاكِمُ الآخَرَ ويَسألُه، فإنْ أقرَّ بهِ أو كانَ ظاهِرًا .. فسَخَ النكاحَ بينَهما، وإنْ أنكَرَ أو كانَ خَفيًّا .. فعلى المُدَّعِي أنْ يُقيمَ البيِّنةَ، فإذا أقامَ البيِّنةَ .. فَسخَ النِّكاحَ بينَهما (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ خِيارَ العَيبِ ثابتٌ على التَّراخي، لا يَسقطُ ما لم يُوجَدْ منهُ ما يَدلُّ على الرِّضى بهِ مِنَ القَولِ والاستِمتاعِ مِنَ الزَّوجِ أو التَّمكينِ مِنَ المرأةِ؛ لأنه خِيارٌ لهُ لدَفعِ ضَررٍ مُتحقِّقٍ، فكانَ على التَّراخي كخِيارِ القِصاصِ، وخِيارُ العَيبِ في المبيعِ يَمنَعُه، ثمَّ الفَرقُ بينَهما أنَّ ضررَهُ في المَبيعِ غيرُ مُتحقِّقٍ؛ لأنه قد يَكونُ المَقصودُ ماليَّتَه أو خدمَتَهُ، ويَحصلُ ذلكَ مع عيبِهِ، وهاهُنا المَقصودُ الاستِمتاعُ ويَفوتُ ذلكَ بعيبِهِ (٢).
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ ما يَبطلُ بهِ الخِيارُ فما يَبطلُ بهِ الخِيارُ نَوعانِ: نصٌّ ودَلالةٌ، فالنَّصُّ هوَ التَّصريحُ بإسقاطِ الخِيارِ وما يَجري مَجراهُ نحوُ أنْ تَقولَ: «أسقَطْتُ الخِيارَ، أو رَضِيتُ بالنِّكاحِ، أوِ اختَرتُ الزَّوجَ» ونحوَ ذلكَ، سَواءٌ كانَ ذلكَ بعْدَ تَخييرِ القاضِي أو قبلَه.
والدَّلالةُ هيَ أنْ تَفعلَ ما يَدلُّ على الرِّضا بالمقامِ معَ الزَّوجِ، بأنْ خيَّرَها
стр. 9067
القاضي فأقامَتْ معَ الزَّوجِ مُطاوِعةً لهُ في المَضجعِ وغَيرِ ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ دليلُ الرِّضا بالنكاحِ والمقامِ معَ الزَّوجِ، ولو فعلَتْ ذلكَ بعدَ مُضيِّ الأجلِ قبْلَ تَخييرِ القاضي لم يكنْ ذلكَ رضًا؛ لأنَّ إقامتَها معهُ بعدَ المدَّةِ قد تكونُ لاختيارهِ وقد تكونُ للاختِيارِ بحالِهِ، فلا تكونُ دليلَ الرِّضا معَ الاحتمالِ.
وهل يَبطلُ خيارُها بالقيامِ عنِ المَجلسِ؟ ذَكَرَ الكرخيُّ أنَّ ابنَ سِماعَةَ وبِشرًا قالَا عن أبي يُوسفَ: إذا خيَّرَها الحاكمُ فأقامَتْ معهُ أو قامَتْ مِنْ مَجلسِها قَبلَ أنْ تَختارَ أو قامَ الحاكمُ أو أقامَها عن مَجلسِها بعضُ أعوانِ القاضي ولم تَقُلْ شَيئًا فلا خِيارَ لها، وهذا يَدلُّ على أنَّ خِيارَها يَتقيَّدُ بالمَجلسِ، وهوَ مَجلسُ التَّخييرِ، ولم يَذكُرِ الخِلافَ، وذَكَرَ القاضي في شَرحِهِ مُختصرَ الطَّحاويِّ أنه لا يُقتصَرُ على المَجلسِ في ظاهرِ الرِّوايةِ، ورُويَ عن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنهُما قالَا: يُقتصرُ على المَجلسِ كخيارِ المُخيَّرةِ.
وجهُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنَّ تَخييرَ القاضي هَهُنا قائمٌ مَقامَ تَخييرِ الزوجِ، ثمَّ خيارُ المُخيَّرةِ بتَخييرِ الزَّوجِ يَبطلُ بقيامِها عنِ المَجلسِ، فكذا خِيارُ هذهِ، وكذا إذا قامَ الحاكمُ عنِ المَجلسِ قبْلَ أنْ تَختارَ؛ لأنَّ مَجلسَ التَّخييرِ قد بَطلَ بقيامِ الحاكمِ، وكذا إذا أقامَها عن مَجلسِها بعْضُ أعوانِ القاضي قبْلَ الاختِيارِ؛ لأنها كانَتْ قادِرةً على الاختيارِ قبْلَ الإقامةِ، فدلَّ امتناعُها معَ القُدرةِ على الرِّضا بالنكاحِ.
وجهُ ظاهرِ الرِّوايةِ -وهوَ الفَرقُ بيْنَ هذا الخِيارِ وبيْنَ خيارِ المُخيَّرةِ-
стр. 9068
أنَّ خيارَ المُخيَّرةِ إنَّما اقتَصرَ على المَجلسِ؛ لأنَّ الزَّوجَ بالتَّخييرِ مَلَّكَها الطلاقَ؛ إذِ المالكُ للشَّيءِ هوَ الذي يَتصرَّفُ فيهِ باختيارِهِ ومَشيئَتِه، فكانَ التَّخييرُ مِنَ الزوجِ تَمليكًا للطلاقِ، وجوابُ التمليكِ يَقتصرُ على المَجلسِ؛ لأنَّ المُملِّكَ يَطلبُ جوابَ التَّمليكِ في المَجلسِ عادةً، ولهذا يَقتصرُ القَبولُ على المَجلسِ في البَيعِ، كذا هَهُنا، والتَّخييرُ مِنَ القاضِي تفويضُ الطَّلاقِ وليسَ بتَمليكٍ، لأنه لا يَملِكُ الطَّلاقَ بنفسِهِ؛ لأنَّ الزوجَ ما مَلَّكهُ الطلاقَ وإنَّما فوَّضَ إليهِ التَّطليقَ وولَّاهُ ذلكَ، فيَلِي التَّفويضَ لا التَّمليكَ، وإذا لم يَملِكْ بنفسِهِ فكَيفَ يملكُهُ مِنْ غيرِهِ؟ فهوَ الفرقُ بيْنَ التَّخييرينِ، واللهُ أعلمُ.
والمُؤَخَّذُ والخَصِيُّ في جَميعِ ما وَصفْنا مثلُ العِنِّينِ؛ لوُجودِ الآلةِ في حقِّهِما فكانَا كالعنِّينِ، وكذلكَ الخُنثى.
وأمَّا المَجبوبُ فإنه إذا عُرِفَ أنه مَجبوبٌ إمَّا بإقرارِهِ أو بالمَسِّ فوقَ الإزارِ؛ فإنْ كانتِ المَرأةُ عالِمةً بذلكَ وقْتَ النكاحِ فلا خيارَ لها؛ لرِضاها بذلكَ، وإنْ لم تكنْ عالِمةً بهِ فإنَّها تُخيَّرُ للحالِ، ولا يُؤجَّلُ حَولًا؛ لأنَّ التَّأجيلَ لرَجاءِ الوُصولِ، ولا يُرجى منهُ الوُصولُ، فلم يكنِ التَّأجيلُ مُفيدًا فلا يُؤجَّلُ، وإنِ اختَارتِ الفُرقةَ وفرَّقَ القاضي بيْنَهما أو لم يُفرِّقْ -على الاختِلافِ الذي ذكَرْنا- فلَها كمالُ المَهرِ وعليها كمالُ العدَّةِ إنْ كانَ قد خَلا بها في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما لها نِصفُ المهرِ وعليها كَمالُ العدَّةِ، وإن كانَ لم يَخلُ بها فلها نِصفُ المهرِ ولا عدَّةَ عَليها بالإجماعِ (١).
стр. 9069
ما الذي يَجبُ للمَرأةِ مِنْ المَهرِ إنْ حصَلَ فِراقٌ بسَببِ العَيبِ:
الفُرقةُ بسَببِ العَيبِ إمَّا أنْ تَحصلَ بعْدَ العَقدِ وقبْلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ، وإمَّا أنْ تَحصلَ بعْدَ العَقدِ والدُّخولِ.
فإنْ حَصلَتِ الفُرقةُ بعْدَ العَقدِ وقبْلَ الدُّخولِ فلا شيءَ على الزوجِ عِنْدَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالكيَّةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ، سواءٌ كانَ الفَسخُ مِنَ الزوجِ أو مِنَ الزوجةِ لعَيبٍ فيهِ أو فيها؛ لأنَّ الفَسخَ إنْ كانَ منها فالفُرقةُ مِنْ جِهتِها، فسقَطَ مَهرُها كما لو فَسختْهُ برَضاعِ زَوجةٍ لهُ أُخرى.
وإنْ كانَ الفَسخُ مِنَ الزوجِ فإنَّما فَسخَ لمَعنًى مِنْ جِهتِها، وهوَ تَدليسُها بالعَيبِ، فصارَ الفَسخُ كأنهُ مِنها، ولأنَّ شأنَ الفَسخِ تَرادُّ العِوضَينِ، وقد رَجعَ البُضعُ إليها سالِمًا، فيَرجعُ عِوضُه إليهِ سالِمًا.
وإنْ حصلَ الفَسخُ بعْدَ الدُّخولِ بها أوِ الخَلوةِ فلها المَهرُ كامِلًا عندَ المالكيَّةِ -على تَفصيلٍ عِندَهم يأتي- والشَّافعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ المَهرَ تقرَّرَ بنَفسِ الوَطءِ.
قالَ المالكيَّةُ: إذا حَصلَ ردُّ النكاحِ قبْلَ البناءِ بالمَرأةِ فلا صَداقَ لها ولو وقَعَ بلفظِ الطلاقِ؛ لأنَّ العَيبَ إذا كانَ بهِ فقَدِ اختارَتْ فِراقَهُ قبْلَ استيفاءِ سلعَتِها، وإنْ كانَ بها فغارَّةٌ مدلِّسةٌ.
وقِيلَ: إنْ كانَ العَيبُ بهِ فلها نِصفُ الصَّداقِ؛ لأنهُ غارٌّ وقَد دَخلَ على أنْ تردَّهُ بذلكَ.
стр. 9070
وإنْ حَصلَ الرَّدُّ بعْدَ بناءِ مَنْ يُتصوَّرُ وَطؤُه كالمَجنونِ والأبرَصِ فيَجبُ لها المُسمَّى؛ لِتَدليسِه.
وأمَّا المَجبوبُ والعنِّينُ والخَصيُّ المَقطوعُ الذَّكَرِ فإنهُ لا مهرَ لها (١).
إلَّا أنَّ الشافِعيةَ والحَنابلةَ اختَلفُوا بعْدَ ثُبوتِ المَهرِ؛ هل يجبُ المُسمَّى أم مهرُ المِثلِ؟ على تَفصيلٍ عِندَهم.
قالَ الشَّافعيةُ: الفَسخُ بعْدَ الدُّخولِ إمَّا أنْ يكونَ لعَيبٍ كانَ مَوجودًا حالَ العَقدِ، وإمَّا أنْ يَكونَ لعَيبٍ مُقارِنٍ أو حادِثٍ بعْدَ الوَطءِ.
فإنْ حَصلَ الفَسخُ بعْدَ الدُّخولِ بأنْ لم يُعلمْ بهِ إلَّا بعْدَه فالأصحُّ أنَّه يَجبُ مَهرُ مِثلٍ إنْ فُسخَ النكاحُ بعَيبٍ بهِ أو بها مُقارِنٍ للعَقدِ.
أو فُسخَ بعَيبٍ حادثٍ بيْنَ العقدِ والوطءِ جَهلَه الواطِئُ إنْ كانَ بالمَوطوءةِ وجهلَتْهُ هيَ إنْ كانَ بالواطِئِ؛ لأنهُ قدِ استَمتَعَ بمَعيبَةٍ، وهوَ إنَّما بذَلَ المسمَّى عَلى ظنِّ السَّلامةِ ولم تَحصلْ، فكأنَّ العَقدَ جَرى في الأوَّلِ بلا تَسميةٍ، ويُجعَلُ اقتِرانُه بالوَطءِ المُقارِنِ للمهرِ في الثَّاني كالاقتِرانِ بالعَقدِ، فكأنهُ أيضًا جَرى بلا تَسميةٍ، ولأنَّ قَضيةَ الفَسخِ رُجوعُ كلٍّ منهُما إلى عَينِ حقِّهِ أو إلى بدلِهِ إنْ تَلفَ، فيَرجعُ الزوجُ إلى عَينِ حقِّهِ وهو المُسمَّى، والزوجةُ إلى بَدَلِ حقِّها وهوَ مهرُ المِثلِ؛ لفواتِ حقِّها بالدُّخولِ.
стр. 9071
والأصحُّ أنهُ يَجبُ المُسمَّى إنْ حَدثَ العَيبُ بعْدَ وطءٍ؛ لأنهُ استَقرَّ بالوطءِ قبْلَ وُجودِ سبَبِ الخِيارِ فلا يُغيَّرُ.
والثَّاني -وهوَ قَولٌ مُخرَّجٌ-: يَجبُ المُسمَّى مُطلَقًا؛ لتَقرُّرِه بالدُّخولِ.
والثَّالثُ: مهرُ المِثلِ مُطلَقًا.
وقِيلَ في المُقارِنِ: إنْ فَسخَ بعَيبِها فمَهرُ المِثلِ، وإنْ فَسخَتْ بعيبِهِ فالمُسمَّى.
والحاصِلُ: أنَّ الوَطءَ مَضمونٌ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ الوَطءَ في النِّكاحِ لا يَخلُو عن مُقابِلٍ، وإنَّما الخِلافُ هل يَجبُ المُسمَّى أو مَهرُ المِثلِ.
ولوِ انفَسخَ النِّكاحُ برِدَّةٍ منهُ أو مِنها بعْدَ وَطءٍ بأنْ لم يجمعْهُما الإسلامُ في العدَّةِ فالمُسمَّى هوَ الواجِبُ؛ لأنَّ الوَطءَ قرَّرَ المُسمَّى قبْلَ وُجودِها، والردَّةُ لا تَستندُ إلى ما تقدَّمَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: الفَسخُ إذا كانَ بعْدَ الدُّخولِ فلها المَهرُ؛ لأنَّ المَهرَ يَجبُ بالعَقدِ ويستقرُّ بالدخولِ، فلا يَسقطُ بحادثٍ بعْدَهُ، ولِذلكَ لا يَسقُطُ بردَّتِها ولا يُفسخُ مِنْ جهتِها، ويَجبُ المَهرُ المُسمَّى؛ لأنَّها فُرقةٌ بعْدَ الدُّخولِ في نكاحٍ صَحيحٍ فيهِ مُسمًّى صَحيحٌ، فوَجبَ المُسمَّى كغَيرِ المَعيبةِ وكالمُعتقَةِ تَحتَ عَبدٍ، والدُّليلُ على أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ أنهُ وُجدَ بشُروطِهِ
стр. 9072
وأركانِهِ فكانَ صَحيحًا كما لو لَم يَفسخْهُ، ولأنهُ لو لمْ يَفسخْهُ لَكانَ صَحيحًا، فكذلكَ إذا فَسخَهُ كنِكاحِ الأمَةِ إذا عُتقِتْ تَحتَ عبدٍ، ولأنهُ تَترتَّبُ عليهِ أحكامُ الصِّحةِ مِنْ ثُبوتِ الإحصانِ والإباحَةِ للزوجِ الأوَّلِ وسائرِ أحكامِ الصِّحةِ، ولأنهُ لو كانَ فاسِدًا لَمَا جازَ إبقاؤُهُ وتَعيَّنَ فسخُهُ.
وفي رِوايةٍ: يَجبُ مَهرُ المِثلِ (١).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالُوا: وامرأةُ العنِّينِ والمُؤَخَّذِ والخَصيِّ لها المَهرُ كامِلًا وعليها العدَّةُ بالإجماعِ إنْ كانَ الزَّوجُ قد خَلا بها، وإنْ كانَ لم يَخْلُ بها فلا عدَّةَ عليها ولها نِصفُ المهرِ إنْ كانَ مُسمًّى، والمُتعةُ إنْ لم يَكنْ مُسمًّى.
وأمَّا امرَأةُ المَجبوبِ فلَها كَمالُ المَهرِ وعَليها كَمالُ العدَّةِ إنْ كانَ قد خَلا بها في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما لها نِصفُ المَهرِ وعليها كمالُ العدَّةِ، وإنْ كانَ لم يَخلُ بها فلها نِصفُ المَهرِ ولا عدَّةَ عليها بالإجماعِ (٢).
إذا طلَّقَها قبلَ الدُّخول ثمَّ عَلِمَ أنه كانَ بها عَيبٌ:
الزوجُ إذا طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ وَجبَ لزَوجتِهِ نِصفُ المَهرِ المُسمَّى، إلَّا أنهُ إذا فَسخَ العقدَ قبْلَ الدُّخولِ لعَيبٍ كانَ بها فلا شَيءَ لها اتِّفاقًا.
وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ ثمَّ عَلمَ أنهُ كانَ بها عَيبٌ لم يَرجعْ بالنِّصفِ
стр. 9073
كما نصَّ على ذلكَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ؛ لأنهُ رَضيَ بإزالةِ المِلكِ والتزامِ نِصفِ المَهرِ، فلم يَرجعْ بهِ على أحَدٍ، وكذا إنْ طلَّقَها بعْدَ الدُّخولِ بها ثمَّ عَلمَ أنهُ كانَ بها عَيبٌ فلا رُجوعَ لهُ.
وإنْ ماتَتْ أو ماتَ قبْلَ العلمِ بالعَيبِ فلها الصَّداقُ كامِلًا ولا يَرجعُ على أحَدٍ؛ لأنَّ سَببَ الرُّجوعِ الفَسخُ ولم يُوجَدْ، وهَاهُنا استَقرَّ الصَّداقُ بالمَوتِ فلا يَرجعُ بهِ، والإرثُ ثابتٌ بيْنَهما (١).
هل يَرجع الزوجُ بالمهرِ على مَنْ غَرَّه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ الذي فَسخَ النكاحَ بعَيبِ زَوجتِه، هل يَرجعُ بالمَهرِ عليها أو على مَنْ غرَّهُ أم لا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ الجَديدِ والحَنابلةُ في قَولٍ (وهوَ قولُ الحَنفيةِ) إلى أنَّ الزوجَ الفاسِخَ بعَيبٍ لا يَرجعُ بعْدَ الفَسخِ بالمَهرِ الذي غَرِمَه على مَنْ غرَّهُ مِنْ وَليٍّ أو زَوجةٍ بالعَيبِ المُقارنِ؛ لاستِيفائِهِ مَنفعةَ البُضعِ المُتقوّمِ عليهِ بالعَقدِ؛ لِمَا رَوتْ عائِشةُ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسولِ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذْنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ، ثَلاثَ
стр. 9074
مرَّاتٍ، فإنْ دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ مِنها، فإنْ تَشاجَرُوا فالسُّلطانُ ولِيُّ مَنْ لا وَليَّ لهُ» (١)، فإذا جعَلَ النبيُّ ﷺ الصَّداقَ للمَرأةِ بالمَسيسِ في النكاحِ الفاسدِ بكُلِّ حالٍ ولم يَردَّه بهِ عليها وهيَ الَّتي غرَّتْه لا غَيرُها فكَذلكَ في النكاحِ الصحيحِ الذي الزوجُ فيهِ بالخِيارِ أَولى أنْ يكونَ للمرأةِ، ولأنَّ غُرمَ المَهرِ بدلٌ مِنِ استِهلاكِهِ للبُضعِ واستِمتاعِهِ بهِ، فلم يَجزْ أنْ يَرجعَ بغُرمِ ما أوجَبَه استِهلاكُه وإنْ كانَ مَغرورًا، كالمَغرورِ في مَبيعٍ قدِ استَهلكَه، ولأنْ لا يُجمَعُ بيْنَ تَملُّكِ البَدلِ والمُبدَلِ، وقد يَملكُ الاستِمتاعَ الذي هوَ مُعوَّضٌ مُبدَلٌ ولم يَجزْ أنْ يَتملَّكَ المَهرَ الَّذي هوَ عِوضُ بَدلٍ (٢).
وذهَبَ المالكيَّةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ يَرجعُ بالمَهرِ على مَنْ غرَّهُ؛ للتَّدليسِ بإخفاءِ العَيبِ المُقارِنِ للعَقدِ؛ لأنَّ الغارَّ قد أَلجأَهُ إلى التزامِ المَهرِ بهذهِ الإصابةِ، ولولاهُ لَمَا لَزمَه المَهرُ إلَّا بإصابةٍ مُستَدامةٍ في نِكاحٍ ثابِتٍ، فجَرى مَجرى الشاهدَينِ إذا ألزَماهُ بشَهادتِهما غُرمًا ثمَّ رَجعَا لزمَهُما غُرمُ ما استُهلكَ بشَهادتِهما.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَرجعُ بالمَهرِ على مَنْ غرَّهُ، وقالَ أبو بَكرٍ: فيهِ رَوايتانِ، إحدَاهُما: يَرجعُ بهِ، والأُخرى: لا يَرجعُ.
стр. 9075
والصَّحيحُ أنَّ المَذهبَ رِوايةٌ واحدةٌ وأنهُ يَرجعُ بهِ؛ فإنَّ أحمَدَ قالَ: كُنْتُ أذهَبُ إلى قَولِ عليٍّ فَهِبْتُه فمِلتُ إلى قَولِ عمرَ: «إذا تزوَّجَها فرَأى جُذامًا أو بَرَصًا فإنَّ لها المَهرَ بمَسيسهِ إياها، ووليُّها ضامنٌ للصَّداقِ»، وهذا يَدلُّ على أنهُ رجَعَ إلى هذا القَولِ، وبهِ قالَ الزُّهريُّ وقَتادةُ ومالكٌ والشافعيُّ في القَديمِ.
ورُويَ عن عَليٍّ أنهُ قالَ: «لا يَرجعُ»، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ في الجَديدِ؛ لأنهُ ضَمِنَ ما استَوفَى بدلَهُ وهوَ الوطءُ، فلا يَرجعُ بهِ على غَيرِهِ، كما لو كانَ المَبيعُ مَعيبًا فأكلَهُ.
ولنا: ما رَوى مالِكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «أيُّما رَجلٍ تزَوَّجَ امرأةً وبها جنُونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمَسَّهَا فلها صَداقُها كَاملًا، وذلكَ لزَوْجِها غُرمٌ على وَليِّها» (١)، ولأنه غرَّهُ في النكاحِ بما يَثبتُ بهِ الخيارُ، فكانَ المَهرُ عليهِ كما لو غرَّهُ بحُريةِ أمَةٍ.
فإذا ثَبتَ هذا: فإنْ كانَ الوَليُّ عَلِمَ غَرِمَ، وإنْ لم يَكنْ عَلِمَ فالتَّغريرُ مِنَ المَرأةِ، فيَرجعُ عليها بجَميعِ الصَّداقِ.
فإنِ اختَلفُوا في عِلْمِ الوليِّ فشَهدَتْ بيِّنةٌ عليهِ بالإقرارِ بالعِلمِ، وإلَّا فالقَولُ قولُهُ معَ يمينهِ.
وقالَ الزُّهريُّ وقَتادةُ: إنْ عَلِمَ الوليُّ غَرِمَ، وإلَّا استحلفَ باللهِ العَظيمِ أنه ما عَلِمَ، ثمَّ هوَ على الزَّوجِ.
стр. 9076
وقالَ القاضي: إنْ كانَ أبًا أو جَدًّا أو ممَّن يَجوزُ له أنْ يَراها فالتَّغريرُ مِنْ جهتهِ عَلِمَ أو لم يَعلَمْ، وإنْ كانَ ممَّنْ لا يَجوزُ لهُ أن يَراهَا كابنِ العمِّ والمَولى وعَلِمَ غَرِمَ، وإنْ أَنكرَ ولم تَقمْ بيِّنةٌ بإقرارهِ فالقَولُ قَولُه ويَرجعُ على المَرأةِ بجَميعِ الصداقِ، وهذا قولُ مالِكٍ، إلَّا أنهُ قالَ: إذا ردَّتِ المَرأةُ ما أَخذَتْ تَركَ لها قَدْرَ ما تُستَحلُّ بهِ؛ لئلَّا تصيرَ كالمَوهوبةِ، وللشافعيِّ قولانِ كقَولِ مالكٍ والقاضِي.
ولنا على أنَّ الوليَّ إذا لم يَعلمْ لا يَغرمُ: أنَّ التَّغريرَ مِنْ غَيرهِ، فلم يَغرمْ كما لو كانَ ابنَ عمٍّ.
وعلى أنهُ يرجعُ بكلِّ الصَّداقِ: أنهُ مَغرورٌ مِنها، فرَجعَ بكلِّ الصَّداقِ كما لو غرَّهُ الوَليُّ، وقولُهم: «لا يَخفى على مَنْ يَراها» لا يصحُّ؛ فإنَّ عُيوبَ الفَرجِ لا اطِّلاعَ لهُ عَليها ولا يَحلُّ لهُ رؤيَتُها، وكذلكَ العيوبُ تَحتَ الثِّيابِ، فصارَ في هذا كمَن لا يَراها، إلِّا في الجُنونِ؛ فإنهُ لا يكادُ يَخفى على مَنْ يَراها إلَّا أنْ يكونَ غائِبًا، وأمَّا الرُّجوعُ بالمهرِ فإنهُ لسَببٍ آخَرَ، فيكونُ بمَنزلةِ ما لو وهبَتْهُ إياهُ، بخلافِ الموهوبةِ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ على القَولِ بالرُّجوعِ: إذا قُلنَا بالرجوعِ فَلا يخلُو مَنْ غرَّهُ مِنْ أنْ يَكونَ الزوجةُ أو وَليُّها أو أجنَبيٌّ، فإنْ غرَّهُ الوَليُّ أو أجنَبيٌّ رَجعَ الزوجُ عليهِ بعْدَ غُرْمِه بما غَرِمَه مِنْ مَهرِ المِثلِ، فلو كانَتِ الزوجةُ قد أبرأَتْه
стр. 9077
منهُ لم يَرجعْ بهِ الزوجُ على الغارِّ، ولو ردَّتْهُ عليهِ بعْدَ قَبضِهِ فَفي رُجوعهِ وجهانِ: أحَدُهما: لا يَرجعُ، كالابنِ، والثَّاني: يَرجعُ؛ لأنَّ ردَّها لهُ ابتِداءُ هِبةٍ مِنها.
وإنْ كانَتْ هيَ الَّتي غرَّتْهُ لم يَغرمْ لها مِنَ المَهرِ ما يَرجعُ بهِ عَليها؛ لأنه غَيرُ مُقيَّدٍ، وفيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: قد سَقطَ جَميعُ مَهرِها بالغرورِ، كما يَرجعُ بجَميعِهِ على غَيرِها لو غرَّهُ، والوَجهُ الثاني -وهوَ مَنصوصُ الشافعيِّ في القَديمِ-: أنهُ يَسقطُ مَهرُ الِمثلِ إلَّا أقلَّ ما يَجوزُ أنْ يكونْ مَهرًا فيَلتزمُهُ لها؛ لئلَّا يَصيرَ مُستَبيحًا لبُضعِها بغَيرِ بذلٍ (١).
وقالَ المالكيَّةُ: إذا ردَّ الزوجُ زوْجتَهُ بعْدَ البِناءِ لعَيبِها رَجعَ بهِ الزوجُ على وَليٍّ لم يَخْفَ عَليهِ حالُها كأبٍ وأخٍ وابنٍ؛ لتَدليسِهِ بالكِتمانِ، ولا شَيءَ عليها مِنَ الصَّداقِ الذي أخذَتْهُ، فلا رُجوعَ للوَليِّ ولا للزوجِ عليها إذا كانَتْ غائِبةً عن مَجلسِ العَقدِ؛ لأنَّ الوليَّ هو الغارُّ.
وأمَّا إنْ كانَتِ الزَّوجةُ حاضِرةً مَجلسَ العَقدِ ولم تُخبِرْ هيَ ولا وليُّها بالعَيبِ فالزوجُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ رَجعَ على الوَليِّ المَذكورِ أو عَليها؛ لتَدليسِهما بالكِتمانِ، ثمَّ يَرجعُ الوليُّ عليها إنْ أخذَهُ الزوجُ مِنَ الوليِّ، فقَرارُ الغُرمِ عليها، وهذا في العَيبِ الظَّاهرِ كالجُذامِ والبَرصِ، وأمَّا ما لا يَظهرُ إلَّا بعْدَ البِناءِ أو بالوَطءِ كالرَّتقِ فالوليُّ القريبُ فيهِ كالبعيدِ -كما يأتي- لا غُرمَ عليهِ.
стр. 9078
ورَجعَ الزوجُ عليها فَقطْ إذا كانَ المُتولِّي لعَقدِها وليًّا بَعيدًا كالعمِّ أوِ ابنهِ أوِ السُّلطانِ، ويَتركُ لها رُبعَ ديِنارٍ حقًّا للهِ تعالى؛ لئلَّا يَخلوَ البُضعُ عن مَهرٍ فيُشبِهَ وطؤُها الزِّنا، وكَذا يَرجعُ عَليها في وليٍّ قَريبٍ زوَّجَها بعَيبٍ فيها لا يُعلمُ العَيبُ قبْلَ البِناءِ كعَفَلٍ ورَتقٍ وبَخَرٍ.
فإنْ عَلمَ الوليُّ البَعيدُ بالعَيبِ وكتَمَهُ فكالقَريبِ، فيَرجعُ عليهِ بجَميعِهِ إنْ كانَتْ غائبةً عن مَجلسِ العَقدِ (١).
هل للمرأةِ نَفقةٌ أو سُكنَى في عدَّةِ الفِراقِ لِعَيبٍ:
قالَ الشافِعيةُ: لا نَفقةَ للمَفسوخِ نِكاحُها بعْدَ الدُّخولِ في العدَّةِ إنْ كانَتْ حائِلًا أو حامِلًا؛ لانقِطاعِ أثَرِ النِّكاحِ بالفَسخِ، ولها السُّكنى؛ لأنها مُعتدَّةٌ عن نكاحٍ صَحيحٍ؛ تَحصينًا للماءِ (٢).
أمَّا الحَنابلةُ فقالوا: لا سُكنى للمَفسوخِ نكاحُها ولا نَفقةَ؛ لأنَّ السُّكنى والنَّفقةَ إنَّما تَجبُ لمَرأةٍ زَوجُها لهُ عليها الرَّجعةُ، وإنَّما كانَ كَذلكَ؛ لأنها تَبِينُ بالفَسخِ كما تَبِينُ بطَلاقٍ ثلاثٍ، ولا يَستَحقُّ زَوجُها عليها رَجعةً فلم تَجبْ لها سُكنى ولا نَفقةٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لفاطِمةَ بنتِ قيسٍ: «إنَّما النَّفقةُ والسُّكنَى للمَرأةِ إذا كانَ لزَوجِها عَليها الرَّجعةُ» (٣).
стр. 9079
وهذا إذا كانَتْ حائِلًا، فإنْ كانَتْ حامِلًا فلَها النَّفقةُ؛ لأنها بائنٌ مِنْ نكاحٍ صَحيحٍ في حالِ حَملِها فكانتْ لها النَّفقةُ كالمطلَّقةِ ثَلاثًا والمُختلِعةِ.
وقالَ القاضِي: لا نفقةَ لها إنْ كانَتْ حامِلًا في أحدِ الوَجهينِ؛ لأنها بائنٌ مِنْ نِكاحٍ فاسِدٍ.
وفي السُّكنى رِوايتانِ (١).
стр. 9080
فصل في الأنكِحةِ المَنهيِّ عنها
أوَّلاً: نِكاحُ الشِّغارِ:
الشِّغارُ لغةً: الخُلوُّ، يُقالُ: «بَلدٌ شاغِرٌ» إذا خَلا مِنْ سُلطانٍ، و «أمرٌ شاغرٌ» إذا خَلا مِنْ مُدبِّرٍ (١).
والشِّغارُ شَرعًا: قالَ الشَّافعيُّ ﵀: وإذا أنكَحَ الرَّجلُ ابنتَهُ أوِ المرأة تَلِي أمْرَها الرَّجلَ عَلى أنْ يُنكِحَهُ ابنتَهُ أو المَرأةَ تَلِي أمْرَها عَلى أنَّ صداقَ كُلِّ واحِدةٍ مِنهُما بُضعُ الأُخرى ولم يُسمِّ لكُلِّ واحِدةٍ مِنهُما صَداقًا فهذا الشِّغارُ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا مَعناهُ في الشَّريعةِ: فأنْ يُنكِحَ الرَّجلُ رَجلًا وليَّتَه على أنْ يُنكِحَه الآخَرُ وليَّتَه بِلا صَداقٍ بينَهُما، على ما قالَهُ مالِكٌ وجَماعةُ الفقهاءِ (٣).
وذهبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ نِكاحَ الشِّغارِ -وهوَ أنْ يُزوِّجَ الرَّجلُ ابنتَه أو أختَه أو أَمَتَهُ عَلى أنْ يُزوِّجَهُ الآخَرُ ابنتَهُ أو أختَهُ أو أمَتَهُ لِيَكونَ أحَدُ العقدَينِ عِوضًا عنِ الآخَرِ- صَحيحٌ ويَجبُ فيهِ مَهرُ المِثلِ؛ لبُطلانِ التَّسميةِ؛ لأنهُ سمَّى ما لا يَصلحُ مَهرًا؛ إذِ المسمَّى ليسَ بمالٍ، فوجَبَ مَهرُ المثلِ، كما إذا تَزوَّجَها عَلى خَمرٍ أو مَيتةٍ.
ولأنَّ النكاحَ لا يَبطلُ بالشُّروطِ الفاسدةِ، وهذا شَرطٌ فيهِ، ألَا تَرى أنهُ لا يَفسدُ بتَسميةِ ما ليسَ بمَالٍ كالدَّمِ ونحوِهِ ولا بتَرْكِ التَّسميةِ بالكُليَّةِ، والنَّهيُ الواردُ فيهِ إنَّما كانَ مِنْ أجْلِ إخلائِهِ عن تَسميةِ المَهرِ واكتفائِهِ بذلكَ مِنْ غَيرِ أنْ يَجبَ فيهِ شَيءٌ آخَرُ مِنَ المالِ على ما كانتْ عليهِ عادتُهم في الجَاهليَّةِ، أو هوَ مَحمولٌ على الكَراهيةِ.
ويُشتَرطُ لِتحقُّقِ مَعنى الشِّغارِ أنْ يَجعلَ بُضعَ كلٍّ مِنهُما صَداقًا للأُخرى معَ القَبولِ مِنَ الآخَرِ، فإنْ لم يَقلْ ذلكَ ولا معناهُ بل قالَ: «زوَّجْتُكَ بِنتِي على أنْ تُزوِّجَنِي بِنتَكَ» فقَبِلَ الآخَرُ، أو قالَ: «على أنْ يَكونَ بُضعُ بِنتِي صَداقًا لِبنتِكَ» فلَم يَقبلِ الآخَرُ بل زوَّجَه بِنتهُ ولَم يَجعَلْها صَداقًا لم يَكنْ
стр. 9085
شِغارًا وإنَّما نِكاحًا صَحيحًا باتِّفاقٍ وإنْ وجَبَ مَهرُ المِثلِ في الكلِّ لمَّا أنهُ سمَّى ما لا يَصلحُ صَداقًا (١).
قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ ﵀: لا يكونُ الصَّداقُ نكاحَ امرَأةٍ، فإذا تَزوَّجَها على أنْ يَكونَ صَداقُها أنْ يزوِّجَه ابنتَهُ فالنِّكاحُ جائزٌ ولها صَداقُ مِثلِها مِنْ نِسائِها ولا وَكْسَ ولا شطَطَ، وهوَ قولُ أبي حَنيفةَ والعامَّةِ مِنْ فُقهائِنا (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا نِكاحُ الشِّغارِ فإنَّهم اتَّفقُوا على أنَّ صِفتَهُ هوَ أنْ يُنكِحَ الرَّجلُ وليَّتَه رَجلًا آخَرَ على أنْ يُنكِحَهُ الآخَرُ وليَّتَه ولا صَداقَ بيْنَهما إلَّا بُضعَ هذهِ ببُضعِ الأُخرى، واتَّفقُوا على أنه نكاحٌ غيرُ جائزٍ؛ لثُبوتِ النَّهيِ عنهُ.
واختَلفُوا إذا وَقعَ هل يُصحَّحُ بمَهرِ المِثلِ أم لا؟
فقالَ مالكٌ: لا يُصحَّحُ ويُفسَخُ أبدًا قبلَ الدُّخولِ وبعْدَه، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ، إلَّا أنه قالَ: إنْ سمَّى لإحداهُما صَداقًا أو لهُمَا مَعًا فالنِّكاحُ ثابتٌ بمَهرِ المِثلِ والمَهرُ الَّذي سَمَّياهُ فاسدٌ.
стр. 9086
وقالَ أبو حَنيفةَ: نكاحُ الشِّغارِ يَصحُّ بفرْضِ صَداقِ المثلِ …
وسَببُ اختِلافِهم: هلِ النَّهيُ المُعلَّقُ بذلكَ مُعلَّلٌ بعَدمِ العوضِ أو غَيرُ مُعلَّلٍ؟ فإنْ قُلنا: «غَيرُ مُعلَّلٍ» لَزمَ الفَسخُ على الإطلاقِ، وإنْ قُلنا: «العلَّةُ عَدمُ الصَّداقِ» صحَّ بفَرْضِ صَداقِ المِثلِ، مِثلَ العقدِ على خَمرٍ أو على خِنزيرٍ، وقد أجمَعُوا على أنَّ النِّكاحَ المُنعقِدَ على الخَمرِ والخِنزيرِ لا يُفسَخُ إذا فاتَ بالدُّخولِ ويكونُ فيهِ مَهرُ المِثلِ، وكأنَّ مالِكًا ﵁ رأى أنَّ الصَّداقَ وإنْ لم يكنْ مِنْ شَرطِ صحَّةِ العَقدِ ففسادُ العَقدِ هَهُنا مِنْ قِبَلِ فسادِ الصَّداقِ مَخصوصٌ؛ لتَعلُّقِ النَّهيِ بهِ، أو رأى أنَّ النَّهيَ إنَّما يَتعلقُ بنَفسِ تَعيينِ العَقدِ، والنَّهيُ يدلُّ على فسادِ المَنهيِّ (١).
وإذا قالَ: «زوَّجْتُكَ ابنَتِي على أنْ تُزوِّجَنِي ابنتَكَ» واقتَصرَ على هذا فالنِّكاحُ صَحيحٌ عِنْدَ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ في المَشهورِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنهُ لم يَحصلْ بهِ التَّشريكُ، وإنَّما حَصلَ الفسادُ في الصَّداقِ، وهوَ أنهُ جَعلَ مَهرَ ابنتِهِ أنْ يُزوِّجَه الآخرُ ابنتَهُ، ففَسدَ المُسمَّى ووَجبَ مَهرُ المِثلِ.
وذهَبَ المالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهَبِ والشافعيةُ في قَولٍ إلى أنهُ لا يَصحُّ؛ لأنَّهما لم يُسمِّيَا صَداقًا صَحيحًا، ولكنْ جَعَلَ كلُّ واحدٍ مِنهُما عقْدَ نِكاحِ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما صَداقًا للأُخرى؛ لأنهُ أَخرجَ ذلكَ مَخرجَ الصَّداقِ (٢).
стр. 9087
المَسألةُ الثانِيةُ: إذا زوَّجَ كُلُّ واحِدٍ مِنْ الوَليَّينِ وَليَّتَه للآخَرِ وذكَرَ الصَّداقَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زوَّجَ كلُّ واحدٍ مِنَ الوليَّينِ مُوليَّتَه للآخَرِ وذُكِرَ صَداقُ كلِّ واحِدةٍ، سَواءٌ كانَ مُماثِلًا لصَداقِ الأُخرى أو مُخالِفًا ك: «زوِّجْنِي أختَكَ بمِائةٍ على أنْ أزوِّجَكَ أختِي بمائةٍ، أو بخَمسِينَ» هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ النكاحَ فاسِدٌ غَيرُ صَحيحٍ.
قالَ المالِكيةُ: نِكاحُ الشِّغارِ على وَجهَينِ: صَريحُ الشِّغارِ ووجهُ الشِّغارِ، فصَريحُ الشِّغارِ: هوَ أنْ لا يُذكَرَ فيهِ صَداقٌ ك: «زوِّجْنِي ابنتَكَ على أنْ أزوِّجَكَ ابنتِي»، فيَكونُ صَداقُ كلِّ واحِدةٍ بُضعَ الأُخرى، ويُفسَخُ أبدًا وإنْ دخَلَ وطالَ ووَلدَتِ الأولادَ.
ووَجهُ الشِّغارِ: أن يُذكَرَ فيهِ صَداقُ كلِّ واحِدةٍ، سواءُ كانَ مُماثِلًا لصَداقِ الأُخرى أو مُخالِفًا، ك: «زوِّجْنِي أختَكَ بمائةٍ على أنْ أزوِّجَكَ
стр. 9088
أختِي بمائةٍ، أو بخَمسِينَ»، ويُفسَخُ قبْلَ البِناءِ ويَثبتُ بعْدَهُ بصَداقِ المِثلِ، إلَّا أنْ يَكونَ صداقُ مِثلِها أقلَّ ممَّا سُمِّي فلا تنقصُ عنِ المسمَّى (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا هَلْ لها المُسمَّى أم مَهرُ المِثلِ؟
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «زوَّجْتَكَ أُختِي بمائةٍ على أنْ تزوِّجَنِي أختَكَ بمِائةٍ» صحَّ النِّكاحانِ وبَطلَتِ التَّسميةُ، ولِكلِّ واحِدةٍ مِنهُما مَهرُ مِثلِها. هَكذا ذكَرَ القدوُريُّ في تجريدِهِ (٢).
لكنْ قالَ السَّرخسيُّ وابنُ نُجيمٍ -رحمهما الله-: إذا زوَّجَ ابنتَهُ مِنْ رَجلٍ على مَهرٍ مُسمًّى على أنْ يزوِّجَهُ الآخَرُ ابنتَهُ على مَهرٍ مُسمًّى فإنْ زوَّجَه فلِكلِّ واحِدةٍ مِنهُما ما سَمَّى لها مِنْ المَهرِ، وإنْ لم يزوِّجْهُ الآخَرُ كانَ للمُزوَّجةِ تمامُ مَهرِ مثلِها؛ لأنَّ رِضاها بدُونِ مَهرِ المِثلِ باعتِبارِ مَنفعةٍ مَشروطةٍ لأبيها، ومَنفعةُ أبيها كمَنفعتِها، ولو شرَطَ لها معَ المُسمَّى مَنفعةً كانَ لها مَهرُ مِثلِها، كذا هُنا (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنْ تزوِّجَنِي ابنتَكَ ويكونُ مهرُ كلِّ واحدةٍ منهُما كذا وكذا» .. فيَصحُّ النِّكاحانِ ويَبطلُ المَهرانِ
стр. 9089
المُسمَّيانِ ويَجبُ لهُما مَهرُ المِثلِ، سواءٌ اتَّفقَ المَهرانِ أوِ اختَلفَا؛ لأنه لم يَحصلْ في البُضعَينِ تَشريكٌ، وإنَّما حصَلَ الفَسادُ في المَهرِ؛ لأنه شرَطَ معَ المَهرِ المُسمَّى أنْ يُزوِّجَهُ ابنتَهُ، فهوَ كما لو قالَ: «زوَّجْتُكَ ابنَتِي بمِائةٍ على أنْ تَبيعَنِي دارَكَ» .. فإنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ والمُهرَ باطلٌ.
وإنْ قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنْ تزوِّجَنِي ابنتَكَ ويَكونُ بُضعُ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما ومِائةُ دِرهمٍ صَداقًا للأُخرى» .. ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ النِّكاحَينِ صَحيحانِ ويَجبُ لهُمَا مَهرُ المِثلِ؛ لأنَّ الشِّغارَ هوَ الخالي عنِ المَهرِ، وهاهُنا لمُ يَخلُ عنِ المَهرِ.
والثَّاني -وهوَ الصَّحيحُ-: أنَّ النِّكاحَينِ باطِلانِ؛ لأنَّ التَّشريكَ في البُضعِ مَوجودٌ معَ تَسميةِ المَهرِ، والمُفسِدُ هوَ التَّشريكُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا سَمَّوا لِكلِّ واحِدةٍ مِنهُما صَداقًا فَقالَ: «زوَّجْتُكَ ابنَتِي على أنْ تُزوِّجَنِي ابنتَكَ ومَهرُ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما مِائةٌ، أو مَهرُ ابنتِي مِائةٌ ومَهرُ ابنَتِكَ خَمسُونَ، أو أقَلُّ، أو أكثَرُ» صَحَّ العَقدُ عَليها بالمُسمَّى على الصَّحيحِ؛ لِمَا تَقدَّمَ مِنْ حديثِ ابنِ عُمرَ، ولأنه قد سمَّى صَداقًا فصَحَّ كمَا لو لم يَشتَرِطْ ذلكَ.
ومَحلُّ الصِّحةِ أيضًا إنْ كانَ غيرَ قَليلٍ حِيلةً، سَواءٌ كانَ مَهرَ المِثلِ أو أقلَّ، فإنْ كانَ قَليلًا حِيلةً لم يَصحَّ، و إنْ كانَ كَثيرًا صحَّ ولو حِيلةً.
стр. 9090
وقَال الخرقِيُّ ﵀: لا يَصحُّ؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ، ولِمَا روَى أبو داودَ عنِ الأعرجِ «أنَّ العبَّاسَ بنَ عُبيدِ اللهِ بنِ العبَّاسِ أنكَحَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الحَكَمِ ابنتَهُ وأنكَحَهُ عَبدُ الرَّحمنِ ابنتَه وكانَا جعَلَا صَداقًا، فكتَبَ مُعاوِيةُ إلى مَروانَ فأمَرَه أنْ يُفرِّقَ بيْنَهما، وقالَ في كِتابهِ: هذا الشِّغارُ الَّذي نهَى عَنهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ». ولأنهُ شرَطَ نِكاحَ إحداهُما لنِكاحِ الأُخرَى، فلمْ يَصحَّ كما لَو لم يُسَمِّيا صَداقًا.
يُحقِّقُه أنَّ عدَمَ التَّسميةِ ليسَ بمُفسِدٍ للعَقدِ، بدَليلِ نِكاحِ المُفوِّضةِ، فدلَّ على أنَّ المُفسِدَ هوَ الشَّرطُ وقد وُجِدَ، ولأنه سَلفٌ في عَقدٍ، فلم يَصحَّ كما لو قالَ: «بِعتُكَ ثَوبِي بعَشرةٍ على أنْ تَبيعَنِي ثوبَكَ بعِشرينَ»، وهذا الاختِلافُ فيما إذا لم يُصرِّحْ بالتَّشريكِ، فأمَّا إذا قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنْ تُزوِّجَنِي ابنتَكَ ومَهرُ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما مِائةٌ وبُضعُ الأُخرَى» فالنِّكاحُ فاسدٌ؛ لأنه صرَّحَ بالتَّشريكِ، فلمْ يَصحَّ العقدُ كما لو لم يَذكرْ مُسمًّى.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَتى قُلنا بصحَّةِ العَقدِ إذا سَمَّيا صَداقًا فَفيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: تَفسدُ التَّسميةُ ويَجبُ مَهرُ المِثلِ، وهذا قَولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما لم يَرضَ بالمُسمَّى إلَّا بشَرطِ أنْ يزوِّجَ وليُّهُ صاحبَه، فيَنقُصَ المَهرُ لهذا الشَّرطِ، وهوَ باطِلٌ، فإذا احتَجْنَا إلى ضَمانِ النَّقصِ صارَ المُسمَّى مَجهولًا فبطَلَ.
стр. 9091
والوَجهُ الذي ذكَرَهُ القاضِي في «الجامع»: أنه يَجبُ المُسمَّى؛ لأنه ذكَرَ قَدْرًا مَعلومًا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَهرًا، فصَحَّ كَما لو قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على ألفٍ على أنَّ لي مِنها مِائةٌ»، واللهُ أعلَمُ (١).
المَسألةُ الثالِثةُ: إذا سَمَّى لإحداهُما صَداقًا دُونَ الأخرَى:
اختلفَ الفُقهاءُ فيما لو سمَّى لإحداهُما صداقًا دونَ الأُخرى، هل يصحُّ النكاحُ أم لا؟ وهل يكونُ فيه المسمَّى أو صداقُ المثلِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه إذا سمَّى المهرَ لإحداهُما ولم يسمِّ للأُخرى صحَّ نكاحُ مَنْ سمَّى لها؛ لأنَّ في نكاحِ مَنْ سمَّى لها تسميةً وشرطًا، فأشبَهَ ما لو سمَّى لكلِّ واحدةٍ منهما مهرًا، ويكونُ لها مهرُ المثلِ عندَ الشافعيةِ، والمُسمَّى عندَ الحَنابلةِ، ويفسدُ في التي لم يُسمِّ لها صداقًا؛ لأنَّ نكاحَها خَلا مِنْ صداقٍ (٢).
وذهَبَ أبو بكرٍ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه إنْ سَمَّى لإحداهُما مَهرًا دُونَ
стр. 9092
الأُخرى يَفسدُ النِّكاحُ فِيهما؛ لأنه فسَدَ في إحداهُما ففسَدَ في الأُخرَى (١).
وقالَ المالِكيةُ: إنْ سَمَّى مَهرًا لإحداهُما فقطْ دُونَ الأُخرى ك: «زوِّجْنِي أختَكَ بمِائةٍ على أنْ أزوِّجَكَ أختِي» فهوَ مُركَّبٌ مِنَ الوجهَينِ، وكلُّ واحِدةٍ على حُكمِها، فالتي سُمِّيَ لها يُفسَخُ نِكاحُها قبلَ البِناءِ ويَثبتُ بعدَه بصَداقِ المِثلِ، والتي لم يُسَمَّ لها يُفسَخُ نِكاحُها أبدًا قبلَ البِناءِ وبعدَه، ولها صَداقُ المِثلِ إنْ دخَلَ بها، ويُسمَّى هذا النكاحُ بمُركَّبِ الشِّغارِ عندَهم (٢).
ومُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ أنَّ النكاحَ صَحيحٌ، ولِمَن سَمَّى لها ما سَمَّى، ولِمَن لم يُسمِّ لها فلها مَهرُ مِثلِها (٣).
стр. 9093
ثانيًا: نِكاحُ المُتعةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا يَصحُّ تَوقيتُ النِّكاحِ بمدَّةٍ؛ لأنَّ هذا هو نكاحُ المُتعةِ المَنهيُّ عنهُ، فقد ثبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ مِنْ طريقِ عَددٍ مِنَ الصَّحابةِ «أنه ﷺ نهَى عن نِكاحِ المُتعةِ».
فعَن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنه قالَ لابنِ عبَّاسٍ ﵄: «إنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عنِ المُتعةِ وعَن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ زمَنَ خَيبَرَ» (١).
وعنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عن أبيهِ «أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكاحِ المُتعةِ» (٢).
وفي لَفظٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى يومَ الفَتحِ عَنْ مُتعةِ النِّساءِ» (٣).
وفي لَفظٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الرَّبيعِ بن سَبْرَةَ الجُهنيِّ عن أبِيهِ أنه أخبَرَهُ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى عنِ المُتعةِ زَمانَ الفَتحِ مُتعَةِ النِّساءِ، وأنَّ أباهُ كانَ تَمتَّعَ ببُردَينِ أحمَرَينِ» (٤).
وعنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عَنْ أبيهِ قالَ: خَرَجْنا معَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ المَدينةِ فِي حَجَّةِ الوَداعِ، حتَّى إذا كُنَّا بعُسْفانَ قالَ رَسولُ اللَّهِ
стр. 9094
ﷺ : «إنَّ العُمرةَ قدْ دَخلَتْ في الحَجِّ»، فقالَ لهُ سُراقةُ بنُ مالِكٍ أو مالِكُ بنُ سُراقةَ -شَكَّ عَبدُ العَزيزِ أحَدُ الرُّواةِ-: أيْ رَسولَ اللَّهِ عَلِّمْنا تَعليمَ قَومٍ كأنَّما وُلِدُوا اليَومَ، عُمْرَتُنا هَذهِ لعامِنا هذا أم لأَبَدِ؟ قالَ: «بل لأَبَدِ»، فلمَّا قَدِمْنا مكَّةَ طُفْنا بالبَيتِ وبَيْنَ الصَّفا والمَروةِ، ثُمَّ أمَرَنا بمُتعَةِ النِّساءِ، فرَجَعْنا إليهِ فقُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ إنهنَّ قد أَبَيْنَ إلَّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى، قالَ: «فافعَلُوا»، قالَ: فخَرَجتُ أنا وصاحِبٌ لي عَليَّ بُرْدٌ وعليهِ بُرْدٌ، فدَخَلْنا على امرَأةٍ فعَرَضْنا عليها أنفُسَنا، فجعَلَتْ تَنظُرُ إلى بُردِ صاحِبِي فتَراهُ أَجْوَدَ مِنْ بُرْدِي، وتَنظرُ إليَّ فتَرانِي أَشَبَّ منه، فقالَتْ: بُرْدٌ مَكانَ بُرْدٍ، واختَارَتْني، فتَزوَّجتُها عَشرًا ببُرْدِي، فَبِتُّ مَعها تلكَ اللَّيلةَ، فلمَّا أَصبَحْتُ غَدَوْتُ إلى المَسجدِ فسَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وهُو على المِنبَرِ يَخطُبُ يَقولُ: «مَنْ كانَ مِنْكُمْ تَزوَّجَ امرَأةً إلى أجَلٍ فلْيُعْطِها ما سَمَّى لها ولا يَستَرجِعْ ممَّا أعطاها شَيئًا ولْيُفارِقْها، فإنَّ اللَّهَ تَعالى قدْ حَرَّمَها عَليكُم إلى يَومِ القِيامَةِ» (١)، وما حُرِّمَ إلى يَومِ القِيامةِ فقدْ أمِنَّا نسْخَه.
فهذهِ الأحادِيثُ قد ورَدَ في بَعضِها أنها حُرِّمَتْ يَومَ خيبَرَ، وفي بعْضِها أنها حُرِّمتْ يَومَ الفَتحِ، وفي بعضِها في حجَّةِ الوَداعِ، فإنَّ هذهِ كانَتْ عادَتَه ﷺ ، تَكريرُ مِثلِ هذا في مَغازِيهِ وفي المَواضِعِ الجامِعةِ، فذكَرَها في حجَّةِ الوَداعِ؛ لاجتِماعِ النَّاسِ حتَّى يَسمعَه مَنْ لم يَكنْ سَمعَه، فأكَّدَ ذلكَ حتَّى لا تبقَى شُبهةٌ لأحَدٍ يدِّعِي تَحليلَها، ولأنَّ أهلَ مَكةَ كانُوا يَستعمِلونَها كَثيرًا.
стр. 9095
وأمَّا الجَوابُ أنَّ بيْنَ كُلِّ حَديثٍ مِنْ هذهِ الأحادِيثِ وَقتٌ وزَمانٌ مُمتدٌّ ففيهِ جَوابانِ:
أحَدُهما: أنه تَحريمٌ كررَّهُ في مَواضِعَ؛ ليَكونَ أظهَرَ وأنشَرَ حتَّى يَعلمَه مَنْ لم يَكنْ قد عَلِمَه، ولأنه قد يَحضرُ في بعضِ المَواضعِ مَنْ لم يَحضُرْ مَعه في غَيرِه، فكانَ ذلكَ أبلَغَ في التَّحريمِ وأوكَدَ، فأكَّدَ ذلكَ حتَّى لا تبقَى شُبهةٌ لأحَدٍ يَدَّعي تَحليلَها.
والجَوابُ الثاني: أنها كانَتْ حَلالًا فحُرِّمَتْ عامَ خيبَرَ، ثمَّ أَباحَها بعْدَ ذلكَ لمَصلحةٍ عَلِمَها، ثمَّ حرَّمَها في حجَّةِ الوَداعِ، ولذلكَ قالَ فيها: «وهيَ حَرامٌ إلى يَومِ القِيامةِ» تَنبيهًا على أنَّ ما كانَ مِنْ التَّحريمِ المُتقدِّمِ مُوقَّتٌ تَعقَّبتْه إباحةٌ، وهذا تَحريمٌ مؤبَّدٌ لا تَتعقَّبُه إباحةٌ (١).
والمَقصودُ بنِكاحِ المُتعةِ: هوَ كلُّ نِكاحٍ كانَ إلى أَجَلٍ مِنَ الآجالِ، سواءٌ قَرُبَ الأجلُ أم بَعُدَ، وسُمِّيَ بالمُتعَةِ؛ لأنَّ الغرَضَ منهُ مجرَّدُ التمتُّعِ دونَ التَّوالُدِ وسائرِ أغراضِ النِّكاحِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵁: أخبَرَنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ عنِ الزُّهريِّ عنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عن أبيهِ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عَنْ نِكاحِ المُتعَةِ».
(قالَ الشافِعيُّ): وجِماعُ نِكاحِ المُتعةِ المَنهيِّ عنهُ: كلُّ نِكاحٍ كانَ إلى أجَلَ مِنَ الآجالِ قَرُبَ أو بَعُدَ، وذلكَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ للمَرأةِ: «نكَحْتُكِ يَومًا، أو عَشرًا، أو شَهرًا، أو نكَحْتُكِ حتى أَخرجَ مِنْ هذا البلَدِ، أو نكَحْتُكِ حتَّى أُصيبَكِ فتَحلِّينَ لزَوجٍ فارَقَكِ ثَلاثًا» أو مَا أشبَهَ هذا ممَّا لا يَكونُ فيهِ النكاحُ مُطلَقًا لازِمًا على الأبَدِ أو يُحْدِثُ لها فُرقةً، ونِكاحُ المُحلِّلِ الذي يُروَى أنَّ رَسولَه ﷺ لعَنَه عِندَنا -واللهُ تَعالى أعلَمُ- ضَربٌ مِنْ نِكاحِ المُتعةِ؛ لأنه غيرُ مُطلَقٍ إذا شرَطَ أنْ ينكِحَها حتَّى تكونَ الإصَابةُ فقدْ يَستأخِرُ ذلكَ أو يَتقدَّمُ، وأصلُ ذلك أنه عقَدَ عليها النِّكاحَ إلى أنْ يُصيبَها، فإذا أصَابها فلا نِكاحَ لهُ عليها، مِثلُ: «أَنكِحُكِ عَشرًا»، ففِي عَقدِ «أَنكِحُكِ عَشرًا أنْ لا نكاحَ بيني وبينكِ بعدَ عشرٍ» كما في عَقدِ «أَنكِحُكِ لأحلِّلَكِ أنِّي إذا أَصبتُكِ فلا نكاحَ بَيني وبينَكِ بعْدَ أنْ أصبتُكِ»، كما يُقالُ: «أَتَكارَى منكَ
стр. 9100
هذا المنزِلَ عَشرًا، أو أستأجِرُ هذا العبدَ شَهرًا»، وفي عَقْدِ شَهرٍ أنه إذا مَضى فلا كِراءَ ولا إجارةَ لي عليكَ، وكما يُقالُ: «أَتكارَى هذا المنزِلَ مُقامِي في البلدِ»، وفي هذا العقدِ أنه إذا خرَجَ مِنْ هذا البَلدِ فلا كِراءَ لهُ، وهذا يَفسدُ في الكراءِ، فإذا عقَدَ النكاحَ على واحدٍ ممَّا وَصفْتُ فهوَ داخلٌ في نِكاحِ المُتعةِ، وكذلكَ كلُّ نِكاحٍ إلى وَقتٍ مَعلومٍ أو مَجهولٍ فالنكاحُ مَفسوخٌ لا مِيراثَ بيْنَ الزَّوجَينِ، وليسَ بيْنَ الزَّوجَينِ شَيءٌ مِنْ أحكامِ الأزواجِ طلاقٍ ولا ظِهارٍ ولا إيلاءٍ، ولا لعانٍ إلَّا بولَدٍ، وإنْ كانَ لم يُصبْها فلا مهرَ لها، وإنْ كانَ أصابَها فلها مَهرُ مِثلِها لا ما سَمَّى لها، وعليها العدَّةُ ولا نَفقةَ لها في العدَّةِ وإنْ كانَتْ حامِلًا، وإنْ نَكَحَها بعْدَ هذا نِكاحًا صَحيحًا فهيَ عندَه على ثَلاثٍ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في النكاحِ إلى أَجَلٍ:
(قلتُ): أرأيتَ إذا تزوَّجَ امرأةً بأمرِ الوليِّ بصَداقٍ قد سمَّاهُ، تزوَّجَها شهرًا أو سنَةً أو سنتَينِ، أيَصلُحُ هذا النكاحُ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: هذا النكاحُ باطِلٌ، إذا تزوَّجَها إلى أجَلٍ مِنَ الآجالِ فهذا النِّكاحُ باطلٌ، (قالَ): وقالَ مالكٌ: وإنْ تزوَّجَها بصَداقٍ قد سمَّاهُ وشَرَطُوا على الزوجِ إِنْ أتَى بصَداقِها إلى أجَلِ كَذا وكَذا مِنَ الآجالِ وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهُما، (قالَ مالكٌ): هذا
стр. 9101
النِّكاحُ باطِلٌ، (قلتُ): دخَلَ بها أو لَم يَدخُلْ بها؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: هوَ مَفسوخٌ على كلِّ حالٍ، دَخلَ بها أو لم يَدخلْ بها، (قالَ مالكٌ): وإنَّما رأيتُ فسْخَه لأنِّي رأيتُه نِكاحًا لا يَتوارَثُ عليهِ أهلُه، (قالَ سحنونٌ): هذهِ المسألةُ قولُه كانَتْ لهُ في تَزويجِ الخِيارِ أنه يُفسخُ دَخلَ بها أو لم يَدخلْ بها، وكانَ يقولُ: لأنَّ فسادَه جاءَ مِنْ قبلِ عَقدِه، ثمَّ رجَعَ فقالَ: إذا دخَلَ جازَ ويُفسخُ قبلَ الدخولِ، (قلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «أتزوَّجُكِ شهرًا» أَيَبطلُ النِّكاحُ؟ أم يُجعَلُ النِّكاحُ صَحيحًا ويَبطلُ الشَّرطُ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: النِّكاحُ باطلٌ ويُفسَخُ، وهذهِ المُتعةُ قد ثبَتَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ تَحريمُها (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ العلماءُ في معنَى المُتعةِ في الرَّجلِ يتزوَّجُ عَشرةَ أيامٍ أو نحوَها إلى أجَلٍ، يَجوزُ أنْ يقولَ «أتزوَّجُها شَهرًا» أو يَقولَ: «تُمتِّعينِي بنفسِكِ بهَذا الدِّينارِ شَهرًا»، فقالَ مالِكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والشافِعيُّ والأوزاعِيُّ كلُّهُم يَقولُ: هذا نِكاحُ المُتعةِ وهو باطلٌ، دخَلَ أو لم يَدخلْ، ويُفسَخُ قبْلَ الدخولِ وبعدَه، وهذهِ المُتعةُ المَحظورةُ المُحرَّمةُ، وهوَ قولُ أحمَدَ ﵀ وأهلِ الحديثِ، وقالَ زُفَرُ: إذا تزوَّجَها عَشرةَ أيامٍ أو شهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشَّرطُ باطلٌ (٢).
стр. 9102
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ونكاحُ المُتعةِ باطلٌ، وهو أن يقولَ لامرَأةٍ خاليةٍ مِنَ الموانعِ: «أَتمتَّعُ بكِ كذا مدةَ عشرةِ أيامٍ مثلًا، أو يقولَ: أيامًا أو متِّعينِي نفسَك أيامًا، أو عشرةَ أيامٍ، أو لم يَذكرْ أيامًا، بكذا مِنْ المالِ»، قالَ شيخُ الإسلامِ في الفَرقِ بينَهُ وبينَ النكاحِ الموقَّتِ أنْ يُذكَرَ الموقَّتُ بلفظِ النكاحِ والتزويجِ وفي المُتعةِ أتمتَّعُ أو أَستَمتِعُ إه، يعني ما اشتملَ على مادةِ مُتعَةٍ، والذي يظهرُ معَ ذلكَ عدمُ اشتراطِ الشهودِ في المُتعةِ وتَعيينِ المدَّةِ، وفي الموقَّتِ الشهودُ وتعيينُها، ولا شكَّ أنه لا دليلَ لهؤلاءِ على تَعيينِ كونِ نكاحِ المُتعةِ الذي أباحَهُ ﷺ ثمَّ حرَّمَه هو ما اجتَمعَ فيهِ مادةُ (مَ تَ عَ) للقطعِ مِنْ الآثارِ بأنَّ المتحقِّقَ ليسَ إلا أنه أَذِنَ لهم في المتعةِ، وليسَ معنى هذا أنَّ مَنْ باشرَ هذا المأذونَ فيهِ يتعيَّنُ عليهِ أنْ يخاطِبَها بلفظِ «أتمتَّعُ» ونحوِهِ؛ لمَا عُرفَ مِنْ أنَّ اللفظَ إنِّما يُطلَقُ ويُرادُ معناهُ، فإذا قالَ: «تمتَّعُوا مِنْ هذهِ النِّسوةِ» فليسَ مَفهومُه: «قولُوا: أتمتَّعُ بكِ»، بل أَوجِدُوا معنَى هذا اللفظِ، ومعناهُ المشهورُ أنْ يُوجَدَ عَقدٌ على امرأةٍ لا يُرادُ بهِ مَقاصدُ عقدِ النكاحِ مِنَ القَرارِ للولدِ وتربيتِهِ، بل إلى مدةٍ معيَّنةٍ يَنتهي العقدُ بانتهائِها أو غيرِ معيَّنةٍ، بمعنى بَقاءِ العقدِ ما دُمتُ معكِ إلى أنْ أنصرِفَ عنكِ فلا عقدَ.
والحاصلُ أنَّ معنَى المتعةِ عقدٌ موقَّتٌ يَنتهي بانتهاءِ الوقتِ فيَدخلُ فيهِ ما بمادَّةِ المُتعةِ والنكاحُ الموقَّتُ أيضًا، فيكونُ النكاحُ الموقَّتُ مِنْ أفرادِ المتعةِ وإنْ عُقِدَ بلفظِ التزويجِ وأُحضِرَ الشهودُ وما يُفيدُ ذلكَ مِنَ الألفاظِ
стр. 9103
التي تُفيدُ التواضُعَ معَ المرأةِ على هذا المعنى، ولم يُعرَفْ في شيءٍ مِنَ الآثارِ لفظٌ واحدٌ ممَّن باشَرَها مِنَ الصحابةِ ﵃ بلفظِ: «تمتَّعْتُ بكِ» ونحوِه، واللهُ أعلمُ (١).
وقد كانَ نكاحُ المتعةِ جائزًا ثمَّ حُرِّمَ ثمَّ أُجيزَ ثمَّ حُرِّمَ إلى قيامِ الساعةِ.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵁: لا أعلَمُ شيئًا حُرِّمَ ثمَّ أُبيحَ ثمَّ حُرِّمَ إلَّا المتعةَ (٢).
فروَى مُسلمٌ عن عبدِ العزيزِ بنِ عُمرَ حدَّثني الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ الجُهنيُّ أنَّ أباهُ حدَّثَه أنه كانَ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «يا أيُّها الناسُ إني قد كُنْتُ أَذِنْتُ لكُم في الاستِمتاعِ مِنْ النِّساءِ، وإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ ذلكَ إلى يَومِ القِيامةِ، فمَن كانَ عندَه مِنهنَّ شيءٌ فليُخَلِّ سَبيلَه ولا تأخُذُوا ممَّا آتَيتمُوهنَّ شَيئًا» (٣).
قالَ الإمامُ النوويُّ ﵀: وفي هذا الحديثِ التصريحُ بالمَنسوخِ والناسخِ في حَديثٍ واحدٍ مِنْ كلامِ رَسولِ اللهِ ﷺ كحديثِ: «كُنْتُ نَهيتُكم عن زيارةِ القُبورِ فزُوروها»، وفيهِ التصريحُ بتَحريمِ نكاحِ المتعةِ إلى يومِ القيامةِ (٤).
стр. 9104
وقد وُجدَ فيهِ خِلافٌ قديمٌ بينَ أصحابِ النبيِّ ﷺ وبينَ التابعِينَ في حُكمِ نكاحِ المتعةِ، ثمَّ اتفقَتْ كلمةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على تَحريمِه، ونقَلَ بعضُهمُ الإجماعَ على مَنعِه، وقد تَقدَّمَتِ الأدلَّةُ في تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀ نَقلًا عنِ الطَّحَاويِّ: واتَّفقَ فقهاءُ الأمصارِ مِنْ أهلِ الرأيِ والأثرِ على تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ، وشذَّ زُفرُ عن الفقهاءِ فقالَ: إنْ تزوَّجَها عشرةَ أيامٍ أو نحوَها أو شهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشرطُ باطِلٌ، ولا خِلافَ أنَّ المتعةَ نكاحٌ إلى أجَلٍ لا ميراثَ فيهِ، وأنَّ الفرقةَ تَقعُ فيهِ عندَ انقضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ طَلاقٍ، وليسَ هذا حكمَ الزوجيةِ عندَ أحدٍ مِنْ الأمَّةِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا الصحابةُ فإنهمُ اختَلفُوا في نكاحِ المُتعةِ، فذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ إلى إجازَتها فتَحليلِها، لا خِلافَ عنهُ في ذلكَ وعليهِ أكثرُ أصحابِه، منهم عطاءُ بنُ أبي رباحٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ وطاووسٌ، ورُويَ تَحليلُها أيضًا وإجازتُها عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وذكَرَ عبدُ الرزاقِ عن ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَ: أخبَرَني مَنْ شِئتَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: «لقدْ كانَ أحدُنا يَستمتعُ بمِثلِ القَدحِ سُويقًا»، وأخبَرَني ابنُ الزُّبيرِ قالَ: سَمعتُ جابرَ بنَ عبد اللهِ يقولُ: «كنَّا نَستمتعُ بالقَبضةِ مِنَ التمرِ والدَّقيقِ الأيامَ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ، حتَّى نهَى عُمرُ الناسَ عنها في شأنِ عَمرِو بنِ حُريثٍ» …
стр. 9105
ثمَّ قالَ: وقد رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ في تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ ممَّا قد ذكَرْناهُ ما فيهِ شِفاءٌ، وليسَ أحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ إلَّا يُؤخَذُ مِنْ قَولِه ويُتركُ إلا رَسول اللهِ ﷺ (١).
ثمَّ قالَ: أجمَعُوا أنَّ المُتعةَ نكاحٌ لا إشهادَ فيهِ ولا وليَّ، وأنه نِكاحٌ إلى أجَلٍ تَقعُ فيهِ الفرقَةُ بلا طَلاقٍ ولا مِيراثٍ بينَهما، وهذا ليسَ حُكمَ الزَّوجاتِ في كِتابِ اللهِ ولا سنَّةِ رَسولِه ﷺ (٢).
ثمَّ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ بعدَ أنْ ذكَرَ آثارًا عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ تَدلُّ على رُجوعِه عن إباحةِ المُتعةِ، قالَ: هذهِ الآثارُ كلُّها عنِ ابنِ عبَّاسٍ مَعلولةٌ لا تَجبُ بها حُجةٌ مِنْ جِهةِ الإسنادِ، ولكنْ عليها العُلماءُ، والآثارُ التي رَواها المكِّيونَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ صِحاحُ الأسانيدِ (عنهُ)، وعليها أصحابُ ابنِ عبَّاسٍ، وأمَّا سائرُ العُلماءِ مِنَ الصحابةِ والتابعِينَ ومَن بعدَهم مِنْ الخالفِينَ وفُقهاءِ المُسلمينِ فعلى تَحريمِ المُتعةِ، منُهم مالكٌ في أهلِ المدينةِ، والثوريُّ وأبو حَنيفةَ في أهلِ الكُوفةِ، والشافعيُّ ومَن سلَكَ سبيلَهُ مِنْ أهلِ الحديثِ والفقهِ والنَّظرِ بالاتفاقِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، والليثُ بنُ سعدٍ في أهلِ مِصرَ، وسائرُ أصحابِ الآثارِ (٣).
وقالَ أبو عُمرَ في «الاستِذكار»: اتَّفقَ أئمَّةُ عُلماءِ الأمصارِ مِنْ أهلِ الرأيِ