← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

النِّكاحُ باطِلٌ، (قلتُ): دخَلَ بها أو لَم يَدخُلْ بها؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: هوَ مَفسوخٌ على كلِّ حالٍ، دَخلَ بها أو لم يَدخلْ بها، (قالَ مالكٌ): وإنَّما رأيتُ فسْخَه لأنِّي رأيتُه نِكاحًا لا يَتوارَثُ عليهِ أهلُه، (قالَ سحنونٌ): هذهِ المسألةُ قولُه كانَتْ لهُ في تَزويجِ الخِيارِ أنه يُفسخُ دَخلَ بها أو لم يَدخلْ بها، وكانَ يقولُ: لأنَّ فسادَه جاءَ مِنْ قبلِ عَقدِه، ثمَّ رجَعَ فقالَ: إذا دخَلَ جازَ ويُفسخُ قبلَ الدخولِ، (قلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «أتزوَّجُكِ شهرًا» أَيَبطلُ النِّكاحُ؟ أم يُجعَلُ النِّكاحُ صَحيحًا ويَبطلُ الشَّرطُ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: النِّكاحُ باطلٌ ويُفسَخُ، وهذهِ المُتعةُ قد ثبَتَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ تَحريمُها (١). وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ العلماءُ في معنَى المُتعةِ في الرَّجلِ يتزوَّجُ عَشرةَ أيامٍ أو نحوَها إلى أجَلٍ، يَجوزُ أنْ يقولَ «أتزوَّجُها شَهرًا» أو يَقولَ: «تُمتِّعينِي بنفسِكِ بهَذا الدِّينارِ شَهرًا»، فقالَ مالِكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والشافِعيُّ والأوزاعِيُّ كلُّهُم يَقولُ: هذا نِكاحُ المُتعةِ وهو باطلٌ، دخَلَ أو لم يَدخلْ، ويُفسَخُ قبْلَ الدخولِ وبعدَه، وهذهِ المُتعةُ المَحظورةُ المُحرَّمةُ، وهوَ قولُ أحمَدَ ﵀ وأهلِ الحديثِ، وقالَ زُفَرُ: إذا تزوَّجَها عَشرةَ أيامٍ أو شهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشَّرطُ باطلٌ (٢).

стр. 9102

وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ونكاحُ المُتعةِ باطلٌ، وهو أن يقولَ لامرَأةٍ خاليةٍ مِنَ الموانعِ: «أَتمتَّعُ بكِ كذا مدةَ عشرةِ أيامٍ مثلًا، أو يقولَ: أيامًا أو متِّعينِي نفسَك أيامًا، أو عشرةَ أيامٍ، أو لم يَذكرْ أيامًا، بكذا مِنْ المالِ»، قالَ شيخُ الإسلامِ في الفَرقِ بينَهُ وبينَ النكاحِ الموقَّتِ أنْ يُذكَرَ الموقَّتُ بلفظِ النكاحِ والتزويجِ وفي المُتعةِ أتمتَّعُ أو أَستَمتِعُ إه، يعني ما اشتملَ على مادةِ مُتعَةٍ، والذي يظهرُ معَ ذلكَ عدمُ اشتراطِ الشهودِ في المُتعةِ وتَعيينِ المدَّةِ، وفي الموقَّتِ الشهودُ وتعيينُها، ولا شكَّ أنه لا دليلَ لهؤلاءِ على تَعيينِ كونِ نكاحِ المُتعةِ الذي أباحَهُ ﷺ ثمَّ حرَّمَه هو ما اجتَمعَ فيهِ مادةُ (مَ تَ عَ) للقطعِ مِنْ الآثارِ بأنَّ المتحقِّقَ ليسَ إلا أنه أَذِنَ لهم في المتعةِ، وليسَ معنى هذا أنَّ مَنْ باشرَ هذا المأذونَ فيهِ يتعيَّنُ عليهِ أنْ يخاطِبَها بلفظِ «أتمتَّعُ» ونحوِهِ؛ لمَا عُرفَ مِنْ أنَّ اللفظَ إنِّما يُطلَقُ ويُرادُ معناهُ، فإذا قالَ: «تمتَّعُوا مِنْ هذهِ النِّسوةِ» فليسَ مَفهومُه: «قولُوا: أتمتَّعُ بكِ»، بل أَوجِدُوا معنَى هذا اللفظِ، ومعناهُ المشهورُ أنْ يُوجَدَ عَقدٌ على امرأةٍ لا يُرادُ بهِ مَقاصدُ عقدِ النكاحِ مِنَ القَرارِ للولدِ وتربيتِهِ، بل إلى مدةٍ معيَّنةٍ يَنتهي العقدُ بانتهائِها أو غيرِ معيَّنةٍ، بمعنى بَقاءِ العقدِ ما دُمتُ معكِ إلى أنْ أنصرِفَ عنكِ فلا عقدَ. والحاصلُ أنَّ معنَى المتعةِ عقدٌ موقَّتٌ يَنتهي بانتهاءِ الوقتِ فيَدخلُ فيهِ ما بمادَّةِ المُتعةِ والنكاحُ الموقَّتُ أيضًا، فيكونُ النكاحُ الموقَّتُ مِنْ أفرادِ المتعةِ وإنْ عُقِدَ بلفظِ التزويجِ وأُحضِرَ الشهودُ وما يُفيدُ ذلكَ مِنَ الألفاظِ

стр. 9103

التي تُفيدُ التواضُعَ معَ المرأةِ على هذا المعنى، ولم يُعرَفْ في شيءٍ مِنَ الآثارِ لفظٌ واحدٌ ممَّن باشَرَها مِنَ الصحابةِ ﵃ بلفظِ: «تمتَّعْتُ بكِ» ونحوِه، واللهُ أعلمُ (١). وقد كانَ نكاحُ المتعةِ جائزًا ثمَّ حُرِّمَ ثمَّ أُجيزَ ثمَّ حُرِّمَ إلى قيامِ الساعةِ. قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵁: لا أعلَمُ شيئًا حُرِّمَ ثمَّ أُبيحَ ثمَّ حُرِّمَ إلَّا المتعةَ (٢). فروَى مُسلمٌ عن عبدِ العزيزِ بنِ عُمرَ حدَّثني الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ الجُهنيُّ أنَّ أباهُ حدَّثَه أنه كانَ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «يا أيُّها الناسُ إني قد كُنْتُ أَذِنْتُ لكُم في الاستِمتاعِ مِنْ النِّساءِ، وإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ ذلكَ إلى يَومِ القِيامةِ، فمَن كانَ عندَه مِنهنَّ شيءٌ فليُخَلِّ سَبيلَه ولا تأخُذُوا ممَّا آتَيتمُوهنَّ شَيئًا» (٣). قالَ الإمامُ النوويُّ ﵀: وفي هذا الحديثِ التصريحُ بالمَنسوخِ والناسخِ في حَديثٍ واحدٍ مِنْ كلامِ رَسولِ اللهِ ﷺ كحديثِ: «كُنْتُ نَهيتُكم عن زيارةِ القُبورِ فزُوروها»، وفيهِ التصريحُ بتَحريمِ نكاحِ المتعةِ إلى يومِ القيامةِ (٤).

стр. 9104

وقد وُجدَ فيهِ خِلافٌ قديمٌ بينَ أصحابِ النبيِّ ﷺ وبينَ التابعِينَ في حُكمِ نكاحِ المتعةِ، ثمَّ اتفقَتْ كلمةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على تَحريمِه، ونقَلَ بعضُهمُ الإجماعَ على مَنعِه، وقد تَقدَّمَتِ الأدلَّةُ في تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀ نَقلًا عنِ الطَّحَاويِّ: واتَّفقَ فقهاءُ الأمصارِ مِنْ أهلِ الرأيِ والأثرِ على تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ، وشذَّ زُفرُ عن الفقهاءِ فقالَ: إنْ تزوَّجَها عشرةَ أيامٍ أو نحوَها أو شهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشرطُ باطِلٌ، ولا خِلافَ أنَّ المتعةَ نكاحٌ إلى أجَلٍ لا ميراثَ فيهِ، وأنَّ الفرقةَ تَقعُ فيهِ عندَ انقضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ طَلاقٍ، وليسَ هذا حكمَ الزوجيةِ عندَ أحدٍ مِنْ الأمَّةِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا الصحابةُ فإنهمُ اختَلفُوا في نكاحِ المُتعةِ، فذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ إلى إجازَتها فتَحليلِها، لا خِلافَ عنهُ في ذلكَ وعليهِ أكثرُ أصحابِه، منهم عطاءُ بنُ أبي رباحٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ وطاووسٌ، ورُويَ تَحليلُها أيضًا وإجازتُها عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وذكَرَ عبدُ الرزاقِ عن ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَ: أخبَرَني مَنْ شِئتَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: «لقدْ كانَ أحدُنا يَستمتعُ بمِثلِ القَدحِ سُويقًا»، وأخبَرَني ابنُ الزُّبيرِ قالَ: سَمعتُ جابرَ بنَ عبد اللهِ يقولُ: «كنَّا نَستمتعُ بالقَبضةِ مِنَ التمرِ والدَّقيقِ الأيامَ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ، حتَّى نهَى عُمرُ الناسَ عنها في شأنِ عَمرِو بنِ حُريثٍ» …

стр. 9105

ثمَّ قالَ: وقد رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ في تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ ممَّا قد ذكَرْناهُ ما فيهِ شِفاءٌ، وليسَ أحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ إلَّا يُؤخَذُ مِنْ قَولِه ويُتركُ إلا رَسول اللهِ ﷺ (١). ثمَّ قالَ: أجمَعُوا أنَّ المُتعةَ نكاحٌ لا إشهادَ فيهِ ولا وليَّ، وأنه نِكاحٌ إلى أجَلٍ تَقعُ فيهِ الفرقَةُ بلا طَلاقٍ ولا مِيراثٍ بينَهما، وهذا ليسَ حُكمَ الزَّوجاتِ في كِتابِ اللهِ ولا سنَّةِ رَسولِه ﷺ (٢). ثمَّ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ بعدَ أنْ ذكَرَ آثارًا عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ تَدلُّ على رُجوعِه عن إباحةِ المُتعةِ، قالَ: هذهِ الآثارُ كلُّها عنِ ابنِ عبَّاسٍ مَعلولةٌ لا تَجبُ بها حُجةٌ مِنْ جِهةِ الإسنادِ، ولكنْ عليها العُلماءُ، والآثارُ التي رَواها المكِّيونَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ صِحاحُ الأسانيدِ (عنهُ)، وعليها أصحابُ ابنِ عبَّاسٍ، وأمَّا سائرُ العُلماءِ مِنَ الصحابةِ والتابعِينَ ومَن بعدَهم مِنْ الخالفِينَ وفُقهاءِ المُسلمينِ فعلى تَحريمِ المُتعةِ، منُهم مالكٌ في أهلِ المدينةِ، والثوريُّ وأبو حَنيفةَ في أهلِ الكُوفةِ، والشافعيُّ ومَن سلَكَ سبيلَهُ مِنْ أهلِ الحديثِ والفقهِ والنَّظرِ بالاتفاقِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، والليثُ بنُ سعدٍ في أهلِ مِصرَ، وسائرُ أصحابِ الآثارِ (٣). وقالَ أبو عُمرَ في «الاستِذكار»: اتَّفقَ أئمَّةُ عُلماءِ الأمصارِ مِنْ أهلِ الرأيِ

стр. 9106

والآثارِ، منهم مالكٌ وأصحابُه مِنْ أهلِ المَدينةِ، وسُفيانُ وأبو حَنيفةَ مِنْ أهلِ الكُوفةِ، والشافعيُّ ومَن سلَكَ سَبيلَه مِنْ أهلِ الحَديثِ والفِقهِ والنظَرِ، والليثُ بنُ سَعدٍ في أهلِ مصرَ والمَغربِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ والطبَريُّ على تَحريمِ نِكاحِ المتعةِ؛ لصِحةِ نهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ عندَهم عنها. واختلفوا في مَعنًى مِنها وهوَ الرَّجلُ يَتزوجُ المرأةَ عَشرةَ أيامٍ أو شهرًا أو أيامًا مَعلوماتٍ وأجَلًا مَعلومًا. فقالَ مالكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافعيُّ والأوزاعيُّ: هذا نِكاحُ المُتعةِ وهوَ باطلٌ يُفسخُ قبلَ الدخولِ وبعدَهُ. وقالَ زُفرُ: إنْ تزوَّجَها عَشرةَ أيامٍ أو نحوَها أو شَهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشَّرطُ باطلٌ (١). وقالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ حديثَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ في تحريمِ المتعةِ: الجامعُ والعَملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم، وإنَّما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ شيءٌ مِنْ الرُّخصةِ في المُتعةِ، ثمَّ رجَعَ عن قولِهِ حيثُ أُخبِرَ عنِ النبيِّ ﷺ ، وأمرُ أكثرِ أهلِ العِلمِ على تحريمِ المُتعةِ، وهوَ قولُ الثوريِّ وابنِ المبارَكِ والشافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ (٢).

стр. 9107

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ القاضي عِياضٌ: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ هذهِ المتعةَ كانتْ نكاحًا إلى أجَلٍ لا مِيراثَ فيها، وفِراقُها يَحصلُ بانقضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ طلاقٍ، ووقعَ الإجماعُ بعدَ ذلكَ على تحريمِها مِنْ جميعِ العلماءِ، إلَّا الرَّوافضَ، وكانَ ابنُ عبَّاسٍ ﵁ يقولُ بإباحَتِها، ورُويَ عنهُ أنه رجَعَ عنهُ. قالَ: وأجمَعُوا على أنه متَى وقعَ نكاحُ المُتعةِ الآنَ حُكِمَ ببُطلانِهِ، سواءٌ كانَ قبلَ الدخولِ أو بعدَهُ، إلَّا ما سَبقَ عن زفرَ، واختَلفَ أصحابُ مالكٍ هل يُحَدُّ الواطِئُ فيهِ؟ ومَذهبُنا أنه لا يُحَدُّ؛ لشُبهةِ العَقدِ وشُبهةِ الخلافِ، ومأخَذُ الخلافِ اختِلافُ الأصوليِّينَ في أنَّ الإجماعَ بعدَ الخِلافِ هل يَرفعُ الخِلافَ ويُصيِّرُ المَسألةَ مُجمَعًا عليها؟ والأصحُّ عندَ أصحابِنا أنه لا يَرفعُهُ، بلْ يَدومُ الخلافُ ولا يُصيِّرُ المَسألةَ بعدَ ذلكَ مُجمَعًا عليها أبدًا، وبهِ قالَ القاضِي أبو بكرٍ الباقلانِيُّ (١). وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ ﵀: تَحريمُ نكاحِ المُتعةِ كالإجماعِ بيْنَ المُسلمينَ، وقد كانَ ذلكَ مُباحًا في صَدرِ الإسلامِ، ثمَّ حرَّمَه في حجَّةِ الوَداعِ، وذلكَ في آخِرِ أيامِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلم يَبْقَ اليومَ فيهِ خِلافٌ بينَ الأئمَّةِ، إلَّا شيئًا ذهَبَ إليهِ بعضُ الروافضِ. وكانَ ابنُ عبَّاسٍ يتأوَّلُ في إباحتِهِ للمُضطرِّ إليهِ بطُولِ العزبةِ وقلَّةِ اليَسارِ والجدةِ، ثمَّ توقَّفُ عنهُ وأمسَكَ عنِ الفتوَى به، حدَّثنا ابنُ السماكِ قالَ:

стр. 9108

حَدَّثنا الحسَنُ بنُ سلامٍ السَّواقُ قالَ: حَدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ قال: حَدَّثنا عبدُ السلامِ عنِ الحجَّاجِ عَنْ أبي خالدٍ عنِ المِنهالِ عن سَعيدِ بنِ جبيرٍ قالَ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: هل تَدرِي ما صَنعْتَ وبما أفتيْتَ؟! قد سارَتْ بفُتياكَ الرُّكبانُ وقالَتْ فيهِ الشعراءُ، قالَ: وما قالَتْ؟ قلتُ: قالُوا: قَدْ قُلتُ للشَّيْخِ لَمَّا طَالَ مُحبَسُهُ … يا صاحِ هل لك في فَتوَى ابنِ عَبَّاسٍ هل لكَ في رُخصةِ الأطرافِ آنِسةً … تَكونُ مَثواكَ حَتَّى يَصدُرَ النَّاس فقالَ ابنُ عباسٍ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، واللهِ ما بهذا أفتَيتُ ولا هذا أردْتُ، ولا حلَّلتُ إلَّا مِثلَ ما أحلَّ اللهُ مِنَ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ، وما تَحِلُّ إلَّا للمُضطرِّ، وما هيَ إلَّا كالميتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ. قالَ الشيخُ: فهذا يُبيِّنُ لكَ أنه إنَّما سلَكَ فيهِ مَذهبَ القياسِ وشبَّهَه بالمُضطرِّ إلى الطعامِ، وهوَ قياسٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الضرورةَ في هذا البابِ لا تتحقَّقُ كهي في بابِ الطعامِ الَّذي بهِ قوامُ النَّفسِ وبعَدمِه يَكونُ التلفُ، وإنَّما هذا منِ بابِ غَلَبةِ الشهوةِ، ومُصابَرتُها مُمكِنةٌ، وقد تُحسَمُ حِدَّتُها بالصومِ والعِلاجِ، فليسَ أحدُهما في حُكمِ الضرورةِ كالآخَرِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن نكاحِ المتعةِ. ودلَّ قولُهُ: «أَلَا وإنَّ اللهَ قد حرَّمَ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ» على أنَّ الفسخَ لا يجوزُ أنْ يقَعَ عليهِ.

стр. 9109

وقد رُوِّينا أخبارًا عنِ الأوائلِ بإباحةِ ذلكَ، وليسَ لها معنًى ولا فيها فائدةٌ معَ سنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . وممَّن نهَى عنِ المُتعةِ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطَّابِ، وقالَ القاسمُ ابنُ مُحمدٍ: تَحريمُها في القُرآنِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] الآيَة. رُويَ عنِ ابنِ مَسعودٍ أنه قالَ: نسَخَها آيةُ الطلاقِ، والعدَّة والمِيراث، ورُويَ عن عليٍّ أنه قالَ ذلكَ. وقالَ ابنُ عمرَ: «ما أعلَمُه إلَّا السِّفاحَ»، وقالَ ابنُ الزبيرِ: «المُتعةُ الزِّنا الصَّريحُ، ولا أعلَمُ أحَدًا يَعملُ بها إلَّا رَجمتُه»، وقالَ الحسَنُ البَصريُّ: ما كانتِ المُتعةُ إلِّا ثَلاثةَ أيامٍ حتَّى حرَّمَها اللهُ تعالى ورَسولُه ﷺ . وممَّن أبطَلَ نكاحَ المُتعةِ مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا أعلمُ أحَدًا يُجيزُ اليومَ نكاحَ المتعةِ إلَّا بعضَ الرافِضةِ، ولا معنًى لقَولٍ يُخالِفُ القائلُ بهِ الكِتابَ والسُّنةَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ﵀: (ولا يَجوزُ نِكاحُ المُتعةِ). معنَى نكاحِ المُتعةِ: أنْ يتزوَّجَ المرأةَ مدَّةً، مثلَ أنْ يقولَ: «زوَّجتُكَ ابنتِي شَهرًا، أو سَنةً، أو إلى انقضاءِ المَوسمِ، أو قدومِ الحاجِّ» وشَبَهِه، سواءٌ كانتِ المُدَّةُ مَعلومةً أو مَجهولةً، فهذا نكاحٌ باطلٌ، نصَّ عليهِ أحمدُ فقالَ: نكاحُ المُتعةِ حرامٌ.

стр. 9110

وقالَ أبو بكرٍ: فيها روايةٌ أخرى أنَّها مَكروهةٌ غيرُ حرامٍ؛ لأنَّ ابنَ مَنصورٍ سألَ أحمدَ عنها فقالَ: يَجتنبُها أحَبُّ إليَّ، قالَ: فظاهِرُ هذا الكَراهةُ دونَ التحريمِ، وغيرُ أبي بكرٍ مِنْ أصحابِنا يَمنعُ هذا ويقولُ: في المسألةِ رِوايةٌ واحدةٌ في تَحريمِها، وهذا قولُ عامَّةِ الصحابةِ والفُقهاءِ. وممَّن رُويَ عنهُ تحريمُها عُمرُ وعليٌّ وابنُ عُمرَ وابنُ مسعودٍ وابنُ الزبيرِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وعلى تَحريمِ المُتعةِ مالكٌ في أهلِ المدينةِ، وأبو حنيفةَ في أهلِ الكُوفةِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، والليثُ في أهلِ مصرَ، والشافعيُّ وسائرُ أصحابِ الآثارِ، وقالَ زفرُ: يَصحُّ النكاحُ ويَبطلُ الشرطُ. وحُكيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنها جائزةٌ، وعليهِ أكثرُ أصحابِه، عطاءٌ وطاوسٌ، وبهِ قالَ ابنُ جُريجٍ، وحُكيَ ذلكَ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ وجابرٍ، وإليهِ ذهَبَ الشيعةُ؛ لأنه قد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ أَذِنَ فيها. ورُويَ أنَّ عُمرَ قالَ: «مُتْعَتانِ كانَتَا على عَهدِ رَسولِ الله ﷺ أنا أنهَى عنهُما وأعاقِبُ عليهِما: مُتعةُ النِّساءِ ومُتعةُ الحجِّ»، ولأنه عَقدٌ على مَنفعةٍ، فجازَ مؤقَّتًا كالإجارةِ. ولنا: ما رَوى الرَّبيعُ بن سَبْرَةَ أنه قالَ: أشهَدُ على أبي أنه حدَّثَ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عنهُ في حجَّةِ الوداعِ» وفي لفظٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حرَّمَ متعةَ النِّساءِ»، رواهُ أبو داودَ. وفي لفظٍ رواهُ ابنُ ماجةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حرَّمَ المتعةَ فقالَ:

стр. 9111

يا أيَّها النَّاسُ إني كُنْتُ أَذِنتُ لكم في الاستِمتاعِ، أَلَا وإِنَّ اللهَ قدْ حرَّمَها إلى يومِ القِيامةِ» (١). ورُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى عن مُتعةِ النِّساءِ يَومَ خَيبرَ وعن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ» رواهُ مالكٌ في «المُوَطَّأ» وأخرَجَه الأئمَّةُ النَّسائيُّ وغيرُه. واختَلفَ أهلُ العلمِ في الجَمعِ بَينَ هذَينِ الخبَرَينِ، فقالَ قومٌ: في حديثِ عليًّ تَقديمٌ وتأخيرٌ، وتَقديرُه: أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ يومَ خيبَرَ ونهَى عن مُتعةِ النِّساءِ ولم يَذكرْ مِيقاتَ النهيِ عنها، وقد بيَّنَه الرَّبيعُ بنُ سَبرةَ في حديثِهِ أنه كانَ في حجَّةِ الوداعِ، حكاهُ الإمامُ أحمدُ عن قومِ، وذكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، وقالَ الشافعيُّ: لا أعلَمُ شيئًا أحلَّه اللهُ ثمَّ حرَّمَه ثمَّ أحَلَّه ثمَّ حرَّمَه إلَّا المُتعةَ، فحُمِلَ الأمرُ على ظاهرِهِ، وأنَّ النبيَّ ﷺ حرَّمَها يومَ خَيبَرَ ثمَّ أباحَها في حجَّةِ الوداعِ ثَلاثةَ أيامٍ ثمَّ حرَّمَها، ولأنهُ لا تَتعلقُ بهِ أحكامُ النكاحِ مِنْ الطلاقِ والظِّهارِ واللِّعانِ والتوارُثِ، فكانَ باطِلًا كسائرِ الأنكِحةِ الباطِلةِ، وأمَّا قولُ ابنِ عبَّاسِ فقد حُكيَ عنهُ الرجوعُ عنهُ، ورَوى أبو بكرٍ بإسنادِهِ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ قالَ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: لقد كثُرتِ القالَةُ في المتعةِ حتَّى قالَ فيها الشاعرُ: أقولُ وقدْ طالَ الثَّواءُ بِنا مَعًا … يا صاحِ هلْ لكَ في فُتيَا ابنِ عبَّاسِ هل لكَ في رُخصةِ الأطرافِ آنِسَةٌ … تَكونُ مَثواكَ حتَّى مَصدرِ النَّاسِ

стр. 9112

فقامَ خَطيبًا وقالَ: «إنَّ المتعةَ كالميتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخنزيرِ»، فأمَّا إِذنُ رَسولِ اللهِ ﷺ فيها فقدْ ثبَتَ نسخُه، وأمَّا حديثُ عُمرَ إنْ صحَّ عنهُ فالظاهرُ أنه إنَّما قصَدَ الإخبارَ عن تحريمِ النبيِّ ﷺ لها ونهيِه عنها، إذ لا يَجوزُ أن يَنهى عمَّا كانَ النبيُّ ﷺ أباحَهُ وبقيَ على إباحَتِه (١). ولأنَّ للنكاحِ أحكامًا تتعلَّقُ بصحَّتِها ويَنتفِي عن فاسدِهِا، وهيَ الطلاقُ والظِّهارُ والعِدَّةُ والميراثُ، فلمَّا انتَفتْ عنِ المتعةِ هذهِ الأحكامُ دلَّ على فَسادهِ كسائرِ المَناكحِ الفاسدةِ (٢). وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: وممَّا يَدلُّ على تحريمِ المتعةِ مِنْ طريقِ النظرِ أنَّا قد عَلِمْنا أنَّ عقْدَ النكاحِ وإنْ كانَ واقعًا على استباحةِ مَنافعِ البُضعِ فإنَّ استِحقاقَ تلكَ المنافعِ بعَقدِ النكاحِ بمَنزلةِ العُقودِ على المَملوكاتِ مِنْ الأعيانِ، وأنه مُخالِفٌ لعُقودِ الإجاراتِ الواقعةِ على منافعِ الأعيانِ، أَلَا تَرى أنَّ عقْدَ النكاحِ يَصحُّ مُطلَقًا مِنْ غيرِ شَرطِ مدَّةٍ مَذكورةٍ لهُ، وأنَّ عقودَ الإجاراتِ لا تَصحُّ إلَّا على مُدَدٍ مَعلومةٍ أو على عَملٍ مَعلومٍ، فلمَّا كانَ ذلكَ حُكمَ العقدِ على مَنافعِ البُضعِ أشبَهَ عُقودَ البياعاتِ وما جَرَى مَجراها إذا عُقدَتْ على الأعيانِ، فلا يَصحُّ وُقوعُه مُوقَّتًا كما لا يَصحُّ وقوعُ التَّمليكاتِ في الأعيانِ المَملوكةِ مُوقَّتةً، ومتَى شُرطَ فيهِ التَّوقيتُ لم يكنْ نِكاحًا، فلا تَصحُّ استباحةُ البُضعِ بهِ كما لا يَصحُّ البيعُ إذا شُرطَ فيهِ تَوقيتُ

стр. 9113

الملكِ، وكذلكَ الهِباتُ والصدَقاتُ، ولا يَملِكُه بشَيءٍ مِنْ هذهِ العقودِ مِلكًا مُوقَّتًا، وكذلكَ مَنافعُ البُضعِ لمَّا جَرتْ مجرَى الأعيانِ المَملوكةِ لم يَصحَّ فيها التَّوقيتُ. وممَّا يَحتجُّ بهِ القائلونَ بإباحةِ المتعةِ اتفاقُ الجميعِ على أنها كانَتْ مُباحةً في وَقتٍ مِنَ الزمانِ ثمَّ اختَلَفْنا في الحظرِ، فنَحنُ ثابتونَ على ما حَصلَ الاتِّفاقُ عليهِ ولا نزولَ عنهُ بالاختِلافِ، فيقالُ لهم: الأخبارُ التي بها تَثبتُ الإباحةُ بها يَثبتُ الحَظرُ؛ ذلكَ لأنَّ كلَّ خبَرٍ ذُكِرَ فيهِ إباحةُ المُتعةِ ذُكِرَ فيهِ حظرُها، فمِن حيثُ يَثبتُ الإباحةُ وجبَ أنْ يَثبتَ الحَظرُ، وإنْ لمْ يَثبُتِ الحَظرُ لم تَثبُتِ الإباحةُ؛ إذْ كانَتِ الجِهةُ التي بها تثبتُ الإباحةُ بها ورَدَ الحظرُ. وأيضًا فإنَّ قولَ القائلِ: «أنَّا لمَّا اتَّفَقْنا على كذا ثمَّ اختَلَفْنا فيهِ لمْ يَنزلْ عنِ الإجماعِ بالاختِلافِ» قولٌ فاسِدٌ؛ لأنَّ الموضِعَ الذي فيهِ الخلافُ ليسَ هو مَوضعَ الإجماعِ، فإذا لم يَكنْ إجماعًا فلا بُدَّ مِنْ دَلالةٍ يُقِيمُها على صحَّةِ دعواهُ، وأيضًا فإنَّ كونَ الشيءِ مُباحًا في وَقتٍ غيرُ مُوجِبٍ بَقاءَ إباحتِهِ فيما يَجوزُ فيهِ النسخُ، وقد دلَّلْنا على ثُبوتِ الحظرِ بعدَ الإباحةِ مِنْ ظاهرِ الكِتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السلفِ. قالَ أبو بكرٍ: قد ذكَرْنا في المُتعةِ وحُكمِها في التحريمِ ما فيهِ بلاغٌ لمَن نصَحَ نَفسَه، ولا خِلافَ فيها بينَ الصَّدرِ الأولِ على ما بيَّنَّا، وقدِ اتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ مع ذلكَ على تحريمِها ولا يَختلفونَ فيهِ.

стр. 9114

واختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن تزوَّجَ امرأةً أيامًا مَعلومةً، فقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يوسفَ ومُحمدٌ ومالكُ بنُ أنسٍ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ: إذا تزوَّجَ امرأةً عشرةَ أيامٍ فهوَ باطلٌ ولا نِكاحَ بينَهُما، وقالَ زفرُ: النكاحُ جائزٌ والشَّرطُ باطلٌ، وقالَ الأوزاعيُّ: إذا تزوَّجَ امرأةً ومِن نيَّتِه أنْ يُطلِّقَها وليسَ ثَمَّ شرطٌ فلا خَيْرَ في هذا هذا متعةٌ. قالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ بينَهم وبينَ زُفرَ أنَّ عقْدَ النكاحِ لا يَصحُّ بلفظِ المُتعةِ، وأنه لو قالَ: «أَتمتَّعُ بكِ عَشرةَ أيامٍ» أنَّ ذلكَ ليسَ بنِكاحٍ، وإنَّما الخلافُ إذا عقَدَه بلَفظِ النكاحِ فقالَ: «أتزوَّجُكِ عَشرةَ أيامٍ»، فجعَلَه زُفرُ نِكاحًا صَحيحًا وأبطَلَ الشرطَ فيهِ؛ لأنَّ النكاحَ لا تُفسدُه الشروطُ الفاسِدةُ، كما لو قالَ: «أتزوَّجُكِ على أنْ أطلِّقَكِ بعدَ عَشرةِ أيامٍ» كانَ النكاحُ جائزًا والشرطُ باطلًا، وإنَّما الخِلافُ بينَهم وبيْنَ زُفرَ في أنَّ هذا نِكاحٌ أو مُتعةٌ، فقالَ الجمهورُ: هذا متعةٌ وليسَ بنكاحٍ … (١). وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ ﵀: والحجَّةُ على زُفرَ حديثُ الرَّبيعِ بنِ سَبرةَ عن أبيهِ أنَّ الرَّسولَ ﷺ لمَّا نهَى عنِ المتعةِ قالَ لهم: «مَنْ كانَ عندَهُ مِنْ هذهِ النِّساءِ شيءٌ فلْيُفارِقْهنَّ، فإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ المُتعةَ إلى يومِ القيامةِ»، فدَلَّ هذا على أنَّ العقدَ المُتقدِّمَ لا يُوجِبُ دوامَ العَقدِ للأبدِ، ولو أوجَبَ دوامَه لَكانَ بفسخِ الشرطِ الذي تعاقَدَا عليهِ، ولا يُفسخُ النكاحُ إذا كانَ ثبَتَ على صحتهِ وجوازِهِ قبلَ النهيِ، ففي أمرِهِ إياهُم بالمُفارَقةِ دَليلٌ

стр. 9115

على أنَّ مثلَ ذلكَ العقدِ لا يَجبُ بهِ ملكُ بُضعٍ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ ومحمَّدٍ رحمةُ اللهِ علَيهِم (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا يجوزُ النكاحُ المؤقَّتُ وهوَ نكاحُ المُتعةِ، وأنهُ نوعانِ: أحدُهُما: أنْ يكونَ بلفظِ التمتُّعِ، والثاني: أنْ يكونَ بلَفظِ النكاحِ والتزويجِ وما يقومُ مقامَهُما. أمَّا الأوَّلُ فهوَ أنْ يقولَ: «أُعطيكِ كذا على أنْ أتمتَّعَ منكِ يومًا، أو شَهرًا، أو سنَةً» ونحوَ ذلكَ، وأنه باطلٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ. وقالَ بعضُ الناسِ: هوَ جائزٌ، واحتجُّوا بظاهرِ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، والاستِدلالُ بها مِنْ ثَلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنه ذَكَرَ الاستمتاعَ ولم يَذكرِ النكاحَ، والاستِمتاعُ والتمتُّعُ واحدٌ. والثاني: أنه تعالَى أمَرَ بإيتاءِ الأجْرِ، وحَقيقةُ الإجارةِ والمُتعةِ عَقدُ الإجارةِ على مَنفعةِ البُضعِ. والثالثُ: أنه تعالَى أمَرَ بإيتاءِ الأجرِ بعدَ الاستِمتاعِ، وذلكَ يكونُ في عَقدِ الإجارةِ والمُتعةِ، فأمَّا المهرُ فإنِّما يجبُ في النكاحِ بنَفسِ العقدِ، ويُؤخَذُ الزوجُ بالمهرِ أولًا ثمَّ يُمكَّنُ مِنَ الاستمتاعِ، فدَلَّتِ الآيةُ الكريمةُ على جوازِ عقدِ المُتعةِ.

стр. 9116

ولنا: الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ والمعقولُ. أمَّا الكِتابُ الكريمُ: فقولُه : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، حرَّمَ تعالى الجِماعَ إلِّا بأحدِ شيئَينِ، والمُتعةُ ليسَتْ بنكاحٍ ولا بمِلكِ يَمينٍ، فيَبقى التَّحريمُ. والدليلُ على أنها ليسَتْ بنكاحٍ أنها تَرتَفعُ مِنْ غَيرِ طلاقٍ ولا فُرقةٍ ولا يَجري التوارثُ بينَهما، فدَلَّ أنها ليسَتْ بنكاحٍ، فلمْ تَكنْ هيَ زوجةً لهُ، وقولُه تَعَالَى في آخِرِ الآيةِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٣١] سُمِّيَ مُبتغِي ما وراءَ ذلكَ عادِيًا، فدَلَّ على حُرمَةِ الوطءِ بدُونِ هذَينِ الشيئَينِ، وقولُه : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] وكانَ ذلكَ منهمْ إجارةَ الإماءِ، نهَى اللهُ عَنْ ذلكَ وسَمَّاهُ بِغَاءً، فدَلَّ على الحُرمةِ. وأمَّا السُّنةُ: فمَا رُويَ عَنْ عليٍّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتعةِ النِّساءِ يَومَ خَيبَرَ وعن أكلِ لُحومِ الحُمُرِ الإنسِيَّةِ». وعنْ سَبرةَ الجُهَنيِّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتعةِ النِّساءِ يومَ فَتحِ مكَّةَ». وعن عبد اللهِ بنِ عُمرَ أنه قالَ: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ خَيبَرَ عن مُتعَةِ النِّساءِ وعنْ لحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ». ورُويَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ قائِمًا بيْنَ الرُّكنِ والمَقامِ وهو

стр. 9117

يَقولُ: إنِّي كُنْتُ أَذِنتُ لكُم في المُتعةِ، فمَن كانَ عندَه شيءٌ فلْيُفارِقْه، ولا تأخُذُوا ممَّا آتَيتمُوهنَّ شَيئًا، فإنَّ اللَّهَ قد حرَّمَها إلى يومِ القيامةِ». وأمَّا الإجماعُ: فإنَّ الأمَّةَ بأسرِهمُ امتنَعُوا عنِ العملِ بالمُتعةِ معَ ظُهورِ الحاجةِ لهم إلى ذلكَ. وأمَّا المعقولُ: فهوَ أنَّ النكاحَ ما شُرعَ لاقتِضاءِ الشهوةِ، بل لأغراضٍ ومَقاصدَ يُتوسَّلُ بهِ إليها، واقتِضاءُ الشهوةِ بالمُتعةِ لا يَقعُ وَسيلةً إلى المَقاصدِ، فلا يُشرَعُ. وأمَّا الآيةُ الكريمةُ: فمَعنى قَولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] أي: في النكاحِ؛ لأنَّ المذكورَ في أوَّلِ الآيةِ وآخِرِها هو النكاحُ، فإنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ أجناسًا مِنْ المُحرَّماتِ في أولِ الآيةِ في النكاحِ وأباحَ ما وَراءَها بالنكاحِ بقَولِه : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي بالنكاحِ. وقولُه تعالَى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] أي: متناكحِينَ غيرَ زانِينَ، وقالَ تعالَى في سِياقِ الآيةِ الكريمةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ذكَرَ النكاحَ لا الإجارةَ والمُتعةَ، فيُصرَفُ قولُه تعالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٢٤] إلى الاستِمتاعِ بالنكاحِ. وأمَّا قولُه: «سَمَّى الواجبَ أجرًا» فنعَمْ، المَهرُ في النكاحِ يُسمَّى أجرًا، قالَ اللهُ : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]

стр. 9118

أي: مُهورَهنَّ، وقالَ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقولُه: أمَرَ تعالَى بإيتاءِ الأجرِ بعدَ الاستِمتاعِ بهنَّ، والمَهرُ يَجبُ بنَفسِ النكاحِ ويُؤخَذُ قبلَ الاستمتاعِ. قُلنَا: قد قِيلَ: في الآيةِ الكريمةِ تَقديمٌ وتأخيرٌ، كأنه تعالَى قالَ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي: إذا أرَدتُمُ الاستِمتاعَ بهنَّ، كقولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: إذا أرَدتُمْ تَطليقَ النِّساءِ، على أنه إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيةِ الإجارةَ والمُتعةَ فقدْ صارَتْ مَنسوخةً بما تَلَوْنَا مِنْ الآياتِ ورَوَينا مِنْ الأحاديثِ، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] نسَخَه قَولُه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وعنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ أنه قالَ: المتعةُ بالنِّساءِ مَنسوخةٌ، نسَخَتْها آيةُ الطلاقِ، والصَّداقُ والعدَّةُ والمَوارِيثُ والحُقوقُ التي يَجبُ فيها النكاحُ، أي: النكاحُ هوَ الذي تَثبتُ بهِ هذهِ الأشياءُ ولا يَثبتُ شيءٌ منها بالمتعةِ واللهُ أعلمُ. وأمَّا الثاني: فهو أنْ يقولَ: «أتزوَّجُكِ عَشرةَ أيامٍ» ونحوَ ذلكَ، وأنه فاسِدٌ عندَ أصحابِنا الثلاثةِ، وقالَ زُفرُ: النكاحُ جائزٌ وهو مُؤبَّدٌ والشَّرطُ باطلٌ (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: نكاحُ المتعةِ اتَّفقَ الأئمَّةُ الأربَعةُ

стр. 9119

وغيرُهم على تحريمِهِ، وإنْ كانَ طائفةٌ يُرخِّصونَ فيهِ إمَّا مُطلَقًا وإمِّا للمُضطرِّ كما قد كانَ ذلكَ في صَدرِ الإسلامِ، فالصَّوابُ: إنَّ ذلكَ مَنسوخٌ كما ثبَتَ في الصحيحِ أنَّ النبيَّ بعدَ أنْ رَخَّصَ لهم في المُتعةِ عامَ الفَتحِ قالَ: «إنَّ اللهَ قدْ حرَّمَ المُتعةَ إلى يَومِ القِيامةِ»، والقُرآنُ قد حرَّمَ أنْ يَطأَ الرجلُ إلَّا زَوجةً أو مَملوكةً بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١]، وهذهِ المُستَمتَعُ بها ليسَتْ مِنَ الأزواجِ ولا ما ملَكَتِ اليَمينُ، فإنَّ اللهَ قد جعَلَ للأزواجِ أحكامًا مِنْ المِيراثِ والاعتِدادِ بعدَ الوفاةِ بأربعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ وعدَّةِ الطَّلاقِ ثَلاثةَ قُروءٍ ونحوِ ذلكَ مِنَ الأحكامِ التي لا تَثبتُ في حقِّ المُستَمتَعِ بها، فلو كانَتْ زَوجةً لَثبَتَ في حقِّها هذهِ الأحكامُ، ولهذا قالَ مَنْ قالَ مِنَ السلَفِ: إنَّ هذهِ الأحكامَ نسَخَتِ المُتعةَ (١). هل يُحَدُّ مَنْ نكَحَ نِكاحَ المُتعةِ؟ نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ (٢) والمالِكيةُ في المَذهبِ (٣) والشافِعيةُ (٤) والحَنابلةُ على أنَّ مَنْ نكَحَ نكاحَ مُتعةٍ فلا حَدَّ عليهِ، لكنْ يُعزَّرُ ويُعاقَبُ.

стр. 9120

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجبُ الحَدُّ بالوطءِ في نِكاحٍ مُختلَفٍ فيهِ كنِكاحِ المُتعةِ والشِّغارِ والتَّحليلِ والنِّكاحِ بلا وَليٍّ ولا شُهودٍ ونِكاحِ الأختِ في عدَّةِ أختِها البائنِ ونكاحِ الخامسةِ في عدَّةِ الرابِعةِ البائنِ ونكاحِ المَجوسيَّةِ، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ الاختلافَ في إباحةِ الوطءِ فيهِ شُبهةٌ، والحَدودُ تُدرَأُ بالشبُهاتِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ الحدودَ تُدرَأُ بالشُّبَهِ (١). وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ إلى أنَّ عليهِ الحَدَّ، إنْ كانَ بِكرًا فيُجلَدُ، وإنْ كانَ ثيِّبًا يُرجَمُ. قالَ النوويُّ ﵀: واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ هل يُحَدُّ الواطِئُ فيه؟ ومَذهبُنا أنه لا يُحَدُّ؛ لشُبهةِ العَقدِ وشُبهةِ الخِلافِ (٢). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فإذا تقرَّرَ ما وصَفْنا مِنْ تَحريمِ المُتعةِ فلا حَدَّ فيها؛ لمَكانِ الشُّبهةِ، ويُعزَّرانِ أدَبًا إنْ عَلِمَا بالتحريمِ، ولها مَهرُ مِثلِها بالإصابةِ دونَ المُسمَّى وعليها العدَّةُ، وإنْ جاءَتْ بولَدٍ لَحِقَ بالوطءِ؛ لأنها صارَتْ بإصابةِ الشبهةِ فِراشًا، ويُفرَّقُ بينَهُما بغيرِ طلاقٍ؛ لأنه ليسَ بينَهُما نِكاحٌ يَلزمُ، ويَثبتُ بهذه الإصابةِ تَحريمُ المُصاهَرةِ، وباللهِ التَّوفيقُ (٣).

стр. 9121

وقالَ الدِّرديرُ ﵀: وفُسِخَ النكاحُ (مُطلَقًا) قبْلَ الدُّخولِ وبعدَهُ (كالنكاحِ لأجَلٍ)، عَيَّنَ الأجَلَ أو لا، وهوَ المُسمَّى بنكاحِ المُتعةِ، ويُفسَخُ بغيرِ طَلاقٍ، وقِيلَ: بهِ، ويُعاقَبُ فيهِ الزَّوجانِ على المَذهبِ، وقيلَ: يُحدَّانِ. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (ويُعاقَبُ فيهِ الزَّوجانِ على المَذهبِ) أي: ويَلحقُ فيهِ الولدُ بالزَّوجِ، ولا يَبلغُ الحاكِمُ بعِقابِهما مَبلَغَ الحَدِّ. قولُه: (وقيلَ: يُحدَّانِ) أي: وهوَ ضَعيفٌ (١).

стр. 9122

ثالثًا: النكاحُ بشَرطِ الطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عُقِدَ النكاحُ بشَرطِ الطلاقِ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لو شرَطَ أنْ يُطلِّقَها بعدَ شَهرٍ -مَثلًا- صَحَّ النكاحُ وبَطلَ الشرطُ؛ لأنَّ الطلاقَ قاطِعٌ للنكاحِ، فاشتِراطُ القاطعِ بعدَ شَهرِ ليَنقطعَ بهِ دَليلٌ على أنَّهما عقَدَا العَقدَ مُؤبَّدًا. والفَرقُ بينَ النكاحِ المؤقَّتِ -مثلَ أنْ يتزوَّجَ امرأةً بشهادِةِ شاهدَينِ إلى عشرةِ أيامٍ وهوَ باطلٌ- وبينَ النكاحِ المَشروطِ فيهِ الطَّلاقُ -وهوَ صحيحٌ- أنَّ الفرقَ بينَهُما ظاهرٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ قاطعٌ للنكاحِ، فاشتِراطُه بعدَ شَهرٍ ليَنقطعَ بهِ دَليلٌ على وجودِ العَقدِ مُؤبَّدًا، ولهذا لو مَضى الشهرُ لم يَبطلِ النكاحُ، فكانَ النكاحُ صَحيحًا والشَّرطُ باطِلًا. وأمَّا النكاحُ المُؤقَّتُ لو صَحَّ التَّوقيتُ لم يَكنْ بينَهُما بعدَ مُضيِ المُدةِ عَقدٌ كما في الإجارةِ (١). وذهبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى بُطلانِ هذا النكاحِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: (ولو تزوَّجَها على أنْ يُطلِّقَها في وَقتٍ بعَينهِ لم يَنعقدِ النكاحُ).

стр. 9123

يعنِي: إذا تزوَّجَها بشَرطِ أنْ يُطلِّقَها في وَقتٍ مُعيَّنٍ لم يَصحَّ النكاحُ، سَواءٌ كانَ مَعلومًا أو مَجهولًا، مثلَ أنْ يُشتَرطَ عليه طَلاقُها إنْ قَدِمَ أبوها أو أخوها. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَصحُّ النكاحُ ويَبطلُ الشرطُ، وهوَ أظهرُ قوليِ الشَّافعيِّ قالَهُ في عامَّةِ كُتبِه؛ لأنَّ النكاحَ وقَعَ مُطلَقًا، وإنِّما شرَطَ على نفسِهِ شَرطًا، وذلكَ لا يُؤثِّرُ فيهِ، كما لو شَرَطَ أنْ لا يتزوَّجَ عليها ولا يُسافرَ بها. ولنا: إنَّ هذا شَرطٌ مانعٌ مِنْ بَقاءِ النكاحِ، فأشبَهَ نكاحَ المُتعةِ، ويُفارِقُ ما قَاسوا عليهِ؛ فإنه لم يَشترِطْ قطْعَ النكاحِ (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: لو تزوَّجَها على أنْ يُطلِّقَها بعدَ شهرٍ؛ فإنْ كانَ الشرطُ مِنْ جهةِ الزَّوجِ صحَّ العقدُ؛ لأنَّ لهُ أنْ يُطلِّقَها مِنْ غيرِ شرطٍ، وإنْ كانَ مِنْ جهةِ الزوجةِ بَطلَ العقدُ؛ لأنَّه منَعَ مِنِ استدامةِ العقدِ. ولو تزوَّجَها على أنْ يُخالِعَها بعدَ شهرٍ؛ فإنْ كانَ الشرطُ مِنْ جَهتِها بطَلَ العقدُ، وإنْ كانَ مِنْ جهتِهِ ففي بُطلانِه وَجهانِ: أحدُهُما: أنَّ العقدَ باطلٌ؛ لأنَّه قد أَوجَبَ عليها بالخُلعِ بذْلَ ما لا يَلزمُها. والوجهُ الثَّاني: أنَّ العقدَ صحيحٌ، لأنَّه شَرطٌ لمْ يَمنعْ مِنْ مَقصودِ العقدِ، فصارَ عائِدًا إلى الصَّداقِ، فبَطَلَ بهِ الصداقُ، وكانَ لها مهرُ المِثلِ (٢).

стр. 9124

رابعًا: النِّكاحُ بنيَّةِ الطَّلاقِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ تزوَّجَ امرأةً وفي نيَّتِهِ طلاقُها بعدَ مُدَّةٍ أنَّ نكاحَهُ صحيحٌ وأنَّهُ ليسَ بنكاحِ مُتعةٍ إلا قولًا للحَنابلةِ يأتِي بَيانُه. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقالوا كلُّهُم ما خَلا الأوزاعيَّ: إنهُ إذا نَكَحَ المرأةَ نكاحًا صَحيحًا بغيرِ شرطٍ ولكنَّهُ نَوى أنْ لا يحبِسَها إلَّا شهرًا أو مُدَّةً معلومةً فإنَّهُ لا بأسَ بهِ، ولا تضرُّهُ نيَّتُهُ إذا لم يكنْ ذلكَ مِنْ شروطِ نكاحِهِ. قالَ مالكٌ: وليسَ على الرجلِ إذا نَكَحَ أنْ ينوي حَبْسَ امرأتِهِ وحَبْسُهُ إنْ وافقتْهُ وإلَّا طلَّقَها، وقالَ الأوزاعيُّ: لو تزوَّجَها بغيرِ شرطٍ ولكنَّهُ ينوي أنْ لا يحبِسَها إلَّا شهرًا أو نحوَهُ ويطلِّقُها فهوَ متعةٌ ولا خيرَ فيهِ (١). وقالَ النوويُّ ﵀: قالَ القاضي عِياضٌ: وأجمَعُوا على أنَّ مَنْ نَكَحَ نكاحًا مُطلَقًا ونيَّتُهُ أنْ لا يمكثَ معَها إلَّا مُدَّةً نواها فنكاحُهُ صحيحٌ حَلالٌ وليسَ نكاحَ مُتعةٍ، وإنَّما نكاحُ المُتعةِ ما وقَعَ بالشرطِ المَذكورِ، ولكنْ قالَ مالكٌ: ليسَ هذا مِنْ أخلاقِ الناسِ، وشذَّ الأوزاعيُّ فقالَ: هوَ نكاحُ مُتعةٍ ولا خيرَ فيهِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 9125

وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: ولو تزوَّجَها وفي نيَّتِهِ أنْ يقعدَ معَها مُدَّةً نواها فالنكاحُ صحيحٌ؛ لأنَّ التوقيتَ إنَّما يكونُ باللفظِ (١). وقالَ الإمامُ بدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: قالَ شيخُنا زينُ الدِّينِ في «شرحِ الترمذيِّ»: نكاحُ المُتعةِ المُحرَّمُ هوَ ما إذا خرَجَ بالتوقيتِ فيهِ، أمَّا إذا كانَ في تعيينِ الزوجِ أنَّه لا يُقِيمُ معَها إلَّا سنَةً أو شهرًا أو نحوَ ذلكَ ولم يَشتَرِطْ ذلكَ فإنَّه نكاحٌ صحيحٌ عندَ عامَّةِ أهلِ العلمِ ما عدا الأوزاعيَّ فإنَّه قالَ في هذهِ الصورةِ: هوَ مُتعةٌ ولا خيرَ فيهِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: حَقيقةُ نكاحِ المُتعةِ الذي يُفسَخُ أبدًا أنْ يقعَ العقدُ معَ ذِكرِ الأجَلِ للمرأةِ أو وليِّها، وأمَّا إذا لم يَقعْ ذلكَ في العقدِ ولم يُعلِمْها الزوجُ بذلكَ وإنَّما قَصَدَه في نفسِهِ وأضمَرَ في نفسِهِ أنْ يتزوَّجَها مثلًا ما دامَ في هذهِ البلدةِ أو مدَّةً كسَنةٍ ثمَّ يُفارقُها بعدَ مدَّةٍ فإنَّهُ لا يضرُّ اتفاقًا وليسَ بنكاحِ مُتعةٍ، ولو فهمَتِ المرأةُ أو وليُّها مِنْ حالهِ ذلكَ لا يضرُّ أيضًا على الراجحِ في المَذهبِ، وهيَ فائدةٌ تَنفعُ المُتغرِبَ، وقيلَ: إنْ فهمَتْ منهُ الأمرَ الذي قَصَدَه في نفسِهِ لم يَصحَّ وهوَ فاسدٌ، والصحيحُ الأوَّلُ (٣). قالَ الموَّاقُ ﵀: وسَمِعَ ابنُ القاسمِ: لا بأسَ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ مِنْ

стр. 9126

نيَّتِه قَضاءُ إربِه ويُطلِّقُها، وليسَ مِنْ أخلاقِ الناسِ، ابنُ رُشدٍ: هذا إنْ لم يَشترطْ ذلكَ (١). وقالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: أصلُ ما أَذهبُ إليهِ أنَّ كلَّ عَقدٍ كانَ صَحيحًا في الظاهرِ لم أُبطِلْهُ بتُهمةٍ ولا بعادةٍ بَينَ المتبايعَينِ، وأجزْتُهُ بصحةِ الظاهرِ، وأكرهُ لهُما النيَّةَ إذا كانَتِ النيَّةُ لو أُظهرَتْ كانتْ تُفسِدُ البيعَ، وكما أكرَهُ للرجلِ أنْ يَشتريَ السيفَ على أنْ يَقتُلَ بهِ، ولا يَحرمُ على بائعِهِ أنْ يَبيعَه ممَّن يراهُ أنَّه يَقتلُ بهِ ظُلمًا؛ لأنه قد لا يَقتلُ بهِ، ولا أُفسِدُ عليهِ هذا البيعَ، وكما أكرَهُ للرجلِ أنْ يَبيعَ العنبَ ممَّن يراهُ أنَّه يَعصرُه خَمرًا، ولا أُفسدُ البيعَ إذا باعَهَ إياهُ؛ لأنَّه باعهُ حَلالًا، وقد يُمكِنُ أنْ لا يَجعلَهُ خَمرًا أبدًا، وفي صاحبِ السيفِ أنْ لا يَقتُلَ بهِ أحدًا أبدًا، وكمَا أُفسِدُ نكاحَ المتعةِ. ولو نَكَحَ رجلٌ امرأةً عَقدًا صَحيحًا وهوَ ينوي أنْ لا يمسِكَها إلَّا يومًا أو أقلَّ أو أكثَرَ لم أُفسِدِ النكاحَ، إنَّما أُفسِدُه أبدًا بالعقدِ الفاسدِ (٢). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ أيضًا: وإنْ قَدِمَ رجلٌ بلدًا وأحَبَّ أنْ يَنكحَ امرأةً ونيَّتُه ونيَّتُها أنْ لا يُمسكَها إلَّا مُقامَه بالبلدِ أو يومًا أو اثنَينِ أو ثلاثةً كانَتْ على هذا نيَّتُه دونَ نيَّتِها أو نيَّتُها دونَ نيَّتِهِ أو نيَّتهُما معًا ونيَّةُ الوليِّ، غير أنَّهُما إذا عَقَدَا النكاحَ مُطلَقًا لا شرْطَ فيهِ فالنكاحُ ثابتٌ ولا تُفسِدُ النيَّةُ مِنَ النكاحِ شيئًا؛ لأنَّ النيَّةَ حديثُ نَفسٍ، وقد وُضِعَ عنِ الناسِ ما حدَّثُوا بهِ أنفسَهُم،

стр. 9127

وقدْ يَنوي الشيءَ ولا يَفعلُه، وينويهِ ويَفعلُه، فيكونُ الفعلُ حادثًا غيرَ النيَّةِ، وكذلكَ لو نَكَحَها ونيَّتُه ونيَّتهَا أو نيَّةُ أحدِهِما دونَ الآخَرِ أنْ لا يُمسكَها إلَّا قَدْرَ ما يُصيبُها فيُحلِّلَها لزَوجِها ثبَتَ النكاحُ، وسواءٌ نوى ذلكَ الوليُّ معَهُما أو نوَى غيرَه أو لم ينوِهِ ولا غيرَهِ والوالي والوليُّ في هذا لا معنَى لهُ أنْ يُفسِدَ شيئًا ما لم يَقَعِ النكاحُ بشَرطٍ يُفسِدُه. قالَ الشافِعيُّ: ولو كانَتْ بينَهما مُراوَضةٌ فوعَدَها إنْ نكَحَها أنْ لا يُمسِكَها إلَّا أيامًا أو إلَّا مُقامَه بالبلدِ أو إلَّا قدْرَ ما يُصيبُها كانَ ذلكَ بيَمينٍ أو غيرِ يَمينٍ فسَواءٌ، وأكرَهُ لهُ المُراوضةَ على هذا، ونَظرْتُ إلى العقدِ؛ فإْن كانَ العقدُ مُطلَقًا لا شرْطَ فيهِ فهوَ ثابتٌ؛ لأنَّه انعقدَ لكلِّ واحدٍ منهُما على صاحبِهِ ما للزوجَينِ، وإنِ انعقدَ على ذلكَ الشرطِ فسَدَ وكانَ كنكاحِ المُتعةِ، وأيُّ نكاحٍ كانَ صحيحًا وكانَتْ فيهِ الإصابةُ أَحصَنَتِ الرَّجلَ والمرأةَ إذا كانَتْ حُرَّةً، وأَحَلَّتِ المرأةَ للزوجِ الذي طلَّقَها ثلاثًا، وأوجَبَتِ المهرَ كلَّهُ، وأقلُّ ما يكونُ مِنَ الإصابةِ حتَّى تكونَ هذهِ الأحكامُ أنْ تغيبَ الحشَفةُ في القُبلِ نَفسِه. وأيُّ نكاحٍ كانَ فاسِدًا لم يُحْصِنِ الرَّجلَ ولا المرأةَ، ولم يُحلِّلْها لزوجِها، فإنْ أصابَها فلها المهرُ بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها. قالَ الشافعيُّ: فإنْ قالَ قائلٌ: فهلْ فيما ذكَرْتَ مِنْ أنَّ الرجلَ يَنكحُ يَنوي التَّحليلَ مُراوضةً أو غيرَ مُراوضةٍ فإذا لم يَنعقدِ النكاحُ على شرطٍ كانَ النكاحُ ثابتًا خبَرٌ عن أحدٍ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أو مَنْ دونَهم؟

стр. 9128

قيلَ: فيما ذكَرْنَا مِنَ النهيِ عنِ المُتعةِ وأنَّ المُتعةَ هيَ النكاحُ إلى أَجَلٍ كفايةٌ، وقد أخبَرَنا مُسلمُ بنُ خالدٍ عن ابنِ جُريجٍ عن سيفِ بنِ سُليمانَ عن مُجاهدٍ قالَ: «طلَّقَ رَجلٌ مِنْ قُريشٍ امرأةً لهُ فبَتَّها، فمرَّ بشَيخٍ وابنٍ لهُ مِنَ الأعرابِ في السوقِ قَدِمَا بتجارةٍ لهُما، فقالَ للفتى: هل فيكَ مِنْ خَيرٍ؟ ثُمَّ مضَى عنه، ثُمُّ كرَّ عليهِ فكَمِثْلِها، ثُمَّ مضَى عنهُ ثُمَّ كرَّ عليهِ فكَمِثلِها، قالَ: نعم، قالَ: فأَرِني يدَكَ، فانطلقَ بهِ فأخبَرَه الخبَرَ وأمَرَه بنكاحِها، فنكَحَها فباتَ معَها، فلمَّا أصبَحَ استَأذنَ فأَذِنَ لهُ، فإذا هوَ قدْ ولَّاها الدُّبرَ، فقَالَتْ: واللهِ لَئِنْ طلَّقَني لا أَنكِحُكَ أبدًا، فذكَرَ ذلكَ لعُمرَ فدَعاهُ فقالَ: لو نَكَحْتَها لَفعَلَتُ بكَ كذا وكذا، وتَوعَّدَه، ودَعا زوْجَها فقالَ: الْزَمْها». أخبَرَنا سَعيدٌ عنِ ابنِ جُريجٍ عن مُجاهدٍ عن عُمرَ مثلَهُ، أخبَرَنا سُعيدُ بنُ سالمٍ عنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: أُخبِرْتُ عنِ ابنِ سِيرينَ أنَّ امرأةً طلَّقَها زَوجُها ثلاثًا، وكانَ مِسكينٌ أعرابيٌّ يَقعدُ ببابِ المسجدِ، فجاءَتهُ امرأةٌ فقالَتْ لهُ: هلْ لكَ في امرأةٍ تَنكِحُها فتَبِيتُ معَها الليلةَ فتُصبحُ فتُفارِقَها؟ فقالَ: نعمْ، وكانَ ذلكَ، فقالَتْ لهُ امرأتُهُ: إنَّكَ إذا أصبَحْتَ فإنَّهمْ سيَقولونَ لكَ: فارِقْها، فلا تَفعلْ، فإنِّي مُقيمةٌ لكَ ما تَرى، واذهَبْ إلى عُمرَ، فلمَّا أصبَحَتْ أتَوهُ وأتُوها فقالَتْ: كَلِّموه فأنتُم جِئتُم بهِ، فكلَّمُوه فأَبى وانطَلقَ إلى عُمَرَ فقالَ: الْزَمِ امرأتَكَ، فإِنْ رابُوكَ برَيبٍ فائْتِني، وأرسَلَ إلى المرأةِ التي مَشتْ بذلكَ فنكَّلَ بها، ثُمَّ كانَ يَغدو إلى عُمرَ ويَروحُ في حُلَّةٍ فيَقولُ: الحَمدُ للهِ الذي كَسَاكَ يا ذا الرُّقعتَينِ حُلَّةً تَغدو فيها وتَروحُ.

стр. 9129

قالَ الشافعيُّ: وقد سَمِعتُ هذا الحديثَ مُسنَدًا مُتصِلًا عنِ ابنِ سِيرينَ يُوصلُه عن عُمرَ بمثلِ هذا المعنَى (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ تزوَّجَها بغيرِ شرطٍ إلَّا أنَّ في نيَّتِهِ طلاقُها بعدَ شهرٍ أو إذا انقَضتْ حاجتُهُ في هذا البلدِ فالنكاحُ صَحيحٌ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الأوزاعيَّ قالَ: هوَ نكاحُ متعةٍ، والصحيحُ أنَّه لا بأسَ بهِ ولا تَضرُّ نيَّتهُ، وليسَ على الرجلِ أنْ يَنويَ حبْسَ امرأتِهِ، وحَسبُه إنْ وافَقَتْه، وإلَّا طلَّقَها (٢). إلَّا أنَّ الحَنابلةَ قالوا: إنَّ الغريبَ إذا تَزوَّجَ امرأةً بنيَّةِ طلاقِها إذا خرَجَ ليَعودَ إلى وطنِهِ فالنكاحُ باطلٌ؛ لأنَّه شبيهٌ بالمتعةِ، وكذا إذا نوَى بقلبِه أنهُ يطلِّقُها بعدَ وَقتِ كذا (٣). وسُئِلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ ركَّاضٍ يَسيرُ في البلادِ في كلِّ مدينةٍ شهرًا أو شهرَينِ ويَعزلُ عنها ويَخافُ أنْ يقَعَ في المَعصيةِ، فهل لهُ أنْ يتزوَّجَ في مُدَّةِ إقامتِهِ في تلكَ البلدةِ وإذا سافَرَ طلَّقَها وأعطَاها حقَّهَا أو لا؟ وهل يَصحُّ النكاحُ أم لا؟ فأجابَ: لهُ أنْ يتزوَّجَ، لكنْ يَنكحُ نكاحًا مُطلَقًا لا يَشترطُ فيهِ توقيتًا

стр. 9130

بحَيثُ يكونُ إنْ شاءَ مسَكَها وإنْ شاءَ طَلَّقَها، وإنْ نوَى طلاقَها حَتمًا عندَ انقضاءِ سفرِهِ كُرِهَ في مثلِ ذلكَ وفي صحَّةِ النكاحُ نِزاعٌ، ولو نوَى أنَّه إذا سافرَ وأعجبَتْهُ أمسَكَها وإلَّا طلَّقَها جازَ ذلكَ، فأمَّا أنْ يَشترطَ التوقيتَ فهذا نكاحُ المتعةِ الذي اتَّفقَ الأئمةُ الأربعةُ وغيرُهم على تَحريمِهِ، وإنْ كانَ طائفةٌ يُرخِّصونَ فيهِ إمَّا مُطلَقًا وإمَّا للمُضطرِّ كما قد كانَ ذلكَ في صَدرِ الإسلامِ، فالصوابُ أنَّ ذلكَ مَنسوخٌ كما ثبتَ في الصحيحِ أنَّ النبيَّ بعدَ أنْ رَخَّصَ لهم في المتعةِ عامَ الفتحِ قالَ: «إنَّ اللهَ قد حَرَّمَ المتعةَ إلى يومِ القيامةِ»، والقرآنُ قد حَرَّمَ أنْ يطَأَ الرجلُ إلَّا زوجةً أو مَملوكةً بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١]، وهذهِ المُستمتَعُ بها ليسَتْ مِنَ الأزواجِ ولا ما مَلكتِ اليمينُ، فإنَّ اللهَ قد جعَلَ للأزواجِ أحكامًا مِنَ الميراثِ والاعتدادِ بعدَ الوفاةِ بأربعةٍ أشهرٍ وعشرٍ وعدَّةِ الطَّلاقِ ثَلاثةَ قُروءٍ ونحوِ ذلكَ مِنَ الأحكامِ التي لا تَثبتُ في حقِّ المُستمتَعِ بها، فلو كانَتْ زوجةً لَثبَتَ في حقِّها هذهِ الأحكامُ، ولهذا قالَ مَنْ قالَ مِنَ السلفِ: إنَّ هذهِ الأحكامَ نَسختِ المُتعةَ، وبَسْطُ هذا طويلٌ وليسَ هذا مَوضِعَه. وإذا اشتُرطَ الأجَلُ قبلَ العقدِ فهوَ كالشرطِ المُقارِنِ في أصَحِّ قولَي العُلماءِ، وكذلكَ في نكاحِ المُحلِّلِ، وأمَّا إذا نوى الزوجُ الأجَلَ ولم يُظهِرْه للمرأةِ فهذا فيهِ نزاعٌ، يُرخِّصُ فيهِ أبو حنيفةَ والشافِعيُّ، ويكرَهُه مالكٌ وأحمدُ وغيرُهما، كما أنَّه لو نَوَى التحليلَ كانَ ذلكَ ممَّا اتفقَ الصحابةُ على

стр. 9131

النهيِ عنهُ وجَعلُوهُ مِنْ نكاحِ المُحلِّلِ، لكنَّ نكاحَ المُحلِّلِ شرٌّ مِنْ نكاحِ المُتعةِ، فإنَّ نكاحَ المُحلِّلِ لم يُبَحْ قطُّ، إذْ ليسَ مَقصودُ المُحلِّلِ أنْ يَنكحَ، وإنَّما مَقصودُه أنْ يُعيدَها إلى المُطلِّقِ قبلَه، فهوَ يُثبِتُ العقدَ ليُزيلَه، وهذا لا يكونُ مَشروعًا بحالٍ، بخلافِ المُستمتِعِ؛ فإنَّ لهُ غَرضًا في الاستمتاعِ، لكنَّ التأجيلَ يُخلُّ بمَقصودِ النكاحِ مِنْ المَودَّةِ والرحمةِ والسَّكَنِ، ويَجعلُ الزوجةَ بمَنزلةِ المُستأجَرةِ، فلهذا كانَتِ النيَّةُ في نكاحِ المُتعةِ أخفَّ مِنَ النيَّةِ في نكاحِ المُحلِّلِ، وهوَ يتردَّدُ بينَ كراهةِ التحريمِ وكراهةِ التنزيهِ، وأمَّا العزلُ فقد حرَّمَهُ طائفةٌ مِنْ العلماءِ، لكنَّ مَذهبِ الأئمةِ الأربَعةِ أنَّه يَجوزُ بإذنِ المرأةِ، واللهُ أعلمُ (١).

стр. 9132

خامِسًا: نِكاحُ المُحلِّلِ: صُورةُ نِكاحِ المُحلِّلِ يَتأتَّى في امرأةٍ طلقَّهَا زَوجُها ثلاثًا حَرُمتْ بهنَّ عليهِ إلَّا بعدَ زوجٍ، فنكحَتْ بعدَهُ زوجًا ليُحِلِّها للأوَّلِ فيَرجعُ إلى نكاحِها بشُروطٍ: ١ - أنْ تَنقضي عدَّتُها مِنْ زَوجِها الأوَّلِ إجماعًا. ٢ - أنْ يتزوَّجَها رجلٌ آخرُ زواجًا صحيحًا. ٣ - أنْ يَدخلَ بها الزوجُ الجديدُ دخولًا حقيقيًّا بأنْ تَغيبَ حشَفتُه أو قَدرُها في فَرجِها باتفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ وعامَّةِ العلماءِ إلَّا سعيدَ بنَ المُسيبِ. ٤ - أنْ يطلِّقَها الزوجُ الآخرُ. ٥ - أنْ تَنقضي عدَّتُها منهُ. حُكمُ نِكاحِ المُحلِّلِ: اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على حرمةِ نكاحِ المُحلِّلِ، وهوَ مكروهٌ تحريمًا عندَ الحنفيةِ؛ وذلكَ لمَا رواهُ ابنُ عَبَّاسٍ وعليٌّ ﵄ قالَا: «لَعَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ» (١). وعن عُقبةَ بنِ عَامِرٍ ﵁: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ألَا أُخبِرُكُم

стр. 9133

بالتَّيْسِ المُستعارِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: هو المُحلِّلُ، لعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له» (١). إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في بعضِ صُوَرِهِ، وهل يَصحُّ معَ الحرمةِ؟ أم هوَ باطلٌ للنهي عنهُ؟ وبَيانُ هذا في الصُّورِ الآتيةِ. صُوَرُ نِكاحِ المُحلِّلِ: نِكاحُ المُحلِّلِ لهُ صُوَرٌ: الصُّورةُ الأولى: أنْ يَشترطَا في عقدِ النِّكاحِ أنْ يَتزوَّجَها على أنه إذا أحَلَّها بإصابةٍ للزوجِ الأولِ فلا نِكاحَ بينَهُما: اختَلفَ الفقهاءُ في هذهِ الصورةِ: إذا تزوَّجَها على شَرطِ إذا أحلَّها بإصابةٍ للزوجِ الأوَّلِ فلا نكاحَ بينَهُمَا. فذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنَ الحَنفيةِ إلى أنَّ هذا النكاحَ باطلٌ؛ لمَا رواهُ ابنُ عَبَّاسٍ وعليٌّ ﵄ قالا: «لَعَنَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ» (٢). وعنْ عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ألَا أُخبِرُكُم

стр. 9134

بالتَّيْسِ المُستعارِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: هو المُحلِّلُ، لعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له» (١). وروى ابنُ عبَّاسٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عنِ المُحلِّلِ فقالَ: «لا نِكاحَ إلَّا نِكاحَ رَغبةٍ، لا نِكاحَ دَلسَةٍ ولا مُستَهزِئٍ بكِتابِ اللهِ لم يَذُقِ العُسَيلةَ» (٢). ولأنه عقدٌ محظورٌ حظرًا استَحقَّ بهِ عاقِدُه والمَعقودُ لهُ اللَّعنَ والوعيدَ، فوجَبَ أنْ يكونَ باطلًا، أصلُه نكاحُ ذواتِ المَحارِمِ، وإذا ثبَتَ أنه فاسِدٌ لم تَحِلَّ للزوجِ الأوَّلِ. ولأنه نكاحٌ على شرطٍ إلى مدَّةٍ، فكانَ أغلَظَ فسادًا مِنْ نكاحِ المُتعةِ مِنْ وجهَينِ: أحدُهما: جَهالةُ مدَّتِه، والثاني: أنَّ الإصابةَ فيهِ مَشروطةٌ لغيرِهِ فكانَ بالفسادِ أخَصَّ، ولأنَّه نكاحٌ شُرِطَ فيهِ انقطاعُهُ قبْلَ غايتِه، فَوَجَبَ أنْ يكونَ باطِلًا، أصلُه إذا تزوَّجَها شهرًا أو حتَّى يطَأَ أو يُباشِرَ (٣).

стр. 9135

إلَّا أنَّ الشافِعيةَ قَالوا: إذا اشترطَ عليهِ في عَقدِ النكاحِ أنْ يَنكِحَها على أنْ يُحلِّها للزوجِ الأوَّلِ فهذا الشرطُ الأولُ مَكروهٌ والعقدُ معهُ صحيحٌ؛ لأنه لم يشتَرطْ عليهِ الفُرقَة، وهكذا حُكمُ نكاحِه أنْ يُحلِّها للزوجِ الأوَّلِ، وإنْ لم يشتَرطْ فلمْ يُؤثِّرْ فيهِ الشرطُ، فإنْ أقامَ الزوجُ الثاني معَها لم يُجزْ أنْ يُؤخَذَ بطلاقِها، فإنْ طلَّقَها مُختارًا أحَلَّها.

стр. 9136

وأمَّا إنِ اشترطَ عليهِ في العقدِ أنْ يَنكحَها على أنْ يُحِلَّها للزوجِ الأوَّلِ فإذا أحَلَّها فلا نكاحَ بينَهما فهذا نكاحٌ فاسدٌ؛ لأنه نكاحٌ إلى مُدَّةٍ، وهذا أفسَدُ مِنْ نكاحِ المُتعةِ؛ لأنه إلى مدَّةٍ مَجهولةٍ، ونكاحُ المُتعةِ إلى مدَّةٍ معلومةٍ. وهل يحلُّها للزوجِ الأولِ إذا أصابَها أم لا؟ على قولَينِ: أحدُهما -وهوَ قولُه في الجديدِ-: أنه لا يُحِلُّها؛ لأنَّ فَسادَ العقدِ قد سَلَبَه حُكمَه وأجرَى عليهِ حكمَ الشبهةِ. والقولُ الثاني -وهوَ قولُه في القديمِ-: أنه يُحِلُّها للزوجِ الأولِ. واختُلفَ في علَّةِ إحلالِها لهُ، فذهبَ أبو عليٍّ بنِ أبي هُريرةَ وجُمهورُ البغداديينَ إلى أنَّ العلَّةَ فيهِ أنَّها مَوطوءةٌ باسمِ النكاحِ، فعَلى هذا يكونُ حُكمُ الوطءِ في كلِّ نكاحٍ فاسدٍ كحُكمِه في نكاحِ المُحلِّلِ. وذهَبَ البَصريونَ إلى أنَّ العلَّةَ فيهِ إطلاقُ النبيِّ ﷺ اسمَ الإحلالِ عليهِ في نهيِهِ عنهُ، فعَلى هذا يكونُ حُكمُ الوطءِ في غيرِه مِنَ المناكِحِ الفاسدةِ غيرَ مُحِلٍّ لها، بخلافِه؛ لاختصاصِهِ بهذا الاسمِ دونَ غيرِهِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ -وهوَ قولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ وزُفرَ وعَليهِ الفَتوى- إلى أنَّ نكاحَ المُحلِّلِ صحيحٌ معَ الكراهةِ التحريميَّةِ إذا كانَ بشَرطِ التحليلِ للزوجِ الأوَّلِ، فإذا تزوَّجَها بهذا الشرطِ بأنْ قالَتِ المرأةُ لهُ: «تزوَّجْنِي فحَلِّلْنِي» أو قالَ لهُ الزوجُ الأولُ: «تزوَّجْ هذهِ المرأةَ فحلِّلْها لِي» أو قالَ

стр. 9137

الثاني للمرأةِ: «أتزوَّجُكِ فأحلِّلُكِ للأوَّلِ» فهذا مكروهٌ؛ لِلَعنِ النبيِّ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ، ومُرادُه النكاحُ بشَرطِ التحليلِ، فيُكرَهُ؛ للحديثِ، وتَحِلُّ للثاني؛ لأنهُ ﵊ سمَّاهُ مُحلِّلًا، وهوَ المُثبِتُ للحِلِّ، أو نقولُ: وُجِدَ الدخولُ في نكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَفسدُ بالشَّرطِ، وشَرطُ التحليلِ شرطٌ فاسدٌ، فلا يَفسدُ بهِ النكاحُ وتَحِلُّ للأولِ. فإنْ طلَّقَها بعدَما وَطئَها حَلَّتْ للأولِ عندَ أبي حَنيفةَ وزفرَ. وقالَ أبو يُوسفَ: هذا النكاحُ فاسدٌ؛ لأنهُ في معنَى التوقيتِ للنكاحِ، والتوقيتُ مُفسِدٌ للنكاحِ كمَا لو تزوَّجَ امرأةً شهرًا، وإذا فَسَدَ النكاحُ الثاني فالدخولُ بالنكاحِ الفاسِدِ لا يُوجِبُ الحِلَّ للزوجِ الأولِ. وقالَ محمَّدٌ: النكاحُ صَحيحٌ ولا تَحِلُّ للأولِ؛ لأنهُ استَعجلَ ما أخَّرَهُ الشَّرعُ، فيُجازَى بمَنعِ قصدِه، كما في قَتلِ المُورِّثِ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ شُرِطَ الإحلالُ بالقولِ وأنه يَتزوَّجُها لذلكَ وكانَ الشرطُ منها فهوَ نكاحٌ صحيحٌ عندَ أبي حنيفةَ وزفرَ، وتَحِلُّ للأولِ، ويُكرهُ للثاني والأولِ. وقالَ أبو يوسفَ: النكاحُ الثاني فاسِدٌ، وإنْ وَطئَها لم تَحِلَّ للأولِ. وقالَ مُحمدٌ: النكاحُ الثاني صَحيحٌ ولا تَحِلُّ للأولِ. وجهُ قولِ أبي يوسفَ أنَّ النكاحَ بشرطِ الإحلالِ في معنَى النكاحِ المؤقَّتِ، وشرطُ التوقيتِ في النكاحِ يُفسِدُه، والنكاحُ الفاسدُ لا يَقعُ بهِ التحليلُ.

стр. 9138

ولمُحمدٍ أنَّ النكاحَ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، فكانَ شرطُ الإحلالِ استِعجالَ ما أخَّرَه اللهُ تعالَى لغَرضِ الحِلِّ، فيَبطلُ الشرطُ ويَبقى النكاحُ صَحيحًا، لكنْ لا يَحصلُ بهِ الغرضُ، كمَن قتَلَ مُورِّثَه أنه يُحرَمُ الميراثَ؛ لمَا قُلنا، كذا هذا. ولأبي حنيفةَ أنَّ عُموماتِ النكاحِ تَقتضي الجوازَ مِنْ غيرِ فصلٍ بَينَ ما إذا شُرطَ فيهِ الإحلالُ أو لا، فكانَ النكاحُ بهذا الشَّرطِ نكاحًا صحيحًا، فيدخلُ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فتَنتهي الحرمةُ عندَ وجودِهِ، إلَّا أنهُ كُرِهَ النكاحُ بهذا الشرطِ لغيرِهِ، وهوَ أنهُ شرطٌ يُنافِي المقصودَ مِنَ النكاحِ وهوَ السَّكَنُ والتوالُدُ والتعفُّفُ؛ لأنَّ ذلكَ يَقفُ على البقاءِ والدوامُ على النكاحِ، وهذا -واللهُ أعلمُ- معنَى إلحاقِ اللعنِ بالمُحلِّلِ في قولِهِ ﷺ : «لعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له». وأمَّا إلحاقُ اللعنِ بالزوجِ الأوَّلِ -وهوَ المُحلَّلُ له- فيَحتملُ أنْ يكونَ لوجهَينِ: أحدُهُما: أنهُ سببٌ لمُباشَرةِ الزوجِ الثاني هذا النكاحَ لقَصدِ الفِراقِ والطلاقِ دونَ الإبقاءِ وتَحقيقِ ما وُضعَ لهُ، والمُسبِّبُ شَريكُ المُباشِرِ في الإثمِ والثوابِ في التسبُّبِ للمعصيةِ والطاعةِ. والثاني: أنهُ باشَرَ ما يُفضِي إلى ذلكَ الذي تَنفِرُ منهُ الطباعُ السليمةُ، وتَكرهُه مِنْ عَودِها إليهِ مِنْ مُضاجعةِ غيرِه إيَّاها واستِمتاعِه بها وهو الطَّلَقاتُ الثلاثُ، إذْ لولاها لَمَا وقَعَ فيهِ، فكانَ إلحاقُه اللعنَ بهِ لأجْلِ الطَّلَقاتِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 9139

وأمَّا قولُ أبي يوسفَ: «أنَّ التوقيتَ في النكاحِ يُفسِدُ النكاحَ» فنَقولُ: المُفسِدُ لهُ هوَ التوقيتُ نصًّا، ألَا تَرى أنَّ كلَّ نكاحٍ مؤقَّتٍ فإنه يَتوقَّتُ بالطلاقِ وبالمَوتِ وغيرِ ذلكِ، ولم يُوجَدِ التوقيتُ نصًّا فلا يَفسدُ. وقولُ مُحمدٍ أنَّهُ «استِعجالُ ما أجَّلَه اللهُ تعالى» مَمنوعٌ، فإنَّ استعجالَ ما أجَّلَهُ اللهُ تعالى لا يُتصوَّرُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إذا ضرَبَ لأمرٍ أجَلاً لا يَتقدَّمُ ولا يَتأخَّرُ، فإذا طلَّقَها الزوجُ الثاني تَبيَّنَ أنَّ اللهَ تعالَى أجَّلَ هذا النكاحَ إليهِ، ولهذا قُلنا: إنَّ المقتولَ ميتٌ بأجَلِه، خِلافًا للمُعتزِلةِ (١).

стр. 9140

وقد أوَّلَ الحَنفيةُ اللَّعنَ الوارِدَ في شأنِ المُحلِّلِ بتَأويلاتٍ أُخرى غيرِ ما ذكَرَها الكاسانِيُّ ﵀، منها: أنَّ اللعنَ على مَنْ شَرَطَ الأجرَ على التحليلِ، قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: واللعنُ على هذا الحَمْلِ أظهَرُ؛ لأنه كأخذِ الأجرةِ على عَسَبِ التَّيْسِ وهوَ حرامٌ، ويُقرِّبُه أنه ﵊ سمَّى المُحلِّلَ بالتَّيسِ المُستعارِ (١). الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَتزوَّجَها ويشترطَ في العقدِ أنه إذا أحَلَّها للزَّوجِ الأوَّلِ طلَّقَها: اختَلفَ الفُقهاءُ في هذهِ الصورةِ، وهوَ أنْ يتزوَّجَها وإذا أحَلَّها للزوجِ الأولِ طلَّقَها، بأنْ يقولَ الوليُّ مثلًا: «زوَّجْتُكَ ابنتي على أنَّكَ إنْ وَطئْتَها طلَّقْتَها»، أو قالَ: «تزوَّجتُكِ على أني إنْ أحلَلْتُكِ للأولِ طلَّقتُكِ»، أو تقولَ: «تزوَّجْنِي على أنكَ إنْ أحلَلْتَني للأولِ طلَّقتَنِي». فذهَبَ الحَنفيةُ في المُفتى بهِ عندَهم والشافِعيةُ في القديمِ إلى أنَّ النكاحَ صحيحٌ والشرطَ باطلٌ؛ لأنَّ العقدَ وقَعَ مُطلَقًا مِنْ غيرِ توقيتٍ، وإنَّما شرَطَ على نفسِهِ الطلاقَ، فلم يُؤثِّر في النكاحِ؛ لأنه لو تزوَّجَها على أنْ لا يُطلِّقَها كانَ النكاحُ جائزًا ولهُ أنْ يُطلِّقَها، كذلكَ إذا تزوَّجَها على أنْ يُطلِّقَها وجَبَ أنْ يَصحَّ النكاحُ ولا يَلزمُه أنْ يطلِّقَها. ولأنَّ عُموماتِ النكاحِ تَقتضي الجوازَ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ ما إذا شُرِطَ
следующие страницы →