← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

وأمَّا إنِ اشترطَ عليهِ في العقدِ أنْ يَنكحَها على أنْ يُحِلَّها للزوجِ الأوَّلِ فإذا أحَلَّها فلا نكاحَ بينَهما فهذا نكاحٌ فاسدٌ؛ لأنه نكاحٌ إلى مُدَّةٍ، وهذا أفسَدُ مِنْ نكاحِ المُتعةِ؛ لأنه إلى مدَّةٍ مَجهولةٍ، ونكاحُ المُتعةِ إلى مدَّةٍ معلومةٍ. وهل يحلُّها للزوجِ الأولِ إذا أصابَها أم لا؟ على قولَينِ: أحدُهما -وهوَ قولُه في الجديدِ-: أنه لا يُحِلُّها؛ لأنَّ فَسادَ العقدِ قد سَلَبَه حُكمَه وأجرَى عليهِ حكمَ الشبهةِ. والقولُ الثاني -وهوَ قولُه في القديمِ-: أنه يُحِلُّها للزوجِ الأولِ. واختُلفَ في علَّةِ إحلالِها لهُ، فذهبَ أبو عليٍّ بنِ أبي هُريرةَ وجُمهورُ البغداديينَ إلى أنَّ العلَّةَ فيهِ أنَّها مَوطوءةٌ باسمِ النكاحِ، فعَلى هذا يكونُ حُكمُ الوطءِ في كلِّ نكاحٍ فاسدٍ كحُكمِه في نكاحِ المُحلِّلِ. وذهَبَ البَصريونَ إلى أنَّ العلَّةَ فيهِ إطلاقُ النبيِّ ﷺ اسمَ الإحلالِ عليهِ في نهيِهِ عنهُ، فعَلى هذا يكونُ حُكمُ الوطءِ في غيرِه مِنَ المناكِحِ الفاسدةِ غيرَ مُحِلٍّ لها، بخلافِه؛ لاختصاصِهِ بهذا الاسمِ دونَ غيرِهِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ -وهوَ قولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ وزُفرَ وعَليهِ الفَتوى- إلى أنَّ نكاحَ المُحلِّلِ صحيحٌ معَ الكراهةِ التحريميَّةِ إذا كانَ بشَرطِ التحليلِ للزوجِ الأوَّلِ، فإذا تزوَّجَها بهذا الشرطِ بأنْ قالَتِ المرأةُ لهُ: «تزوَّجْنِي فحَلِّلْنِي» أو قالَ لهُ الزوجُ الأولُ: «تزوَّجْ هذهِ المرأةَ فحلِّلْها لِي» أو قالَ

стр. 9137

الثاني للمرأةِ: «أتزوَّجُكِ فأحلِّلُكِ للأوَّلِ» فهذا مكروهٌ؛ لِلَعنِ النبيِّ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ، ومُرادُه النكاحُ بشَرطِ التحليلِ، فيُكرَهُ؛ للحديثِ، وتَحِلُّ للثاني؛ لأنهُ ﵊ سمَّاهُ مُحلِّلًا، وهوَ المُثبِتُ للحِلِّ، أو نقولُ: وُجِدَ الدخولُ في نكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَفسدُ بالشَّرطِ، وشَرطُ التحليلِ شرطٌ فاسدٌ، فلا يَفسدُ بهِ النكاحُ وتَحِلُّ للأولِ. فإنْ طلَّقَها بعدَما وَطئَها حَلَّتْ للأولِ عندَ أبي حَنيفةَ وزفرَ. وقالَ أبو يُوسفَ: هذا النكاحُ فاسدٌ؛ لأنهُ في معنَى التوقيتِ للنكاحِ، والتوقيتُ مُفسِدٌ للنكاحِ كمَا لو تزوَّجَ امرأةً شهرًا، وإذا فَسَدَ النكاحُ الثاني فالدخولُ بالنكاحِ الفاسِدِ لا يُوجِبُ الحِلَّ للزوجِ الأولِ. وقالَ محمَّدٌ: النكاحُ صَحيحٌ ولا تَحِلُّ للأولِ؛ لأنهُ استَعجلَ ما أخَّرَهُ الشَّرعُ، فيُجازَى بمَنعِ قصدِه، كما في قَتلِ المُورِّثِ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ شُرِطَ الإحلالُ بالقولِ وأنه يَتزوَّجُها لذلكَ وكانَ الشرطُ منها فهوَ نكاحٌ صحيحٌ عندَ أبي حنيفةَ وزفرَ، وتَحِلُّ للأولِ، ويُكرهُ للثاني والأولِ. وقالَ أبو يوسفَ: النكاحُ الثاني فاسِدٌ، وإنْ وَطئَها لم تَحِلَّ للأولِ. وقالَ مُحمدٌ: النكاحُ الثاني صَحيحٌ ولا تَحِلُّ للأولِ. وجهُ قولِ أبي يوسفَ أنَّ النكاحَ بشرطِ الإحلالِ في معنَى النكاحِ المؤقَّتِ، وشرطُ التوقيتِ في النكاحِ يُفسِدُه، والنكاحُ الفاسدُ لا يَقعُ بهِ التحليلُ.

стр. 9138

ولمُحمدٍ أنَّ النكاحَ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، فكانَ شرطُ الإحلالِ استِعجالَ ما أخَّرَه اللهُ تعالَى لغَرضِ الحِلِّ، فيَبطلُ الشرطُ ويَبقى النكاحُ صَحيحًا، لكنْ لا يَحصلُ بهِ الغرضُ، كمَن قتَلَ مُورِّثَه أنه يُحرَمُ الميراثَ؛ لمَا قُلنا، كذا هذا. ولأبي حنيفةَ أنَّ عُموماتِ النكاحِ تَقتضي الجوازَ مِنْ غيرِ فصلٍ بَينَ ما إذا شُرطَ فيهِ الإحلالُ أو لا، فكانَ النكاحُ بهذا الشَّرطِ نكاحًا صحيحًا، فيدخلُ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فتَنتهي الحرمةُ عندَ وجودِهِ، إلَّا أنهُ كُرِهَ النكاحُ بهذا الشرطِ لغيرِهِ، وهوَ أنهُ شرطٌ يُنافِي المقصودَ مِنَ النكاحِ وهوَ السَّكَنُ والتوالُدُ والتعفُّفُ؛ لأنَّ ذلكَ يَقفُ على البقاءِ والدوامُ على النكاحِ، وهذا -واللهُ أعلمُ- معنَى إلحاقِ اللعنِ بالمُحلِّلِ في قولِهِ ﷺ : «لعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له». وأمَّا إلحاقُ اللعنِ بالزوجِ الأوَّلِ -وهوَ المُحلَّلُ له- فيَحتملُ أنْ يكونَ لوجهَينِ: أحدُهُما: أنهُ سببٌ لمُباشَرةِ الزوجِ الثاني هذا النكاحَ لقَصدِ الفِراقِ والطلاقِ دونَ الإبقاءِ وتَحقيقِ ما وُضعَ لهُ، والمُسبِّبُ شَريكُ المُباشِرِ في الإثمِ والثوابِ في التسبُّبِ للمعصيةِ والطاعةِ. والثاني: أنهُ باشَرَ ما يُفضِي إلى ذلكَ الذي تَنفِرُ منهُ الطباعُ السليمةُ، وتَكرهُه مِنْ عَودِها إليهِ مِنْ مُضاجعةِ غيرِه إيَّاها واستِمتاعِه بها وهو الطَّلَقاتُ الثلاثُ، إذْ لولاها لَمَا وقَعَ فيهِ، فكانَ إلحاقُه اللعنَ بهِ لأجْلِ الطَّلَقاتِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 9139

وأمَّا قولُ أبي يوسفَ: «أنَّ التوقيتَ في النكاحِ يُفسِدُ النكاحَ» فنَقولُ: المُفسِدُ لهُ هوَ التوقيتُ نصًّا، ألَا تَرى أنَّ كلَّ نكاحٍ مؤقَّتٍ فإنه يَتوقَّتُ بالطلاقِ وبالمَوتِ وغيرِ ذلكِ، ولم يُوجَدِ التوقيتُ نصًّا فلا يَفسدُ. وقولُ مُحمدٍ أنَّهُ «استِعجالُ ما أجَّلَه اللهُ تعالى» مَمنوعٌ، فإنَّ استعجالَ ما أجَّلَهُ اللهُ تعالى لا يُتصوَّرُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إذا ضرَبَ لأمرٍ أجَلاً لا يَتقدَّمُ ولا يَتأخَّرُ، فإذا طلَّقَها الزوجُ الثاني تَبيَّنَ أنَّ اللهَ تعالَى أجَّلَ هذا النكاحَ إليهِ، ولهذا قُلنا: إنَّ المقتولَ ميتٌ بأجَلِه، خِلافًا للمُعتزِلةِ (١).

стр. 9140

وقد أوَّلَ الحَنفيةُ اللَّعنَ الوارِدَ في شأنِ المُحلِّلِ بتَأويلاتٍ أُخرى غيرِ ما ذكَرَها الكاسانِيُّ ﵀، منها: أنَّ اللعنَ على مَنْ شَرَطَ الأجرَ على التحليلِ، قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: واللعنُ على هذا الحَمْلِ أظهَرُ؛ لأنه كأخذِ الأجرةِ على عَسَبِ التَّيْسِ وهوَ حرامٌ، ويُقرِّبُه أنه ﵊ سمَّى المُحلِّلَ بالتَّيسِ المُستعارِ (١). الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَتزوَّجَها ويشترطَ في العقدِ أنه إذا أحَلَّها للزَّوجِ الأوَّلِ طلَّقَها: اختَلفَ الفُقهاءُ في هذهِ الصورةِ، وهوَ أنْ يتزوَّجَها وإذا أحَلَّها للزوجِ الأولِ طلَّقَها، بأنْ يقولَ الوليُّ مثلًا: «زوَّجْتُكَ ابنتي على أنَّكَ إنْ وَطئْتَها طلَّقْتَها»، أو قالَ: «تزوَّجتُكِ على أني إنْ أحلَلْتُكِ للأولِ طلَّقتُكِ»، أو تقولَ: «تزوَّجْنِي على أنكَ إنْ أحلَلْتَني للأولِ طلَّقتَنِي». فذهَبَ الحَنفيةُ في المُفتى بهِ عندَهم والشافِعيةُ في القديمِ إلى أنَّ النكاحَ صحيحٌ والشرطَ باطلٌ؛ لأنَّ العقدَ وقَعَ مُطلَقًا مِنْ غيرِ توقيتٍ، وإنَّما شرَطَ على نفسِهِ الطلاقَ، فلم يُؤثِّر في النكاحِ؛ لأنه لو تزوَّجَها على أنْ لا يُطلِّقَها كانَ النكاحُ جائزًا ولهُ أنْ يُطلِّقَها، كذلكَ إذا تزوَّجَها على أنْ يُطلِّقَها وجَبَ أنْ يَصحَّ النكاحُ ولا يَلزمُه أنْ يطلِّقَها. ولأنَّ عُموماتِ النكاحِ تَقتضي الجوازَ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ ما إذا شُرِطَ

стр. 9141

فيهِ الإحلالُ أو لا، فكانَ النكاحُ بهذا الشَّرطِ نكاحًا صحيحًا، فيَدخلُ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فتَنتهي الحرمةُ عندَ وجودِهِ، إلَّا أنه كُرِهَ النكاحُ بهذا الشرطِ لغيرِهِ، وهوَ أنهُ شرطٌ يُنافِي المقصودَ مِنَ النكاحِ وهوَ السَّكَنُ والتوالُدُ والتعفُّفُ؛ لأنَّ ذلكَ يَقفُ على البقاءِ والدوامِ على النكاحِ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وهذا -واللهُ أعلَمُ- معنَى إلحاقِ اللعنِ بالمُحلِّلِ في قولِهِ ﷺ : «لعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له». وأمَّا إلحاقُ اللعنِ بالزوجِ الأوَّلِ -وهوَ المُحلَّلُ له- فيَحتملُ أنْ يكونَ لوجهَينِ: أحَدُهما: أنهُ سببٌ لمباشَرةِ الزوجِ الثاني هذا النكاحَ لقَصدِ الفِراقِ والطلاقِ دونَ الإبقاءِ وتَحقيقِ ما وُضعَ لهُ، والمُسبِّبُ شريكُ المباشِرِ في الإثمِ والثوابِ في التسبُّبِ للمعصيةِ والطاعةِ. والثاني: أنه باشَرَ ما يُفضي إلى ذلكَ الذي تَنفِرُ منهُ الطباعُ السليمةُ، وتكرهُه مِنْ عَوْدِها إليهِ مِنْ مُضاجَعةِ غيرِه إيَّاها واستمتاعِهِ بها وهوَ الطَّلَقاتُ الثلاثُ، إذْ لولاها لَمَا وقَعَ فيهِ، فكانَ إلحاقُهُ اللعنَ بهِ لأجْلِ الطَّلَقاتِ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 9142

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ -وهوَ الأصَحُّ- والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ إلى أنَّ النكاحَ باطلٌ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «لعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له» (١)، ولمْ يُفرِّقْ، ولأنهُ باشتراطِ الطلاقِ مؤقَّتٌ والنكاحُ ما تأبَّدَ، وبهذا المعنَى فرَّقْنا بَينَ أنْ يشتَرطَ فيهِ أنْ لا يطَلِّقَها فيَصحُّ؛ لأنه مؤبَّدٌ، وإذا شرطَ أنْ يطلِّقَها لم يَصحَّ؛ لأنه مؤقَّتٌ (٢). قالَ الماوَرديُّ ﵀: وإنْ تزوَّجَها على أنهُ إذا أحلَّها للزوجِ الأولِ بوَطئِه طلَّقَها ففي فسادِ هذا العقدِ قولانِ:

стр. 9143

أحَدُهما: أنهُ فاسدٌ؛ لأنهُ غيرُ مؤبَّدٍ، فأشبَهَ قولَهُ: «على أنَّني إذا أحلَلْتُكِ فلا نكاحَ بينَنَا»، فعلى هذا هل يُحِلُّها أم لا؟ على القولَينِ الماضيَينِ: على الجديدِ: لا يُحِلُّها، وعلى القديمِ: يُحِلُّها، وفي العلَّةِ وجهانِ. والقولُ الثاني: أنهُ نكاحٌ صحيحٌ؛ لأنهُ نكاحٌ قُرِنَ بشرطٍ فاسدٍ، فبطَلَ الشرطُ وثَبَتَ العقدُ، فعلى هذا هوَ بالخيارِ بعدَ إصابَتِها بَينَ أنْ يطلِّقَها أو يُقيمَ معَهَا، وليسَ للشرطِ تأثيرٌ في إجبارِهِ على طلاقِهَا، فإنْ طلَّقَها مختاراً أحلَّها قولاً واحداً لصحَّةِ نكاحِهِ (١). الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ يشتَرطَ عليه ذلكَ قبلَ العَقدِ أنْ يُطلِّقَها، ويَتزوجَها مُطلَقًا مِنْ غيرِ شَرطٍ وقتَ العَقدِ لكنَّه يَنوِي ذلكَ ويَعتقدُه: اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو شرَطَا التحليلَ قبلَ العقدِ وتَواطأَا عليهِ قبلَ العقدِ على أنه إذا أحلَّهَا للأوَّلِ طلَّقَها، ثمَّ عقَدَ مُطلَقًا دونَ أنْ يَذكرَ هذا الشرطُ في صُلبِ العقدِ، لكنَّهُ ينوِي أنْ يُحلِّلَها للأوَّلِ؛ هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ النكاحَ صحيحٌ؛ لخلوِّ عقدِهِ مِنْ شرطٍ يفسدُهُ؛ لمَا رواهُ الشافعيُّ ﵀ قالَ: أَخبَرَنا سعيدٌ عنِ ابنِ جُريجٍ عن مُجاهدٍ عن عُمرَ مثلَه، أخبَرَنا سُعيدُ بنُ سالمٍ عنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: أُخبِرْتُ عنِ ابنِ سِيرينَ أنَّ امرأةً طلَّقَها زَوجُها ثلاثًا، وكانَ

стр. 9144

مِسكينٌ أعرابيٌّ يَقعدُ ببابِ المسجدِ، فجاءَتهُ امرأةٌ فقالَتْ لهُ: هلْ لكَ في امرأةٍ تَنكِحُها فتَبِيتُ معَها الليلةَ فتُصبحُ فتُفارِقَها؟ فقالَ: نعمْ، وكانَ ذلكَ، فقالَتْ لهُ امرأتُهُ: إنَّكَ إذا أصبَحْتَ فإنَّهمْ سيَقولونَ لكَ: فارِقْها، فلا تَفعلْ، فإنِّي مُقيمةٌ لكَ ما تَرى، واذهَبْ إلى عُمرَ، فلمَّا أصبَحَتْ أتَوهُ وأتُوها فقالَتْ: كَلِّموه فأنتُم جِئتُم بهِ، فكلَّمُوه فأَبى وانطَلقَ إلى عُمَرَ فقالَ: الْزَمِ امرأتَكَ، فإِنْ رابُوكَ برَيبٍ فائْتِني، وأرسَلَ إلى المرأةِ التي مَشتْ بذلكَ فنكَّلَ بها، ثُمَّ كانَ يَغدو إلى عُمرَ ويَروحُ في حُلَّةٍ فيَقولُ: الحَمدُ للهِ الذي كَسَاكَ يا ذا الرُّقعتَينِ حُلَّةً تَغدو فيها وتَروحُ»، قالَ الشافعيُّ: وقد سَمعْتُ هذا الحديثَ مُسنَدًا مُتصِلًا عنِ ابنِ سيرينَ يُوصلُه عن عمرَ بمِثلِ هذا المعنَى (١). وهذا قد تقدَّمَ فيهِ الشرطُ على العقدِ، ولم يرَ بهِ عمرُ بأسًا. قالَ الشافِعيةُ: ولأنَّ ما تقدَّمَ العقودَ مِنَ الشروطِ لا تَلزمُ، فصارَ وجودِ الشرطِ المتقدِّمِ كعدَمِهِ، غيرَ أنَّنا نكرَهُه؛ لأنَّه نوَى فيهِ ما لو أظهرَهُ أفسدَهُ، ولا يَفسدُ بالنيَّةِ؛ لأنهُ قد ينوِي ما لا يَفعلُ، ويَفعلُ ما لا يَنوي، ولأنَّ عُمرَ نَكَّلَ بالمرأةِ التي مَشتْ فيهِ، فدلَّ على كراهَتِهِ (٢).

стр. 9145

قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: كلُّ شرطٍ مُنافٍ لمُقتضَى العقدِ إنما يُبطِلُ إنْ وقَعَ في صُلبِ العقدِ أو بعدَه وقبْلَ لزومِه، لا إنْ تقدَّمَ عليهِ ولو في مَجلسِه (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إذا تقدَّمَ الشرطُ على العقدِ فلا تأثيرَ لهُ في فسادِ العقدِ؛ لأنَّ ما تقدَّمَ العقودَ مِنَ الشروطِ لا تَلزمُ، فصارَ وجودُ الشرطِ المتقدِّمِ كعدمِهِ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّهما إذا تَواطأَا على التحليلِ قبلَ العقدِ وعقَدَا على ذلكَ القصدِ فهو كالمشروطِ في العقدِ؛ للعنِ النبيِّ ﷺ المُحلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَه، والنكاحُ باطلٌ ويُفسخُ أبدًا؛ لأنَّه قصَدَ بهِ التحليلَ، فلمْ يَصحَّ كما لو شرَطهُ في صُلبِ العقدِ (٣). الصُّورةُ الرابعةُ: إنْ شرطَ عليه أنْ يُحِلَّها قبلَ العَقدِ فنَوَى بالعقدِ غيرَ ما شَرَطوا عليهِ وقصَدَ نِكاحَ رَغبةٍ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لو شرطَ

стр. 9146

عليهِ أنْ يُحِلَّها للأولِ فنوَى المُحَلِّلُ في العقدِ غيرَ ما شرطَ عليهِ وقصدَ أنه نكاحُ رَغبةٍ ونوَى إمساكَها عندَ العقدِ وعدمَ مُفارَقتِها إنْ أعجبَتْهُ فإنَّ العقدَ صحيحٌ؛ لأنَّهُ خَلا عن نيَّةِ التحليلِ وشرطِه، فصحَّ كما لو لم يذكرْ ذلكَ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُحلِّلَ إذا نوَى التحليلَ لزَوجِها مع نيةِ إمساكِها إذا أعجبَتْهُ ومفارَقتِها إنْ لم تُعجبْه فإنه لا يُحِلُّها، وهو نكاحٌ فاسدٌ؛ لانتفاءِ نيةِ الإمساكِ المُطلَقةِ المُشتَرَطةِ شَرعًا في الإحلالِ، ويفرَّقُ بينَهما قبلَ البناءِ وبعدَه بتطليقةٍ بائنةٍ، ولها المسمَّى بالبناءِ على الأصحِّ، وقيلَ: مهرُ المثلِ. لكنْ قالَ العدَويُّ ﵀: قولُه (أي يَقصدُ أنْ يُحِلَّها إلخ) أي: فالباعثُ لهُ على التزويجِ قَصدُ الإحلالِ، أي: أو قَصدُ الإحلالَ مع نيةِ إمساكِها إنْ أعجَبتْهُ، والعبرةُ بالنيةِ وقتَ العقدِ، فلو طَرأتْ لهُ نيةُ التحليلِ عندَ الوطءِ لا يَضرُّ، وينبغي أنه لو شرَطَ عليه أنْ يُحِلَّها ونيَّتهُ هو الإمساكُ يُحِلُّها في الباطنِ لا الظاهرِ، واستَظهرَهُ عج (٢).

стр. 9147

الصُّورةُ الخامِسةُ: أنْ يَنوَي تَحليلَها دونَ عِلمِها أو عِلمِ الزَّوجِ الأولِ: اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو نوَى الزوجُ الثاني تحليلَها للزوج الأولِ، هل يصحُّ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يَحرمُ ويَبطلُ النكاحُ؛ لأنَّ المعتبَرَ في ذلكَ نيَّةُ المحلِّلِ لا نيةُ الزوجةِ أو الزوجِ الأولِ؛ لأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بنيةِ الزوجِ؛ لأنهُ الذي إليهِ المُفارَقةُ والإمساكُ (١). قالَ المالِكيةُ: المعتبَرُ في تحليلِ المَبتوتةِ نيةُ المحلِّلُ؛ لأنَّ الطلاقَ بيدهِ؛ وأما نيةُ المطلِّقِ ونيةُ المطلَّقةِ إذا نويَا التحليلَ فلَغوٌ، فلا تَضرُّ نيةُ المرأةِ ذلكَ ولا نِيةُ الزوجِ الأولِ ذلكَ، فالمعتبَرُ في تَحليلِها وعدمِ تَحليلِها نيةُ المحلِّلِ دونَ غيرهِ؛ لأنَّ الطلاقَ بيدهِ (٢). وذهبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ النكاحَ صحيحٌ؛ لأنهُ خَلا عن شرطٍ يُفسدُهُ، فأشبَهَ ما لو نوَى طلاقَها لغير الإحلالِ، أو ما لو نَوَتِ المرأةُ ذلكَ، ولأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشتَرى عبدًا فشرَطَ أنْ يبيعَهُ لم يَصحَّ، ولو نوَى ذلكَ لم يَبطلْ، ولأنه رُويَ عن عُمرَ ﵁ ما يَدلُّ على إجازتهِ. وقد صرَّحَ الحَنفيةُ أنَّ الرجلَ يُؤجَرُ بذلكَ فقالُوا: إذا أضمَرَ الزوجُ

стр. 9148

ذلكَ بدونِ شرطِ التحليلِ لا يكرهُ، بل يحِلُّ له في قولِهم جَميعًا ويؤجَرُ على ذلكَ إذا كان قَصدُه الإصلاحَ لا مُجردَ قَضاءِ الشهوةِ ونحوِها، وكذا لو نَوَتِ المرأةُ والزوجُ الثاني (١). وقالَ السَّرخسيُّ ﵀: وذُكرَ عن سالمِ بنِ عبدِ الله أنهُ سئلَ عن رَجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثًا فانقضَتْ عدَّتُها فتزوَّجها رَجلٌ ليُحِلِّها للزوجِ الأولِ لم يأمرْهُ الزوجُ بذلكَ ولا المرأةُ قالَ: هذا يَجوزُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ﵀ وبه نأخُذُ؛ لأنهُ تزوَّجَها نكاحًا مطلَقًا، والنكاحُ سنَّةٌ مرغوبٌ فيها، وإنما قصَدَ بذلكَ ارتفاعَ الحرمةِ بينَهما ليَمنعَهما بذلكَ على ارتكابِ المحرَّمِ ويُوصلَهما إلى مُرادِهما بطريقٍ حَلالٍ، فتكونُ إعانةً على البِرِّ والتقوَى، وذلكَ مَندوبٌ إليهِ، فالظاهرُ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما نادمٌ على ما كانَ منهُ مِنْ سُوءِ الخلُق، خُصوصًا إذا كانَ بينَهما ولدٌ، فلو امتَنعَ الثاني مِنْ أنْ يتزوَّجَها ليُحِلَّها للأولِ ربما يَحملُها الندمُ أو فَرطُ مَيلِ كلِّ واحدٍ منهُما إلى صاحبهِ على أنْ يتزوَّجَها مِنْ غيرِ مُحلِّلٍ، فهو يسعَى إلى إتمامِ مُرادِهما على وجهٍ يُندبانِ إليهِ في الشرعِ، فيكونُ مأجورًا فيه، وفي نظيرهِ قالَ رَسولُ اللهِ: «مَنْ أقالَ نادمًا أقالَ اللهُ عثراتِهِ يومَ القيامةِ» (٢).

стр. 9149

الصُّورةُ السادِسةُ: أنْ يَتزوَّجَها وتَنوي المَرأةُ أو الزَّوجُ الأولُ التَّحليلَ دونَ الزوجِ الثاني: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا تَزوجَ المرأةَ وهي تَنوي التحليلَ -أي مِنْ أجْلِ أنْ يُحِلَّها لزوجِها الأولِ- أنَّ النكاحَ صحيحٌ؛ لمَا رواهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ أنَّ عائشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه «أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتَزوَّجَتْ بعْدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، فَجاءَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنها كانت تحتَ رفاعةَ فطَلَّقَهَا آخِرَ ثلاثِ تَطليقاتٍ، فتَزوَّجْتُ بعدَه عبدَ الرحمن بنَ الزَّبيرِ، وإنهُ واللهِ ما معهُ إلا مِثلُ الهُدْبةِ، وأخَذَتْ بهُدْبةٍ مِنْ جِلبابِها، قالَ: فتَبسَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ ضَاحكًا فقالَ: لعَلَّكِ تُريدِينَ أنْ تَرْجعِي إلى رِفاعةَ، لا حتى يَذوقَ عُسَيلتَكِ وتَذُوقِي عُسيلتَهُ» (١)، فهي قد نَوَتِ التحليلَ، ونِيتُها ليسَتْ بشيءٍ، ولأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بنيةِ الزَّوجِ؛ لأنهُ الذي إليهِ المُفارَقةُ والإمساكُ، أمَّا المرأةُ فلا تَملكُ رفْعَ العقدِ، فوُجودُ نيتِها وعَدمُها سَواءٌ، وكذلكَ الزوجُ

стр. 9150

الأولُ لا يَملكُ شيئًا مِنْ العقدِ ولا مِنْ رَفعِه، فهوَ أجنبيٌّ كسَائرِ الأجانبِ (١). قالَ المالِكيةُ: المعتبَرُ في تحليلِ المَبتوتةِ نيةُ المحلِّلِ؛ لأنَّ الطلاقَ بيَدهِ، وأما نِيةُ المطلِّق ونيةُ المطلَّقة إذا نوَيَا التحليلَ فلَغوٌ، فلا تَضرُّ نيَّةُ المرأةِ ذلكَ ولا نيَّةُ الزوجِ الأولِ ذلكَ، فالمعتبَرُ في تَحليلِها وعدمِ تَحليلِها نيةُ المحلِّل دونَ غيرهِ؛ لأنَّ الطلاقَ بيدِهِ (٢). الصُّورةُ السابِعةُ: أنْ يُضمِرَا ويَنوِيَا التَّحليلَ ولم يُصرِّحَا به: نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في وجهٍ على أنَّ الزوجَ الثاني والمرأةَ لو أضمَرَا التحليلَ ولم يُصرِّحَا بهِ جازَ وحلَّتْ للأوَّلِ؛ لأنَّ مُجردَ النيةِ في المُعامَلاتِ غيرُ معتبَرٍ، فوقعَ النكاحُ صَحيحًا؛ لاستِجماعِ شَرائطِ الصحةِ، فتَحِلُّ للأولِ كما لو نوَيَا التوقيتَ وسائرَ المَعاني المُفسِدةِ، ولأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ. قالَ الشافِعيةُ: لو أضمَرَهُ الزوجانِ ولم يَشترطاهُ صَحَّ مع الكَراهةِ؛ لأنَّ

стр. 9151

كلَّ شرطٍ لو نُطِقَ به في العقدِ أفسَدَهُ فمَكروهٌ إضمارُهُ وإنْ لم يُفسدْهِ (١). قالَ الحَنفيةُ: إنْ تزوَّجتْ بزوجٍ آخَرَ ومِن نيتِهما التحليلُ ولم يَشرطَا ذلكَ بالقولِ وإنما نوَيَا ودخَلَ بها على هذهِ النيةِ حَلَّتْ للأولِ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ مُجردَ النيةِ في المُعامَلاتِ غيرُ معتبَرٍ، فوقَعَ النكاحُ صحيحًا؛ لاستجماعِ شَرائطِ الصحةِ، فتَحِلُّ للأولِ كما لو نوَيَا التوقيتَ وسائرَ المعاني المُفسِدةِ، ويكونُ الرجلُ مأجورًا بذلكَ؛ لقَصدِهِ الإصلاحَ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يَحرمُ ويَبطلُ النكاحُ؛ لوجودِ نيةِ المُحلِّلِ لا نيةِ الزوجةِ؛ لأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بنيَّةِ الزوجِ؛ لأنهُ الذي إليه المُفارَقةُ والإمساكُ (٣). الآثارُ المُترتِّبةُ على نِكاحِ المُحلِّلِ: نكاحُ المحلِّلِ تَتعلقُ بهِ أحكامٌ حسبَ صُورِهِ المتقدِّمةِ، فكلُّ مَنْ أجازَهُ أو أجازَ صورةً مِنْ صورِهِ المتقدمةِ رتَّبَ عليها أحكامَ النكاحِ الصحيحِ مِنْ

стр. 9152

حِلِّ الاستمتاعِ وثُبوتِ الإحصانِ والنسَبِ ووُجوبِ النَّفقةِ والمَهرِ والتوارثِ وكُلِّ آثارِ النكاحِ الصحيحِ. وأمَّا مَنْ اعتبَرَ نكاحَ المُحلِّلِ فاسدًا في كلِّ صورِه أو في بعضِ صُورِه المتقدَّمةِ فلمْ يُرتِّبْ عليهِ أيَّ حُكمٍ مِنْ أحكامِ النكاحِ الصحيحِ، ولا يحصلُ به الإحصانُ ولا الإباحةُ للزوجِ الأولِ؛ لأنَّ فَسادَ العقدِ قد سَلبَهُ حُكمَهُ وأجرَى عليه حُكمَ الشبهةِ، وهذا ما صرَّحَ بهِ المالكيةُ والشافِعيةُ في الجديدِ والحَنابلةُ. قالَ الإمامُ أبو عمرَ يُوسفُ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ونكاحُ المُحلِّلِ فاسدٌ مَفسوخٌ، وهو أنْ يتزوَّجَ امرأةً طلَّقَها غيرُه ثلاثًا ليُحِلَّها لزوجِها وأنها متَّى أصابَها طلَّقَها، فهذا المحلِّلِ الذي ورَدَ الحديثُ عنِ النبيِّ ﵇ بلَعنِه، وكُلُّ مَنْ نكحَ امرأةً ليُحلَّها لزوجِها فلا تَحلُّ لزوجِها إنْ وَطئَها بذلكَ النكاحِ، وسواءٌ عَلِمَا أو لم يَعلمَا إذا قصَدَا النكاحَ لذلكَ، ولا يُقَرُّ على نكاحِها ويُفسخُ قبلَ الدخولِ وبعدَه، وإنما يُحلِّلُها نكاحُ رَغبةٍ لا قصْدَ فيه للتحليلِ، وشرَطَ مالكٌ وأكثرُ أصحابِه أنْ يكونَ وَطؤهُ إياها مُباحًا تامًّا غيرَ مَحظورٍ لا تكونُ صائمةً ولا مُحرِمةً ولا حائضًا ولا مُعتكِفةً، فإنْ وَطئَها وطئًا تامًّا مباحًا ثم طلقَها أو ماتَ عنها حَلَّتْ للأولِ، وإلِّا لم تَحِلَّ لهُ، ومدارُ نكاحِ المحلِّلِ على الزوجِ الناكحِ، وسواءٌ شرطَ ذلكَ أو نواهُ، ومتى كانَ شيءٌ مِنْ ذلكَ فسدَ نكاحُهُ ولم يُقَرَّ عليه ولم يُحلِّلْ وَطؤُه المرأةَ لزوجِها، وعلْمُ الزوجِ المطلِّقِ وجَهلُه بذلكَ سواءٌ؛ لأنَّ المدارَ على الزوجِ الناكحِ.

стр. 9153

وقد قيلَ: إنَّه ينبغِي لهُ إذا عَلِمَ أنَّ الناكحَ لها لذلكَ تزوَّجَها أنْ يَتنزَّه عن مُراجعَتِها، وكذلكَ المرأةُ إذا اشترطَتْ ذلكَ إذا كانَتْ نيةُ الناكحِ قدِ انعقَدَتْ على نكاحِ رَغبةٍ؛ لأنَّ المرأةَ ليس بيَدِها شيءٌ مِنْ حَلِّ عِصمتِها. وقد قيلَ: إذا هَمَّ أحدُ الثلاثةِ بالتحليلِ فسَدَ النكاحُ، وهوَ تشديدٌ، وقالَ سالمٌ والقاسِمُ وأبو الزِّنادِ ويَحيى بنُ سعيدٍ: جائزٌ للرجل أنْ يتزوجَها ليُحلَّها إذا لم يَعلمِ الزوجانِ، وهوَ مأجورٌ إذا اعتقَدَه ولم يَشترطْهُ في عَقدِ نكاحِه، وبيَّنَ ذلكَ قولُه: «إذا لمْ يَعلمِ الزَّوجانِ»، والمَعمولُ به في هذا البابِ ما قدَّمْنا ذِكْرَه عن مالكٍ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا أصابَها في النكاحِ الفاسِدِ فالمَذهبُ الجديدُ أنه لا يُحِلُّها؛ لأنَّ فسادَ العقدِ قد سلَبَه حُكمَه وأجرَى عليه حكمَ الشبهةِ. والقولُ الثاني -وهو قولُه في القديمِ- أنهُ يُحِلُّها للزوجِ الأولِ. قال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا تقرَّرَ ما ذكَرْنا مِنْ أقسامِ نكاحِ المحلِّلِ، فإنْ قُلنا بصحَّتِه تعلَّقَ به أحكامُ النكاحِ الصحيحِ مِنْ ثبوتِ الحصانةِ ووُجوبِ النفقةِ، وأنْ يكونَ مخيَّرًا فيه بينَ المقامِ أوِ الطلاقِ، فإنْ طلَّقَ بعدَ الإصابةِ التامَّةِ فقدْ أحَلَّها للزوجِ الأولِ، فأما المهرُ فإنْ لم يَتضمنِ العقدُ شرطًا يُؤثرُ فيه فالمسمَّى هو المستحَقُّ، وإنْ تَضمنَ شرطًا يؤثِّرُ فيه كانَ المستحَقَ مهرُ المثلِ دونَ المسمَّى.

стр. 9154

وإنْ قُلنا بفسادِ العقدِ وأنه باطلٌ فلا حَدَّ عليه فيهِ لأجْلِ الشُّبهةِ، لكنْ يُعزَّرُ؛ لإقدامِه على مَنهيٍّ عنهُ، ولا يَثبتُ بالإصابةِ فيه حَصانةٌ، ولا يُستحقُّ فيه نَفقةٌ، ويَجبُ فيه بالإصابةِ مهرُ المثلِ، وهل يُحِلُّها للزوج الأولِ إذا ذاقَتْ عُسيلتَه وذاقَ عُسيلتَها أم لا؟ على قولَين: أحَدُهما -وهو قولُه في القَديمِ-: أنه يُحِلُّها للأولِ، واختَلفَ أصحابُنا في تعليلِه، فقالَ بعضُهم: ذوقُ العُسيلةِ في شُبهةِ النكاحِ تُجرِي عليه حُكمَ الصحيحِ منَ النكاحِ، وقالَ آخَرونَ: اختصاصُه باسمِ المحلِّلِ مُوجِبٌ لاختِصاصِهِ بحُكمِ التعليلِ، فعَلى التعليلِ الأولِ تَحِلُّ بالإصابةِ في كلِّ نكاحٍ فاسدٍ مِنْ شِغارٍ ومُتعةٍ وبغيرِ وليٍّ ولا شُهودٍ، وعلى التعليلِ الثاني: لا تَحلُّ بغيرِ نكاحِ المُحلِّلِ مِنْ سائر الأنكحةِ الفاسدةِ. والقَولُ الثاني -وهو الجَديدُ الصحيحُ-: أنَّه لا يُحِلُّها للزوجِ الأولِ، لا في نكاحِ المُحلِّلِ ولا في غيرِه مِنَ الأنكِحةِ الفاسدةِ حتَّى يَكونَ نكاحًا صحيحًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا ليسَ بزَوجٍ، ولأنَّ كلَّ إصابةٍ لم يَتعلَّقْ بها إحصانٌ لم يَتعلقْ فيها إحلالُ الزوجِ كالإصابةِ بمِلكِ اليَمينِ (١). وقالَ أيضًا: واختَلفَ أصحابُنا في علَّةِ إحلالِها لهُ، فذهبَ أبو عليٍّ بنُ أبي هريرةَ وجُمهورُ البَغداديينَ إلى أنَّ العلةَ فيه أنها مَوطوءةٌ باسمِ النكاحِ، فعَلى هذا يكونُ حُكمُ الوطءِ في كلِّ نكاحٍ فاسِدٍ كحُكمِه في نكاحِ المحلِّلِ.

стр. 9155

وذهبَ البَصريونَ إلى أنَّ العلَّةَ فيهِ إطلاقُ النبيِّ ﷺ اسمَ الإحلالِ عليهِ في نهيِه عنهُ، فعَلى هذا يكونُ حُكمُ الوطءِ في غيرِه مِنَ المناكِحِ الفاسدةِ غيرَ مُحِلٍّ لها، بخلافِه؛ لاختِصاصهِ بهذا الاسمِ دونَ غيرهِ (١). وقالَ أيضًا: وأما الوطءُ في النكاحِ الفاسدِ فالمَنصوصُ عليه في الجَديدِ والمَشهورُ مِنْ مذهبِه في القَديمِ أنهُ لا يُحلُّها كالوطءِ في نكاحِ المُتعةِ والشِّغارِ كالنكاحِ بغيرِ وليٍّ؛ لأنه لا يَستندُ إلى صحةِ عقدٍ، وإنْ سقَطَ فيه الحَدُّ فاشتَبَه الوطءُ بالشبهةِ إذا خَلا عنْ عَقدٍ، وقد خرجَ قولٌ آخَرُ في القديم مِنْ نكاحِ المُحلِّلِ أنه يُحلُّها للزوج؛ لأنه قد يَتعلقُ به أحكامُ النكاحِ الصَّحيحِ في وُجوبِ المهرِ والعدَّةِ ولُحوقِ النسَبِ، وهذا التعليلُ يَفسدُ بوطءِ الشُّبهةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ونكاحُ المحلِّلِ فاسدٌ يَثبتُ فيه سائرُ أحكامِ العقودِ الفاسدةِ، ولا يَحصلُ به الإحصانُ ولا الإباحةُ للزوجِ الأولِ كما لا يَثبتُ في سائرِ العقودِ الفاسدةِ. فإنْ قيلَ: فقد سمَّاهُ النبيُّ ﷺ مُحلِّلًا وسمَّى الزوجَ مُحلَّلًا لهُ، ولو لمْ يَحصلِ الحِلُّ لم يَكنْ محلِّلًا ولا محلَّلًا لهُ.

стр. 9156

قلنا: إنَّما سمَّاهُ محلِّلًا لأنهُ قصَدَ التحليلَ في موضعٍ لا يَحصلُ فيه الحِلُّ كما قالَ ﷺ : «مَا آمَنَ بالقرآنِ مَنِ استَحَلَّ محارِمَهُ»، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧]، ولو كانَ مُحلِّلًا في الحقيقةِ والآخَرُ مُحلَّلًا له لم يَكونَا مَلعونَيْنِ (١). هل يُشترطُ في الزَّوجِ المُحلِّلِ أنْ يَكونَ بالغًا أو عاقِلاً؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ الذي يَحصلُ به التحليلُ؛ هل يُشترطُ أنْ يكونَ بالغًا؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ نكاحُ المُراهِقِ وتَحلُّ به للأولِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ البلوغُ في الزوجِ المحلِّلِ، فلو وَطئَها مُراهقٌ ثمَّ طلَّقَها حَلَّتْ للأولِ؛ لوُجودِ الدخولِ في نكاحٍ صَحيحٍ، ولا يُشترطُ الإنزالُ. قالَ الحَنفيةُ: الصبيُّ المراهقُ الذي يُجامِعُ مثلُه كالبالغِ في تحليلِ المُطلقةِ ثلاثًا لزوجِها الأولِ؛ لوُجودِ الدخولِ في نكاحٍ صحيحٍ، وهوَ الشرطُ بالنصِّ، ولا يُشترطُ الإنزالُ إنما إيلاجُ الحشفةِ؛ لأنَّ الإنزالَ كَمالٌ ومُبالغةٌ فيهِ، وهوَ قيدٌ لا دليلَ عليهِ، فكانَ بمَنزلةِ المَسلولِ والفَحلِ الذي لا يُنزِلُ. والمُراهِقُ: هو الدَّاني مِنَ البلوغِ فيهِ، وقيلَ: الذي تَتحركُ آلتُه ويَشتهي الجِماعَ، وقدَّرَ شمسُ الأئمَّةِ بعشرِ سنينَ. والشيخُ الذي لا يَقدرُ على الجِماعِ لو أولَجَ ذكَرَهُ بمُساعدةِ يَدهِ لا يُحلُّها إلا إذا انتَعشَ وعَملَ.

стр. 9157

وإنما شُرِطَ الإيلاجُ لأنه ﷺ شَرَطَ اللذةَ مِنَ الطرفَين، فإذا جامَعَ امرأتَه وجَبَ عليها الغُسلُ وأحَلَّها للزوجِ الأولِ، وإنما وجَبَ عليها الغسلُ لالتقاءِ الخِتانَينِ وهوَ سببٌ لنُزولِ مائِها، ولا غُسلَ على الصبيِّ؛ لعَدمِ الخِطابِ، وإنما يُؤمَرُ به تخلُّقًا؛ ليَتعودَ بهِ ويصيرَ له سَجيةً قبلَ بلوغهِ حتَّى لا يَشقَّ عليه عندَ وجوبِهِ. والمَجنونُ فيه كالعاقلِ، والخَصيُّ الذي يَقدرُ على الجِماعِ يُحلُّها للأولِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الزوجِ الثاني المحلِّلِ كونُه ممَّنْ يُمكِنُ جِماعُهُ كالمُراهقِ، لا طفلًا لا يَتأتَّى منهُ ذلك على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. فإذا كانَ الزوجُ الثاني غيرَ بالغٍ وقد عَقَدَ عليها نكاحًا صَحيحًا فلهُ حالتانِ: إحداهُما: أنْ يكونَ مُراهقًا قد انتَشرَ ذكَرُه ويطَأُ مثلُه، فوَطؤُه يُحلُّها للأولِ كالبالغِ. والحالُ الثانيةُ: أنْ يكونَ طفلًا لا يَطأُ مثلُه ولا يَنتشرُ ذكَرُه، فالوطءُ مُستحيلٌ مِنْ مثلِه، وإنما يكونُ استِدخالُ ذكَرِه عبَثًا، فلا يَتعلقُّ به إحلالٌ، فخالَفَ البالغَ إذا أولَجَ مِنْ غيرِ انتشارٍ، لأنهما يَختلفانِ في انطلاقِ اسمِ الوطءِ عليها، فاختَلفَا في حُكمِهِ.

стр. 9158

وفي وجهٍ: أنهُ يَحصلُ التحليلُ بلا انتِشارٍ لشَللٍ أو غيرِهِ؛ لحُصولِ صُورةِ الوطءِ وأحكامِهِ. وأما الخَصيُّ -وهوَ المَسلولُ الانثيَينِ السَّليمُ الذكَرِ- فوَطؤُه يُحلُّها كالفَحلِ، بل وَطؤُه أقوَى؛ لعدَمِ إنزالِه وقلَّةِ فُتورِهِ. وأما المَجبوبُ -وهوَ المَقطوعُ الذكَرِ- فإنْ لم يَبْقَ منه شيءٌ يُمكنُهُ إيلاجُه استحالَ الوطءُ منه فلم يُحلَّها، وإنْ بقيَ منه ما يُمكنُ إيلاجُهُ فإنْ كانَ دونَ مِقدارِ الحشَفةِ لم يُحلَّها؛ لأنَّ السليمَ الذكَرِ لو أولَجَ دون الحشَفةِ لم يُحلَّ، وإنْ كانَ الباقي منه بمِثلِ مِقدارِ الحشفةِ فما زادَ أحَلَّها، وهل يُعتبَرُ في إحلالِه تَغييبُ قدرِ الحشَفةِ فيه أو يُعتبَرُ تَغييبُ جميعِه؟ على وجهَين: أحَدُهما: يُعتبَرُ منهُ تغييبُ قَدرِ الحشفةِ، فإذا غيَّبَ مِنْ باقي ذكَرِهِ قدْرَ الحشفةِ أحلَّ. والوجهُ الثاني: لا يُحلُّها إلَّا بتَغييبِ جَميعِ الباقي؛ لأنَّ ذهابَ الحَشفةِ منهُ قد أسقَطَ حُكمَها، فانتَقلَ إلى الباقي بعدَها (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَحصلُ التحليلُ للزوجِ الأولِ بالوطءِ في القُبُلِ؛ لأنَّه ﵇ علَّقَ الحِلَّ على ذواقِ العُسيلةِ، ولا تَحصلُ إلا بالوطء في الفرْجِ، وأدنَى ما يَكفي مِنْ ذلكَ تَغييبُ الحَشفةِ معَ الانتشارِ في الفرْجِ

стр. 9159

وإنْ لم يُنزلْ؛ لأنَّ أحكامَ الوطءِ تَتعلقُ به، فلو أَولجَ مِنْ غير انتشارٍ لم يُحلَّها؛ لأنَّ الحُكمَ يَتعلقُ بذواقِ العُسيلةِ، ولا يَحصلُ مِنْ غير انتشارٍ، وليسَ الإنزالُ شرطًا فيه؛ لأنَّه ﵇ جعَلَ ذواقَ العُسيلةِ غايةً للحُرمةِ، وذلكَ حاصلٌ بدُونِ الإنزالِ، والذي يَظهرُ أنَّ هذا في الثيبِ، فأما البِكرُ فأدناهُ أنْ يَفتضَّها بآلتِه. وإنْ كانَ مَجبوبًا بقيَ مِنْ ذكَرِه قدرُ الحَشفةِ فأولَجَه أحَلَّها؛ لأنَّ ذلكَ منه بمَنزلةِ الحَشفةِ مِنْ غيرِه. ويَحصلُ التحليلُ بزواجِ مُراهقٍ، فلو وَطئَها زوجٌ مراهقٌ أحَلَّها؛ لظاهِرِ النصِّ، ولأنهُ وطءٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ أشبَهَ البالغَ، وبخلافِ الصَّغيرِ فإنه لا يُمكنُه الوطءُ ولا تُذاقُ عُسيلتُه، وفي «المُستَوعب»: يُعتبَرُ أنْ يكونَ له عَشرُ سنينَ فصاعِدًا، وقالَ القاضي: يُشترطُ له اثنتَا عَشرةَ سَنةً، ونقلَه مُهنَّا؛ لأنَّ مَنْ دونَ ذلك لا يُمكنُه المجامَعةُ، ولا معنى لهذا؛ فإنَّ الخلافَ في المجامِع، ومتَى أمكنَه الجِماعُ فقدْ وُجدَ منه المقصودُ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ تزوَّجَها مُراهقٌ فوطِئها أحَلَّها في قولِهم، إلَّا مالكًا وأبا عبيدٍ فإنهما قالا: لا يُحلُّها، ويُروَى ذلكَ عن الحسَنِ؛ لأنه وَطءٌ مِنْ غيرِ بالغٍ، فأشبَه وطءَ الصغير. ولنا: ظاهرُ النصِّ، وأنَّه وطءٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فأشبَه البالغَ، ويُخالِفُ الصغيرَ؛ فإنه لا يُمكنُ الوطءُ منه ولا تُذاقُ عُسيلتُه، قالَ القاضي:

стр. 9160

ويُشترط أنْ يكونَ له اثنتَا عشرةَ سَنةً؛ لأنَّ مَنْ دونَ ذلك لا يُمكنُه المُجامَعةُ، ولا مَعنى لهذا؛ فإنَّ الخلافَ في المُجامعِ، ومتَى أمكنَه الجماعُ فقدْ وُجدَ منه المقصودُ، فلا معنى لاعتبارِ سِنٍّ مَا وردَ الشرعُ باعتبارِها، وتَقديرُه بمجرَّدِ الرأي والتحكُّمِ. وإنْ كانَت ذمِّيةً فوَطئَها زوجُها الذميُّ أحَلَّها لمُطلِّقِها المُسلمِ، نصَّ عليه أحمدُ: وقالَ هو زَوجٌ وبه تَجبُ الملاعَنةُ والقَسمُ، وبه قالَ الحسَنُ والزهريُّ والثوريُّ والشافعيُّ وأبو عبيدٍ وأصحابُ الرأيِ وابنُ المنذر، وقالَ ربيعةُ ومالكٌ: لا يُحلُّها. ولنا: ظاهرُ الآيةِ، ولأنه وطءٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ تامٍّ، أشبَه وطءَ المُسلمِ. وإنْ كانا مَجنونَين أو أحَدُهما فوَطِئها أحَلَّها، وقالَ أبو عبد الله بنُ حامدٍ: لا يُحلُّها؛ لأنه لا يذوقُ العُسيلةَ. ولنا: ظاهرُ الآيةِ، ولأنه وطءٌ مباحٌ في نكاحٍ صحيحٍ، أشبَه العاقلَ، وقولُه: «لا يَذوقُ العُسيلةَ» لا يَصحُّ؛ فإنَّ الجُنونَ إنما هو تَغطيةُ العَقلِ، وليسَ العقلُ شرطًا في الشهوةِ وحُصولِ اللذةِ؛ بدَليلِ البَهائمِ، لكنْ إنْ كانَ المَجنونُ ذاهبَ الحِسِّ كالمَصروعِ والمُغمى عليهِ لم يَحصلِ الحِلُّ بوَطئِه، ولا بوطءِ مَجنونةٍ في هذه الحال؛ لأنَّه لا يَذوقُ العُسيلةَ ولا تَحصلُ له لذةٌ، ولعلَّ ابنَ حامدٍ إنما أرادَ المَجنونَ الذي هذه حالُه، فلا يكونُ هاهنا اختِلافٌ.

стр. 9161

ولو وَطئَ مَغمًى عليها أو نائمةً لا تُحِسُّ بوَطئِه فينبغي أنْ لا تَحلَّ بهذا؛ لِمَا ذكَرْناهُ، وحكاهُ ابنُ المُنذرِ، ويَحتملُ حُصولَ الحِلِّ في ذلكَ كلِّه؛ أخذًا مِنْ عُمومِ النصِّ، واللهُ أعلَمُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المرأةَ المُطلَّقةَ ثَلاثًا لا تَحلُّ للزوجِ الأولِ بوَطءِ المُراهقِ؛ لأنه لم يَبلغْ، كالصغيرِ، ولأنه إيلاجٌ ممَّن لا يَجبُ الحدُّ بوَطئِه ولا النَّفقةُ لزَوجتِه، فلمْ يَقعْ بهِ إحلالٌ كوطءِ الصَّغيرِ (٢).

стр. 9162

سادِسًا: نِكاحُ المُحرِمِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في نِكاحِ المُحرِمِ بحجٍّ أو عُمرةٍ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ والوَليِّ عدمُ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ﵁ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطُبُ» (١). ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داوُدَ بنِ الحُصَينِ أنَّ أبا غَطَفانَ بنَ طَرِيفٍ المِرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ فرَدَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ نِكاحَه (٢). ٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٣). ٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ

стр. 9163

ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (١). وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٢). ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ، ولأنهُ عَقدٌ يَمنعُ الإحرامُ مِنْ مَقصودِه، فمُنعَ. قال المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ. ولهُ أن يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ. وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (٣).

стр. 9164

وقالَ الشافِعيةُ: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» (١)، والكافُ مَكسورةٌ فيهما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني. وعن أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (٢) (٣). قالَ الإمامُ النوويُّ ﵀: ذكَرَ مُسلمٌ الاختلافَ أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهوَ مُحرمٌ أو وهو حَلالٌ؟ فاختَلفَ العُلماءُ بسَببِ ذلكَ في نِكاحِ المُحرمِ.

стр. 9165

فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهُم: لا يَصحُّ نكاحُ المُحرمِ، واعتَمدُوا أحادِيثَ البابِ. وقالَ أبو حَنيفةَ والكُوفيُّونَ: يَصحُّ نِكاحُه؛ لحَديثِ قِصةِ مَيمونةَ. وأجابَ الجُمهورُ عن حَديثِ مَيمونةَ بأجوبةٍ: أصَحُّها: أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما تزوَّجَها حَلالًا، هكذا رَواهُ أكثَرُ الصَّحابةِ، قالَ القاضي وغيرُه: ولمْ يَرْوِ أنه تزوَّجَها مُحرِمًا إلَّا ابنُ عبَّاسٍ وحْدَه، ورَوَتْ مَيمونةُ وأبو رافِعٍ وغيرُهما أنه تزوَّجَها حَلالًا، وهمْ أعرَفُ بالقَضيةِ؛ لِتَعلُّقِهم به، بخِلافِ ابنِ عبَّاسٍ، ولأنهم أضبَطُ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأكثَرُ. الجوابُ الثَّاني: تَأويلُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ على أنَّه تزوَّجَها في الحرَمِ وهو حَلالٌ، ويقالُ لمَن هو في الحَرمِ: «مُحرِمٌ» وإنْ كانَ حَلالًا، وهي لغةٌ شائِعةٌ مَعروفةٌ، ومنهُ البيتُ المَشهورُ: قتَلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا … ....................................... أي: في حَرَمِ المَدينةِ. والثالثُ: أنه تَعارَضَ القولُ والفعلُ، والصَّحيحُ حِينئذٍ عندَ الأصوليِّينَ تَرجيحُ القولِ؛ لأنه يَتعدَّى إلى الغيرِ، والفعلُ قد يكونُ مَقصورًا عليه. والرابعُ: جَوابُ جَماعةٍ مِنْ أصحابِنا أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ له أنْ يتزوَّجَ في حالِ الإحرامِ، وهو ممَّا خُصَّ به دُونَ الأمَّةِ، وهذا أصَحُّ الوجهَينِ عندَ أصحابنا، والوجهُ الثَّاني: أنه حَرامٌ في حَقِّه كغيرِه، وليسَ مِنْ الخَصائصِ.

стр. 9166

وأمَّا قولُه ﷺ : «ولا يُنكِح» فمَعناهُ: لا يُزوِّجُ امرأةً بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، قالَ العلماءُ: سبَبَه أنه لمَّا مُنعَ في مدَّةِ الإحرامِ مِنْ العَقدِ لنَفسِه صارَ كالمرأةِ، فلا يَعقدُ لنَفسِه ولا لغيرِه، وظاهِرُ هذا العُمومِ أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يزوِّجَ بوِلايةٍ خاصَّةٍ كالأبِ والأخِ والعَمِّ ونحوِهم، أو بوِلايةٍ عامَّةٍ وهو السُّلطانُ والقاضي ونائبُه، وهذا هو الصَّحيحُ عندَنا، وبه قالَ جُمهورُ أصحابِنا، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يزوِّجَ المُحرِمُ بالولايةِ العامَّةِ؛ لأنها يُستفادُ بها ما لا يُستفادُ بالخاصَّةِ، ولهذا يَجوزُ للمُسلمِ تَزويجُ الذمِّيةِ بالوِلايةِ العامَّةِ دونَ الخاصَّةِ. واعلَمْ أنَّ النهيَ عن النكاحِ والإنكاحِ في حالِ الإحرامِ نهيُ تَحريمٍ، فلو عقَدَ لم يَنعقدْ، سواءٌ كانَ المُحرمُ هو الزوجُ أو الزوجةُ أو العاقِدُ لهُما بوِلايةٍ أو وَكالةٍ، فالنكاحُ باطلٌ في كلِّ ذلكَ، حتَّى لو كانَ الزَّوجانِ والوليُّ مُحِلَّينِ ووكَّلَ الوليُّ أو الزوجُ مُحرِمًا في العقد لم يَنعقدْ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: (ولا يَتزوَّجُ المُحرمُ ولا يزوِّجُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطلٌ). قولُه: (لا يتزوَّجُ) أي: لا يَقبلُ النكاحَ لنَفسِه، (ولا يُزوِّجُ) أي: لا يكونُ وليًّا في النكاحِ ولا وَكيلًا فيهِ، ولا يَجوزُ تَزويجُ المُحرِمةِ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وابنِه وزَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵃، وبهِ قالَ سَعيد بنُ المسيِّبِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ والزُّهريُّ والأوزاعيُّ ومالكٌ والشافِعيُّ.

стр. 9167

وأجازَ ذلكَ ابنُ عبَّاسٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه عَقدٌ يَملكُ به الاستِمتاعَ، فلا يُحرِّمُه الإحرامُ كشِراءِ الإماءِ. ولنَا: ما رَوى أبانُ بنُ عُثمانَ عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مُسلمٌ، ولأنَّ الإحرامَ يُحرِّمُ الطِّيبَ، فيُحرِّمُ النكاحَ كالعدَّةِ. فأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فقدْ رَوى يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَها حَلالًا وبنَى بها حَلالًا وماتَتْ بِسَرفٍ في الظُّلةِ التي بنَى بها فيهَا» رواهُ أبو داودَ والأثرمُ. وعن أبي رافِعٍ قالَ: «تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حَلالٌ، وكُنتُ أنا الرَّسولُ بينَهُما»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ومَيمونةُ أعلَمُ بنَفسِها، وأبو رافِعٍ صاحِبُ القصَّةِ وهو السَّفيرُ فيها، فهُمَا أعلَمُ بذلكَ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأَولى بالتَّقديمِ لو كانَ ابنُ عبَّاسٍ كَبيرًا، فكَيفَ وقد كانَ صَغيرًا لا يَعرفُ حَقائقَ الأمورِ ولا يَقفُ عليها؟ وقد أُنكِرَ عليهِ هذا القولُ. وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ، ما تزوَّجَها النبيُّ ﷺ إلَّا حَلالًا، فكَيفَ يُعملُ بحَديثٍ هذا حالُه؟ ويُمكِنُ حَملُ قولِه: «وهو مُحرِمٌ» أي: في الشَّهرِ الحَرامِ أو في البَلدِ الحَرامِ، كما قيلَ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا …

стр. 9168

وقيلَ: تزوَّجَها حَلالًا وأظهَرَ أمْرَ تَزويجِها وهو مُحرمٌ. ثمَّ لو صَحَّ الحَديثانِ كانَ تَقديمُ حَديثِنا أَولى؛ لأنه قَولُ النبيِّ ﷺ وذلكَ فِعلُه، والقَولُ آكَدُ؛ لأنه يَحتملُ أنْ يكونَ مُختَصًّا بما فعَلَه، وعَقدُ النكاحِ يُخالِفُ شِراءَ الأمَةِ؛ فإنه يَحرمُ بالعدَّةِ والردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ وكَونِ المَنكوحةِ أختًا له مِنْ الرَّضاعِ ويُعتبَرُ له شُروطٌ غيرُ مُعتبَرةٍ في الشِّراءِ. فصلٌ: ومتَى تزوَّجَ المُحرِمُ أو زوَّجَ أو زوِّجَتْ مُحرِمةٌ فالنكاحُ باطلٌ، سَواءٌ كانَ الكلُّ مُحرِمينَ أو بعضُهم؛ لأنه مَنهيٌّ عنه، فلمْ يَصحَّ كنكاحِ المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها. وعن أحمدَ: إنْ زوَّجَ المُحرِمُ لم أفسَخِ النكاحَ. قالَ بعضُ أصحابِنا: هذا يَدلُّ على أنه إذا كانَ الوليُّ بمُفرَدِه أو الوكيلُ مُحرِمًا ما لم يَفسدِ النكاحُ، والمَذهبُ الأولُ، وكَلامُ أحمدَ يُحملُ على أنه لا يَفسخُه لكَونِه مُختلَفًا فيه. قالَ القاضي: ويُفرَّقُ بينَهُما بطَلقةٍ. وهكذا كُلُّ نكاحٍ مُختلَفٍ فيه، قال أحمَدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: إذا تزوَّجَتْ بغيرِ وليٍّ لم يَكنْ للوليِّ أنْ يزوِّجَها مِنْ غيرِه حتَّى يُطلِّقَ. ولأنَّ تَزويجَها مِنْ غيرِ طَلاقٍ يُفضِي إلى أنْ يَجتمعَ للمَرأةِ زَوجانِ، كلُّ واحِدٍ منهُما يَعتقدُ حِلَّها (١).

стр. 9169

وقالَ في موضعٍ آخرَ: المُحرمُ إذا تَزوَّجَ لنَفسِه أو عقَدَ النكاحَ لغيرِه ككَونِه وليًّا أو وكيلًا فإنه لا يَصحُّ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مسلمٌ. وإنْ عقَدَ الحلالُ نِكاحًا لمُحرمٍ بأنْ يكونَ وَكيلًا له أو وليًّا عليه أو عقَدَه على مُحرِمةٍ لم يَصحَّ؛ لدُخولِه في عُمومِ الحديثِ؛ لأنه إذا تزوَّجَ له وكيلُه فقدْ نكَحَ، وحَكَى القاضي في كَونِ المُحرمِ وليًّا لغيرِه رِوايتينِ: إحداهُما: لا تَصحُّ، وهي اختِيارُ الخِرقيِّ. والثانِيةُ: تَصحُّ، وهي اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ النكاحَ حرِّمَ على المُحرِمِ؛ لأنه في دَواعِي الوَطءِ المُفسِدِ للحَجِّ، ولا يَحصلُ ذلكَ فيه بكَونِه وليًّا لغيرِه. والأولُ أَولى؛ لدُخولِه في عُمومِ الخبَرِ، ولأنه عَقدٌ لا يَصحُّ للمُحرمِ، فلا يَصحُّ منه كشِراءِ الصَّيدِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجوزُ للمُحرمِ أنْ يليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولغيرِه وأنْ يُوكِّلَ ويتوكَّلَ فيهِ (٢)؛ لِمَا رواهُ مُسلمٌ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عنِ أبي الشَّعثاءِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ أخبَرَه: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» (٣)، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يَدخلَ بها حتى يَحِلَّ مِنْ إحرامهِ.

стр. 9170

قالَ الإمامُ الطحَاويُّ ﵀: فأمَّا النَّظرُ في ذلكَ: فإنَّ المُحرِمَ حرامٌ عليه جِماعُ النِّساءِ، فاحتُملَ أنْ يكونَ عقدُ نكاحِهنَّ كذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فوَجدْناهُم قد أجمَعُوا أنه لا بأسَ على المُحرمِ بأنْ يَبتاعَ جارِيةً، ولكنْ لا يَطؤُها حتَّى يَحِلَّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ لِيَتطيَّبَ به بعدَما يَحِلُّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ قَميصًا لِيَلبسَه بعدَما يَحلُّ، وذلكَ الجِماعُ هو والتطيُّبُ واللِّباسُ حَرامٌ عليه كلُّه وهو مُحرِمٌ، فلمْ يَكنْ حُرمةُ ذلكَ عليهِ تَمنعُه عقْدَ المِلكِ عليهِ، ورأَيْنا المُحرِمَ لا يَشتريْ صَيدًا، فاحتُملَ أنْ يكونَ حُكمُ عَقدِ النكاحِ كحُكمِ عَقدِ شِراءِ الصيدِ أو حُكمِ عقدِ شِراءِ ما وصَفْنا ممَّا سِوى ذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فإذا مَنْ أحرَمَ وفي يَدِه صَيدٌ أُمرَ أنْ يُطلِقَه، ومَن أحرَمَ وعليهِ قَميصٌ وفي يَدِه طِيبٌ أُمرَ أنْ يَطرحَه عنهُ ويَرفعَه، ولم يَكنْ ذلكَ كالصَّيدِ الذي يُؤمَرُ بتَخليتِه ويتركُ حَبسهُ، ورأَيْناهُ إذا أحرَمَ ومعَه امرأةٌ لم يُؤمرْ بإطلاقِها، بل يُؤمرُ بحِفظِها وصَونِها، فكانَتِ المرأةُ في ذلكَ كاللِّباسِ والطِّيبِ لا كالصَّيدِ، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يكونَ في استِقبالِ عَقدِ النكاحِ عليها في حُكمِ استقبالِ عقدِ المِلكِ على الثيابِ والطِّيبِ الذي يَحلُّ له به لبسُ ذلكَ واستعمالُه بعدَ الخُروجِ مِنْ الإحرامِ. فقالَ قائِلٌ: فقدْ رأَيْنا مَنْ تزوَّجَ أختَه مِنْ الرَّضاعةِ كانَ نكاحُه باطِلًا، ولو اشتِراها كانَ شِراؤُه جائِزًا، فكانَ الشِّراءُ يَجوزُ أنْ يُعقدَ على ما لا يَحلُّ وَطؤُه، والنكاحُ لا يجوزُ أنْ يُعقدَ إلا على مَنْ يَحلُّ وَطؤُها، وكانَتِ المرأةُ حَرامًا على المُحرمِ جِماعُها، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يَحرمَ عليه نِكاحهُا.

стр. 9171

فكانَ مِنْ الحُجةِ للآخرِينَ عليهِم في ذلكَ أنَّا رأَيْنا الصائمَ والمُعتكِفَ حَرامٌ على كلِّ واحدٍ منهُما الجِماعُ، وكلٌّ قد أجمَعَ أنَّ حُرمةَ الجِماعِ عليهِما لا يَمنعُهما مِنْ عَقدِ النكاحِ لأنفُسِهما؛ إذْ كانَ ما حرَّمَ الجِماعَ عليهما مِنْ ذلكَ إنما هو حُرمةُ دِينٍ كحُرمةِ حَيضِ المرأةِ الذي لا يَمنعُها مِنْ عقدِ النكاحِ على نَفسِها، فحُرمةُ الإحرامِ في النظرِ أيضًا كذلكَ. وقد رأَيْنا الرَّضاعَ الَّذي لا يَجوزُ تَزويجُ المرأةِ لِمَكانِه إذا طرَأَ على النكاحِ فسَخَ النكاحَ، وكذلك لا يَجوزُ استِقبالُ النكاحِ عليهِ، وكانَ الإحرامُ إذا طرَأَ على النكاحِ لم يَفسخْه، فالنَّظرُ على ذلكَ أيضًا أنْ يكونَ لا يَمنعُ استقبالَ عُقدةِ النكاحِ، وحُرمةُ الجِماعِ بالإحرامِ كحُرمتِه بالصيامِ سَواءٌ، فإذا كانَتْ حُرمةُ الصيامِ لا تَمنعُ عقْدَ النكاحِ فكذلكَ حُرمةُ الإحرامِ لا تَمنعُ عُقدةَ النكاحِ أيضًا، فهذا هو النظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ ﵏ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفُوا في نكاحِ المُحرِمِ. فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ وأحمدُ: لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطِلٌ، وهو قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ بذلكَ.

стр. 9172

وسببُ اختلافِهم: تَعارُضُ النقلِ في هذا البابِ، فمِنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، وهو حَديثٌ ثابِتُ النقلِ خرَّجَه أهلُ الصَّحيحِ، وعارَضَه أحادِيثُ كَثيرةٌ عن مَيمونةَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَها وهو حَلالٌ»، قالَ أبو عُمرَ: رُويَتْ عنها مِنْ طُرقٍ شتَّى مِنْ طَريقِ أبي رافعٍ، ومِن طريقِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وهو مَولاها، وعن يَزيدَ بنِ الأصَمِّ، ورَوى مالكٌ أيضًا مِنْ حَديثِ عُثمانَ ابنِ عفَّانَ مع هذا أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ». فمَن رجَّحَ هذه الأحادِيثَ على حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ، ومَن رجَّحَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ أو جمَعَ بينَه وبينَ حديثِ عُثمانَ بنِ عفانَ بأنْ حمَلَ النهيَ الوارِدَ في ذلك على الكَراهيةِ قالَ: يَنكحُ ويُنكِحُ، وهذا راجِعٌ إلى تعارُضِ الفعلِ والقولِ، والوجهُ الجَمعُ أو تَغليبُ القولِ (١).

стр. 9173

سابِعًا: نِكاحُ المَريضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ المَريضِ؛ هل يصحُّ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى عدمِ صِحةِ نكاحِ المَريضِ ولا المَريضةِ ولا هُما معًا، سواءٌ كانَ مَرضًا مَخُوفًا اتفاقًا، أو غيرَ مَخُوفٍ على المَشهورِ، وسواءٌ أَذِنَ له الوارثُ الرشيدُ في ذلكَ أم لا على المشهورِ؛ لاحتمالِ موتِ الآذِنِ قبلَ موتِ المَريضِ، ويكونُ الوارثُ لذلكَ المريضِ غيرَ الآذنِ، فلمَّا احتَملَ ذلكَ كانَ إذنُ الوارثِ لهُ بمَنزلةِ العَدمِ. وسواءٌ احتاجَ المريضُ إلى النكاحِ أم لا على المَشهورِ الراجحِ؛ للنهيِ عن إدخالِ وارثٍ، وإنما لم يُمنَعْ مِنْ وَطءِ زوجتِه لأنَّ في النكاحِ إدخالُ وارثٍ مُحقَّقٍ، وليسَ عن كلِّ وَطءٍ حَملٌ. وفي قولٍ -قالَ في «الجواهرِ»: إنهُ المشهورُ، أنَّ مَنْعَ النِّكاحِ المَذكورِ وإنْ أَذِنَ الوارثُ مقيَّدٌ بعدمِ الاحتياجِ إلى النكاحِ أو إلى مَنْ يقومُ به ويَخدمُهُ في مَرضهِ، وعليهِ إنِ احتاجَ إلى ذلكَ جازَ لهُ النكاحُ وإنْ مَنَعَهُ الوارثُ منهُ. ويلحَقُ بالمريضِ في ذلكَ كلُّ مَحجورٍ مِنْ حاضِرِ صَفِّ القتالِ ومُقرَّبٍ لقَطعٍ ومَحبوسٍ لقَتلٍ وحامِلِ سِتَّةٍ بأنْ يكونَ زَوجُها طلَّقَها بائنًا دونَ الثَّلاثِ وأرادَ أنْ يَعقدَ عليها بعدَ مُضيِّ سِتةِ أشهُرٍ فأكثَرَ مِنْ حَملِها، فإنه لا يَجوزُ له ذلكَ ولا لها؛ لأنها مَحجورٌ عليها في تلكَ الحالةِ. وللمَريضةِ التي فُسخَ نكاحُها بعدَ الدُّخولِ المسمَّى، فإذا تزوَّجَتْ حالَ مَرضِها ودخَلَ بها الزوجُ فإنه يُقضَى لها مِنْ رأسِ مالِه بالمسمَّى، قَلَّ أو كَثُرَ

стр. 9174

وإنْ حَرُمَ، ومثلُ الدُّخولِ موتُه، فيُقضَى لها به مِنْ رأسِ مالِه، أو مَوتُها قبْلَه وقبْلَ الفَسخِ، ولا ميراثَ لمَن بقيَ حيًّا بعدَ موتِ صاحبِه. وإذا تزوَّجَ المريضُ مَرضًا مَخوفًا في مَرضِه ودخَلَ ولم يُفسَخِ النِّكاحُ فتارَةً يَموتُ فيكونُ عليه مِنْ ثُلثِ مالِه الأقلُّ مِن المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ، فإنْ كانَ الثَّلثُ أقلَّ منهُما أخَذَتْه فقطْ، فتَحصَّلَ مِنْ ذلكَ أنَّ عليه الأقلَّ مِنْ الثلاثةِ أشياءَ: الثَّلثِ والمُسمَّى وصَداقِ المثلِ. وتارةً يَصحُّ مِنْ المَرضِ فلا يُفسخُ النكاحُ، فتأخُذُ المسمَّى مِنْ رأسِ مالِه. ومتَى عُثرَ عليه فُسِخَ ولو بعدَ البناءِ ولو حائِضًا، فإنْ فُسخَ قبلَ الدخولِ فلا شيءَ عليهِ، إلا أنْ يَصحَّ المَريضُ فلا يُفسَخُ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ نكاحُ المَريضِ ولو كانَ مرَضَ الموتِ، إلا أنه لا تَصحُّ الزيادةُ عن مَهرِ المثلِ، ومَهرُها دَينٌ مِنْ جميعِ المالِ كسائرِ الديونِ. وهكذا المَريضةُ إذا نكَحَتْ رجلًا صَحيحًا صَحَّ نكاحُها ووَرثَها الزوجُ، وعليهِ صَداقُها إنْ كانَ مهرَ المثلِ فما زادَ، فإنْ نكَحَتْه بأقلَّ مِنْ صَداقِ مثلِها بالمُحاباةِ فالنُّقصانُ وَصيةٌ له، فتُردُّ إنْ كانَ وارِثًا، وتَمضِي في الثلثِ إنْ كانَ الزَّوجُ غيرَ وارثٍ.

стр. 9175

والدليلُ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يُفرِّقْ بينَ صَحيحٍ ومَريضٍ، ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ ﵁ أنه قالَ في مرَضِه: «زوِّجُوني لِئلَّا ألقَى اللهَ عَزْبًا»، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «لو لم يَبْقَ مِنْ أجَلِي إلا عَشرةُ أيامٍ ما أحبَبْتُ إلا أنْ تكونَ لي زَوجةٌ»، ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه أنَّ الزُّبيرَ ﵁ دخَلَ على قُدامةَ يَعودُه فبَصرَ عندَه بجاريةٍ، فقالَ قُدامةُ: زوِّجْنِي بها، فقالَ: ما تَصنعُ بها وأنتَ على هذهِ الحالةِ؟ فقالَ: إنْ أنا عِشْتُ نسَبْتُ الزُّبيرَ، وإنْ متُّ فهُمْ أحَقُّ مَنْ يَرثنِي». ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يُمنَعْ مِنْ التَّسرِّي بالإماءِ لم يُمنَعْ مِنْ نكاحِ الحَرائرِ كالصَّحيحِ، ولأنه فِراشٌ لا يُمنَعُ منه الصحيحِ، فوجَبَ ألا يُمنعَ منه المَريضُ كالاستِمتاعِ بالإماءِ، ولأنه عقدٌ، فلمْ يَمنعْ منه المرضُ كالبيعِ والشراءِ، ولأنه لا يَخلُو عقدُه مِنْ أنْ يكونَ لحاجةٍ أو لِشهوةٍ، فإنْ كانَ لحاجةٍ لم يَجُزْ منعُه، وإنْ كانَ لشهوةٍ فهي مُباحةٌ له كما أُبيحَ له أنْ يَلتزمَ بما شاءَ مِنْ أكلٍ أو لبسٍ. فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بالتُّهمةِ ودُخولِ الضَّررِ فهو أنَّ التُّهمةَ تَبعُدُ عمَّن هو في مَرضِ موتِه؛ لأنه في الأغلبِ يَقصدُ وجْهَ اللهِ ، والضررُ لا يَمنعُ مِنْ جوازِ العُقودِ كالبيعِ، ولأنه إنْ كانَ ضَررًا لوَرثتِه فهو مَنفعةٌ لنَفسِه، وهو أحَقُّ بمَنفعةِ نَفسِه مِنْ منفعةِ وَرثتِه. فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ فيه مُزاحَمةً لبعضِ الوَرثةِ ودفْعًا
следующие страницы →