فكانَ مِنْ الحُجةِ للآخرِينَ عليهِم في ذلكَ أنَّا رأَيْنا الصائمَ والمُعتكِفَ حَرامٌ على كلِّ واحدٍ منهُما الجِماعُ، وكلٌّ قد أجمَعَ أنَّ حُرمةَ الجِماعِ عليهِما لا يَمنعُهما مِنْ عَقدِ النكاحِ لأنفُسِهما؛ إذْ كانَ ما حرَّمَ الجِماعَ عليهما مِنْ ذلكَ إنما هو حُرمةُ دِينٍ كحُرمةِ حَيضِ المرأةِ الذي لا يَمنعُها مِنْ عقدِ النكاحِ على نَفسِها، فحُرمةُ الإحرامِ في النظرِ أيضًا كذلكَ.
وقد رأَيْنا الرَّضاعَ الَّذي لا يَجوزُ تَزويجُ المرأةِ لِمَكانِه إذا طرَأَ على النكاحِ فسَخَ النكاحَ، وكذلك لا يَجوزُ استِقبالُ النكاحِ عليهِ، وكانَ الإحرامُ إذا طرَأَ على النكاحِ لم يَفسخْه، فالنَّظرُ على ذلكَ أيضًا أنْ يكونَ لا يَمنعُ استقبالَ عُقدةِ النكاحِ، وحُرمةُ الجِماعِ بالإحرامِ كحُرمتِه بالصيامِ سَواءٌ، فإذا كانَتْ حُرمةُ الصيامِ لا تَمنعُ عقْدَ النكاحِ فكذلكَ حُرمةُ الإحرامِ لا تَمنعُ عُقدةَ النكاحِ أيضًا، فهذا هو النظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ ﵏ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفُوا في نكاحِ المُحرِمِ.
فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ وأحمدُ: لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطِلٌ، وهو قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ بذلكَ.
стр. 9172
وسببُ اختلافِهم: تَعارُضُ النقلِ في هذا البابِ، فمِنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، وهو حَديثٌ ثابِتُ النقلِ خرَّجَه أهلُ الصَّحيحِ، وعارَضَه أحادِيثُ كَثيرةٌ عن مَيمونةَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَها وهو حَلالٌ»، قالَ أبو عُمرَ: رُويَتْ عنها مِنْ طُرقٍ شتَّى مِنْ طَريقِ أبي رافعٍ، ومِن طريقِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وهو مَولاها، وعن يَزيدَ بنِ الأصَمِّ، ورَوى مالكٌ أيضًا مِنْ حَديثِ عُثمانَ ابنِ عفَّانَ مع هذا أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ».
فمَن رجَّحَ هذه الأحادِيثَ على حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ، ومَن رجَّحَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ أو جمَعَ بينَه وبينَ حديثِ عُثمانَ بنِ عفانَ بأنْ حمَلَ النهيَ الوارِدَ في ذلك على الكَراهيةِ قالَ: يَنكحُ ويُنكِحُ، وهذا راجِعٌ إلى تعارُضِ الفعلِ والقولِ، والوجهُ الجَمعُ أو تَغليبُ القولِ (١).
стр. 9173
سابِعًا: نِكاحُ المَريضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ المَريضِ؛ هل يصحُّ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى عدمِ صِحةِ نكاحِ المَريضِ ولا المَريضةِ ولا هُما معًا، سواءٌ كانَ مَرضًا مَخُوفًا اتفاقًا، أو غيرَ مَخُوفٍ على المَشهورِ، وسواءٌ أَذِنَ له الوارثُ الرشيدُ في ذلكَ أم لا على المشهورِ؛ لاحتمالِ موتِ الآذِنِ قبلَ موتِ المَريضِ، ويكونُ الوارثُ لذلكَ المريضِ غيرَ الآذنِ، فلمَّا احتَملَ ذلكَ كانَ إذنُ الوارثِ لهُ بمَنزلةِ العَدمِ.
وسواءٌ احتاجَ المريضُ إلى النكاحِ أم لا على المَشهورِ الراجحِ؛ للنهيِ عن إدخالِ وارثٍ، وإنما لم يُمنَعْ مِنْ وَطءِ زوجتِه لأنَّ في النكاحِ إدخالُ وارثٍ مُحقَّقٍ، وليسَ عن كلِّ وَطءٍ حَملٌ.
وفي قولٍ -قالَ في «الجواهرِ»: إنهُ المشهورُ، أنَّ مَنْعَ النِّكاحِ المَذكورِ وإنْ أَذِنَ الوارثُ مقيَّدٌ بعدمِ الاحتياجِ إلى النكاحِ أو إلى مَنْ يقومُ به ويَخدمُهُ في مَرضهِ، وعليهِ إنِ احتاجَ إلى ذلكَ جازَ لهُ النكاحُ وإنْ مَنَعَهُ الوارثُ منهُ.
ويلحَقُ بالمريضِ في ذلكَ كلُّ مَحجورٍ مِنْ حاضِرِ صَفِّ القتالِ ومُقرَّبٍ لقَطعٍ ومَحبوسٍ لقَتلٍ وحامِلِ سِتَّةٍ بأنْ يكونَ زَوجُها طلَّقَها بائنًا دونَ الثَّلاثِ وأرادَ أنْ يَعقدَ عليها بعدَ مُضيِّ سِتةِ أشهُرٍ فأكثَرَ مِنْ حَملِها، فإنه لا يَجوزُ له ذلكَ ولا لها؛ لأنها مَحجورٌ عليها في تلكَ الحالةِ.
وللمَريضةِ التي فُسخَ نكاحُها بعدَ الدُّخولِ المسمَّى، فإذا تزوَّجَتْ حالَ مَرضِها ودخَلَ بها الزوجُ فإنه يُقضَى لها مِنْ رأسِ مالِه بالمسمَّى، قَلَّ أو كَثُرَ
стр. 9174
وإنْ حَرُمَ، ومثلُ الدُّخولِ موتُه، فيُقضَى لها به مِنْ رأسِ مالِه، أو مَوتُها قبْلَه وقبْلَ الفَسخِ، ولا ميراثَ لمَن بقيَ حيًّا بعدَ موتِ صاحبِه.
وإذا تزوَّجَ المريضُ مَرضًا مَخوفًا في مَرضِه ودخَلَ ولم يُفسَخِ النِّكاحُ فتارَةً يَموتُ فيكونُ عليه مِنْ ثُلثِ مالِه الأقلُّ مِن المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ، فإنْ كانَ الثَّلثُ أقلَّ منهُما أخَذَتْه فقطْ، فتَحصَّلَ مِنْ ذلكَ أنَّ عليه الأقلَّ مِنْ الثلاثةِ أشياءَ: الثَّلثِ والمُسمَّى وصَداقِ المثلِ.
وتارةً يَصحُّ مِنْ المَرضِ فلا يُفسخُ النكاحُ، فتأخُذُ المسمَّى مِنْ رأسِ مالِه.
ومتَى عُثرَ عليه فُسِخَ ولو بعدَ البناءِ ولو حائِضًا، فإنْ فُسخَ قبلَ الدخولِ فلا شيءَ عليهِ، إلا أنْ يَصحَّ المَريضُ فلا يُفسَخُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ نكاحُ المَريضِ ولو كانَ مرَضَ الموتِ، إلا أنه لا تَصحُّ الزيادةُ عن مَهرِ المثلِ، ومَهرُها دَينٌ مِنْ جميعِ المالِ كسائرِ الديونِ.
وهكذا المَريضةُ إذا نكَحَتْ رجلًا صَحيحًا صَحَّ نكاحُها ووَرثَها الزوجُ، وعليهِ صَداقُها إنْ كانَ مهرَ المثلِ فما زادَ، فإنْ نكَحَتْه بأقلَّ مِنْ صَداقِ مثلِها بالمُحاباةِ فالنُّقصانُ وَصيةٌ له، فتُردُّ إنْ كانَ وارِثًا، وتَمضِي في الثلثِ إنْ كانَ الزَّوجُ غيرَ وارثٍ.
стр. 9175
والدليلُ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يُفرِّقْ بينَ صَحيحٍ ومَريضٍ، ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ ﵁ أنه قالَ في مرَضِه: «زوِّجُوني لِئلَّا ألقَى اللهَ عَزْبًا»، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «لو لم يَبْقَ مِنْ أجَلِي إلا عَشرةُ أيامٍ ما أحبَبْتُ إلا أنْ تكونَ لي زَوجةٌ»، ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه أنَّ الزُّبيرَ ﵁ دخَلَ على قُدامةَ يَعودُه فبَصرَ عندَه بجاريةٍ، فقالَ قُدامةُ: زوِّجْنِي بها، فقالَ: ما تَصنعُ بها وأنتَ على هذهِ الحالةِ؟ فقالَ: إنْ أنا عِشْتُ نسَبْتُ الزُّبيرَ، وإنْ متُّ فهُمْ أحَقُّ مَنْ يَرثنِي».
ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يُمنَعْ مِنْ التَّسرِّي بالإماءِ لم يُمنَعْ مِنْ نكاحِ الحَرائرِ كالصَّحيحِ، ولأنه فِراشٌ لا يُمنَعُ منه الصحيحِ، فوجَبَ ألا يُمنعَ منه المَريضُ كالاستِمتاعِ بالإماءِ، ولأنه عقدٌ، فلمْ يَمنعْ منه المرضُ كالبيعِ والشراءِ، ولأنه لا يَخلُو عقدُه مِنْ أنْ يكونَ لحاجةٍ أو لِشهوةٍ، فإنْ كانَ لحاجةٍ لم يَجُزْ منعُه، وإنْ كانَ لشهوةٍ فهي مُباحةٌ له كما أُبيحَ له أنْ يَلتزمَ بما شاءَ مِنْ أكلٍ أو لبسٍ.
فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بالتُّهمةِ ودُخولِ الضَّررِ فهو أنَّ التُّهمةَ تَبعُدُ عمَّن هو في مَرضِ موتِه؛ لأنه في الأغلبِ يَقصدُ وجْهَ اللهِ ، والضررُ لا يَمنعُ مِنْ جوازِ العُقودِ كالبيعِ، ولأنه إنْ كانَ ضَررًا لوَرثتِه فهو مَنفعةٌ لنَفسِه، وهو أحَقُّ بمَنفعةِ نَفسِه مِنْ منفعةِ وَرثتِه.
فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ فيه مُزاحَمةً لبعضِ الوَرثةِ ودفْعًا
стр. 9176
لبَعضِهم فهو أنَّ ما لم تَمنعِ الصِّحةُ منه لم يَمنعِ المرضُ منه كالإقرارِ بوارثٍ وكالاستِيلاءِ للأمَةِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ويَجوزُ للمريضِ أنْ يَنْكِحَ جَميعَ ما أحَلَّ اللهُ تعالَى أربعًا وما دُونَهنَّ كما يَجوزُ له أنْ يَشتري، فإذا أصَدَقَ كلَّ واحدةٍ مِنهنَّ صداقَ مثلِها جازَ لها مِنْ جَميعِ المالِ، وأيتهنَّ زادَ على صَداقِ مثلِها فالزيادةُ مُحاباةٌ، فإنْ صَحَّ قبلَ أنْ يموتَ جازَ لها مِنْ جَميعِ المالِ، وإنْ ماتَ قبلَ أنْ يصحَّ بَطلَتْ عنها الزِّيادةُ على صَداقِ مِثلِها وثبَتَ النكاحُ وكانَ لها الميراثُ …
ولو نكَحَ المريضُ فزادَ المَنكوحةَ على صَداقِ مثلِها ثمَّ صحَّ ثمَّ ماتَ جازَتْ لها الزيادةُ؛ لأنهُ قد صَحَّ قبلَ أنْ يموتَ فكانَ كمَنِ ابتَدأَ نكاحًا وهوَ صحيحٌ، ولو كانتِ المسألةُ بحالِها ثُمَّ لم يَصحَّ حتى ماتَتِ المَنكوحةُ فصارَتْ غيرَ وارثٍ كانَ لها جَميعُ ما أصدَقَها صَداقُ مثلِها مِنْ رأسِ المالِ والزِّيادةُ مِنَ الثلُثِ، كما يكونُ ما وهَبَ لأجنَبيةٍ فقَبضَتْه مِنَ الثُّلثِ، فما زادَ مِنْ صَداقِ المرأةِ على الثُلثِ إذا ماتَتْ مِثلُ المَوهوبِ المَقبوضِ.
(قالَ الشافِعيُّ): ولو كانَتِ المَسألةُ بحالها والمُتزوجةُ ممَّن لا تَرثُ بأنْ تكونَ ذمِّيةً ثم ماتَ وهيَ عندَه جازَ لها جَميعُ الصداقِ صَداقُ مثلِها مِنْ جميعِ المالِ والزيادةُ على صَداقِ مثلِها مِنَ الثلثِ؛ لأنها غيرُ وارثٍ، ولو أسلَمَتْ فصارَتْ وارثًا بطَلَ عنها ما زادَ على صداقِ مثلِها.
стр. 9177
(قالَ الشافِعيُّ): ولو نكَحَ المريضُ امرأةً نكاحًا فاسِدًا ثمَّ ماتَ لم تَرثْه ولم يَكنْ لها مَهرٌ إنْ لم يَكنْ أصابَها، فإنَ كانَ أصابَها فلها مَهرُ مثلِها كانَ أقلَّ مما سمَّى لها أو أكثَرَ (١).
وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن مَريضٍ تزوَّجَ في مرضِهِ فهلْ يَصحُّ العقدُ؟
فأجابَ: نكاحُ المريضِ صَحيحٌ تَرثُ المرأةُ في قولِ جَماهيرِ عُلماءِ المسلمِينَ مِنَ الصحابةِ والتابعِينَ، ولا تَستحقُّ إلا مهْرَ المثلِ، لا تَستحقُّ الزيادةَ على ذلكَ بالاتِّفاقِ (٢).
وقالَ أبو بَكرٍ ابنُ المُنذِرِ ﵀: بابُ نكاحِ المَريضِ:
أباحَ اللهُ النكاحَ في كتابِه وندَبَ إليهِ، والنِّكاحُ مَندوبٌ إليهِ، والمَريضُ غيرُ مَمنوعٍ منهُ.
وممَّن روينَا إباحةَ ذلكَ عنهُ الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ وقُدامةُ بنُ مَظعونٍ وعبدُ الملكِ بنُ مَروانَ والحسَنُ البَصريُّ والشعبيُّ والنخَعيُّ، وبهِ قالَ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وأصحابُ الرأيِ، وهوَ مذهبُ الشافِعيِّ.
стр. 9178
وفيهِ قولٌ ثانٍ: وهو أنَّ مَنْ نكَحَ وهو مَريضٌ لا تَرِثُه إذا فعَلَ ذلك ضِرارًا، هذا قولُ الزُّهريِّ، وبه قالَ مالِكٌ، وقالَ القاسِمُ وسالمٌ: إنْ كان فعَلَ ذلك ضِرارًا مُضارًّا لم يَجُزْ، فإنْ لم يَكنْ مُضارًّا جازَ.
وقالَ مالكٌ: إنْ لم يَدخلْ بها فُرِّقَ بينَهُما ولا مهْرَ لها، فإنْ دخَلَ بها فلها مَهرُها؛ لِمَا استَحلَّ مِنْ فرْجِها، يُبدأُ به قبلَ الوَصايا والعتقِ.
وقالَ قتادةُ: إنْ كانَ تَزوجَها مِنْ حاجةٍ به إليها مِنْ خِدمةٍ أو قيامٍ فإنها تَرِثُه (١).
وأمَّا الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ فمالَ إلى اعتبارِ المَصلحةِ في ذلكَ، فإنْ دلَّتِ الدلائلُ على أنَّه قصَدَ بالنكاحِ خَيرًا لا يُمنَعُ النكاحَ، وإنْ دلَّتْ على أنه قصَدَ الإضرارَ بورثتِهِ مُنِعَ، كما في أشياءَ مِنَ الصنائعِ، فقالَ ﵀: اختَلفُوا في نكاحِ المَريضِ، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: يَجوزُ، وقالَ مالكٌ في المَشهورِ عنهُ: إنهُ لا يجوزُ، ويَتخرَّجُ ذلكَ مِنْ قولِه أنه يُفرَّقُ بينَهما وإنْ صحَّ، ويَتخرَّجُ مِنْ قولِه أيضًا أنهُ لا يُفرَّقُ بينَهما أنَّ التفريقَ مُستحبٌّ غيرُ واجبٍ.
وسببُ اختلافِهم: تَردُّدُ النكاحِ بينَ البيعِ وبينَ الهبةِ؛ وذلكَ أنهُ لا تجوزُ هبةُ المَريضِ إلا مِنَ الثلثِ ويجَوزُ بيعُه.
ولاختِلافِهم أيضًا سَببٌ آخَرُ وهوَ: هل يُتَّهمُ على إضرارِ الورثةِ بإدخالِ وارثٍ زائدٍ أو لا يُتَّهمُ؟
стр. 9179
وقياسُ النكاحِ على الهِبةِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنهمُ اتَّفقُوا على أنَّ الهبةَ تجوزُ إذا حَمَلَها الثلثُ، ولم يَعتبِروا بالنكاحِ هُنا بالثلثِ، ورَدُّ جَوازِ النكاحِ بإدخالِ وارثٍ قِياسٌ مَصلحيٌّ لا يَجوزُ عندَ أكثرِ الفُقهاءِ، وكونُه يُوجِبُ مَصالحَ لم يَعتبِرْها الشرعُ إلا في جِنسٍ بَعيدٍ مِنَ الجنسِ الذي يُرامُ فيه إثباتُ الحُكمِ بالمَصلحةِ، حتى أنَّ قومًا رأَوا القولَ بهذا القولِ شَرعٌ زائدٌ، وإعمالُ هذا القياسِ يُوهِنُ ما في الشَّرعِ مِنَ التوقيفِ، وأنه لا تَجوزُ الزيادةُ فيه كما لا يَجوزُ النقصانُ.
والتوقفُ أيضًا عنِ اعتِبارِ المَصالحِ تَطرقٌ للناسِ أنْ يَتسرَّعُوا لعدَمِ السُّننِ التي في ذلك الجِنسِ إلى الظلمِ، فلْنُفوِّضْ أمثالَ هذهِ المَصالحِ إلى العلماءِ بحِكمةِ الشرائعِ الفُضلاءِ الذينَ لا يُتَّهمُونَ بالحكمِ بها، وبخاصةٍ إذا فُهمَ مِنْ أهلِ ذلكَ الزمانِ أنَّ في الاشتغالِ بظواهرِ الشرائعِ تطرُّقًا إلى الظُّلمِ، ووجهُ عَملِ الفاضلِ العالمِ في ذلكَ أنْ يَنظرَ إلى شَواهدِ الحالِ، فإنْ دلَّتِ الدلائلُ على أنَّه قصَدَ بالنكاحِ خَيرًا لا يُمنَعُ النكاحَ، وإنْ دلَّتْ على أنهُ قصَدَ الإضرارَ بورثتِهِ مُنعَ مِنْ ذلكَ، كما في أشياءَ كَثيرةٍ مِنَ الصنائعِ يَعرِضُ فيها للصنَّاعِ الشيءُ وضِدُّه ممَّا اكتَسبُوا مِنْ قُوةِ مِهنَتِهم، إذ لا يُمكنُ أنْ يُحَدَّ في ذلك حَدٌّ مُؤقتٌ صِناعيٌّ، وهذا كثيرًا ما يَعرِضُ في صِناعةِ الطبِّ وغيرِها مِنَ الصنائعِ المُختلِفةِ (١).
стр. 9180
ثامنًا: نِكاحُ السِّرِّ:
لا خلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلمِينَ أنَّ نكاحَ السرِّ مَنهيٌّ عنهُ.
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ ﵀: النكاحُ عَقدٌ يَفتقرُ إلى إعلانٍ لا خِلافَ فيهِ، ونكاحُ السِّرِّ مَمنوعٌ لا خلافَ فيه (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا يَجوزُ نِكاحُ السرِّ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا نِكاحُ السرِّ الذي يَتواصونَ بكتمانِه ولا يُشهدونَ عليه أحَدًا فهوَ باطِلٌ عندَ عامةِ العُلماءِ، وهوَ مِنْ جنسِ السِّفاحِ (٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو حضَرَ النكاحَ شاهِدانِ؛ هل يُعتبَرُ نِكاحَ سرٍّ؟ أم لا بدَّ مِنَ الإعلانِ وعَدمِ الكِتمانِ أو التواصي بكِتمانِهِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ كلَّ نِكاحٍ حضَرَه رَجُلانِ عَدلانِ خرَجَ عن حَدِّ السرِ ولو تَواصَوا بكِتمانِه، والإعلانُ المَأمورُ بهِ إنما هوَ الإشهادُ؛ لأنهُ بحُضورِ الشاهدَينِ يَحصلُ الإعلانُ ويَخرجُ مِنْ أنْ يَكونَ سِرًّا، ولأنه لم يَصحَّ قَطُّ نهيٌّ عن نكاحِ السرِّ إذا شَهِدَ عليه عَدلانِ، ولأنَّ النكاحَ الذي يَحضرُه الناكِحُ والمُنكِحُ والمُنكَحةُ والشاهِدانِ ليسَ بسِرٍّ، قالَ الشاعِرُ:
стр. 9181
أَلَا كلُّ سِرٍّ جاوَزَ اثنَينِ شائعُ … .........................................
وقالَ غيرُه:
السرُّ يَكتمُهُ الاثنانِ بينَهُما … وكلُّ سِرٍّ عدَا الاثنَينِ مُنتشِرُ
فنِكاحُ السِّرِّ ما لم يَحضرْه شاهِدانِ، فأمَّا ما حضَرَه شاهِدانِ فهو نِكاحُ عَلانيَةٍ لا نِكاحُ سِرٍّ؛ إذِ السرُّ إذا جاوَزَ اثنَينِ خرَجَ مِنْ أنْ يكونَ سرًّا، وكذلكَ قولُه ﷺ : «أعلِنُوا النكاحَ»؛ لأنهُما إذا أحضَراهُ شاهدَينِ فقدْ أعلَناهُ، وقولُه ﷺ : «ولو بالدُّفِّ»، نَدبٌ إلى زيادةِ إعلانِه، وهو مَندوبٌ إليهِ (١).
وجاءَ في مُوطَّأِ الإمامِ مالكٍ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحسَنِ الشَّيبانِيِّ ﵀: (باب نِكاح السِّرِّ):
٥٣٣ - أخبَرَنا مالكٌ عن أبِي الزُّبيرِ: «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ في نِكاحٍ لم يَشهَدْ عليهِ إلا رَجلٌ وامرَأةٌ، فقالَ عُمرُ: هذا نكاحُ السِّرِّ ولا نُجيزُه، ولو كُنْتُ تقدَّمْتُ فيه لَرَجمْتُ».
قالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: وبهذا نأخُذُ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَجوزُ في أقَلَّ مِنْ شاهدَينِ، وإنما شَهِدَ على هذا الذي رَدَّه عُمرُ رَجلٌ وامرَأةٌ، فهذا نِكاحُ السِّرِّ؛ لأنَّ الشهادةَ لم تَكملْ، ولو كَمُلَتِ الشهادةُ برَجلَينِ أو رَجلٍ وامرَأتينِ
стр. 9182
كانَ نكاحًا جائِزًا وإنْ كانَ سِرًّا، وإنما يُفسِدُ نكاحَ السِّرِّ أنْ يكونَ بغيرِ شُهودٍ، فأما إذا كَمُلَتْ فيه الشهادةُ فهو نكاحُ العَلانيةِ وإنْ كانوا أسَرُّوهُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ عقَدَه بوَليٍّ وشاهدَينِ فأسَرُّوهُ أو تَواصَوا بكِتمانِه كُرهَ ذلكَ وصَحَّ النكاحُ، وبه يَقولُ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ وابنُ المُنذِرِ.
وممَّن كَرِهَ نكاحَ السِّرِّ عُمرُ ﵁ وعُروةُ وعَبدُ اللهِ بنُ عُبيدِ اللهِ بنِ عُتبةَ والشَّعبيُّ ونافعٌ مولَى ابنِ عُمرَ.
وقالَ أبو بَكرٍ عبدُ العَزيزِ: النكاحُ باطلٌ؛ لأنَّ أحمَدَ قالَ إذا تزوَّجَ بوَليٍّ وشاهدَينِ: لا، حتَّى يُعلِنَه، وهذا مَذهبُ مالكٍ.
ولنا: قَولُه: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ»، مَفهومُه انعِقادُه بذلكَ وإنْ لم يُوجَدِ الإظهارُ، ولأنه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فلمْ يُشترطْ إظهارُه كالبيعِ، وأخبارُ الإعلانِ يُرادُ بها الاستحبابُ، بدليلِ أمرِه فيها بالضَّربِ بالدُّفِ والصَّوتِ، وليسَ ذلكَ بواجِبٍ، فكذلكَ ما عُطِفَ عليهِ، وقولُ أحمَدَ: «لا» نهيُ كَراهةٍ؛ فإنه قد صرَّحَ فيما حَكيْنا عنه قبلَ هذا باستِحبابِ ذلكَ، ولأنَّ إعلانَ النكاحِ والضربَ فيه بالدُّفِ إنما يكونُ في الغالِبِ بعدَ عقدِه، ولو كانَ شرطًا لاعتُبِرَ حالةَ العقدِ كسائرِ الشُّروطِ (٢).
стр. 9183
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ولا يَبطلُ النكاحُ بالتَّواصِي بكِتمانِه؛ لأنه لا يكونُ مع الشَّهادةِ عليهِ مَكتومًا، فإنْ كتَمَه الزَّوجانِ والوليُّ والشهودُ قَصدًا صَحَّ العقدُ وكُرِهَ كِتمانُهم له؛ لأنَّ السُّنةَ إعلانُ النكاحِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ النكاحَ المُوصَى بكتمانِه يُبطِلُ العقدَ.
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: نكاحُ السِّرِّ عندَ مالكٍ وأصحابِه أنْ يُستكتمَ الشُّهودُ، أو يكونَ عليهِ مِنْ الشُّهودِ رَجلٌ وامرأتانِ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يُقصدُ به إلى التستُّرِ وتَركِ الإعلانِ.
ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالِكٍ قالَ: لو تزوَّجَ ببيِّنةٍ وأمَرَهم أنْ يَكتمُوا ذلكَ لم يَجُزِ النكاحُ، وإنْ تزوَّجَ بغيرِ بيِّنةٍ على غيرِ استِسرارٍ جازَ واستَشهدَا فيما يَستقبلانِ.
وروى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ في الرَّجلِ يتزوَّجُ المرأةَ بشَهادةِ رجلَينِ ويَستكتِمُها قالَ: يُفرَّقُ بينَهُما بتَطليقةٍ ولا يَجوزُ النكاحُ، ولها صَداقُها إنْ كانَ أصابَها، ولا يُعاقَبُ الشاهِدانِ إنْ كانَا جَهلَا ذلكَ، وإنْ كانَا أتَيَا ذلكَ بمَعرفةِ أنَّ ذلكَ لا يَصلحُ عُوقِبَا.
وقالَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهما: إذا تزوَّجَها بشاهدَينِ وقالَ لهُمَا: «اكتُمَا» جازَ النكاحُ، وهو قَولُ يحيَى بنِ يحيَى صاحِبِنا، قالَ: كلُّ نكاحٍ شَهِدَ عليه رَجلانِ فقدْ خرَجَ مِنْ حَدِّ السرِّ، وأظُنُّه حكاهُ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ.
стр. 9184
والسرُّ عندَ الشافعيِّ والكوفيِّينَ ومَن تابَعَهم: كُلُّ نكاحٍ لم يَشهدْ عليهِ رَجلانِ فصاعِدًا، ويُفسَخُ على كلِّ حالٍ (١).
وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: التَّراضِي بكِتمانِ النكاحِ يُبطِلُ العقدَ، خِلافًا لأبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لقولِه ﷺ : «أَعلِنُوا النِّكاحَ، واضرِبُوا عليه بالغِرْبالِ» (٢)، ورُويَ «أنه ﷺ نهَى عن نِكاحِ السرِّ» (٣)، ولأنَّ الزِّنا لمَّا كانَ يقَعُ مُستسَرًّا مُكتتَمًا وجَبَ أنْ يقَعَ النكاحُ على خِلافِه، وإلَّا كانَ ذَريعةً إلى إباحتِه؛ لأنَّ كلَّ مَنْ وُجِدَ مع امرأةٍ ادَّعَى أنها زوْجَتُه وأنَّ شُهودَه غُيَّبٌ، فوجَبَ حسمُ البابِ فيه.
ولأنَّ في إظهارِه حِفظًا للأنسابِ واحتِياطًا مِنْ جَحدِها؛ لأنَّ الزوجَ قد يُنْكِرُ النكاحَ وتكونُ المَرأةُ حامِلًا، فلا يكونُ لها سَبيلٌ إلى إثباتِه، فيُؤدِّي إلى إضاعةِ النَّسبِ، فإذا كانَ هُناكَ إشهادٌ وإعلانٌ لم يُمكِنْه ذلكَ (٤).
стр. 9185
وقالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ ﵀: النكاحُ عَقدٌ يَفتقرُ إلى إعلانٍ لا خِلافَ فيهِ، ونكاحُ السرِّ مَمنوعٌ لا خِلافَ فيهِ.
واختُلفَ في كَيفيتِه، فقالَ الشافِعيُّ: كلُّ نكاحٍ حضَرَهُ رَجلانِ عَدلانِ خرَجَ عن حدِّ السرِّ وإنْ تَواصَوا بكِتمانِهِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا حضَرَه رَجلانِ كانَا عدلَينِ أو مَحدودَينِ أو رَجلٌ وامرأتانِ فقد خرَجَ عن حدِّ السرِّ ولو تَواصَوا بكِتمانِهِ، وذهَبُوا إلى أنَّ الإعلانَ المَأمورَ به هو الإشهادُ.
وقالَ أصحابُنا مِنْ غيرِ خِلافٍ: إنَّ نكاحَ السرِّ أنْ يَتواصَوا مع الشُّهودِ العدولِ على الكِتمانِ، ولا يَجوزُ ذلكَ، ولو تزوَّجَ بغير بيِّنةٍ بغيرِ استِبراءٍ جازَ وأَشهَدَ فيما يَستقبلانِ؛ إذِ الشهادةُ ليسَتْ مِنْ فرائضِ النكاحِ ولا شُروطِه، وإنَّما الفرضُ الإعلانُ، وإنما الإشهادُ لرَفعِ الخلافِ المُتوقَّعِ مِنَ المُتعاقدينَ، وعلى هذا جرَتْ أنكِحةُ الصحابةِ، ما كانَتْ قطُّ بشَهادةٍ، وإنما كانوا يُعلِنونَ لأمْنِهمُ التداورَ بينَهُم (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: باب نِكاح السرِّ.
قالَ أبو بكرٍ: أحَلَّ اللهُ النكاحَ وحرَّمَ الزِّنا، وجاءَ الحَديثُ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «أَعلِنُوا النكاحَ» (٢)، وممَّن روينَا عنه أنه كَرِهَ
стр. 9186
نكاحَ السرِّ عمرُ بنُ الخطَّابِ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ والشعبيُّ ونافِعٌ مولَى ابنِ عُمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عُتبةَ.
واختَلفُوا في النكاحِ يُعقَدُ ببيِّنةٍ عادِلةٍ سرًّا، فقالَ مالِكٌ: يُفرَّقُ بينَهُما، ويَجوزُ إنْ لم يَحضرْه شُهودٌ إذا أعلَنوهُ.
وفي قَولِ الشافعيِّ: النكاحُ جائِزٌ، ولا يكونُ ذلكَ نِكاحَ السرِّ.
وقالَ النُّعمانُ في نكاحِ السرِّ: لا يُفرَّقُ بينَهما.
قالَ أبو بكرٍ: النكاحُ جائزٌ إذا عُقِدَ بما يُعقَدُ به النكاحُ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا يَجوزُ نِكاحُ السِّرِّ.
واختَلفُوا إذا أشهَدَ شاهدَينِ ووَصيًّا بالكِتمانِ، هل هو سِرٌّ أو ليسَ بسِرٍّ؟
فقالَ مالِكٌ: هو سِرٌّ ويُفسَخُ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: ليسَ بسِرٍّ.
وسَببُ اختِلافِهم: هل الشَّهادةُ في ذلكَ حُكمٌ شَرعيٌّ؟ أم إنَّما المَقصودُ منها سَدُّ ذريعةِ الاختِلافِ أو الإنكارِ؟ فمَن قالَ: «حُكمٌ شَرعيٌّ» قالَ: هي شَرطٌ مِنْ شُروطِ الصِّحةِ، ومَن قالَ: «توثُّقٌ» قالَ: مِنْ شُروطِ التَّمامِ.
والأصلُ في هذا ما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «لا نِكاحَ إلَّا بشاهِدَي عَدلٍ ووَليٍّ مُرشِدٍ»، ولا مُخالِفَ له مِنْ الصَّحابةِ، وكثيرٌ مِنْ الناسِ رَأى هذا داخِلًا في بابِ الإجماعِ، وهو ضَعيفٌ، وهذا الحَديثُ قد رُويَ مَرفوعًا، ذكَرَه الدَّارقطنيُّ وذكَرَ أنَّ في سَندِه مَجاهيلَ.
стр. 9187
وأبو حَنيفةَ يَنعقدُ النكاحُ عندَه بشَهادةِ فاسِقَينِ؛ لأنَّ المَقصودَ عندَه بالشهادةِ هو الإعلانُ فقطْ، والشافعيُّ يَرَى أنَّ الشهادةَ تَتضمَّنُ المَعنيَينِ، أعني: الإعلانَ والقَبولَ، ولذلكَ اشتَرطَ فيها العَدالةَ، وأمَّا مالكٌ فليسَ تَتضمَّنُ عندَه الإعلانَ إذا وُصِّيَ الشاهِدانِ بالكِتمانِ.
وسَببُ اختِلافِهم: هل ما تقَعُ فيه الشَّهادةُ يَنطلقُ عليهِ اسمُ السرِّ أم لا؟ والأصلُ في اشتِراطِ الإعلانِ قَولُ النبيِّ ﵊ «أَعلِنُوا هذا النكاحَ، واضرِبُوا عليهِ بالدُّفوفُ» خرَّجَه أبو داودَ، وقالَ عُمرُ فيه: «هذا نكاحُ السرِّ، ولو تَقدَّمتُ فيه لَرجَمْتُ» (١).
وقالَ الدِّرديرُ ﵀: (وفُسخَ) نِكاحٌ (مُوصًى) بكَتمِه عن امرأةِ الزَّوجِ حالةَ العَقدِ أو قبْلَه، والمُوصِي -بالكَسرِ- هو الزَّوجُ وحْدَه أو معَ زَوجتِه الجديدةِ، والمُوصَى -بالفتحِ- هم الشُّهودُ خاصَّةً، فقَولُه: (وإنْ بكَتمِ شُهودٍ) الواو للحالِ وإنْ زائِدةٌ، فلو حذَفَهما كانَ أخصَرَ وأوضَحَ؛ لأنَّ نكاحَ السرِّ هو ما أوصَى فيه الزَّوجُ الشُّهودَ بكَتمِه عن زَوجتِه أو عن جَماعةٍ ولو أهلَ مَنزلٍ كما يأتي إذا لم يَكنِ الكَتمُ خوفًا مِنْ ظالمٍ أو نحوِه، وأمَّا إيصاءُ الوَليِّ فقطْ أو الزَّوجةِ فقط أو هُمَا الشُّهودَ دونَ الزوجِ أو اتَّفقَ الزَّوجانِ والوليُّ على الكتمِ دونَ إيصاءِ الشهودِ لم يَضُرَّ، وكذا إذا حصَلَ الإيصاءُ بكَتمِ الشهودِ بعدَ العقدِ، وأُجيبَ بأنَّ مَصَبَّ المُبالَغةِ قولُه: (عنِ امرأةٍ) للزَّوجِ مُتعلِّقٌ بكَتمٍ، وظاهِرُه ولو مع إظهارِه لامرأةٍ أخرَى، وهو ظاهِرُ غيرِه
стр. 9188
أيضًا، (أو) مُوصًى بكَتمِه عن أهلِ (مَنزلٍ) دونَ غيرِهم، (أو) بكَتمِه مدَّةَ (أيامٍ) معيَّنةٍ، اللَّخميُّ: اليومَانِ كالأيامِ، وظاهرُ كَلامِ المصنِّفِ أنَّ كلامَ اللخميِّ مُقابلٌ، ومَحلُّ الفَسخِ (إنْ لم يَدخلْ ويطلْ) أي: إنِ انتَفيَا معًا بأنْ لم يَدخلْ أو دخَلَ ولم يطلْ، فإنْ دخلَ وطالَ لم يُفسَخْ، واستُظهِرَ أنَّ الطولَ هُنا بالعُرفِ لا بوِلادةِ الأولادِ، وهو ما يَحصلُ فيه الظُّهورُ والاشتِهارُ عادةً، (وعُوقِبَا) أي: الزَّوجانِ إنْ دَخلَا ولم يُعذَرَا بجَهلٍ ولم يَكونَا مَجبورَينِ، وإلَّا فوَليُّهما، (و) عُوقِبَ (الشهودُ) كذلكَ (١).
نِكاحُ ابنَتِه منَ الزِّنا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في نكاحِ الرَّجلِ إذا زنَى بامرأةٍ فحمَلَتْ منهُ بابنةٍ، فهلْ تَحرمُ عليهِ هذهِ الابنةُ كما يَحرمُ عليهِ مِنْ بناتِهِ مَنْ ثبَتَ نسَبُها منهُ؟ أمْ لا تَحرمُ عليهِ ويَجوزُ لهُ أنْ يتزوَّجَها؟
بعدَ إجماعِهِم على أنَّهُ لا يَثبتُ نَسبُها مِنَ الزاني ولا يَتوارثانِ.
وبعدَ إجماعِهم على أنَّهُ يَحرمُ على المرأةِ أنْ تتزوَّجَ ابنَها مِنَ الزنا، وأنهُ يَرِثُها وتَرِثُه بالإجماعِ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في وجهٍ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا زَنَى بامرأةٍ -والعِياذُ باللهِ- فحمَلَتْ منهُ ببنتٍ فإنَّ هذهِ البنتَ محرَّمةٌ عليهِ كما يَحرمُ عليهِ مِنْ بناته مَنْ ثبَتَ نَسبُها منهُ، ولأنَّ الجَميعَ خُلِقْنَ مِنْ مائِهِ، فهيَ بنتٌ أو كالبنتِ، فتَحرمُ عليهِ وعلى أصولِه وفروعهِ لا رَبيبةً، ومثلُ البنتِ الابنُ المَخلوقُ مِنْ مائِه، فيَحرمُ على صاحبِ الماءِ تزوُّجُ بنتِهِ، ولأنها لو كانَتْ بنتًا لَوَرثتْهُ ووَرثَها وجازَ لهُ الخَلوةُ بها وإجبارُها على النكاحِ، وذلكَ كلُّه مُنتفٍ.
стр. 9195
وكذا تَحرمُ مَنْ شَربَتْ مِنْ لَبَنِ امرأةٍ زنَى بها إنسانٌ، فتَحرمُ تلكَ البنتُ على ذلكَ الزاني الذي شَربَتْ مِنْ مائِه، فكَما لا تَحِلُّ له ابنتُه مِنَ الزنا كذلكَ لا يَحِلُّ لهُ نكاحُ مَنْ أرضَعَتْها المَزنِيُّ بها مِنْ ذلكَ الوطءِ؛ لأنَّ اللبنَ لَبنُه والولدَ ولدُهُ وإنْ لم يَلحقْ به.
ولأنَّ اللهَ قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وهذهِ ابنتُهُ دخَلَتْ في عمومِ الآيةِ، فإنها أنثَى مَخلوقةٌ مِنْ مائِه، هذه حَقيقةٌ لا تَختلفُ بالحِلِّ والحرمَةِ، فحَرُمَتْ عليه كتَحريمِ الزانيةِ على ولَدِها مِنَ الزنا.
ولأنَّا نَقولُ: بنتُ الإنسانِ اسمٌ لأنثَى مَخلوقةٌ مِنْ مائِه حَقيقةً، والكَلامُ فيه، فكانَتْ بنتَهُ حَقيقةً، إلا أنَّه لا تَجوزُ الإضافةُ شَرعًا إليهِ؛ لِمَا فيه مِنْ إشاعةِ الفاحِشةِ، وهذا لا يَنفِي النِّسبةَ الحقيقيةَ؛ لأنَّ الحَقائقَ لا مَرَدَّ لها، وهكذا نَقولُ في الإرثِ والنفقةِ أنَّ النسبةَ الحقيقيةَ ثابتةٌ، إلَّا أنَّ الشرعَ اعتبَرَ هناكَ ثُبوتَ النسبِ شرعًا لجَريانِ الإرثِ والنفقةِ لمعنًى، ومَنِ ادَّعى ذلكَ ههُنا فعَليهِ البيانُ.
ويَدلُّ على ذلكَ ما رواهُ الشَّيخانِ عنِ ابن عبَّاسٍ «أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بن سَحماءَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : أَبصِرُوهَا فإنْ جاءَتْ بهِ -أي وَلَدها- أبيَضَ سبطًا قَضِيءَ العَينَينِ فهو لهِلالِ بنِ أُميَّةَ، وإنْ جاءَتْ بهِ أكحَلَ العَينَينِ سابِغَ الإليتَينِ خَدَلَّجَ السَّاقَينِ فهو لشَريكِ بنِ سَحْماءَ -يعنِي الزَّاني-، فجاءَتْ بهِ كذلكَ،
стр. 9196
فقالَ النبيُّ ﷺ : لولا ما مضَى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولَهَا شأْنٌ» (١).
ولأنها مَخلوقةٌ مِنْ مائِه، وهذه حَقيقةٌ لا تَختلفُ بالحِلِّ والحُرمةِ، فأشبَهَتِ المَخلوقةَ مِنْ وطءٍ بشُبهةٍ، ولأنها بِضعةٌ منه، فلمْ تَحِلَّ له كابنتِه مِنَ النكاحِ، وتخلُّفُ بعضِ الأحكامِ لا يَنفِي كونَها بِنتًا، كما لو تَخلَّفَ لرِقٍّ أو اختِلاف دِينٍ.
وروَى عبدُ الرزاقِ عن ابن جُرَيجٍ قالَ: أُخبِرتُ عن أبي بَكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ ابنِ أُمِّ الحَكمِ قالَ: قالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ زَنَيْتُ بامرَأةٍ في الجاهِليَّةِ أفأَنكِحُ ابنَتَها؟ قالَ: «لا أَرَى ذلكَ، ولا يَصلُحُ لكَ أنْ تَنْكِحَ امرَأةً تَطَّلِعُ مِنْ ابنَتِها على ما تَطَّلِعُ عليهِ منها» (٢)(٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقد دَلَّ التحريمُ بلَبنِ الفَحلِ على تَحريمِ المَخلوقةِ مِنْ ماءِ الزاني دَلالةَ الأَولى والأَحرى؛ لأنه إذا حَرُمَ عليه أنْ يَنكحَ مَنْ قد تَغذَّتْ بلَبنٍ ثارَ بوطئِه فكَيفَ يَحِلُّ له أنْ يَنكحَ مَنْ قد خُلِقَ
стр. 9197
مِنْ نَفسِ مائِه بوَطئِه؟ وكيفَ يُحرِّمُ الشارعُ بنتَه مِنَ الرَّضاعِ لِمَا فيها مِنْ لَبنٍ كانَ وَطءُ الرَّجلِ سَببًا فيه ثمَّ يُبيحُ له نكاحَ مَنْ خُلِقَتْ بنفسِ وطئِه ومائِه؟ هذا مِنَ المستحيلِ، فإنَّ البَعضيَّةَ التي بينَه وبينَ المَخلوقةِ مِنْ مائِه أكمَلُ وأتَمُّ مِنْ البَعضيةِ التي بينَه وبينَ مَنْ تَغذَّتْ بلبنهِ، فإنَّ بنتَ الرَّضاعِ فيها جزءٌ ما مِنَ البعضيةِ، والمَخلوقةُ مِنْ مائِه كاسمِها مَخلوقةٌ مِنْ مائِه، فنِصفُها أو أكثرُها بَعضُه قطعًا والشَّطرُ الآخَرُ للأمِّ، وهذا قولُ جُمهورِ المسلمِينَ ولا يُعرَفُ في الصحابة مَنْ أباحَها، ونَصَّ الإمامُ أحمدَ ﵀ على أنَّ مَنْ تزوَّجَها قُتِلَ بالسيفِ مُحصَنًا كانَ أو غيرَه، وإذا كانَتْ بنتُه مِنْ الرَّضاعةِ بنتًا في حُكمَينِ فقط: الحُرمةِ والمَحرَميَّةِ، وتخلَّفَ سائرُ أحكامِ البنتِ عنها لم تُخرِجْها عن التحريمِ وتُوجِبَ حِلَّها، فكذا بنتُه مِنْ الزنى تكونُ بنتًا في التَّحريمِ، وتخلُّفُ أحكامِ البنتِ عنها لا يُوجِبُ حِلَّها.
واللهُ سُبحانهُ خاطَبَ العرَبَ بما تَعْقِلُهُ في لُغاتِها، ولَفظُ البنتِ لفظٌ لُغَويٌّ لم يَنقلْهُ الشارعُ عن مَوضعِه الأصليِّ كلفظِ الصَّلاةِ والإيمانِ ونحوِهما، فيُحمَلُ على مَوضوعِهِ اللُّغويِّ حتى يَثبتَ نقْلُ الشارعِ له عنهُ إلى غيرِه، فلفظُ البنتِ كلفظِ الأخِ والعَمِّ والخالِ ألفاظٌ باقيةٌ على مَوضوعاتِها اللُّغويةِ، وقد ثبَتَ في الصحيحِ أنَّ اللهَ تعالى أنطَقَ ابنَ الرَّاعي الزاني بقولِهِ: «أبِي فُلانٌ الرَّاعي»، وهذا الإنطاقُ لا يَحتملُ الكَذبَ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على تحريمِ أمِّه عليهِ، وخَلْقُهُ مِنْ مائِها وماءِ الزاني خلقٌ واحدٌ، وإثمُهما فيه سواءٌ، وكونُه بَعضًا له مثلَ كونِه بعضًا لها، وانقِطاعُ الإرثِ بينَ الزاني والبنتِ لا يُوجِبُ جوازَ نكاحِها.
стр. 9198
ثمَّ مِنَ العجَبِ كيفَ يُحرِّمُ صاحبُ هذا القَولِ أنْ يَستمنيَ الإنسانُ بيدهِ ويقولُ: «هوَ نكاحٌ ليَدِه» ويُجوِّزُ للإنسانِ أنْ يَنكحَ بعضَهُ، ثمَّ يُجوِّزُ له أنْ يَستفرشَ بعضَه الذي خَلَقَهُ اللهُ مِنْ مائِه وأخرَجَهُ مِنْ صُلبِه كما يَستفرشُ الأجنَبيةَ؟ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبَتَ هذا فلا فرْقَ بينَ عِلمِه بكونِها منه مِثلَ أنْ يطَأَ امرأةً في طُهرٍ لم يُصِبْها فيه غيرُهُ ثمَّ يَحفظَها حتى تَضعَ، أو مثلَ أنْ يَشتركَ جماعةٌ في وَطءِ امرأةٍ فتأتي بولدٍ لا يُعلَمُ هل هو منه أو مِنْ غيرِهِ، فإنها تَحرمُ على جَميعِهم؛ لوَجهَينِ:
أحَدُهما: أنها بنتُ مَوطوءَتِهم.
والثاني: أننا نَعلمُ أنها بنتُ بعضِهم، فتَحرمُ على الجميعِ، كما لو زَوَّجَ الوليَّانِ ولم يُعلَمِ السابقُ منهُما، وتَحرمُ على أولادِهم؛ لأنها أختُ بَعضِهم غيرُ مَعلومٍ، فإنْ ألحَقَتْها القافَةُ بأحَدِهم حَلَّتْ لأولادِ الباقِينَ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ ممَّن وَطئَ أمَّها؛ لأنها في معنَى ربيبتِهِ (٢).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ تزوَّجَ ابنتَهُ مِنْ الزنى.
فأجابَ: لا يَجوزُ أنْ يتزوَّجَ بها عندَ جُمهورِ أئمةِ المسلمِينَ، حتَّى أنَّ الإمامَ أحمدَ أنكَرَ أنْ يكونَ في ذلكَ نِزاعٌ بينَ السلفِ وقالَ: مَنْ فعَلَ ذلكَ
стр. 9199
فإنه يُقتَلُ، وقيلَ له عن مالكٍ أنهُ أباحَه فكذَّبَ النَّقلَ عن مالكٍ، وتَحريمُ هذا هو قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه وأحمدَ وأصحابِه ومالكٍ وجُمهورِ أصحابِه، وهو قولُ كثيرٍ مِنْ أصحابِ الشافِعيِّ، وأَنكرَ أنْ يكونَ الشافعيُّ نَصَّ على خِلافِ ذلكَ، وقالُوا: إنما نَصَّ على بنتِهِ مِنَ الرَّضاعِ دونَ الزانيةِ التي زنَى بها، واللهُ أعلَمُ (١).
وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن بنتِ الزنى هل تُزوَّجُ بأبيها؟
فأجابَ: الحمدُ للهِ، مَذهبُ الجُمهورِ مِنَ العُلماءِ أنهُ لا يجوزُ التزويجُ بها، وهوَ الصوابُ المَقطوعُ بهِ، حتى تنازَعَ الجُمهورُ هلْ يُقتَلُ مَنْ فعَلَ ذلك؟ على قولَينِ، والمَنقولُ عن أحمدَ أنه يُقتَلُ مَنْ فعَلَ ذلكَ، فقد يُقالُ: هذا إذا لم يَكنْ مُتأوِّلًا، وأما المتأوِّلُ فلا يُقتَلُ وإنْ كانَ مُخطِئًا، وقد يُقالُ هذا مطلَقًا كما قالَهُ الجمهورُ: إنه يُجلَدُ مَنْ شرِبَ النبيذَ المُختلَفَ فيه متأوِّلًا وإنْ كانَ معَ ذلك لا يَفسقُ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ في إحدى الروايتَينِ، وفسَّقَهُ مالكٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الأخرَى، والصحيحُ أنَّ المتأوِّلَ المَعذورَ لا يَفسقُ، بل ولا يَأثمُ، وأحمدُ لم يَبلغْهُ أنَّ في هذهِ المسألةِ خِلافًا، فإنَّ الخلافَ فيها إنما ظهَرَ في زَمنِه، لم يَظهَرْ في زمنِ السَّلفِ، فلِهذا لم يَعرفْهُ.
والذِينَ سَوَّغوا نكاحَ البنتِ مِنَ الزَّنى حُجَّتُهم في ذلكَ أنْ قالوا: ليسَتْ
стр. 9200
هذه بنتًا في الشرعِ؛ بدَليلِ أنهما لا يَتوارثانِ ولا يَجبُ نفقتُها ولا يَلِي نكاحَها ولا تُعتَقُ عليهِ بالمِلكِ ونحوِ ذلكَ مِنْ أحكامِ النسبِ، وإذا لم تَكنْ بنتًا في الشرعِ لم تَدخلْ في آيةِ التَّحريمِ، فتَبقَى دِاخلةً في قولِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وأمَّا حُجَّةُ الجُمهورِ فهو أنْ يُقالَ: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ … ﴾ [النساء: ٢٣] الآية هوَ متناوِلٌ لكِلِّ مَنْ شَملَهُ هذا اللفظُ، سواءٌ كانَ حقيقةً أو مَجازًا، وسواءٌ ثبَتَ في حقِّه التوارثُ وغيرُه مِنَ الأحكام أم لم يَثبتْ إلا التَّحريمُ خاصةً، ليسَ العُمومُ في آيةِ التَّحريمِ كالعُمومِ في آيةِ الفَرائضِ ونحوِها، كقولِه تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وبيانُ ذلك مِنْ ثَلاثةِ أوجهٍ:
أحَدُها: أنَّ آيةَ التَّحريمِ تَتناولُ البنتَ وبِنتَ الابنِ وبنتَ البنتِ، كما يَتناولُ لَفظُ العمَّةِ عمَّةَ الأبِ والأمِّ والجَدِّ، وكذلكَ بنتُ الأختِ وبنتُ ابنِ الأختِ وبنتُ بنتِ الأختِ، ومثلُ هذا العُمومِ لا يَثبتُ لا في آيةِ الفَرائضِ ولا نحوِها مِنْ الآياتِ والنُّصوصِ الَّتي علَّقَ فيها الأحكامَ بالأنسابِ.
الثاني: إنَّ تَحريمَ النكاحِ يَثبتُ بمُجرَّدِ الرَّضاعةِ، كما قالَ النبيُّ ﷺ : «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعةِ ما يَحرمُ مِنْ الوِلادةِ» وفي لفظٍ: «ما يَحرمُ مِنَ النَّسَبِ»، وهذا حديثٌ مُتفَقٌ على صحتِه وعَمِلَ الأئمةُ به، فقدْ حرَّمَ اللهُ على المرأةِ أنْ تتزوَّجَ بطِفلٍ غذَّتْهُ مِنْ لَبنِها أو أنْ تَنْكِحَ أولادَه، وحرَّمَ على أمَّهاتِها وعمَّاتِها وخالتِها، بل حرَّمَ على الطفلةِ المُرتضِعَةِ مِنْ امرأةٍ أنْ
стр. 9201
تتزوَّجَ بالفَحلِ صاحبِ اللبنِ وهو الذي وَطئَ المرأةَ حتَّى دَرَّ اللبنُ بوَطئِه، فإذا كانَ يَحرِّمُ على الرجلِ أنْ يَنْكِحَ بنتَهُ مِنْ الرَّضاعِ ولا يَثبتُ في حقِّها شيءٌ مِنْ أحكامِ النَّسبِ سِوى التحريمِ وما يَتبعُها مِنَ الحُرمةِ؛ فكَيفَ يُباحُ له نكاحُ بنتٍ خُلقَتْ مِنْ مائِه؟ وأينَ المَخلوقةُ مِنْ مائهِ مِنَ المُتغذِّيةِ بلَبنٍ دُرَّ بوَطئِه؟ فهذا يُبيِّنُ التَّحريمَ من جِهةِ عُمومِ الخِطابِ ومِن جهةِ التنبيهِ والفحوَى وقِياسِ الأَولى.
الثالثُ: أنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، قالَ العلماءُ: احتِرازٌ عنِ ابنِه الذي تبنَّاهُ كما قالَ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ومَعلومٌ أنهم في الجاهِليةِ كانوا يَستلحِقُونَ ولَدَ الزنى أعظَمَ ممَّا يَستلحِقونَ ولَدَ المُتبنِّي، فإذا كانَ اللهُ تَعالى قيَّدَ ذلكَ بقولِه: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ عُلِمَ أنَّ لفْظَ البناتِ ونحوِها يَشملُ كلَّ مَنْ كانَ في لُغتِهم داخِلًا في الاسمِ.
وأمَّا قولُ القائلِ: «إنه لا يَثبتُ في حَقِّها المِيراثُ ونحوُه» فجَوابُهُ: أنَّ النسبَ تَتبعَّضُ أحكامُه، فقدْ ثبَتَ بعضُ أحكامِ النَّسبِ دُونَ بعضٍ، كما وافقَ أكثرُ المُنازِعينَ في ولَدِ المُلاعنةِ على أنه يَحرمُ على المُلاعِنِ ولا يَرثُه، واختَلفَ العلماءُ في استِلحاقِ وَلدِ الزنى إذا لم يكنْ فِراشًا على قولَينِ، كما ثبَتَ عنِ النبيِّ أنه ألحَقَ ابنَ وليدةِ زَمعةَ بنِ الأسوَدِ بزَمعةَ بنِ الأسوَدِ وكانَ قد أحبَلَها عُتبةُ بنُ أبي وقَّاصٍ، فاختَصمَ فيه سَعدٌ وعبدُ بنُ زَمعةَ، فقالَ سعدٌ: ابنُ أخي عَهِدَ إليَّ أنَّ ابنَ وَليدةِ زَمعةَ هذا ابنِي، فقالَ عَبدٌ: أخِي وابنُ
стр. 9202
وَليدةِ أَبي وُلِدَ على فِراشِ أبي، فقالَ النبيُّ: «هوَ لكَ يا عبدُ بنُ زَمعةَ، الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ، احتَجِبي منهُ يا سَودةُ» لِمَا رَأى مِنْ شَبَهِهِ البيِّنِ بعُتبةَ، فجعَلَهُ أخاها في المِيراثِ دونَ الحُرمةِ.
وقد تَنازعَ العُلماءُ في ولَدِ الزنى هل يُعتَقُ بالمِلكِ؟ على قولَينِ في مَذهبِ أبي حَنيفةَ وأحمدَ، وهذهِ المسألةُ لها بَسْطٌ لا تسَعَهُ هذه الورَقةُ، ومثلُ هذه المسألةِ الضَّعيفةِ ليسَ لأحَدٍ أنْ يَحكيَها عن إمامٍ مِنْ أئمَّةِ المُسلمِينَ، لا على وَجهِ القدح فيه ولا على وَجهِ المُتابَعةِ له فيها؛ فإنَّ في ذلكَ ضَربًا مِنَ الطعنِ في الأئمَّةِ واتِّباعِ الأقوالِ الضعيفةِ، وبمِثلِ ذلكَ صارَ وزيرُ التَّتَرِ يُلقِي الفِتنةَ بينَ مَذاهبِ أهلِ السنَّةِ حتى يَدعُوهم إلى الخرُوجِ عن السُّنةِ والجَماعةِ ويُوقِعَهم في مذاهبِ الرَّافضةِ وأهل الإلحادِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وسُئلَ ﵀ عن رَجلٍ زَنَى بامرأةٍ في حالِ شُبوبيَّتهِ وقد رَأى معَها في هذه الأيامِ بنتًا وهو يَطلبُ التَّزويجَ بها ولم يَعلمْ هل هي منهُ أو مِنْ غيرِهِ وهو مُتوقِّفٌ في تَزويجِها؟
فأجابَ: الحمدُ للهِ، لا يَحِلُّ له التزويج بها عند أكثَرِ العُلماءِ، فإنَّ بنتَ التي زَنَى بها مِنْ غيرِه لا يَحِلُّ التزوُّجُ بها عندَ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ في إحدَى الروايتَين، وأمَّا بنتُه مِنْ الزِّنى فأغلَظُ مِنْ ذلكَ، وإذا اشتبَهَتْ عليهِ بغيرِها حَرُمَتَا عليهِ (٢).
стр. 9203
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كابنِ الماجشُونِ والقاضي عبدِ الوَهابِ والقُرطبيِّ إلى أنه يُكرهُ له أنْ يَتزوَّجَ ابنتَه مِنْ الزِّنا ولا تَحرمُ عليهِ.
قالَ الشافِعيةُ: إذا زَنَى بامرأةٍ فولَدَتْ بِنتًا مِنْ ماءِ زِناهُ فإنها تَحِلُّ لهُ ولا تَحرمُ عليهِ، فيَجوزُ له نكاحُها؛ لأنها أجنَبيةٌ عنه، إذ لا حُرمةَ لماءِ الزِّنا؛ بدَليلِ أنهُ لا يثبتُ بينَهُما التَّوارثُ بالإجماعِ ولا النَّسبُ ولا حُكمٌ مِنْ أحكامِ الولادةِ، فلمْ يَحرمْ عليه نكاحُها كالأجنَبيةِ، وسَواءٌ أكانَتْ المَزنِيُّ بها مُطاوِعةً أم لا، سواءٌ تَحقَّقَ أنها مِنْ مائِه أمْ لا، إلا أنَّه يُكرهُ له نكاحُها؛ للخُروجِ مِنْ الخِلافِ، أو لاحتِمالِ كونِها منه، قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵁: أكرهُ له أنْ يتزوَّجَها، فإنْ تَزوَّجَها لم أفسَخْ.
وقيلَ: تَحرمُ عليهِ مُطلَقًا.
وقيلَ: تَحرمُ عليهِ إنْ تحقَّقَ أنها مِنْ مائِه بأنْ أخبَرَهُ بذلكَ نَبيٌّ كأنْ يَكونَ في زَمنِ عِيسى ﵇ أو بأنْ يَحبِسَها عندَهُ مِنَ الزنا إلى الوَلادةِ.
ولو أرضَعَتِ المَرأةُ بلَبنِ الزاني صَغيرةً فكَبِنتِه.
ويَحرمُ على المَرأةِ وعلى سائرِ مَحارمِها ولَدُها مِنْ زنًا بالإجماعِ، كما أجمَعُوا على أنه يَرثُها، والفرقُ أنَّ الابنَ كالعُضوِ منها وانفَصلَ منها إنسانًا، ولا كذلكَ النُّطفةُ التي خُلِقَتْ منها البِنتُ بالنِّسبةِ للأبِ.
стр. 9204
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فرعٌ: زنَا بامرأةٍ فولَدَتْ بنتًا يَجوزُ للزاني نِكاحُ البنتِ، لكنْ يُكرَهُ، وقيلَ: إنْ تيقَّنَ أنها مِنْ مائِه إنْ تُصوِّرَ تَيقُّنُه حَرُمَتْ عليهِ، وقيلَ: تَحرمُ مطلَقًا.
والصَّحيحُ: الحِلُّ مُطلَقًا … قلتُ: وسَواءٌ طاوَعَتْه على الزِّنا أو أكرَهَها (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: إذا زنَا بامرأةٍ فأتَتْ بابنةٍ كُرِهَ للزاني بأمِّها أنْ يَتزوَّجَها، ولا تَحرمُ عليهِ، خِلافًا لأبي حنيفةَ؛ لقولِهِ ﷺ : «الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فقيَّدَ أنه لا حُكمَ لفِعلِه؛ لأنها أجنَبيةٌ منهُ، بدليلِ أنَّ سائرَ أحكامِ الوِلادةِ المُختصةِ بها مِنْ لُحوقِ النَّسبِ ووُجوبِ النفقةِ والولايةِ في البَدنِ والمالِ والشَّهادةِ لا تَثبتُ في هذا الموضِعِ، كذلكَ تَحريمُ النكاحِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ في معنَى هذا الحديثِ في نِكاحِ الرَّجلِ ابنتَه مِنْ زِنًى أو أختَه بِنتَ أبيه مِنْ زِنًى، فحرَّمَ ذلكَ قومٌ منهمُ ابنُ القاسِمِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، وأجازَ ذلك قومٌ آخَرونَ منهُم عبدُ الملكِ بنُ الماجشُونِ، وهو قولُ الشافعيِّ على كَراهةٍ قال: وأَحَبُّ إليَّ التنزُّهُ عنه؛ لقَولِه: «احتَجِبي منه يا سَودةُ»، وهوَ لا يَفسخُهُ إذا نزَلَ، وقد رُويَ عن مالكٍ مِثلُ ذلكَ، وحُجتُّه «الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ
стр. 9205
الحَجَرُ»، فنَفَى أنْ يكونَ الولدُ لغيرِ فِراشٍ، وأبعَدُ أنْ يكونَ للزاني شَيءٌ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اختَلفَ الفُقهاءُ في نكاحِ الرَّجلِ ابنتَهُ مِنْ زنًى أو أختَه أو بنتَ ابنه مِنْ زنًى، فحرَّمَ ذلكَ قومٌ منهم ابنُ القاسمِ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وأجازَ ذلك آخرونَ منهمْ عبدُ الملكِ بنُ الماجشُونِ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وقد مَضى هذا في النِّساءِ مُجوَّدًا (٢).
وقالَ في تَفسيرِ سُورةِ النِّساءِ: ومِنَ الحُجةِ للقَولِ الآخَرِ إخبارُ النبيِّ ﷺ عنْ جُريجٍ وقولُه: «يا غُلامُ مَنْ أبُوكَ؟ قالَ: فُلانٌ الرَّاعِي» (٣)، فهذا يَدلُّ على أنَّ الزِّنى يُحرِّمُ كما يُحرِّمُ الوطءُ الحَلالُ، فلا تَحلُّ أمُّ المَزنِيِّ بها ولا بناتُها لآباءِ الزاني ولا لأولادِهِ، وهيَ روايةُ ابنِ القاسمِ في «المُدوَّنة»، ويُستدلُّ به أيضًا على أنَّ المَخلوقةَ مِنْ ماءِ الزاني لا تَحلُّ للزاني بأمِّها، وهوَ المشهورُ … وقالَ عبدُ المَلكِ الماجشُونِ: إنها تَحِلُّ، وهوَ الصَّحيحُ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] يعني: بالنكاحِ الصَّحيحِ على ما يأتي في الفُرقانِ بَيانُه.
ووَجهُ التمسُّكِ مِنَ الحديثِ على تلكِ المسألتَينِ أنَّ النبيَّ ﷺ قد حكَى عن جُريجٍ أنه نسَبَ ابنَ الزِّنى للزَّاني، وصدَّقَ اللهُ نِسبتَهُ بما خَرَقَ له مِنَ العادةِ في نُطقِ الصبيِّ بالشهادةِ له بذلكَ، وأخبَرَ بها
стр. 9206
النبيُّ ﷺ عن جُريجٍ في مَعرضِ المَدحِ وإظهارِ كَرامتِهِ، فكانَتْ تلكَ النِّسبةُ صَحيحةً بتَصديقِ اللهِ تعالى وبإخبارِ النبيِّ ﷺ عن ذلكَ، فثَبتَتِ البُنوَّةُ وأحكامُها.
فإنْ قيلَ: فيَلزمُ على هذا أنْ تَجريَ أحكامُ البُنوَّة والأبوَّةِ مِنَ التوارثِ والوِلاياتِ وغيرِ ذلكَ، وقد اتَّفقَ المُسلمونَ على أنه لا تَوارثَ بينَهما، فلمْ تَصحَّ تلكَ النسبةُ؟
فالجَوابُ: إنَّ ذلكَ مُوجَبُ ما ذكَرْناهُ، وما انعَقدَ عليه الإجماعُ مِنْ الأحكامِ استَثنيناهُ، وبَقيَ الباقي على أصلِ ذلكَ الدَّليلِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: نَصَّ الشافِعيُّ على كَراهةِ تزوُّجِ الرَّجلِ بنتَه مِنْ ماءِ الزِّنى، ولم يَقُلْ قطُّ إنه مُباحٌ ولا جائزٌ، والذي يَليقُ بجَلالتِهِ وإمامتِهِ ومَنصبِهِ الذي أجلَّهُ اللهُ بهِ مِنَ الدِّين أنَّ هذه الكَراهةَ منهُ على وَجهِ التحريمِ، وأطلَقَ لفْظَ الكراهةِ؛ لأنَّ الحَرامَ يَكرهُهُ اللهُ ورسولُهُ (٢).
٣ - وَالأَخَوَاتُ من أي جِهةٍ كُنَّ، شَقيقةً أو لأبٍ أو لأُمٍّ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأختُ هي اسمٌ لكُلِّ أنثى شارَكتْكَ في أحَدِ أصلَيْكَ أو مَجمعِهما، أي الأبِ أو الأمِّ أو كِليهِما (٣).
стр. 9207
٤ - والعَمَّاتُ جَميعُهنَّ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهيَ اسمٌ لكُلِّ أنثَى هيَ أختٌ لأبيكَ أو لكُلِّ ذكَرٍ له عليكَ وِلادةٌ، فيَحرمُ عليهِ مَنْ يقعُ عليها اسمُ العمَّةِ حَقيقةً، وهيَ أختُ أبيه، سواءٌ كانَتْ أختَهُ لأبيهِ وأمِّهِ أو لأبيهِ أولأمِّه، ويَحرمُ عليهِ نكاحُ مَنْ يَقعُ عليها اسمُ العمَّةِ مجازًا، وهيَ كلُّ أختٍ لجَدٍّ مِنْ أجدادِه مِنْ قِبَلِ أبيه أو مِنْ قِبَلِ أمِّه، فالعمَّاتُ أخواتُ الأب مِنَ الجِهاتِ الثلاثِ وأخواتُ الأجدادِ مِنْ قِبَلِ الأبِ ومِن قِبَلِ الأمِّ، قريبًا كانَ الجَدُّ أو بَعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارثٍ، فتَحرمُ عليهِ عمَّتُه وعمَّةُ أبيهِ وعمَّةُ أمهِ وعمَّةُ جدِّهِ وعمَّةُ جَدَّتهِ بالإجماعِ (١).
٥ - والخالاتُ جَميعُهنَّ: لقَولِه تَعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، سواءٌ كُنَّ لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ؛ لإطلاقِ اسمِ الخالةِ، فيَحرمُ عليهِ نكاحُ مَنْ يقعُ عليها اسمُ الخالةِ حَقيقةً، وهيَ أختُ أمِّه لأبيها وأمِّها أو لأبيها أو لأمِّها، ويَحرمُ عليه مَنْ يَقعُ عليها اسمُ الخالةِ مَجازًا، وهيَ أختُ كلِّ جَدَّةٍ لهُ مِنْ قِبَلِ أمِّه أو أبيه، فيَحرمُ عليهِ خالتُه لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ وخالةُ أمِّه لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ بالإجماعِ، وكذا خالةُ جَدَّتهِ بالإجماعِ، فالخالاتُ أخَواتُ الأمِّ مِنْ الجِهاتِ الثَّلاثِ وأخواتُ الجَدَّاتِ وإنْ عَلَوْنَ؛ لأنَّ كلَّ جدةٍ أمٌّ، فكذلكَ كلُّ أختٍ لجَدَّةٍ خالةٌ مُحرَّمةٌ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٢).
النوع الثاني: المحَرَّمات بالرَّضَاع:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ يَحرمُ مِنَ الرَّضاعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ في بنتِ حمْزَةَ: «لا تَحِلُّ لي، يَحرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هيَ بنتُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ» (١)، ففيهِ دليلٌ على أنَّ الرَّضاعَ مِنْ أسبابِ التَّحريمِ، وأنهُ بمَنزلةِ النسبِ في ثُبوتِ الحُرمةِ؛ لأنَّ ثبوتَ الحُرمةِ بالنَّسبِ لحَقيقةِ البعضيَّةِ أو شُبهةِ البعضيةِ، وفي الرَّضاعِ شُبهةُ البعضيةِ بما يَحصلُ باللبنِ الذي هوَ جُزءُ الآدَميةِ في إنباتِ اللَّحمِ وإنشازِ العَظمِ (٢).
وعن عَمرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيَّ ﷺ أخبَرَتْها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ عِندَها، وأنها سَمعَتْ صَوتَ رَجلٍ يَستأذِنُ في بَيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-،
стр. 9210
قالَتْ عائِشةُ: لو كان فُلانٌ حيًّا -لعَمِّها مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ علَيَّ؟، فقالَ: نَعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).
وعن عُروةَ بن الزُّبَيرِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: استَأذَنَ عَليَّ أفْلَحُ فلَمْ آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبنِ أخي، فقالَتْ: سأَلْتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «صدَقَ أفْلَحُ، ائْذنِي له» (٢).
قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُّ ﵀: المَنصوصُ عليه في التَّنزيلِ مِنَ الرَّضاعِ الأمَّهاتُ والأخواتُ مِنَ الرَّضاعةِ، إلا أنه قد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ بالنقلِ المُستفيضِ المُوجِبِ للعلمِ أنهُ قالَ: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واتَّفقَ الفُقهاءُ على استِعمالِه، واللهُ أعلَمُ (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذهِ الأحاديثُ مُتفِقةٌ على ثبوتِ حُرمةِ الرَّضاعِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ثبوتِها بينَ الرضيعِ والمُرضِعةِ، وأنهُ يَصيرُ ابنَها يَحرمُ عليه نكاحُها أبدًا، ويَحِلُّ له النظرُ إليها والخَلوةُ بها والمُسافَرةُ، ولا يَترتبُ عليهِ أحكامُ الأمومةِ مِنْ كلِّ وجهٍ، فلا يَتوارثانِ ولا يجبُ على واحدٍ منهما نَفقةُ الآخَرِ ولا يُعتَقُ عليه بالملكِ، ولا تُرَدُّ شهادتُه لها ولا يَعقِلُ عنها ولا يَسقطُ عنها القِصاص بقتلِه، فهُما كالأجنبيَّينِ في هذه الأحكامِ.