← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

لكنَّ الحَنفيَّةَ خَصُّوا هذا بالرَّجلِ، أمَّا المَرأةُ فتَضَعُ يَدها على صَدرِها، وقيلَ: تحتَ ثَديِها. وذَهب الشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ -في النَّفلِ- والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسنُّ وَضعُ اليَدينِ تحتَ الصَّدرِ وفوقَ السُّرَّةِ؛ لِحَديثِ وائِلِ بنِ حُجرٍ قالَ: «صلَّيتُ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَوضعَ يَدهُ اليُمنَى على يَدِه اليُسرَى على صَدرِهِ» (١)، قالوا: أي: آخره، فتَكونُ اليَدُ تحتَه بقَرينَةِ رِوايةِ: «تحتَ صَدرِهِ»، والحِكمةُ في جَعلِهما تحتَ صَدرِه: أن يَكونَ فوقَ أشرَفِ الأعضاءِ، وهو القَلبُ؛ فإنَّه تحتَ الصَّدرِ. وعنِ الإمامِ أحمدَ: أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَميعَ مَروِيٌّ، والأمرُ في ذلك واسِعٌ (٢). ٣ - دُعاءُ الاستِفتاحِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ دُعاءَ الاستِفتاحِ، بعدَ تَكبيرةِ الإحرامِ، وذَهب طائِفةٌ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمدَ إلى وُجوبِ الذِّكرِ، الذي هو ثَناءٌ، كالاستِفتاحِ، وهو اختيارُ ابنِ بَطَّةَ، وغيرِه، وذُكر هذا رِوايةً عن أحمدَ (٣).

стр. 947

وخالَفَ في ذلك الإمامُ مالِكٌ، فقالَ ابنُ القاسِمِ في المُدَوَّنَةِ: وكانَ مالِكٌ لا يَرى هذا الذي يَقولُ النَّاسُ: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبِحَمدِكَ، تَباركَ اسمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُكَ، وكانَ لا يَعرِفُه. ثم نقلَ في رِوايةِ ابنِ وَهبٍ بسَنَدِه عن أنَس بنِ مالِكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ كانوا يَفتَتِحونَ الصَّلاةَ ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ: وقالَ مالِكٌ: ومَن كانَ وَراءَ الإمامِ ومَن هو وَحدَه ومَن كانَ إمامًا، فلا يَقُل: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ … » إلخ، ولكِن يُكبِّرُ، ومِن ثَمَّ يَبتَدئُونَ القِراءةَ (١). وجاءَ في مَنحِ الجَليلِ: تَعليقًا على قولِ خَليلٍ بالكَراهةِ، فيُكرَهُ على المَشهورِ لِلعمَلِ، وإن صحَّ الحَديثُ به، وعن مالِكٍ ﵁ نَدبُ قولُه قبلَها -أي: قبلَ تَكبيرةِ الإحرامِ-: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبَحمدِكَ … إلخ، و: وَجَّهتُ وَجهِي … إلخ، و: اللَّهمَّ باعِد بَينِي وبينَ خَطايَايَ … إلخ. قالَ ابنُ حَبيبٍ: بقولِه بعدَ الإقامةِ وقبلَ الإحرامِ، قالَ في البَيانِ -أي: ابنُ رُشدٍ-: وذلك حَسَنٌ (٢). وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: المُستحَبُّ أن يَقرأَ الفاتِحةَ عُقَيبَ الإحرامِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ، في استِحبابِه التَّوجيهَ والتَّسبيحَ؛ لمَا رَوى أبو حُمَيدٍ في وَصفِه صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه كانَ يَرفَعُ يَديه ويُكبِّرُ ثم

стр. 948

يَقرأُ، ورُويَ قولُه ﷺ لِلَّذي علَّمه الصَّلاةَ: «كَبِّر ثم اقرَأ»، وقولُه: «تُكَبِّرُ ثم تَقرَأُ»، وفي حَديثِ أُبَيٍّ: كيف تَقرَأُ إذا فَتحتَ الصَّلاةَ؟ قالَ: «اللهُ أكبَرُ»، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢] (١). ونقلَ الرَّافِعيُّ مِنْ الشافِعيَّةِ عن مالِكٍ قولَه: لا يُستَفتَحُ بعدَ التَّكبيرِ إلا بالفاتِحةِ، والدُّعاءُ والتَّعوُّذُ يُقدِّمُهما على التَّكبيرِ (٢). فعلى هذا يَكونُ الخِلافُ بينَ المالِكيَّةِ والجُمهورِ في الاستِفتاحِ راجِعًا إلى مَوضِعِه، فعندَهم يَكونُ قبلَ التَّكبيرِ، وعندَ غيرِهم بعدَه. صِيَغُ الاستِفتاحِ: ورَدَ في الحَديثِ عن النَّبيِّ ﷺ استِفتاحُ الصَّلاةِ بصِيَغٍ مُختَلِفةٍ، أشهَرُها ثَلاث: الأُولى: عن عائِشَةَ ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ قالَ: سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، وَتَباركَ اسمُكَ وَتَعالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غيرُكَ» (٣). الثانيةُ: عن علِيٍّ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: «وَجَّهتُ وَجهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا مُسلِمًا،

стр. 949

وما أنا مِنْ المُشرِكِينَ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ لَا شَرِيكَ له، وَبِذلك أُمِرتُ وأنا مِنْ المُسلِمِينَ». وفي رِوايةٍ: «وأنا أَوَّلُ المُسلِمِينَ. اللَّهمُّ أنتَ المَلِكُ، لَا إِلَهَ لي إلا أنتَ، أنتَ رَبِّي، وأنا عَبدُكَ، ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي فَاغفِر لي ذُنُوبِي جَميعًا؛ إنَّه لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنتَ، وَاهدِنِي لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ، لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إلا أنتَ، وَأصرِف عَنِّي سيِّئَهَا، لَا يَصرِفُ سيِّئَهَا إلا أنتَ، لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ وَالخَيرُ كُلُّه في يَديكَ، وَالشَّرُّ ليس إِلَيكَ، أنا بِكَ وَإِلَيكَ، تَبارَكتَ وَتَعالَيتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ» (١). الثَّالثةُ: حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا كبَّر في الصَّلاةِ سكتَ هُنَيَّةً قبلَ أَنْ يَقرأَ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بِأَبِي أنتَ وَأُمِّي، أَرَأَيتَ سُكُوتَكَ بينَ التَّكبيرِ وَالقِراءَةِ؟ ما تَقُولُ؟ قالَ: أَقُولُ: اللَّهمَّ باعِد بَينِي وَبينَ خَطَايَايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرِقِ وَالمَغربِ، اللَّهمَّ نَقِّنِي من خَطَايَايَ كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنْ الدَّنَس، اللَّهمَّ اغسِلنِي من خَطَايَايَ بِالثَّلجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ» (٢). وقدِ اختَلفَ العُلماءُ فيما يَختَارُونَه مِنْ الصِّيَغِ المَأثورةِ على أقوالٍ: الأوَّلُ: قالَ جُمهورُ الحَنفيَّةِ والحَنابلَةِ: يَستَفتِحُ: ب «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ … » إلخ.

стр. 950

الثاني: ذَهب الشافِعيَّةُ في المُعتمَدِ عندَهم والآجُرِّيُّ مِنْ الحَنابلَةِ إلى الاستِفتاحِ بما في خَبرِ علِيٍّ: «وَجَّهتُ وَجهي … » إلخ. قالَ النَّوويُّ: والذي يَلي هذا الاستِفتاحَ في الفَضلِ حَديثُ أبي هُريرةَ، يَعني: «اللَّهمَّ باعِد بَينِي وَبينَ خَطَايَايَ … » إلخ. الثَّالثُ: ذَهب أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ وجَماعةٌ مِنْ الشافِعيَّةِ منهم أبو إسحاقَ المَروَزِيُّ والقاضي أبو حامِدٍ، وهو اختِيارُ الوَزيرِ ابنِ هُبيرةَ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمدَ: أن يَجمعَ بينَ الصِّيغَتَينِ الوارِدَتَينِ: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ … » إلخ. و «وَجَّهتُ وَجهي … » إلخ. ونَسَبه المِردَاوِيُّ إلى ابنِ تيميَّةَ. هذا وقدِ استَحَبَّ النَّوويُّ أيضًا أن يَكونَ الاستِفتاحُ بمَجموعِ الصِّيَغِ الوارِدةِ كلِّها لِمَنْ صلَّى مُنفرِدًا، ولِلإمامِ إذا أذِنَ له المَأمُومونَ. وجَميعُ الآراءِ السابقةِ إنَّما هي بالنِّسبةِ لِلفَريضةِ. أمَّا في النَّافِلةِ وخُصوصًا في صَلاةِ اللَّيلِ فقدِ اتَّفق الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ على الجَمعِ بينَ الثَّناءِ ودُعاءِ التَّوَجُّهِ. قالَ ابنُ عابدينَ: لِحَملِ ما وردَ مِنْ الأخبارِ عليها، فيَقولُه -أي: التَّوَجُّهَ- في صَلاةِ اللَّيلِ؛ لأنَّ الأمرَ فيها واسِعٌ. وفي صَحِيحِ مُسلِمٍ أنَّه ﷺ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ -وفي رِوايةٍ: إذا استَفتَحَ الصَّلاةَ- كبَّر ثم قالَ: «وَجَّهتُ وَجهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا». واتَّفق القائِلونَ به على أنَّه يُقالُ سِرًّا (١).

стр. 951

والاستِفتاحُ سُنَّةٌ في كلِّ الصَّلواتِ، وفي جَميعِ الأحوالِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الاستِفتاحُ مُستحَبٌّ لِكلِّ مُصَلٍّ، مِنْ إمامٍ ومَأمومٍ، ومُنفرِدٍ وامرأةٍ وصَبيٍّ، ومُسافِرٍ، ومُفتَرِضٍ، ومُتنَفِّلٍ، وقاعِدٍ، ومُضطَجِعٍ، وغيرِهم. قالَ: ويَدخلُ فيه النَّوافِلُ المُرتبَةُ والمُطلَقةُ، والعِيدُ والكُسوفُ في القيامِ الأوَّلِ والاستِسقاءِ (١). غيرَ أنَّ بَعضَ الفُقهاءِ استَثنى صَلاةَ الجِنازةِ، وسَيأتي الكَلامُ عليه في أحكامِ الجَنائِزِ إن شاءَ اللهُ مُفَصَّلًا. ٤ - التَّعوُّذُ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الاستِعاذةَ في الصَّلاةِ بعدَ دُعاءِ الاستِفتاحِ سُنَّةٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وعن أبي سَعيدٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ استَفتَحَ ثم يَقولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنْ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمزِهِ وَنَفخِهِ وَنَفثِهِ» (٢). قالَ التِّرمذيُّ: هذا أشهَرُ حَديثٍ في البابِ، وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أنَّه واجِبٌ.

стр. 952

أمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إنَّها جائِزةٌ في النَّفلِ، مَكروهةٌ في الفَرضِ، وحُجَّتُهم أنَّ الشَّيطانَ يُدبِرُ عندَ الأذانِ والتَّكبيرِ، كما استدَلُّوا بما رُويَ عن أنَسٍ قالَ: «صلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَعمرَ وَعُثمانَ، فَكانُوا يَستَفتِحُونَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (١). وصِفةُ الاستِعاذةِ أن يَقولَ: أعُوذُ باللهِ مِنْ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، وهذا قولُ أبي حَنيفَةَ والشافِعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [الأعراف: ٩٨]، وعن أحمدَ أنَّه يَقولُ: أعُوذُ باللهِ السَّميعِ العَليمِ مِنْ الشَّيطانِ الرَّجيمِ؛ لِخَبرِ أبي سَعيدٍ المُتقدِّمِ، ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، وهذا مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيادةِ، ونقلَ حَنبَلٌ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه يَزيدُ بعدَ ذلك: «إنَّ اللهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ»، وهذا كلُّه واسِعٌ، وكَيفَما استَعاذَ فهو حَسَنٌ. قالَ ابنُ قُدامةَ: ويُسِرُّ الاستِعاذةَ ولا يَجهَرُ بها، لا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢). وعنِ ابنِ القاسِمِ مِنْ المالِكيَّةِ أنَّ الاستِعاذةَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ مِنْ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ؛ إِنَّ اللهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ» (٣).

стр. 953

تَكرارُ الاستِعاذةِ في كلِّ رَكعةٍ: الاستِعاذةُ مَشروعةٌ في الرَّكعةِ الأُولى باتِّفاقِ مَنْ يَقولُ بها، أمَّا تَكرارُها في بَقيَّةِ الرَّكعاتِ فإنَّ الفُقهاءَ يختلِفونَ فيه على رَأيَينِ. الأوَّلُ: استِحبابُ التَّكرارِ في كلِّ رَكعةٍ، وهو قولُ ابنِ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ -ولم يُنقَل أنَّ أحَدًا منهم خالَفَه- وهو المَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ وهو رِوايةٌ عن أحمدَ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقد وقعَ الفَصلُ بينَ القِراءَتَينِ، فأشبَهَ ما لو قطعَ القِراءةَ في خارِجِ الصَّلاةِ بشُغُلٍ، ثم عادَ إليها، يُستحبُّ له التَّعوُّذُ، ولأنَّ الأمرَ مُعلَّقٌ على شَرطٍ، فيَتكرَّرُ بتَكرارِه، كما في قولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وأيضًا إن كانَت مَشروعةً في الرَّكعةِ الأُولى فهي مَشروعةٌ في غيرِها مِنْ الرَّكعاتِ؛ قِياسًا، لِلاشتِراكِ في العِلَّةِ. والرَّأيُ الآخَرُ: كَراهَةُ تَكرارِ الاستِعاذةِ في الرَّكعةِ الثانيةِ وما بعدَها، وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ وقَولٌ لِلشافِعيَّةِ وهو المَذهبُ عندَ الحَنابلَةِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا نَهَضَ مِنْ الرَّكعَةِ الثَّانيَةِ استَفتَحَ القِراءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، ولم يَسكُت» (١). فهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يَستَعيذُ، ولأنَّ الصَّلاةَ جُملةٌ واحدةٌ، فالقِراءةُ فيها كلِّها كالقِراءةِ الواحدةِ، ولذلك عددنا التَّرتيبَ في القِراءةِ في الرَّكعتَينِ، فأشبَهَ ما لو سجدَ لِلتِّلاوةِ في أثناءِ قِراءَتِه، فإذا أتَى

стр. 954

بالاستِعاذةِ في أوَّلِها كفَى ذلك، كالاستِفتاحِ (١). ٥ - قِراءَةُ البَسمَلَةِ في الصَّلاةِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اعلَم أنَّ مَسألةَ البَسمَلَةِ عَظيمةٌ مُهِمَّةٌ يَنبَني عليها صحَّةُ الصَّلاةِ، التي هي أعظَمُ الأركانِ بعدَ التَّوحيدِ، ولهذا المَحَلِّ الأعلى الذي ذَكَرتُه مِنْ وَصفِها اعتنَى العُلماءُ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخِّرينَ بشَأنِها، وأكثَروا التَّصانِيفَ فيها مُفرَدةً (٢). وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الفاتِحةَ سَبعُ آياتٍ، إلا أنَّ مَنْ جعلَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ١] منها، عَدَّها آيَةً، ومَن لم يَجعلها منها عَدَّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [﴿: ٧] آيَةً (٣). وأجمَعوا أيضًا على أنَّها آيَةٌ مِنْ سُورةِ النَّملِ إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل هي آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ أو لا؟ فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّها ليست بآيَةٍ مِنْ الفاتِحةِ على تَفصيلٍ عندَهم يَأتي مُفَصَّلًا. وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّها آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ.

стр. 955

قالَ الحَنفيَّةُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنْ القُرآنِ؛ لأنَّ الأُمةَ أجمعَت على أنَّ ما كانَ مَكتوبًا بينَ الدَّفَتَينِ بقَلَمِ الوَحيِ هو مِنْ القُرآنِ، والتَّسمِيَةُ كذلك، لكنَّها ليست بآيَةٍ مِنْ الفاتِحةِ، ولا مِنْ رَأسِ كلِّ سُورةٍ، وإنَّما هي افتِتاحٌ لها؛ تَبَرُّكًا، ويَقرؤُها المُصلِّي، إمامًا أو مُنفرِدًا، سِرًّا مع الفاتِحةِ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ رَكعاتِ الصَّلاةِ، وإن قَرَأها مع كلِّ سُورةٍ فحَسَنٌ، وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ. واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ : قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ به مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّه بَدأَ بقولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا بقولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانَت مِنْ الفاتِحةِ لكانَتِ البُداءةُ بها، لا بالحَمدِ. والآخَرُ: أنَّه نصَّ على المُناصَفةِ ولو كانَتِ التَّسمِيَةُ مِنْ الفاتِحةِ لم

стр. 956

تَتحَقَّقِ المُناصَفةُ، بل يَكونُ ما للهِ أكثرَ؛ لأنَّه يَكونُ في النِّصفِ الأوَّلِ أربَعُ آياتٍ ونِصفُ آيةٍ، ولأنَّ كَونَ الآيةِ مِنْ سُورةِ كذا، ومِن مَوضِعِ كذا لا يثبُتُ إلا بالدَّليلِ المُتَواتِرِ مِنْ النَّبيِّ ﷺ ، وقد ثَبت بالتَّواتُرِ أنَّها مَكتوبةٌ في المَصاحِفِ، ولا تَواتُرَ على كَونِها مِنْ السُّورةِ؛ ولهذا اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيها، فعَدَّها قُرَّاءُ أهلِ الكُوفةِ مِنْ الفاتِحةِ، ولم يَعُدَّها قُراءُ أهلِ البَصرةِ منها، وهذا دَليلُ عدمِ التَّواتُرِ، ووقُوعِ الشَّكِّ والشُّبهةِ في ذلك؛ فلا يثبُتُ كَونُها مِنْ السُّورةِ مع الشَّكِّ. قالَ الكاسانيُّ ﵀: ولأنَّ كَونَ التَّسمِيَةِ مِنْ كلِّ سُورةٍ ممَّا اختَصَّ به الشافِعيُّ، لا يُوافِقُه في ذلك أحَدٌ مِنْ سَلفِ الأمَّةِ، وكَفى به دَليلًا على بُطلانِ المَذهبِ. والدَّليلُ عليه ما رُويَ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «سُورةٌ في القُرآنِ ثَلاثونَ آيَةً، شَفَعت لِصاحِبِها حتى غُفِرَ له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وقدِ اتَّفق القُرَّاءُ وغيرُهم على أنَّها ثَلاثونَ آيَةً سِوى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانَت هي منها لَكانَت إحدى وثَلاثينَ آيَةً، وهو خِلافُ قولِ النَّبيِّ ﷺ ، وكذا انعَقَدَ الإجماعُ مِنْ الفُقهاءِ والقُرَّاءِ على أنَّ سُورةَ الكَوثَرِ ثَلاثُ آياتٍ، وسُورةَ الإخلاصِ أربَعُ آياتٍ، ولو كانَتِ التَّسمِيَةُ منها لَكانَت سُورةُ الكَوثَرِ أربعَ آياتٍ، وسُورةُ الإخلاصِ خَمسَ آياتٍ، وهو خِلافُ الإجماعِ. وكَونُ التَّسمِيَةِ مِنْ الفاتِحةِ لا يثبُتُ إلا بالنَّقلِ المُوجِبِ لِلعِلمِ، مع أنَّه عارَضَه ما هو أقوَى منه وإثبَتُ وأشهَرُ، وهو حَديثُ القِسمةِ، فلا يُقبلُ في مُعارَضَتِه.

стр. 957

أمَّا قولُه: إنَّها كُتِبت في المَصاحِفِ بقَلَمِ الوَحيِ على رُؤُوسِ السُّوَرِ، فنَعم، لكنَّ هذا يدلُّ على كَونِها مِنْ القُرآنِ، لا على كَونِها مِنْ السُّوَرِ؛ لِجَوازِ أنَّها كُتِبت لِلفَصلِ بينَ السُّوَرِ، لا لأنَّها منها، فلا يثبُتُ كَونُها مِنْ السُّوَرِ بالاحتِمالِ، ويَنبَني على هذا أنَّه لا يُجهَرُ بالتَّسمِيَةِ في الصَّلاةِ عندَنا؛ لأنَّه لا نصَّ في الجَهرِ بها، وليست مِنْ الفاتِحةِ حتى يُجهَرَ بها ضَرورةَ الجَهرِ بالفاتِحةِ، وعندَه يُجهَرُ بها في الصَّلواتِ التي يُجهَرُ فيها بالقِراءةِ، كما يُجهَرُ بالفاتِحةِ؛ لكَونِها مِنْ الفاتِحةِ، ولأنَّ التَّسمِيَةَ متى تردَّدت بينَ أن تَكونَ مِنْ الفاتِحةِ وبينَ ألَّا تَكونَ تَرَدُّدَ الجَهرُ بينَ السُّنةِ والبِدعةِ؛ لأنَّها إذا لم تكُن منها التَحَقَت بالأذكارِ، والجَهرُ بالأذكارِ بِدعةٌ، والفِعلُ إذا تردَّدَ بينَ السُّنةِ والبِدعةِ تُغَلَّبُ جِهةُ البِدعةِ؛ لأنَّ الامتِناعَ عن البِدعةِ فَرضٌ، ولا فَرضيةَ في تَحصيلِ السُّنةِ أو الواجِبِ؛ فكانَ الإخفاءُ بها أولَى. والدَّليلُ عليه ما رُويَ عن أبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ وعَبد الله بنِ مَسعودٍ وعَبد اللهِ بنِ الفَضلِ وعَبد اللهِ بنِ عبَّاسٍ وأنَسٍ وغيرِهم، ﵃، أنَّهم كانوا يُخفُونَ التَّسمِيَةَ، وكَثيرٌ منهم قالَ: الجَهرُ بالتَّسمِيَةِ أعرابيَّةٌ، والمَنسوبُ إليهم باطِلٌ؛ لِغَلَبةِ الجَهلِ عليهم بالشَّرائِعِ. ورُويَ عن أنَسٍ ﵁ أنَّه قالَ: صلَّيتُ خلفَ رَسولِ اللهِ، وخلفَ أبي بَكرٍ وعمرَ، ﵄، وكانوا لا يَجهَرونَ بالتَّسمِيَةِ، ثم عندَنا أنَّه لا يَجهَرُ بالتَّسمِيَةِ، لكِن يأتي بها الإمامُ لافتِتاحِ القِراءةِ بها؛ تَبَرُّكًا، كما يَأتي بالتَّعوُّذِ في الرَّكعةِ الأُولى، باتِّفاقِ الرِّواياتِ، وهل يَأتي بها في أوَّلِ الفاتِحةِ في الرَّكعاتِ الأُخَرِ؟ عن أبي حَنيفَةَ رِوايتانِ، رَوى الحَسنُ عنه أنَّه لا يَأتي بها إلا في الرَّكعةِ

стр. 958

الأُولى؛ لأنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ عندَنا، وإنَّما يَفتَتِحُ القِراءةَ بها تَبَرُّكًا، وذلك مُختَصٌّ بالرَّكعةِ الأُولى، كالتَّعوُّذِ. ورَوى المُعلى عن أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفَةَ أنَّه يأتي بها في كلِّ رَكعةٍ، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ التَّسمِيَةَ إن لم تُجعَل مِنْ الفاتِحةِ قَطعًا بخَبرِ الواحدِ -وخَبرُ الواحدِ يُوجِبُ العملَ- صارَت مِنْ الفاتِحةِ عمَلًا، فمتى لزِمه قِراءةُ الفاتِحةِ يَلزمُه قِراءةُ التَّسمِيَةِ احتِياطًا. وأمَّا عندَ رَأسِ كلِّ سُورةٍ في الصَّلاةِ فلا يَأتي بالتَّسمِيَةِ، عندَ أبي حَنيفَةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: يَأتي بها احتِياطًا، كما في أوَّلِ الفاتِحةِ، والصَّحِيحُ قولُهما؛ لأنَّ احتِمالَ كَونِها مِنْ السُّورةِ مُنقَطِعٌ بإجماعِ السَّلفِ على ما مرَ، وفي أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ لا إجماعَ عليه، فبَقيَ الاحتِمالُ، فوجبَ العملُ به في حقِّ القِراءةِ احتِياطًا، ولكِن لا يُعَدُّ هذا الاحتِمالُ في حقِّ الجَهرِ؛ لأنَّ المُخافَتَةَ أصلٌ في الأذكارِ، ولأنَّ الجَهرَ بها بِدعةٌ في الأصلِ، فإذا احتَمَلَ أنَّها ذِكرٌ في هذه الحالةِ، واحتَمَلَ أنَّها مِنْ الفاتِحةِ، كانَتِ المُخافَتَةُ أبعد عن البِدعةِ، فكانَت أحَقَّ. ورُويَ عن مُحمدٍ أنَّه إذا كانَ يُخفي بالقِراءةِ يَأتِي بالتَّسمِيَةِ بينَ الفاتِحةِ والسُّورةِ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى مُتابَعةِ المُصحَفِ، وإذا كان يَجهَرُ بها لا يَأتي؛ لأنَّه لو فعلَ لَأخفَى، فيَكونَ سَكتةً له في وَسَطِ القِراءةِ، وذلك غيرُ مَشروعٍ، ثم يَقرأُ بفاتِحةِ الكتابِ والسُّورةِ (١).

стр. 959

وقالَ الإمامُ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ ﵀: فلمَّا ثَبت عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وعَمَّن ذكَرنا بعدَه تَركُ الجَهرِ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثَبت أنَّها ليست مِنْ القُرآنِ، ولو كانَت مِنْ القُرآنِ لَوجبَ أن يَجهَرَ بها كما يَجهَرُ بالقُرآنِ سِواها، ألَا تَرَى أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ التي في النَّملِ يُجهَرُ بها كما يُجهَرُ بغيرِها مِنْ القُرآنِ؛ لأنَّها مِنْ القُرآنِ؟ فلمَّا ثَبت أنَّ التي قبلَ فاتِحةِ الكتابِ يُخافَتُ بها ويُجهَرُ بالقُرآنِ، ثَبت أنَّها ليست مِنْ القُرآنِ، وثَبت أن يُخافِتَ بها ويُسِرَّ كما يُسِرُّ التَّعوُّذَ والافتِتاحَ، وما أشبَهَهُما، وقد رأيناها أيضًا مَكتوبةً في فَواتِحِ السُّوَرِ في المُصحَفِ في فاتِحةِ الكتابِ، وفي غيرِها، وكانَت في غيرِ فاتِحةِ الكتابِ ليست بآيَةٍ، ثَبت أيضًا أنَّها في فاتِحةِ الكتابِ ليست بآيَةٍ، وهذا الذي ثَبت مِنْ نَفيِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أن تَكونَ مِنْ فاتِحةِ الكتابِ، ومَن نَفَى الجَهرَ بها في الصَّلاة أبو حَنيفَةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ، ﵏ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: يُمنَعُ قِراءةُ البَسمَلَةِ في الصَّلاةِ المَكتوبةِ، جَهرًا كانَت أو سِرًّا، لا في استِفتاحِ أُمِّ القُرآنِ، ولا في غيرِها مِنْ السُّوَرِ، وأجازَ قِراءَتَها في النَّافِلةِ. واحتَجوا على ذلك بحَديثِ أنَس بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّه قالَ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأَبا بَكرٍ وَعمرَ ﵃ كانُوا يَفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 960

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (١). وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ: «لَا يَذكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، في أَوَّلِ قِراءَةٍ، ولا في آخرِهَا» (٢). وبِحَديثِ عائِشَةَ ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَستَفتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكبيرِ وَالقِراءَةِ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (٣). وعن عَبد اللهِ بنِ عَبد اللهِ بنِ المُغَفَّلِ ﵁ قالَ: «سمِعنِي أبي وأنا في الصَّلاةِ أَقُولُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقالَ لي: أَي بُنَيَّ، مُحدَثٌ، إِيَّاكَ وَالحَدثَ، قالَ: ولم أَرَ أَحدًا مِنْ أصحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ كانَ أَبغَضَ إليه الحَدثُ في الإِسلَامِ -يَعني: منه-، قالَ: وقد صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ وَمعَ أبي بَكرٍ وَمعَ عمرَ وَمعَ عُثمانَ، فلم أَسمَع أَحدًا منهم يَقولُهَا، فلا تَقُلهَا، إذا أنتَ صلَّيتَ فَقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (٤). ولحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ : قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

стр. 961

[﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» (١). فقولُه تَعالى: «قَسَمتُ الصَّلاةَ»، يُريدُ الفاتِحةَ، وسَمَّاها صَلاًة؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا تَصحُّ إلا بها، فلو كانَتِ البَسمَلَةُ آيَةً لَذُكِرت في الحَديثِ القُدسِيِّ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: يَكفيكَ أنَّها ليست -أي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - بقُرآنٍ؛ لِلِاختِلافِ فيها، والقُرآنُ لا يُختَلَفُ فيه، فإنَّ إنكارَ القُرآنِ كُفرٌ. فإن قيلَ: ولو لم تكُن قُرآنًا لكانَ مُدخِلُها في القُرآنِ كافِرًا؛ قُلنا: الاختِلافُ فيها يَمنَعُ مِنْ أن تَكونَ آيَةً، ويَمنَعُ مِنْ تَكفيرِ مَنْ يَعُدُّها مِنْ القُرآنِ؛ فإنَّ الكُفرَ لا يَكونُ إلا بمُخالَفةِ النَّصِّ والإجماعِ في أبوابِ العَقائِدِ. فإن قيلَ: فهل تَجِبُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ؟ قُلنا: لا تَجِبُ، فإنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ ﵁ رَوى «أنَّه صلَّى خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وعمرَ، فلم يكن أحَدٌ منهم يَقرأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، ونحوه عن عَبد اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ. فإن قيلَ: الصَّحِيحُ مِنْ حَديثِ أنَسٍ: فكانوا يَفتَتِحونَ الصَّلاةَ ب ﴿الْحَمْدُ

стр. 962

لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، وقد قالَ الشافِعيُّ: مَعناه أنَّهم كانوا لا يَقرؤُونَ شَيئًا قبلَ الفاتِحةِ. قُلنا: وهذا يَكونُ تَأوِيلًا لا يَليقُ بالشافِعيِّ؛ لِعَظيمِ فِقهِه، وأنَسٌ وابنُ مُغَفَّلٍ إنَّما قالا هذا رَدًّا على مَنْ يَرى قِراءةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإن قيلَ: فقد رَوى جَماعةٌ قِراءَتَها، وقد تَوَلَّى الدَّارقُطنيُّ جَميعَ ذلك في جُزءٍ صحَّحه، قُلنا: لَسنَا نُنكِرُ الرِّوايةَ، لكنَّ مَذَهبنا يَترَجَّحُ بأنَّ أحاديثَنا -وإن كانَت أقَلَّ- أصحُّ، وبوَجهٍ عَظيمٍ وهو المَعقُولُ في مَسائِلَ كَثيرةٍ مِنْ الشَّريعةِ، وذلك أنَّ مَسجدَ رَسولِ اللهِ ﷺ بالمَدينةِ انقَضت عليه العُصورُ، ومرَت عليه الأزمِنَةُ مِنْ لَدُن زَمانِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى زَمانِ مالِكٍ، ولم يَقرأ أحَدٌ قَطُّ فيه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ اتِّباعًا لِلسُّنَّةِ. بَيدَ أنَّ أصحابَنا استَحَبُّوا قِراءَتَها في النَّفلِ، وعليه تُحمَلُ الآثارُ الوارِدةُ في قِراءَتِها (١). وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست مِنْ الفاتِحةِ، ولا مِنْ أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لأنَّه لا طَريقَ إلى إثباتِ القُرآنِ إلا بنَقلٍ مُتواتِرٍ يُوجِبُ العِلمَ، ويَقطعُ العُذرَ، أو بإجماعِ الأمَّةِ، ولا يثبُتُ بنَقلِ آحادٍ ولا بقياسٍ ولا ما يؤدِّي إلى غَلَبةِ الظَّنِّ، وليس ههنا إجماعٌ ولا نَقلٌ تَقومُ الحُجَّةُ به؛ فلم يَجُز إثباتُها مِنْ الفاتِحةِ. وإن تَعَلَّقوا بإجماعِ ناقِلِي مُصحَفِ عُثمانَ على أنَّها ثابِتةٌ في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، وأنَّهم قد وافَقونا

стр. 963

على أنَّ جَميعَ ما في المُصحَفِ بخَطِّه قُرآنٌ في مَوضِعِه، قُلنا: النَّاقِلونَ لِلمُصحَفِ لم يُجمِعوا على أنَّها مِنْ كلِّ سُورةٍ، بل أكثرُهم يَقولُ: إنَّها ليست منها، وإنَّما جُعِلت فَصلًا بينَ السُّورَتَينِ. فإن قيلَ: حُدوثُ الاختِلافِ لا يَنفِي الإجماعَ، قُلنا: ووجودُ الاختِلافِ يَمنَعُ ادِّعاءَ الإجماعِ، ولأنَّ الاتِّفاقَ حاصِلٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ بينَ القُرآنَ بَيانًا واحدًا مُتساوِيًا على وَجهٍ تَقومُ به الحُجةُ، ويَنقَطِعُ به العُذرُ، وإنَّ عادَتَه في البَيانِ لم تكُن مُختَلِفةً بأن يُبَيِّنَ بَعضَه على هذا الوَجهِ، وبَعضَه بَيانًا خَفيفًا يُلقيه إلى الواحدِ والاثنَينِ، وبهذا قَطَعنا بمَنعِ تَجويزِ أن يَكونَ قد بَقيَ شَيءٌ مِنْ القُرآنِ لم يُنقَل إلينا، أو يَكونَ بَعضُ آحادِ الصَّحابةِ أثبَتَ ما لم يثبُت في المُصحَفِ، وقَطَعنا ببُطلانِ ادِّعاءِ الرَّافِضِيَّةِ الطَّاعِنينَ على المُصحَفِ المُجمَعِ عليه بأنَّ القُرآنَ حِملُ جَمَلٍ، وأنَّه عندَ الإمامِ الذي هو عندَهم إمامُ الزَّمانِ. وإذا ثَبت ذلك فلو كانت مِنْ الحَمدِ لَكانَ بيَّنها بَيانًا شائِعًا مُتَواتِرًا، ولو كانَ فعلَ ذلك لم يَقع خِلافٌ، كما لم يَقعِ الخِلافُ في أنَّ ما في السُّورةِ منها، هذا هو العُمدةُ مع الذي قبلَه مِنْ الاستِدلالِ. فأمَّا مِنْ طَريقِ أخبارِ الآحادِ فيما يتعلَّقُ بأجزاءِ الصَّلاةِ، مع عدمِ قِراءَتِها فيما رُويَ عنه ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ اللهَ يَقولُ: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وبينَ عَبدي نِصفَينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لِعَبدي، ولِعَبدي ما سألَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، يَقولُ اللهُ: حَمِدَني عَبدي … إلى أن قالَ: فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، يَقولُ اللهُ : هذه الآيةُ نِصفُها لي، ونِصفُها لِعَبدي، ولِعَبدي ما سألَ»، ففي هذا دَليلانِ:

стр. 964

أحَدُهما: أنَّه قالَ: يَقولُ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، ولو كانَت منها لَكانَ يَقولُ: فإذا قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. والآخَرُ: إخبارُه بأنَّها نِصفانِ، وهذا لا يُمكِنُ إلا أن يَكونَ أوَّلُها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، وإلا كانَ أكثرَ مِنْ نِصفِها، وقالَ ﵇: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورةً ما أُنْزِلَ في التَّوراةِ ولا في الإنجِيلِ مِثلُها»، فذكرَ إلى أن قالَ: «كَيفَ تَقُولُ إذا افتَتحتَ الصَّلاةَ؟ فقَرَأتُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، حتى أتَيتُ على آخرِها»، مَوضِعُ الدَّليلِ أنَّه لم يَذكُرِ التَّسمِيَةَ، ولم يُنكِر ذلك عليه، فدلَّ على أنَّها لَيسَت منها (١). وقالَ الحَنابلَةُ في الصَّحِيحِ مِنْ المَذهبِ: إنَّ البَسمَلَةَ ليست بآيَةٍ مِنْ الفاتِحةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ قِراءةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَشروعةٌ في الصَّلاةِ في أوَّلِ الفاتِحةِ، وأوَّلِ كلِّ سُورةٍ، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ … ؛ لمَا رَوى نُعَيمٌ المُجمِرُ أنَّه قالَ: «صلَّيتُ وَراءَ أبي هُريرةَ فَقرأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأَ بِأُمِّ القُرآنِ، وقالَ: وَالَّذي نَفسِي بيَدِه إنِّي لَأَشبَهكُم صَلاةً بِرَسولِ اللهِ ﷺ » (٢).

стр. 965

ثم قالَ: واختلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ هل هي آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ تَجِبُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ أو لا، فعَنه أنَّها مِنْ الفاتِحةِ، وذَهب إليه أبو عَبد اللهِ بنُ بَطَّةَ وأبو حَفصٍ، وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ والشافِعيِّ وإسحاقَ وأبي عُبَيدٍ، قالَ ابنُ المُبارَكِ: مَنْ تركَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد تركَ مِئةً وثَلاثَ عَشرَةَ آيَةً، وكذلك قالَ الشافِعيُّ: هي آيَةٌ مِنْ كلِّ سُورةٍ؛ لِحَديثِ أُمِّ سَلمةَ، ورَوى أبو هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا قَرَأتُمُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاقرَؤُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فإنَّها أُمُّ الكتابِ، وإنَّها السَّبعُ المَثاني، وَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنها»، ولأنَّ الصَّحابةَ ﵃ أثبَتوها في المَصاحِفِ بخَطِّهم، ولم يُثبِتوا بينَ الدَّفتَينِ سِوى القُرآنِ. ورُويَ عن أحمدَ أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ، وليست آيَةً مِنْ غيرِها، ولا يجبُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ، وهي المَنصورةُ عندَ أصحابِه، وقولُ أبي حَنيفَةَ ومالِكٍ والأوزاعِيِّ وعَبد اللهِ بنِ مَعبَدٍ الرُّمَّانِيِّ. واختُلِفَ عن أحمدَ فيها، فقيلَ عنه: هي آيَةٌ مُفرَدَةٌ، كانَت تَنزِلُ بينَ سُورَتَينِ؛ فَصلًا بينَ السُّوَرِ. وعنه: إنَّما هي بَعضُ آيَةٍ مِنْ سُورةِ النَّملِ. كذلك قالَ عَبد اللهِ بنُ مَعبَدٍ والأوزاعِيُّ: ما أُنزِلَت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَّا في سُورةِ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. والدَّليلُ على أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ ما رَوى أبو هُريرةَ قالَ سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ تَعالى قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ،

стр. 966

وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» أخرَجهُ مُسلِمٌ. فلو كانَت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً، لَعَدَّها وبَدأَ بها، ولم يَتحَقَّقِ التَّنصيفُ؛ لأنَّ آياتِ الثَّناءِ تَكونُ أربَعًا ونِصفَ آيَةٍ، ولأنَّ آياتِ الدُّعاءِ تَكُونُ اثنَتَينِ ونِصفَ آيَةٍ، وعلى ما ذكَرنا يَتحَقَّقُ التَّنصيفُ. فإن قيلَ: فقد رَوى عبدُ اللهِ بنُ زِيادِ بنِ سَمعانَ: يَقولُ عَبدي إذا افتَتحَ الصَّلاةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيَذكُرُني عَبدي. قُلنا: ابنُ سَمعانَ مَتروكُ الحَديثِ، لا يُحتَجُّ به، قالَه الدَّارقُطنيُّ، واتِّفاقُ الرُّواةِ على خِلافِ رِوايَتِه أولَى بالصَّوابِ. ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «سُورةٌ هي ثَلاثونَ آيَةً، شَفَعَت لِقارِئِها، ألا وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وهي ثَلاثونَ آيَةً سِوَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وأجمعَ النَّاسُ على أنَّ سُورةَ الكَوثَرِ ثَلاثُ آياتٍ بدُونِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانَت منها لَكانَت أربَعًا، ولأنَّ مَواضِعَ الآيِ تَجري مَجرى

стр. 967

الآيِ أنفُسِها في أنَّها لا تَثبُتُ إلا بالتَّواتُرِ، ولم يُنقَل في ذلك تَواتُرٌ. فأمَّا قولُ أُمِّ سَلمةَ فهو مِنْ رَأيِها، ولا يُنكَرُ الاختِلافُ في ذلك على أنَّنا نَقُولُ: هي آيَةٌ مُفرَدةٌ؛ لِلفَصلِ بينَ السُّوَرِ. وحَديثُ أبي هُريرةَ مَوقوفٌ عليه؛ فإنَّه مِنْ رِوايةِ أبي بَكرٍ الحَنَفيِّ عن عَبد الحَميدِ بنِ جَعفَرٍ عن نُوحِ بنِ أبي بِلالٍ قالَ: قالَ أَبو بَكرٍ: راجَعتُ فيه نُوحًا، فوقفَه، وهذا يدلُّ على أنَّ رَفعَه كانَ وَهمًا من عَبد الحَميدِ، وأمَّا إثباتُها بينَ السُّوَرِ في المُصحَفِ فلِلفَصلِ بينَها؛ ولذلك أُفرِدَت سَطرًا على حِدَتِها (١). وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ؛ لِحَديثِ أُمِّ سَلمةَ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأَ في الصَّلاةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَعَدَّهَا آيَةً، وَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيَتَينِ» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الكتابِ فَاقرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فَأنَّها أُمُّ القُرآنِ وَالسَّبعُ المَثَانِي، وَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحدَى آيَاتِهَا» (٣). ولأنَّ الصَّحابَةَ ﵃ أثبَتُوها فيما جَمَعوا مِنْ القُرآنِ؛ فدلَّ على أنَّها آيَةٌ منها. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ كامِلةٌ

стр. 968

مِنْ أوَّلِ الفاتِحةِ بلا خِلافٍ، وليست في أوَّلِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، بإجماعِ المُسلِمِينَ، وأمَّا باقي السُّوَرِ غيرِ الفاتِحةِ وَ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، ففي البَسمَلَةِ في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ منها ثَلاثَةُ أقوالٍ، حَكاها الخُراسَانِيُّونَ، أصحُّها وأشهَرُها -وهو الصَّوابُ، أوِ الأصوَبُ- أنَّها آيَةٌ كامِلةٌ، والثاني: أنَّها بَعضُ آيَةٍ، والثَّالثُ: أنَّها ليست بقُرآنٍ في أوائِلِ السُّوَرِ غيرِ الفاتِحةِ، والمَذهبُ أنَّها قُرآنٌ في أوائِلِ السُّوَرِ، غيرَ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، ثم هل هي في الفاتِحةِ وغيرِها قُرآنٌ على سَبيلِ القَطعِ، كسائرِ القُرآنِ، أو على سَبيلِ الحُكمِ؛ لاختِلافِ العُلماءِ فيها وَجهانِ مَشهورانِ لِأصحابِنا، حَكاهُما المَحامِليُّ وصاحِبُ الحاوي والبَندَنيجِيُّ، أحَدُهما: على سَبيلِ الحُكمِ بمَعنى أنَّه لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا بقِراءَتِها في أوَّلِ الفاتِحةِ، ولا يَكونُ قارِئًا لِسُورةٍ غيرِها بكَمالِها إلا إذا ابتَدَأَها بالبَسمَلَةِ (والصَّحِيحُ) أنَّها ليست على سَبيلِ القَطعِ؛ إذ لا خِلافَ بينَ المُسلِمِينَ أنَّ نافيَها لا يَكفرُ، ولو كانَت قُرآنًا قَطعًا لَكفرَ، كمَن نَفَى غيرَها، فعَلى هذا يُقبلُ في إثباتِها خَبرُ الواحدِ، كسائرِ الأحكامِ، وإذا قالَ: هي قُرآنٌ على سَبيلِ القَطعِ، لم يُقبل في إثباتِها خَبرُ الواحدِ، كسائرِ القُرآنِ، وإنَّما ثَبت بالنَّقلِ المُتواتِرِ عن الصَّحابةِ في إثباتِها في المُصحَفِ، كما سَيَأتي تَحريرُه في فَرعِ مَذاهبِ العُلماءِ إن شاءَ اللهُ تَعالى. وضَعَّفَ إمامُ الحَرمَينِ وغيرُه قولَ مَنْ قالَ: إنَّها قُرآنٌ على سَبيلِ القَطعِ، قالَ الإمامُ: هذه غَباوَةٌ عَظيمةٌ مِنْ قائِلِ هذا؛ لأنَّ ادِّعاءَ العِلمِ حيث لا قاطِعَ مُحالٌ. وقالَ صاحِبُ الحاوي: قال جُمهورُ أصحابِنا: هي آيَةٌ، حُكمًا لا قَطعًا. وقالَ أبو علِيِّ بنُ هُبيرةَ: هي آيَةٌ مِنْ أوَّلِ كلِّ سُورةٍ غيرِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ قَطعًا، ولا خِلافَ عندَنا أنَّها تَجِبُ قِراءَتُها في أوَّلِ الفاتِحةِ، ولا

стр. 969

تَصحُّ الصَّلاةُ إلَّا بها؛ لأنَّها كبَقيَّةِ الفاتِحةِ، قالَ الشافِعيُّ والأصحابُ: ويُسنُّ الجَهرُ بالبَسمَلَةِ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ في الفاتِحةِ، وفي السُّورةِ، وهذا لا خِلافَ فيه عندَنا. فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ في إثباتِ البَسمَلَةِ وعدمِه: اعلَم أنَّ مَسألةَ البَسمَلَةِ عَظيمةٌ مُهِمَّةٌ، يَنبَني عليها صحَّةُ الصَّلاةِ التي هي أعظَمُ الأركانِ بعدَ التَّوحيدِ، ولهذا المَحَلِّ الأعلى الذي ذَكَرتُه مِنْ وَصفِها اعتنَى العُلماءُ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأَخِّرينَ بشَأنِها، وأكثرُوا التَّصانيفَ فيها مُفرَدةً، وقد جَمعَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ المَقدِسِيُّ الدِّمَشقِيُّ ذلك في كتابِه المَشهورِ، وحَوَى فيه مُعظَمَ المُصَنَّفاتِ في ذلك في مُجلَّدٍ كَبيرٍ، وأنا -إن شاءَ اللهُ تَعالى- أذكُرُ هنا جَميعَ مَقاصِدِه مُختَصَرةً، وأضُمُّ إليها تَتِمَّاتٍ لا بدَّ منها، فأقُولُ: قد ذكَرنا أنَّ مَذَهبنا أنَّ البَسمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أوَّلِ الفاتِحةِ بلا خِلافٍ، فكذلك هي آيَةٌ كامِلةٌ مِنْ أوَّلِ كلِّ سُورةٍ غيرِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، على الصَّحِيحِ مِنْ مَذهبِنا، كما سبقَ، وبهذا قالَ خَلائِقُ لا يُحصَونَ مِنْ السَّلفِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: وقد تَنازَعَ العُلماءُ هل هي آيَةٌ أو بَعضُ آيَةٍ مِنْ كلِّ سُورةٍ، أو ليست مِنْ القُرآنِ إلا في سُورةِ النَّملِ أو هي آيَةٌ مِنْ كتابِ اللهِ، حيثُ كُتِبت في المَصاحِفِ، وليست مِنْ السُّوَرِ، على ثَلاثةِ أقوالٍ، والقولُ الثَّالثُ هو أوسَطُ الأقوالِ، وبه تَجتَمِعُ الأدلَّةُ؛ فإنَّ كتابَةَ

стр. 970

الصَّحابةِ لها في المَصاحِفِ دَليلٌ على أنَّها مِنْ كتابِ اللهِ، وفي كَونِهم فَصَلوها عن السُّورةِ التى بعدَها دَليلٌ على أنَّها ليست منها، وقد ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «نزلَت علَيَّ آنِفًا سُورةٌ»، فقرأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، إلى آخرِها. وثَبت في الصَّحِيحِ «أنَّه أوَّلَ ما جاءَ المَلَكُ بالوَحيِ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]»، فهَذا أوَّلُ ما نزلَ، ولم يَنزِل قبلَ ذلك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وثَبت عنه في السُّننِ أنَّه ﷺ قالَ: «سُورةٌ مِنْ القُرآنِ ثَلاثونَ آيَةً شَفَعَت لِرَجلٍ حتى غُفِرَ له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾»، وهي ثَلاثونَ آيَةً بدُونِ البَسمَلَة. وثَبت عنه في الصَّحِيحِ أنَّه قالَ: «يَقولُ اللهُ تَعالى: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ».

стр. 971

فهذا الحَديثُ صَحِيحٌ صَريحٌ في أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ، ولم يُعارِضه حَديثٌ صَحِيحٌ صَريحٌ، وأجوَدُ ما يُرَى في هذا البابِ مِنْ الحَديثِ إنَّما يدلُّ على أنَّه يقرأُ بها في أوَّلِ الفاتِحةِ، لا يدلُّ على أنَّها منها، ولهذا كانَ القُرَّاءُ منهم مَنْ يَقرأُ بها في أوَّلِ السُّورةِ، ومنهم مَنْ لا يَقرأُ بها، فدلَّ على أنَّ كِلَا الأمرَينِ سائِغٌ، لكنَّ مَنْ قرأَ بها كانَ قد أتَى بالأفضَلِ، وكذلك مَنْ كرَّر قِراءَتَها في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ كانَ أحسَنَ ممَّن تركَ قِراءَتَها؛ لأنَّه قرأَ ما كَتَبَه الصَّحابَةُ في المَصاحِفِ، فلو قُدِّرَ أنَّهم كَتَبوها على وَجهِ التَّبركِ لَكانَ يَنبَغي أن تُقرَأَ على وَجهِ التَّبركِ، وإلا فكيفَ يَكتُبونَ في المُصحَفِ ما لا يُشرعُ قِراءَتُه، وهم قد جَرَّدُوا المُصحَفَ عمَّا ليس مِنْ القُرآنِ، حتى إنَّهم لم يَكتُبوا التَّأمينَ ولا أسماءَ السُّوَرِ ولا التَّخميسَ والتَّعشيرَ، ولا غيرَ ذلك، مع أنَّ السُّنةَ لِلمُصلِّي أن يَقولَ عَقِبَ الفاتِحةِ: (آمِينَ)؟! فكيفَ يَكتُبونَ ما لا يُشرعُ أن يَقولَه، وهم لم يَكتُبوا ما يُشرعُ أن يَقولَه المُصلِّي مِنْ غيرِ القُرآنِ، فإذا جُمِعَ بينَ الأدلَّةِ الَّشرعيَّةِ دلَّت على أنَّها مِنْ كتابِ اللهِ، وليست مِنْ السُّورةِ (١). ٦ - الجَهرُ والإسرارُ بالبَسمَلَةِ: ذَهب الإمامانِ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ إلى أنَّ الجَهرَ بالبَسمَلَةِ غيرُ مَسنونٍ؛ لحَديثِ أنَس بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: «صلَّيتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَعمرَ وَعُثمانَ، فلم أَسمَع أَحدًا منهم يَقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (٢). ولحَديثِ عَبد اللهِ بنِ المُغَفَّلِ السابقِ.

стр. 972

وعن عائِشَةَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَستَفتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكبيرِ وَالقِراءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]». وحَديثِ أبي هُريرةَ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ … » الحَديثَ. وهذا يدلُّ على أنَّه لم يَذكُر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يَجهَر بها (١). وأمَّا حَديثُ أنَسٍ الصَّحِيحُ فليس فيه نَفيُ قِراءةِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ: «فلم أسمَع أحَدًا منهم يَقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، أو «فلم يَكونوا يَجهَرون ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، ورِوايةُ مَنْ رَوى «فلم يَكونوا يَذكُرونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ قِراءةٍ ولا آخرِها»، إنَّما تَدلُّ على نَفيِ الجَهرِ؛ لأنَّ أنَسًا لم يَنفِ إلا ما علِم، وهو لا يَعلَمُ ما كانَ يَقولُه النَّبيُّ ﷺ سِرًّا؛ ولا يُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ النَّبيَّ لم يكن يَسكُتُ، بل كانَ يَصلُ التَّكبيرَ بالقِراءةِ؛ فإنَّه قد ثَبت في الصَّحِيحَينِ أنَّ أبا هُريرةَ قال له: «أرأيتَ سُكوتَكَ بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ، ماذا تَقُولُ؟». قال ابنُ تيميَّةَ ﵀: ومَن تَأوَّلَ حَديثَ أنَسٍ على نَفيِ قِراءَتِها سِرًّا فهو مُقابِلٌ لقولِ مَنْ قالَ: مُرادُ أنَسٍ أنَّهم كانوا يَفتَتِحونَ بفاتِحةِ الكتابِ قبلَ غيرِها مِنْ السُّوَرِ، وهذا أيضًا ضَعيفٌ؛ فإنَّ هذا مِنْ العِلمِ العامَّ الذي ما زالَ النَّاسُ يَفعلونَه، وقد كانَ الحَجَّاجُ بنُ يُوسفَ وغيرُه مِنْ الأُمَراءِ الَّذينَ صلَّى خلفَهم أنَسٌ يَقرؤُونَ الفاتِحةَ قبلَ السُّورةِ ولم يُنازِع في ذلك أحَدٌ، ولا سُئلَ عن ذلك أحَدٌ، لا أنَسٌ ولا غيرُه، ولا يَحتَاجُ أن يَروِيَ أنَسٌ هذا عن النَّبيِّ

стр. 973

وصاحِبَيه، ومَن رَوى عن أنَسٍ أنَّه شَكَّ هل كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقرأُ البَسمَلَةَ أو لا يَقرؤُها فرِوايَتُه تُوافِقُ الرِّواياتِ الصَّحِيحةَ؛ لأنَّ أنَسًا لم يكن يَعلَمُ هل قَرَأها سِرًّا أو لا، وإنَّما نَفَى الجَهرَ (١). وهو أيضًا قولُ المالِكيَّةِ إذا قَرَأها فإنَّه يُسِرُّ بها. قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: قد بيَّنا أنَّ المُستحَبَّ تَركُ قِراءَتِها، فإن قَرَأها لم يَجهَر بها؛ خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لمَا رَوى أنَسٌ قالَ: «صلَّيتُ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ؛ فكانوا لا يَجهَرونَ بها»، ورُويَ مِثلُه عن ابنِ مَسعودٍ وعائِشَةَ. ورُويَ عن عَبد اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ «أنَّه قالَ لابنِه ورَآهُ يَجهَرُ بها: إيَّاكَ والحَدثَ؛ فإنِّي صلَّيُت مع رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ فلم أسمَع أحَدًا منهم يَقرؤُها؛ إذا قَرأتَ فقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (٢). وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّه يُسنُّ الجَهرُ بالبَسمَلَةِ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ في الفاتِحةِ وفي السُّوَرِ. قالَ الخَطيبُ: وأمَّا التَّابِعونَ ومَن بعدَهم ممَّن قالَ بالجَهرِ، فهُم أكثرُ مِنْ أن يُذكَروا، وأوسَعُ مِنْ أن يُحصَروا.

стр. 974

وقالَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: والجَهرُ بالبَسمَلَةِ هو الذي قَرَّرَه الأئمَّةُ الحُفَّاظُ واختارُوه وصَنَّفوا فيه، مثلَ مُحمدِ بنِ نَصرٍ المَروَزيِّ، وأبي بَكرِ بنِ خُزَيمةَ، وأبي حاتِمِ بن حِبَّانَ، وأبي الحَسنِ الدَّارَقُطنِيِّ، وأبي عَبد اللهِ الحاكِمِ، وأبي بَكرٍ البَيهَقِيِّ، والخَطيبِ، وأبي عمرَ بنِ عَبد البرِّ، وغيرِهم، ﵏. قالَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: وأمَّا أحاديثُ الجَهرِ فالحُجَّةُ قائِمةٌ بما شَهِدَ له بالصِّحَّةِ، منها ما هو مَروِيٌّ عن سِتَّةٍ مِنْ الصَّحابةِ، أبي هُريرةَ، وأُمِّ سَلمةَ، وابنِ عبَّاسٍ، وأنَسٍ، وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ ﵃. أمَّا أبو هُريرةَ فوَرَدت عنه أحادِيثُ دَالَّةٌ على ذلك مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: الأوَّلُ: ما هو مُستَنبَطٌ مِنْ مُتَّفَقٍ على صحَّتِه، رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ قالَ: «في كلِّ صَلاةٍ قِراءَةٌ». وفي رِوايةٍ: «لا صَلاةَ إلَّا بِقِراءَةٍ». قالَ أبو هُريرةَ: «فما أَعلَنَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَعلَنَّاهُ لَكُم، وما أَخفَاهُ أَخفَينَاهُ لَكُمْ»، وفي رِوايةٍ: «فما أَسمعَنَا النَّبيُّ ﷺ أَسمَعنَاكُم، وما أَخفَى مِنَّا أَخفَينَاهُ مِنْكُمْ». كلُّ هذه الألفاظِ في الصَّحِيحِ، وبَعضُها في الصَّحِيحَينِ، وبَعضُها في أحَدِهما، ومَعناه يَجهَرُ بما جهرَ به، ويُسِرُّ بما أسَرَّ به، ثم قد ثَبت عن أبي هُريرةَ: «أنَّه كانَ يَجهَرُ في صَلاتِه بالبَسمَلَةِ، فدلَّ على أنَّه سمِع الجَهرَ بها مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ». قالَ الخَطيبُ أَبو بَكرٍ الحافِظُ البَغداديُّ: الجَهرُ بالتَّسمِيَةِ مَذهبٌ لِأبي هُريرةَ حُفِظَ عنه، واشتُهِرَ به، ورَواهُ عنه غيرُ واحدٍ مِنْ أصحابِه.

стр. 975

الوَجهُ الآخَرُ: حَديثُ نُعَيمِ بنِ عَبد اللهِ المُجمِرِ قالَ: «صلَّيتُ وَراءَ أبي هُريرةَ ﵁ فَقرأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأَ بِأُمِّ القُرآنِ، حتى إذا بلغَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فقالَ: آمِينَ، فقالَ النَّاسُ: آمِينَ. وَيَقولُ كلَّمَا سجدَ: اللهُ أَكبَرُ، وإذا قامَ مِنْ الجُلُوسِ في الِإثنَتَينِ قالَ: اللهُ أَكبَرُ، وإذا سلَّم قالَ: وَالَّذي نَفسِي بيَدِه إنِّي لَأَشبَهكُم صَلاةً بِرَسولِ اللهِ ﷺ » (١). رَواهُ النَّسائيُّ في سُننَهِ، وابنُ خُزَيمةَ في صَحِيحِه، قالَ ابنُ خُزَيمةَ في مُصَنَّفِه: فأمَّا الجَهرُ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصَّلاةِ فقد صحَّ وثَبت عن النَّبيِّ ﷺ بإسنادٍ ثابِتٍ مُتَّصِلٍ لا شَكَّ ولا ارتِيابَ عندَ أهلِ المَعرِفةِ بالأخبارِ في صحَّةِ سَنَدِه واتِّصالِه، فذكرَ هذا الحَديثَ، ثم قالَ: فقد بانَ وثَبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَجهَرُ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصَّلاةِ. وأخرَجهُ أبو حاتِمِ بنُ حِبَّانَ في صَحِيحِه، والدَّارَقُطنيُّ في سُننِه، وقالَ: هذا حَديثٌ صَحِيحٌ، ورُواتُه كلُّهم ثِقاتٌ، ورَواه الحاكِمُ وقالَ: هذا حَديثٌ صَحِيحٌ على شَرطِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ، واستَدلَّ به الحافِظُ البَيهَقيُّ في كتابِ الخِلافياتِ، ثم قالَ: رُواةُ هذا الحَديثِ كلُّهم ثِقاتٌ مُجمَعٌ على عَدالَتِهم مُحتَجٌّ بهم في الصَّحِيحِ. وقالَ في «السُّننِ الكُبرى»: وهو إسنادٌ صَحِيحٌ، وله شَواهِدُ، واعتَمدَ عليه الحافِظُ أَبو بَكرٍ الخَطيبُ في أوَّلِ كتابِه الذي صَنَّفَه في الجَهرِ بالبَسمَلَةِ في الصَّلاةِ، فرَواه مِنْ وُجوهٍ مُتَعَدِّدةٍ مَرضِيَّةٍ، ثم قالَ: هذا الحَديثُ ثابِتٌ صَحِيحٌ لا يُتَوَجَّهُ إليه تَعليلٌ في اتِّصالِه، وثِقَةِ رِجالِه.

стр. 976

الوَجهُ الثَّالثُ: ما رَواهُ الدَّارقُطنيُّ في سُننِه عن أبي هُريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ : «كانَ إِذَا قرأَ وَهو يَؤُمُّ النَّاسَ افتَتحَ الصَّلاة بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ أَبُو هُريرةَ: «هي آيَةٌ مِنْ كتابِ اللَّهِ، اقرَؤُوا إِنْ شِئتُم فَاتِحَةَ الكتابِ؛ فإنَّها الآيَةُ السابعَةُ». وفي رِوايةٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ قرأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ الدَّارقُطنيُّ: رِجالُ إسنادِه كلُّهم ثِقاتٌ، وقالَ الخَطيبُ: قد رَوى جَماعةٌ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَجهَرُ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويَأمُرُ به، فذكرَ هذا الحَديثَ، وقالَ -بَدلَ «قرأَ» -: «وَجهرَ». وعنِ الزُّهرِيِّ عن ابنِ المُسيِّبِ عن أبي هُريرةَ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفتَتِحُ القِراءَةَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وعن أبي حازِمٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجهَرُ بِقِراءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: فلا عُذرَ لِمَنْ يترُكُ صَريحَ هذه الأحاديثِ عن أبي هُريرةَ ويَعتمِدُ حَديثَ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ». ويَحمِلُه على تَركِ التَّسمِيَةِ مُطلَقًا، أو على الإسرارِ؛ وليس في ذلك تَصريحٌ بشَيءٍ منها، والجَميعُ رِوايةُ صَحابيٍّ واحدٍ، فالتَّوفيقُ بينَ رِواياتِهم أَولَى مِنْ اعتِقادِ اختِلافِهم، مع أنَّ هذا الحَديثَ الذي رَواهُ الدَّارقُطنيُّ بإسنادِه حَديثُ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ» بعَينِه؛ فوجبَ حَملُ الحَديثَينِ على ما صرَّح به في أحَدِهما. وأمَّا حَديثُ أُمِّ سَلمةَ فرَواه جَماعةٌ مِنْ الثِّقاتِ عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَبد اللهِ بنِ أبي مُلَيكَةَ عنها ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِراءَتَه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 977

(٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ١ - ٤]». وفي رِوايةٍ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يُقَطِّعُهَا حَرفًا حَرفًا». وفي رِوايةٍ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا قرأَ يُقَطِّعُ قِراءَتَه آيَةً آيَةً». رَواهُ الحاكِمُ وابنُ خُزَيمةَ والدَّارقُطنيُّ، وقالَ: إسنادُهُ كلُّهم ثِقاتٌ، وهو إسنادٌ صَحِيحٌ، وقالَ الحاكِمُ: هو صَحِيحٌ على شَرطِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ، ورَواه عمرُ بنُ هارونَ البَلخِيُّ عن ابنِ جُرَيجٍ عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ عن أُمِّ سَلمةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قرأَ في الصَّلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فعَدَّها آيَةً، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيَتَينِ … » الحَديثَ. وأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فرَواه الدَّارقُطنيُّ في سُننَهِ والحاكِمُ بإسنادِه عن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجهَرُ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ الحاكِمُ: هذا إسنادٌ صَحِيحٌ، وليس له عِلَّةٌ، وأخرَج الدَّارقُطنيُّ حَديثَينِ، كِلاهما عن ابنِ عبَّاسٍ، وقالَ في كلِّ واحدٍ منهما: هذا إسنادٌ صَحِيحٌ، ليس في رُواتِه مَجروحٌ، أحَدُهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «جهرَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». والآخَرُ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفتَتِحُ القِراءَةَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وهذا الآخَرُ رَواه التِّرمِذِيُّ: قالَ: ليس إسنادُه بذاك. قالَ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: فحصَل لنا والحَمدُ للهِ عِدَّةُ أحادِيثَ عن ابنِ عبَّاسٍ صحَّحها الأئمَّةُ. وأمَّا حَديثُ أَنسٍ وعلِيٍّ وسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ ﵃ فمَن أرادَ الاطِّلاعَ عليه فليُراجِعِ المَجموَع لِلنَّوَويِّ، وإنَّما تَرَكتُها لِلإطالةِ، واللهُ المُوَفِّقُ.

стр. 978

قالَ النَّوويُّ ﵀: واعلَم أنَّ مَسألةَ الجَهرِ ليست مَبنيَّةً على مَسألةِ إثباتِ البَسمَلَةِ؛ لأنَّ جَماعةً ممَّن يَرى الإسرارَ بها لا يَعتقدونها قُرآنًا، بل يَرَونَها مِنْ سُننِه، كالتَّعوُّذِ والتَّأمينِ، ولأنَّ جَماعةً ممَّن يَرى الإسرارَ بها يَعتقدونها قُرآنًا، وإنَّما أسَرُّوا بها وجهرَ أولئك لمَا تَرجَّح عندَ كلِّ فَريقٍ مِنْ الأخبارِ والآثارِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: اتَّفق العُلماءُ على أنَّه إذا فعلَ كُلًّا مِنْ الأمرَينِ، كانَت عِبادَتُه صَحِيحةً، ولا إثم عليه: لكِن يُنازِعونَ في الأفضَلِ. ومَسألةُ الجَهرِ بالبَسمَلَةِ مِنْ هذا البابِ؛ فإنَّهم مُتَّفِقونَ على أنَّ مَنْ جهرَ بالبَسمَلَةِ صحَّت صَلاتُه، ومَن خافَتَ صحَّت صَلاتُه (٢). وقالَ أيضًا: وأمَّا البَسمَلَةُ فلا رَيبَ أنَّه كان في الصَّحابةِ مَنْ يَجهَرُ بها، وفيهم مَنْ كانَ لا يَجهَرُ بها، بل يَقرؤُنَها سِرًّا أو لا يَقرؤُنَها، والَّذينَ كانوا يَجهَرونَ بها أكثرُهم كان يَجهَرُ بها تارَةً ويُخافِتُ بها أُخرى، وهذا لأنَّ الذِّكرَ قد تَكونُ السُّنةُ المُخافَتَةَ به، ويَجهَرُ به لِمَصلحَةٍ راجِحةٍ مثلَ تَعليمِ المَأمومينَ؛ فإنَّه قد ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قد جهرَ بالفاتِحةِ على الجِنازةِ؛ لِيُعلِّمَهم أنَّها سُنَّةٌ … وثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ يَقولُ: «اللهُ أكبَرُ سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحَمدِكَ وتَباركَ اسمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلهَ غيرُكَ»، يَجهَرُ بذلك

стр. 979

مرَاتٍ كَثيرةً. واتَّفق العُلماءُ على أنَّ الجَهرَ بذلك ليس بسُنَّةٍ رَاتِبةٍ، لكِن جهرَ به لِلتَّعليمِ، ولذلك نُقِلَ عن بعضِ الصَّحابةِ أنَّه كانَ يَجهَرُ أحيانًا بالتَّعوُّذِ، فإذا كانَ مِنْ الصَّحابَةِ مَنْ جهرَ بالاستِفتاحِ والاستِعاذةِ مع إقرارِ الصَّحابةِ له على ذلك، فالجَهرُ بالبَسمَلَةِ أَولى أن يَكونَ كذلك، وأن يُشرعَ الجَهرُ بها أحيانًا لِمَصلَحةٍ راجِحةٍ. لكِن لا نِزاعَ بينَ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَجهَر بالاستِفتاحِ ولا بالاستِعاذةِ، بل قد ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ أبا هُريرةَ قال له: يا رَسولَ اللهِ، أرأيتَ سُكوتَكَ بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ؟ ماذا تَقُولُ؟ قالَ: «أقُولُ: اللَّهمَّ باعِد بَينِي وبينَ خَطايَايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرِقِ والمَغربِ، اللَّهمَّ نَقِّني مِنْ خَطايَايَ كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ مِنْ الدَّنسِ، اللَّهمَ اغسِلني مِنْ خَطايَاي بالثَّلجِ والماءِ والبَرَدِ». وفي «السُّننِ» عنه: أنَّه كانَ يَستَعيذُ في الصَّلاةِ قبلَ القِراءةِ، والجَهرُ بالبَسمَلَةِ أقوَى مِنْ الجَهرِ بالاستِعاذةِ؛ لأنَّها آيَةٌ مِنْ كتابِ اللهِ تَعالى، وقد تَنازَعَ العُلماءُ في وُجوبِها، وإن كانوا قد تَنازَعوا في وُجوبِ الاستِفتاحِ، والاستِعاذةِ، وفي ذلك قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، لكنَّ النِّزاعَ في ذلك أضعَفُ مِنْ النِّزاعِ في وُجوبِ البَسمَلَةِ. والقائِلونَ بوُجوبِها مِنْ العُلماءِ أفضَلُ وأكثرُ، لكِن لم يثبُت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يَجهَرُ بها، وليس في الصِّحاحِ ولا السُّننِ حَديثٌ صَحِيحٌ صَريحٌ بالجَهرِ، والأحاديثُ الصَّريحةُ بالجَهرِ كلُّها ضَعيفةٌ، بل مَوضوعةٌ، ولهذا لمَّا صَنَّفَ الدَّارقُطنيُّ مُصَنَّفًا في ذلك قيلَ له: هل في ذلك

стр. 980

شَيءٌ صَحِيحٌ؟ فقالَ: أمَّا عن النَّبيِّ ﷺ فلا، وأمَّا عن الصَّحابَةِ فمِنه صَحِيحٌ، ومنه ضَعيفٌ. ولو كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجهَرُ بها دائِمًا لَكانَ الصَّحابةُ يَنقُلونَ ذلك، ولَكانَ الخُلفاءُ يَعلَمون ذلك، ولَمَا كانَ النَّاسُ يَحتَاجونَ إلى أن يَسألوا أنَسَ بنَ مالِكٍ بعدَ انقِضاءِ عَصرِ الخُلَفاءِ، ولَما كانَ الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ ثم خُلَفاءُ بَني أُمَيَّةَ وبَنِي العَبَّاسِ كلُّهم مُتَّفِقِينَ على تَركِ الجَهرِ، ولَمَا كانَ أهلُ المَدينةِ -وهُم أعلَمُ أهلِ المَدائِنِ بسُنَّتِه ﷺ يُنكِرونَ قِراءَتَها بالكلِّيَّةِ سِرًّا وَجَهرًا، والأحادِيثُ الصَّحِيحةُ تَدلُّ على أنَّها آيَةٌ مِنْ كتابِ اللهِ، وليست مِنْ الفاتِحةِ، ولا غيرِها (١). ٧ - التَّأمينُ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ التَّأمينَ بعدَ قِراءةِ الفاتِحةِ سُنَّةٌ؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «إذا قالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فَقُولوا: آمِينَ؛ فإنَّه مَنْ وَافَقَ قولُه قولَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقدَّم مِنْ ذَنبِه» (٢). ثم إنَّ التَّأمينَ سُنَّةٌ لِلمُصلِّي -عُمومًا- سَواءٌ كانَ إمامًا أو مَأمومًا أو مُنفرِدًا عندَ الجُمهورِ والإمامِ مالِكٍ في رِوايةٍ، واستَثنَى الإمامُ مالِكٌ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عنه والمِصرِيُّونَ الإمامَ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ، فإنَّه قالَ: لا

стр. 981

يُندَبُ له التَّأمينُ، وكذا المَأمُومُ إذا لم يَسمَع إمامَه يَقولُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]. واحتَجَّ الجُمهورُ بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فإنَّه مَنْ وَافَقَ تَأمِينُه تَأمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقدَّم مِنْ ذَنبِه» (١). ورَوى وائِلُ بنُ حُجرٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا قالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، قالَ: آمِينَ، وَرفعَ بها صَوتَه» (٢). واحتَجَّ مالِكٌ بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «قالَ: إذا قالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فَقُولوا: آمِينَ» (٣). فهذا يدلُّ على أنَّ الإمامَ لا يُؤَمِّنُ، وذلك أنَّه لو كانَ يُؤَمِّنُ لَمَا أمرَ المَأمومَ بالتَّأمِينِ عندَ الفَراغِ مِنْ أُمِّ الكتابِ قبلَ أن يُؤَمِّنَ الإمامُ. قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: في تَأمِينِ الإمامِ رِوايَتانِ، فوَجهُ إثباتِه قولُه ﷺ : «إذا أمَّنَ الإمامُ فأَمِّنُوا»، ورَوى وائِلُ بنُ حُجرٍ أنَّه ﷺ كانَ يَقولُ آمينَ، يَرفَعُ بها صَوتَه، ولأنَّه ذِكرٌ سُنَّ لِلمَأمومِ، فكانَ مَسنونًا لِلإمامِ، كسائرِ الأذكارِ المَسنونةِ؛ لأنَّه مُصَلٍّ، فأشبَهَ المَأمومَ والمُنفرِدَ، ولأنَّ الإمامَ في بابِ الأذكارِ أبلَغُ مِنْ المَأمُومِ؛ لأنَّه يَأتي بما لا يَأتي المَأمُومُ مِنْ القِراءةِ والجَهرِ، وإذا سُنَّ له ما كُرِهَ لِلمَأمومِ كانَ بأن يُسنَّ له ما يُسنُّ لِلمأمومِ أَولَى، واعتِبارًا بإسرارِ القِراءةِ.

стр. 982

ووَجهُ نَفيِه قولُه ﵇: «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به» إلى قولِه: «فإذا قالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فقُولُوا: آمينَ» ففيه دَليلانِ: أحَدُهما: أنَّه لو كانَ مِنْ سُنَّةِ الإمامِ التَّأمينُ لَكانَ يَقولُ: فإذا قالَ: آمينَ، فقُولوا: آمينَ. والآخَرُ: أنَّه بنيَّةِ أمرِ المَأمُومِ على أن تَقَعَ أفعالُه عُقَيبَ أفعالِ الإمامِ، وفي الخَبرِ أنَّه يَقولُ: آمينَ عندَ فَراغِه مِنْ قولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، وذلك يُوجِبُ مُشارَكَتَنا له في الزَّمانِ الذي يَقولُ فيه: آمينَ. ولأنَّ الإمامَ داعٍ والمَأمومَ مُستَمِعٌ، ومِن حقِّ الدُّعاءِ أن يَكونَ المُؤمِّنُ غيرَ الدَّاعي (١). ثم إنَّ السُّنةَ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ أن يَأتيَ المُصلِّي بالتَّأمينِ سِرًّا سَواءٌ كانَ إمامًا أو مَأمومًا أو مُنفرِدًا؛ لأنَّ التَّأمينَ دُعاءٌ، ولأنَّ الأصلَ فيه الإخفاءُ؛ فالإتيانُ به سُنَّةٌ، والإسرارُ به سُنَّةٌ أُخرى، قالَ الحَنفيَّةُ: وعلى هذا تَحصُلُ سُنَّةُ الإتيانِ به، ولو مع الجَهرِ به. وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الجَهرَ بالتَّأمينِ سُنَّةٌ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ لِلإمامِ والمَأمومِ والمُنفرِدِ، ويُسِرُّونَ به في الصَّلاةِ السِّريةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «آمِينَ، وَرفعَ بها صَوتَه» (٢). ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بالتَّأمينِ عندَ تَأمِينِ الإمامِ، فلو لم يَجهَر به لم يُعلِّق عليه، كحالةِ الإخفاءِ (٣).

стр. 983

٨ - قِراءةُ شَيءٍ مِنْ القُرآنِ بعدَ الفاتِحةِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ قِراءةَ سُورةٍ بعدَ الفاتِحةِ مَسنونٌ في الفَجرِ والأُولَيَينِ مِنْ كلِّ رُباعِيَّةٍ والمَغربِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّه يُسنُّ قِراءةُ سُورةٍ مع الفاتِحةِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ كلِّ صَلاةٍ، ويَجهَرُ بها فيما يَجهَرُ فيه بالفاتِحةِ، ويُسِرُّ فيما يُسِرُّ بها فيه، والأصلُ في هذا فِعلُ النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّ أبا قَتادةَ رَوى: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ الظُّهرِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وَسُورَتَينِ، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانيَةِ، وَيُسمِعُ الآيَةَ أَحيَانًا، وَكانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ العَصرِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وَسُورَتَينِ، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانيَةِ، وَكانَ يُطَوِّلُ في الأُولَى مِنْ صَلاة الصُّبحِ، وَيُقَصِّرُ في الثَّانيَةِ» (١). وَفِي رِوَايَةٍ: «فِي الظُّهرِ كانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُخرَيَينِ بِأُمِّ الكتابِ» مُتفقٌ عليه. ورَوى أبو بَرزَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في الصُّبحِ مِنْ السِّتِّينَ

стр. 984

إلى المِئَةِ» (١). وقدِ اشتُهِرَ قِراءةُ النَّبيِّ ﷺ مع الفاتِحةِ في صَلاةِ الجَهرِ، ونُقِلَ نَقلًا مُتَواتِرًا وأمرَ به مُعاذًا فقالَ: «اقرَأ بِالشَّمسِ وَضُحَاهَا، وَبِسَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى، وَاللَّيلِ إذَا يَغشَى» (٢) (٣). واختَلَفوا في قِرءاةِ السُّورةِ بعدَ الفاتِحةِ في الأُخرَيَينِ مِنْ كلِّ رُباعِيَّةٍ، والأخيرةِ مِنْ المَغربِ، هل يُسنُّ أو لا؟ فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُسنُّ؛ لمَا رَوى أبو قَتَادةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في الظُّهرِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ بِأُمِّ الكتابِ وَسُورَتَينِ، وَفِي الرَّكعتَينِ الأُخرَيَينِ بِأُمِّ الكتابِ، وَيُسمِعُنَا الآيَةَ أَحيَانًا» مُتفقٌ عليه. عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قالَ: «شَكا أهلُ الكُوفةِ سَعدًا إلى عمرَ ﵁، فعَزَلَه واستَعمَلَ عليهم عمَّارًا، فشَكَوا حتى ذَكَرُوا أنَّه لا يُحسِنُ يُصلِّي، فأَرسَل إليه، فقالَ: يا أبا إِسحاقَ، إنَّ هَؤُلَاءِ يَزعُمُونَ أنَّكَ لا تُحسِنُ تُصَلِّي. قالَ أبو إِسحاقَ: أمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بهِم صَلاةَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ما أَخرِمُ عنها، أُصَلِّي صَلاةَ العِشاءِ فَأَركُدُ في الأُولَيَينِ، وَأخِفُّ في الأُخرَيَينِ. قالَ: ذاكَ الظَّنُّ بكَ يا أبا إسحَاقَ» (٤).

стр. 985

ولأنَّ الأُولَيَينِ لمَّا اختُصَّتَا في الزِّيادةِ بالجَهرِ فيما يُجهَرُ فيه اختُصَّتَا بزِيادةِ القِراءةِ، ولأنَّ الأُخرَيَينِ لمَّا نقصَتا عنهما في الصِّفةِ، وهي الجَهرُ، نقصَتا في زِيادةِ القِراءةِ (١). وذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسنُّ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في صَلاةِ الظُّهرِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ في كلِّ رَكعَةٍ قَدرَ ثَلاثينَ آيَةً، وفي الأُخرَيَينِ قَدرَ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً، أو قالَ: نِصفِ ذلك، وفي العَصرِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ في كلِّ رَكعَةٍ قَدرَ قِراءَةِ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً، وفي الأُخرَيَينِ قَدرَ نِصفِ ذلك». ولأنَّها رَكعةٌ يُشرعُ فيها الفاتِحةُ، يُشرعُ فيها السُّورةُ، كالأُولَيَينِ، ولا يُفَضِّلُ الرَّكعةَ الأُولى على الثانيةِ في القِراءةِ (٢). ٩ - تَكبيراتُ الانتِقالِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ تَكبيراتِ الانتِقالِ سُنَّةٌ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ؛ لمَا رُويَ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يُكبِّرُ في كلِّ خَفضٍ
следующие страницы →