النبيُّ ﷺ عن جُريجٍ في مَعرضِ المَدحِ وإظهارِ كَرامتِهِ، فكانَتْ تلكَ النِّسبةُ صَحيحةً بتَصديقِ اللهِ تعالى وبإخبارِ النبيِّ ﷺ عن ذلكَ، فثَبتَتِ البُنوَّةُ وأحكامُها.
فإنْ قيلَ: فيَلزمُ على هذا أنْ تَجريَ أحكامُ البُنوَّة والأبوَّةِ مِنَ التوارثِ والوِلاياتِ وغيرِ ذلكَ، وقد اتَّفقَ المُسلمونَ على أنه لا تَوارثَ بينَهما، فلمْ تَصحَّ تلكَ النسبةُ؟
فالجَوابُ: إنَّ ذلكَ مُوجَبُ ما ذكَرْناهُ، وما انعَقدَ عليه الإجماعُ مِنْ الأحكامِ استَثنيناهُ، وبَقيَ الباقي على أصلِ ذلكَ الدَّليلِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: نَصَّ الشافِعيُّ على كَراهةِ تزوُّجِ الرَّجلِ بنتَه مِنْ ماءِ الزِّنى، ولم يَقُلْ قطُّ إنه مُباحٌ ولا جائزٌ، والذي يَليقُ بجَلالتِهِ وإمامتِهِ ومَنصبِهِ الذي أجلَّهُ اللهُ بهِ مِنَ الدِّين أنَّ هذه الكَراهةَ منهُ على وَجهِ التحريمِ، وأطلَقَ لفْظَ الكراهةِ؛ لأنَّ الحَرامَ يَكرهُهُ اللهُ ورسولُهُ (٢).
٣ - وَالأَخَوَاتُ من أي جِهةٍ كُنَّ، شَقيقةً أو لأبٍ أو لأُمٍّ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأختُ هي اسمٌ لكُلِّ أنثى شارَكتْكَ في أحَدِ أصلَيْكَ أو مَجمعِهما، أي الأبِ أو الأمِّ أو كِليهِما (٣).
стр. 9207
٤ - والعَمَّاتُ جَميعُهنَّ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهيَ اسمٌ لكُلِّ أنثَى هيَ أختٌ لأبيكَ أو لكُلِّ ذكَرٍ له عليكَ وِلادةٌ، فيَحرمُ عليهِ مَنْ يقعُ عليها اسمُ العمَّةِ حَقيقةً، وهيَ أختُ أبيه، سواءٌ كانَتْ أختَهُ لأبيهِ وأمِّهِ أو لأبيهِ أولأمِّه، ويَحرمُ عليهِ نكاحُ مَنْ يَقعُ عليها اسمُ العمَّةِ مجازًا، وهيَ كلُّ أختٍ لجَدٍّ مِنْ أجدادِه مِنْ قِبَلِ أبيه أو مِنْ قِبَلِ أمِّه، فالعمَّاتُ أخواتُ الأب مِنَ الجِهاتِ الثلاثِ وأخواتُ الأجدادِ مِنْ قِبَلِ الأبِ ومِن قِبَلِ الأمِّ، قريبًا كانَ الجَدُّ أو بَعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارثٍ، فتَحرمُ عليهِ عمَّتُه وعمَّةُ أبيهِ وعمَّةُ أمهِ وعمَّةُ جدِّهِ وعمَّةُ جَدَّتهِ بالإجماعِ (١).
٥ - والخالاتُ جَميعُهنَّ: لقَولِه تَعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، سواءٌ كُنَّ لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ؛ لإطلاقِ اسمِ الخالةِ، فيَحرمُ عليهِ نكاحُ مَنْ يقعُ عليها اسمُ الخالةِ حَقيقةً، وهيَ أختُ أمِّه لأبيها وأمِّها أو لأبيها أو لأمِّها، ويَحرمُ عليه مَنْ يَقعُ عليها اسمُ الخالةِ مَجازًا، وهيَ أختُ كلِّ جَدَّةٍ لهُ مِنْ قِبَلِ أمِّه أو أبيه، فيَحرمُ عليهِ خالتُه لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ وخالةُ أمِّه لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمٍّ بالإجماعِ، وكذا خالةُ جَدَّتهِ بالإجماعِ، فالخالاتُ أخَواتُ الأمِّ مِنْ الجِهاتِ الثَّلاثِ وأخواتُ الجَدَّاتِ وإنْ عَلَوْنَ؛ لأنَّ كلَّ جدةٍ أمٌّ، فكذلكَ كلُّ أختٍ لجَدَّةٍ خالةٌ مُحرَّمةٌ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٢).
النوع الثاني: المحَرَّمات بالرَّضَاع:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ يَحرمُ مِنَ الرَّضاعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ في بنتِ حمْزَةَ: «لا تَحِلُّ لي، يَحرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هيَ بنتُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ» (١)، ففيهِ دليلٌ على أنَّ الرَّضاعَ مِنْ أسبابِ التَّحريمِ، وأنهُ بمَنزلةِ النسبِ في ثُبوتِ الحُرمةِ؛ لأنَّ ثبوتَ الحُرمةِ بالنَّسبِ لحَقيقةِ البعضيَّةِ أو شُبهةِ البعضيةِ، وفي الرَّضاعِ شُبهةُ البعضيةِ بما يَحصلُ باللبنِ الذي هوَ جُزءُ الآدَميةِ في إنباتِ اللَّحمِ وإنشازِ العَظمِ (٢).
وعن عَمرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيَّ ﷺ أخبَرَتْها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ عِندَها، وأنها سَمعَتْ صَوتَ رَجلٍ يَستأذِنُ في بَيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-،
стр. 9210
قالَتْ عائِشةُ: لو كان فُلانٌ حيًّا -لعَمِّها مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ علَيَّ؟، فقالَ: نَعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).
وعن عُروةَ بن الزُّبَيرِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: استَأذَنَ عَليَّ أفْلَحُ فلَمْ آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبنِ أخي، فقالَتْ: سأَلْتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «صدَقَ أفْلَحُ، ائْذنِي له» (٢).
قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُّ ﵀: المَنصوصُ عليه في التَّنزيلِ مِنَ الرَّضاعِ الأمَّهاتُ والأخواتُ مِنَ الرَّضاعةِ، إلا أنه قد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ بالنقلِ المُستفيضِ المُوجِبِ للعلمِ أنهُ قالَ: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واتَّفقَ الفُقهاءُ على استِعمالِه، واللهُ أعلَمُ (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذهِ الأحاديثُ مُتفِقةٌ على ثبوتِ حُرمةِ الرَّضاعِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ثبوتِها بينَ الرضيعِ والمُرضِعةِ، وأنهُ يَصيرُ ابنَها يَحرمُ عليه نكاحُها أبدًا، ويَحِلُّ له النظرُ إليها والخَلوةُ بها والمُسافَرةُ، ولا يَترتبُ عليهِ أحكامُ الأمومةِ مِنْ كلِّ وجهٍ، فلا يَتوارثانِ ولا يجبُ على واحدٍ منهما نَفقةُ الآخَرِ ولا يُعتَقُ عليه بالملكِ، ولا تُرَدُّ شهادتُه لها ولا يَعقِلُ عنها ولا يَسقطُ عنها القِصاص بقتلِه، فهُما كالأجنبيَّينِ في هذه الأحكامِ.
ويكونُ أختُ الأمِّ مِنَ الرضاعِ خالةً محرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا بنَسبٍ أو رضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجدَّةِ وأمُّها كالخالةِ في التحريمِ، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ.
وعلى هذا يكونُ حُكمُ سائرِ القَراباتِ مِنَ الرضاعِ يُحمَلُ على حكمِ القَراباتِ مِنَ النسبِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنه يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسَبِ (٢).
وأجمَعُوا على أنَّ البكرَ التي لم تُنكَحْ ثمَّ نزَلَ بها لَبنٌ فأرضَعَتْ به مَولودًا أنه ابنُها ولا أبَ له مِنَ الرَّضاعةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: كلُّ امرأةٍ حَرُمَتْ مِنَ النسبِ حَرمَ مثلُها مِنَ الرَّضاعِ، وهُنَّ: الأمَّهاتُ والبناتُ والأخواتُ والعمَّاتُ والخالاتُ وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ على الوجه الذي شرَحْناه في النَّسبِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «يَحرمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحرمُ منَ النسَبِ» مُتفَقٌ عليهِ، وفي روايةِ مُسلمٍ: «الرَّضاعُ يُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ»، وقالَ النبيُّ ﷺ في درةَ بنتِ أبي سلمَة: «إنها لو لم تَكنْ رَبيبتِي في حِجرِي ما حَلَّتْ لي، إنها ابنَةُ أخي مِنَ الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأباها ثُوَيبةُ» مُتفَقٌ عليهِ، لأنَّ الأمَّهاتِ
стр. 9213
والأخواتِ مَنصوصٌ عليهنَّ، والباقياتُ يَدخلْنَ في عُمومِ لَفطِ سائرِ المُحرَّماتِ، ولا نعلمُ في هذا خلافًا (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: لا خِلافَ بينَ الأمَّةِ أنه يَحرمُ مِنْ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كانَتِ الأمُّ مِنَ الرضاعِ محرَّمةً كانَ كذلكَ زوجُها، وصارَ أبًا لمَن أرضَعَتْه زَوجتُه؛ لأنَّ اللبنَ منهما جَميعًا، وإذا كانَ زوجُ التي أرضَعَتْ أبًا كانَ أخوهُ عمًّا وكانَتْ أختُ المرأةِ خالةً، يَحرمُ مِنَ الرضاعِ: العمَّاتُ والخالاتُ والأعمامُ والأخوالُ والأخواتُ وبناتُهنَّ كما يَحرمُ مِنَ النسَبِ، هذا معنى قولِه ﵇: «الرَّضاعةُ تحرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ».
قالَ ابنُ المُنذرِ: إذا أرضَعَتِ امرأةُ الرَّجلِ جاريةً حَرمَتْ على ابنِه وعلى أبيه وعلى جَدِّه وعلى بَني بَنيه وبَني بناتِه، وعلى كلِّ ولدِ ذكَرٍ وولدِ ولدِه، وعلى كلِّ جَدٍّ له مِنْ قِبَلِ أبيه وأمه، وإذا كانَ المرضَعُ غلامًا حرَّمَ اللهُ عليه ولَدَ المرأةِ التي أرضَعَتْهُ وأولادَ الرَّجلِ الذين أُرضعَ هذا الصبيُّ بلَبنِه وهوَ زوجُ المرضِعةِ، ولا تَحلُّ له عمَّتُه مِنْ الرضاعةِ ولا خالتُه، ولا بِنتُ أخيه ولا بِنتُ أختِه مِنْ الرضاعةِ (٢).
стр. 9214
قالَ الحَنفيةُ: وكذا كُلُّ مَنْ يَحرمُ بالصِّهريةِ مِنَ الفِرَقِ الأربعِ بالنسَبِ يَحرمُ بالرضاعِ، حتى يَحرمُ على الواطئِ أمُّ المَوطوءَةِ وبنتُها مِنْ جهةِ الرضاعِ.
وتَحرمُ المَوطوءةُ على أبِ الواطِئِ وابنِه مِنْ جِهةِ الرَّضاعِ، ويَحرمُ موطوءةُ أبِ الرضاعِ على ابنِه مِنْ الرضاعِ، ويَحرمُ مَوطوءةُ ابنِ الرضاعِ على أبِ الرضاعِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا كلُّ مَنْ يَحرمُ ممَّن ذكْرْنا مِنْ الفِرقِ الأربعِ بالمُصاهَرةِ يَحرمُ بالرضاعِ، فيَحرمُ على الرَّجلِ أمُّ زوجتِه وبنتُها مِنْ الرضاعِ، إلا أنَّ الأمَّ تَحرمُ بنفسِ العقدِ إذا كانَ صحيحًا والبنتَ لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ بالأمِّ كما في النسبِ، وكذا جَدَّاتُ الزوجةِ لأبيها وأمِّها وإنْ علَوْنَ، وبناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سفَلْنَ مِنَ الرضاعِ، وكذا يَحرمُ حَليلةُ ابنِ الرضاعِ وابنِ ابنِ الرضاعِ وإنْ سفَلَ على أبي الرضاعِ وأبي أبيه، وتَحرمُ مَنكوحةُ أبي الرضاعِ وأبي أبيه وإنْ علا على ابنِ الرضاع وابنِ ابنه وإنْ سفَلَ، وكذا يَحرمُ بالوطء أمُّ المَوطوءةِ وبنتُها مِنْ الرضاعِ على الواطئِ، وكذا جَداتُها وبناتُ بناتِها، وتَحرمُ الموطوءةُ على أبي الواطئِ وابنِه مِنْ الرضاعِ، وكذا على أجدادِه وإنْ علَوا، وعلى أبناءِ أبنائه وإنْ سفَلُوا، سواءٌ كانَ الوطءُ حلالًا بأنْ كانَ بمِلكِ اليمين أو كانَ الوطءُ بنكاحٍ فاسدٍ أو شُبهةِ نكاحٍ أو كانَ زنًا، والأصلُ أنهُ يَحرمُ بسَببِ الرضاعِ ما يَحرمُ
стр. 9215
بسَببِ النسَبِ وسَببِ المصاهَرةِ إلا في مسألتَين يَختلفُ فيهما حُكمُ المُصاهَرةِ والرضاعِ (١).
وقالَ أيضًا: المرضِعةُ تَحرمُ على المرضَعِ؛ لأنها صارَتْ أمًّا له بالرضاعِ، فتَحرمُ عليهِ لقولِهِ : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مَعطوفًا على قولِهِ تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فسَمَّى المرضِعَةَ أمَّ المرضَعِ وحرَّمَها عليهِ، وكذا بناتُها يَحرمْنَ عليهِ، سواءٌ كُنَّ مِنْ صاحبِ اللبنِ أو مِنْ غيرِ صاحبِ اللبنِ، مَنْ تقدَّمَ منهنَّ ومَن تَأخرَّ؛ لأنهنَّ أخواتُهُ مِنَ الرضاعةِ، وقدْ قالَ اللهُ : ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أثبَتَ اللهُ تعالَى الأخوَّةَ بينَ بناتِ المرضِعَةِ وبينَ المرضَعِ والحُرمةَ بينَهما مطلَقًا مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ أختٍ وأختٍ، وكذا بناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سَفَلْنَ؛ لأنهنَّ بناتُ أخِ المرضَعِ وأختهِ مِنَ الرضاعَةِ، وهنَّ يَحرمْنَ مِنَ النسَبِ، كذا مِنَ الرضاعةِ.
ولو أرضَعَتِ امرأةٌ صغيرَينِ مِنْ أولادِ الأجانبِ صارَا أخوَينِ؛ لكونِهما مِنْ أولادِ المرضِعةِ، فلا يَجوزُ المناكَحَةُ بينَهما إذا كان أحدُهما أنثى.
والأصلُ في ذلكَ: أنَّ كلَّ اثنَين اجتَمعَا على ثَديٍ واحِدٍ صارَا أخوَين أو أختَين أو أخًا وأختًا مِنْ الرضاعةِ، فلا يَجوزُ لأحدِهما أنْ يَتزوَّجَ بالآخَر ولا بولدِه كما في النسَبِ.
стр. 9216
وأمَّهاتُ المرضِعةِ يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ جَداتُه مِنْ قِبَلِ أمِّه مِنَ الرضاعةِ، وآباءُ المرضِعةِ أجدادُ المرضَعِ مِنَ الرضاعةِ، فيَحرمُ عليهِم كما في النسَبِ.
وأخواتُ المرضِعةِ يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ خالاتُه مِنَ الرضاعةِ، وإخوتُها أخوالُ المرضَعِ، فيَحرمُ عليهم كما في النسَبِ.
فأمَّا بناتُ إخوَةِ المرضِعةِ وأخواتِها فلا يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ بناتُ أخوالِهِ وخالاتِهِ مِنَ الرضاعةِ، وإنهنَّ لا يَحرمْنَ مِنَ النسَبِ، فكذا مِنَ الرضاعةِ.
وتحرمُ المرضِعةِ على أبناءِ المرضَعِ وأبناءِ أبنائِه وإنْ سَفَلُوا كما في النسَبِ، هذا تَفسيرُ الحُرمةِ في جانبِ المرضِعةِ.
والأصلُ في هذهِ الجملةِ قولُ النبيِّ ﷺ : «يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ»، فيجبُ العملُ بعُمومِهِ إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ ابنُ المنذِرِ: ولا بأسَ أنْ يتزوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ التي أرضعَتْ ابنَه، وكذلكَ يتزوَّجُ بنتَ المرأةِ التي هيَ رَضيعةُ ابنِه، ولأخِي هذا الصبيِّ المرضَعِ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ التي أرضعَتْ أخاه، ويَتزوَّج ابنتَها التي هيَ رضيعُ أخيهِ، وما أرادَ مِنْ ولَدِها وولَدِ ولدِها، وإنما يَحرمُ نِكاحُهنَّ على المرضَعِ، وهذا مَذهبُ مالكٍ والكوفيِّينَ والشافعيِّ وأبي ثورٍ (٢).
стр. 9217
لَبنُ الفَحلِ هلْ يُحرِّمُ أم لا؟
اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ لبَنَ الفَحلِ يُحرِّمُ ما يُحرِّمُ النسَبُ، فإذا أرضَعَتِ المرأةُ طِفلًا مِنْ وَطءِ رَجلٍ حَرُمَ هذا الطفلُ على الرجلِ زَوجِ هذهِ المرأةِ وأقاربِه كما يَحرمُ ولدُهُ مِنَ النسبِ؛ لِمَا رَويَ عن عَمرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيَّ ﷺ أخبَرَتْها «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ عِندَها، وأنها سَمعَتْ صَوتَ رَجلٍ يَستأذِنُ في بَيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-، قالَتْ عائِشةُ: لو كان فُلانٌ حيًّا -لعَمِّها مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ علَيَّ؟، فقالَ: نَعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).
وعنْ عُروةَ بن الزُّبَيرِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: استَأذَنَ عَليَّ أفْلَحُ فلَمْ آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبنِ أخي، فقالَتْ: سأَلْتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «صدَقَ أفْلَحُ، ائْذنِي له» (٢).
وفي روايةٍ عن عُروةَ عن عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: جاءَ عَمِّي مِنْ الرَّضاعةِ فأستَأذنَ علَيَّ فأَبَيْتُ أنْ آذَنَ له حتَّى أَسألَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فجَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ فسَأَلتُه عن ذلكَ فقالَ: «إنهُ
стр. 9218
عمُّكِ فأْذَنِي لهُ»، قالَتْ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنما أرضَعَتْني المَرأةُ ولم يُرضِعْني الرَّجلُ، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنه عمُّكِ فلْيَلِجْ عليكِ»، قالَتْ عائشةُ: وذلكَ بعدَ أنْ ضُرِبَ علينا الحِجابُ، قالَتْ عائِشةُ: يَحرمُ مِنْ الرَّضاعةِ ما يَحرمُ مِنْ الوِلادةِ (١).
فعائشةُ ﵂ قد رضَعَتْ مِنِ امرأةِ أبي القعيسِ بلَبنِه، فصارَ أبو القعيسِ أبًا لعائِشةَ، وصارَ أخوه عمًّا لعائِشةَ، فأشكَلَ هذا على عائشةَ إذْ لا رَضاعةَ حقيقةً إلا مِنِ امرأةٍ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فلمْ تَرَ للرَّجلِ حُكمًا للرَّضاعِ، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنما أرضَعَتْني المرأةُ ولمْ يُرضِعْني الرجلُ، فأخبَرَها النبيُّ ﷺ أنَّ لبَنَ الفحلِ يُحرِّمُ بقولِهِ: «إنه عَمُّكِ فأذني لَهُ».
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: والسنَّةُ مُستغنًى بها عمَّا سِواها، ومِن جِهةِ النظَرِ أنَّ سببَ اللَّبنِ هوَ ماءُ الرَّجلِ والمرأةِ جميعًا، فوجَبَ أنْ يكونَ الرضاعُ منهُما كما كانَ الولدُ لهُما وإنِ اختَلفَ سببُهما، كما أنَّ الجَدَّ لمَّا كانَ سببًا في الولدِ تعلَّقَ تحريمُ ولَدِ الولدِ به كتَعلُّقِه بولدِهِ، كذلكَ حُكمُ الرجلِ والمرأةِ، وقد سُئلَ ابنُ عبَّاسٍ عن رَجلٍ له امرأتانِ فأرضَعَتْ إحداهُما غلامًا والأخرَى جاريةً، فقالَ: لا يَجوزُ للغلامِ أنْ يَتزوَّجَ الجاريةَ؛ لأنَّ اللقاحَ واحدٌ، أي: الأمهاتُ وإنْ افتَرقْنَ فإنَّ الأبَ واحدٌ الذي هوَ سببُ اللَّبنِ للمرأتَينِ، فالغلامُ والجاريةُ أخوانِ لأبٍ مِنَ الرضاعِ (٢).
стр. 9219
وقالَ أبو عمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ في حديثِ عائشةَ: فهذا أوضَحُ شيءٍ في هذا البابِ وأشَدُّ بَيانًا ورَفعًا للإشكالِ، أَلَا ترَى لقَولِ عائِشةَ: إنَّما أرضَعَتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرَّجلُ فيَكونَ أبي ويَكونَ أخوه عَمِّي، فأجابَها رسولُ اللهِ ﷺ : أنَّ المرأةَ لمَّا أرضعَتْكِ صارَتْ أمَّكِ وصارَ زوجُها الذي كانَ سبَبَ لبنِها أباكِ فصارَ أخوه عمَّكِ، ففَهمَتْ عائِشةُ هذا ولم تَكنْ تعرفُهُ قَبْل فقالَتْ: «إنَّ الرضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ»، لو كانَ ذلكَ كالعمِّ قد رضَعَ مع أبيها أبي بَكرٍ امرأةً واحدةً لمَا احتِيجَ إلى شيءٍ مِنْ هذا الخِطابِ (١).
ولقولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كانَتِ الأمُّ مِنَ الرَّضاعِ محرَّمةً كانَ كذلكَ زوجُها، وصارَ أبًا لمَن أرضَعَتْه زوجتُهُ؛ لأنَّ اللَّبنَ منهما جَميعًا، وإذا كانَ زوجُ التي أرضَعَتْ أبًا كانَ أخوه عمًّا وكانَتْ أختُ المرأةِ خالةً، يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ العمَّاتُ والخالاتُ والأعمامُ والأخوالُ والأخواتُ وبناتُهنَّ كما يَحرمُ مِنْ النسب، هذا معنَى قولِهِ ﵇: «الرَّضاعةُ تحرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ».
قالَ ابنُ المنذرِ ﵀: إذا أرضَعَتِ امرأةُ الرَّجلِ جاريةً حَرُمَتْ على ابنِه وعلى أبيه وعلى جَدِّه وعلى بَني بَنيه وبَني بناتِه، وعلى كلِّ ولدٍ ذكَرٍ
стр. 9220
وولدِ ولدِه، وعلى كلِّ جَدٍّ له مِنْ قِبَلِ أبيهِ وأمهِ، وإذا كانَ المرضَعُ غلامًا حَرَّمَ اللهُ عليهِ ولَدَ المرأةِ التي أرضعَتْه وأولادَ الرَّجلِ الذين أُرضعَ هذا الصبيُّ بلَبنِه وهوَ زوجُ المرضِعةِ، ولا تَحلُّ لهُ عمتُه مِنَ الرضاعةِ ولا خالتُه ولا بِنتُ أخيه ولا بِنتُ أخته مِنَ الرضاعةِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الرَّجلُ المَنسوبُ ذلكَ اللَّبنُ إليه لكَونِهِ زوْجَ المرأةِ أو وَطئَها بمِلكٍ أو شُبهةٍ فمَذهبُنا ومَذهبُ العلماءِ كافَّةً ثُبوتُ حُرمةِ الرضاعِ بينَه وبينَ الرضيعِ ويَصيرُ ولداً لهُ، وأولادُ الرَّجلِ إخوةُ الرضيعِ وأخواتُه، وتكونُ إخوةُ الرجلِ أعمامَ الرضيعِ وأخواتُه عمَّاتِه، وتكونُ أولادُ الرضيعِ أولادَ الرجلِ، ولم يُخالِفْ في هذا إلا أهلُ الظاهرِ وابنُ عُليةَ فقالُوا: لا تَثبتُ حُرمةُ الرَّضاعِ بينَ الرجلِ والرضيعِ، ونقَلَه المَازريُّ عن ابنِ عمرَ وعائشةَ، واحتجُّوا بقولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يَذكرِ البنتَ والعمَّة كما ذكَرَهُما في النسبِ.
واحتجَّ الجُمهورُ بهذه الأحاديثِ الصَّحيحةِ الصريحةِ في عَمِّ عائشةَ وعَمِّ حفصةَ وقولِه ﷺ مع إذنِهِ فيهِ أنهُ «يَحرمُ مِنَ الرضاعةِ ما يحرمُ مِنَ الولادةُ»، وأجابوا عمَّا احتَجُّوا بهِ مِنَ الآيةِ أنهُ ليسَ فيها نصٌّ بإباحةِ البنتِ والعمَّةِ ونحوِهما؛ لأنَّ ذِكْرَ الشيءِ لا يَدلُّ على سُقوطِ الحُكمِ
ورخَّصَ في لبنِ الفَحلِ سعيدُ بنُ المسيِّبِ وأبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ وعطاءُ بنُ يسارٍ والنخَعيُّ وأبو قلابةَ، ويُروى ذلكَ عن ابنِ الزبيرِ وجَماعةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ غيرِ مُسمَّينَ؛ لأنَّ الرضاعَ مِنَ المرأةِ لا مِنَ الرجلِ، ويُروى عن زينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أنها أرضَعَتْها أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ امرأةُ الزبيرِ قالَتْ: وكانَ الزبيرُ يَدخلُ عليَّ وأنا أمتَشِطُ فيأخُذُ بقَرنٍ مِنْ قُرونِ رأسي فيقولُ: اقْبِلِي عليَّ فحَدِّثيني، أراهُ والدًا، وما ولَدَ فهُمْ إخوتي، ثمَّ إنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ أرسَلَ يَخطُبُ إليَّ أمَّ كلثومٍ ابنَتي على حَمزةَ بنِ الزبيرِ، وكانَ حَمزةُ للكلبيَّةِ، فقلتُ لرسولِهِ: وهل تَحِلُّ لهُ وإنما هيَ ابنةُ أخيه؟ فقالَ عبدُ اللهِ: إنما أردْتُ بهذا المنعِ لمَا قِبَلَك، أمَّا ما ولَدَتْ أسماءُ فهُم إخوتُكِ، وما كانَ مِنْ غيرِ أسماءَ فليسُوا لكِ بإخوةٍ، فأرسلِي فسَلِي عن هذا، فأرسَلَتْ فسَألتْ وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ مُتوافِرونَ فقَالوا لها: إنَّ الرَّضاعةَ مِنْ قِبَلِ الرَّجلِ لا تحرِّمُ شيئًا، فأنكَحَتْها إياهُ فلمْ تَزَلْ عندَهُ حتى هَلكَ عنها.
ولنا: ما رَوتْ عائشةُ ﵂ «أنَّ أفلَحَ أخَا أبي القُعيسِ استَأذنَ عليَّ بعدَما أُنْزِلَ الحِجابُ فقلتُ: واللهِ لا آذَنُ له حتى أَستأذِنَ رسولَ اللهِ ﷺ فإنَّ أخَا أبي القُعيسِ ليسَ هوَ أرضعَنِي ولكنْ أرضَعتْنِي امرأةُ أبي القُعيسِ، فدَخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ الرجلَ ليسَ هوَ أرضَعَني ولكِنْ أرضعَتْني امرأتُه، قالَ: «ائْذَنِي لهُ فإنه عمُّكِ
стр. 9223
تَرِبَتْ يَمينُكِ»، قالَ عُروةُ: فبذلكَ كانَتْ عائشةُ تأخذُ بقولِ: حرِّمُوا مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النسَبِ» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا نصٌّ قاطِع في مَحلِّ النِّزاعِ، فلا يُعوَّلُ على ما خالَفَه.
فأمَّا حديثُ زينبَ فإنْ صَحَّ فهوَ حُجةٌ لنا، فإنَّ الزبيرَ كانَ يَعتقدُ أنها ابنتُه وتَعتقدُهُ أباها، والظاهرُ أنَّ هذا كانَ مَشهورًا عندَهم، وقولُه معَ إقرارِ أهلِ عصرِهِ أَولى مِنْ قولِ ابنِه وقولِ قومٍ لا يُعرَفونَ (١).
قالَ محمدُ بنُ الحسَنِ ﵀: وأمَّا لَبنُ الفحلِ فإنَّا نراهُ يحرِّمُ، ونرَى أنَّه يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ، فالأخُ مِنَ الرَّضاعةِ مِنَ الأبِ تَحرمُ عليه أختُه مِنَ الرضاعةِ مِنَ الأبِ وإنْ كانتِ الأمَّانِ مُختلفتَينِ إذا كانَ لَبنُهما مِنْ رَجلٍ واحدٍ كما قالَ ابنُ عباسٍ: «اللقاحُ واحدٌ»، فبِهذا نأخُذُ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ ﵀ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أمَّا الحُرمةُ في جانبِ زوجِ المُرضِعةِ التي نزَلَ لها منهُ لبنٌ فثَبتَتْ عندَ عامَّةِ العُلماءِ وعامةِ الصَّحابةِ ﵃.
ورويَ عن رافعِ بنِ خُديجٍ ﵁ أنَّه قالَ: لا تَثبتُ، وهوَ قولُ سَعيدِ ابنِ المسيِّبِ وعطاءِ بنِ يَسارٍ وبشرٍ المريسِيِّ ومالكٍ، وهي المَسألةُ الملقَّبةُ عندَ الفقهاءِ: بلَبنِ الفَحلِ أنه هل يُحرِّمُ أو لا؟
стр. 9224
وتَفسيرُ تحريمِ لَبنِ الفحلِ أنَّ المُرضَعَةَ تحرمُ على زوجِ المُرضِعَةِ؛ لأنها بنتُه مِنَ الرضاعِ، وكذا على أبنائِه الذينَ مِنْ غيرِ المرضِعةِ؛ لأنهم أخوتُها لأبٍ مِنَ الرضاعةِ، وكذا على أبناءِ أبنائِه وأبناءِ بناتِه مِنْ غيرِ المرضِعةِ؛ لأنهم أبناءُ إخوةِ المرضَعةِ وأخواتُها لأبٍ مِنَ الرضاعةِ.
وعلى هذا إذا كانَ لرَجلٍ امرأتانِ فحمَلَتَا منهُ وأرضَعَتْ كلُّ واحدةٍ منهما صَغيرًا أجنَبيًا فقد صارَا أخوَينِ لأبٍ مِنَ الرضاعةِ، فإنْ كانَ أحدُهما أنثى فلا يَجوزُ النكاحُ بينَهما؛ لأنَّ الزوجَ أخوها لأبيها مِنَ الرضاعةِ، وإنْ كانا أُنثَيَينِ لا يَجوزُ لرَجلٍ أنْ يَجمَعَ بينَهما؛ لأنهما أُختانِ لأبٍ مِنَ الرضاعةِ، وتَحرمُ على آباءِ زوجِ المرضِعةِ؛ لأنهم أجدادُها مِنْ قِبَلِ الأبِ مِنَ الرضاعةِ، وكذا على إخوتِه؛ لأنهم أعمامُها مِنَ الرضاعةِ، وأخواتُه عمَّاتُ المرضَعِ، فيَحرُمْنَ عليهِ، وأمَّا أولادُ إخوتِه وأخواتِه فلا تَحرمُ المُناكَحةُ بينَهم؛ لأنهم أولادُ الأعمامِ والعمَّاتِ ويَجوزُ النكاحُ بينَهم في النسَبِ، فيجوزُ في الرضاعِ، هذا تَفسيرُ لبنِ الفحلِ.
احتَجَّ مَنْ قالَ أنه لا يُحرِّمُ بأنَّ اللهَ بيَّنَ الحُرمةَ في جانبِ المُرضِعةِ ولم يبيِّنْ في جانبِ الزوجِ بقولِه تعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولو كانتِ الحُرمةُ ثابتةً في جانبِه لَبيَّنَها كما بيَّنَ في النسبَ بقولِه : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولأنَّ المحرِّمَ هوَ الإرضاعُ وأنه وُجِدَ منها لا منه، فصارَتْ بنتًا لها لا له.
стр. 9225
والدليلُ عليه أنَّه لو نزَلَ للزوجِ لَبنٌ فارتَضَعَتْ منهُ صغيرةٌ لم تَحرمْ عليهِ، فإذا لم تَثبُتِ الحرمةُ بلَبنِه فكَيفَ تَثبتُ بلبنِ غيرِه؟
ولنا: الحديثُ المشهورُ، وهو قولِ النبيِّ ﷺ : «يحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يحرمُ مِنَ النسبِ» - ثمَّ ذَكَرَ أحاديثَ عائشةَ ثمَّ قالَ: - وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّه سُئلَ عن رَجلٍ له امرأتانِ أو جاريةٌ وامرأةٌ فأَرضَعتْ هذه غلامًا وهذه جاريةً، هل يَصلحُ للغلامِ أنْ يتزوَّجَ الجاريةَ؟ فقالَ ﵁: «لا، اللقاحُ واحدٌ»، بيَّنَ الحُكمَ وأشارَ إلى المعنَى وهو اتِّحادُ اللقاحِ، ولأنَّ المحرِّمَ هو اللَّبنُ، وسَببُ اللَّبنِ هوَ ماءُ الرَّجلِ والمرأةِ جميعًا، فيَجبُ أنْ يكونَ الرضاعُ منهما جَميعًا كما كانَ الولدُ لهُما جَميعًا.
وأمَّا قولُهم أنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ الحرمةَ في جانبِ المرضِعةِ لا في جانبِ زوجِها فنقولُ: إنْ لم يبيِّنْها نصًّا فقدْ بيَّنَها دَلالةً؛ وهذا لأنَّ البَيانَ مِنَ اللهِ تعالَى بطريقَينِ: بَيانُ إحاطةٍ وبَيانُ كِفايةٍ، فبيَّنَ في النسبِ بَيانَ إحاطةٍ، وبيَّنَ في الرضاعِ بيانَ كفايةٍ، تَسليطًا للمُجتهدِينِ على الاجتهادِ والاستدلالِ بالمَنصوصِ عليه على غيرِهِ، وهوَ أنَّ الحُرمةَ في جانبِ المرضِعةِ لمَكانِ اللبنِ، وسببُ حصولِ اللبنِ ونزولِه هو ماؤُهما جميعاً، فكانَ الرضاعُ منهما جميعًا؛ وهذا لأنَّ اللبنَ إنما يُوجِبُ الحُرمةَ لأجلِ الجُزئيةِ والبَعضيةِ؛ لأنه يُنبِتُ اللحمَ ويُنشِرُ العَظمَ على ما نطَقَ به الحديثُ، ولمَّا كانَ سَببُ حصولِ اللَّبنِ ونزولِه ماءَهُما جَميعًا، وبارتضاعِ اللبنِ تَثبتُ الجُزئيةُ بواسطةِ نَباتِ اللحمِ، يُقامُ سببُ الجُزئيةِ مقامَ حَقيقةِ الجزئيةِ في بابِ الحُرُماتِ احتياطًا،
стр. 9226
والسببُ يُقامُ مَقامَ المُسَببِ خُصوصًا في بابِ الحُرُماتِ أيضًا، ألَا ترَى أنَّ المرأةَ تَحرمُ على جَدِّها كما تَحرمُ على أبيها وإنْ لم يَكنْ تحريمُها على جَدِّها منصوصًا عليه في الكتابِ العَزيزِ، لكنْ لمَّا كانَ مبيَّنًا بَيانَ كفايةٍ وهو أنَّ البنتَ وإنْ حدَثَتْ مِنْ ماءِ الأبِ حقيقةً دونَ ماءِ الجَدِّ لكنَّ الجَدَّ سَببُ ماءِ الأبِ، أُقيمَ السَببُ مَقامَ المُسَببِ في حقِّ الحرمةِ احتياطًا، كذا ههُنا.
والدليلُ عليه أنهُ لمَّا لمْ يَذكرِ البَناتِ مِنَ الرضاعةِ نصًّا لم يَذكرْ بناتِ الأخوةِ والأخواتِ مِنَ الرضاعةِ نصًّا، وإنما ذَكَرَ الأخواتِ ثمَّ ذَكَرَ لبَناتِ الأخوةِ والأخواتِ دَلالةً حتى حَرُمْنَ بالإجماعِ، كذا ههُنا، على أنه لم يُبيِّنْ بوَحيٍ مَتلوٍّ فقدْ بيَّنَ بوَحيٍ غيرِ مَتلوٍّ على لِسانِ رسولِ اللهِ ﷺ بقوله: «يَحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسَبِ»، وقد خرَجَ الجوابُ عن قولِهم أنَّ الإرضاعَ وُجِدَ منها لمَا ذكرْنَا أنه وُجِدَ منهُما؛ لأنَّ سببَ حصولِ اللبنِ ماؤُهما جميعًا، فكانَ الإرضاعُ منهُما جَميعًا.
وأمَّا الزوجُ إذا نزَلَ له لَبنٌ فارتضَعَتْ صَغيرةٌ فذاكَ لا يُسمَّى رَضاعًا عُرفًا وعَادةً، ومَعنى الرضاعِ أيضًا لا يحصلُ بهِ؛ وهوَ اكتفاءُ الصَّغيرِ به في الغذاءِ؛ لأنه لا يُغنيهِ مِنْ جوعٍ، فصارَ كلَبَنِ الشاةِ، واللهُ أعلَمُ.
ثمَّ إنما تَثبتُ الحُرمةُ مِنْ جانب الزوجِ إذا كان لها زَوجٌ، فأما إذا لم يَكنْ لها زوجٌ بأنْ ولَدَتْ مِنَ الزنا فنَزلَ لها لبنٌ فأرضَعَتْ به صبيًّا فالرضاعُ يكونُ منها خاصةً لا مِنَ الزاني؛ لأنَّ نَسبَهُ يَثبتُ منها لا مِنَ الزاني.
стр. 9227
والأصلُ أنَّ كلَّ مَنْ يَثبتُ منه النَّسبُ يَثبتُ منه الرضاعُ، ومَن لا يَثبتُ منه النسبُ لا يَثبتُ منه الرَّضاعُ، وكذا البِكرُ إذا نزَلَ لها لبنٌ وهي لم تَتزوَّجْ قطُّ فالرَّضاعُ يكونُ منها خاصةً، واللهُ المُوَفِّقُ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: المَسألةَ السابعةُ: وأمَّا هلْ يَصيرُ الرجلُ الذي لهُ اللبنُ -أعنِي زوْجَ المرأةِ- أبًا للمرضَعِ حتَّى يَحرمَ بينَهُما ومِن قِبَلِهما ما يَحرمُ مِنْ الآباءِ والأبناءِ الذينَ مِنَ النسبِ، وهي التي يُسمُّونَها لبنَ الفَحلِ؟
فإنهمُ اختَلفُوا في ذلكَ، فقالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ والأوزاعيُّ والثوريُّ: لبنُ الفَحلِ يُحرِّمُ، وقالَت طائفةٌ: لا يحرِّمُ لبنُ الفَحلِ، وبالأوِّلِ قالَ عليٌّ وابنُ عباسٍ، وبالقولِ الثَّاني قالَت عائشةُ وابنُ الزبيرِ وابنُ عُمرَ.
وسَببُ اختلافِهم: مُعارَضةُ ظاهِرِ الكِتابِ لحَديثِ عائشةَ المشهورِ، أعني آيةَ الرَّضاعِ، وحديثُ عائشةَ هوَ قالَتْ: «جاءَ أفلَحُ أخو أبي القُعيسِ يَستأذِنُ عليَّ بعدَ أنْ أُنْزِلَ الحِجابُ، فأبيتُ أنْ آذَنَ لهُ، وسألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: إنه عمُّكِ فأْذَني لهُ، فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنما أرضَعتْنِي المرأةُ ولمْ يُرضِعْني الرَّجلُ، فقالَ: إنه عمُّك فلْيَلجْ عليكِ» خرَّجَه البُخاريُّ ومسلمٌ ومالكٌ.
стр. 9228
فمَن رَأى أنَّ ما في الحديث شَرعٌ زائدٌ على ما في الكِتابِ وهو قولُه تعالُى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وعلى قولِه ﷺ : «يَحرمُ مِنَ الرضاعةِ ما يَحرمُ مِنَ الولادةِ» قالَ: لبنُ الفَحلِ مُحرِّمٌ.
ومَن رَأى أنَّ آيةَ الرَّضاعِ وقولَه: «يحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يحرمُ مِنَ الولادةِ» إنما ورَدَ على جِهةِ التأصيلِ لحُكمِ الرضاعِ، إذْ لا يَجوزُ تأخيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ قالَ: ذلكَ الحديثُ إنْ عُمِلَ بمُقتضاهُ أَوْجَبَ أنْ يكونَ ناسخًا لهذهِ الأصولِ؛ لأنَّ الزيادةَ المُغيِّرَةَ للحكمِ ناسخةٌ، معَ أنَّ عائشةَ لم يَكنْ مَذهبُها التَّحريمَ بلبنِ الفَحلِ، وهي الرَّاويةُ للحَديثِ، ويَصعُبُ ردُّ الأصولِ المُنتشِرَةِ التي يُقصَدُ بها التأصيلُ والبَيانُ عندَ وقتِ الحاجةِ بالأحاديثِ النادِرةِ، وبخاصةٍ التي تكونُ في عَيْنٍ، ولذلكَ قالَ عمرُ ﵁ في حديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لا نَتركُ كِتابَ اللهِ لحَديثِ امرأةٍ» (١).
النوعُ الثالِثُ: المُحرَّماتُ بالمُصاهَرةِ:
المُحرَّماتُ بالمُصاهَرةِ أربعةٌ، وهُنَّ محرَّماتٌ تَحريمَ أسبابٍ:
١ - أمُّ زوْجَتِه: لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فتَحرمُ عليه أمُّ زَوجتِه وكُلُّ أمٍّ لها مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، قَريبةٍ أو بَعيدةٍ، بمُجرَّدِ العقدِ على البنتِ مطلَقًا، دخَلَ بالبنتِ أو لم يَدخلْ، عندَ فقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ
стр. 9229
وعامَّةِ فُقهاءِ الإسلامِ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولمَا رواهُ التِّرمذيُّ وغيرُه عن ابنِ لَهيعةَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ ابنَتِهَا، وإنْ لم يكُنْ دخَلَ بها فلْيَنكِحِ ابنَتَها، وأيُّما رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها أو لمْ يَدخلْ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ أمِّها» (١).
ويُروَى عن عليّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنهُ قالَ: «لا تَحرمُ أمُّ زوجتِهِ إلا إذا دخَلَ ببِنتِها»، قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلمُ أحَدًا قالَ بهذا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ أهلِ الرأي والحَديثِ الذينَ تَدورُ عليهم وعلى أصحابهمُ الفتوَى، والحديثُ فيهِ عن عَليٍّ ﵁ ضعيفٌ لا يَصحُّ؛ لأنَّ خلاسًا يَروِي عن عليٍّ مَناكيرَ ولا يُصحِّحُ رِوايتَه أهلُ العِلمِ بالحِديثِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: وأمَّا الأمُّ فذهَبَ الجُمهورُ مِنْ كافةِ فُقهاءِ الأمصارِ إلى أنها تَحرمُ بالعقدِ على البنتِ، دخَلَ بها أو لمْ يدخلْ، وذهَبَ قومٌ إلى أنَّ الأمَّ لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ على البنتِ كالحالِ في البنتِ، أعنِي
стр. 9230
أنها لا تَحرمُ إلَّا بالدُّخولِ على الأمِّ، وهو مَرويٌّ عن عليٍّ وابنِ عباسٍ ﵄ مِنْ طُرقٍ ضعيفةٍ.
ومَبنى الخِلافِ: هل الشرطُ في قولِه تَعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] يَعودُ إلى أقربِ مَذكورٍ وهُمُ الرَّبائبُ فقطْ؟ أو إلى الرَّبائبِ والأمَّهاتِ المذكوراتِ قبْلَ الربائبِ في قولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]؟ فإنه يُحتملُ أنْ يكونَ قولُه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ يَعودُ على الأمَّهاتِ والبناتِ، ويُحتملُ أنْ يَعودَ إلى أقربِ مذكورٍ وهمُ البناتُ.
ومِنَ الحُجةِ للجُمهورِ ما روَى المثنَّى بنُ الصباحِ عن عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﵊ قالَ: «أيُّمَا رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ ابنَتِها، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فلْيَنكِحِ ابنَتَها، وأيُّما رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها أو لم يَدخلْ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ أمِّها» (١)(٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَنْ تزوَّجَ امرأةً حَرُمَ عليه كلُّ أمٍّ لها مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، قريبةٍ أو بعيدةٍ، بمُجرَّدِ العقدِ، نَصَّ عليه أحمَدُ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهمُ ابنُ مسعودٍ وابنُ عُمرَ وجابرٌ وعِمرانُ بنُ حُصينٍ وكثيرٌ مِنَ التابعِينَ، وبه يَقولُ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُ الرأيِ.
стр. 9231
وحُكيَ عن عليٍّ ﵁ أنها لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ بابنتها كما لا تَحرمُ ابنتُها إلا بالدُّخولِ.
ولنَا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمَعقودُ عليها مِنْ نِسائِه، فتَدخلُ أمُّها في عُمومِ الآيةِ، قالَ ابنُ عباسٍ: «أَبهِمُوا ما أَبهَمُه القُرآنُ» (١)، يعني عَمِّمُوا حُكمَها في كلِّ حالٍ ولا تفصلُوا بينَ المَدخولِ بها وبينَ غيرِها … وقالَ زَيدٌ: تحرمُ بالدُّخولِ أو بالمَوتِ؛ لأنه يَقومُ مَقامَ الدخولِ، وقد ذكَرْنا ما يُوجِبُ التحريمَ مطلَقًا، سواءٌ وُجِدَ الدُّخولُ أو الموتُ أو لا، ولأنها حَرُمَتْ بالمُصاهرةِ بقبولٍ مُبْهَمٍ فحَرُمَتْ بنَفسِ العقدِ كحَليلةِ الابنِ والأبِ (٢).
٢ - بنتُ زَوجتِهِ إذا دخَلَ بأمِّها بالإجماعِ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَة، فإذا عقَدَ النكاحَ على امرأةٍ ودخَلَ بها حرمَتْ عليهِ ابنتُها التي في حِجْرِهِ على التأبيدِ، وإنْ ماتَتِ الزوجةُ أو طلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدخلَ بها جازَ له أنْ يتزوَّجَ ابنتَها.
стр. 9232
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قالَ اللهُ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى قَولِه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣].
فأجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ الرجلَ إذا تزوَّجَ امرأةً ولها ابنةٌ أنه لا تَحلُّ له الابنةُ بعدَ موتِ الأمِّ أو فراقِها إنْ كانَ دخَلَ بها، وإنْ كانَ لمْ يَدخلْ بالأمِّ حتى فارَقَها حَلَّ لهُ نكاحُ الرَّبيبةِ، وأنَّ قولَهُ : ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] شَرطٌ صحيحٌ في الربائبِ اللاتي في حُجورِهم (١).
والبنتُ المَقصودةُ هنا هيَ كلُّ بِنتٍ للزوجةِ مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، قريبةٍ أو بعيدةٍ، وارثةٍ أو غيرِ وارثةٍ، فتَحرمُ بناتُ بنتِ المرأةِ وبناتُ ابنِها؛ لدُخولهنَّ تحتَ اسمِ الربييةِ.
وسَواءٌ كانتْ في حِجْرِه أو لم تَكنْ في حِجْرِه تَحرمُ عليهِ إذا دخَلَ بأمِّها، فالدخولُ بالأمهاتِ يُحرِّمُ البناتِ مَطلَقًا، سواءٌ كانَتِ البنتُ في حِجرِه أو لم تكنْ، وذِكرُ الحِجرِ في الآيةِ خرَجَ مَخرجَ العادةِ والغالبِ لا الشَّرطِ، وإنما وصَفَها بذلكَ تَعريفًا لها؛ لأنَّ العادةَ أنَّ الرَّبيبةَ تكونُ في حِجرِه، وهذا قولُ عامةِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ وغيرِهم، إلا أنه رُوِيَ عن عُمرَ وعليٍّ ﵄ أنهما رخَّصَا فيها إذا لم تَكنْ في حِجرِه، وهوَ قولُ داودَ؛ لقولِ اللهِ تعالَىِ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
стр. 9233
قالَ ابنُ المنذرِ ﵀: وقد أجمَعَ علماءُ الأمصارِ على خِلافِ هذا القولِ، ولأنَّ التربيةَ لا تأثيرَ لها في التحريمِ كسائرِ المحرَّماتِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الآيةُ فلم تَخرجْ مخرَجَ الشرطِ، وإنما وصَفَها بذلك تعريفًا لها بغالبِ حالِها، وما خرَجَ مَخرجَ الغالبِ لا يَصحُّ التمسكُ بمَفهومِه، وإنْ لم يَدخلْ بالمرأةِ لم تَحرمْ عليه بناتُها في قول عامةِ عُلماءِ الأمصارِ إذا بانَتْ مِنْ نكاحِه، إلا أنْ يَموتَ قبلَ الدخولِ ففيهِ روايتَانِ:
إحداهُما: تَحرمُ ابنتُها، وبهِ قالَ زيد بنُ ثابتٍ، وهيَ اختيارُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الموتَ أُقيمَ مَقامَ الدخولِ في تكميلِ العدَّةِ والصداقِ، فيَقومُ مقامَه في تحريمِ الربيبةِ.
والثانيةُ: لا تَحرمُ، وهوَ قولُ عليٍّ ومذهبُ عامةِ العلماءِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ (١): وأجمَعَ عوامُّ علماءِ الأمصارِ أنَّ الرجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ ثم طلَّقَها أو ماتَتْ قبلَ الدخولِ بها جازَ له أنْ يتزوَّجَ ابنتَها، كذلكَ قالَ مالكٌ والثوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ ومَن تَبِعَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا نصٌّ لا يُتركُ لقِياسٍ ضعيفٍ وحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وقدْ ذكَرْناه، ولأنها فُرقةٌ قبلَ
стр. 9234
الدُّخولِ، فلمْ تُحرِّمِ الرَّبيبةَ كفرقةِ الطلاقِ، والموتُ لا يَجرِي مَجرى الدخولِ في الإحصانِ والإحلالِ وعدَّةِ الأقراءِ، وقيامُه مقامَه مِنْ وجهٍ ليسَ بأَولى مِنْ مُفارقتِهِ إياهُ مِنْ وجهٍ آخَرَ، ولو قامَ مَقامَه مِنْ كلِّ وجهٍ فلا يُتركُ صَريحُ نصِّ اللهِ تعالِى ونصّ رَسولِه لقياسٍ ولا غيرِه (١).
إلّا أنَّ الفقهاءَ اختلفوا: هل الذي يُحرِّمُ البنتَ هوَ وطءُ الأمِّ؟ أم مجردُ الخلوةِ بأمِّها والاستمتاعِ بها فيما دونَ الوطءِ؟ أو النظر إلى فرجِها أو جسدِها بشهوةٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ مَنْ باشَرَ امرأةً فيما دونَ الفرجِ بشَهوةٍ أو نَظَرَ إلى فرجِها ثبتَتْ به حرمةُ المصاهرةِ، فلا يجوزُ له أنْ يتزوَّجَ ابنتَها وإنْ لم يطَأها في الفرجِ؛ لأنه رُويَ عن عمرَ ﵁، ولم يُعلَمْ له مُخالفٌ مِنَ الصحابةِ، ولأنَّه تَلذذٌ بمباشَرةٍ، فتعلَّقَ بهِ تحريمُ المُصاهرَةِ والربيبةِ كالوطءِ، ولمَا رُويَ مرفوعًا: «مَنْ نظَرَ إلى فَرْجِ امرَأةٍ لم تَحلَّ له أمُّها ولا ابنَتُها» (٢).
وكذا إذا نظَرَ إلى شَعرِها أو صَدرِها أو شيءٍ مِنْ مَحاسنِها للذَّةٍ حَرُمَتْ عليه أمُّها وابنتُها عندَ المالِكيةِ في المذهبِ، والثاني: لا؛ لأنَّه تَلذذٌ مِنْ غيرِ مباشَرةٍ كالفكرِ.
стр. 9235
والدليلُ على أنه بالنظرِ يقَعُ التحريمُ أنَّ فيهِ نوعَ استمتاعٍ، فجرَى مجرَى النكاحِ؛ إذِ الأحكامُ تتعلَّقُ بالمعاني لا بالألفاظِ، وقد يُحتملُ أنْ يقالَ: إنه نوعٌ مِنَ الاجتماعِ بالاستمتاعِ، فإنَّ النظرَ اجتماعٌ ولقاءٌ، وفيهِ بينَ المحبِّينَ استمتاعٌ (١).
وذهبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَتعلَّقُ به تحريمُ المُصاهرةِ ولا الرَّبيبةِ إلا إذا جامَعَ الأمَّ، فإنَّ الدخولَ بها هو وطؤُها كُنِّيَ عنهُ بالدخولِ، فإنْ خَلا بها ولمْ يَطأْها لم تَحرمِ ابنتُها؛ لأنها غيرُ مدخولٍ بها؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فشرَطَ الدخولَ، وهذا ليسَ بدُخولٍ، ولأنه لَمسٌ لا يُوجِبُ الغُسلَ، فلم يتعلَّقْ به التحريمُ كالمُباشرةِ بغيرِ شَهوةٍ.
وإنْ نظَرَ إلى فرجِها بشهوةٍ … لم يَتعلَّقْ به تَحريمُ المصاهرةِ ولا تَحريمُ
стр. 9236
الربيبةِ عندَ الشافِعيةِ في الصحيحِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنه نظَرَ إلى بعضِ بَدنها، فلمْ يَتعلَّقْ به التحريمُ كما لو نظَرَ إلى وجهِها، فإنه لا خِلافَ بينَ العلماءِ في أنَّ النظَرَ إلى الوجهِ لا يُثبتُ الحُرمةَ، فكذلكَ غيرُه، ولا خلافَ أيضًا في أنَّ النظَرَ إذا وقَعَ مِنْ غيرِ شَهوةٍ لا يَنشرُ حرمةً؛ لأنَّ اللمسَ الذي هوَ أبلَغُ منه لا يؤثِّرُ إذا كانَ لغير شَهوةٍ، فالنظَرُ أَولى.
والسببُ في اختلافِهم: هلِ المَفهومُ مِنِ اشتِراطِ الدخولِ في قولِه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الوطءُ أو التلذذُ بما دونَ الوطءِ؟ فإنْ كانَ التلذُّذَ فهل يَدخلُ فيه النظرُ أم لا؟ (١).
٣ - وزَوجةُ أبيه مِنْ قِبَلِ الأبِ والأمِّ وإنْ عَلا حرامٌ على الابنِ، فإذا تزوَّجَ الرجلُ امرأةً حَرُمَتْ على ابنِ الزوجِ، سواءٌ دخَلَ بها الزوجُ أو لمْ يَدخلْ بها بالإجماع؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. وهو يَتناولُ العقدَ والوطءَ، فكلُّ مَنْ عقَدَ عليها الأبُ عقْدَ النكاحِ فهي حَرامٌ على الابن بمجرِّدِ العقدِ الصحيحِ، فيَحرمُ على الرجلِ امرأةُ أبيه، قريبًا كانَ أو بَعيدًا، وارِثًا كانَ أو غيرَ وارثٍ، مِنْ نسبٍ أو رَضاعٍ، فبُمجرَّدِ العقدِ عليها تَحرمُ على الابنِ.
стр. 9237
وعنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قالَ: «مَرَّ بي خَالي الحارِثُ بنُ عَمرٍو وقد عقَدَ له النبيُّ ﷺ لِواءً، فقلتُ لهُ: أينَ تُريدُ؟ فقالَ: بَعَثني رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى رَجلٍ تَزوَّجَ امرَأةَ أبيه مِنْ بَعدِه، فأمَرَني أنْ أَضرِبَ عُنقَه» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسواءٌ في هذا امرأةُ أبيهِ أو امرأةُ جدِّهِ لأبيه وجَدِّه لأمِّه، قَرُبَ أم بَعدَ، وليسَ في هذا بينَ أهلِ العِلمِ خلافٌ عَلِمْناهُ والحمدُ للهِ، ويَحرمُ عليه مَنْ وَطئَها أبوه أو ابنُه بمِلكِ يمينٍ أو شُبهةٍ، كما يَحرمُ عليه مِنْ وَطئَها في عقدِ نكاحٍ، قالَ ابنُ المنذرِ: المِلكُ في هذا والرضاعُ بمَنزلةِ النسَبِ، وممَّن حَفظْنا ذلكَ عنه عطاءٌ وطاوُسٌ والحسَنُ وابنُ سِيرينَ ومكحولٌ وقَتادةُ والثوريُّ والأوزاعيُّ وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَحفظُ عن أحدٍ خِلافَهم (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الرجلَ إذا تزوَّجَ المرأةَ حرمَتْ على أبيهِ وابنِه، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ بها، وعلى أجدادِه وعلى ولده مِنَ الذكورِ والإناثِ أبدًا ما تَناسَلُوا، لا تَحِلُّ لبَني بَنيهِ ولا بَني بناتِه، ولم يَذكرِ اللهُ في الآيتينِ دُخولًا، والرَّضاعُ بمَنزلةِ النسبِ (٣).
стр. 9238
٤ - وزَوجةُ الابنِ وابنِ الابنِ وابنِ البنتِ وإنْ سَفَلَ حرامٌ على الأبِ سواءٌ بمُجرَّدِ العقدِ، سواءٌ دخَلَ الابنُ بها أو لم يَدخلْ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احتِرازًا عمَّن تَبنَّاهُ، فلا يَدخلُ فيه زوجةُ الابنِ المُتبَنَّى، وسُميَتِ امرأةُ الرجلِ حَليلةً؛ لأنها مَحلُّ إزارِ زَوجِها وهيَ مُحلَّلَةٌ له، فيَحرمُ على الرجلِ أزواجُ أبنائِه وأبناءِ بناتِه مِنْ نَسبٍ أو رضاعٍ، قريبًا كانَ أو بَعيدًا، بمُجرَّدِ العقدِ بالإجماعِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الرجلَ إذا تزوَّجَ المرأةَ حرمَتْ على أبيه وابنِه، دخَلَ بها أو لم يدخَلْ بها، وعلى أجدادِه وعلى ولدِه مِنَ الذكورِ والإناثِ أبدًا ما تَناسَلُوا، لا تَحلُّ لبَني بَنيه ولا بَني بناتِه، ولم يَذكرِ اللهُ في الآيتينِ دخولًا، والرضاعُ بمَنزلةِ النسبِ (١).
стр. 9239
هلِ الزِّنا يُوجِبُ التَّحريمَ؟
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو زَنَى رَجلٌ بامرأةٍ، هل تَحرمُ عليه بنتُها؟ أو زَنَى ببنتٍ، هل تَحرمُ عليه أمُّها أم لا؟ وسواءٌ زنَى بأمِّ زوجتِه أمْ ببَنتِ زوجتِه، هل تَحرمُ عليه الأخرى أم لا؟ وهل هُناكَ فرقٌ بينَ ما إذا كانَ ذلكَ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وروايةُ ابنِ القاسمِ عن مالكٍ في «المُدوَّنة» (١) إلى أنَّ مَنْ زَنَى بامرأةٍ ولو في دُبرِها حَرُمَتْ على أبيه وابنِه، وحرمَتْ عليه أمُّها وابنتُها، كما لو وَطئَها بشُبهةٍ أو حَلالًا، ولو وَطئَ أمَّ امرأتِه أو ابنتَها حرمَتْ عليه امرأتُه، ولو زنَى بامرأةِ أبيه أو ابنِه بَطلَ نِكاحُها.
وذلكَ لِمَا رواهُ عبدُ الرزاقِ عنِ ابنِ جُرَيجٍ قالَ: أُخبِرتُ عن أبي بَكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أمِّ الحَكمِ قالَ: قالَ رَجلٌ يا رَسولَ اللَّهِ زَنيْتُ بامرَأةٍ في
стр. 9240
الجاهِليةِ أفأَنكِحُ ابنَتَها؟ قالَ: «لا أرَى ذلكَ، ولا يَصلحُ لكَ أنْ تَنْكِحَ امرَأةً تَطَّلِعُ مِنْ ابنَتِها على ما تَطَّلعُ عليه مِنها» (١).
ولمَا رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ نظَرَ إلى فَرجِ امرَأةٍ لم تَحِلَّ له أُمُّها ولا ابنَتُها» (٢).
وعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «لا يَنظرُ اللَّهُ إلى رَجلٍ نظَرَ إلى فَرجِ امرَأةٍ وابنَتَها» (٣).
وروَى الحسَنُ عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ في رَجلٍ زَنَى بأمِّ امرأتِهِ «حَرُمَتْ عليهِ امرَأتُه».
ولأنَّ ما تعلَّقَ مِنَ التحريمِ بالوطءِ المباحِ تعلَّقَ بالمَحظورِ كوطءِ الحائضِ، ولأنَّ النكاحَ عقدٌ يُفسدُه الوطءُ بالشبهةِ، فأَفسدَهُ الوطءُ الحَرامُ كالإحرامِ.
وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] قدْ أَوجَبَ تَحريمَ نكاحِ امرأةٍ قد وَطئَها أبوه بزنًا أو غيرِهِ، إذْ كانَ الاسمُ يَتناولُهُ حقيقةً، فوجَبَ حَملُه عليها، وإذا ثبَتَ ذلكَ في وطءِ الأبِ ثبَتَ مثلُه في وطءِ أمِّ المرأةِ أو ابنتِها في إيجابِ تحريمِ المرأةِ؛ لأنَّ أحَدًا لم يُفرِّقْ بينَها، ويَدلُّ على ذلكَ قولُه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ
стр. 9241
نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، والدُّخولُ بها اسمٌ للوطءِ، وهوَ عامٌّ في جَميعِ ضُروبِ الوطءِ مِنْ مُباحٍ أو مَحظورٍ ونكاحٍ أو سِفاحٍ، فوجَبَ تَحريمُ البنتِ بوطءٍ كانَ منه قَبْلَ تزويجِ الأمِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ويَدلُّ على أنَّ الدخولَ بها اسمٌ للوطءِ، وأنه مُرادٌ بالآيةِ، وأنَّ اسمَ الدخولِ لا يَختصُّ بوطءِ نكاحٍ دونَ غيرهِ، أنه لو وَطئَ الأمَّ بمِلكِ اليمينِ حرمَتْ عليه البنتُ تَحريمًا مُؤبَّدًا بحُكمِ الآيةِ، وكذلكَ لو وَطئَها بنكاحٍ فاسدٍ، فثبَتَ أنَّ الدخولَ لمَّا كانَ اسمًا للوطءِ لم يَختصَّ فيما عُلِّقَ به مِنَ الحكمِ بوطءٍ بنكاحٍ دونَ ما سواهُ مِنْ سائرِ ضُروبِ الوطءِ.
ويَدلُّ عليهِ مِنْ جهةِ النظَرِ أنَّ الوطءَ آكَدُ في إيجابِ التحريمِ مِنَ العقدِ؛ لأنَّا لم نَجدْ وطأً مباحًا إلا وهوَ مُوجِبٌ للتحريمِ، وقدْ وجَدْنا عَقدًا صَحيحًا لا يُوجِبُ التحريمَ وهوَ العقدُ على الأمِّ لا يُوجِبُ تَحريمَ البنتِ، ولو وَطئَها حرمَتْ، فعَلِمْنا أنَّ وُجودَ الوطءِ علَّةٌ لإيجابِ التحريمِ، فكَيفَما وُجِدَ ينبغي أنْ يحرِّمَ، مُباحًا كانَ الوَطءُ أو مَحظورًا؛ لوُجودِ الوطءِ؛ لأنَّ التحريمَ لم يُخرجْه مِنْ أنْ يكونَ وطأً صَحيحًا، فلمَّا اشتَركَا في هذا المعنى وجَبَ أنْ يقَعَ به تَحريمٌ.
وأيضًا لا خِلافَ أنَّ الوطءَ بشُبهةٍ وبمِلكِ اليمينِ يُحرِّمانِ مع عَدمِ النكاحِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الوطءَ يُوجِبُ التحريمَ على أيِّ وَجهٍ وقَعَ، فوجَبَ أنْ يكونَ وطءُ الزنا مُحرِّمًا؛ لوُجودِ الوطءِ الصحيحِ.
стр. 9242
ولأنَّ اللهَ تعالى قد غلَّظَ أمْرَ الزنا بإيجابِ الرجمِ تارةً وبإيجابِ الجَلدِ أُخرى، وأَوْعَدَ عليه بالنارِ، ومنَعَ إلحاقَ النسَبِ به، وذلكَ كلُّه تَغليطًا لحُكمِه، فوجَبَ أنْ يكونَ بإيجابِ التحريمِ أَولَى إذْ كانَ إيجابُ التحريمِ ضربًا مِنَ التغليظِ، ألَا ترَى أنَّ اللهَ تعالَى لمَّا حكَمَ ببُطلانِ حَجِّ مَنْ جامَعَ امرأتَهُ قبلَ الوقوفِ بعرفَةَ كانَ الزاني أَوْلَى ببُطلانِ الحجِّ؛ لأنَّ بطلانَ الحجِّ تَغليظٌ لتَحريمِ الجِماعِ فيهِ، كذلكَ لمَّا حكَمَ اللهُ بإيجابِ تحريمِ الأمِّ والبنتِ بالوطءِ الحلالِ وجَبَ أنْ يكونَ الزنا أَوْلَى بإيجابِ التحريمِ تَغليظًا لحُكمِه (١).
إلَّا أنَّ هذا التحريمَ عندَ الحَنفيةِ لا يحصلُ بالزِّنا فقطْ، بل بمُقدِّماتِه، فلو مَسَّ امرأةً بشهوةٍ حرمَتْ عليه أمُّها وبنتُها، وكذا إذا مَسَّتْه هيَ بشهوةٍ.
ولا فرْقَ في ثُبوتِ الحُرمةِ بالمسِّ بينَ كونِه عامِدًا أو ناسِيًا أو مُكرَهًا أو مُخطئًا، حتَّى لو أيقَظَ زوْجتَه ليُجامِعَها فوصَلَتْ يدُه إلى بنتِها فقَرَصَها
стр. 9243
بشَهوةٍ وهيَ ممَّن تُشتَهى يظُنُّ أنها أمَّها حرمَتْ عليهِ زوْجتُه حُرمةً مؤبَّدةً، وكذا لو أيقظَتْه هيَ كذلكَ فقَرَصَتْ ابنَه مِنْ غيرِها حرمَتْ عليهِ.
ويُشترطُ الشهوةُ حالَ المَسِّ، فلو مَسَّ بغيرِ شهوةٍ ثمَّ اشتَهى عن ذلكَ المسِّ لا تَحرمُ عليه، وحَدُّ الشهوةِ أنْ تَنتشرَ الآلةُ أو تزدادَ انتشارًا.
وإنما يُحرِّمُ المسُّ إذا لم يُنزِلْ، أما إذا أنزَلَ بالمسِّ فالصحيحُ أنه يُوجِبُ الحرمةَ؛ لأنهُ بالإنزالِ تبيَّنَ أنه غيرُ مُفضٍ إلى الوطءِ.
وإنْ مسَّ امرأةً وقالَ: «لم أشتَهِ» أو قبَّلَها وقالَ ذلكَ فإنه يُصدَّقُ إذا كانَ المسُّ على غيرِ الفَرجِ والقُبلةُ في غيرِ الفَمِ، أمَّا إذا كانَ كذلكَ لا يُصدَّقُ؛ لأنَّ الظاهرَ يكِّذبُه.
وكذا إذا نَظَرَ إلى داخلِ فَرجِ امرأةٍ بشهوةٍ حرمَتْ عليه أمُّها وابنتُها، ولا يُشترطُ في النظرِ تَحريكُ الآلةِ.
وإنْ نظرَ إلى دُبرِها بشَهوةٍ لم تَحرمْ عليه أمُّها ولا بنتُها.
وإنْ نظَرَتِ المرأةُ إلى ذَكَرِ الرجلِ بشَهوةٍ أو لمسَتْه أو قبَّلتْهُ بشَهوةٍ تعلَّقَتْ بهِ حرمةُ المُصاهَرةِ كما لو وُجِدَ منه.
والنظرُ إلى الفرجِ بشَهوةٍ يُوجِبُ الحرمةَ، سواءٌ كانَ بينَهما حائلٌ كالنظرِ مِنْ وراءِ الزُّجاجِ ومِن وِراءِ السُّترةِ أو لم يَكنْ حائلٌ، ولا عِبرةَ بالنظرِ في المرآةِ؛ لأنه خَيالٌ، ألَا ترَى أنه يَراها مِنْ وراءِ ظهرِهِ، وكذا إذا كانَتْ على شَفَا الحوضِ فنظَرَ فرْجَها في الماءِ لا تَثبتُ الحرمةُ، وإنْ كانَتْ هي في الماءِ
стр. 9244
فرَأى فرْجَها وهيَ فيهِ تَثبتُ الحرمةُ، هذا كلُّه إذا كانَتْ حيَّةً، أمَّا الميتةُ فلا يتعلَّقُ بلَمسِها ولا بوَطئِها ولا بتَقبيلِها حُرمةُ المصاهَرةِ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فالذي يُحرِّمُ هوَ الجِماعُ في حالِ الحياةِ، أمَّا مُقدِّماتُ الجِماعِ أو الجِماعُ بعدَ المَماتِ فلا يَثبتُ به التحريمُ، فلا يَثبتُ التحريمُ بمُباشرتِها ولا بنَظَرِهِ إلى فرجِها أو بنظَرِه إلى غيرِه ولو لشَهوةٍ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يُريدُ بالدخولِ الوطءَ، وكذا لو فعَلَتْ هي كذلكَ مِنَ المُباشرةِ أو النظرِ إلى فرجِه وغيرِه، وكذا الخلوةُ لشَهوةٍ برَجلٍ لم تَحرمْ بنتُها عليه؛ لأنهُ لم يَدخلْ بأمِّها.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا المُباشرةُ فيما دونَ الفرجِ فإنْ كانتْ لغيرِ شَهوةٍ لم تَنشرِ الحُرمةَ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وإنْ كانَتْ لشَهوةٍ وكانتْ في أجنَبيةٍ لم تَنشرِ الحرمةَ أيضًا.
قالَ الجَوزجانِيُّ: سألْتُ أحمدَ عن رَجلٍ نظَرَ إلى أمِّ امرأتِه في شَهوةٍ أو قبَّلَها أو باشَرَها، فقالَ: أنا أقولُ لا يُحرمُه شيءٌ مِنْ ذلكَ إلا الجِماعُ، وكذلكَ نقَلَ أحمدُ بنُ القاسمِ وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وإنْ كانَتِ المُباشرةُ لامرأةٍ محلَّلَةٍ لهُ كامرأتِه أو مَملوكتِه لمْ تَحرمْ عليهِ ابنتُها.
стр. 9245
قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لا يُحرِّمُ الرَّبيبةَ إلا جِماعُ أمِّها»، وبه قالَ طاوسٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا ليسَ بدُخولٍ، فلا يَجوزُ تَركُ النصِّ الصريحِ مِنْ أجْلِه، وأما تَحريمُ أمِّها وتَحريمُها على أبِي المباشِرِ لها وابنِهِ فإنها في النكاحِ تَحرمُ بمُجرَّدِ العقدِ قَبْلَ المباشَرةِ، فلا يَظهرُ للمباشَرةِ أثرٌ (١).
ويحرمُ باللِّواطِ لا بدَواعيهِ مِنْ قُبلةٍ ونحوِها، ولا يحرمُ بمُساحَقةِ النساءِ، فيحرمُ على اللائطِ أمُّ المَلوطِ به وابنتُه، ويحرمُ على المَلوطِ به أمُّ اللائطِ وابنتُه؛ لأنَّه وطءٌ في الفرجِ، فنشَرَ الحُرمةَ كوطءِ المرأةِ، هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، وفي رِوايةٍ أخرى أنه لا يَنشرُ الحرمةَ اختارَها ابنُ قدامةَ ﵀ قالَ: فإنَّ هؤلاءِ غيرُ مَنصوصٍ عليهنَّ في التحريمِ، فيَدخلْنَ في عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنهنَّ غيرُ منصوصٍ عليهنَّ ولا في معنَى المنصوصِ عليهِ، فوجَبَ أنْ لا يَثبتَ حُكمُ التحريمِ فيهنَّ، فإنَّ المنصوصَ عليهنَّ في هذا حَلائلُ الأبناءِ ومَن نكَحَهنَّ الآباءُ وأمُّهاتُ النساءِ وبناتُهنَّ، وليسَ هؤلاءِ منهنَّ ولا في معناهنَّ؛ لأنَّ الوطءَ في المرأةِ يكونُ سببًا للبعضيَّةِ ويوجِبُ المهرَ ويُلحَقُ به النسبُ وتصيرُ به المرأةُ فراشًا ويُثبِتُ أحكامًا لا يُثبتُها اللواطُ، فلا يجوزُ إلحاقُهُ بهنَّ؛ لعَدمِ العلَّةِ وانقطاعِ الشبهةِ، ولذلكَ لو أَرْضَعَ الرجلُ طفلًا لم يَثبتْ به