نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، والدُّخولُ بها اسمٌ للوطءِ، وهوَ عامٌّ في جَميعِ ضُروبِ الوطءِ مِنْ مُباحٍ أو مَحظورٍ ونكاحٍ أو سِفاحٍ، فوجَبَ تَحريمُ البنتِ بوطءٍ كانَ منه قَبْلَ تزويجِ الأمِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ويَدلُّ على أنَّ الدخولَ بها اسمٌ للوطءِ، وأنه مُرادٌ بالآيةِ، وأنَّ اسمَ الدخولِ لا يَختصُّ بوطءِ نكاحٍ دونَ غيرهِ، أنه لو وَطئَ الأمَّ بمِلكِ اليمينِ حرمَتْ عليه البنتُ تَحريمًا مُؤبَّدًا بحُكمِ الآيةِ، وكذلكَ لو وَطئَها بنكاحٍ فاسدٍ، فثبَتَ أنَّ الدخولَ لمَّا كانَ اسمًا للوطءِ لم يَختصَّ فيما عُلِّقَ به مِنَ الحكمِ بوطءٍ بنكاحٍ دونَ ما سواهُ مِنْ سائرِ ضُروبِ الوطءِ.
ويَدلُّ عليهِ مِنْ جهةِ النظَرِ أنَّ الوطءَ آكَدُ في إيجابِ التحريمِ مِنَ العقدِ؛ لأنَّا لم نَجدْ وطأً مباحًا إلا وهوَ مُوجِبٌ للتحريمِ، وقدْ وجَدْنا عَقدًا صَحيحًا لا يُوجِبُ التحريمَ وهوَ العقدُ على الأمِّ لا يُوجِبُ تَحريمَ البنتِ، ولو وَطئَها حرمَتْ، فعَلِمْنا أنَّ وُجودَ الوطءِ علَّةٌ لإيجابِ التحريمِ، فكَيفَما وُجِدَ ينبغي أنْ يحرِّمَ، مُباحًا كانَ الوَطءُ أو مَحظورًا؛ لوُجودِ الوطءِ؛ لأنَّ التحريمَ لم يُخرجْه مِنْ أنْ يكونَ وطأً صَحيحًا، فلمَّا اشتَركَا في هذا المعنى وجَبَ أنْ يقَعَ به تَحريمٌ.
وأيضًا لا خِلافَ أنَّ الوطءَ بشُبهةٍ وبمِلكِ اليمينِ يُحرِّمانِ مع عَدمِ النكاحِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الوطءَ يُوجِبُ التحريمَ على أيِّ وَجهٍ وقَعَ، فوجَبَ أنْ يكونَ وطءُ الزنا مُحرِّمًا؛ لوُجودِ الوطءِ الصحيحِ.
стр. 9242
ولأنَّ اللهَ تعالى قد غلَّظَ أمْرَ الزنا بإيجابِ الرجمِ تارةً وبإيجابِ الجَلدِ أُخرى، وأَوْعَدَ عليه بالنارِ، ومنَعَ إلحاقَ النسَبِ به، وذلكَ كلُّه تَغليطًا لحُكمِه، فوجَبَ أنْ يكونَ بإيجابِ التحريمِ أَولَى إذْ كانَ إيجابُ التحريمِ ضربًا مِنَ التغليظِ، ألَا ترَى أنَّ اللهَ تعالَى لمَّا حكَمَ ببُطلانِ حَجِّ مَنْ جامَعَ امرأتَهُ قبلَ الوقوفِ بعرفَةَ كانَ الزاني أَوْلَى ببُطلانِ الحجِّ؛ لأنَّ بطلانَ الحجِّ تَغليظٌ لتَحريمِ الجِماعِ فيهِ، كذلكَ لمَّا حكَمَ اللهُ بإيجابِ تحريمِ الأمِّ والبنتِ بالوطءِ الحلالِ وجَبَ أنْ يكونَ الزنا أَوْلَى بإيجابِ التحريمِ تَغليظًا لحُكمِه (١).
إلَّا أنَّ هذا التحريمَ عندَ الحَنفيةِ لا يحصلُ بالزِّنا فقطْ، بل بمُقدِّماتِه، فلو مَسَّ امرأةً بشهوةٍ حرمَتْ عليه أمُّها وبنتُها، وكذا إذا مَسَّتْه هيَ بشهوةٍ.
ولا فرْقَ في ثُبوتِ الحُرمةِ بالمسِّ بينَ كونِه عامِدًا أو ناسِيًا أو مُكرَهًا أو مُخطئًا، حتَّى لو أيقَظَ زوْجتَه ليُجامِعَها فوصَلَتْ يدُه إلى بنتِها فقَرَصَها
стр. 9243
بشَهوةٍ وهيَ ممَّن تُشتَهى يظُنُّ أنها أمَّها حرمَتْ عليهِ زوْجتُه حُرمةً مؤبَّدةً، وكذا لو أيقظَتْه هيَ كذلكَ فقَرَصَتْ ابنَه مِنْ غيرِها حرمَتْ عليهِ.
ويُشترطُ الشهوةُ حالَ المَسِّ، فلو مَسَّ بغيرِ شهوةٍ ثمَّ اشتَهى عن ذلكَ المسِّ لا تَحرمُ عليه، وحَدُّ الشهوةِ أنْ تَنتشرَ الآلةُ أو تزدادَ انتشارًا.
وإنما يُحرِّمُ المسُّ إذا لم يُنزِلْ، أما إذا أنزَلَ بالمسِّ فالصحيحُ أنه يُوجِبُ الحرمةَ؛ لأنهُ بالإنزالِ تبيَّنَ أنه غيرُ مُفضٍ إلى الوطءِ.
وإنْ مسَّ امرأةً وقالَ: «لم أشتَهِ» أو قبَّلَها وقالَ ذلكَ فإنه يُصدَّقُ إذا كانَ المسُّ على غيرِ الفَرجِ والقُبلةُ في غيرِ الفَمِ، أمَّا إذا كانَ كذلكَ لا يُصدَّقُ؛ لأنَّ الظاهرَ يكِّذبُه.
وكذا إذا نَظَرَ إلى داخلِ فَرجِ امرأةٍ بشهوةٍ حرمَتْ عليه أمُّها وابنتُها، ولا يُشترطُ في النظرِ تَحريكُ الآلةِ.
وإنْ نظرَ إلى دُبرِها بشَهوةٍ لم تَحرمْ عليه أمُّها ولا بنتُها.
وإنْ نظَرَتِ المرأةُ إلى ذَكَرِ الرجلِ بشَهوةٍ أو لمسَتْه أو قبَّلتْهُ بشَهوةٍ تعلَّقَتْ بهِ حرمةُ المُصاهَرةِ كما لو وُجِدَ منه.
والنظرُ إلى الفرجِ بشَهوةٍ يُوجِبُ الحرمةَ، سواءٌ كانَ بينَهما حائلٌ كالنظرِ مِنْ وراءِ الزُّجاجِ ومِن وِراءِ السُّترةِ أو لم يَكنْ حائلٌ، ولا عِبرةَ بالنظرِ في المرآةِ؛ لأنه خَيالٌ، ألَا ترَى أنه يَراها مِنْ وراءِ ظهرِهِ، وكذا إذا كانَتْ على شَفَا الحوضِ فنظَرَ فرْجَها في الماءِ لا تَثبتُ الحرمةُ، وإنْ كانَتْ هي في الماءِ
стр. 9244
فرَأى فرْجَها وهيَ فيهِ تَثبتُ الحرمةُ، هذا كلُّه إذا كانَتْ حيَّةً، أمَّا الميتةُ فلا يتعلَّقُ بلَمسِها ولا بوَطئِها ولا بتَقبيلِها حُرمةُ المصاهَرةِ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فالذي يُحرِّمُ هوَ الجِماعُ في حالِ الحياةِ، أمَّا مُقدِّماتُ الجِماعِ أو الجِماعُ بعدَ المَماتِ فلا يَثبتُ به التحريمُ، فلا يَثبتُ التحريمُ بمُباشرتِها ولا بنَظَرِهِ إلى فرجِها أو بنظَرِه إلى غيرِه ولو لشَهوةٍ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يُريدُ بالدخولِ الوطءَ، وكذا لو فعَلَتْ هي كذلكَ مِنَ المُباشرةِ أو النظرِ إلى فرجِه وغيرِه، وكذا الخلوةُ لشَهوةٍ برَجلٍ لم تَحرمْ بنتُها عليه؛ لأنهُ لم يَدخلْ بأمِّها.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا المُباشرةُ فيما دونَ الفرجِ فإنْ كانتْ لغيرِ شَهوةٍ لم تَنشرِ الحُرمةَ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وإنْ كانَتْ لشَهوةٍ وكانتْ في أجنَبيةٍ لم تَنشرِ الحرمةَ أيضًا.
قالَ الجَوزجانِيُّ: سألْتُ أحمدَ عن رَجلٍ نظَرَ إلى أمِّ امرأتِه في شَهوةٍ أو قبَّلَها أو باشَرَها، فقالَ: أنا أقولُ لا يُحرمُه شيءٌ مِنْ ذلكَ إلا الجِماعُ، وكذلكَ نقَلَ أحمدُ بنُ القاسمِ وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وإنْ كانَتِ المُباشرةُ لامرأةٍ محلَّلَةٍ لهُ كامرأتِه أو مَملوكتِه لمْ تَحرمْ عليهِ ابنتُها.
стр. 9245
قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لا يُحرِّمُ الرَّبيبةَ إلا جِماعُ أمِّها»، وبه قالَ طاوسٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا ليسَ بدُخولٍ، فلا يَجوزُ تَركُ النصِّ الصريحِ مِنْ أجْلِه، وأما تَحريمُ أمِّها وتَحريمُها على أبِي المباشِرِ لها وابنِهِ فإنها في النكاحِ تَحرمُ بمُجرَّدِ العقدِ قَبْلَ المباشَرةِ، فلا يَظهرُ للمباشَرةِ أثرٌ (١).
ويحرمُ باللِّواطِ لا بدَواعيهِ مِنْ قُبلةٍ ونحوِها، ولا يحرمُ بمُساحَقةِ النساءِ، فيحرمُ على اللائطِ أمُّ المَلوطِ به وابنتُه، ويحرمُ على المَلوطِ به أمُّ اللائطِ وابنتُه؛ لأنَّه وطءٌ في الفرجِ، فنشَرَ الحُرمةَ كوطءِ المرأةِ، هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، وفي رِوايةٍ أخرى أنه لا يَنشرُ الحرمةَ اختارَها ابنُ قدامةَ ﵀ قالَ: فإنَّ هؤلاءِ غيرُ مَنصوصٍ عليهنَّ في التحريمِ، فيَدخلْنَ في عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنهنَّ غيرُ منصوصٍ عليهنَّ ولا في معنَى المنصوصِ عليهِ، فوجَبَ أنْ لا يَثبتَ حُكمُ التحريمِ فيهنَّ، فإنَّ المنصوصَ عليهنَّ في هذا حَلائلُ الأبناءِ ومَن نكَحَهنَّ الآباءُ وأمُّهاتُ النساءِ وبناتُهنَّ، وليسَ هؤلاءِ منهنَّ ولا في معناهنَّ؛ لأنَّ الوطءَ في المرأةِ يكونُ سببًا للبعضيَّةِ ويوجِبُ المهرَ ويُلحَقُ به النسبُ وتصيرُ به المرأةُ فراشًا ويُثبِتُ أحكامًا لا يُثبتُها اللواطُ، فلا يجوزُ إلحاقُهُ بهنَّ؛ لعَدمِ العلَّةِ وانقطاعِ الشبهةِ، ولذلكَ لو أَرْضَعَ الرجلُ طفلًا لم يَثبتْ به
стр. 9246
حكمُ التحريمِ، فهاهُنا أَوْلى، وإنْ قُدِّرَ بينَهما شبهٌ مِنْ وجهٍ ضَعيفٍ، فلا يَجوزُ تخصيصُ عُمومِ الكتابِ بهِ واطِّراحُ النصِّ بمثلِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ (٢) والشافِعيةُ إلى أنَّ الزنا لا يُثبِتُ حُرمةَ المصاهرةِ، فمَن زنَى بامرأةٍ جازَ له أنْ يَتزوجَ بنتَها أو أمَّها؛ لأنَّ المصاهَرةَ نعمةٌ مِنَ اللهِ امتنَّ بها على عِبادِه، فلا تَثبتُ بالزنا كما لا يَثبتُ به النسبُ، فيَجوزُ للزاني نكاحُ أمِّ مَنْ زنَى بها وبنتِها ولابنِه وأبيهِ نكاحُهنَّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، فجمَعَ بينَ المائَينِ الصِّهرَ والنسَبَ، فلمَّا انتَفَى عنِ الزنا حُكمُ النسَبِ انتَفَى عنهُ حكمُ المُصاهرةِ.
ولأنَّ ثُبوتَ حُرمةِ المصاهَرةِ بطريق النِّعمةِ والكَرامةِ، فإنَّ اللهَ تعالَى مَنَّ به على عبادِهِ بقولِه تعالَى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، وهوَ مَعقولٌ؛ فإنَّ أمهاتِها وبناتِها يَصِرْنَ كأمهاتِهِ وبناتِهِ حتى يخلو بهنَّ ويُسافِرُ بهنَّ، وهذا يكونُ بطريقِ الكَرامةِ، والزنا المَحضُ سببٌ لإيجابِ العقوبةِ، فلا يَصلحُ سببًا لإيجابِ الحُرمةِ والكرامةِ، أَلَا ترَى أنه لا يَثبتُ به النسبُ والعدَّةُ،
стр. 9247
فكذلكَ حرمةُ المصاهرةِ، ولأنه لو كانَ مؤثِّرًا لحلَّلَها للمطلِّقِ ثلاثًا.
ورُويَ عن ابنِ عُمرَ ﵄ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» (١).
ولأنَّ اللهَ ﵎ قالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فإنَّما حرمَ ما كانَ تَزويجًا ولم يَذكرْ تَحريمَ الزِّنى، والنكاحُ شرعًا إنما يُطلَقُ على وطءِ المَعقودِ عليها لا على مجرِّدِ الوطءِ.
فكلُّ تَزويجٍ كانَ على وجهِ الحلالِ يُصيبُ صاحبُه امرأتَه فهوَ بمَنزلةِ التزويجِ الحَلالِ، فيقعُ به التحريمُ، وكلُّ ما كانَ محْضَ زنًى لا يُحرِّمُ؛ لأنه ليسَ بمَنزلةِ التزويجِ.
وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: سُئلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عنِ الرَّجلِ يَتْبعُ المَرأةَ حَرامًا، أَيَنكِحُ أمَّها؟ أو يَتبعُ الأمَّ حَرامًا، أيَنكِحُ ابنَتَها؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحلالَ، إنَّما يُحرِّمُ ما كانَ بنِكاحٍ حَلالٍ» (٢)، وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ خلافُه.
ومِن طريقِ القياسِ أنَّه وطءٌ تمحَّضَ تحريمُه، فلم يتعلَّقْ به تحريمُ المصاهَرةِ كوطءِ الصغيرةِ التي لا تُشتَهى، ولأنهُ وطءٌ لا يُوجِبُ العدَّةَ، فلم يُوجِبْ تحريمَ المصاهرةِ كوَطءِ الصغيرةِ والمَيتةِ، ولأنه تَحريمُ نكاحٍ يتعلَّقُ
стр. 9248
بالوطءِ الصحيحِ، فوجَبَ أنْ يَنتفيَ عن الزنا الصريحِ قياسًا على تَحريمِ العدَّةِ، ولأنه وطءٌ لا يتعلَّقُ به التحريمُ المؤقَّتُ، فوجَبَ أنْ لا يتعلَّقَ به التحريمُ المُؤبَّدُ كاللواطِ، ولأنه لمَّا أَوجبَ تَحريمَ المصاهرةِ افتَرقَ حكمُ حَلالِه وحرامِه كالعقدِ، ولأنَّ المُواصلةَ التي ثبَتَ في الوطءِ بالنكاحِ تَنتفَي عن الوطءِ بالزنا قياسًا على مُواصلةِ النسَبِ، ولأنه لمَّا انتفَى عن وطءِ الزنا ما يتعلَّقُ بوطءِ النكاحِ مِنَ الإحصانِ والإحلالِ والعدَّةِ والنَّسَبِ انتفَى عنه ما يتعلَّقُ به مِنْ تحريمِ المُصاهرةِ، ولأنه لو ثبَتَ تحريمُ المُصاهرةِ بما حَرُمَ مِنَ الوطءِ والقُبلةِ والمُلامَسةِ بشهوةٍ لَمَا شاءَتِ المرأةُ أنْ تُفارِقَ زوْجَها إذا كَرهتْه إذا قدرَتْ على فراقِه بتَقبيلِ ابنِه، فيَصيرُ الفراقُ بيدِها وقد جعَلَهُ اللهُ بيدِ الزَّوجِ دونَها (١).
وسَببُ الخلافِ بينَ الفُقهاءِ أمرَانِ:
أحَدُهما: عدمُ وُجودِ حديثٍ صَحيحٍ معَ كلٍّ مِنَ الفريقَينِ.
стр. 9249
الثاني: الاشتِراكُ في اسمِ النكاحِ، أعنِي في دَلالتِه على المعنى الشَّرعيِّ واللغويِّ، فمَن راعَى الدَّلالةَ اللغويةَ في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] قالَ: يُحرِّمُ الزنا، ومَن راعَى الدلالةَ الشَّرعيةَ قالَ: لا يحرِّمُ الزنا.
ومَن علَّلَ هذا الحكمَ بالحُرمةِ التي بينَ الأمِّ والبنتِ وبينَ الأبِ والابنِ قالَ: يُحرِّمُ الزنا أيضًا، ومَن شبَّهَهُ بالنسَبِ قالَ: لا يحرِّمُ؛ لإجماعِ الأكثرِ على أنَّ النسبَ لا يلحَقُ بالزنا (١).
النَّوعُ الرَّابعُ: المُحرَّمات باللِّعانِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المتلاعنَينِ إذا لم يُكَذِّبْ أحدُهما نفسَه بعدَ اللعانِ فإنهما يُحرَّمانِ على بعضِهما تَحريمًا مؤبَّدًا.
إلا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو تلاعَنَا فكذَّبَ الزوجُ نفْسَه أو أقرَّتِ المرأةُ، هل تتأبَّدُ الحُرمةُ بينَهما؟ أم تكون طَلقةً بائنةً ولا يتأبَّدُ التحريمُ بينَهما ويكونُ خاطبًا مِنَ الخُطَّابِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنَ الحَنفيةِ إلى أنَّ المتلاعنَينِ إذا حصلَ بينَهما اللعانُ أنهما لا يَجتمعانِ أبدًا، وصارَتْ محرَّمةً عليه تَحريمًا مُؤبَّدًا، وسواءٌ كذَّبَ نفسَه بعدَ ذلكَ أو لم يُكَذِّبْها.
стр. 9250
لِمَا رُويَ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ﵀ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لِلمُتلاعِنَينِ: «حِسابُكُما على اللهِ، أحَدُكما كاذِبٌ، لا سَبيلَ لكَ عليها، قالَ: يا رسولَ اللهِ مالي؟، قالَ: لا مالَ لكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عليها فهو بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، وإنْ كنتَ كَذَبْتَ عليها فذاكَ أبعَدُ وأبعَدُ لكَ منها» (١).
ولِمَا رُويَ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ قالَ: سُئِلتُ عنِ المُتلاعِنَينِ في إِمْرةِ مُصعبٍ أيُفرَّقُ بينَهُما؟ قالَ: فما دَرَيتُ ما أقولُ، فمَضَيتُ إلى مَنزلِ ابنِ عُمرَ بمكَّةَ فقلتُ للغُلامِ: استَأذِنْ لي، قالَ: إنه قائِلٌ، فسَمعَ صَوتي قالَ: ابنُ جُبيرٍ؟ قلتُ: نَعمْ، قالَ: ادخُلْ فوَاللَّهِ ما جاءَ بكَ هذهِ الساعَةَ إلا حاجةٌ، فدَخلْتُ فإذا هو مُفتَرِشٌ برْذَعةً مُتوَسِّدٌ وِسادةً حَشوُها ليفٌ، قلتُ: أبا عبدِ الرَّحمَنِ الْمُتلاعِنانِ أيُفرَّقُ بينَهُما؟ قالَ: سُبحانَ اللهِ! نعم … (٢).
وعنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ سهلَ بنَ سَعدٍ الساعِديَّ أخبَرَه أنَّ عُويمرَ بنَ أشقَرَ العَجلانِيَّ جاءَ إلى عاصمِ بنِ عَديٍّ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ معَ امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلُونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فسَألَ عاصمٌ رسولَ اللهِ ﷺ فكَرهَ رسولُ اللهِ ﷺ المَسائلَ وعابَها، حتى كَبُرَ على عاصمٍ ما سَمعَ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا رجَعَ عاصِمٌ إلى أهلِه جاءهُ
стр. 9251
عُويمرٌ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ ماذَا قالَ لكَ رسولُ اللهِ ﷺ ؟ فقالَ عاصمٌ: لم تَأتِني بخَيرٍ، قد كَرهَ رسولُ اللهِ ﷺ المَسألةَ التي سَألتُه عنها، فقالَ عُويمرٌ: واللهِ لا أنتهي حتى أسأَلَه عنها، فأَقبلَ عُويمرٌ حتَّى أتى رَسولَ اللهِ ﷺ وهو وَسطَ الناسِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : قد أُنْزِلَ فيكَ وفي صاحبَتِكَ قُرآنٌ، فاذهَبْ فَأتِ بها، قالَ سَهلٌ: فتَلاعَنَا وأنا معَ الناسِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا فرَغَا قالَ عُويمرٌ: كذَبْتُ عليها يا رَسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها، فطَلَّقَها عُويمرٌ ثلاثًا قبلَ أنْ يَأمرَهُ النبيُّ ﷺ ، قالَ ابنُ شهَابٍ: فكانَتْ تلكَ سُنةُ المُتلاعِنَينِ» (١).
وفي روايةٍ: قالَ سَهلُ بنُ سعدٍ في هذا الخبَرِ قالَ: فطَلَّقَها ثلاثَ تَطليقاتٍ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ فأَنفَذَه رسولُ اللهِ ﷺ ، وكانَ ما صُنِعَ عندَ النبيِّ ﷺ سُنَّةٌ، قالَ سَهلٌ: حَضَرتُ هذا عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ فمَضَتِ السُّنةُ بعدُ في المُتلاعِنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبَدًا» (٢).
فالنبيُّ ﷺ قالَ: «لا سَبيلَ لكَ عليها» ولم يَقلْ له: «إلَّا أنْ تُكذِّبَ نفسَكَ»، فصارَ كالتحريمِ المؤبَّدِ في الأمَّهاتِ ومَن ذُكِرَ معَهنَّ، وهذا شأنُ تَحريمٍ مُطلَقِ التأبيدِ، ألَا ترَى أنَّ المطلِّقَ ثلاثًا لمَّا لم تَكنْ بائنةً
стр. 9252
أوقعَ فيه الشَّرط بنكاحِ زَوجٍ غيرِه، ولو قالَ: «فإنْ طلَّقَها فلا تَحِلُّ لهُ» لَكانَ نهيًا مُطلَقًا لا تَحلُّ له أبدًا.
وقدْ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أَطلَقَ التَّحريمَ في المُلاعنةِ ولم يقيِّدْهُ بوَقتٍ فهوَ مؤبَّدٌ، فإنْ أَكذَبَ نفسَه لَحِقَ به الولدُ؛ لأنه حَقٌّ جحَدَهُ ثم أقَرَّ به فلَزمَه، وليسَ النكاحُ كذلكَ؛ لأنه حقٌّ ثبَتَ عليهِ فليسَ يَتهيأُ له إبطالُه.
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «المُتلاعِنانِ لا يَجتمِعانِ أبَدًا»، والمعنى فيه أنَّ سبَبَ هذه الفُرقةِ يَشتركُ فيه الزَّوجانِ، والطلاقُ يَختصُّ به الزوجُ، فما يَشتركُ الزوجانِ فيه لا يَكونُ طلاقًا، ومِثلُ هذا السَّببِ متى كانَ مُوجِبًا للحُرمةِ كانَتْ مؤبَّدةً كالحُرمةِ بالرضاعِ.
تَوضيحُه: أنَّ ثُبوتَ الحُرمةِ هنا باللعانِ نَظيرُ حُرمةِ قَبولِ الشهادةِ بعدَ الحدِّ في قَذفِ الأجنبيِّ وذلكَ يتأبَّدُ، فكذلكَ هنا.
ولأنه تَحريمٌ لا يَرتفعُ قبلَ الحَدِّ والتكذيبِ، فلمْ يَرتفعْ بهما كتَحريمِ الرضاعِ (١).
стр. 9253
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحسَنِ إلى أنه لا تتأبَّدُ الحُرمةُ بسَببِ اللعانِ، وإنما الفُرقةُ في اللعانِ فرقةٌ بتَطليقةٍ بائنةٍ، فيَزولُ مِلكُ النكاحِ وتَثبتُ حرمةُ الاجتهادِ والتزوُّجِ ما دامَا على حالةِ اللعانِ، فإنْ أَكذَبَ الزوجُ نفسَهُ فجُلِدَ الحدَّ أو أكذَبَتِ المرأةُ نفسَها بأنْ صدَّقتْهُ وصارتِ المَرأةُ بحالٍ لا يَجبُ بينَها وبينَ زوجِها إذا قذَفَها لِعانٌ، فله أنْ يتزوَّجَها.
لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا لاعَنَ بينَ عُويمرٍ العَجلانِيِّ وبينَ امرأتِهِ فقالَ عُويمرٌ: «كَذبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أَمسكْتُها فهيَ طالقٌ ثَلاثًا»، وفي بعضِ الرِّواياتِ: «كَذبتُ عليها إنْ لم أُفارِقْها فهيَ طالقٌ ثَلاثًا»، فصارَ طلاقُ الزوجِ عَقيبَ اللعانِ سنَّةَ المتلاعنَينِ؛ لأنَّ عُويمرًا طلَّقَ زوْجتَه ثَلاثًا بعدَ اللعانِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأنفذَها عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، فيَجبُ على كلِّ مُلاعِنٍ أنْ يطلِّقَ، فإذا امتَنعَ يَنوبُ القاضي مَنابَهُ في التفريقِ، فيكونُ طلاقًا كما في العنِّينِ، ولأنَّ سببَ هذهِ الفرقةِ قَذفُ الزوجِ؛ لأنَّه يُوجِبُ اللعانَ، واللعانُ يُوجِبُ التفريقَ، والتفريقُ يُوجبُ الفرقةَ، فكانتِ الفرقةُ بهذهِ الوسائطِ مُضافةً إلى القذفِ السابقِ، وكلُّ فرقةٍ تكونُ مِنَ الزوجِ أو يكونُ فعلُ الزوجِ سبَبَها تكونُ طلاقًا، كما في العنِّين والخلعِ والإيلاءِ ونحوِ ذلك.
وكذلكَ كلُّ فرقةٍ متعلِّقةٍ بحكمِ الحاكمِ فإنها لا تُوجبُ تحريمًا مؤبَّدًا، والدليلُ على ذلكَ أنَّ سائرَ الفُرَقِ التي تتعلَّقُ بحكمِ الحاكمِ لا يُوجبُ
стр. 9254
تَحريمًا مؤبَّدًا، مثلَ فُرقةِ العنِّينِ وخيارِ الصغيرَينِ وفرقةِ الإيلاءِ عندَ مُخالفِنا، وكذلكَ سائرُ الفُرَقِ المتعلِّقةِ بحُكمِ الحاكمِ في الأُصولِ هذهِ سبيلُها.
وأمَّا الحديثُ فلا يُمكِنُ العملُ بحَقيقتِه؛ لمَا ذكَرْنا أنَّ حقيقةَ المُتفاعلِ هوَ المُتشاغِلُ بالفعلِ، وكما فرَغَا مِنَ اللعانِ ما بقيَا مُتلاعنَينِ حقيقةً، فانصَرفَ المرادُ إلى الحُكمِ، وهو أنْ يكونَ حُكمُ اللعانِ فيهما ثابتًا.
فإذا أَكذَبَ الزوجُ نفسَه وحُدَّ حَدَّ القذفِ بطَلَ حكمُ اللعانِ، فلمْ يَبْقَ مُتلاعنًا حقيقةً وحُكمًا، فجازَ اجتماعُهما.
ونظيرُه قولُه تعالَى في قصةِ أصحابِ الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف: ٢٠] أي: ما دامُوا في ملَّتِهم، ألَا ترَى أنهم إذا لم يَفعلُوا يُفلِحُوا، فكذا هذا.
ولأنَّ الثابتَ بالنصِّ اللعانُ بينَ الزوجَينِ، فلو أثبتْنَا به الحرمةَ المؤبَّدةَ كانَ زيادةً على النصِّ، وذلكَ لا يجوزُ، خصوصًا فيما كانَ طريقُه طريقَ العقوباتِ، ثمَّ هذهِ فرقةٌ تختصُّ بمجلسِ الحُكمِ ولا يتقرَّرُ سببُه إلا في نكاحٍ صحيحٍ، فيكونُ فرقةً بطلاقٍ كالفرقةِ بسببِ الجَبِّ والعُنَّةِ؛ وهذا لأنَّ باللعانِ يفوتُ الإمساكُ بالمعروفِ، فيتعيَّنُ التسريحُ بالإحسانِ، فإذا امتَنعَ منه نابَ القاضي مَنابَه، فيكونُ فعلُ القاضي كفعلِ الزوجِ، وإذا ثبَتَ أنه طلاقٌ والحُرمةُ بسببِ الطلاقِ لا تتأبَّدُ.
فأمَّا الحديثُ فإنَّ حقيقةَ المتلاعنَينِ حالَ تَشاغُلِهما باللعانِ، ومِن حيثُ المجازُ إنما يُسمَّيانِ مُتلاعنَينِ ما بَقيَ اللعانُ بينَهما حُكمًا، وعندنا لا
стр. 9255
يَجتمعانِ ما بقيَ اللعانُ بينَهما حُكمًا، وإنما تجوزُ المُناكَحةُ بينَهما إذا لم يَبْقَ اللعانُ بينَهما حكمًا؛ لأنه إذا أَكْذَبَ نفسَه يُقامُ عليه الحدُّ؛ لإقرارِه على نفسهِ بالتزامِ الحَدِّ، ومِن ضرورةِ إقامةِ الحدِّ عليه بُطلانُ اللعانُ، ولا يبقَى أهلًا للِّعانِ بعد إقامةِ الحدِّ، وكذلكَ إنْ أقرَّتِ المرأةُ بالزنى فقد خرَجَتْ مِنْ أنْ تكونَ أهلًا للِّعانِ، وكذلكَ إنْ قذفَتْ رجلًا فأُقيمَ عليها الحدُّ، فعرفْنَا أنَّ حِلَّ المُناكَحةِ بينَهما بعدَما بطَلَ حُكمُ اللِّعانِ، فلا يكونُ في هذا إثباتُ الاجتماعِ بينَ المتلاعنَينِ (١).
ولإجماعِ الجَميعِ على أنه إذا أَكذَبَ نفسَهُ جُلِدَ الحَدَّ ولَحِقَ به الولدُ، فيَعودُ النكاحُ حَلالًا كما عادَ الولدُ؛ لأنه لا فرْقَ بينَ شيءٍ مِنْ ذلكَ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا هل له أنْ يُراجِعَها … ؟ فقَالَ مالكٌ والشافعيُّ والثوريُّ وداودُ وأحمدُ وجُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ: إنهما لا يَجتمعانِ أبدًا وإنْ أَكذَبَ نفسَهُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وجماعةٌ: إذا أَكذَبَ نفسَه جُلِدَ الحدَّ وكانَ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ.
стр. 9256
وقد قالَ قومٌ: تُرَدُّ إليه امرأتُه.
وحُجةُ الفريقِ الأولِ قولُ رسولِ اللهِ ﷺ : «لا سَبيلَ لكَ عليها»، ولم يَستثْنِ، فأطلقَ التَّحريم.
وحُجةُ القولِ الثاني أنه إذا أَكذَبَ نفسَه فقدْ بطَلَ حكمُ اللعانِ، فكَمَا يَلحقُ به الولدُ كذلكَ تُرَدُّ المرأةُ عليهِ؛ وذلكَ أنَّ السببَ المُوجِبَ للتحريم إنما هو الجهلُ بتَعيينِ صِدْقِ أحدِهما معَ القطعِ بأنَّ أحدَهما كاذبٌ، فإذا انكَشفَ ارتَفعَ التَّحريمُ (١).
النَّوعُ الخامِسُ: نِساءُ النبيِّ ﷺ -:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نِساءَ النبيِّ ﷺ محرَّماتٌ على الأمَّةِ مِنْ بعدِه، ولا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يتزوَّجَهنَّ، ومَنِ استَحلَّ ذلك كَفَرَ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهذا ممَّا خَصَّ بهِ اللهُ تعالَى به رسولَهُ مِنَ الكَرامةِ، فقدْ خُصَّ بأحكامٍ وشُرِّفَ بمَعالمَ ومَعانٍ لم يُشاركْه فيها أحدٌ؛ تَمييزًا لشَرفِهِ وتَنبيهًا على مَرتبتِه، وخَصَّ به أزواجَه مِنَ الفضيلةِ أنْ جعَلَهنَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ فقالَ : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، يعني اللَّاتي ماتَ عنهنَّ، وهنَّ تِسعٌ، فيَجري عليهنَّ أحكامُ الأمَّهاتِ، فيَحرمُ نكاحُهنَّ حتى لا يَحللْنَ لأحدٍ بعدَه مِنَ الخَلقِ كما
القِسمُ الثَّاني: المُحرَّماتُ تَحريمًا مُؤقَّتًا:
وهُنَّ أنواعٌ:
النوعُ الأولُ: المحرَّماتُ بالجَمعِ:
وهُنَّ ضَربانِ:
الضَّربُ الأولُ: الجَمعُ بينَ الأجنَبياتِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جوازِ نكاحِ أربعةٍ مِنَ النساءِ معًا إذا كانَ حرًّا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، نَصَّ على الأربَعِ فلا يَجوزُ الزيادةُ عَليهنَّ (١).
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا يَجوزُ لمَن تحتَه أربعُ نِسوةٍ وطلَّقَ إحداهنَّ طلاقًا رجعيًّا أنْ يتزوَّجَ مِنْ خامسةٍ حتى تَنقضيَ عدَّتُها، وكذا مَنْ طلَّقَ امرأتَه طلاقًا رجعيًّا فلا يَجوزُ له أنْ يتزوَّجَ مِنْ أختِها حتى تنقضيَ عدَّتُها.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ المرأةَ طلاقًا يَملكُ الرَّجعةَ أنه ليسَ له أنْ يَنْكِحَ أختَها أو رابعةً سِواها حتى تنقضيَ عدَّةُ المُطلَّقةِ (٢).
стр. 9259
واختَلفُوا فيمَن طلَّقَ واحدةً مِنهنَّ طلاقًا بائِنًا، هل له أنْ يَنكحَ وهيَ ما زالتْ في عدَّتِها؟ أم لا بدَّ مِنِ انتهاءِ العدَّةِ؟
فمَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ أنه يَجوزُ له إذا كان تحتَه أربعُ نِسوةٍ وطلَّقَ واحدةً طلاقًا بائنًا فله أنْ يتزوَّجَ مِنْ أُخرى وإنْ كانتْ هذهِ ما زالَتْ في عدَّتِها (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ له أن يَنْكِحَ حتى تنقضيَ عدَّةُ التي طلَّقَها ولا أنْ يتزوَّجَ أختَها (٢).
وقد تَقدَّمتِ المسألةُ بالتفصيلِ في الرَّكنِ الرابعِ مِنْ أركانِ النكاحِ.
الحِكمةُ مِنْ قَصرِ عَددِ المَنكوحاتِ على أربَعٍ وإباحَةِ التَّعددِ للرَّجلِ دونَ المَرأةِ:
ذكَرَ ابنُ القيِّم ﵀ أنْ قَصْرَ عددِ المَنكوحَاتِ على أَربعٍ وإباحةَ مِلكِ اليمينِ بغيرِ حَصرٍ مِنْ تمامِ نعمتِه وكمالِ شريعتِهِ، فإنَّ النكاحَ يُرادُ للوَطَرِ، ثمَّ مِنَ الناسِ مَنْ يَغلبُ عليه سُلطانُ الشهوةِ فأباحَ له إلى رابعةً،
ومَحجوبةً في كُنِّ بيتِها، وكانَ مِزاجُها أبرَدَ مِنْ مزاجِ الرجلِ وحَركتُها الظاهرةُ والباطنةُ أقلَّ مِنْ حركتِه، وكانَ الرجلُ قد أُعطِيَ مِنَ القوَّة والحرارةِ التي هيَ سلطانُ الشهوةِ أكثرَ ممَّا أُعطِيَتْه المرأةُ، وبُلِيَ بما لم تُبْلَ به؛ أطلَقَ له مِنْ عددِ المَنكوحاتِ ما لم يُطلِقْ للمرأةِ، وهذا ممَّا خَصَّ اللهُ به الرِّجالَ وفضَّلَهم بِهِ على النساءِ، كما فضَّلَهم عليهنَّ بالرسالةِ والنبوَّةِ والخِلافةِ والمُلكِ والإمارةِ وولايةِ الحُكمِ والجهادِ وغيرِ ذلكَ، وجعَلَ الرجالَ قوَّامينَ على النساءِ ساعِينَ في مَصالحِهنَّ، يَدْأبونَ في أسبابِ مَعيشتِهنَّ ويَركبونَ الأخطارَ، يَجوبونَ القِفارَ ويُعرِّضونَ أنفُسَهم لكلِّ بَليَّةٍ ومِحنةٍ في مَصالحِ الزوجاتِ، والربُّ تعالَى شَكورٌ حَليمٌ، فشكَرَ لهم ذلكَ وجَبَرَهم بأنْ مَكَّنَهم ممَّا لمْ يُمكِّنْ منه الزِّوجاتِ، وأنتَ إذا قايَسْتَ بينَ تَعَبِ الرجالِ وشقائِهم وكَدِّهم ونَصَبِهم في مَصالحِ النساءِ وبينَ ما ابتُليَ به النساءُ مِنَ الغَيرةِ وجَدْتَ حظَّ الرجالِ مِنْ تَحمُّلِ ذلكَ التعبِ والنَّصَبِ والدأْبِ أكثرَ مِنْ حظِّ النساءِ مِنْ تَحمُّلِ الغَيرةِ، فهذا مِنْ كَمالِ عَدلِ اللهِ وحكمتِه ورحمتِه، فلهُ الحمدُ كما هو أهلُه.
وأمَّا قولُ القائلِ: «إنَّ شَهوةَ المرأةِ تزيدُ على شهوةِ الرجلِ» فليسَ كما قالَ، والشهوةُ مَنبعُها الحرارةُ، وأينَ حرارةُ الأنثى مِنْ حرارةِ الذَّكَرِ؟ ولكنَّ المرأةَ -لفراغِها وبطالَتِها وعَدمِ مُعاناتها لِمَا يَشغلُها عن أَمرِ شهوتِها وقضاءِ وطَرِها- يَغمرُها سُلطانُ الشهوةِ ويَستولي عليها، ولا يَجدُ عندَها ما يُعارضُه، بل يُصادفُ قلبًا فارغًا ونفْسًا خالِيةً، فيتمكَّنُ منها كلَّ التمكُّنِ،
стр. 9262
فيَظنُّ الظانُّ أنَّ شهوتَها أضعافُ شهوةِ الرجلِ، وليسَ كذلكَ، وممَّا يَدلُّ على هذا أنَّ الرجلَ إذا جامَعَ امرأتَهُ أمكَنَه أنْ يُجامِعَ غيرَها في الحالِ، «كانَ النبيُّ ﷺ يَطوفُ على نسائِهِ في الليلةِ الواحدةِ»، وطافَ سُليمانُ على تسعِينَ امرأةً في ليلةٍ، ومعلومٌ أنَّ له عندَ كلِّ امرأةٍ شَهوةً وحرارةً باعثةً على الوطءِ، والمرأةُ إذا قضَى الرَّجلُ وطَرَه فَتَرتْ شَهوتُها وانكَسرَتْ نفسُها، ولم تَطلُبْ قضاءَها مِنْ غيرِه في ذلكَ الحينِ، فتَطابقَتْ حكمةُ القَدَرِ والشَّرعِ والخَلْقِ والأمرِ، وللهِ الحَمدُ (١).
الضَّربُ الثَّاني: الجَمعُ بينَ ذَواتِ المَحارمِ:
كلُّ امرأتَين بينَهما رَحِمٌ مُحرَّمٌ يَحرمُ الجمعُ بينَهما، بحيثُ لو كانَتْ إحداهُما ذكَرًا لم يَجُزْ له التزوجُ بالأخرى لأجْلِ النسبِ دونَ الصِّهرِ، فلا يَجوزُ له الجمعُ بينَ الأختَينِ، ولا بينَ المرأةِ وعمَّتها وإنْ علَتْ، ولا بينَها وبينَ خالتِها وإنْ علَتْ، ولا بينَ البنتِ وأمِّها وإنْ علَتْ (٢).
فيَحرمُ الجمعُ بينَ الأختَين؛ لأنَّنا إذا فرَضْنا واحِدةً منهما رَجلًا فإنُّه لا يجوزُ له أنْ يتزوَّجَ بأختِه.
وكذلكَ الجمعُ بينَ البنتِ وعمَّتِها؛ لأننا لو فرَضْنا إحداهُما ذكَرًا لم يَجُزْ أنْ يَنكحَ الآخرَ، فلو فرَضْنا العمَّةَ ذكَرًا أصبَحَتْ عَمًّا فلا يَجوزُ له نكاحُ بنتِ أخيهِ، ولو فرَضْنا البنتَ ذكَرًا كانتِ الأخرى عمَّتَه وهي لا تَحِلُّ له.
стр. 9263
وكذا لا يَجوزُ الجمعُ بينَ المرأةِ وخالتِها؛ لأننا لو فرَضْنا إحداهُما ذكَرًا فكانتِ الخالةُ ذكَرًا أصبحَ خالًا، والخالُ لا يَجوزُ له أنْ يتزوَّجَ ببنتِ أختِه، ولو فرَضْنا البنتَ ذكَرًا كانَتِ الأخرى خالتَه وهي لا تَحِلُّ له، وهكذا.
١ - لا يَجوزُ الجمعُ بينَ الأختَين منَ النَّسبِ أو الرَّضاعةِ أو إحداهُما مِنْ نَسبٍ والأخرى مِنْ الرضاعةِ بعقدِ نكاحٍ بإجماعِ المسلمِينَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. قدِ اقتَضى ذلكَ تَحريمَ الجمعِ بينَ الأختَين في سائرِ الوجوه؛ لعُمومِ اللفظِ، ولأنَّ الجمعَ بينَهما يُفضي إلى قطيعةِ الرَّحمِ؛ لأنَّ العداوةَ بينَ الضرتَينِ ظاهرةٌ، وأنها تُفضي إلى قَطيعةِ الرحمِ، وقَطيعةُ الرحمِ حرامٌ، فكذَا المُفضِي (١).
وروَى البُخاريُّ عنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ عُروةَ بن الزُّبيرِ أخبَرَه أنَّ زَينبَ بنتَ أبي سلَمةَ أخبَرَتْه أنَّ أمَّ حَبيبةَ قالَتْ: «قلتُ: يا رَسولَ اللهِ انكِحْ أُختِي بنتَ أبي سُفيانَ، قالَ: وتُحبِّينَ؟ قلتُ: نَعمْ لَستُ لكَ بمُخْليَةٍ، وأحَبُّ مَنْ شارَكَنِي في خَيرٍ أُختِي، فقالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ ذلكَ لا يَحِلُّ لي، قلتُ: يا رَسولَ اللهِ فوَاللَّهِ إنَّا لَنَتحدَّثُ أنَّكَ تُريدُ أنْ تَنكحَ دُرَّةَ بنتَ أبي سلَمةَ، قالَ: بنتُ أمِّ سلَمةَ؟ فقلتُ: نعمْ، قالَ: فواللَّهِ لو لم تَكنْ في حِجرِي ما حَلَّتْ لي، إنها لَابنةُ أخِي من الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأبا سلَمةَ ثُويبةُ، فلا تَعرِضْنَ عليَّ بَناتِكُنَّ ولا أخَواتِكنَّ» (٢).
стр. 9264
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنه لا يجوزُ جَمعُ نكاحِ الأختَينِ في عَقدٍ واحدٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، وأنَّ ذلكَ جَمعٌ بينَهما، وأنَّ ذلكَ حرامٌ متَّفَقٌ على مُرادِ اللهِ تعالَى في الآيةِ، ولقَولِه ﵇: «لا تَعْرِضْنَ عليَّ أخَواتِكُنَّ»، فإنه لا يَجوزُ الجمعُ بينَ الأختَينِ.
واختَلفوا في الأختَينِ بمِلكِ اليمينِ، فذهَبَ كافَّةُ العلماءِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجمعُ بينَهما بالملكِ في الوطءِ وإنْ كانَ يجوزُ الجَمعُ بينَهما، فإنَّ الوطءَ في الإمَاءِ نظيرُ عَقدِ النكاحِ في الحرائرِ، وشَذَّ أهلُ الظاهِر فقالُوا: يَجوزُ الجمعُ بينَهما في الوطءِ كما يَجوزُ الجمعُ بينَهما في المِلكِ (١).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ عقْدَ نكاحِ الأختَين في عَقدٍ واحدٍ لا يَجوزُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَة (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وقد أجمَعُوا أنه لا يَجوزُ العقدُ على أختِ الزوجةِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. يعني الزوجتَين بعقدِ النكاح (٣).
стр. 9265
وقال الإمامُ القرطبيُّ ﵀: وأجمَعَتِ الأمَّةُ على مَنعِ جَمعِهما في عَقدٍ واحدٍ مِنَ النكاحِ؛ لهذهِ الآيةِ، وقولِه ﵇: «لا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ» (١).
وقال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: أمَّا الجَمعُ بينَ الأختَين فحرامٌ بنصِّ الكتابِ وإجماعِ الأمَّةِ، وأمَّا الجمعُ بينَهما بمِلكِ اليمينِ وإنْ جَمَعَ بينَهما في الملكِ بالشراءِ جازَ إذا لمْ يَجمَعْ بينَهما في الاستمتاعِ؛ لأنَّ المقصودَ بالملكِ التَّحولُ دونَ الاستمتاعِ، ولذلكَ جازَ أنْ يملكَ مَنْ لا يَحِلُّ له وطؤُها مِنْ أخواتِه وعمَّاتِه، وخالَفَ عقْدَ النكاحِ الذي مقصودُه الاستمتاعُ، ولذلكَ لم يَجُزْ أنْ يتزوَّجَ مَنْ لا تَحلُّ له مِنْ أختٍ وعمَّةٍ، فلذلكَ بطَلَ الجمعُ بينَهما في النكاحِ ولم يَبطلِ الجَمعُ بينَهما في الملكِ، فأما إذا أرادَ أنْ يَجمعَ بينَ الأختَين بملكِ اليمينِ في الاستمتاعِ فيَطَأَ كلَّ واحدةٍ منهما لم يَجُزْ، وهوَ قولُ عامةِ الصحابةِ والتابعِينَ والفقهاءِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنه لا يُجمَعُ بينَ الأختَين بعقدِ نكاحٍ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
واختَلفوا في الجَمعِ بينَهما بمِلكِ اليمينِ، والفقهاءُ على منعِه، وذهَبَتْ طائفةٌ إلى إباحةِ ذلك.
стр. 9266
وسببُ اختلافِهم مُعارَضةُ عمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] لعُمومِ الاستثناءِ في آخرِ الآيةِ وهوَ قولُه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وذلكَ أنَّ هذا الاستثناءَ يَحتملُ أنْ يَعودَ لأقربِ مَذكورٍ، ويَحتملُ أنْ يَعودَ لجميعِ ما تضمَّنَتْه الآيةُ مِنَ التحريمِ إلا ما وَقَعَ الإجماعُ على أنه لا تَأثيرَ له فيه، فيَخرجُ مِنْ عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مِلكُ اليمينِ، ويحَتملُ أنْ لا يَعودَ إلَّا إلى أقربِ مَذكورٍ، فيَبقَى قولُه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ على عُمومِه، ولا سيَّما إنْ علَّلْنا ذلكَ بعِلةِ الأخوَّةِ أو بسَببٍ مَوجودٍ فيهما.
واختَلفَ الذين قالوا بالمنعِ في مِلكِ اليمينِ إذا كانَت إحداهما بنِكاحٍ والأخرى بمِلكِ يمينٍ، فمنَعَه مالكٌ وأبو حَنيفةَ، وأجازَه الشافعيُّ (١).
وقدْ أجمَعَ المُسلمونَ على حُرمةِ الجَمعِ بينَ الأختَينِ مِنَ الرضاعةِ أيضًا، أو أنْ يَجمعَ بينَ أختٍ وأختِها مِنَ الرضاعةِ؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: قد دخَلَ فيهِ بإجماعِ المسلمينَ الأختانِ مِنَ الرضاعةِ؛ لمَا بيَّنَه رسولُ اللهِ ﷺ في الرضاعةِ أنها تُحرِّمُ ما يُحرِّمُ النسبُ، فلو تزوَّجَ رجلٌ صبيَّتَين رَضيعتَينِ فجاءَتِ امرأةٌ فأرضعَتْهما صارتَا أختَين بالرَّضاعِ وحرمَتَا عليهِ واستَأنفَ نكاحَ أيَّتِهما شاءَ (٢).
стр. 9267
٢ - الجَمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو بينَ المرأةِ وخالتِها مِنْ نسَبٍ أو رضاعٍ.
أجمَعَ مَنْ يُعتدُّ بهِ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنه لا يَجوزُ للرجلِ أنْ يَجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها ولا بينَ المرأةِ وخالتِها مِنْ نسبٍ أو رضاعٍ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنهُ قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تُنكَحَ المَرأةُ على عمَّتِها أو خالَتِها» (١).
وفي لفظٍ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُنكَحُ المَرأةُ على عمَّتِها ولا العمَّةُ على بنتِ أخيها، ولا المَرأَةُ على خالَتِها ولا الخالَةُ على بنتِ أُخْتهَا، ولا تُنكَحُ الكُبرى على الصُّغرى ولا الصُّغرَى على الكُبرى» (٢).
قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: والعملُ على هذا عندَ عامةِ أهلِ العِلمِ لا نعلمُ بينهمُ اختِلافًا أنه لا يَحلُّ للرجلِ أنْ يَجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها، فإنْ نكَحَ امرأةً على عمَّتِها أو خالتِها أو العمةَ على بنتِ أخيها فنِكاحُ الأُخرى منهُما مَفسوخٌ، وبهِ يقولُ عامةُ أهلِ العلمِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَعَ العلماءُ على القولِ بهذا الحديثِ، فلا يجوز عندَ جميعِهم نكاحُ المرأةِ على عمَّتِها وإنْ علَت، ولا على ابنةِ أختِها وإنْ سفَلَتْ، ولا على خالتِها وإنْ علَتْ، ولا على ابنةِ
стр. 9268
أخيها وإنْ سفَلَتْ، والرَّضاعةُ في ذلكَ كالنَّسبِ، وقد كانَ بعضُ أهلِ الحَديثِ يَزعمُ أنَّ الحديثَ لم يَرْوِه أحَدٌ غيرُ أبي هريرةَ، وقد رواهُ علي بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وجابرٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنْ لا تُنكَحَ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتِها، لا الكُبرى على الصُّغرى ولا الصُّغرى على الكُبرى (٢).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: والمنصوصُ على تحريمِه في الكتابِ هو الجَمعُ بينَ الأختَين، وقد ورَدَتْ آثارٌ متواتِرةٌ في النهيِ عنِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمتِها وخالتِها، رواه عليٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ وابنُ عمرَ وأبو مُوسى وأبو سَعيدٍ الخُدريُّ وأبو هريرةَ وعائشةُ وعبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتِها ولا على بنتِ أخيها ولا على بنتِ أختِها» وفي بعضِها: «لا الصُّغرى على الكُبرى ولا الكُبرى على الصُّغرى» على اختلافِ بعضِ الألفاظِ معَ اتفاقِ المعنى، وقد تَلقَّاها الناسُ بالقَبولِ معَ تواترِها واستِفاضتِها، وهيَ مِنَ الأخبارِ الموجِبةِ للعلمِ والعملِ، فوجَبَ استعمالُ حُكمِها معَ الآيةِ.
وشذَّتْ طائفةٌ مِنَ الخوارجِ بإباحةِ الجمعِ بينَ مَنْ عدا الأختُينِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأخطَأَتْ في ذلكَ وضَلَّتْ عن سواءِ السبيلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى كما قالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾
стр. 9269
قالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وقد ثبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ تَحريمُ الجمعِ بينَ مَنْ ذَكَرْنا، فوجَبَ أنْ يكونَ مَضمومًا إلى الآيةِ، فيَكونُ قولُه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مُستعمَلًا فيمَن عدا الأختَينِ وعدا مَنْ بيَّنَ النبيُّ ﷺ تَحريمَ الجمعِ بينَهنَّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العلماءُ أنه لا يَجوزُ الجَمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وإنْ علَتْ، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها وإنْ علَتْ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أمَّا الجَمعُ بينَ ذواتِ الأرحامِ في النكاحِ فنَقولُ: لا خلافَ في أنَّ الجَمعَ بينَ الأختَين في النكاحِ حرامٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] مَعطوفًا على قولهِ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولأنَّ الجَمعَ بينَهما يُفضي إلى قطيعةِ الرحمِ؛ لأنَّ العَداوةَ بينَ الضرتَينِ ظاهرةٌ، وأنها تُفضي إلى قطيعةِ الرحمِ، وقطيعةُ الرحمِ حرامٌ فكذا المُفضي، وكذا الجمعُ بينَ المرأةِ وبنتِها؛ لِمَا قُلنا، بل أَولى؛ لأنَّ قرابةَ الوِلادِ مُفترَضةُ الوصلِ بلا خلافٍ.
واختُلفَ في الجمعِ بينَ ذواتَي رَحمٍ مُحرَّمٍ سِوى هذَينِ الجَمعَينِ بينَ امرأتَين لو كانَتْ إحداهما رَجلًا لا يَجوزُ له نكاحُ الأُخرى مِنَ الجانبَين جَميعًا أيتُهما كانَت غيرَ عَينٍ، كالجَمعِ بينَ امرأةٍ وعمَّتِها والجَمعِ بينَ امرأةٍ وخالتِها ونحوِ ذلكَ.
стр. 9270
قالَ عامةُ العُلماءُ: لا يَجوزُ، وقالَ عُثمانُ البَتيُّ: الجَمعُ فيما سِوى الأختَين وسِوى المرأةِ وبنتِها ليس بحَرامٍ، واحتجَّ بقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ذكَرَ المحرَّماتِ وذكَرَ فيما حرَّمَ الجمعَ بينَ الأختَين وأحَلَّ ما وراءَ ذلكَ، والجَمعُ فيما سوى الأختَينِ لم يَدخلْ في التحريمِ، فكانَ داخِلًا في الإحلالِ، إلَّا أنَّ الجمعَ بينَ المرأةِ وبنتِها حُرِّمَ بدَلالةِ النصِّ؛ لأنَّ قرابةَ الوِلادِ أَقوى، فالنصُّ الواردُ ثمَّةَ يكونُ وارِدًا ههُنا مِنْ طريقِ الأَولى.
ولنا: الحديثُ المَشهورُ، وهوَ ما رُويَ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتِها ولا على ابنةِ أخِيها ولا على ابنةِ أختِها»، وزادَ في بعضِ الرِّواياتِ: «لا الصُّغرى على الكُبرى ولا الكُبرى على الصُّغرى» الحديث، أخبَرَ أنَّ مَنْ تزوَّجَ عمَّةً ثم بنتَ أخيها أو خالةً ثمَّ بنتَ أختِها لا يجوزُ، ثم أخبَرَ أنه إذا تزوَّجَ بنتَ الأخِ أولًا ثم العمَّةَ أو بنتَ الأختِ أولًا ثم الخالةَ لا يَجوزُ أيضًا؛ لئلا يُشكِلَ أنَّ حرمةَ الجمعِ يَجوزُ أنْ تكونَ مختصَّةً بأحدِ الطرفَينِ دونَ الآخرِ، كنكاحِ الأمَةِ على الحرةِ أنه لا يَجوزُ ويَجوزُ نكاحُ الحرةِ على الأمَةِ، ولأنَّ الجمعَ بينَ ذواتي رحِمٍ مُحرَّمٍ في النكاحِ سَببٌ لقطيعةِ الرحمِ؛ لأنَّ الضَّرتَينِ يَتنازعانِ ويَختلفانِ ولا يَأتلفانِ، هذا أمرٌ معلومٌ بالعُرف والعادةِ، وذلكَ يُفضي إلى قَطعِ الرحمِ وأنه حرامٌ، والنكاحُ سَببٌ فيَحرمُ حتى لا يُؤدِّيَ إليه، وإلى هذا المَعنى أشارَ النبيُّ ﷺ في آخرِ الحديثِ فيما
стр. 9271
رُويَ أنه قالَ: «إنكُم لو فَعلْتُم ذلكَ لَقَطَعْتُم أرحامَهُنَّ»، ورُويَ في بعضِ الرواياتِ: «فإنهنَّ يَتقاطَعْنَ»، وفي بعضِها أنه «يُوجِبُ القطيعةَ»، ورُويَ عن أنسٍ ﵁ أنه قالَ: «كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَكرهونَ الجمعَ بينَ القَرابةِ في النكاحِ وقالوا: إنهُ يورِثُ الضغائنَ».
ورويَ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنه كَرِهَ الجَمعَ بينَ بنتَي عمَّينِ وقالَ: «لا أُحَرِّمُ ذلكَ لكنْ أَكرَهُه»، أمَّا الكَراهةُ فلِمكانِ القطيعةِ، وأمَّا عدمُ الحرمةِ فلِأنَّ القرابةَ بينَهُما ليسَتْ بمُفترضةِ الوصلِ.
أمَّا الآيةُ فيُحتملُ أنْ يكونَ معنَى قولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما وراءَ ما حرَّمَه اللهُ تعالَى، والجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبنتِها وبينَ خالتِها ممَّا قد حرَّمَه اللهُ تعالى على لِسانِ رسولِ اللهِ ﷺ الذي هوَ وَحيٌ غيرُ مَتلوٍّ، على أنَّ حُرمةَ الجمعِ بينَ الأختَين مَعلولةٌ بقطعِ الرَّحمِ، والجمعُ ههُنا يُفضي إلى قطعِ الرَّحمِ، فكانَت حُرمةً ثابتةً بدَلالةِ النصِّ، فلم يَكنْ ما وراءَ ما حُرِّمَ في آيةِ التحريمِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: اتَّفقوا فيما أعلَمُ على تحريمِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبينَ المرأةِ وخالتِها؛ لثُبوتِ ذلكَ عنه ﵊ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، وتَواترِه عنه ﵊ مِنْ أنه قالَ ﵊: «لا يُجمَعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها ولا بينَ المرأةِ وخالتِها».
стр. 9272
واتَّفقوا على أنَّ العمَّةَ ههُنا هيَ كلُّ أنثَى هيَ أختٌ لذكَرٍ له عليكَ وِلادةٌ إمَّا بنفسِه وإمَّا بواسطةِ ذكَرٍ آخَرَ، وأنَّ الخالةَ هيَ كلُّ أنثى هيَ أختٌ لكلِّ أنثى لها عليكَ وِلادةٌ إمَّا بنفسِها وإمَّا بتوسُّطِ أنثى غيرِها، وهُنَّ الجدَّات مِنْ قِبَلِ الأمِّ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبينَ المرأةِ وخالَتِها حرامٌ بعقدِ النكاحِ ومِلكِ اليمينِ، كالجمعِ بينَ أختَينِ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وحُكِيَ عن الخَوارجِ وعثمانَ البتيِّ أنه لا يَحرمُ الجمعُ بينَهما في نكاحٍ ولا مِلكِ يمينٍ، وحرَّمَ داودُ الجَمعَ بينَهما في النكاح دونَ مِلكِ اليمينِ، فأمَّا داودُ فقد مضَى الكلامُ معه في الجَمعِ بينَ الأختَين، وأمَّا البَتيُّ والخَوارجُ فاستَدلُّوا بأنَّ تحريمَ المَناكحِ مأخوذٌ مِنْ نصِّ الكتابِ دونَ السُّنَّةِ ولم يَرِدِ الكِتابُ بذلكَ فلم يَحرمْ، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ كلَّ ما جاءَتْ به السُّنةُ يَجبُ العملُ بهِ كما يَلزمُ بما جاءَ به الكتابُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
وقد جاءتِ السُّنةُ بما رواه مالِكٌ عن أبي الزِّنادِ عن الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يُجمَعُ بينَ المَرأةِ وعمَّتِها ولا بينَ المَرأةِ وخالتِها»، وروى داودُ بنُ أبي هندٍ عن الشَّعبيِّ عن أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تُنكَحُ المَرأةُ على عمَّتِها، ولا العمَّةُ على بنتِ أخيها، ولا تُنكَحُ المرأةُ على خالتِها، ولا الخالةُ على بنتِ أختِها، ولا تُنكَحُ
стр. 9273
الصُّغرى على الكُبرى ولا الكُبرى على الصُّغرى»، وهذانِ الحَديثانِ نَصٌّ، والثاني أكمَلُ، وهُمَا وإنْ كانَا خبَرَي واحدٍ فقدْ تلقَّتْه الأمَّةُ بالقبولِ وعَمِلَ به الجُمهورُ، فصارَ بأخبارِ التواترِ أشبَهَ، فلَزمَ الخَوارجَ العَملُ به وإنْ لم يَلتزموا أخبارَ الآحادِ.
ولأنَّ الأختَين يَحرمُ الجمعُ بينَهما؛ لأنَّ إحداهما لو كانَ رجلًا حَرُمَ عليه نكاحُ أختِه، كذلكَ المرأةُ وخالتُها وعمَّتُها يَحرمُ الجمعُ بينَهما؛ لأنه لو كانَ إحداهما رَجلًا حَرُمَ عليه نكاحُ عمَّتِه وخالتِه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مسألةٌ قالَ: (والجَمعُ بينَ المرأةِ وبينَ عمَّتِها وبينَها وبينَ خالتِها).
قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على القولِ بهِ، وليسَ فيه بحَمدِ اللهِ اختلافٌ، إلا أنَّ بعضَ أهلِ البِدَعِ ممَّن لا تُعَدُّ مُخالَفتُه خِلافًا -وهُم الرافِضةُ والخوارجُ- لم يُحرِّموا ذلكَ ولم يَقولوا بالسُّنةِ الثابتةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ …
ولأنَّ العلَّةَ في تحريمِ الجَمعِ بينَ الأختَينِ إيقاعُ العَداوةِ بينَ الأقاربِ وإفضاؤُه إلى قطيعةِ الرحمِ المُحرَّمِ، وهذا مَوجودٌ فيما ذَكَرْنا، فإنِ احتَجُّوا بعُمومِ قولِه سُبحانَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] خصَّصْناه بما رويناهُ.
стр. 9274
وبلَغَنا أنَّ رجلَين مِنَ الخوارجِ أَتَيَا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ فكانَ ممَّا أنكَرَا عليه رَجمُ الزاني وتَحريمُ الجَمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبينَها وبينَ خالتها، وقالا: ليسَ هذا في كِتاب اللهِ تعالى، فقالَ لهما: كَمْ فَرَضَ اللهُ عليكم مِنَ الصلاةِ؟ قالَا: خمسَ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ، وسألهما عن عددِ ركعاتها فأخبراه بذلكَ، وسألَهُما عن مِقدارِ الزكاةِ ونُصُبِها فأخبَراهُ، فقالَ: فهل تَجدَانِ ذلكَ في كتابِ اللهِ؟ قالا: لا نَجدُه في كتاب اللهِ، قالَ: فمِن أينَ صِرتُما إلى ذلكَ؟ قالا: فعَلَه رسولُ اللهِ ﷺ والمُسلمونَ بعدَه، قالَ: فكذلكَ هذا.
ثمَّ لا فرْقَ بينَ الخالةِ والعمَّةِ حقيقةً أو مَجازًا كعمَّاتِ آبائِها وخالاتهم وعمَّاتِ أمَّهاتِها وخالاتهنَّ وإنْ علَتْ دَرجتُهن، مِنْ نسَبٍ كانَ ذلكَ أو مِنْ رَضاعٍ، فكلُّ شَخصَينِ لا يجوزُ لأحدِهما أنْ يتزوَّجَ الآخرَ لو كانَ أحدُهما ذكَرًا والآخَرُ أنثى لأجلِ القرابةِ لا يجوزُ الجمعُ بينَهما؛ لتأديةِ ذلكَ إلى قَطيعةِ الرحمِ القريبةِ؛ لِمَا في الطِّباعِ مِنَ التنافسِ والغَيرةِ بينَ الضرائرِ، ولا يَجوزُ الجمعُ بينَ المرأةِ وأمِّها في العقدِ؛ لِمَا ذكَرْناه، ولأنَّ الأمَّ إلى ابنتِها أقربُ مِنَ الأختَين، فإذا لم يُجمَعْ بينَ الأختَين فالمرأةُ وابنتُها أَولى (١).
الجَمعُ بينَ المَرأةِ وبنتِ عمَّتِها أو بنتِ خالتِها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَجوزُ نكاحُ الرَّجلِ مِنْ المرأةِ وبنتِ عمَّتِها أو عمِّها أو المرأةِ وبنتِ خالتِها أو خالِها؛ لأنَّ إحداهما لو كانَ