قالَ أبو بَكرٍ: النكاحُ جائزٌ إذا جمَعَ بينَهما، ولا أعلمُ أحَدًا أبطَلَ هذا النكاحَ (١).
الجَمعُ بينَ زَوجةِ الرَّجلِ وابنَتهِ مِنْ غيرِها:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنه يَجوزُ للرجلِ أنْ يَجمعَ بينَ امرأةِ رَجلٍ وابنتِه مِنْ غيرِها؛ لأنه لا قَرابةَ بينَهما ولا رَضاعَ.
قالَ أبو عُمرَ ﵀: قد اختَلفَ العلماءُ في جَمعِ الرجلِ في النكاحِ بينَ امرأةِ رَجلٍ وابنتِه مِنْ غيرِها.
فالجُمهورُ على أنَّ ذلكَ جائزٌ، وعليه جَماعةُ الفقهاءِ بالمدينةِ ومكةَ والعِراقِ ومِصرَ والشامِ، إلَّا ابنَ أبي لَيلى مِنْ أهلِ الكوفةِ، وقد تَقدَّمَه إلى ذلك الحسَنُ وعليٌّ وعِكرمةُ، وخالَفَهم أكثرُ الفُقهاءِ؛ لأنه لا نسَبَ بينَهما (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: «ولا بأسَ أنْ يَجمعَ الرجلُ بينَ المرأةِ وزَوجةِ أبيها وبينَ امرأةِ الرجلِ وابنةِ امرأتِهِ إذا كانَتْ مِنْ غيرِها؛ لأنه لا نسَبَ بينهنَّ».
قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ، يَجوزُ أنْ يَجمعَ الرَّجلُ بينَ المرأةِ
стр. 9277
وزوجةِ أبيها وزوجةِ ابنِها، وهذا قولُ جُمهورِ أهلِ العلمِ، إلا ابنَ أبي لَيلى فإنه منَعَ منهُ؛ استِدلالًا بأنهما امرَأتانِ لو كانَ إحداهما رَجلًا حَرُمَ عليه نكاحُ الأخرى؛ لأنها تكونُ امرأةَ أبيه أو حَليلةَ ابنِه، فحَرُمَ الجمعُ بينَهما كما حَرُمَ الجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها للمَعنى المذكورِ، وهذا خَطأٌ؛ لِمَا رُويَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جَعفرِ بنِ أبي طالبٍ وعبدَ اللهِ بنَ صِفوانَ بنِ أميَّةَ جمَعَ كلُّ واحدٍ منهما بينَ امرأةِ رَجلٍ وبنتِه مِنْ غيرِها فلمْ يُنكِرْ ذاكَ أحدٌ مِنْ عُلماءِ عصرِه فكانَ إجماعًا، ولأنَّ تحريمَ الجَمعِ إنما يثبتُ بينَ ذوي الأنسابِ حِفظًا لصِلةِ الأرحامِ وأنْ لا يَتقاطَعْنَ بالتباغُضِ والعُقوقِ، وليسَ بينَ هاتَينِ نَسبٌ ولا رضاعٌ يَجري عليه حُكمُ النسبِ، فلمْ يَحرُمِ الجَمعُ بينَهما كسائرِ الأجانبِ، وخالفَ ذَوِي الأنسابِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: باب الجَمع بينَ امرأةِ الرجلِ وابنتِه مِنْ غيرِها بالنكاحِ.
اختَلفَ أهلُ العلمِ في الجَمعِ بينَ امرأةِ الرجلِ وابنتِه مِنْ غيرِها بالنكاحِ، فأجازَ أكثرُ أهلِ العلمِ نِكاحَها، فعَلَ ذلكَ عبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ وعَبدُ اللهِ بنُ صَفوانَ بنِ أميَّةَ.
وأباحَ ذلكَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ وسُليمانُ بنُ يسارٍ والثوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ مالكٌ: لا أَعلمُ ذلكَ حرامًا.
стр. 9278
وبه نقولُ، وذلكَ أني لا أجِدُ دَلالةً أحرِّمُ بها الجَمعَ بينَهما، وقولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] الآيَة يُبيحُ نكاحَ جَميعِ النساءِ إلا مَنْ حُرِّمَ بالكِتابِ أو السُّنةِ أو اتِّفاقٍ.
وكذلكَ قولُه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الآيَة، إلا ما حرَّمَتِ السُّنةُ.
وقد روينَا عنِ الحَسنِ البصريِّ وعِكرمةَ أنهما كَرِهَا ذلكَ، وأمَّا الحسَنُ فقد ثبتَ رُجوعُه عنه، وأمَّا إسنادُ حَديثِ عكرمةَ ففيه مَقالٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مسألةٌ: قالَ: (ولا بأسَ أنْ يَجمعَ بينَ مَنْ كانت زوجةَ رَجلٍ وابنتِه مِنْ غيرها).
أكثَرُ أهلِ العلمِ يرونَ الجمعَ بينَ المرأةِ ورَبيبتِها جائزًا لا بأسَ به، فعَلَه عبدُ الله بنُ جَعفرٍ وعبدُ اللهِ بنُ صَفوان بنِ أميَّةَ، وبه قالَ سائرُ الفُقهاءِ، إلا الحسَنَ وعِكرمةَ وابنَ أبي ليلَى رُوِيَتْ عنهُم كَراهيتُه؛ لأنَّ إحداهما لو كانَتْ ذكَرًا حَرُمَتْ عليه الأخرَى، فأشبهَ المرأةَ وعمَّتها.
ولنا: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنهما لا قَرابةَ بينَهما فأشبَهتَا الأجنبيتَينِ، ولأنَّ الجمعَ حَرُمَ خَوفًا مِنْ قَطيعةِ الرحمِ القَريبةِ بينَ المُتناسبينِ، ولا قَرابةَ بينَ هاتَينِ، وبهذا يُفارِقُ ما ذكَروهُ (٢).
стр. 9279
الرَّجلُ يَنكحُ المَرأةَ ويَنكِحُ ابنُه ابنتَها مِنْ غيرِه:
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختَلفُوا في الرَّجلِ يَنْكِحُ المرأةَ ويَنكحُ ابنُه ابنتَها.
فرخَّصَ في ذلكَ أكثرُ أهلِ العِلمِ، وممَّن رخَّصَ فيه عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والزُّهريُّ وقَتادةُ والثوريُّ وأهلُ العراقِ مِنْ أصحابِ الرأيِ وغيرُهم والشافعيُّ وأصحابُه وأحمدُ وإسحاقُ، وبه نقولُ.
وقد روينَا عن طاوُوسٍ أنه كانَ يَكرهُ أنْ يَنكحَ الرجلُ ابنةَ امرأةٍ قد كانَ أبوهُ وَطئَها، فما ولَدَتْ مِنْ ولَدٍ قبلَ أنْ يطأَها أبوه فلا بأسَ بأنْ يَنكحَها، وما ولَدَتْ مِنْ بعدِ أنْ وَطئَها أبوه فلا يَتزوَّج شيئًا مِنْ ولَدِها.
وقد اختُلفَ فيه عن مُجاهدٍ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو كانَ لرَجلِ ابنٌ مِنْ غيرِ زَوجتِه ولها بنتٌ مِنْ غيرِه أو كانَ له بنتٌ ولها ابنٌ جازَ تزويجُ أحدِهما مِنَ الآخرِ في قولِ عامَّةِ الفقهاءِ.
وحُكيَ عن طاوسٍ كَراهيتُه إذا كانَ ممَّا ولَدَتْه المرأةُ بعدَ وَطءِ الزوجِ لها.
والأول أَولى؛ لعُمومِ الآيةِ والمعنَى الذي ذكَرْناه، فإنه ليسَ بينَهما نسَبٌ ولا سَببٌ يَقتضي التحريمَ، وكونُه أخًا لأختها لم يَرِدِ الشرعُ بأنه سَببٌ
стр. 9280
للتحريمِ، فبَقيَ على الإباحةِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ومتى ولَدَتِ المرأةُ مِنْ ذلكَ الرجلِ ولَدًا صارَ عمًّا لولدِ ولَدَيهما وخالًا.
فَصلٌ: وإنْ تزوَّجَ امرأةً لم تَحرمْ أمُّها ولا ابنتُها على أبيهِ ولا ابنِه، فمتى تزوَّج امرأةً وزوَّجَ ابنَه أمَّها جازَ؛ لعَدمِ أسبابِ التحريمِ.
فإذا وُلدَ لكلِّ واحدٍ منهُما ولدٌ كانَ ولدُ الابنِ خالَ ولدِ الأبِ وولدُ الأبِ عمَّ ولدِ الابنِ، ويُروى أنَّ رَجلًا أتَى عبدَ الملكِ بنَ مَروانَ فقالَ: يا أميرَ المؤمنِين إني تزوَّجْتُ امرأةً وزوَّجْتُ ابني بأمِّها فأخبَرْنا، فقالَ عبدُ الملكِ: إنْ أخبَرْتَني بقَرابةِ ولَدِكَ مِنْ ولدِ ابنكَ أخبَرتُكَ، فقالَ الرجلُ: يا أميرَ المؤمنِين هذا العُرْيانُ بنُ الهيثمِ الذي ولَّيتَه قائمَ سَيفِكِ، إنْ عَلِمَ ذلكَ فلا تُخبِرْني، فقالَ العُريانُ: أحدُهما عَمُّ الآخرِ والآخرُ خالُه.
فَصلٌ: وإذا تزوَّجَ رَجلٌ بامرأةٍ وزوَّجَ ابنَه بنتَها أو أمَّها فزُفَّتِ امرأةُ كلِّ واحدٍ منهُما إلى صاحبِه فوَطئَها، فإنَّ وطْءَ الأولِ يُوجِبُ عليه مَهرَ مثلِها؛ لأنه وطءُ شبهةٍ ويُفسخُ به نكاحُها مِنْ زوجِها؛ لأنها صارَتْ بالوطءِ حَليلةَ ابنِه أو أبيه، ويَسقطُ به مَهرُ المَوطوءةِ عن زوجِها؛ لأنَّ الفسخَ جاءَ مِنْ قِبَلِها بتمكينِها مِنْ وَطئِها ومُطاوعتِها عليه، ولا شيءَ لزوجِها على الواطئِ؛ لأنه لم يَلزمْه شيءٌ يَرجعُ به، ولأنَّ المرأةَ مُشارِكةٌ في إفساد نكاحِها بالمُطاوَعةِ، فلم يَجبْ على زوجِها شيءٌ كما لو انفرَدَتْ به، ويَحتملُ أنْ يَلزمَه لزوجِها نصفُ مهرِ مثلِها؛ لأنه أفسَدَ نكاحَها قبلَ الدخولِ، أشبهَ المرأةَ تُفسِدُ نكاحَه بالرَّضاعِ، ويُنفسخُ نكاحُ الواطئِ أيضًا؛ لأنَّ امرأتَه صارَتْ أمًّا لمَوطوءتِه أو
стр. 9281
بنتًا لها، ولها نِصفُ المسمَّى، فأما وطءُ الثاني فيُوجِبُ مهرَ المثلِ للموطوءةِ خاصةً، فإنْ أشكَلَ الأولُ انفَسخَ النكاحانِ، ولكلِّ واحدةٍ مهرُ مثلِها على واطئِها، ولا يَثبتُ رُجوعُ أحدِهما على الآخَرِ، ويَجبُ لامرأةِ كلِّ واحدٍ منهُما على الآخَرِ نصفُ المسمَّى، ولا يَسقطُ بالشكِّ (١).
إذَا تَزوَّجَ مُحرَّمتَي الجَمعِ في عَقدٍ واحِدٍ أو عَقدَينِ:
ونِكاحُ الرجلِ المرأتَين مُحرَّمتَي الجَمعِ كالأختَين أو المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها مِنْ نسبٍ أو رضاعٍ، فهذا على ضَربَينِ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ يَعقِدُ عليهِما مَعًا في عَقدٍ واحدٍ: فنِكاحُهما باطِلٌ ولا يَصحُّ العقدُ في واحدةٍ منهما؛ لأنه لا يُمكنُ تَصحيحُه فيهما ولا مَزيةَ لإحداهُما على الأخرَى، فيَبطلُ فيهما؛ لأنه لمَّا حَرُمَ الجمعُ بينَهما ولم يَتعينِ المُختصةُ بالصحةِ منهما وجَبَ بطلانُ العقدِ عليهما؛ لتَساويهِما، كما لو زُوِّجتِ المرأةُ لرجلَينِ.
قالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: وسَواءٌ دخلَ بإحداهُما أو لم يَدخلْ، وهو بالخيارِ بينَ أنْ يَستأنفَ العقدَ على أيِّهما شاءَ، فإنْ عقَدَ على التي دخَلَ بها سقَطَ ما عليها مِنْ عدَّةِ إصابتِه، وإنْ عقَدَ على غيرِ المدخولِ بها صَحَّ عقدُه، ويُستحبُّ أنْ يُمسكَ عن إصابتِها حتى تنقضيَ عدَّةُ أختِها مِنْ إصابتِه؛ لئلَّا يَجتمعَ ماؤُه في أختَين (٢).
стр. 9282
وقالَ الحَنفيةُ: إنْ تزوَّجَ أختَين في عقدٍ واحدٍ يُفرَّقُ بينَه وبينَهما، فإنْ كانَ قبلَ الدخولِ فلا شيءَ لهُما، وإنْ كانَ بعدَه فلكلِّ واحدةٍ الأقلُّ مِنْ مهرِ مثلِها ومنَ المسمَّى، ثمَّ لا يجوزُ تزوُّجُ واحدةٍ منهما حتى تَنقضيَ عدَّةُ الأخرى (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا تزوَّجَ اثنتَين مِنْ محرَّمتَي الجمعِ في عقدٍ واحدٍ فُسخَ بلا طلاقٍ.
وإنْ نكَحَهما في عَقدَينِ فُسخَ نكاحُ الثانيةِ مِنْ مُحرَّمتَي الجمعِ بلا طلاقٍ، ولا مهرَ لها إذا فسخَ قبلَ الدُّخولِ، هذا إذا صدَّقتْه أنها الثانيةُ أو وُجِدَتْ بيِّنةٌ، أما إنْ لم تُصدِّقْه وادَّعَتْ أنها الأُولى ولا بينةَ أو قالَت: «لا عِلمَ عندي» فُسخَ نكاحُها بطلاقٍ؛ عَملًا بإقرارِها، وحلَفَ الزوجُ أنها الثانيةُ وما هي الأُولى؛ لأجْلِ إسقاطِ النصفِ الواجِبِ لها بالطلاقِ قبلَ المَسيسِ على تقديرِ أنها الأُولى وأنَّ نكاحَها صحيحٌ، فإنْ نكَلَ غَرمَ لها نصفَ الصداقِ بمُجردِ نكولِه، وإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ بعدَ الدخولِ فُسخَ النكاحُ بطلاقٍ وكانَ لها المهرُ كاملاً بالبناءِ ولا يمينَ عليه وبقيَ على نكاحِه الأولِ بدعواه مِنْ غيرِ تَجديدِ عقدٍ.
стр. 9283
وحلَّتِ الثانيةُ مِنْ مُحرَّمتَي الجمعِ كأختَين إذا كانَ تحتَه إحداهُما ببَينونةِ الأُولى بخُلعٍ أو بَتٍّ أو بانقضاءِ عدَّةِ رَجعيٍّ (١).
الضَّربُ الثاني: أنْ يَعقِدَ على واحدةٍ بعدَ أخرى، فهذا لا يَخلو مِنْ صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَعقدَ على واحدةٍ ثمَّ يَعقدَ على الثانيةِ وعلمَ أنها الثانيةُ:
فلا خِلافَ أنَّ نكاحَ الأُولى ثابتٌ صَحيحٌ؛ لأنه لا جمْعَ فيهِ، ونكاحُ الثانيةِ باطلٌ؛ لاستِقرارِ العقدِ على الأُولى قبلَ الجَمعِ؛ لأنَّ الجمعَ يَحصلُ به، فبالعَقدِ على الأُولى تَحرمُ الثانيةُ ولا يَصحُّ العقدُ عليها حتى تَبِينَ الأُولى منه ويَزولَ نكاحُها.
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يَتزوَّجَهما في عقدَينِ ولا يَدري أيَّتهما أولًا:
هنا اختَلفَ الفقهاءُ فيه.
فقالَ الحَنفيةُ: إنْ تزوَّجَهما في عقدَينِ ولا يدري أيَّتهما أولًا فإنه لا يَتحرَّى في ذلكَ، ولكن يُفرَّقُ بينَهما وبينَه؛ لأنَّ نكاحَ إحداهُما باطلٌ بيقينٍ، ولا وجهَ إلى التعيينِ؛ لعَدمِ الأولَويةِ، ولا إلى التقييدِ معَ التجهيلِ، فيَتعينُ
стр. 9284
التفريقُ، ويَلزمُه نصفُ الصَّداقِ، فيكونُ بينَهما -يعني نِصف المُسمَّى-؛ لأنه وجَبَ للأُولى وانعدَمَتِ الأولويةُ، فيُصرفُ إليهما جَميعًا (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا تزوَّجَ اثنتَينِ في عقدَينِ فُسخَ نكاحُ الثانيةِ مِنْ مُحرمتَي الجَمعِ بلا طلاقٍ، ولا مهرَ لها إذا فسخَ قبلَ الدُّخولِ، هذا إذا صدَّقتْه أنها الثانيةُ أو وُجِدتْ بينةٌ، أما إنْ لم تُصدِّقْه وادَّعَتْ أنها الأُولى ولا بيِّنةَ أو قالت: «لا عِلمَ عندي» فُسخَ نِكاحُها بطلاقٍ؛ عَملًا بإقرارِها، وحلَفَ الزوجُ أنها الثانيةُ وما هيَ الأُولى؛ لأجْلِ إسقاطِ النصفِ الواجبِ لها بالطلاقِ قبلَ المسيسِ على تقديرِ أنها الأُولى وأنَّ نكاحَها صحيحٌ؛ فإنْ نكَلَ غَرمَ لها نصفَ الصداقِ بمُجردِ نُكولِه، وإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ بعدَ الدخولِ فُسخَ النكاحُ بطلاقٍ وكانَ لها المهرُ كاملًا بالبناءِ ولا يَمينَ عليه وبقيَ على نكاحِه الأولِ بدَعواهُ مِنْ غيرِ تجديدِ عقدٍ.
وحلَّتِ الثانيةُ مِنْ مُحرمتَي الجَمعِ كأختَين إذا كانَ تحتَه إحداهُما ببَينونةِ الأُولى بخُلعٍ أو بَتٍّ أو بانقضاءِ عدَّةِ رَجعيٍّ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: فلو شكَّ في أيَّتهما نكَحَ أولًا فهذا على ضَربَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَطرأَ الشكُّ بعدَ تقدُّمِ اليقينِ، فنِكاحُهما مَوقوفٌ
стр. 9285
وإحداهُما زَوجةٌ مَجهولةُ العَينِ والأُخرى أجنبيةٌ وكلُّ واحدةٍ منهما مَمنوعةٌ منه ومِن غيرِه مِنَ الأزواجِ حتى يَبِينَ أمرُها، فإنْ صرَّحَ بطلاقِ إحداهما حلَّتْ لغيرِه، وكانَ تَحريمُها عليهِ بِحالةٍ، والأُخرى على التحريمِ، فإنِ استأنَفَ عليها عقدًا حلَّتْ له.
والضَّربُ الثاني: أنْ يكونَ الشكُّ مع ابتداءِ العقدِ لم يَتقدَّمْه يقينٌ، فنِكاحُها باطلٌ لا يُوقفُ على البيانِ؛ لعَدمِه، وهل يَفتقرُ بطلانُه إلى فَسخِ الحاكمِ أم لا؟ على وجهَين:
أحَدُهما: يَفتقرُ ويكونُ الإشكالُ والاشتباهُ باطلًا؛ لأنَّ ما لم يَتميَّزْ إباحتُه مِنْ الحظرِ غلبَ عليه حُكمُ الحظرِ.
والوجهُ الثاني: أنه لا يَنفسخُ إلا بحُكمِ حاكمٍ؛ لأنَّ العلمَ محيطٌ بأنَّ فيهما زوجةً، فلم يَكنِ الجهلُ بها مُوجِبًا لفَسخِ نكاحِها حتى يَتولاهُ مَنْ له مَدخلٌ في فَسخِ النكاحِ وهو الحاكمُ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: فإذا عقَدَ الرجلُ على امرأةٍ نكاحًا فاسِدًا ثم تَزوجَ عليها أختَها فهذا على ضربَين:
أحَدُهما: أنْ يَعلمَ بفسادِ العقدِ الأولِ، فيكونُ نكاحُ الثانيةِ جائزًا، سَواءٌ عَلِمَ أنها أختُ الأُولى وقتَ العقدِ أو لم يَعلمْ.
والضَّربُ الثاني: أنْ لا يَعلمَ بفسادِ النكاحِ فيه حتَّى يَعقدَ على انتهاءٍ، فهذا على ضربَين:
стр. 9286
أحدُهما: أنْ لا يَعلمَ وقتَ عَقدِه على الثانيةِ أنها أختُ الأُولى فيَكونُ نكاحُها جائزًا؛ لأنه لم يَقترنْ بعقدِه منعٌ.
والضَّربُ الثاني: أنْ يَعلمَ وقتَ عَقدِه على الثانيةِ أنها أختُ الأُولى ولا يَعلمَ بفَسادِ نكاحِ الأُولى حتى يَعقدَ على الثانيةِ، فنكاحُ الثانيةِ باطلٌ؛ لأنه أقدَمَ على نكاحٍ هو مَمنوعٌ منه في الظاهرِ، فجَرَى عليه حُكمُ الحظرِ في الفَسادِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ تزوَّجَ مُحرَّمتَي الجَمعِ في عَقدَين ولم يَدْرِ أُولاهُما فعَليهِ فُرقتُهما معًا، قالَ أحمَدُ في رَجلٍ تزوَّجَ أختَينِ لا يَدرِي أيَّتَهما تَزوَّجَ أولًا: نُفرِّقُ بينَهُ وبينَهُما؛ وذلكَ لأنَّ إحداهُما مُحرَّمةٌ عليه ونِكاحُها باطلٌ ولا نَعرفُ المُحلَّلةَ له، فقدِ اشتَبهتَا عليهِ، ونكاحُ إحداهُما يَصحُّ ولا تُتيقَّنُ بَينونتُها منه إلا بطَلاقِهما جَميعًا أو فَسخِ نكاحِهما، فوجَبَ ذلكَ، كما لو زوَّجَ الوليَّانِ ولم يُعرَفِ الأولُ منهُما، وإنْ أحَبَّ أنْ يُفارِقَ إحداهُما ثمَّ يُجدِّدَ عقْدَ الأُخرى ويُمسكَها فلا بأسَ، وسواءٌ فعَلَ ذلكَ بقُرعةٍ أو بغيرِ قُرعةٍ.
ولا يَخلو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ لا يكونَ دخَلَ بواحدةٍ منهُما، فلهُ أنْ يَعقدَ على إحداهُما في الحالِ بعدَ فِراقِ الأُخرى.
стр. 9287
الثاني: إذا دخَلَ بإحداهُما، فإنْ أرادَ نكاحَها فارَقَ التي لم يُصِبْها بطَلقةٍ ثمَّ ترَكَ المُصابةَ حتى تَنقضيَ عدَّتُها ثم نكَحَها؛ لأننا لا نأمَنُ أنْ تكونَ هي الثانيةَ، فيَكونُ قد أصابَها في نكاحٍ فاسدٍ، فلِهذا اعتبَرْنا انقضاءَ عدَّتِها، ويَحتملُ أنْ يجوزَ له العقدُ عليها في الحالِ؛ لأنَّ النسَبَ لاحِقٌ به ولا يُصانُ ذلكَ عن مائهِ، وإنْ أحَبَّ نكاحَ الأُخرى فارَقَ المُصابةَ بطلقةٍ ثم انتظَرَها حتى تَنقضيَ عدَّتُها ثم تزوَّجَ أختَها.
القسمُ الثالثُ: إذا دخَلَ بهما، فليسَ له نكاحُ واحدةٍ منهُما حتى يُفارِقَ الأُخرى وتَنقضيَ عدَّتُها مِنْ حينِ فُرقتِها وتَنقضيَ عدَّةُ الأُخرى مِنْ حين أصابَها، وإنْ ولَدَتْ منه إحداهُما أو هما جَميعًا فالنسَبُ لاحقٌ به؛ لأنه إمَّا مِنْ نكاحٍ صحيحٍ أو نكاحٍ فاسدٍ، وكلاهُما يَلحقُ النَّسبُ فيه، وإنْ لم يُرِدْ نكاحَ واحدةٍ منهُما فارَقَهما بطَلقةٍ طلقةٍ.
فأما المَهرُ فإنْ لم يَدخلْ بواحدةٍ منهما فَلإحداهُما نِصفُ المَهرِ، ولا نَعلمُ مَنْ يَستحقُّه منهُما، فيَصطلحانِ عليهِ، وإنْ لم يفعَلَا أقرَعَ بينَهما فكانَ لمَن خرَجَتْ قُرعتُها مع يَمينِها، وقالَ أبو بكرٍ: اختِياري أنْ يَسقطَ المهرُ إذا كانَ مُجبَرًا على الطلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وإنْ دخَلَ بواحدةٍ منهُما أقرَعَ بينَهما، فإنْ وقَعَتْ لغيرِ المُصابةِ فلها نِصفُ المهرِ وللمصابةِ مهرُ المثلِ بما استَحلَّ مِنْ فرجِها، وإنْ وقَعَتْ على المُصابةِ فلا شيءَ للأُخرى وللمُصابةِ المسمَّى جميعُه، وإنْ أصابَهما معًا فلإحداهُما المسمَّى وللأُخرى مهرُ المثلِ يقرعُ
стр. 9288
بينَهما فيه إنْ قلنَا: «إنَّ الواجبَ في النكاحِ الفاسدِ مَهرُ المثلِ»، وإنْ قُلنَا بوجوبِ المسمَّى فيهِ وجَبَ هاهُنا لكلِّ واحدةٍ منهما.
قالَ أحمَدُ: إذا تزوَّجَ امرأةً ثمَّ تزوَّجَ أختَها ودخَلَ بها اعتَزلَ زوْجتَه حتى تَنقضيَ عدَّةُ الثانيةِ؛ إنما كانَ كذلكَ لأنه لو أرادَ العقدَ على أختِها في الحالِ لم يَجُزْ له حتى تَنقضيَ عدَّةُ المَوطوءةِ، كذلكَ لا يَجوزُ الوطءُ لامرأتِه حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ أختِها التي أصابَها (١).
النَّوعُ الثاني: المُحرَّماتُ بتَعلُّقِ حَقِّ الغيرِ بهِ كزَوجةِ الغيرِ ومُعتدَّتِه:
١ - خُلوُّ الزَّوجةِ مِنْ زَوجٍ:
اتَّفقَ الفقهاءُ على أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَتزوجَ زوجةَ الغيرِ ولو كانَ الدخولُ بها في نكاحٍ فاسدٍ أو شُبهةِ نكاحِ؛ لأنَّ ذلكَ يُفضي إلى اشتباهِ الأنسابِ، ولهذا لم يُشرَعِ الجمعُ بينَ الزوجَينِ في امرأةٍ واحدةٍ في دِينٍ مِنَ الأديانِ.
فيُشترطُ في المرأةِ التي تُريدُ الزواجَ أنْ تكونَ خَلِيَّةً عن زَوجٍ، فلا يَجوزُ نكاحُ المزوَّجةِ ولا خطبتُها، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: تَحرمُ خطبةُ مَنكوحةٍ إجماعًا (٢).
стр. 9289
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا يَحِلُّ لامرأةٍ أنْ تَتزوجَ أكثرَ مِنْ واحدٍ في زَمانٍ واحدٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وتَحرمُ خِطبةُ المنكوحةِ، وتحرمُ تَصريحًا وتَعريضًا كما في «البَدائِع» (٢).
٢ - أنْ تَكونَ خاليةً مِنْ عِدَّةٍ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنهُ لا يَجوزُ نكاحُ المعتدَّةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ معتدَّةً مِنْ وَفاةٍ أو طلاقٍ رَجعيٍّ أو بائنٍ؛ لمَفهومِ قَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وإنما منَعَ مِنْ عَقدِ النكاحِ في العِدَّةِ لأنَّ ذلكَ ذَريعةٌ إلى المُواقَعةِ في العدَّةِ التي هي مَحبوسةٌ فيها على ماءِ الميِّتِ أو المُطلِّقِ، كما منَعَ المُحرِمَ بالحَجِّ مِنْ عَقدِ النكاحِ؛ لأنَّ ذلكَ داعِيهِ إلى المواقَعَةِ، فحرَّمَ عليهِ السَّببَ والذَّريعةَ إلى فَسادِ ما هو فيهِ ومَوقوفٌ عليه (٣).
стр. 9290
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: حرَّمَ اللهُ عقْدَ النكاحِ في العدَّةِ بقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، وأباحَ التَّعريضَ بالنكاحِ في العدَّةِ، ولم يَختلفِ العُلماءُ مِنَ السلَفِ والخَلَفِ في ذلكَ، فهو مِنْ المُحكَمِ المُجتمَعِ على تَأويلِه (١).
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: النكاحُ في العدَّةِ مُجمَعٌ على بُطلانِه (٢).
وإنَّ الإسلامَ حرَّمَ التَّصريحَ لها بالخِطبةِ فَضلًا عن النكاحِ.
قالَ القُرطبيُّ ﵀: قالَ ابنُ عَطيةَ: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكلامَ معَ المُعتدَّةِ بما هو نَصٌّ في تزوُّجِها وتَنبيهٌ عليه لا يَجوزُ، وكذلكَ أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكلامَ معَها بما هو رَفَثٌ وذِكْرُ جِماعٍ أو تَحريضٌ عليه لا يَجوزُ، وكذلكَ ما أشبَهَهُ، وجُوِّزَ ما عَدَا ذلكَ (٣).
وقالَ الدَّميريُّ ﵀: يَحرمُ التَّصريحُ لمعتدَّةٍ، سواءٌ كانَتْ عن وَفاةٍ أو طلاقٍ بائنٍ أو رَجعيٍّ أو شُبهةٍ بالإجماعِ (٤).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: ولا يَجوزُ التَّصريحُ -وهوَ ما لا يَحتملُ إلا النكاحَ- بخِطبةِ المُعتدَّةِ بالإجماعِ (٥).
стр. 9291
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا يَجوزُ للأجنَبيِّ خِطبةُ المعتدَّةِ صَريحًا، سَواءٌ كانَتْ مطلَّقةً أو مُتوفَّى عنها زَوجُها (١).
وقالَ الزَّيلعيُّ ﵀: النكاحُ في العدَّةِ لا يَجوزُ إجماعًا (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ النكاحَ لا يَجوزُ في العدَّةِ، كانَتْ عدَّةَ حَيضٍ أو عدَّةَ حَملٍ أو عدَّةَ أشهُرٍ.
واختَلفوا فيمَن تزوَّجَ امرأةً في عدتِّها ودخَلَ بها، فقالَ مالكٌ والأوزاعيُّ والليثُ: يُفرَّقُ بينَهما ولا تَحِلُّ له أبدًا.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ والثوريُّ: يُفرَّقُ بينَهما وإذا انقضَتِ العدَّةُ بينَهما فلا بأس في تَزويجِه إياها مرةً ثانيةً.
وسَببُ اختلافِهم على قولِ الصاحَبِ حُجةٌ أم ليسَ بحجَّةٍ؟ وذلكَ أنَّ مالكًا رَوى عنِ ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسُليمانَ بنِ يسارٍ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ فرَّقَ بينَ طُليحةَ الأسدَيةِ وبينَ زوجِها راشدٍ الثَّقفيِّ لمَّا تزوَّجَها في العدَّةِ مِنْ زوجٍ ثانٍ وقالَ: «أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ في عدَّتِها فإنْ كانَ زوجُها الذي تزوَّجَها لم يَدخلْ بها فُرِّقَ بينَهما ثم اعتَدَّتْ بقيةَ عدَّتها مِنَ الأولِ ثمَّ كانَ الآخرُ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ، وإنْ كانَ دخَلَ بها فُرِّقَ بينَهما ثم اعتَدَّتْ بقيةَ عدَّتها مِنَ الأولِ ثم اعتدَّت مِنَ الآخرِ ثمَّ لا يَجتمعانِ أبدًا»، قالَ سَعيدٌ: ولها مهرُها بما استَحلَّ منها.
стр. 9292
ورُبما عَضَّدوا هذا القياسَ بقياسٍ شِبهِ ضعيفٍ مُختلَفٍ في أصلِه، وهوَ أنه أدخَلَ في النسَبِ شُبهةً فأشبَهَ المُلاعِنَ.
ورُويَ عن عليٍّ وابنِ مَسعودٍ مُخالَفةُ عُمرَ في هذا.
والأصلُ أنها لا تَحرمُ إلا أنْ يَقومَ على ذلك دليلٌ مِنْ كتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ مِنَ الأمَّةِ.
وفي بعضِ الرواياتِ: «أنَّ عُمرَ كانَ قَضى بتَحريمِها وكَونِ المهرِ في بيتِ المالِ، فلمَّا بلَغَ ذلك عَليًّا أنكَرَه، فرجَعَ عن ذلك عُمرُ وجعَلَ الصداقَ على الزوجِ ولم يَقضِ بتَحريمِها عليه» رواه الثوريُّ عن أشعَثَ عن الشعبيِّ عن مَسروقٍ، وأمَّا مَنْ قالَ بتَحريمِها بالعقدِ فهو ضَعيفٌ (١).
النَّوعُ الثَّالثُ: الزَّانيةُ لغيرِ الزَّاني بِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ الزانيةِ، هل يَجوزُ الزَّواجُ بها أم لا؟ وهذا لا يَخلو مِنْ حالتَين، إمَّا أنْ تتزوجَ بالزاني وإما مِنْ غيرِ الزاني، وفي كلٍّ إمِّا أنْ تَكونَ حامِلًا أو غيرَ حاملٍ مِنَ الزنا.
أولاً: زواجُ الزانيةِ ممَّن زنَى بها:
زَواجُ الزانيةِ ممَّن زَنَى بها لا يَخلو مِنْ ثَلاثِ صُوَرٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أن تَكونَ حامِلاً مِنْ الزِّنا ممَّن زَنَى بها:
اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ في نكاحِ الحاملِ مِنَ الزنا، هل يَصحُّ عقدُ النكاحِ عليها ووَطؤُها ممَّن زنَى بها أم لا؟
стр. 9293
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَصحُّ العقدُ على الزانيةِ إذا كانَ العاقدُ هو الزاني، إذ لا حرمَةَ لماءِ الزنا، ويَحِلُّ وطؤُها وتَستحقُّ النَّفقةَ عندَ الحَنفيةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الحامِلِ مِنَ الزنا ولو كانَ هو الزاني بها؛ لقَولِه : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فعَمَّ، ولأنها حامِلٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحَواملِ (٢).
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يَتزوَّجَ مَنْ زنَى بها دُونَ استِبرائِها مِنْ الزِّنا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَزنِيَّ بها يجوزُ نكاحُها إذا لم تَكنْ حامِلًا واستُبْرِئتْ.
стр. 9294
إلا أنهمُ اختَلفوا فيما لو زَنَى بها وأرادَ أنْ يَتزوجَها دونَ استِبراءٍ، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ نكاحُ الزانيةِ إلا بعدَ أنْ تُستبْرَأَ مِنْ الزِّنا.
قالَ المالِكيةُ: الرجلُ إذا زنَى بالمرأةِ ثم أرادَ نكاحَها فذلكَ جائزٌ له بعدَ أنْ يَستبْرِئَها عن مائِهِ الفاسدِ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبلَ أنْ يَستبرئَها فهوَ كالناكحِ في العدَّةِ، ولا تَحِلُّ له أبَدًا إنْ كانَ وَطأَه في ذلكَ.
قالَ مالكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حُرةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بولدٍ بعدَ شهرٍ إنهُ لا يَنكحُها أبدًا؛ لأنه وَطأَها في عدَّةٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أمَّا حُجةُ مالكٍ فإنهُ قاسَ استبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزِّنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةٍ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجميعِ كالنكاحِ الصحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ الزِّنى؛ لأنه لا يَستبْرِئُ رَحِمَ غيرِه في حُرةٍ بأقلَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١).
وقالَ ابنُ العرَبيِّ ﵀: ورَأى مالكٌ أنَّ ماءَ الزِّنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألَّا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلَطَ الحرامُ بالحلالِ ويُمزَجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العزَّةِ، فكانَ نَظرُ مالكٍ أشدَّ مِنْ نَظرِ سائرِ فقهاءِ الأمصارِ (٢).
стр. 9295
وقالَ الحَنابلةُ: المرأةُ إذا زنَتْ لم يَحِلَّ نكاحُها إلا إذا استُبرئتْ بالأقراءِ أو الشُّهورِ عندَ عدمِ القُرْءِ، فيَلزمُها العدَّةُ ويَحرمُ نكاحُها فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرحمِ، ولأنها قَبْلَ العدَّةِ يُحتملُ أنْ تكونَ حامِلًا فيَكونَ نكاحُها باطلًا، فلمْ يَصحَّ كالموطوءةِ بشبهةٍ، ولأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحاملِ فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ولأنه وطءٌ في القُبل، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشبهةِ (١).
إلَّا أنَّ الإمامَ ابنَ قُدامةَ ﵀ قالَ: وكلُّ مُعتدَّةٍ مِنْ غيرِ النكاحِ الصَّحيحِ كالزانيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في نكاحٍ فاسدٍ فقياسُ المَذهبِ تحريمُ نكاحِها على الواطئِ وغيرِه، والأَولى حِلُّ نكاحِها لمَن هيَ مُعتدَّةٌ منه إنْ كانَ يَلحقُه نَسبُ ولدِها؛ لأنَّ العدَّةَ لحِفظِ مائِه وصِيانةِ نسبهِ، ولا يُصانُ ماؤُه المُحترمُ عن مائه المُحترمِ ولا يُحفظُ نسبُه عنه، ولذلكَ أُبيحَ للمُختلعةِ نكاحُ مَنْ خالَعَها، ومَن لا يَلحقُه نسبُ وَلدِها كالزانيةِ لا يَحلُّ له نكاحُها؛ لأنَّ نكاحَها يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، فالواطئُ كغيرِه في أنَّ الولدَ لا يَلحقُ نَسبُه بواحدٍ منهُما (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَصحُّ عقدُ النكاحِ على المرأةِ وإنْ لم تُستبرأْ حتى لو كانَتْ حاملًا مِنَ الزنا؛ لأنها مِنَ المُحلَّلاتِ بالنصِّ، فهيَ
стр. 9296
داخلةٌ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكلُّ مَنْ كانَتْ كذلكَ جازَ نكاحُها (١).
الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ مُستبرَأةً مِنْ الزِّنا وغيرَ حامِلٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يجوزُ للمَرأةِ الزانيةِ أنْ تَتزوَّجَ مَنْ زَنَى بها إذا لم تَكنْ حامِلًا واستُبْرِئتْ.
قالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد أجمَعَ أهلُ الفتوى مِنَ الأمصارِ على أنه لا يَحرمُ على الزاني تزوُّجُ مَنْ زنَى بها (٢).
إلا أنهُم اختَلفُوا هل يُشترَطُ أنْ تَتوبَ مِنْ الزِّنا أم لا؟
بعدَ اتفاقِهم جَميعًا على أنه لا يُشترطُ تَوبةُ الزاني بها إذا نكَحَها اتفاقًا.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يُشترطُ أنْ تتوبَ مِنَ الزنا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذَكَرَ المحرَّماتِ مِنْ ذواتِ الأنسابِ ثمَّ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فكان على عمومه في العفيفةِ والزانيةِ.
стр. 9297
ولمَا رويَ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقالَ: «يا رسولَ اللهِ إنَّ امرأتِي لا تَدفعُ يدَ لامسٍ، فقالَ ﷺ : طَلِّقْها، فقالَ: إني أُحبُّها وهيَ جَميلةٌ، فقالَ ﷺ : استَمتِعْ بها» وفي روايةٍ: «أَمسِكْها إذًا» (١)، والمرادُ بالنكاحِ في الآيةِ الوَطءُ، يعني: الزانيةُ لا يَطؤُها إلا زانٍ في حالةِ الزِّنا، والدليلُ عليه أنه قالَ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، ولا يَحلُّ للمُسلمةِ الزانيةِ أنْ تَتزوَّجَ بمُشركٍ، ولو كانَ المرادُ العقدَ لَجازَ، ويَجوزُ أنْ يكونَ معنَى الآيةٍ إخبارًا عن رَغبةِ كلِّ واحدٍ مِنَ الزاني والزانيةِ في الآخَرِ، على معنَى أنَّ الزاني الفاسقَ لا يَرغبُ إلا في نكاحِ مثلِهِ، وقيلَ: مَنسوخةٌ بقولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] وبقَولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وعنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» (٢)، وهذا نَصٌّ، ولأنه مُنتشِرٌ في الصحابةِ بالإجماعِ، رُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعُمرَ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ، فرُويَ عن أبي بكرٍ ﵁ أنه قالَ: «إذا زنَى رَجلٌ بامرأةٍ لم يَحرمْ عليه نكاحُها».
ورُويَ عن عمرَ ﵁ أنَّ رَجلًا تزوَّجَ امرأةً وكانَ له ابنٌ مِنْ غيرِها ولها بنتٌ مِنْ غيره، ففجَرَ الغُلامُ بالجاريةِ وظهَرَ بها حَمْلٌ، فلمَّا قَدِمَ عمرُ
стр. 9298
مكَّةَ رُفِعَ إليهِ فسألَهُما فاعتَرفَا، فجلَدَهما عمرُ الحَدَّ، وحرَصَ أنْ يَجمعَ بينَهما فأبَى الغلامُ.
ورُويَ عن عبدِ الله بنِ عُمرَ أنه كانَ له أمَةٌ وعَبدٌ فظهَرَ بالأمَةِ حَمْلٌ فاتَّهمَ بها الغُلامَ، فسَألَه فأنكَرَ، وكانَ للغُلامِ إصبعٌ زائدةٌ، فقالَ له: إنْ أتَتْ بولدٍ له أصبعٌ زائدةٌ جَلدتُكَ، فقالَ: نعَمْ، فوضَعَتْ ولدًا له أصبعٌ زائدةٌ فجلَدَهُ ثمَّ زوَّجَه بها.
ورُويَ عنِ ابنِ عباسٍ أنه سُئِلَ: أيتزوَّجُ الزاني بالزانيةِ؟ فقالَ: نَعمْ … فهذا قولُ مَنْ ذكَرْنا، ولَم يَصحَّ عن غيرِهم خِلافُه، فصارَ إجماعًا.
وأمَّا قولُ اللهِ تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]، فقدِ اختَلفَ أهلُ التأويلِ فيها على ثَلاثةِ أقاويلَ:
أحَدُها: أنها نزَلَتْ مَخصوصةً في رَجلٍ مِنَ المُسلمينِ استأذَنَ رسولَ اللهِ ﷺ في امرأةٍ يُقالُ لها أمُّ مَهزولٍ مِنْ بغايَا الجاهليةِ مِنْ ذواتِ الراياتِ، وشرَطَتْ له أنْ تُنفِقَ عليه، وكذلكَ كُنَّ نِساءٌ مَعلوماتٌ يَفعلَنْ ذلكَ فيَتزوَّجْنَ الرَّجلَ مِنْ فُقراءِ المسلمِينَ لتُنفِقَ المرأةُ مِنهنَّ عليه، فنَهاهُم اللهُ عن ذلكَ، فأنزَلَ اللهُ هذهِ الآيةَ فيهِ، وهذا قولُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ومُجاهدٍ.
والقولُ الثاني: أنَّ المرادَ بالآيةِ أنَّ الزاني لا يَزنِي إلا بزِانيةٍ والزانيةَ لا يَزني بها إلا زانٍ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ.
стр. 9299
والقولُ الثالثُ: أنَّ الوِلايةَ عامَّةٌ في تَحريمِ نكاحِ الزانيةِ على العَفيفِ ونكاحِ العَفيفةِ على الزاني، ثمَّ نسَخَه قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وهذا قولُ سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ.
ولأنها خاليةٌ مِنَ الأسبابِ المانعةِ مِنْ نكاحِها، فجازَ العقدُ عليها كغيرِ الزانيةِ، ولأنَّ الزنا ليسَ فيه أكثَرُ مِنْ كونِه كَبيرةً يُعاقَبُ عليها، وذلكَ لا يَمنعُ إنكاحَها كالسَّرقةِ وشُربِ الخمرِ والقتلِ (١).
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: واختَلفَ السلفُ في تزويجِ الزانيةِ، فرُويَ عن أبِي بكرٍ وعُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عمرَ ومُجاهدٍ وسليمانَ بنِ يسارٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ في آخَرِينَ مِنْ التابعينَ أنَّ مَنْ زنَى بامرأةٍ أو زنَى بها غيرُه فجائزٌ له أنْ يتزوَّجَها، ورُويَ عن عليٍّ وعائشةَ والبَراءِ
стр. 9300
وإحدَى الروايتَينِ عنِ ابنِ مَسعودٍ أنهما لا يَزالانِ زانِيَينِ ما اجتَمعَا، وعن عليٍّ إذا زنَى الرَّجلُ فُرِّقَ بينَه وبينَ امرأتِه، وكذلكَ هيَ إذا زنَت.
قالَ أبو بكرٍ: فمَن حظَرَ نكاحَ الزانيةِ تأوَّلَ فيه هذهِ الآيةَ، وفُقهاءُ الأمصارِ مُتفِقونَ على جوازِ النكاحِ، وأنَّ الزِّنا لا يُوجِبُ تَحريمَها على الزوجِ ولا يُوجبُ الفرقةَ بينَهما، ولا يخلُو قولُه تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] مِنْ أحدِ وجهَين:
إمَّا أنْ يكونَ خبَرًا، وذلكَ حقيقتُه، أو نهيًا وتَحريمًا، ثمَّ لا يخلُو مِنْ أنْ يكونَ المرادُ بذِكرِ النكاحِ هنا الوطءُ أو العقدُ، ومُمتنعٌ أنْ يُحمَلَ على معنَى الخبَرِ وإنْ كانَ ذلكَ حَقيقةَ اللفظِ؛ لأنَّا وجَدْنا زانيًا يَتزوجُ غيرَ زانيةٍ وزانيةً تَتزوجُ غيرَ الزاني، فعَلِمْنا أنه لم يَرِدْ مَورِدَ الخبَرِ، فثبَتَ أنه أرادَ الحكمَ والنهيَ، فإذا كانَ كذلكَ فليسَ يَخلو مِنْ أنْ يكونَ المُرادُ الوطءَ والعقدَ، وحقيقةُ النكاحِ هو الوطءُ في اللغة؛ لِمَا قد بيَّناه في مَواضعَ، فوجَبَ أنْ يكونَ مَحمولًا عليه، على ما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ومَن تابَعَه في أنَّ المُرادَ الجِماعُ، ولا يُصرَفُ إلى العقدِ إلا بدَلالةٍ؛ لأنه مَجازٌ، ولأنه إذا ثبَتَ أنه قد أُريدَ به الحقيقةُ انتَفى دخولُ المَجازِ فيه، وأيضًا فلو كانَ المرادُ العقدَ لم يكنْ زِنَا المرأةِ أو الرجلِ مُوجِبًا للفُرقةِ إذ كانا جَميعًا موصوفَين بأنهما زانيَانِ؛ لأنَّ الآيةَ قدِ اقتَضَتْ إباحةَ نكاحِ الزاني للزانيةِ، فكانَ يجبُ أنْ يجوزَ للمرأةِ أنْ تَتزوجَ الذي زنَى بها قبلَ أنْ يتوبَا، وأنْ لا يكونَ زِناهما في حالِ الزوجيةِ يُوجبُ الفرقةَ، ولا نعلمُ أحدًا يقولُ ذلكَ، وكانَ يجبُ أنْ يجوزَ للزاني أنْ
стр. 9301
يتزوجَ مُشرِكةً وللمرأةِ الزانيةِ أنْ تتزوجَ مُشرِكًا، ولا خلافَ في أنَّ ذلكَ غيرُ جائزٍ، وأنَّ نكاحَ المشركاتِ وتزويجَ المشركينَ مُحرَّمٌ منسوخٌ، فدَلَّ ذلكَ على أحدِ المعنَيَينِ: إمَّا أنْ يكونَ المرادُ الجِماعَ على ما رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ ومَن تابَعَه، أو أنْ يكونَ حكمُ الآيةِ مَنسوخًا على ما رُويَ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ …
ومِنَ الناسِ مَنْ يَقولُ: إنَّ تَزويجَ الزانيةِ وإمساكَها على النكاحِ مَحظورٌ مَنهيٌّ عنه ما دامَتْ مُقيمةً على الزنا وإنْ لم يُؤثِّرْ ذلكَ في إفسادِ النكاحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى إنما أباحَ نكاحَ المُحصناتِ مِنَ المؤمناتِ ومِن أهلِ الكتابِ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يعني العَفائفَ منهنَّ، ولأنها إذا كانت كذلكَ لا يُؤمَنُ أنْ تأتيَ بولدٍ مِنَ الزنِا فتَلحقَه بهِ وتورثَه مالَه، وإنما يُحملُ قولُ مَنْ رخَّصَ في ذلكَ على أنها تائبةٌ غيرُ مُقيمةٍ على الزنا، ومِنَ الدليلِ على أنَّ زِناها لا يُوجبُ الفرقةَ أنَّ اللهَ تعالَى حَكَمَ في القاذفِ لزوجتِه باللعانِ ثم بالتفريقِ بينَهما، فلو كانَ وجودُ الزنا منها يُوجبُ الفرقةَ لَوجَبَ إيقاعُ الفرقةِ بقذفِه إياها؛ لاعتِرافِه بما يُوجبُ الفرقةَ، ألَا ترى أنه لو أقَرَّ أنها أختُه مِنَ الرضاعةِ أو أنَّ أباهُ قد كانَ وَطئَها لَوقعَتِ الفرقةُ بهذا القولِ.
فإنْ قيلَ: لمَّا حَكَمَ اللهُ تعالى بإيقاعِ الفرقةِ بعدَ اللعانِ دَلَّ ذلكَ على أنَّ الزنا يُوجِبُ التحريمَ، لولا ذلكَ لَمَا وجَبَتِ الفرقةُ باللعانِ.
стр. 9302
قيلَ لهُ: لو كانَ كما ذكَرْتَ لوجَبَتِ الفُرقةُ بنفسِ القذفِ دونَ اللِّعانِ، فلمَّا لم تَقعْ بالقذفِ دلَّ على فَسادِ ما ذكَرْتَ.
فإنْ قيلَ: إنما وقَعَتِ الفرقةُ باللعانِ؛ لأنه صارَ بمَنزلةِ الشهادةِ عليها بالزنا، فلمَّا حُكمَ عليها بذلكَ حُكمَ بوقوعِ الفرقةِ لأجلِ الزنا.
قيلَ له: وهذا غَلطٌ أيضًا؛ لأنَّ شهادةَ الزوجِ وحْدَه عليها بالزنا لا تُوجبُ كونَها زانيةً، كما أنَّ شهادتَها عليه بالإكذابِ لا تُوجبُ عليه الحكمَ بالكذبِ في قذفِه إياها؛ إذْ ليسَتْ إحدى الشهادتَينِ بأَولى مِنْ الأُخرى، ولو كانَ الزوجُ مَحكومًا له بقَبولِ شهادتِه عليها بالزنا لَوجبَ أنْ تُحَدَّ حَدَّ الزنا، فلمَّا لم تُحَدَّ بذلكَ دلَّ على أنه غيرُ مَحكومٍ عليها بالزنا بقولِ الزوجِ، واللهُ أعلَمُ بالصوابِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ نكاحُها حتَّى تُوجَدَ التوبةُ منها، فمتى تزوَّجَها قبلَ التوبةِ كانَ النكاحُ فاسِدًا ويُفرَّقُ بينَهما، والتوبةُ: أنْ تُراوَدَ على الزنَا فتَمتنِعَ منه؛ لِمَا رُويَ أنه قيلَ لعُمرَ: كيفَ تَعرِفُ توبتَها؟ قالَ: يُريدَها على ذلكَ، فإنْ طاوعَتْهُ فلم تَتُبْ، وإنْ أبَتْ فقدْ تابَتْ، فصارَ أحمدُ إلى قولِ عُمرَ اتِّباعًا له، قالَ في «الاختيارات»: وعلى هذا كُلُّ مَنْ أرادَ مُخالَطةَ إنسانٍ امتَحنَه حتى يَعرِفَ بِرَّه أو فُجورَه أو تَوبتَه، ويَسألُ ذلكَ مَنْ يَعرفُه، وهذا هوَ المذهبُ؛ لنَصِّ الإمامِ في روايةِ إسحاقَ بنِ هانئٍ وقد سُئلَ: ما عِلْمُه بأنها قد
стр. 9303
تابَتْ؟ قال: يُريدُها على ما كانَ أرادَها عليهِ، فإنِ امتنَعَتْ فهيَ تائبةٌ يَتزوَّجُها، وإنْ طاوَعتْهُ فلا يتزوَّجُها، وكذلكَ نقَلَ أبو طالبٍ عنْهُ، وهوَ مَرويٌّ عنِ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ، فإنْ تابَتْ وانقَضَتْ عدَّتُها حلَّتْ لزَانٍ كغيرِه، ولا يُقالُ: المُراوَدةُ مِنَ التجسُّسِ على العَيبِ المَنهيِّ عنه بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]؛ لأنَّا نَقولُ: الأمورُ بمَقاصدِها، والقصدُ بمُراوَدتِها العِلمُ بأنها تَصلحُ فِراشًا له أو لغيرِه فيُقدِمُ على ذلكَ، أو بعدمِه فلا يُقدِمُ هوَ عليه، ويَنصحُ مَنْ كانَ غافلًا أو مَنِ استنصَحَه في ذلكِ، إذِ النَّصيحةُ واجِبةٌ، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ، وليسَ الغَرضُ العِلمَ بعَيبِها فقطْ.
وقيلَ: تَوبتُها كتوبةِ غيرِها ندمٌ وإقلاعٌ وعَزمٌ أنْ لا تَعودَ مِنْ غيرِ مُراوَدةٍ، واختارَه المُوفَّقُ وغيرُه، وقالَ: لا يَنبغي امتِحانُها بطلبِ الزنَا منها بحالٍ.
فعَلى هذا القولِ تكونُ تَوبتُها كتوبةِ غيرِها، فإذا نَدمَتْ وأقلَعَتْ وعزَمَتْ على أنْ لا تَعودَ فإنها تَصحُّ تَوبتُها ولو لم تُراوَدْ؛ لأنَّ التوبةَ مِنْ سائرِ الذنوبِ في حقِّ سائرِ الناسِ بالنسبةِ إلى سائرِ الأحكامِ على غيرِ هذا الوجهِ، فكذلكَ هُنا.
والقَصدُ العِلمُ بأنها تَصلحُ فراشًا له أو لغَيرِه؛ استِدلالًا بقولِه تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]، فكانَ ما تَقدَّمَ مِنْ المَنعِ وتَعقَّبَ مِنْ التحريمِ نَصًّا لا يَجوزُ خِلافُه (١).
стр. 9304
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: أنها لا تَحلُّ حتى تَتوبَ، وهذا هوَ الذي دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والاعتبارُ، والمَشهورُ في ذلكَ آيةُ النُّورِ قولُه تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]، وفي السُّنَنِ حديثُ أبي مَرْثَدٍ الغَنَويِّ في عَنَاقَ، والذين لم يَعمَلوا بهذه الآيةِ ذكَرُوا لها تأويلًا ونَسخًا، أمَّا التأويلُ فقالُوا: المرادُ بالنكاحِ الوطءُ، وهذا ممَّا يَظهرُ فسادُه بأدنى تأملٍ:
أمَّا أولًا: فلَيسَ في القرآنِ لَفظُ نكاحٍ إلَّا ولا بدَّ أنْ يُرادَ به العقدُ وإنْ دخَلَ فيه الوطءُ أيضًا، فأمَّا أنْ يُرادَ به مُجردُ الوطءِ فهذا لا يُوجَدُ في كتابِ اللهِ قطُّ.
وثانيها: إنَّ سبَبَ نزولِ الآيةِ إنما هو استفتاءُ النبيِّ في التزوجِ بزانيةٍ، فكيفَ يكونُ سَببُ النزولِ خارِجًا مِنَ اللفظِ.
الثالثُ: إنَّ قولَ القائلِ: «الزاني لا يَطأُ إلَّا زانيةً، أو الزانيةُ لا يَطؤُها إلا زانٍ» كقولِه: «الآكِلُ لا يأكلُ إلَّا مأكولًا، والمأكولُ لا يأكلُه إلا آكِلٌ، والزوجُ لا يَتزوجُ إلا بزَوجةٍ، والزوجةُ لا يَتزوجُها إلا زوجٌ»، وهذا كلامٌ يُنَزَّهُ عنه كلامُ اللهِ.
الرابعُ: إنَّ الزاني قد يَستكْرِه امرأةً فيطؤُها فيكونُ زانيًا ولا تَكونُ
стр. 9305
زانيةً، وكذلكَ المرأةُ قد تَزني بنائمٍ ومُكرَهٍ على أحدِ القولَين ولا يَكونُ زانيًا.
الخامسُ: إنَّ تحريمَ الزِّنى قد عَلِمَه المُسلمونَ بآياتٍ نزلَتْ بمِكةَ، وتحريمُه أشهَرُ مِنْ أنْ تَنزلَ هذه الآيةُ بتَحريمِه.
السادسُ: قالَ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فلو أُريدَ الوطءُ لم يَكنْ حاجةٌ إلى ذِكْرِ المُشركِ؛ فإنه زانٍ، وكذلكَ المُشرِكةُ إذا زنَى بها رجلٌ فهيَ زانيةٌ، فلا حاجةَ إلى التقسيمِ.
السابعُ: أنَّه قد قالَ قبْلَ ذلكَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فأيُّ حاجةٍ إلى أنْ يَذكرَ تحريمَ الزِّنى بعدَ ذلكَ.
وأمَّا النسخُ: فقالَ سعيدُ بنُ المسيِّبِ وطائفةٌ: نَسَخَها قولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ولمَّا عَلِمَ أهلُ هذا القولِ أنَّ دعوَى النسخِ بهذه الآيةِ ضعَيفٌ جدًّا ولم يَجدُوا ما يَنسخُها فاعتَقَدوا أنه لم يَقُلْ بها أحدٌ قالوا: «هيَ مَنسوخةٌ بالإجماعِ» كما زعَمَ ذلكَ أبو عليٍّ الجُبائيُّ وغيرُه، أمَّا على قولِ مَنْ يَرى مِنْ هؤلاءِ أنَّ الإجماعَ يَنسخُ النصوصَ كما يُذكَرُ ذلكَ عن عيسى بنِ أبانَ وغيرِه، وهوَ قولٌ في غايةِ الفسادِ مَضمونُه: أنَّ الأمَّةَ يَجوزُ لها تَبديلُ دِينِها بعْدَ نبيِّها وأنَّ ذلكَ جائزٌ لهم كما تَقولُ النصارى أُبيحَ لعُلمائِهم أنْ يَنسخُوا مِنْ شَريعةِ المسيحِ ما يَرونَه، وليسَ هذا مِنْ أقوالِ المسلمِينَ، وممَّن يَظنُّ الإجماعَ مَنْ يَقولُ: الإجماعُ دلَّ على نَصٍّ ناسخٍ لم يبلُغْنَا، ولا حديثَ إجماعٍ في خلافِ هذهِ الآيةِ، وكلُّ مَنْ عارَضَ نصًّا بإجماعٍ وادَّعى
стр. 9306
نسْخَه مِنْ غيرِ نصٍّ يُعارِضُ ذلكَ النصَّ فإنه مُخطئٌ في ذلكَ، كما قد بُسطَ الكلامُ على هذا في موضعٍ آخرَ وبُيِّنَ أنَّ النصوصَ لم يُنسَخْ منها شيءٌ إلا بنَصٍّ باقٍ مَحفوظٍ عندَ الأمَّةِ، وعِلمُها بالناسخِ الذي العملُ به أهَمُّ عندَها مِنْ عِلمِها بالمَنسوخِ الذي لا يَجوزُ العملُ به، وحِفظُ اللهِ النصوصَ الناسخةَ أَولى مِنْ حفظِه المَنسوخةَ، وقولُ مَنْ قالَ: «هيَ منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]» في غايةِ الضعفِ؛ فإنَّ كونَها زانيةً وَصفٌ عارِضٌ لها يُوجِبُ تحريمًا عارِضًا، مثلَ كونِها مُحرَّمةً ومُعتدَّةً ومَنكوحةً للغير ونحوِ ذلكَ ممَّا يُوجِبُ التحريمَ إلى غايةٍ، ولو قُدِّرَ أنها مُحرَّمةٌ على التأبيدِ لكانَتْ كالوثَنيةِ، ومَعلومٌ أنَّ هذه الآيةَ لم تَتعرَّضْ للصفاتِ التي بها تَحرمُ المرأةُ مُطلَقًا أو مُؤقَّتًا، وإنما أمَرَ بإنكاحِ الأيامَى مِنْ حيثُ الجُملةِ، وهو أمرٌ بإنكاحهنَّ بالشروطِ التي بيَّنَها، وكما أنها لا تُنكَحُ في العدَّةِ والإحرامِ لا تُنكَحُ حتى تتوبَ …
ثمَّ قالَ: وبالجُملةِ فهذهِ المَسألةُ في قلوبِ المُؤمنينَ أعظَمُ مِنْ أنْ تَحتاجَ إلى كَثرةِ الأدلَّةِ، فإنَّ الإيمانَ والقُرآنَ يحرِّمُ مثلَ ذلكَ، لكنْ لمَّا كانَ قد أباحَ مثلَ ذلكَ كثيرٌ مِنْ عُلماءِ المسلمِينَ -الذين لا رَيبَ في عِلمِهم ودِينِهم مِنَ التابعِين ومَن بعدَهم وعُلوِّ قَدْرِهم- بنوعِ تأويلٍ تأوَّلوهُ احتِيجَ إلى البسطِ في ذلكَ، ولهذا نَظائرُ كثيرةٌ يكونُ القولُ ضَعيفًا جدًّا وقد اشتَبهَ أمرُه على كَثيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ والإيمانِ وساداتِ الناسِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعلِ العِصمةَ عندَ تنازُعِ المسلمِينَ إلَّا في الردِّ إلى الكتابِ والسُّنةِ،
стр. 9307
وكلُّ أحدٍ يُؤخَذُ مِنْ قولِه ويُتركُ إلا رَسولَ اللهِ الذي لا يَنْطِقُ عن الهوَى (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: والصوابُ القولُ بأنَّ هذهِ الآيةَ مُحكَمةٌ يُعمَلُ بها لم يَنسخْها شيءٌ، وهي مُشتمِلةٌ على خبَرٍ وتَحريمٍ، ولم يأتِ مَنْ ادَّعى نَسْخَها بحُجَّةٍ ألبتةَ، والذي أشكَلَ منها على كثيرٍ مِنَ الناسِ واضحٌ بحَمدِ اللهِ تعالَى، فإنهم أشكَلَ عليهم قولُه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] هل هو خبَرٌ أو نهيٌ أو إباحةٌ؟ فإنْ كانَ خبَرًا فقدْ رَأيْنا كثيرًا مِنْ الزُّناةِ يَنْكِحُ عفيفةً، وإنْ كانَ نهيًا فيكونُ قد نهَى الزاني أنْ يتزوَّجَ إلا بزانيةٍ أو مُشرِكةٍ، فيكونُ نهيًا له عن نكاحِ المُؤمناتِ العَفائفِ، وإباحةً له في نكاحِ المُشركاتِ والزَّواني، واللهُ سُبحانَه لم يُرِدْ ذلكَ قَطعًا، فلمَّا أشكَلَ عليهم ذلكَ طلَبوا للآيةِ وجهًا يَصحُّ حَملُها عليه، فقالَ بعضُهم: «المرادُ مِنَ النكاحِ الوطءُ والزنا، فكأنَّه قالَ: الزاني لا يَزني إلا بزانيةٍ أو مُشرِكةٍ»، وهذا فاسدٌ؛ فإنه لا فائدةَ فيه، ويُصانُ كلامُ اللهِ تعالَى عن حَمْلِه على مثلِ ذلكَ، فإنه مِنَ المعلومُ أنَّ الزاني لا يزنِي إلَّا بزانيةٍ، فأيُّ فائدةٍ في الإخبار بذلكَ، ولمَّا رَأى الجُمهورُ فسادَ هذا التأويلِ أَعرضوا عنه.
ثمَّ قالَتْ طائفةٌ: «هذا عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنَى، والمرادُ به رَجلٌ واحدٌ وامرأةٌ واحدةٌ، وهيَ عَنَاقُ البَغيُّ وصاحبُها، فإنه أَسْلَمَ واستأذَنَ رسولَ اللهِ في نكاحِها فنزَلَتْ هذه الآيةُ»، وهذا أيضًا فاسدٌ؛ فإنَّ هذه الصُّورةَ المعينةَ
стр. 9308
وإنْ كانَتْ سبَبَ النُّزولِ فالقرآنُ لا يُقتصرُ به على مَحالِّ أسبابِه، ولو كانَ كذلكَ لَبطَلَ الاستدلالُ به على غيرِها.
وقالَت طائفةٌ: «بلِ الآيةُ مَنسوخةٌ بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]»، وهذا أَفسَدُ مِنَ الكلِّ، فإنه لا تعارُضَ بينَ هاتَين الآيتَين ولا تُناقِضُ إحداهُما الأُخرى، بل أمَرَ سُبحانَه بإنكاحِ الأيامَى وحرَّمَ نكاحَ الزانيةِ كما حرَّمَ نكاحَ المعتدَّةِ والمُحرِمةِ وذواتِ المحارِمِ، فأينَ الناسخُ والمَنسوخُ في هذا؟
فإنْ قيلَ: فما وجهُ الآيةِ؟ قيلَ: وَجهُها -واللهُ أعلَمُ- أنَّ المتزوِّجَ أُمِرَ أنْ يتزوَّجَ المُحصَنةَ العفيفةَ، وإنما أُبيحَ له نكاحُ المرأةِ بهذا الشرط كما ذكَرَ ذلكَ سُبحانَه في سُورتَي النِّساءِ والمائدةِ، والحكمُ المُعلَّقُ على الشرطِ يَنتفي عند انتفائِه، والإباحةُ قد عُلِّقَت على شَرطِ الإحصانِ، فإذا انتَفى الإحصانُ انتَفَتِ الإباحةُ المَشروطةُ به، فالمتزوِّجُ إمَّا أنْ يلتِزمَ حُكمَ اللهِ وشرْعَه الذي شَرَعَه على لسانِ رَسولِه أو لا يَلتزمَه، فإنْ لم يَلتزمْه فهو مُشرِكٌ لا يَرضى بنكاحه إلا مَنْ هو مُشركٌ مثلَه، وإنِ التزمَه وخالَفَه ونكَحَ ما حُرِّمَ عليه لمْ يَصحَّ النكاحُ فيكونُ زانيًا، فظهَر معنَى قولِه: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتبيَّنَ غايَةَ البيانِ، وكذلكَ حُكمُ المرأةِ، وكما أنَّ هذا الحُكمَ هو موجَبُ القُرآنِ وصريحُه، فهو موجَبُ الفِطرةِ ومُقتضى العقلِ، فإنَّ اللهَ سبحانَه حرَّمَ على عبدِه أنْ يكونَ قَرنانًا ديُّوثًا زوْجَ بغيٍّ، فإنَّ اللهَ تعالَى فطَرَ الناسَ على استِقباحِ ذلك واستِهجانِه، ولهذا إذا بالَغُوا في
стр. 9309
سَبِّ الرجلِ قالُوا: «زوجُ قَحبةٍ»، فحرَّمَ اللهُ على المُسلمِ أنْ يكونَ كذلكَ، فظهَرَتْ حِكمةُ التحريمِ وبانَ مَعنى الآيةِ، واللهُ المُوفِّقُ.
وممَّا يُوضِحُ التحريمَ وأنه هو الذي يَليقُ بهذه الشَّريعةِ الكاملةِ: أنَّ هذهِ الجِنايةَ مِنَ المرأةِ تَعودُ بفسادِ فِراشِ الزوجِ وفسادِ النسَبِ الذي جَعَلَه اللهُ تعالَى بينَ الناسِ لتَمامِ مَصالِحِهم، وعَدَّهُ مِنْ جُملةِ نِعَمِه عليهم، فالزِّنا يُفضي إلى اختلاطِ المياهِ واشتباهِ الأنسابِ، فمِن مَحاسنِ الشريعةِ تَحريمُ نكاحِ الزانيةِ حتى تَتوبَ وتُستبْرَأَ.
وأيضًا فإنَّ الزانيةَ خَبيثةٌ كما تقدَّمَ بيانُه، واللهُ سُبحانَه جعَلَ النكاحَ سَببًا للمودَّةِ والرَّحمةِ، والمودة: خالِصُ الحُبِّ، فكيفَ تكونُ الخَبيثةُ مَودودةً للطيِّبِ زوجًا له؟ والزوجُ سُمِّيَ زوجًا مِنْ الازدِواجِ وهوَ الاشتباهُ، فالزَّوجانِ: الاثنانُ المُتشابهانِ، والُمنافَرةُ ثابتةٌ بينَ الطيِّبِ والخَبيثِ شرعًا وقدَرًا، فلا يَحصلُ معها الازدواجُ والتراحمُ والتوادُّ، فلقدْ أحسَنَ كُلَّ الإحسانِ مَنْ ذهَبَ إلى هذا المَذهبِ ومنَعَ الرجلَ أنْ يكونَ زوْجَ قَحْبةٍ.
فأينَ هذا مِنْ قَولِ مَنْ جوَّزَ أنْ يتزوَّجَها ويطَأَها الليلةَ وقد وَطئَها الزاني البارحةَ؟ وقالَ: «ماءُ الزاني لا حُرمةَ له»، فهَبْ أنَّ الأمرَ كذلكَ فماءُ الزوجِ له حُرمةٌ، فكيفَ يَجوزُ اجتماعُه معَ ماءِ الزاني في رَحمٍ واحدٍ؟
والمَقصودُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه سَمَّى الزَّواني والزُّناةَ خَبيثِينَ وخَبيثاتٍ، وجنسُ هذا الفعلِ قد شُرعَتْ فيه الطهارةُ وإنْ كانَ حَلالًا، وسُمِّيَ فاعلُه جُنبًا لبُعدِه عن قَراءةِ القرآنِ وعنِ الصلاةِ وعنِ المَساجدِ، فمُنِعَ مِنْ ذلكَ كلِّه
стр. 9310
حتى يَتطهَّرَ بالماءِ، فكذلكَ إذا كانَ حرامًا يُبعِدُ القلبَ عن اللهِ تعالى وعن الدارِ الآخرةِ، بل يَحولُ بينَه وبينَ الإيمانِ حتى يُحدِثَ طُهرًا كامِلًا بالتوبةِ وطُهرًا لبَدنِه بالماءِ (١).
ثانيًا: زَواجُ الزانيةِ مِنْ غيرِ الزَّاني:
نكاحُ الزانيةِ مِنْ غيرِ الزَّاني لا يَخلو مِنْ أحدِ ثَلاثِ صورٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ تَكونَ حامِلاً مِنْ الزنا:
اختَلفَ فُقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ في نكاحِ الحاملِ مِنَ الزنا؛ هل يَصحُّ عقدُ النكاحِ عليها أم لا؟ وهل يَحِلُّ وَطؤُها أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنه يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الحاملِ مِنَ الزنا؛ لأنها مِنَ المُحلَّلاتِ بالنصِّ، فهيَ داخلةٌ في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكلُّ مَنْ كانَتْ كذلكَ جازَ نكاحُها، ولأنَّ حَمْلَها لا يَلحقُ بأحدٍ، فكانَ وُجودُه كعَدمِه، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يطأَها حتَّى تضَعَ حمْلَها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُوطَأُ حاملٌ حتَّى تضَعَ» (٢)، وحُرمةُ الوطءِ كَيلَا يَسقي ماءَه زرْعَ غيرِه.
ثمَّ إذا جاءَتْ بالولدِ لسِتةِ أشهرٍ فصاعدًا بعدَ النكاحِ ثبَتَ نسَبُه ويَرِثُ منه، وإنْ جاءَتْ به لِأقلَّ مِنْ ذلكَ لا يَثبتُ نَسبُه ولا يَرثُ منه (٣).
стр. 9311
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ نكاحُ الحامِلِ مِنَ الزنا وله وَطؤُها على الصَّحيحِ كالحائلِ؛ إذ لا حُرمةَ له (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنَ الحَنفيةِ إلى أنه لا يَصحُّ عَقدُ النكاحِ على الحاملِ مِنَ الزنا؛ لأنَّه لمَّا لم يَجُزِ الوطءُ لحُرمةِ السَّقيِ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ لا يَترتَّبُ عليه حُكمُه لا يَصحُّ، ولأنه حَمْلٌ مُحترمٌ حتَّى لا يَجوزُ إسقاطُه.
ولا يَحلُّ نكاحُها قبلَ وضعِ الحَملِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَسقي ماءَه زرْعَ غيرِه»، يعني وَطءَ الحوامِلِ، وقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تضَعَ» (٢)، وهوَ عامٌّ.
ورُويَ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ عن رَجلٍ مِنْ الأنصار يُقالُ له بصرةُ قالَ: تَزوَّجْتُ امرأةً بِكرًا في ستْرِها فدَخلْتُ عليها فإذا هيَ حُبلَى، فقالَ لي النبيُّ ﷺ : «لها الصَّداقُ بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، والولدُ عبدٌ لكَ، فإنْ
стр. 9312
ولَدَتْ فاجلِدُوها» (١)، وهوَ ظاهرٌ في عدمِ صحَّةِ نكاحِ الحاملِ مِنْ زِنًا.
وعن أبي الدَّردَاءِ ﵁ «عن النبيِّ ﷺ أنَّه أُتِيَ بِامرَأَةٍ مُجِحٍّ (٢) على بابِ فُسطَاطٍ فقالَ: لعَلَّه يُريدُ أنْ يلِمَّ بها؟ فقالُوا: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لقدْ هَمَمتُ أنْ ألعَنَه لَعنًا يَدخلُ معه قَبْرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيفَ يَستخدِمُه وهو لا يَحِلُّ له؟» (٣)، ولأنها حاملٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحواملِ.
وإذا ثبَتَ هذا لَزمَتْها العدَّةُ وحَرُمَ عليها النكاحُ فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرَّحمِ، ولأنها قبْلَ العدَّةِ يَحتملُ أنْ تكونَ حاملًا فيَكونَ نكاحُها باطلًا، فلم يَصحَّ كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ؛ لِمَا ذكَرْناه؛ لأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحامِل فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ ولدُها مِنَ الأولِ ويَحتملُ أنْ يكونَ مِنَ الثاني، فيُفضي إلى اشتباهِ الأنسابِ، فكانَ بالتحريمِ أَولى، ولأنَّه وَطءٌ في القُبُلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشُّبهةِ (٤).
стр. 9313
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ زانيةً ولم تُستبرَأْ مِنْ الزنا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ الزانيةِ إذا زنَتْ ولم يَظهرْ عليها حَملٌ، هل يَصحُّ عقدُ النكاحٍ عليها أو وَطؤُها وإنْ لم تُستَبْرَأ؟ أم لا بدَّ مِنْ استبرائِها بالعدَّةِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ إلى أنه لا يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الزانيةِ حتى تُستبْرَأَ.
قالَ المالِكيةُ: إذا زنَتِ المَرأةُ أو غُصِبَتْ وجَبَ عليها الاستبراءُ مِنْ وَطئِها بثلاثِ حِيَضٍ، ولا يجوزُ نكاحُها حتَّى تُستبْرَأَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَه زرْعَ غَيرِه» (١)، ولأنه لا يَلحقُ بالمتزوِّجِ، فلمْ يَجُزْ له العقدُ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبْلَ أنْ يَستبْرِئَها فهو كالناكحِ في العدَّةِ، ولا يَحلُّ لهُ أبدًا إنْ كانَ وطؤُه في ذلكَ.
قالَ مالكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حرَّةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بولَدٍ بعدَ شهرِ إنهُ لا ينكحُها أبدًا؛ لأنهُ وطَأَها في عدَّةٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أمَّا حُجةُ مالكٍ فإنه قاسَ استبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةِ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجَميعِ كالنكاح الصحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ
стр. 9314
الزنى؛ لأنهُ لا يَستبرئُ رَحِمَ غيرِه في حرَّةٍ بأقلَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١).
وقالَ ابنُ العرَبيِّ ﵀: ورَأى مالكٌ أنَّ ماءَ الزنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألَّا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلطَ الحرامُ بالحَلالِ ويُمزجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العِزةِ، فكانَ نظرُ مالكٍ أشَدَّ مِنْ نظَرِ سائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا زَنَتِ المرأةُ لم يَحلَّ لمَن يَعلمُ ذلكَ نكاحُها إلَّا بعدَ انقضاءِ عدَّتها، فإنْ حَملَتْ مِنْ الزنا فقَضاءُ عدَّتِها بوَضعِه، ولا يَحلُّ نكاحُها قبلَ وَضعِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَهُ زرْعَ غَيرِه» (٣)، يعني وَطءَ الحواملِ، وقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تضَعَ» (٤)، وهو عامٌّ.
ورويَ عن سَعيد بنِ المسيبِ عن رجلٍ مِنَ الأنصارِ يُقال له بصرةُ قالَ: تَزوجْتُ امرأةً بكرًا في ستْرِها فدَخلْتُ عليها فإذا هي حُبلَى، فقالَ لي النبيُّ
стр. 9315
ﷺ : «لها الصَّداقُ بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها والولدُ عبدٌ لكَ، فإنْ ولَدَتْ فاجلِدُوها» (١)، وهو ظاهرٌ في عدمِ صِحةِ نكاحِ الحاملِ مِنْ زِنًا.
وعن أبي الدَّرداءِ ﵁ «عن النبي ﷺ أنَّه أُتيَ بامرَأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطَاطٍ فقالَ: لعَلَّه يُريدُ أنْ يلِمَّ بها؟ فقالُوا: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لقد هَمَمتُ أنْ ألعَنَهُ لَعنًا يَدخلُ معهُ قَبْرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيفَ يَستخدمُه وهو لا يَحِلُّ لهُ؟» (٢)، ولأنها حاملٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحَواملِ.