وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ نكاحُ الحامِلِ مِنَ الزنا وله وَطؤُها على الصَّحيحِ كالحائلِ؛ إذ لا حُرمةَ له (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنَ الحَنفيةِ إلى أنه لا يَصحُّ عَقدُ النكاحِ على الحاملِ مِنَ الزنا؛ لأنَّه لمَّا لم يَجُزِ الوطءُ لحُرمةِ السَّقيِ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ لا يَترتَّبُ عليه حُكمُه لا يَصحُّ، ولأنه حَمْلٌ مُحترمٌ حتَّى لا يَجوزُ إسقاطُه.
ولا يَحلُّ نكاحُها قبلَ وضعِ الحَملِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَسقي ماءَه زرْعَ غيرِه»، يعني وَطءَ الحوامِلِ، وقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تضَعَ» (٢)، وهوَ عامٌّ.
ورُويَ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ عن رَجلٍ مِنْ الأنصار يُقالُ له بصرةُ قالَ: تَزوَّجْتُ امرأةً بِكرًا في ستْرِها فدَخلْتُ عليها فإذا هيَ حُبلَى، فقالَ لي النبيُّ ﷺ : «لها الصَّداقُ بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، والولدُ عبدٌ لكَ، فإنْ
стр. 9312
ولَدَتْ فاجلِدُوها» (١)، وهوَ ظاهرٌ في عدمِ صحَّةِ نكاحِ الحاملِ مِنْ زِنًا.
وعن أبي الدَّردَاءِ ﵁ «عن النبيِّ ﷺ أنَّه أُتِيَ بِامرَأَةٍ مُجِحٍّ (٢) على بابِ فُسطَاطٍ فقالَ: لعَلَّه يُريدُ أنْ يلِمَّ بها؟ فقالُوا: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لقدْ هَمَمتُ أنْ ألعَنَه لَعنًا يَدخلُ معه قَبْرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيفَ يَستخدِمُه وهو لا يَحِلُّ له؟» (٣)، ولأنها حاملٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحواملِ.
وإذا ثبَتَ هذا لَزمَتْها العدَّةُ وحَرُمَ عليها النكاحُ فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرَّحمِ، ولأنها قبْلَ العدَّةِ يَحتملُ أنْ تكونَ حاملًا فيَكونَ نكاحُها باطلًا، فلم يَصحَّ كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ؛ لِمَا ذكَرْناه؛ لأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحامِل فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ ولدُها مِنَ الأولِ ويَحتملُ أنْ يكونَ مِنَ الثاني، فيُفضي إلى اشتباهِ الأنسابِ، فكانَ بالتحريمِ أَولى، ولأنَّه وَطءٌ في القُبُلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشُّبهةِ (٤).
стр. 9313
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ زانيةً ولم تُستبرَأْ مِنْ الزنا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ الزانيةِ إذا زنَتْ ولم يَظهرْ عليها حَملٌ، هل يَصحُّ عقدُ النكاحٍ عليها أو وَطؤُها وإنْ لم تُستَبْرَأ؟ أم لا بدَّ مِنْ استبرائِها بالعدَّةِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ إلى أنه لا يَصحُّ عقدُ النكاحِ على الزانيةِ حتى تُستبْرَأَ.
قالَ المالِكيةُ: إذا زنَتِ المَرأةُ أو غُصِبَتْ وجَبَ عليها الاستبراءُ مِنْ وَطئِها بثلاثِ حِيَضٍ، ولا يجوزُ نكاحُها حتَّى تُستبْرَأَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَه زرْعَ غَيرِه» (١)، ولأنه لا يَلحقُ بالمتزوِّجِ، فلمْ يَجُزْ له العقدُ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبْلَ أنْ يَستبْرِئَها فهو كالناكحِ في العدَّةِ، ولا يَحلُّ لهُ أبدًا إنْ كانَ وطؤُه في ذلكَ.
قالَ مالكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حرَّةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بولَدٍ بعدَ شهرِ إنهُ لا ينكحُها أبدًا؛ لأنهُ وطَأَها في عدَّةٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أمَّا حُجةُ مالكٍ فإنه قاسَ استبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةِ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجَميعِ كالنكاح الصحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ
стр. 9314
الزنى؛ لأنهُ لا يَستبرئُ رَحِمَ غيرِه في حرَّةٍ بأقلَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١).
وقالَ ابنُ العرَبيِّ ﵀: ورَأى مالكٌ أنَّ ماءَ الزنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألَّا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلطَ الحرامُ بالحَلالِ ويُمزجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العِزةِ، فكانَ نظرُ مالكٍ أشَدَّ مِنْ نظَرِ سائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا زَنَتِ المرأةُ لم يَحلَّ لمَن يَعلمُ ذلكَ نكاحُها إلَّا بعدَ انقضاءِ عدَّتها، فإنْ حَملَتْ مِنْ الزنا فقَضاءُ عدَّتِها بوَضعِه، ولا يَحلُّ نكاحُها قبلَ وَضعِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَهُ زرْعَ غَيرِه» (٣)، يعني وَطءَ الحواملِ، وقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تضَعَ» (٤)، وهو عامٌّ.
ورويَ عن سَعيد بنِ المسيبِ عن رجلٍ مِنَ الأنصارِ يُقال له بصرةُ قالَ: تَزوجْتُ امرأةً بكرًا في ستْرِها فدَخلْتُ عليها فإذا هي حُبلَى، فقالَ لي النبيُّ
стр. 9315
ﷺ : «لها الصَّداقُ بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها والولدُ عبدٌ لكَ، فإنْ ولَدَتْ فاجلِدُوها» (١)، وهو ظاهرٌ في عدمِ صِحةِ نكاحِ الحاملِ مِنْ زِنًا.
وعن أبي الدَّرداءِ ﵁ «عن النبي ﷺ أنَّه أُتيَ بامرَأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطَاطٍ فقالَ: لعَلَّه يُريدُ أنْ يلِمَّ بها؟ فقالُوا: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لقد هَمَمتُ أنْ ألعَنَهُ لَعنًا يَدخلُ معهُ قَبْرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيفَ يَستخدمُه وهو لا يَحِلُّ لهُ؟» (٢)، ولأنها حاملٌ، فحَرُمَ عليه نكاحُها كسائرِ الحَواملِ.
стр. 9316
وإذا ثبَتَ هذا لزمَتْها العدَّةُ وحَرُمَ عليها النكاحُ فيها؛ لأنها في الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرحمِ، ولأنها قبْلَ العدَّةِ يَحتملُ أنْ تكونَ حامِلًا فيكونَ نكاحُها باطِلًا، فلمْ يَصحَّ كالموطوءةِ بشُبهةٍ؛ لأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحاملِ فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وَطءَ الحاملِ لا يُفضي إلى اشتباهِ النسَبِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ ولَدُها مِنَ الأولِ ويَحتملُ أنْ يكونَ مِنَ الثاني، فيُفضي إلى اشتباهِ الأنسابِ، فكانَ بالتحريمِ أَولى، ولأنه وطءٌ في القُبلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوطءِ الشبهةِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكلُّ معتدَّةٍ مِنْ غيرِ النكاحِ الصحيحِ كالزانيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في نكاحٍ فاسدٍ فقِياسُ المَذهبِ تحريمُ نكاحِها على الواطئِ وغيرِه، والأَولى حِلُّ نكاحِها لمَن هي معتدَّةٌ منه إنْ كانَ يَلحقُه
стр. 9317
نَسبُ ولدِها؛ لأنَّ العدَّةَ لحِفظِ مائِه وصيانةِ نسبِه، ولا يُصانُ ماؤُه المُحترمُ عن مائِه المُحترمِ ولا يُحفظُ نَسبُه عنه، ولذلكَ أُبيحَ للمُختلعةِ نكاحُ مَنْ خالَعَها ومَن لا يَلحقُه نَسبُ ولَدِها، كالزانية لا يَحلُّ له نكاحُها؛ لأنَّ نكاحَها يُفضي إلى اشتباهِ النسبِ، فالواطئُ كغيره في أنَّ الولدَ لا يَلحقُ نسبُه بواحدٍ منهِما (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ومالكٌ وأحمدُ يَشترطانِ الاستبراءَ، وهوَ الصوابُ، لكنْ مالكٌ وأحمدُ في روايةٍ يَشترطانِ الاستبراءَ بحَيضةٍ، والروايةُ الأُخرى عن أحمدَ هي التي عَليها كثيرٌ مِنْ أصحابه كالقاضي أبي يَعلى وأتباعِه أنه لا بدَّ مِنْ ثَلاثِ حِيَضٍ، والصحيحُ أنه لا يَجبُ إلا الاستبراءُ فقط؛ فإنَّ هذهِ ليسَتْ زوجةً يَجب عليها عدَّةٌ، وليسَتْ أعظَمَ مِنَ المُستبْرَأةِ التي يَلحقُ ولدُها سيِّدَها، وتلكَ لا يَجبُ عليها إلَّا الاستبراءُ، فهذه أَولى (٢).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ نكاحُ الزانيةِ وإنْ رَآها تَزني وإنْ لم تُستبْرَأَ مِنَ الزنا، وله أنْ يطأَها قبلَ أنْ يَستبْرِئَها، كما لو رَأى امرأتَه تَزني لم يَحرمْ عليهِ وَطؤُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه ﷺ : «لا يُحرِّمُ الحَرامُ الحلالَ»، والعقدُ على الزانيةِ كانَ حلالًا قبلَ الزنا وقبلَ الحَملِ، فلا يُحرِّمُه الزنا.
стр. 9318
ورويَ «أنَّ رجلًا كانَ له ابنٌ تزوَّجَ امرأةً لها ابنةٌ، ففجَرَ الغلامُ بالصبيةِ، فسَألَهما عُمرُ ﵁ وأرضاهُ فاعتَرَفَا فجَلدَهما، وحرَصَ أنْ يَجمعَ بينَهما بالنكاحِ فأبَى الغلامُ»، ولم يُراعِ عمرُ ﵁ وأرضاهُ انقضاءَ العدَّةِ، ولمْ يُنكِرْ عليهِ أحَدٌ، فدَلَّ على أنه إجماعٌ، ولأنه وطءٌ لا يَلحقُ به النسبُ أو حَملٌ لا يَلحقُ بأحدٍ، فلمْ يَمنَعْ صحةَ النكاحِ كما لو لم يُوجَدْ (١).
الصُّورةُ الثالثةُ: أنْ تَكونَ غيرَ حاملٍ ومُستبرَأةٌ مِنْ الزنا:
اتَّفقَ فقهاءُ الأمصارِ كما تقدَّمَ على أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ واستُبْرِئَت ولمْ تكنْ حاملًا وتابَتْ مِنَ الزنا أنه يَجوزُ نكاحُها، واختَلفُوا فيما إذا لم تَتُبْ مِنْ الزنا، هل يَجوزُ أم لا؟
فجُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ قالُوا: يَجوزُ نكاحُها ولو لمْ تَتُبْ كما تَقدَّمَ تَفصيلُه.
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه لا يجوزُ نكاحِها إلا إذا تابَتْ على ما تَقدَّم بَيانُه.
стр. 9319
زوجةُ الرَّجلِ إذا زنَتْ هل يَبطلُ نِكاحُها أم لا؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المرأةَ إذا كانتْ متزوِّجةً وزَنَتْ أنه لا يَنفسخُ نكاحُها؛ لمَا رُويَ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ امرأتِي لا تَدفعُ يدَ لامسٍ، فقالَ ﷺ : طلِّقْها، فقالَ: إني أحبُّها وهيَ جَميلةٌ، فقالَ ﷺ : استَمتِعْ بها» وفي رِوايةٍ: «أَمسِكْها إذًا» (١)، ولأنَّ الزوجَ لو أقَرَّ بأنها زنَتْ لمْ يَنفسخْ نكاحُها منه، فكذلكَ إذا ثبَتَ بغيرِ إقرارِه؛ اعتبارًا بسائرِ الأصولِ طَردًا وعَكسًا (٢).
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: وفُقهاءُ الأمصارِ مُتفِقونُ على جوازِ النكاحِ، وأنَّ الزنا لا يُوجِبُ تحريمَها على الزوجِ ولا يُوجِبُ الفرقةَ بينَهما (٣).
وقالَ أيضًا: ومِنَ الناس مَنْ يقولُ: إنَّ تَزويجَ الزانيةِ وإمساكَها على النكاحِ مَحظورٌ مَنهيٌّ عنه ما دامَتْ مُقيمةً على الزنا وإنْ لم يؤثِّرْ ذلكَ في إفسادِ النكاحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أباحَ نكاحَ المُحصَناتِ مِنَ المؤمناتِ ومِن أهلِ الكتابِ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يعني العَفائفَ مِنهنَّ، ولأنها إذا كانَتْ كذلكَ لا يُؤمنُ أنْ تأتِيَ بولدٍ مِنْ الزنا فتُلحِقَه به وتُورِّثَه مالَه، وإنما يُحمَلُ قولُ مَنْ رخَّصَ في ذلكَ على أنها تائبةٌ غيرُ مُقيمةٍ على الزنا.
стр. 9320
ومِن الدَّليلِ على أنَّ زناها لا يُوجِبُ الفرقةَ أنَّ اللهَ تعالى حَكَمَ في القاذفِ لزَوجتِه باللِّعانِ ثمَّ بالتفريقِ بينَهما، فلو كانَ وُجودُ الزنا منها يُوجِبُ الفرقةَ لَوجَبَ إيقاعُ الفرقةِ بقَذفِه إياها؛ لاعترافِه بما يُوجبُ الفرقةَ، أَلَا ترَى أنه لو أقَرَّ أنها أختُه مِنْ الرضاعةِ أو أنَّ أباهُ قد كانَ وَطئَها لَوقعَتِ الفُرقةُ بهذا القولِ.
فإنْ قيلَ: لمَّا حكَمَ اللهُ تعالَى بإيقاعِ الفرقةِ بعدَ اللعانِ دَلَّ ذلك على أنَّ الزنا يُوجبُ التحريمَ، لولا ذلك لَمَا وجَبَتِ الفرقةُ باللعانِ.
قيلَ له: لو كانَ كما ذكَرْتَ لَوجبَتِ الفرقةُ بنفسِ القذفِ دونَ اللِّعان، فلمَّا لم تَقعْ بالقذف دَلَّ على فسادِ ما ذكَرْتَ.
فإنْ قيلَ: إنما وقَعَتِ الفرقةُ باللعانِ؛ لأنه صارُ بمَنزلةِ الشهادةِ عليها بالزنا، فلمَّا حُكِمَ عليها بذلكَ حُكمَ بوقوعِ الفرقةِ لأجْلِ الزنا.
قيلَ له: وهذا غلطٌ أيضًا؛ لأنَّ شهادةَ الزوجِ وحْدَه عليها بالزنا لا تُوجبُ كونَها زانيةً، كما أنَّ شهادتَها عليه بالإكذابِ لا تُوجبُ عليه الحُكمَ بالكذب في قَذفِه إياها؛ إذ ليسَتْ إحدى الشهادتَينِ بأَولى مِنْ الأُخرى، ولو كان الزوجُ مَحكومًا له بقَبولِ شهادتِه عليها بالزنا لَوجَبَ أنْ تُحَدَّ حَدَّ الزنا، فلمَّا لم تُحَدَّ بذلكَ دَلَّ على أنه غيرُ مَحكومٍ عليها بالزنا بقولِ الزوجِ، واللهُ أعلَمُ بالصوابِ (١).
стр. 9321
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: زَوجةُ الرجلِ إذا زَنَتْ هل يَنفسخُ نكاحُها أم لا؟ فمَذهبُ الشافعيِّ وجُمهورِ الفقهاءِ أنَّ النكاحَ صَحيحُ لا ينفسخُ بزناها، وهو قولُ الصحابةِ، إلا حكايةً عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليهِ أنَّ نكاحَها قد بَطَلَ، وهو قولُ الحسنِ البَصريِّ؛ لتَحريمِ اجتماعِ الماءَينِ في فَرجٍ.
ودليلُنا مع ما قدَّمْناه مِنْ حَديثِ عائشةَ ما رواهُ أبو الزُّبيرِ عن جابرٍ قالَ: «جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: إنَّ امرأتِي لا تَرُدُّ يدَ لامِسٍ، قالَ: طلِّقْها، قالَ: إني أحبُّها، قالَ: استَمتِعْ بها»، فكَنَّى بقولِه: «لا تَردُّ يدَ لامِسٍ» عنِ الزنا فأمَرَه بطَلاقِها، ولو انفَسخَ نكاحُها بالزنا لَمَا احتاجَ إلى طلاقٍ، ثمَّ لمَّا أخبَرَه أنه يُحبُّها أَذِنَ له في الاستمتاعِ بها، ولو حَرُمَتْ عليهِ لَنهاهُ عنِ الاستمتاعِ بها ولَأَعْلمَه تَحريمَها.
فإنْ قيلَ: فالمُرادُ بقولِه: «لا تَردُّ يدَ لامِسٍ» أنها لا تَرُدُّ مُتصدِّقًا طلَبَ منها مالَه.
قيلَ: هذا خَطأٌ مِنْ وجهَين:
أحَدُهما: أنه لو أرادَ هذا لقَالَ: «لا تَردُّ يدَ مُلتمِسٍ»؛ لأنَّ الطالبَ يَكونُ مُلتمِسًا، واللامِسُ يكونُ مباشِرًا، فلمَّا عدَلَ إلى «يدِ لامسٍ» خرَجَ عن هذا التأويلِ.
والثاني: أنها لو كانَتْ تتصدَّقُ بمالِه لَمَا خرَجَ قولُه فيها مَخرَجَ الذمِّ، ولَمَا أمَرَ بطلاقِها، ولأمَرَه بإحرازِ مالِه منها.
стр. 9322
ورُويَ أنَّ رَجلًا قالَ: «يا رسولَ الله إنَّ امرأتي ولَدَتْ غُلامًا أسودًا، فقالَ النبيُّ ﷺ : لعَلَّ عِرقًا نَزَعَه»، فكانَ ذلكَ منه كنايةً عن زِناها بأسوَدَ، فلمْ يُحرِّمْها عليهِ، ولأنَّ العَجلانِيَّ أخبَرَ رسولَ الله ﷺ أنه وَجَدَ مع امرأتِه رَجلًا فلاعَنَ بينَهما ولم يَجعلْها بالزنا حرامًا، ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَزْنُوا فتَزنِيَ نساؤُكم، فإنَّ بنِي فُلانٍ زَنَوا فزَنَتْ نِساؤُهم» (١)، فدَلَّ هذا على بَقائِهم مع الأزواجِ بعدَ الزنا، فأمَّا تَحريمُ اجتماعِ الماءَينِ في فرجٍ فنحنُ على تَحريمِهما، وإذا اجتمَعَا ثبَتَ حُكمُ الحلالِ منهُما وسقَطَ حُكمُ الحرامِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ المرأةَ المُحصَنةَ بالزواجِ إذا زنَتْ لم يَنفسخْ نكاحُها مِنْ زوجِها (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ زنَتِ امرأةُ رَجلٍ أو زنَى زوجُها لم يُفسخِ النكاحُ، سواءٌ كانَ قبلَ الدخولِ أو بعدَه في قولِ عامةِ أهلِ العِلم، وبذلكَ قالَ مجاهدٌ وعطاءٌ والنخَعيُّ والثوريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفرَّقُ بينَهما وليسَ لها شيءٌ، وكذلكَ رُويَ عن الحسَنِ، وعن عليٍّ ﵁ أنه فرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأتِه زَنَى قبلَ الدخولِ بها، واحتُجَّ لهُم بأنه لو قَذَفَها ولاعَنَها بانَتْ منه؛ لتَحقيقِه الزنى عليها، فدَلَّ على أنَّ الزنا يُبِينُها.
стр. 9323
ولنا: إنَّ دعواهُ الزنا عليها لا يُبِينُها، ولو كان النكاحُ ينفسخُ به لَانفسَخَ بمجرَّدِ دعواهُ كالرَّضاعِ، ولأنها مَعصيةٌ لا تُخرِجُ عن الإسلام، فأشبَهَتِ السرقةَ، فأما اللِّعانُ فإنه يَقتضي الفسخَ بدونِ الزنا؛ بدليلِ أنها إذا لاعَنَتْه فقدْ قابلَتْه، فلمْ يَثبتْ زناها، ولذلكَ أوجَبَ النبيُّ ﷺ الحَدَّ على مَنْ قذَفَها، والفسخُ واقعٌ.
ولكنَّ أحمدَ استَحبَّ للرجلِ مُفارَقةَ امرأتِه إذا زَنَتْ، قالَ: لا أرَى أنْ يُمسكَ مثلَ هذه، وذلكَ أنه لا يُؤمَنُ أن تُفسِدَ فراشَه وتُلحِقَ به ولَدًا ليسَ منه، قالَ ابنُ المُنذرِ: لعلَّ مَنْ كَرِهَ هذه المرأةَ إنما كَرِهَها على غيرِ وجهِ التحريمِ، فيكونُ مثلَ قولِ أحمدَ هذا (١).
هلْ يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يطَأَ زوْجَتَه التي زَنَتْ أم لا؟
اختَلفَ الفقهاءُ في ذلكَ، فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ وَطؤُها.
قالَ الحَنفيةُ: لو زنَتِ امرأةُ رَجلٍ لم تَحرمْ عليهِ وجازَ له وَطؤُها عَقِبَ الزنا (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ نكاحُ الحاملِ مِنَ الزنا وله وَطؤُها على الصحيحِ كالحائلِ؛ إذْ لا حُرمةَ لهُ، ولمْ يفرِّقُوا بينَ الزوجةِ وغيرِها (٣).
стр. 9324
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ وطؤُها حتَّى تُستبْرَأَ.
قالَ المالِكيةُ: إذا زَنَتِ المرأةُ أو غُصِبَتْ فإنه يَجبُ عليها أنْ تَمْكُثَ قدْرَ عدَّتِها، فإنْ كانَتْ مِنْ ذواتِ الحيضِ فإنها تَمكثُ ثلاثةَ أَقراءٍ استِبراءً لا عدَّةً، أو ثَلاثةَ أشهُرٍ إنْ كانَتْ صغيرةً أو يائسةً، أو سَنَةً إنْ تأخَّرَ حيضُها بلا سَببٍ أو كانَتْ مُستحاضةً ولم تُميِّزْ أو مريضةً، ولا يُعتبَرُ قولُ المرأةِ: «إنَّ الغاصِبَ ومَن معهُ لم يَطآني» ولا تُصدَّقُ في شيءٍ مِنْ ذلكَ ولو وافَقَها على ذلكَ الغاصبُ ومَن معَه؛ لأنَّ الاستبراءَ لحَقِّ اللهِ، ولا يَجوزُ للزوجِ أنْ يطَأَ زوْجتَه في مدَّةِ استبرائِها، ومثلُه الاستِمتاعُ، ولا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَعقدَ على تلكَ المرأةِ في زَمنِ استبرائِها، سواءٌ كانَ العاقدُ زوْجَها الذي فَسخَ نكاحَه منها أو كانَ العاقدُ أجنبيًّا، فاستعملَ الزَّوج في حقيقتِه ومَجازِه؛ لأنَّ كلَّ مَحلٍ امتَنعَ فيه الاستمتاعُ امتَنعَ فيه العقدُ، إلا الحيضَ والنِّفاسَ والصيامَ والاعتكافَ.
وهذا إذا لمْ تَكنْ ظاهرةَ الحَملِ وزنَتْ، إمَّا إذا كانَتْ ظاهِرةَ الحَملِ ثمَّ زنَتْ فيُكرهُ وطؤُها ولا يَحرمُ على الصحيحِ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصلُ أنَّ الحاملَ إذا زنَتْ هل يَجوزُ لزوجِها الذي حَملَتْ منه قبلَ الزِّنا وطؤُها قبْلَ أنْ تضَعَ أو لا يجوزُ؟ أقوالٌ ثلاثةٌ،
стр. 9325
قيلَ بالجوازِ، وقيلَ بالكراهةِ، وقيلَ بالحرمةِ، أما لو حَملَتْ مِنْ زِنا أو مِنْ غَصْبٍ لَحَرُمَ على زوجِها وطؤُها قبلَ الوضعِ اتفاقًا (١).
وقالَ العَدويُّ ﵀: المَزنِيُّ بها والمُغتصَبةُ وهيَ حاملٌ مِنْ زَوجِها أو سيدِها فلا يَحرمُ على زوجِها ولا على سيدِها الاستمتاعُ بها ولو وَطأَ، نعمْ يُكرهُ أو خِلافُ الأَولى (٢).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ: ولا يَطؤُها حتى يَستبرئَها بثلاثِ حِيَضٍ؛ وذلكَ لمَا رَوى رُويفعُ بنُ ثابتٍ قالَ: سَمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ يومَ حنينٍ: «لا يَحلُّ لامرِئٍ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَسقيَ ماءَهُ زرْعَ غَيرِه» (٣)، يعني إتيانَ الحَبَالَى، ولأنها ربُّما تأتي بولَدٍ مِنَ الزنا فيُنسَبَ إليه، والأَولى أنه يَكفي استبراؤُها بالحيضةِ الواحدةِ؛
стр. 9326
لأنها تَكفي في استبراءِ الإماءِ وفي أمِّ الولدِ إذا عتقَتْ بمَوتِ سيدِها أو بإعتاقِ سيدِها، فيَكفي هاهُنا، والمَنصوصُ هاهُنا مُجرَّدُ الاستبراءِ، وقد حصَلَ بحَيضةٍ فيُكتفى بها (١).
النوعُ الرابعُ: المُطلَّقةُ ثَلاثًا لمُطلِّقِها:
اتَّفقَ العلماءُ على أنَّ المُطلَّقَةَ ثلاثًا لا تَحلُّ لزوجِها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه نكاحًا صحيحًا ويَدخلَ بها؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولمَا رواه عُروةُ بنُ الزُّبيرِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه «أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرَأتَهُ فبَتَّ طَلاقَها، فتَزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، فَجاءَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنها كانَتْ تحتَ رفاعةَ فطلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقاتٍ، فتَزوَّجْتُ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنَّه واللهِ ما معهُ إلا مِثلُ الهُدْبةِ، وأخَذَتْ بهُدبةٍ من جلْبابِها، قالَ: فتَبسَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ ضَاحكًا فقالَ: لعَلَّكِ تُريدِينَ أنْ تَرجعِي إلى رِفاعةَ، لا حتى يَذوقَ عُسَيلتَكِ وتَذُوقِي عُسَيلتَهُ» (٢)(٣).
стр. 9327
النَّوعُ الخامِسُ: المُحرَّماتُ بالكُفرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جوازِ نكاحِ المُسلمِ للكِتابيةِ، وأنه لا يَجوزُ نكاحُ المُشرِكاتِ والمَجوسيةِ وأيِّ امرأةٍ لا تَدِينُ بدِينٍ سَماويٍّ كمَن عبَدَ ما استَحسنَ مِنْ الأصنامِ والأحجارِ والشجرِ والحَيوانِ أنه تَحرمُ نِساؤُهم؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فرخَّصَ مِنْ ذلكَ في أهلِ الكتابِ، فمَن عَداهُم يبقَى على ظاهرِ التحريمِ (١).
وقالَ اللهُ ﵎: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾، معناهُ أي: أُنزلَتْ عليكم لِئلَّا تقولُوا: «إنِّما أُنْزِلَ الكتابُ على طائِفتَينِ مِنْ قَبلِنا»، ولو كانَ المَجوسُ مِنْ أهل الكتابِ لَكانَ أهلُ الكتابِ ثَلاثَ طوائفَ، فيُؤدِّي إلى الخُلْفِ في خَبَرِه وذلكَ مُحالٌ، على أنَّ هذا لو كانَ حكايةً عن قولِ المُشركِينَ لَكانَ دليلًا على ما قُلنا؛ لأنه حَكَى عنهم القولَ ولم يعقبْه بالإنكارِ عليهم والتكذيبِ إياهم، والحكيمُ إذا حكَى عَنْ مُنكَرٍ غيَّرَه.
وسُئلَ أحمَدُ: أيَصحُّ عن عليٍّ أنَّ للمَجوسِ كتابًا؟ فقالَ: هذا باطلٌ، واستَعظَمَه جِدًّا، ولو ثبَتَ أنَّ لهم كتابًا فإنَّ حُكمَ أهلِ الكتابِ لا يَثبتُ لغير أهلِ الكتابَينِ.
стр. 9328
وأمَّا قولُه ﷺ : «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ» دليلٌ على أنه لا كِتابَ لهم، وإنما أرادَ به النبيُّ ﷺ حقْنَ دمائِهم وإقرارَهم بالجِزيةِ لا غيرَ، وذلكَ أنهم لَمَّا كانَتْ لهم شبهةُ كِتابٍ غُلِّبَ ذلكَ في تحريمِ دمائِهم، فيَجبُ أنْ يُغلَّبَ حُكمُ التحريمِ لنِسائِهم وذبائحِهم، فإننا إذا غلَّبْنا الشبهةَ في التحريمِ فتَغليبُ الدليلِ الذي عارضَتْه الشبهةُ في التحريم أَولى، ولم يَثبتْ أنَّ حذيفةَ تزوَّجَ مَجوسيةً.
وأما إقرارُهم بالجِزيةِ فلِأنَّنا غلَّبْنا حُكمَ التحريمِ لِدمائِهم، فيَجبُ أنْ يُغلَّبَ حُكمُ التحريمِ في ذَبائحِهم ونسائِهم (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: واتَّفقوا على أنه لا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ الوثنيةَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، واختَلفُوا في نكاحِها بالمِلكِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومنها أنْ لا تَكونَ المرأةُ مُشرِكةً إذا كانَ الرجلُ مُسلمًا، فلا يجوزُ للمسلمِ أنْ يَنكحَ المُشرِكةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويَجوزُ أنْ يَنكحَ الكتابيةَ؛ لقولِه : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والفَرقُ أنَّ
стр. 9329
الأصلَ أنْ لا يَجوزَ للمسلمِ أنْ يَنكحَ الكافرةَ؛ لأنَّ ازدواجَ الكافرةِ والمُخالَطةَ معها مع قيامِ العَداوةِ الدِّينيةِ لا يَحصلُ السَّكنُ والمودةُ الذي هو قوامُ مَقاصِدِ النكاحِ، إلا أنه جوَّزَ نكاحَ الكتابيةِ لرَجاءِ إسلامِها؛ لأنها آمنَتْ بكُتُبِ الأنبياءِ والرُّسلِ في الجُملةِ، وإنما نقضَتِ الجملةَ بالتفصيلِ بناءً على أنها أُخبِرَتْ عنِ الأمرِ على خِلافِ حقيقتِه، فالظاهرُ أنها متَى نُبِّهَتْ على حقيقةِ الأمرِ تنبَّهتْ وتأتي بالإيمانِ على التفصيلِ على حَسبِ ما كانَتْ أتَتْ به على الجُملةِ.
هذا هوَ الظاهرُ مِنْ حالِ التي بُنِي أمرُها على الدليلِ دونَ الهوى والطبعِ، والزوجُ يَدعوها إلى الإسلام ويُنبِّهُها على حقيقةِ الأمرِ، فكانَ في نكاحِ المُسلمِ إياها رَجاءُ إسلامِها، فجوَّزَ نكاحَها لهذهِ العاقبةِ الحَميدةِ، بخلافِ المُشرِكةِ؛ فإنها في اختيارِها الشِّركَ ما ثبَتَ أمرُها على الحُجةِ، بل على التقليدِ بوُجودِ الإباءِ عن ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ ينتهيَ ذلكَ الخبَرُ ممَّن يَجبُ قَبول قولِه واتِّباعُه وهو الرسولُ، فالظاهرُ أنها لا تَنظرُ في الحُجةِ ولا تَلتفتُ إليها عندَ الدعوةِ، فيَبقى ازدواجُ الكافرِ مع قيامِ العَداوةِ الدينيةِ المانِعةِ عن السَّكنِ والازدواجِ والمودةِ خاليًا عن العاقبةِ الحَميدةِ، فلم يَجُزْ إنكاحُها، وسواءٌ كانتِ الكِتابيةُ حرَّةً أو أمَةً عندَنا.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ نكاحُ الأمَةِ الكتابيةِ، ويَحلُّ وَطؤُها بملكِ اليمين (١).
стр. 9330
وقالَ القاضي عبدُ الوهابِ ﵀: لا يَجوزُ نكاحُ المَجوسياتِ ولا غيرِهنَّ مِنْ أنواعِ الشركِ الذينَ لا كتابَ لهم، خلافًا لأبي ثورٍ في إجازتِه ذلكَ في المَجوسِ، وهو أحَدُ وجهَيِ الشافِعيةِ على قولِهم: «إنهم أهلُ كتابٍ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فعَمَّ، وقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، فدَلَّ أنَّ غيرَهنَّ خِلافُهنَّ، ولأنهنَّ غيرُ مُتمسِّكينَ بكتابٍ كعَبدِة الأوثانِ (١).
حُكمُ نِكاحِ المُرتدةِ:
اتَّفقَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنه لا يَحلُّ نكاحُ المُرتدةِ؛ لأنه لا فائِدةَ فيهِ؛ لأنَّ المقصودَ مِنْ شَرعِ النكاحِ مَصالحُه، ولا تُوجَدُ؛ لأنَّ المُرتدَّ يُقتَلُ، ولأنه لا ملَّةَ لهُما؛ لأنهما خَرَجَا عن الإسلام، ولا يُقرَّانِ على ما انتقَلَا إليه.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ نكاحُ المُرتدةِ معَ أحدٍ؛ لأنها مأمورةٌ بالتأمُّلِ لتَعودَ إلى الإسلامِ، ومَمنوعةٌ مِنْ الاشتغالِ بشيءٍ آخَرَ، ولأنها بالردةِ صارَتْ مُحرَّمةً، والنكاحُ مُختصٌّ بمَحلِّ الحِلِّ ابتداءً، فلهذا لا يَجوزُ نكاحُها مع أحدٍ (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: منها أنْ يكونَ للزوجَينِ ملَّةٌ يُقرَّانِ عليها، فإنْ لم يكنْ بأنْ كان أحدُهما مُرتدًّا لا يجوزُ نكاحُه أصلًا لا بمُسلمٍ ولا
стр. 9331
بكافرٍ غيرِ مرتدٍّ، والمرتدُّ مثلُه؛ لأنه ترَكَ ملَّة الإسلامِ، ولا يُقَرُّ على الردةِ، بل يُجبَرُ على الإسلامِ إما بالقتلِ إنْ كانَ رجلًا بالإجماعِ، وإما بالحَبسِ والضَّربِ إنْ كانَتِ امرأةً عندَنا إلى أنْ تَموتَ أو تُسلِمَ، فكانتِ الردةُ في معنَى الموتِ؛ لكَونِها سَببًا مُفضِيًا إليه، والميتُ لا يكون مَحلًّا للنكاحِ، ولأنَّ مِلكَ النكاحِ مِلْكٌ مَعصومٌ، ولا عِصمةَ مع المُرتدةِ، ولأنَّ نكاحَ المُرتدِّ لا يَقعُ وسيلةً إلى المَقاصدِ المَطلوبةِ منه؛ لأنه يُجبَرُ على الإسلام على ما بيَّنَّا، فلا يُفيدُ فائدتَه فلا يَجوزُ، والدليلُ عليه أنَّ الردةَ لو اعتَرضَتْ على النكاحِ رفَعَتْه، فإذا قارنَتْه تمنَعُه مِنَ الوُجودِ مِنْ طريقِ الأَولى كالرضاعِ؛ لأنَّ المنعَ أسهلُ مِنْ الرفعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يجوزُ نكاحُ المُرتدِّ ولا المُرتدةِ؛ لأنَّ كلَّ معنًى إذا طرَأَ على النكاحِ أوجَبَ فسْخَه فإذا وُجدَ في الابتداءِ منَعَ العقدَ، أصلُه المِلكُ والرضاعُ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَحلُّ لأحدٍ نكاحُ المُرتدةِ، لا مِنْ المسلمِينَ؛ لأنها كافرةٌ لا تُقَرُّ كالوثنيةِ، ولا مِنْ الكفَّارِ؛ لبقاءِ عَلقَةِ الإسلامِ فيها، ولا مِنَ المُرتدينَ؛ لأنَّ القصدَ مِنَ النكاحِ الدوامُ، وهي ليسَتْ مُبقاةً (٣).
стр. 9332
وقالَ الحَنابلةُ: المُرتدةُ يَحرمُ نكاحُها على أيِّ دِينٍ كانتْ؛ لأنه لم يَثبتْ لها حُكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انتقَلَتْ إليه في إقرارِها عليهِ، ففي حِلِّها أَولى (١).
النوعُ السادِسُ: المُحرَّماتُ بالمِلكِ:
اتَّفقَ الفقهاءُ على أنه لا يَجوزُ للرجلِ أنْ يتزوَّجَ أَمَتَه ولا يَنعقدُ له فيها نكاحٌ؛ لكونِه مالِكًا للبُضع قبْلَ النكاحِ مِلكًا هو أقوى مِنْ مِلكِ النكاحِ، والنكاحُ إنما يكونُ ليُستباحَ به الفَرجُ، ولأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، ففرَّقَ بينَ النكاحَ ومِلكِ اليمينِ ولم يُبِحِ الفرجَ إلا بأحَدِهما، فوَجبَ لأجْلِ ذلكَ ألا يُجمعَ بينَهما وأنْ يُبطِلَ الملكُ النكاحَ، تَقدَّمَ أو تأخَّرَ، فلو جازَ أنْ يَنعقدَ نكاحٌ على مِلكٍ لَجازَ أنْ يَنعقدَ مِلكٌ على مِلكٍ ونكاحٌ على نكاحٍ.
ومِلكُ بعضِ العبدِ في هذا كَمِلْكِ كلِّه، وكذا حَقُّ المِلكِ كمَملوكِ المُكاتبِ والمَأذونِ؛ لأنَّ مِلكَ اليمينِ أقوَى مِنْ مِلكِ النكاحِ، فلا فائدةَ في إثباتِ الأضعَفِ معَ ثبوتِ الأَقوى، ولأنَّ مِلكَ النكاحِ يُوجِبُ لكلِّ واحدٍ مِنَ الزوجينِ على الآخرِ حُقوقًا مِنْ القَسْمِ والمَبيتِ وغيرِهما، وذلكَ يَمنعُه مِلك اليمينِ، فلا يَصحُّ معَ وجودِ ما ينافيهِ (٢).
стр. 9333
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ للسيدِ أنْ يَتزوجَ أمَتَه؛ لأنَّ مِلكَ الرقبةِ يُفيدُ مِلكَ المنفعةِ وإباحةَ البضعِ، فلا يَجتمعُ معه عقدٌ أضعَفُ منه، ولو ملَكَ زوْجتَه وهي أَمَةٌ انفَسخَ نكاحُها، وكذلكَ لو مَلَكَتِ المرأةُ زوْجَها انفَسخَ نكاحُها، ولا نعلمُ في هذا خلافًا (١).
وكذلكَ لا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تَتزوَّجَ عَبْدَها بالإجماعِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ نكاحَ المرأةِ عَبْدَها باطلٌ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَحرمُ على العبدِ نكاحُ سَيدتِه، قالَ ابنُ المنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نكاحَ المرأةِ عَبْدَها باطلٌ، ورَوى الأثرمُ بإسناده عن أبي الزبيرِ قالَ: «سألْتُ جابرًا عن العبدِ يَنكحُ سَيدتَه فقالَ: جاءتِ امرأةٌ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ ونحنُ بالجابيةِ وقد نَكَحَتْ عَبْدَها، فانتَهَرَها عُمرُ وهَمَّ أنْ يَرجمَها وقالَ: لا يَحلُّ لك»، ولأنَّ أحكامَ النكاحِ معَ أحكامِ المِلكِ يَتنافيانِ، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَقتضي أنْ يكونَ الآخَرُ بحُكمِه، يُسافِرُ بسَفَرِه ويُقيمُ بإقامتِه ويُنفقُ عليهِ، فيَتنافيانِ (٣).
стр. 9334
كتاب الصداق
стр. 9335
كتاب الصداق
تَعريفُ الصَّداقِ أو المَهرِ:
الصَّداقُ: اسمٌ لِمَا تَستحقُّه المرأةُ بعقدِ النكاحِ، قيلَ: إنه مُشتَقٌّ مِنَ الصَّدْقِ بفَتحِ الصادِ وإسكانِ الدالِ، وهوَ الشيءُ الشديدُ الصَّلبُ، فكأنه أشَدُّ الأعراضِ لُزومًا مِنْ حيثُ أنه لا يَنفكُّ عن النكاحِ ولا يُستباحُ بُضعُ المنكوحةِ إلا بهِ، وفيه لُغاتٌ: صَدَاقٌ وصِداقٌ بفتح الصاد وكسرِها، وصَدُقَةٌ بفَتحِ الصادِ وضَمِّ الدالِ، وصُدُقَةٌ بضَمِّهما (١).
والمَهرُ: صَداقُ المرأةِ، و الجَمعُ: مُهورةٌ، مثلَ بَعلٍ وبُعولةٍ وفَحلٍ وفُحولةٍ، ونُهِيَ عن مَهرِ البغيِّ، أي: عن أُجرَةِ الفاجرةِ، ومَهَرْتُ المَرأةَ مَهْرًا مِنْ بابِ نَفَعَ، أعطَيتُها المَهرَ وأَمْهَرْتُها بالألفِ كَذلكَ، و الثلاثيُّ لُغةُ تَميمٍ وهيَ أكثرُ استعمالًا، ومنهم مَنْ يَقولُ: مَهَرْتُها إذا أعطَيتها المَهرَ
стр. 9336
أو قَطَعْته لها، فهيَ مَمهورةٌ، وأَمْهَرْتُها بالألفِ إذا زوَّجْتها مِنْ رَجلٍ على مَهرٍ فهيَ مُمْهَرةٌ، فعلى هذا يكونُ مَهَرْتُ وأَمْهَرْتُ لاختلافِ معنَيَينِ (١).
أسماءُ الصَّداقِ:
للصَّداقِ أسماءٌ منها: الصَّداقُ والصَّدقةُ والمَهرُ والنِّحْلَةُ والفَريضَةُ والأَجْرُ والعَلائِقُ والعُقْرُ والحِبَاءُ والنكاحُ والطَّولِ، ومنه قولُ الناظمِ:
صَداقٌ ومَهرٌ نِحْلةٌ وفَريضةٌ … حِبَاءٌ وأَجرٌ ثمَّ عُقْرٌ عَلائقُ
وقالَ آخَرُ:
مَهرٌ صَداقٌ نِحْلةٌ فَريضةٌ … طَوْلٌ حِبَاءٌ عُقرُ أَجرٍ عَلائقُ
ويُروى عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «أَدُّوا العَلائقَ، قيلَ: وما العَلائقُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: ما تَراضَى بهِ الأهلونَ» (٢)، وقالَ عمرُ: «لها عُقرُ نِسائِها» (٣).
الصَّداقُ شَرعًا: عرَّفَ الفُقهاءُ الصَّداقَ أو المَهرَ بتَعريفاتٍ.
فعرَّفَهُ الحَنفيةُ بأنه: المالُ الذي يَجبُ في عقدِ النكاحِ على الزوجِ
стр. 9337
في مُقابَلةِ مَنافعِ البضعِ، إمَّا بالتَّسميةِ أو بالعقدِ (١).
وقيلَ: اسمٌ لِمَا تَستحقُّه المرأةُ بعقدِ النكاحِ أو الوطء (٢)؛ لدُخولِ الوطءِ بشُبهةٍ.
وقالَ المالِكيةُ: الصَّداقُ -بفتحِ الصاد وقد تُكسَر- ويُسمَّى مَهرًا أيضًا: وهو ما يُجعَلُ للزَّوجةِ في نَظيرِ الاستِمتاعِ بها (٣).
وعرَّفَه الشافِعيةُ بأنه: ما وَجَبَ بنكاحٍ أو وَطءٍ أو تَفويتِ بُضعٍ قَهرًا كرَضاعٍ ورُجوعِ شُهودٍ، سمِّيَ بذلكَ لإشعارِه بصِدقِ رَغبةِ باذِلِه في النكاحِ الذي هو الأصلُ في إيجابِ المهرِ (٤).
وقالَ الحَنابلةُ: الصَّداقُ: هو العِوضُ المُسمَّى في عقدِ النكاحِ أو بَعدَه لمَن لم يُسمَّ لها فيه وما قامَ مَقامَه (٥).
أو: العِوضُ المُسمَّى في وَطءِ شبهةٍ وزِنًا بأمَةٍ أو مُكرَهةٍ (٦).
حُكمُ ذِكرِ الصَّداقِ في عَقدِ النِّكاحِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ تَسميةَ الصَّداقِ في عَقدِ النكاح مُستحبٌّ وليسَ بواجبٍ، وأنَّ النكاحَ إذا عُقِدَ ولم يُسمَّ فيه صَداقٌ ولم يُتواطَأْ على إخلاءِ النكاحِ منه أنَّ النكاحَ صحيحٌ.
أمَّا دليلُ استحبابِ تَسميةِ الصداقِ في عَقدِ النكاحِ فلِأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُزوِّجُ بناتِه وغيرَهنَّ ويتزوَّجُ فلم يَكنْ يُخلِي ذلكَ مِنْ صَداقٍ، وقالَ للذي زوَّجَه المَوهوبةَ: «اذهَبْ فالْتَمسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ، قالَ: لا واللهِ ولا خاتَمًا مِنْ حَديدٍ» (١)، فزوَّجَه إياها بما معه مِنْ القُرآنِ، ولأنَّه أَقْطَعُ للنزاعِ وللخِلافِ فيه.
وأما كونُ ذِكرِ الصَّداقِ ليسَ شَرطًا في النكاحِ فلِقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأثبَتَ الطَّلاقَ مِنْ غيرِ فَرضٍ، والطلاقُ لا يَقعُ إلا في نكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ اللهَ رفَعَ الجُناحَ عمَّن طلَّق في نكاحٍ لا تَسميةَ فيه، والطلاقُ لا يكونُ إلا بعدَ النكاحِ، فدَلَّ على جوازِ النكاحِ بلا تسميةٍ.
وقولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمُرادُ منه الطلاقُ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيه، بدَليلِ أنه أَوجَبَ المُتعةَ بقولِه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمتعةُ إنما تَجبُ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيه، فدَلَّ على جوازِ النكاحِ مِنْ غيرِ تسميةٍ.
стр. 9342
وعن عُقبةَ بن عامِرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرَجلٍ: «أتَرضَى أنْ أُزوِّجَكَ فُلانةَ؟ قالَ: نعمْ، وقالَ للمَرأةِ: أتَرْضَيْنَ أنْ أُزوِّجَكِ فُلانًا؟ قالَتْ: نعمْ، فزوَّجَ أحَدَهُما صاحِبَه، فدخَلَ بها الرَّجلُ ولم يَفرِضْ لها صدَاقًا ولم يُعْطِها شيئًا، وكانَ ممَّنْ شَهِدَ الحُديبيَةَ، وكانَ مَنْ شَهِدَ الحُديبيةَ له سَهمٌ بخَيبَرَ، فلمَّا حَضَرتْه الوَفاةُ قالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ زوَّجَنِي فُلانةَ ولم أَفرِضْ لها صدَاقًا ولم أُعْطِها شيئًا، وإنِّي أُشهِدُكُم أني أعطَيتُها مِنْ صَداقِها سَهمِي بخَيبَرَ، فأخَذَتْ سَهمًا فباعَتْه بمِائةِ ألفٍ» (١).
ولأنَّ المَقصودَ في النكاحِ أعْيانُ الزوجَينِ دونَ المهرِ، ولهذا يَجبُ ذِكرُ الزوجَين في العقدِ، وإنما العوضُ فيه تَبَعٌ، بخلافِ البيع؛ فإنَّ المَقصودَ فيه العوضُ، ولهذا لا يَجبُ ذِكرُ البائعِ والمُشتري في العقد إذا وقَعَ بينَ وكيلَيْهما.
فإنْ قيلَ: المهرُ واجبٌ شَرعًا، فكيفَ يَصحُّ النكاحُ مع السُّكوتِ عنه؟
أُجيبَ: بأنَّ وُجوبَه ليسَ لصِحةِ النكاحِ، وإنما هو لإبانةِ شَرفِ المَحلِّ؛ فلا يحتاجُ إلى ذِكرِه لصِحةِ النكاحِ.
فإنْ قيلَ: هذه دَعوى، فلا بُدَّ لها مِنْ دليلٍ.
قلنا: دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، حَكَمَ بصحةِ الطلاقِ مع عدمِ التسميةِ،
стр. 9343
ولا يكونُ الطلاقُ إلا في النكاحِ الصحيحِ، فعُلِمَ أنَّ ترْكَ ذِكرِه لا يَمنعُ صحةَ النكاحِ (١).
إذا شُرطَ نَفيُ المَهرِ في النِّكاحِ هل يَصحُّ أم لا؟
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو شُرطَ في عقدِ النكاحِ إسقاطُ المهرِ أو نفيُ المَهرِ أو أنْ لا مهرَ لها، هل يَصحُّ النكاحُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العاقدَينِ لو اشتَرطَا في عقدِ النكاحِ إسقاطَ المَهرِ أو نفيَه أو أنْ لا مهرَ فإنَّ النكاحَ صَحيحٌ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأثبَتَ الطلاقَ مِنْ غيرِ فَرضٍ، والطلاقُ لا يَقعُ إلا في نكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ اللهَ رفَعَ الجُناحَ عمَّن طلَّقَ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، والطلاقُ لا يكونُ إلا بعدَ النكاحِ، فدَلَّ على جَوازِ النكاحِ بلا تَسميةٍ.
وقوله تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ
стр. 9344
قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمُرادُ منه الطلاقُ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيه، بدليلِ أنه أَوجَبَ المُتعةَ بقولِه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمُتعةُ إنما تَجبُ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيه، فدَلَّ على جوازِ النكاحِ مِنْ غيرِ تَسميةٍ.
وعن عَلقَمةَ والأسوَدِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّ رَجلًا أتاهُ فسَألَه عن رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً فماتَ عنها ولم يَدخلْ بها ولم يَفرضْ لها، فلمْ يَقُلْ شَيئًا وردَّدَهُم شَهرًا، ثمَّ قالَ: أقولُ برَأيٍ فإنْ كانَ صَوابًا فمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خطَأً فمِن قِبَلِي، أَرَى لها صَداقَ نِسائِها لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ ولها المِيراثُ، فقامَ فُلانٌ الأشجَعيُّ وقالَ: قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في بِروعَ بنتِ واشِقٍ بمِثلِ ذلكَ، قالَ: ففَرحَ عبدُ اللهِ بذلكَ وكَبَّرَ» (١).
ولأنَّ المَقصودَ في النكاحِ أعْيانُ الزوجَينِ والتَّواصلُ بينَ المتناكحَينِ دونَ المهرِ، ولهذا يَجبُ ذِكْرُ الزوجَينِ في العقدِ، وإنما المهرُ فيه تَبَعٌ، بخِلاف البيعِ الذي مَقصودُه مِلكُ الثمنَ والمثمَّنِ، فبطَلَ النكاحُ بالجَهلِ بالمُتناكحَينِ؛ لأنه مَقصودٌ، ولم يَبطلْ بالجهلِ بالمهرِ؛ لأنه غيرُ مَقصودٍ، كما أنَّ البيعَ يَبطلُ بالجهلِ بالثَّمنِ أو المُثمَّنِ؛ لأنه مَقصودٌ، ولا يَبطلُ بالجهلِ بالمتبايعَينِ؛ لأنه غيرُ مَقصودٍ، فإنَّ المقصودَ فيه العوضُ، ولهذا لا يجبُ ذِكرُ البائعِ والمُشتري في العقد إذا وقَعَ بينَ وكيلَيْهما.
стр. 9345
واتَّفقوا مع ذلكَ إلى أنه يَجبُ لها المهرُ إنْ دخَلَ بها، وإنْ لم يَدخلْ وطلَّقَها فلها المُتعةُ أو نصفُ صَداقِ مثلِها على الخلافِ الآتي في المُفوّضةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ (والإمامُ أحمَدُ في روايةٍ حَكاها شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ) إلى أنهما لو عقَدَا النكاحَ واشتَرطَا إسقاطَ المهرِ بالكُلَّيةِ أو نفيَه فسَدَ النكاحُ، فيُفسخُ قبلَ الدخولِ ويَثبتُ بعدَه بصَداقِ المثلِ؛ لقولِه : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوِله: ﴿فَآتُوهُنَّ
стр. 9346
أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، ولمَا رُويَ عن عليٍّ ﵁ قالَ: لقدْ خُطِبَتْ فاطِمةُ بنتُ النبيِّ ﷺ ، فقالَتْ لي مَولاةٌ: هل عَلِمتَ أنَّ فاطِمةَ تُخطَبُ؟ قُلتُ: لا، أو نعَمْ، قالَتْ: فاخْطُبْها إليهِ، قالَ: قلتُ: وهل عِنْدِي شيءٌ أخطُبُها عليهِ؟ قالَ: فواللهِ ما زالَتْ تُرَجِّيني حتَّى دَخلْتُ عليهِ وكُنَّا نُجِلُّه ونُعظِّمُه، فلمَّا جَلسْتُ بينَ يَدَيهِ أُلجِمْتُ حتى ما استَطَعتُ الكَلامَ، قالَ: هل لكَ مِنْ حاجَةٍ؟ فسَكَتُّ، فقالَها ثلاثَ مرَّاتٍ، قالَ: لعَلَّكَ جِئتَ تَخطُبُ فاطمةَ؟ قلتُ: نعمْ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: هل عِنْدَكَ مِنْ شيءٍ تَستَحِلُّها به؟ قالَ: قلتُ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: فما فعَلْتَ بالدِّرعِ التي كنتُ سَلَّحْتُكَها؟ قالَ عليٌّ: واللهِ إنها لَدِرعٌ حُطَميَّةٌ ما ثَمَنُها إلا أربعُمِائةِ دِرهمٍ، قالَ: اذهَبْ فقدْ زَوَّجتُكَها، وابعَثْ بها إليها فاسْتَحِلَّها به» (١).
قيلَ لابنِ القاسمِ: إنْ قالوا: «أنكَحْناكَ فُلانةَ بلا مَهرٍ»، قالَ: إنْ دخَلَ بها ثبَتَ النكاحُ وكانَ لها صَداقُ المثلِ، وإنْ لم يَدخلْ بها فُرِّقَ بينَهما، وهذا الذي أستَحسِنُ، وقد بلَغَني ذلكَ عن مالكٍ.
وقيلَ: يَفسدُ النكاحُ مُطلقًا، وقيلَ: يَثبتُ النكاحُ مُطلَقًا قبلَ الدخولِ أو بعدَه بصَداقِ المثلِ، وهكذا في كلِّ نكاحٍ فاسدٍ.
وقالَ العَدويُّ ﵀: وفي معنَى إسقاطِه إرسالُها له مالًا على أنْ يدفَعَه لها صَداقًا، فيُفسخُ قبلَ البناءِ ويَثبتُ بعدَه بصَداقِ المثلِ، قالَه تت.
стр. 9347
وأفهَمَ قولُه: «شرَطَا إسقاطَه» أنهما لو سكَتَا عندَ العقدِ أو دخَلَا على التفويضِ باللفظِ أو على تَحكيمِ الغيرِ في بَيانِ قَدْرِه فلا فسادَ، وهو كذلكَ (١).
وما ذهَبَ إليه المالِكيةُ هو ما رجَّحَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ حيثُ قالَ: والذي يَثبتُ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بدونِ فَرضِ المهرِ، أي بدُونِ تقديرِه، لا أنه يَنعقدُ مع نفيِه، بل قد قالَ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لمَّا جَوَّزَ للنبيِّ ﷺ أنْ يَتزوَّجَ بلا مهرٍ فَرَضَ عليهم أنْ لا يتزوَّجُوا بلا مَهرٍ، وكذلكَ دَلَّ عليه القرآنُ في غيرِ مَوضعٍ، فلا بدَّ مِنْ مهرٍ مسمًّى مَفروضٍ أو مَسكوتٍ عن فرضِه (٢).
وقالَ أيضًا: النكاحُ ليسَ بلازمٍ إذا شُرطَ فيه نفيُ المهرِ أو مهرٌ فاسدٌ، فإنَّ اللهَ فرَضَ فيه المهرَ، فلمْ يَحلَّ لغيرِ الرسولِ النكاحُ بلا مهرٍ، فمَن تَزوجَ بشَرطِ ألا يَجبَ مهرٌ فلمْ يَعقدِ النكاحَ الذي أَذِنَ اللهُ فيه، فإنَّ اللهَ إنما أباحَ العقدَ لمَن يَبتغي بماله مُحصِنًا غيرَ مُسافِحٍ كما قال تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]،
стр. 9348
فمَن طلَبَ النكاحَ بلا مهرٍ فلمْ يَفعلْ ما أحَلَّ اللهُ، وهذا بخلافِ مَنْ اعتَقدَ أنْ لا بدَّ مِنْ مهرٍ لكنْ لم يُقدِّرْه كما قالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآيَة، فهذا نكاحُ المهرِ المَعروفِ وهوَ مهرُ المثلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أما حُكمُه -أي الصَّداق- فإنهم اتَّفقوا على أنه شَرطٌ مِنْ شروطِ الصحةِ، وأنه لا يَجوزُ التواطُؤُ على تركِهِ؛ لقولَه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (٢).
هل يَثبتُ المَهرُ بنَفسِ العَقدِ أم لا بُدَّ مِنْ الفَرضِ أو الوَطءِ؟
اختَلفَ الفقهاءُ في المهرِ، هل يَثبتُ بنفسِ العقدِ ويَجبُ؟ أم لا يَثبتُ إلا بالوطءِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في قولٍ إلى أنَّ المهرَ يَجبُ بنفسِ العقدِ حتَّى يثبتَ لها ولايةُ المُطالَبةِ بالتسليمِ، ولو ماتَتِ المرأةُ قبلَ الدخولِ يُؤخَذُ مهرُ المثلِ مِنَ الزوجِ، ولو ماتَ الزوجُ قبلَ الدخولِ تَستحقُّ مهرَ المثلِ مِنْ تَرِكتِه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
стр. 9349
بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أَخبَرَ أنه أحَلَّ ما وراءَ ذلكَ بشَرطِ الابتغاءِ بالمالِ دَلَّ أنه لا جوازَ للنكاحِ بدون المالِ، ولأنَّ الأصلَ في الأبضاعِ والنُّفوسِ هو الحُرمةُ، والإباحةُ تَثبتُ بهذا الشرطِ، فعِند عدمِ الشرطِ تَبقى الحُرمةُ على الأصلِ.
ولأنَّ مِلكَ النكاحِ لم يُشرعْ لعَينِه، بل لمِقاصدَ لا حصولَ لها إلا بالدوامِ على النكاحِ والقَرارِ عليه، ولا يَدومُ إلا بوُجوبِ المهرِ بنَفسِ العقدِ، لِمَا يَجري بينَ الزوجَين مِنْ الأسبابِ التي تَحملُ الزوجَ على الطَّلاقِ مِنْ الوحشةِ والخُشونةِ، فلو لم يَجبِ المهرُ بنفس العقدِ لا يُبالي الزوجُ عن إزالةِ هذا المِلكِ بأدنى خُشونةٍ تَحدثُ بينَهما؛ لأنه لا يَشقُّ عليه إزالتُه لمَّا لم يَخَفْ لُزومَ المهرِ، فلا تَحصلُ المَقاصدُ المَطلوبةُ مِنْ النكاحِ، ولأنَّ مَصالحَ النكاحِ ومَقاصدَه لا تَحصلُ إلا بالمُوافَقةِ، ولا تَحصلُ المُوافقةُ إلا إذا كانَتِ المرأةُ عزيزةً مُكرَّمةً عندَ الزوجِ، ولا عزَّةَ إلا بانسدادِ طريقِ الوصولِ إليها إلا بمالٍ له خَطَرٌ عندَه؛ لأنَّ ما ضاقَ طَريقُ إصابتِه يَعزُّ في الأَعيُنِ فيَعزُّ به إمساكُه، وما يَتيسرَ طريقُ إصابتِه يَهونُ في الأَعيُنِ فيَهونُ إمساكُه، ومتى هانَتْ في أَعيُنِ الزوجِ تَلحقُها الوَحشةُ فلا تقعُ المُوافقةُ فلا تَحصلُ مَقاصدُ النكاحِ، ولأنَّ المِلكَ ثابتٌ في جانبِها إمَّا في نفسِها وإمَّا في المتعةِ، وأحكامُ المِلكِ في الحرَّةِ تُشعرُ بالذُّلِّ والهَوانِ، فلا بدَّ وأنْ يُقابلَه مالٌ له خَطَرٌ؛ لِيَنجبِرَ الذلُّ مِنْ حيثُ المعنى.
стр. 9350
والدليلُ على صحةِ ما قُلنا: أنها إذا طلَبَتِ الفرضَ مِنَ الزوجِ يَجبُ عليه الفرضُ، حتى لو امتَنَعَ فالقاضي يجبِرُه على ذلكَ، ولو لم يَفعلْ نابَ القاضي مَنابَه في الفرضِ، وهذا دليلُ الوجوبِ قبلَ الفرضِ؛ لأنَّ الفرضَ تقديرٌ، ومِنَ المُحالِ وجوبُ تقديرِ ما ليسَ بواجبٍ.
وكذا لها أنْ تَحبسَ نفسَها حتى يُفرضَ لها المهرُ ويُسلَّمَ إليها بعدَ الفرضِ، وذلكَ كلُّه دليلُ الوُجوبِ بنفسِ العقدِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ لا يَجبُ بنفسِ العقدِ؛ لأنه لو وجَبَ لَتنصَّفَ بالطلاقِ قبْلَ الوطءِ، وقد دلَّ القرآنُ أنها لا تَستحِقُّ إلا المتعةَ، ولأنَّ المهرَ حقُّها، فإذا رَضيَتْ بأنْ لا يَثبتَ وجَبَ أنْ لا يَثبتَ، كما أنها إذا رَضِيَتْ بأنْ لا يَبقى لا يَبقى، وليسَ لها أنْ تُطالِبَ بمهرٍ؛ لأنه لم يَجبْ لها بالعقدِ مهرٌ، ولكنْ لها أنْ تُطالِبَ بأنْ يَفرِضَ لها مَهرًا إمِّا بمُراضاةِ الزوجَينِ أو بحُكمِ الحاكِمِ، فيَصيرُ المهرُ بعدَ الفرضِ كالمسمَّى في العقدِ، أو أنْ يَدخلَ الزوجُ بها، فيَجبُ لها بالدخولِ مهرٌ (٢).