أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، ولمَا رُويَ عن عليٍّ ﵁ قالَ: لقدْ خُطِبَتْ فاطِمةُ بنتُ النبيِّ ﷺ ، فقالَتْ لي مَولاةٌ: هل عَلِمتَ أنَّ فاطِمةَ تُخطَبُ؟ قُلتُ: لا، أو نعَمْ، قالَتْ: فاخْطُبْها إليهِ، قالَ: قلتُ: وهل عِنْدِي شيءٌ أخطُبُها عليهِ؟ قالَ: فواللهِ ما زالَتْ تُرَجِّيني حتَّى دَخلْتُ عليهِ وكُنَّا نُجِلُّه ونُعظِّمُه، فلمَّا جَلسْتُ بينَ يَدَيهِ أُلجِمْتُ حتى ما استَطَعتُ الكَلامَ، قالَ: هل لكَ مِنْ حاجَةٍ؟ فسَكَتُّ، فقالَها ثلاثَ مرَّاتٍ، قالَ: لعَلَّكَ جِئتَ تَخطُبُ فاطمةَ؟ قلتُ: نعمْ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: هل عِنْدَكَ مِنْ شيءٍ تَستَحِلُّها به؟ قالَ: قلتُ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: فما فعَلْتَ بالدِّرعِ التي كنتُ سَلَّحْتُكَها؟ قالَ عليٌّ: واللهِ إنها لَدِرعٌ حُطَميَّةٌ ما ثَمَنُها إلا أربعُمِائةِ دِرهمٍ، قالَ: اذهَبْ فقدْ زَوَّجتُكَها، وابعَثْ بها إليها فاسْتَحِلَّها به» (١).
قيلَ لابنِ القاسمِ: إنْ قالوا: «أنكَحْناكَ فُلانةَ بلا مَهرٍ»، قالَ: إنْ دخَلَ بها ثبَتَ النكاحُ وكانَ لها صَداقُ المثلِ، وإنْ لم يَدخلْ بها فُرِّقَ بينَهما، وهذا الذي أستَحسِنُ، وقد بلَغَني ذلكَ عن مالكٍ.
وقيلَ: يَفسدُ النكاحُ مُطلقًا، وقيلَ: يَثبتُ النكاحُ مُطلَقًا قبلَ الدخولِ أو بعدَه بصَداقِ المثلِ، وهكذا في كلِّ نكاحٍ فاسدٍ.
وقالَ العَدويُّ ﵀: وفي معنَى إسقاطِه إرسالُها له مالًا على أنْ يدفَعَه لها صَداقًا، فيُفسخُ قبلَ البناءِ ويَثبتُ بعدَه بصَداقِ المثلِ، قالَه تت.
стр. 9347
وأفهَمَ قولُه: «شرَطَا إسقاطَه» أنهما لو سكَتَا عندَ العقدِ أو دخَلَا على التفويضِ باللفظِ أو على تَحكيمِ الغيرِ في بَيانِ قَدْرِه فلا فسادَ، وهو كذلكَ (١).
وما ذهَبَ إليه المالِكيةُ هو ما رجَّحَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ حيثُ قالَ: والذي يَثبتُ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بدونِ فَرضِ المهرِ، أي بدُونِ تقديرِه، لا أنه يَنعقدُ مع نفيِه، بل قد قالَ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لمَّا جَوَّزَ للنبيِّ ﷺ أنْ يَتزوَّجَ بلا مهرٍ فَرَضَ عليهم أنْ لا يتزوَّجُوا بلا مَهرٍ، وكذلكَ دَلَّ عليه القرآنُ في غيرِ مَوضعٍ، فلا بدَّ مِنْ مهرٍ مسمًّى مَفروضٍ أو مَسكوتٍ عن فرضِه (٢).
وقالَ أيضًا: النكاحُ ليسَ بلازمٍ إذا شُرطَ فيه نفيُ المهرِ أو مهرٌ فاسدٌ، فإنَّ اللهَ فرَضَ فيه المهرَ، فلمْ يَحلَّ لغيرِ الرسولِ النكاحُ بلا مهرٍ، فمَن تَزوجَ بشَرطِ ألا يَجبَ مهرٌ فلمْ يَعقدِ النكاحَ الذي أَذِنَ اللهُ فيه، فإنَّ اللهَ إنما أباحَ العقدَ لمَن يَبتغي بماله مُحصِنًا غيرَ مُسافِحٍ كما قال تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]،
стр. 9348
فمَن طلَبَ النكاحَ بلا مهرٍ فلمْ يَفعلْ ما أحَلَّ اللهُ، وهذا بخلافِ مَنْ اعتَقدَ أنْ لا بدَّ مِنْ مهرٍ لكنْ لم يُقدِّرْه كما قالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآيَة، فهذا نكاحُ المهرِ المَعروفِ وهوَ مهرُ المثلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أما حُكمُه -أي الصَّداق- فإنهم اتَّفقوا على أنه شَرطٌ مِنْ شروطِ الصحةِ، وأنه لا يَجوزُ التواطُؤُ على تركِهِ؛ لقولَه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (٢).
هل يَثبتُ المَهرُ بنَفسِ العَقدِ أم لا بُدَّ مِنْ الفَرضِ أو الوَطءِ؟
اختَلفَ الفقهاءُ في المهرِ، هل يَثبتُ بنفسِ العقدِ ويَجبُ؟ أم لا يَثبتُ إلا بالوطءِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في قولٍ إلى أنَّ المهرَ يَجبُ بنفسِ العقدِ حتَّى يثبتَ لها ولايةُ المُطالَبةِ بالتسليمِ، ولو ماتَتِ المرأةُ قبلَ الدخولِ يُؤخَذُ مهرُ المثلِ مِنَ الزوجِ، ولو ماتَ الزوجُ قبلَ الدخولِ تَستحقُّ مهرَ المثلِ مِنْ تَرِكتِه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
стр. 9349
بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أَخبَرَ أنه أحَلَّ ما وراءَ ذلكَ بشَرطِ الابتغاءِ بالمالِ دَلَّ أنه لا جوازَ للنكاحِ بدون المالِ، ولأنَّ الأصلَ في الأبضاعِ والنُّفوسِ هو الحُرمةُ، والإباحةُ تَثبتُ بهذا الشرطِ، فعِند عدمِ الشرطِ تَبقى الحُرمةُ على الأصلِ.
ولأنَّ مِلكَ النكاحِ لم يُشرعْ لعَينِه، بل لمِقاصدَ لا حصولَ لها إلا بالدوامِ على النكاحِ والقَرارِ عليه، ولا يَدومُ إلا بوُجوبِ المهرِ بنَفسِ العقدِ، لِمَا يَجري بينَ الزوجَين مِنْ الأسبابِ التي تَحملُ الزوجَ على الطَّلاقِ مِنْ الوحشةِ والخُشونةِ، فلو لم يَجبِ المهرُ بنفس العقدِ لا يُبالي الزوجُ عن إزالةِ هذا المِلكِ بأدنى خُشونةٍ تَحدثُ بينَهما؛ لأنه لا يَشقُّ عليه إزالتُه لمَّا لم يَخَفْ لُزومَ المهرِ، فلا تَحصلُ المَقاصدُ المَطلوبةُ مِنْ النكاحِ، ولأنَّ مَصالحَ النكاحِ ومَقاصدَه لا تَحصلُ إلا بالمُوافَقةِ، ولا تَحصلُ المُوافقةُ إلا إذا كانَتِ المرأةُ عزيزةً مُكرَّمةً عندَ الزوجِ، ولا عزَّةَ إلا بانسدادِ طريقِ الوصولِ إليها إلا بمالٍ له خَطَرٌ عندَه؛ لأنَّ ما ضاقَ طَريقُ إصابتِه يَعزُّ في الأَعيُنِ فيَعزُّ به إمساكُه، وما يَتيسرَ طريقُ إصابتِه يَهونُ في الأَعيُنِ فيَهونُ إمساكُه، ومتى هانَتْ في أَعيُنِ الزوجِ تَلحقُها الوَحشةُ فلا تقعُ المُوافقةُ فلا تَحصلُ مَقاصدُ النكاحِ، ولأنَّ المِلكَ ثابتٌ في جانبِها إمَّا في نفسِها وإمَّا في المتعةِ، وأحكامُ المِلكِ في الحرَّةِ تُشعرُ بالذُّلِّ والهَوانِ، فلا بدَّ وأنْ يُقابلَه مالٌ له خَطَرٌ؛ لِيَنجبِرَ الذلُّ مِنْ حيثُ المعنى.
стр. 9350
والدليلُ على صحةِ ما قُلنا: أنها إذا طلَبَتِ الفرضَ مِنَ الزوجِ يَجبُ عليه الفرضُ، حتى لو امتَنَعَ فالقاضي يجبِرُه على ذلكَ، ولو لم يَفعلْ نابَ القاضي مَنابَه في الفرضِ، وهذا دليلُ الوجوبِ قبلَ الفرضِ؛ لأنَّ الفرضَ تقديرٌ، ومِنَ المُحالِ وجوبُ تقديرِ ما ليسَ بواجبٍ.
وكذا لها أنْ تَحبسَ نفسَها حتى يُفرضَ لها المهرُ ويُسلَّمَ إليها بعدَ الفرضِ، وذلكَ كلُّه دليلُ الوُجوبِ بنفسِ العقدِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ لا يَجبُ بنفسِ العقدِ؛ لأنه لو وجَبَ لَتنصَّفَ بالطلاقِ قبْلَ الوطءِ، وقد دلَّ القرآنُ أنها لا تَستحِقُّ إلا المتعةَ، ولأنَّ المهرَ حقُّها، فإذا رَضيَتْ بأنْ لا يَثبتَ وجَبَ أنْ لا يَثبتَ، كما أنها إذا رَضِيَتْ بأنْ لا يَبقى لا يَبقى، وليسَ لها أنْ تُطالِبَ بمهرٍ؛ لأنه لم يَجبْ لها بالعقدِ مهرٌ، ولكنْ لها أنْ تُطالِبَ بأنْ يَفرِضَ لها مَهرًا إمِّا بمُراضاةِ الزوجَينِ أو بحُكمِ الحاكِمِ، فيَصيرُ المهرُ بعدَ الفرضِ كالمسمَّى في العقدِ، أو أنْ يَدخلَ الزوجُ بها، فيَجبُ لها بالدخولِ مهرٌ (٢).
стр. 9351
أقَلُّ المَهرِ وأكثَرُه:
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنه لا حَدَّ لأكثرِ المهرِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠].
قالَ الإمامُ أبو عمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العلماءُ على أنْ لا تَوقيتَ ولا تَحديدَ في أكثرِ الصداقِ، وذكَرَ اللهُ تعالَى الصداقَ في كتابِه ولم يَحُدَّ في أكثرِه ولا في أقلِّه حَدًّا، ولو كانَ الحَدُّ ممَّا يحتاجُ في ذلكَ إليه لبيَّنَه رسولُ اللهِ ﷺ ؛ إذْ هوَ المُبَيِّنُ عنِ اللهِ مرادَه، وقد قالَ ﷺ : «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ»، والحُدودُ لا تَصحُّ إلا بكتابِ اللهِ أو سُنَّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها أو إجماعٍ يَجبُ التسليمُ لهُ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا أكثرُه فلا خلافَ بينَ الفُقهاءِ أنه لا حَدَّ لهُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا أكثَرُ الصداقِ فلا توقيتَ فيه بإجماعِ أهلِ العلمِ، قالَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ.
وقد قالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، ورَوى أبو حفصٍ بإسنادِه أنَّ عُمرَ أَصْدَقَ أمَّ كَلثومٍ ابنةَ عليٍّ أربعينَ ألفًا، وعن عُمرَ
стр. 9352
﵁ أنه قالَ: «خَرَجْتُ وأنا أُريدُ أنْ أَنهى عن كَثرةِ الصَّداقِ، فذَكَرْتُ هذهِ الآيةَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وقالَ أبو صالحٍ: القِنطارُ مائةُ رطلٍ، وقالَ أبو سَعيدٍ الخدريُّ ﵁: مِلءُ مَسْكِ ثَورٍ ذَهبًا، وعنْ مجاهدٍ: سَبعونَ ألفَ مِثقالٍ (١).
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ المُسلمينَ أنه لا حدَّ لأكثرِ الصَّداقِ، واختَلفوا في أقلِّه (٢).
وكذلكَ اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المهرَ إذا كانَ عشرةَ دراهمَ أو ما قيمتُه عَشرةُ دراهمَ فإنَّ المهرَ صحيحٌ.
إلا أنهمُ اختَلفوا في مقدارِ أقلِّ المهرِ، وهل يَصحُّ على أقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ أم لا؟ على ثلاثةِ أقولٍ:
القولُ الأولُ: وهوَ قولُ الحنفيةِ أنه لا مَهرَ أقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ أو ما قِيمتُه عشرةُ دراهمَ يومَ العقدِ لا يومَ القبضِ، فإنْ عقَدَه بأقلَّ مِنْ عَشرةٍ صحَّتِ التسميةُ وكُمِّلَتْ عَشرةً ومُنعَتْ مِنْ مهرِ المثلِ، وإذا فرَضَ لها أقلَّ مِنْ عَشرةِ دراهمَ وطلَّقَها قبلَ الدخولِ وجَبَ لها خَمسةُ دراهمَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا يَدلُّ على أنَّ ما لا يُسمَّى أموالًا لا يكونُ مهرًا، وإنَّ شرْطَه أنْ يُسمَّى أموالًا، هذا
стр. 9353
مُقتضى الآيةِ وظاهرُها، ومَن كانَ له دِرهمٌ أو درهمانِ لا يُقالُ عندَه أموالٌ، فلم يَصحَّ أنْ يكونَ مهرًا بمُقتضى الظاهرِ.
فإنْ قيلَ: ومَن عندَه عَشرةُ دراهمَ لا يقالُ عندَه أموالٌ وقد أجزَأَها مهرًا؟
قيلَ له: كذلكَ يَقتضي الظاهرُ، لكنْ أجزْنَاها بالاتفاقِ، وجائزٌ تَخصيصُ الآيةِ بالإجماعِ، وأيضًا قد رَوى حَرامُ بنُ عُثمانَ عن ابنَي جابرٍ عن أبيهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا مهرَ أقلَّ مِنْ عَشرةِ دراهمَ» (١).
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: «لا مهرَ أقلَّ مِنْ عَشرةِ دَراهمَ» (٢)، ولا سَبيلَ إلى مَعرفةِ هذا الضربِ مِنْ المَقاديرِ التي هيَ حقوقُ اللهِ تعالَى مِنْ طريقِ الاجتهادِ والرأيِ، وإنما طريقُها التوقيفُ أو الاتفاقُ، وتقديرُه العشرةَ مَهرًا دونَ ما هوَ أقَلُّ منها يَدلُّ على أنه قالَه تَوقيفًا، ولأنَّ المهرَ حقُّ اللهِ تعالَى، ولهذا لا يَملكُ نفيَه، فيكونُ تقديرُه إلى اللهِ تعالَى كسائرِ حُقوقِه كالصلاةِ والزكاةِ والحَجِّ والصومِ.
ولأنَّ البُضعَ عضوٌ لا تَجوزُ استباحتُه إلا بمالٍ، فأشبَهَ القطعَ في السرقةِ، فلمَّا كانَتِ اليدُ عُضوًا لا تَجوزُ استِباحتُه إلا بمالٍ وكانَ المِقدارُ الذي يُستباحُ به عَشرةً على أصلِهم فكذلكَ المهرُ يُعتبَرُ به.
стр. 9354
وأيضًا لمَّا اتفقَ الجَميعُ على أنه لا يجوزُ استباحةُ البُضعِ بغيرِ بَدلٍ واختَلفوا فيما تَجوزُ استباحتُه به مِنْ المِقدارِ وجَبَ أنْ يكونَ باقيًا على الحَظرِ في مَنعِ استباحتِه إلَّا بما قامَ دَليلُ جوازِه وهوَ العَشرةُ المتفَقُ عليها، وما دونَها مُختلَفٌ فيه فالبُضعُ باقٍ على حُكمِ الحَظرِ.
وأيضًا لمَّا لم تَجُزِ استباحتُه إلا ببَدلٍ كانَ الواجبُ أنْ يكونَ البدلُ الذي به يَصحُّ قيمةُ البُضعِ هوَ مهرَ المثلِ وأنْ لا يُحَطَّ عنه شيءٌ إلا بدَلالةٍ، ألَا ترَى أنه لو تَزوجَها على غير مهرٍ لَكانَ الواجبَ لها مَهرُ مثلِها، وفي ذلكَ دليلٌ على أنَّ عقْدَ النكاحِ يُوجِبُ مهرَ المثلِ، فغيرُ جائزٍ إسقاطُ شيءٍ مِنْ مُوجَبِه إلا بدَلالةٍ، وقد قامَتْ دَلالةُ الإجماعِ على جوازِ إسقاطِ ما زادَ على العشرةِ، واختَلفوا فيما دونَه أنْ يكونَ واجبًا بإيجابِ العقدِ له إذا لم تَقُمِ الدلالةُ على إسقاطِه.
ولأنَّ المهرَ شَرطٌ في النكاحِ ولم يُشرَعْ بدونِه؛ إظهارًا لشَرفِ المحَلِّ وخَطرِه، ولو صَلحَ الفِلسُ وأمثالُه ممَّا ليسَ بخَطيرٍ مهرًا لم يَظهرْ خطرُه ولَجازَ بدونِ المهرِ؛ إذْ ذلكَ القدرُ وُجودُه كعدمِه.
وعلى هذا إذا كانَ المهرُ أقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ يُكمَّلُ لها عَشرةً عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يوسفَ ومُحمدٍ إذا دخَلَ بها أو ماتَ عنها؛ لأنه لمَّا كانَ أدنَى المِقدارِ الذي يَصلحُ مهرًا في الشرعِ هو العشرةَ كانَ ذِكْرُ بعضِ العَشرةِ ذِكرًا للكُلِّ؛ لأنَّ العشرةَ في كونها مَهرًا لا يتجزَّأُ، وذِكرُ البعضِ فيما لا يَتبعَّضُ يكونُ ذِكرًا لكُلِّه كما في الطلاقِ والعفوِ عن القصاصِ.
стр. 9355
والتسميةُ إنما تَفسدُ إذا لم يَكنِ المسمَّى مالًا أو كانَ مَجهولًا، وههُنا المسمَّى مالٌ وإنْ قلَّ فهوَ مَعلومٌ، إلا أنه لا يَصلحُ مهرًا بنفسِه إلا بغيرِه، فكانَ ذِكرُه ذِكرًا لِمَا هو الأَدنى مِنْ المُصلحِ بنَفسِه، وفيه تَصحيحُ تصرِّفِه بالقَدرِ الممكِنِ، فكانَ أَولى مِنْ إلحاقِه بالعَدمِ، وفيه أخذٌ باليقينِ أيضًا، فكانَ أحَقَّ، بخلافِ ما إذا ذكَرَ خَمرًا أو خِنزيرًا؛ لأنَّ المُسمَّى ليسَ بمالٍ، فلمْ يَصلحْ مَهرًا بنفسِه ولا بغيرِه، ففسَدَتِ التسميةُ، فوجَبَ المُوجَبُ الأصليُّ وهو مهرُ المثلِ.
وقالَ زفرُ: إذا سَمَّى لها أقلَّ من عَشرةِ دراهمَ فسَدَتِ التسميةُ ووجَبَ لها مهرُ المثلِ؛ لأنَّ تَسميةَ ما لا يَصلحُ مهرًا كانعدامِه، كما لو سمَّى خَمرًا أو خنزيرًا.
ولو طلَّقَها قبلَ الدخولِ بها وسَمَّى لها أقلَّ مِنْ عَشرةِ دراهمَ تَجبُ خمسةٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يوسفَ ومُحمدٍ، وعندَ زُفرَ تَجبُ المُتعةُ كما إذا لم يُسمِّ شَيئًا.
وإذا تزوَّجَها على ثَوبٍ يُساوي عشرةَ دَراهمَ فلمْ تَقبضْه حتى صارَ يُساوي خمسةً فالعقدُ صَحيحٌ ولها الثوبُ لا غيرَ؛ لِمَا بيَّنَّا أنَّ المُعتبَرَ القيمةُ يومَ العقدِ.
ولو تَزوَّجَها على ثَوبٍ يُساوي ثمانيةً فلمْ تَقبضْه حتى صارَ يُساوي عشرةً فلها الثوبُ ودِرهمانِ (١).
стр. 9356
القولُ الثاني: وهو مَذهبُ المالِكيةِ وهوَ أنَّ أقلَّ المهرِ رُبعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دَراهمَ، وهو ما تُقطَعُ فيه اليدُ، أو قيمةُ ذلكَ مِنَ العروضِ التي يَجوزُ مِلْكُها؛ لأنَّ البضعَ عضوٌ مُستباحٌ ببَدلٍ مِنَ المالِ، فلا بدَّ أنْ يكونَ مُقدَّرًا؛ قِياسًا على قطعِ اليدِ.
ولأنَّ اللهَ لمَّا شرَطَ عدمَ الطَّوْلِ في نكاحِ الإماءِ وأباحَه لمَن لمْ يَجِدْ طَولًا دَلَّ على أنَّ الطَّولَ لا يَجدُه كلُّ الناسِ، ولو كانَ الفِلْسُ والدَّانِقُ والقَبضةُ مِنَ الشعيرِ ونحوُ ذلك طَوْلًا لَمَا عَدِمَه أحدٌ، ومَعلومٌ أنَّ الطَّولَ في هذه الآيةِ المالُ، ولا يَقعُ اسمُ مالٍ على أقلَّ مِنْ ثلاثةِ دراهمَ، فوجَبَ أنْ يُمنَعَ مِنْ استباحةِ الفُروجِ باليسيرِ الذي لا يكونُ طَولًا.
ولأنَّ المهرَ في النكاحِ حقٌّ للهِ تعالىِ؛ بدليلِ أنهما إذا تراضَيَا على إسقاطِه لم يَجُزْ، فإذا ثبَتَ ذلكَ وجَبَ أنْ يكونَ مُقدَّرًا كالزكواتِ والكفَّاراتِ.
فإذا نقَصَ المهرُ عن ثلاثةِ دراهمَ أو رُبعِ دينارٍ أو ما قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ يومَ العقدِ فسَدَ النكاحُ إنْ لم يُتمَّه، فإنْ أتَمَّه ثلاثةَ دراهمَ لم يَفسدْ وإلا فسَدَ، فهو مُخيَّرٌ قبلَ الدخولِ بينَ إتمامِ الصَّداقِ ثلاثةَ دراهمَ أو الفسخِ، فإنْ لم يُتمَّه فُسِخَ، وإنْ لم يُتمَّه وفُسِخَ قبلَ الدخولِ فلَها نصفُه.
стр. 9357
فإنْ دخَلَ بالزوجةِ فلا يُفسَخُ النكاحُ؛ للاختلافِ فيهِ، ووجَبَ إتمامُه ربعَ دينارٍ أو ثلاثةَ دراهمَ، ولا يَلزمُه صداقُ المثلِ (١).
القولُ الثالثُ: وهوَ قولُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وابنِ عبدِ البَرِّ مِنْ المالِكيةِ أنه لا حَدَّ لأقلِّ المهرِ، فيَصحُّ بكلِّ مُتموَّلٍ ولو قَلَّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي هذه الآيةِ دَليلانِ:
أحَدُهما عامٌّ: وهو قولُه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فكانَ على عُمومِه مِنْ قليلٍ أو كثيرٍ.
والثاني خاصٌّ: وهو أنه إذا فرَضَ لها خمسةَ دَراهمَ وطلَّقَها قبلَ الدخولِ اقتَضى أنْ يَجبَ لها دِرهمانِ ونصفٌ.
ولمَا رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «أدُّوا العَلائِقَ، قيلَ: وما العَلائقُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ما تَراضَى بهِ الأَهلُونَ» (٢)، فكانَ على عُمومِه فيما تَراضَوا به مِنْ قليلٍ وكثيرٍ.
стр. 9358
ولأنَّ قولَ اللهِ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَدخلُ فيه القليلُ والكثيرُ، ولأنه بَدلُ مَنفعتِها، فجازَ ما تراضَيَا عليه مِنَ المالِ كالعشرةِ.
ورويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَنْ استَحلَّ بدَرهمٍ فقدِ استَحلَّ» (١)، يعني فقدِ استَحلَّ بالدَّرهمِ.
وعن جَابرِ بنِ عبد اللهِ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أعطَى في صَداقِ امرَأةٍ مِلءَ كَفَّيهِ سَويقًا أو تَمرًا فقدِ استَحلَّ» (٢).
ورَوى عاصمُ بنُ عبيدِ اللهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ رَبيعةَ عن أبيه: «أنَّ امرأةً من بَني فَزارةَ تَزوَّجَتْ على نَعلَيْنِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَرَضِيتِ مِنْ نَفسِكِ ومالِكِ بنَعلَينِ؟ قالَتْ: نعمْ، قالَ: فأجازَهُ» (٣).
ورَوى أبو حازمٍ عن سَهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لرَجلٍ خَطَبَ منه المرأةَ التي بذَلَتْ نفسَها له: «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (٤)، والخاتمُ مِنَ الحَديدِ أقلُّ الجَواهرِ قيمةً، فدَلَّ على جَوازِ القليلِ مِنْ المهرِ.
стр. 9359
وروَى يونسُ بنُ بكيرٍ عن صالحِ بنِ مُسلمِ بنِ رُومانَ عن أبي الزُّبيرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لو أنَّ رَجُلًا أعطَى امرَأةً صَداقًا مِلءَ يَدَيهِ طَعامًا كانَتْ له حَلالًا» (١).
ورَوى قَتادةُ عن عبدِ اللهِ بنِ المُؤملِ عن جابرٍ ﵁ قالَ: «إنْ كُنَّا لَنَنكِحُ المَرأةَ على الحَفنةِ والحَفنتَينِ مِنْ الدَّقيقِ» (٢).
وعن أنسٍ ﵁ قال: قَدمَ عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ المَدينةَ فآخَى النبيُّ ﷺ بيْنَه وبينَ سَعدِ بنِ الرَّبيعِ الأنصاريِّ فعرَضَ عليهِ أنْ يُناصِفَه أهْلَه ومالَهُ، فقالَ عبدُ الرحمنِ: بارَكَ اللهُ لكَ في أهلِكَ ومالِكَ، دُلَّني على السُّوقِ، فرَبحَ شَيئًا مِنْ أقِطٍ وسَمنٍ، فرَآهُ النبيُّ ﷺ بعدَ أيَّامٍ وعليهِ وضَرٌ مِنْ صُفْرةٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : مَهْيَمْ يا عبدَ الرحمنِ؟ قالَ: يا رسولَ اللهِ تَزوَّجْتُ امرَأةً مِنْ الأنصارِ، قالَ: فما سُقْتَ فيها؟ فقالَ: وَزْنَ نَواةٍ مِنْ ذهَبٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : أَولِمْ ولو بشَاةٍ» (٣)، وهذهِ كلُّها نُصوصٌ لا يَجوزُ خِلافُها.
ويَدلُّ عليه مِنْ طريقِ القياسِ: هو أنَّ كلَّ ما صَلحَ أنْ يكونَ ثمَنًا صلحَ أنْ يكونَ مَهرًا كالعشرةِ، ولأنه عَقدٌ ثبَتَ فيه العشرةُ عِوضًا فصَحَّ
стр. 9360
أنْ يَثبتَ دونُها عوضًا كالبيعِ، ولأنه عِوضٌ على إحدَى مَنفعتَيها، فلمْ يَتقدَّرْ؛ قياسًا على أُجرةِ مَنافعِها، ولأنَّ ما يُقابِلُ البضعَ مِنَ البدلِ لا يَتقدَّرُ في الشرعِ كالخُلعِ، ولأنَّ كلَّ عِوضٍ لا يتقدَّرُ أكثرُه لا يتقدَّرُ أقلُّه؛ قياسًا على جَميعِ الأعواضِ.
فإذا ثبَتَ أنَّ أقلَّ المهرِ وأكثرَه غيرُ مُقدَّرٍ فهوَ معتَبَرٌ بما تَراضَى عليه الزوجانِ مِنْ قليلٍ وكَثيرٍ، وسواءٌ كانَ أكثرَ مِنْ مهرِ المثلِ أو أقلَّ إذا كانَتِ الزوجةُ جائزةَ الأمرِ، فإنْ كانَتْ صغيرةً زوَّجَها أبوها لم يَجُزْ أنْ يزوِّجَها بأقلَّ مِنْ مهرِ مثلِها؛ لأنه مُعاوِضٌ في حقِّ غيرِه، فرُوعيَ فيهِ عوضُ المثلِ كما يُراعَى في بيعِه لِمَا لها ثَمنُ المثلِ وإنْ لم يُراعِ ذلكَ في بيعِها لنَفسِها.
والأَولى أنْ يَعدِلَ الزوجانِ عن التناهي في الزيادةِ التي يَقصرُ العمرُ عنها، وعن التناهي في النُّقصانِ الذي لا يكونُ له في النُّفوسِ مَوقِعٌ، وخيرُ الأمورِ أَوسَاطُها، وأنْ يُقتدَى برَسولِ اللهِ ﷺ في مهورِ نِسائِه؛ طَلبًا للبركةِ في مُوافَقتِه، وهو خَمسمائةُ درهمٍ على ما رَوتْهُ السيدةُ عائشةُ ﵂، وقد جَعَلَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ مُهورَ الشَّريفاتِ مِنْ نِساءِ قومِه أربعةَ آلافِ درهمٍ؛ اقتِداءً بصَداقِ أمِّ حَبيبةَ.
وقد رَوى مُجاهدٌ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «خَيرُهنَّ أَيسَرُهنَّ صَداقًا» (١).
стр. 9361
وعن عائِشةَ ﵂ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «أَعظَمُ النِّساءِ بَركةً أَيسَرُهنَّ مُؤنةً» (١).
وعن أبي العَجفاءِ قال: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «لا تُغَالُوا صَداقَ النِّساءِ؛ فإنها لو كانَتْ مَكرُمةً في الدُّنيا أو تَقوًى عندَ اللَّهِ كانَ أَولاكُم وأحَقَّكم بها مُحمدٌ ﷺ ، ما أَصْدَقَ امرَأةً مِنْ نِسائِه ولا أُصدِقَتِ امرأةٌ مِنْ بَناتِه أكثَرَ مِنْ اثنَتَي عَشرةَ أُوقِيَّةً، وإنَّ الرَّجلَ لَيُثقِّلُ صَدَقةَ امرأتِه حتى يَكونَ لها عَداوةٌ في نَفسِه، ويَقولُ: قد كَلِفْتُ إليكِ عَلَقَ القِرْبةِ أو عَرَقَ القِرْبةِ، وكنتُ رَجُلًا عَربيًّا مَوْلِدًا ما أدري ما عَلَقُ القِربةِ أو عَرَقُ القِربةِ» (٢).
ولأنه إذا كَثُرَ ربُّما تَعذَّرَ عليه، فيَتعرَّضُ للضرِّ في الدنيا والآخِرةِ (٣).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قولُه ﷺ : «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ» يَدلُّ على أنْ لا تَحديدَ في مَبلغِ الصَّداقِ، وقد أجمَعُوا أنْ لا حَدَّ ولا تَوقيتَ في أكثرِه، فكذلكَ لا حَدَّ في أقلِّه ولا توقيتَ (٤).
стр. 9362
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا قَدْرُه فإنهمُ اتَّفقوا على أنَّه ليسَ لأكثرِه حَدٌّ.
واختَلفوا في أقلِّه، فقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وفقهاءُ المَدينةِ مِنَ التابعينَ: ليسَ لأقلِّه حَدٌّ، وكُلُّ ما جازَ أنْ يكونَ ثَمنًا وقِيمةً لشيءٍ جازَ أنْ يكونَ صَداقًا، وبه قالَ ابنُ وَهبٍ مِنْ أصحاب مالكٍ.
وقالَتْ طائفةٌ بوُجوبِ تَحديدِ أقلِّه، وهؤلاءِ اختَلفوا، فالمشهورُ في ذلكَ مَذهَبانِ: أحَدُهما: مَذهبُ مالكٍ وأصحابِه، والثاني: مَذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه.
فأما مالكٌ فقالَ: أقلُّه رُبعُ دينارٍ مِنَ الذهبِ أو ثلاثةُ دراهمَ كَيلًا مِنْ فضةٍ أو ما يُساوي الدراهمَ الثلاثةَ، أعني: دراهمَ الكَيلِ فقطْ في المَشهورِ، وقيلَ: أو ما يُساوي أحَدَهما، وقالَ أبو حَنيفةَ: عَشرةُ دَراهمَ أقلُّه، وقيلَ: خَمسةُ دراهمَ، وقيلَ: أربعونَ درهمًا.
وسَببُ اختلافِهم في التقديرِ سَببانِ:
أحَدُهما: تَردُّدُه بينَ أنْ يكونَ عِوضًا مِنْ الأعواضِ يُعتبَرُ فيه التَّراضي بالقليلِ كانَ أو بالكثيرِ كالحالِ في البُيوعاتِ، وبينَ أنْ يكونَ عبادةً فيكونُ مُؤقَّتًا، وذلكَ أنه مِنْ جِهةِ أنه يَملِكُ به على المَرأةِ مَنافعَها على الدوام يُشبِهُ العوضَ، ومِن جهةِ أنه لا يَجوزُ التراضي على إسقاطِه يُشبِهُ العبادةَ.
والسببُ الثاني: مُعارَضةُ هذا القياس، فالمُقتضى التَّحديدُ لمَفهومِ الأثرِ الذي لا يَقتضيَ التحديدَ.
стр. 9363
أما القياسُ الذي يَقتضي التحديدَ فهو كما قُلنا: إنه عِبادةٌ والعِباداتُ مُؤقتةٌ.
وأمَّا الأثَرُ الذي يَقتضي مَفهومُه عدمَ التحديدِ: فحديثُ سهلِ بنِ سَعدٍ الساعديِّ المُتفَقِ على صحتِه، وفيه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جاءَتْه امرأةٌ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ إني قد وهَبْتُ نفسِي لكَ، فقامَتْ قيامًا طويلًا فقامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ زَوِّجْنيها إنْ لم يَكنْ لكَ بها حاجةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : هل معكَ مِنْ شيءٍ تُصْدِقُها إيَّاه؟ فقالَ: ما عندِي إلا إزارِي، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنْ أعطَيتَها إياه جلَسْتَ لا إزارَ لكَ فالتمِسْ شَيئًا، فقالَ: لا أجِدُ شَيئًا، فقالَ ﵊: التمِسْ ولو خاتمًا مِنْ حديدٍ، فالتمَسَ فلم يَجدْ شَيئًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : هل معكَ شيءٌ مِنَ القرآنِ؟ قالَ: نعم سُورةُ كذا وسورةُ كذا، لسُوَرٍ سمَّاها، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : قد أنكَحْتُكَها بما معكَ مِنَ القرآن».
قالوا: فقولُه ﵊: «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حديدٍ» دليلٌ على أنه لا قَدْرَ لأقلِّه؛ لأنه لو كانَ له قَدرٌ لَبيَّنَه؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وهذا الاستدلالُ بيِّنٌ كما ترَى، مع أنَّ القياسَ الذي اعتَمدَه القائلونَ بالتحديدِ ليسَ تَسلَمُ مُقدِّماتُه، وذلك أنه انبَنَى على مقدِّمتَينِ:
إحدَاهُما: أنَّ الصداقَ عِبادةٌ، والثانيةُ: أنَّ العبادةَ مُؤقتةٌ.
وفي كِليهما نزاعٌ للخصمِ، وذلكَ أنه قد يُلفَى في الشرعِ مِنَ العباداتِ ما ليسَتْ مُؤقتةً، بل الواجِبُ فيها هو أقلُّ ما يَنطلِقُ عليه الاسمُ.
стр. 9364
وأيضًا فإنه ليسَ فيه شَبَهُ العباداتِ خالصًا، وإنما صارَ المُرجِّحونَ لهذا القياسِ على مَفهومِ الأثَرِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ذلكَ الأثرُ خاصًّا بذلكَ الرَّجلِ؛ لقولِه فيهِ: «قد أَنكَحْتُكَها بما معكَ مِنَ القرآنِ»، وهذا خِلافٌ للأصولِ، وإنْ كانَ قد جاءَ في بعضِ رِواياته أنه قالَ: «قُم فعَلِّمْها» لمَّا ذَكَرَ أنه معه مِنَ القرآنِ فقامَ فعَلَّمَها، فَجاءَ نكاحًا بإجارةٍ، لكنْ لمَّا التَمَسوا أصلًا يَقيسونَ عليهِ قَدْرَ الصداقِ لم يَجِدوا شَيئًا أقرَبَ شَبَهًا به مِنْ نصابِ القَطعِ على بُعْدِ ما بينَهما، وذلكَ أنَّ القياسَ الذي استَعمَلوه في ذلكَ هو أنهم قالُوا: عضوٌ مُستباحٌ بمالٍ فوجَبَ أنْ يكونَ مُقدَّرًا أصلُه القطعُ، وضَعفُ هذا القياسِ هو مِنْ قِبَلِ الاستباحةِ فيهما هيَ مَقولةٌ باشتِراكِ الاسمِ، وذلكَ أنَّ القطعَ غيرُ الوطءِ، وأيضًا فإنَّ القطعَ استباحةٌ على جهةِ العُقوبةِ والأذى ونَقصُ خِلقةٍ، وهذا استباحةٌ على جهة اللَّذةِ والمودَّةِ، ومَن شأنُه قياسُ الشَّبَهِ على ضَعْفِه أنْ يكونَ الذي به تَشابَه الفرعُ والأصلُ شَيئًا واحدًا لا باللفظِ بل بالمَعنى، وأنْ يكونَ الحكمُ إنَّما وُجِدَ للأصلِ مِنْ جهةَ الشَّبهِ، وهذا كلُّه مَعدومٌ في هذا القياسِ، ومعَ هذا فإنه مِنَ الشَّبَهِ الذي لم يُنَبِّه عليه اللفظُ، وهذا النوعُ مِنَ القياسِ مردودٌ عندَ المحقِّقِينَ، لكنْ لم يَستعمِلوا هذا القياسَ في إثباتِ التحديدِ المُقابلِ لمَفهومِ الحديثِ؛ إذ هو في غايَةِ الضعفِ، وإنما استَعمَلوه في تَعيينِ قَدْرِ التحديدِ.
وأمَّا القياسُ الذي استَعمَلوه في مُعارَضةِ مَفهومِ الحديثِ فهو أَقوى مِنْ
стр. 9365
هذا، ويَشهدُ لعَدمِ التحديدِ ما خرَّجه الترمذيُّ: «أنَّ امرأةً تزوَّجَت على نعلَينِ، فقالَ لها رسولُ اللهِ ﷺ : أَرَضِيتِ مِنْ نفسِك ومالِكِ بنعلَين؟ فقالَتْ: نَعمْ، فجوَّزَ نكاحَها» وقال: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ولمَّا اتفقَ القائلونَ بالتحديدِ على قياسِه على نِصابِ السرقةِ، اختَلفوا في ذلكَ بحَسبِ اختلافِهم في نصابِ السرقةِ، فقالَ مالكٌ: هوَ ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهمَ؛ لأنه النصابُ في السرقةِ عندَه، وقالَ أبو حنيفةَ: هو عَشرةُ دراهمَ؛ لأنه النصابُ في السرقةِ عندَه، وقالَ ابنُ شُبرمةَ: هوَ خمسةُ دَراهمَ؛ لأنه النصابُ عندَه أيضًا في السرقةِ.
وقدِ احتَجَّتِ الحَنفيةُ لكَونِ الصداقِ محدَّدًا بهذا القَدْرِ بحديثٍ يَروُونَه عن جابرٍ عنِ النبيِّ ﵊ أنه قالَ: «لا مهرَ بأقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ»، ولو كانَ ثابتًا لَكانَ رافعًا لمَوضِعِ الخِلافِ؛ لأنه كانَ يَجبُ لمَوضِعِ هذا الحديثِ أنْ يُحمَلَ حديثُ سَهلِ بنِ سعدٍ على الخُصوصِ، لكنَّ حديثَ جابرٍ هذا ضَعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ؛ فإنه يَرويهِ: قالَ مُبشِّرُ بنُ عُبيدٍ عنِ الحجَّاجِ بنِ أَرطَاة عن عطاءٍ عن جابرٍ، ومُبشِّرٌ والحجَّاجُ ضَعيفانِ، وعطاءٌ أيضًا لم يَلْقَ جابرًا، ولذلكَ لا يُمكِنُ أنْ يقالَ: إنَّ هذا الحديثَ مُعارِضٌ لحَديثِ سهلِ بنِ سَعدٍ (١).
стр. 9366
التَّزويجُ على غيرِ مالٍ كتَعليمِ القُرآنِ:
اختَلفَ الفقهاءُ في الزواجِ على تَعليمِ القرآنِ، هل يَصحُّ أنْ يكونَ تَعليمُ القرآنِ مهرًا أم لا؟ بأنْ يَتزوَّجَ الرجلُ على أنْ يُعلِّمَ زوْجتَه القرآنَ أو جزءًا منه مَعلومًا، على قولَينِ:
القولُ الأولُ: أنه لا يَصحُّ أنْ يكونَ المهرُ تعليمَ شيءٍ مِنْ القرآنِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قولٍ والحَنابلةِ في المَذهبِ، بل يُشترطُ أنْ يكونَ المهرُ مالًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، شرَطَ أنْ يكونَ المهرُ مالًا، فما لا يكونُ مالًا لا يَكونُ مهرًا، فلا تصحُّ تَسميتُه مهرًا، وقَوله تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أمَرَ بتَنْصيفِ المَفروضِ في الطلاقِ قبلَ الدخولِ، فيَقتضي كونَ المَفروضِ مُحتمِلًا للتَّنصيفِ وهوَ المالُ.
وأمَّا ما رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ أنه زَوَّجَ الرجلَ على تعليمِ سورةٍ مِنَ القرآنِ وغَيره كما في حديثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ قالَ: «أتَتِ النبيَّ ﷺ امرَأةٌ فقالَت إنها قد وهَبَتْ نفسَها للهِ ولرَسولِه ﷺ فقالَ: ما لي في النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فقالَ رَجلٌ: زَوِّجنِيها، قالَ: أعْطِها ثَوبًا، قالَ: لا أجِدُ، قالَ: أعْطِها ولو خاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فاعْتَلَّ له، فقالَ: ما معَكَ مِنَ القُرآنِ؟ قالَ: كذا وكذا، قالَ: فقدْ زَوَّجتُكَها بما معكَ مِنْ القرآنِ» (١)، فإنه لا يَصحُّ مَهرًا مِنْ وجوهٍ:
стр. 9367
أحَدُها: أنه في حَدِّ الآحادِ، ولا يُتركُ نصُّ الكتابِ بخبَرِ الواحدِ، معَ ما أنَّ ظاهرَه مَتروكٌ؛ لأنَّ السورةَ مِنَ القرآنِ لا تكونُ مهرًا بالإجماعِ.
والثاني: أنَّ تعليمَ القرآنِ فَرضٌ على الكفايةِ، فكُلُّ مَنْ علَّمَ إنسانًا شيئًا مِنَ القرآنِ فإنما قامَ بفرضٍ، وقد رَوى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «بلِّغُوا عنِّي ولو آيَةً»، فكيفَ يَجوزُ أنْ يُجعلَ عوضًا للبضعِ؟ ولو جازَ ذلكَ لَجازَ التزويجُ على تعليمِ الإسلامِ، وهذا باطلٌ؛ لأنَّ ما أَوجَبَ اللهُ تعالَى على الإنسانِ فِعلَه فهو متى فعَلَه فعَلَه فَرضًا، فلا يَستحقُّ أنْ يَأخذَ عليه شيئًا مِنْ أعراضِ الدنيا، ولو جازَ ذلكَ لَجازَ للحكَّامِ أخذُ الرِّشى على الحُكمِ، وقد جعَلَ اللهُ ذلكَ سُحتًا مُحرَّمًا.
والثالثُ: أنَّ معنى الحديثِ «قد زَوَّجْتُكَها لِمَا معكَ مِنَ القرآنِ» أي: بسَببِ ما معكَ مِنَ القُرآنِ وبحُرمتِه وبركتِه، لا أنَّه كانَ ذلكَ النكاحُ بغيرِ تسميةِ مالٍ.
والرابعُ: كونُ القرآنِ معه لا يُوجِبُ أنْ يكونَ بَدلًا، والتعليمُ ليسَ له ذِكرٌ في هذا الخبَرِ، فإنه لم يَقُلْ له: «قد زَوَّجْتُكَها على أنْ تُعَلِّمَها القرآنَ»، فعَلِمْنا أنَّ مُرادَه «أني زَوَّجتُكَ تَعظيمًا للقُرآنِ ولأجْلِ ما معكَ مِنَ القرآنِ»، وهو كما روى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طَلحةَ عن أنسٍ قالَ: «خَطَبَ أبو طَلحةَ أمَّ سليمٍ فقالَتْ: إني آمَنْتُ بهذا الرَّجلِ وشَهِدتُ أنه رَسولُ اللهِ، فإنْ تابَعْتَني تَزوَّجْتُك، قالَ: فأنا على ما أنتِ عليه، فتَزوَّجَتْه، فكانَ صَداقَها
стр. 9368
الإسلامُ»، ومعناهُ أنها تزَوَّجَتْه لأجْلِ إسلامِه؛ لأنَّ الإسلامَ لا يكونُ صَداقًا لأحَدٍ في الحقيقةِ.
والخامسُ: أنه جائزٌ أنْ يكونَ أمَرَه بتَعليمِها القرآنَ ويكونُ المهرُ ثابتًا في ذمَّته؛ إذْ لم يقلْ: إنَّ تعليمَ القرآنِ مهرٌ لها.
والسادسُ: أنه خاصٌّ للنبيِّ ﷺ لا يَجوزُ لغيرِه، وذلك أنَّ اللهَ أباحَ لرَسولِه ﷺ مِلكَ البُضعِ بغيرِ صَداقٍ، ولم يَجعلْ ذلكَ لأحدٍ غيرِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فكانَ له ﵇ ممَّا خصَّه اللهُ مِنْ ذلكَ أنْ يُمَلِّكَ غيرَه ما كانَ له مِلكُه بغيرِ صداقٍ، فيكونُ ذلك خاصًّا له، والدليلُ على صحةِ ذلكَ أنها قالَتْ لرَسولِ الله ﷺ : «قد وَهبْتُ نفسي لكَ، فقامَ الرَّجلُ فقالَ: إنْ لم يَكنْ لكَ بها حاجَةٌ فزَوِّجْنِيها»، ولم يُذكرْ في الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ شاوَرَها في نفسِها ولا أنها قالَتْ: «زوِّجْنِي منه»، فدَلَّ أنه ﵇ كانَ له أنَّ يَهَبَها بالهبةِ التي جازَ له نكاحُها.
فإنْ قيلَ: قد يُحتملُ أنْ يكونَ في الحديثِ سُؤالٌ مِنَ النبيِّ ﷺ أنْ يُزوِّجَها منه، ولم يُنقلْ في الحديثِ.
قيلَ: وكذلكَ يُحتملُ أنْ يكونَ النبيُّ ﷺ جَعَلَ لها مَهرًا غيرَ السُّورِ ولم يُنقلْ في الحديثِ، وليسَ أحدُ التأويلَين أَولى مِنْ صاحبِه.
стр. 9369
والسابعُ: أنه قيلَ أنَّ هذا خاصٌّ بهذا الرجلِ دونَ غيرِه؛ لِمَا رويَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ زوَّجَ رجلًا على سُورةٍ مِنْ القُرآنِ ثمَّ قالَ: لا تَكونُ لأحَدٍ بعدَكَ مهرًا» (١).
والثامنُ: أنَّ تعليمَ القرآنِ لا يَجوزُ أنْ يَقعَ إلا قُربةً لفاعلِه، فلم يصحَّ أنْ يكونَ صَداقًا كالصومِ والصلاةِ وتَعليمِ الإيمانِ، ولأنَّ التعليمَ مِنَ المعلِّمِ والمتعلِّمِ مُختلِفٌ ولا يكادُ يَنضبطُ، فأشبَهَ الشيءَ المجهولَ.
وعلى هذا الأصلِ يَجبُ لها مهرُ المثلِ؛ لأنَّ المرأةَ لا تسلَّمُ إلا ببَدلٍ، وتعذَّرَ ردُّ العوضِ، فوجَبَ بدلُه؛ لأنَّ العوضَ الأصليَّ في هذا الباب هوَ مهرُ المثل؛ لأنهُ قيمةُ البُضعِ، وإنما يُعدلُ عنه إلى المُسمَّى إذا صحَّتِ التسميةُ وكانَت التسميةُ تقديرًا لتلكَ القيمةِ، فإذا لم تَصحَّ التسميةُ أو تَزلزلَتْ لم يَصحَّ التقديرُ، فإذا لم يَصحَّ التقديرُ وجَبَ المصيرُ إلى الفرضِ الأصليِّ، ولهذا كانَ المبيعُ بيعًا فاسدًا مَضمونًا بالقيمةِ في ذواتِ القِيَمِ لا بالثمنِ، كذا هذا، والنكاحُ جائزٌ؛ لأنَّ جوازَه لا يَقفُ على التسميةِ أصلًا، فإنه جائزٌ عندَ عَدمِ التسميةِ رأسًا، فعَدمُ التسميةِ إذا لم يَمنَعْ جوازَ النكاحِ ففسادُها أَولى أنْ لا يَمنَعَ، ولأنَّ التسميةَ إذا فسَدَتْ التَحقتْ بالعدمِ، فصارَ كأنه تزوَّجَها ولم يُسمِّ شيئًا، وهناكَ النكاحُ صَحيحٌ، كذا هذا (٢).
стр. 9370
القولُ الثاني: أنه يَجوزُ أنْ يُجعَلَ المهرُ تعليمَ القرآنِ أو شيءٍ منه مَعلومٍ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والمالِكيةِ في قولٍ والحَنابلةِ في روايةٍ؛ لحَديثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ قالَ: «أتَت النبيَّ ﷺ امرَأَةٌ فقالَت إنها قد وهَبَتْ نفسَها للهِ ولرَسولِه ﷺ ، فقالَ: ما لي في النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فقالَ رَجلٌ: زَوِّجنِيها، قالَ: أعْطِها ثَوبًا، قالَ: لا أجِدُ، قالَ: أعْطِها ولوْ خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فاعْتَلَّ له، فقالَ: ما معَكَ من الْقرْآنِ؟ قالَ: كذا وكذا، قالَ: فقدْ زوَّجْتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (١)، وتقديرُه: على تَعليمِ ما معكَ مِنَ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ لا يجوزُ أنْ يكونَ صَداقًا.
وقدْ جاءَ ذِكرُ التعليمِ في حَديث عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ عن أبي هُريرةَ نَحو هذه القِصةِ لم يَذكرِ الإزارَ والخَاتمَ، فقالَ له النبيُّ ﷺ : «ما تَحفظُ
стр. 9371
مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: سُورةَ البقَرةِ أو التي تَليهَا، قالَ: «فقُمْ فَعلِّمْها عِشرينَ آيةً وهي امرَأتُكَ» (١).
ولأنها مَنفعةٌ معيَّنةٌ مباحةٌ، فجازَ جَعلُها صَداقًا كتعليمِ قَصيدةٍ مِنَ الشِّعرِ المباحِ، ولأنَّ كلَّ مَنفعةٍ جازَ أنْ تُستحقَّ بعقدِ الإجارةِ جازَ أنْ تُستحقَّ بعقدِ النكاحِ، كمَنفعةِ العَبيدِ والأرضِ.
فإنْ قيلَ: معنَى قولِه ﷺ : «قد زَوَّجتُكَها بما معكَ مِنَ القُرآنِ»، أي: لأجْلِ فَضيلتِكَ بما معكَ مِنَ القرآنِ، فالجَوابُ عَنْ هذا مِنْ وجهَين:
أحَدُهما: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ» لِيكونَ صَداقًا، فلمَّا لمْ يَجِدْ جعَلَ القُرآنَ بدلًا منه، فاقتَضى أنْ يكونَ صَداقًا.
والثاني: أنَّ هذا التأويلَ يَدفعُه حَديثُ أبي هريرةَ ﵁؛ لأنه قالَ: «قُمْ فعَلِّمْها عِشرِينَ آيةً وهي امرَأتُكَ» (٢).
وليسَ هذا خاصًّا لرَسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنه لم يَكنْ ﷺ هوَ المتزوِّجَ بها فيَصيرَ مَخصوصًا بذلك، وإنما كانَ مُزوِّجًا لها فلم يَكنْ مَخصوصًا.
стр. 9372
وأيضًا أنَّ ما خُصَّ به رَسولُ الله ﷺ يحتاجُ إلى دليلٍ يَدلُّ على تَخصيصِه، وإلا كانَ فيه مُشارِكًا لأمَّتِه.
ويَدلُّ عليهِ مِنْ طريقِ القياسِ: أنَّ كلَّ مَنفعةٍ صحَّ أنْ يَبذلَها الغيرُ عن الغيرِ تبَرُّعًا جازَ أنْ يَبذلَها مَهرًا؛ قياسًا على سائرِ الأعمالِ المُباحةِ.
وأمَّا قياسُهُم على الصلاةِ والصيامِ بعلَّةِ أنه قُربةٌ فمُنتقَضٌ بكَتْبِ المَصاحفِ وبناءِ المَساجدِ يَجوزُ أنْ يكونَ مهرًا وإنْ كانَ قُربةً، ثمَّ المعنَى في الصلاةِ والصيامِ أنَّ النيابةَ فيهما لا تَصحُّ، وأنَّ نفْعَهما لا يَعودُ على غيرِ فاعلَيهما، وليسَ كتَعليمِ القرآنِ الذي يَصحُّ فيه النيابةُ ويَعودُ نَفعُه على غيرِ فاعلِه.
وأما قولُهم: «إنه فَرضٌ، فلمْ يَجُزْ أخذُ العوضِ عنه» فهوَ أنه إنْ كانَ فرضًا فهوَ مِنْ فُروضِ الكفاياتِ، ويَجوزُ أنْ تُؤخذَ الأجرةُ فيما كانَ مِنْ فُروضِ الكفاياتِ كغسلِ الموتَى وحَملِ الجنائزِ وحَفرِ القبورِ.
فإذا تقرَّر أنَّ تعليمَ القرآنِ يَجوزُ أنْ يكونَ صداقًا فلا بُدَّ أنْ يكونَ ما أَصْدَقَها منه مَعلومًا تَنتفي عنه الجَهالةُ؛ لأنَّ الصداقَ المجهولَ لا يَصحُّ (١).
стр. 9373
وسَببُ الخِلافِ هو: هل يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ أو لا؟ فمَن قالَ: «لا يجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِ القُرآنِ» قالَ: لا يجوزُ أنْ يكونَ المهرُ تعليمَ القرآنِ، ومَن قالَ: «يجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ» قالَ: يَجوزُ أنْ يكونَ المهرُ تعليمَ القرآنِ، وإلى هذا أشارَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ حيثُ قالَ ﵀: الفتوَى اليومَ على جَوازِ الاستئجارِ لتَعليمِ القُرآنِ والفقهِ، فيَنبغي أنْ يَصحَّ تَسميتُه مَهرًا؛ لأنَّ ما جازَ أخذُ الأجرِ في مُقابلتِه مِنَ المَنافعِ جازَ تَسميتُه صَداقًا كمَا قدَّمْنا نقْلَه عنِ «البَدائِع»، ولهذا ذُكرَ في «فَتْح القَديرِ» هنا أنه لمَّا جوَّزَ الشافِعيُّ أخْذَ الأجرِ على تعليمِ القُرآنِ صحَّحَ تَسميتَه صَداقًا، فكذا نَقولُ يَلزمُ على المُفتى به صحةُ تسميتِه صداقًا، ولمْ أرَ أحَدًا تعرَّضَ لهُ، واللهُ الموفِّقُ للصوابِ (١).
هل تَصحُّ المَنفعةُ أو الخِدمةُ أنْ تَكونَ صَداقًا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَهرِ، هل يَصحُّ أنْ يكونَ منفعةً كتعليمِ صَنعةٍ أو فقهٍ أو حديثٍ أو خدمةٍ أم لا؟ على تَفصيلٍ عندَ الفقهاءِ.
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصحةِ الصداقِ أنْ يكونَ مالًا مُتقوّمًا، وما ليسَ بمالٍ لا يكونُ صداقًا، فلا يَصحُّ الزواجُ على تعليمِ القرآنِ ولا الفقهِ ولا تعليمِ الحَلالِ والحرامِ؛ لِقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، شرَطَ أنْ يكونَ المهرُ مالًا، فما لا يكونُ مالًا لا يكونُ
стр. 9374
مَهرًا فلا تَصحُّ تَسميتُه مَهرًا، وقَوله تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أمَرَ بتَنصيفِ المَفروضِ في الطلاقِ قبلَ الدُّخولِ، فيَقتضي كونَ المَفروضِ مُحتمِلًا للتَّنصيفِ وهوَ المالُ.
وعلى هذا الأصلِ مَسائلُ:
إذا تزوَّجَ على تعليمِ القُرآنِ أو على تعليمِ الحَلالِ والحرامِ مِنَ الأحكامِ أو على الحجِّ والعُمرةِ ونحوِها مِنَ الطاعاتِ لا تَصحُّ التسميةُ؛ لأنَّ المسمَّى ليسَ بمالٍ، فلا يَصيرُ شيءٌ مِنْ ذلكَ مهرًا، ثمَّ الأصلُ في التسميةِ أنها إذا صَحَّتْ وتقرَّرَتْ يَجبُ المسمَّى، ثم يُنظَرُ إنْ كانَ المسمَّى عَشرةً فصاعدًا فليسَ لها إلا ذلكَ، وإنْ كانَ دونَ العشرةِ تُكمَّلُ العشرةُ.
وإذا فسَدَتِ التسميةُ أو تزلزَلَتْ يجبُ مهرُ المثلِ؛ لأنَّ العوضَ الأصليَّ في هذا البابِ هوَ مهرُ المثلِ؛ لأنه قيمةُ البُضعِ، وإنما يُعدَلُ عنه إلى المسمَّى إذا صحَّتِ التسميةُ، وكانتِ التسميةُ تَقديرًا لتلكَ القيمةِ، فإذا لم تَصحَّ التسميةُ أو تزلزَلَتْ لم يَصحَّ التقديرُ، فإذا لم يَصحَّ التقديرُ وجَبَ المَصيرُ إلى الفرضِ الأصليِّ، ولهذا كانَ المبيعُ بيعًا فاسِدًا مَضمونًا بالقيمةِ في ذواتِ القِيَمِ لا بالثمنِ، كذا هذا، والنكاحُ جائزٌ؛ لأنَّ جوازَه لا يَقفُ على التسميةِ أصلًا، فإنه جائزٌ عندَ عدمِ التسميةِ رأسًا، فعَدمُ التسميةِ إذا لم يَمنعْ جوازَ النكاحِ ففسادُها أَولى أنْ لا يَمنعَ، ولأنَّ التسميةَ إذا فسَدَتِ التحَقَتْ بالعدمِ فصارَ كأنه تزوجَها ولم يُسَمِّ شيئًا، وهناكَ النكاحُ صحيحٌ، كذا هذا، ولأنَّ
стр. 9375
تَسميةَ ما ليسَ بمالٍ شرطٌ فاسدٌ، والنكاحُ لا تُبطلُه الشروطُ الفاسدةُ، بخلافِ البيعِ.
وكذلكَ إذا تزوَّجَ امرأةً على طلاقِ امرأةٍ أُخرى أو على العفوِ عنِ القصاصِ؛ لأنَّ الطلاقَ والعفوَ عن القصاصِ ليسَا بمالٍ.
وكذلكَ إذا تزوَّجَها على أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بلدِها أو على أنْ لا يتزوَّجَ عليها فإنَّ المَذكورَ ليسَ بمالٍ.
وكذا لو تزوَّجَ المُسلمُ المُسلمةَ على ميتةٍ أو دمٍ أو خَمرٍ أو خِنزيرٍ لم تَصحَّ التسميةُ؛ لأنَّ الميتةَ والدمَ ليسَا بمالٍ في حقِّ أحدٍ، والخمرَ والخِنزيرَ ليسَا بمالٍ مُتقوّمٍ في حقِّ المُسلمِ، فلا تَصحُّ تسميةُ شيءٍ مِنْ ذلكَ مهرًا.
ولو تزوَّجَ حرٌّ امرأةً على أنْ يخدِمَها سَنةً فالتسميةُ فاسدةٌ ولها مَهرُ مثلِها في قولِ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ، وعندَ مُحمدٍ التَّسميةُ صَحيحةٌ ولها قيمةُ خدمةِ سَنةٍ.
فوَجهُ قولِ مُحمدٍ أنَّ مَنافعَ الحرِّ مالٌ؛ لأنها مالٌ في سائرِ العقودِ، حتى يجوزُ أخذُ العوضِ عنها فكذا في النكاحِ، وإذا كانَتْ مالًا صَحَّتِ التسميةُ إلا أنه تعذَّرَ التسليمُ؛ لِمَا في التسليمِ مِنْ استخدامِ الحُرةِ زوجَها وأنه حَرامٌ؛ لِمَا نذكرُ، فيَجبُ الرجوعُ إلى قيمةِ الخدمةِ، كمَا لو تزوَّجَها على عبدٍ فاستُحقَّ العبدُ أنه يَجبُ عليه قيمةُ العبدِ؛ لأنَّ تسميةَ العبدِ قد صحَّتْ؛ لكونِه مالًا، لكنْ تعذَّرَ تسليمُه بالاستحقاقِ فوجَبَتْ عليه قيمتُه لا مهرُ المثلِ؛ لِمَا قُلنا، كذا هذا.
стр. 9376
وجهِ قولِهما أنَّ المَنافعَ ليسَتْ بأموالٍ مُتقوّمةٍ على أصلِ أصحابِنا، ولهذا لم تكنْ مَضمونةً بالغصبِ والإتلافِ، وإنما يَثبتُ لها حُكمُ التقوُّمِ في سائرِ العقودِ شرعًا ضرورةً دفعًا للحاجةِ بها، ولا يَمكنُ دفعُ الحاجةِ بها ههنا؛ لأنَّ الحاجةَ لا تندفعُ إلا بالتسليمِ وأنه ممنوعٌ عنه شرعًا؛ لأنَّ استخدامَ الحُرةِ زوْجَها الحُرَّ حرامٌ؛ لكونِه استهانةً وإذلالًا، وهذا لا يجوزُ، ولهذا لا يَجوزُ للابنِ أنْ يستأجِرَ أباه للخدمةِ، فلا تسلمُ خِدمتُه لها شرعًا، فلا يمكنُ دفعُ الحاجةِ بها، فلمْ يَثبتْ لها التقوُّمُ، فبقيَت على الأصلِ، فصارَ كما لَو سَمَّى ما لا قيمةَ له كالخمرِ والخَنزيرِ، وهناكَ لا تَصحُّ التسميةُ ويَجبُ مهرُ المثلِ، كذا ههنا.
حتَّى لو كانَ المسمَّى فعلًا لا استِهانةَ فيه ولا مذلَّةَ على الرَّجلِ كرعيِ دَوابِّها وزِراعةِ أرضِها والأعمالِ التي خارِجَ البيتِ تَصحُّ التسميةُ؛ لأنَّ ذلكَ منْ بابِ القيامِ بأمرِها لا مِنْ بابِ الخِدمةِ، بخلافِ العبدِ؛ لأنَّ استخدامَ زوْجتِه إياه ليسَ بحَرامٍ؛ لأنه عُرضةٌ للاستخدامِ والابتذالِ؛ لكونِه مَملوكًا مُلحَقًا بالبَهائمِ، ولأنَّ مَبنى النكاحِ على الاشتراكِ في القيامِ بمَصالحِ المعاشِ، فكانَ لها في خدمتِه حَقٌّ، فإذا جعَلَ خدمَتَه لها مهرَها فكأنه جعَلَ ما هو لها مهرَها فلم يَجُزْ، كالأبِ إذا استأجرَ ابنَه لخِدمتِه أنه لا يَجوزُ؛ لأنَّ خدمةَ الأبِ مُستحَقَّةٌ عليهِ، كذا هذا، بخلافِ العبدِ؛ لأنَّ خِدمتَه خالصُ مِلكِ المَولَى، فصحَّتِ التسميةِ.
ولو تزوَّجَها على منافعِ سائرِ الأعيانِ مِنْ سُكنى دارِه وخدمةِ عَبيدِه
стр. 9377
وركوبِ دابتِه والحَملِ عليها وزراعةِ أرضِه ونحوِ ذلك مِنْ منافعِ الأعيانِ مدَّةً معلومةً صحَّتِ التسميةُ؛ لأنَّ هذه المَنافعَ أموالٌ أو التحَقَتْ بالأموالِ شرعًا في سائرِ العقودِ؛ لمَكانِ الحاجةِ، والحاجةُ في النكاحِ مُتحقِّقةٌ، وإمكانُ الدفعِ بالتسليمِ ثابتٌ بتسليمِ مَحالِّها؛ إذ ليسَ فيه استخدامُ المرأةِ زوْجَها، فجُعِلَتْ أموالًا والتحَقَتْ بالأعيانِ، فصحَّتْ تَسميتُها (١).
وأمَّا المالِكيةُ فعندَهُم اختِلافٌ في هذه المَسألةِ، هل يَصحُّ أنْ يكونَ تعليمُ القرآنِ أو شيءٍ منه معلومٍ مَهرًا وكذا المنافعُ كالخدمةِ والإسكانِ ونحوِ ذلك أو إِحْجَاجها عامًا أو تَعليمها فِقهًا أو حَديثًا ونحوه؟
فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنه يَصحُّ معَ الكراهةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ للرجلِ: «قد زَوَّجتُكَها بما مَعكَ مِنْ القُرآنِ»، ولأنها منفعةٌ مَعلومةٌ مِنْ غيرِ مَعرفةٍ، فجازَ أنْ يكونَ مهرًا، أصلُه العبدُ إذا تزوَّجَها على خدمةِ سَنةٍ.
والقولُ الثاني: أنَّ النكاحَ إنْ وقَعَ بمنفعةٍ كدارٍ أو عبدٍ أو دابةٍ كأنْ يقولَ: «أتزوَّجُكِ بمَنافعِ داري، أو دابتِي، أو عبدِي سَنةً» ويجعلَ تلكَ المَنافعَ صداقَها، وكأنْ يَجعلَ صداقَها خدمتَه لها في زرعٍ أو بناءِ دارٍ أو سفرِ الحَجِّ
стр. 9378
مثلًا أو تَعليمِها قُرآنًا كسُورةٍ منه وإِحْجَاجِها مضَى النكاحُ ولا فسْخَ للنكاحِ على المشهورِ، وإنما مَضى على المشهورِ للاختِلافِ فيه.
والقولُ الثالثُ: أنه لا يَصحُّ ويُفسخُ قبلَ البناءِ ويَثبتُ بعدَه بصَداقِ المثلِ، ويَرجعُ عليها بقيمةِ الأجرةِ لوَقتِ فَسخِ الإجارةِ ولو بعدَ الدخولِ.
وأمَّا الجُعْلُ فلا خِلافَ في منعِه كأَنْ يقولَ لها: «أتزوَّجُكِ وأجعَلُ مهرَكِ إتياني لكِ بعَبدِكِ الآبقِ» فالجاعلُ الزَّوجةُ والمَجعولُ له هو ذلكَ الزوجُ، فهو نكاحٌ على خِيارٍ، وهو يُفسخُ قبلَ البناءِ لا بعدَه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ أنْ تكونَ منفعةُ الحرِّ صَداقًا، كالخياطةِ والبناءِ وتعليمِ القرآنِ وما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يَصحُّ استئجارُه عليهِ؛ لقَولِه تعالَى على لسانِ شعيبٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، فذكَرَ أنَّ الرعيَ صَداقٌ في شرعِ مَنْ قَبلَنا ولم يعقبْه بنَكيرٍ.
و «زوَّجَ النبيُّ ﷺ المرأةَ التي وهَبتْهُ نفسَها مِنْ الرجلِ الذي خطَبَها بما معهُ مِنْ القرآنِ»، وتَقديرُه: على تعليمِ ما معَه مِنْ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ لا يَجوزُ أنْ يكونَ صداقًا.
стр. 9379
ولأنَّ كلَّ مَنفعةٍ جازَ أنْ تُستَحقَّ بعقدِ الإجارةِ .. جازَ أنْ تُستَحقَّ بعقدِ النكاحِ، كمَنفعةِ العَبيدِ والأرضِ.
وإطلاقُ التعليمِ فيما تقدَّمَ شاملٌ لِمَا يجبُ تعلُّمُه كالفاتحةِ وغيرِها والقرآنِ والحديثِ والفقهِ والشعرِ والخَطِّ وغيرِ ذلك ممَّا ليسَ بمُحرَّمٍ ولتعليمِها هيَ أو ولَدِها الواجبَ عليها تعليمُه، فعلى هذا لا يَتعذَّرُ تعليمُ غيرِها بطلاقِها، أما إذا أَصْدَقَها تعليمَها بنفسِه فطلَّقَ قبلَ التعليمِ بعدَ دخولٍ أو قبلَه تَعذَّرَ تعليمُه؛ لأنها صارَتْ مُحرَّمةً عليه لا يَجوزُ اختِلاؤُه بها.
فإنْ قيلَ: الأجنبيةُ يُباحُ النظرُ إليها للتعليمِ، وهذهِ صارَتْ أجنبيةً، فَهلَّا جازَ تعليمُها؟
أُجيبَ بأنَّ كلًّا مِنَ الزوجَينِ تعلَّقَتْ آمالُه بالآخرِ وحصَلَ بينَهما نَوعُ ودٍّ، فقَويَتِ التُّهمةُ فامتَنعَ التعليمِ؛ لقُربِ الفتنةِ، بخلافِ الأجنبيِّ؛ فإنَّ قوَة الوَحشةِ بينَهما اقتَضَتْ جوازَ التعليمِ.
وقيلَ: المرادُ بالتعليمِ الذي يَجوزُ النظرُ له هو التعليمُ الواجبُ كقراءَةِ الفاتحةِ، فما هنا مَحلُّه في غيرِ الواجبِ، ورجَّحَ هذا السبكيُّ.
وقيلَ: التعليمُ الذي يُجوِّزُ النظَرَ خاصٌّ بالأَمْرَدِ، بخلافِ الأجنبيِّ، ورجَّحَ هذا الجَلالُ المَحليُّ، والمُعتمدُ الأولُ.
ولو أَصدَقَ زوْجتَه الكتابيةَ تعليمَ قرآنٍ صَحَّ إنْ توقَّعَ إسلامَها، وإلا فلا، ولو أصدَقَها تعليمَ التَّوراةِ أو الإنجيلِ وهُمَا كافرانِ ثمَّ أَسلَمَا أو ترافَعَا
стр. 9380
إلينا بعدَ التعليمِ فلا شيءَ لها سواه، أو قبْلَه وجبَ لها مهرُ المثلِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: إنْ أصدَقَها على تعليمِ شيءٍ مُعيَّنٍ مِنْ القرآنِ لم يَصحَّ؛ لأنَّ الفُروجَ لا تُستباحُ إلا بالأموالِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، والطَّولُ المالُ، وقد رُويَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ زوَّجَ رَجلًا على سُورةٍ مِنَ القُرآنِ ثمَّ قالَ: لا تَكونُ لأحدٍ بعدَكَ مهرًا» (٢) رواهُ النَّجادُ بإسنادِهِ.
ولأنَّ تعليمَ القُرآنِ لا يَجوزُ أنْ يقَعَ إلا قُربةً لفاعلِه، فلمْ يَصحَّ أنْ يكونَ صَداقًا كالصومِ والصلاةِ وتعليمِ الإيمانِ، ولأنَّ التعليمَ مِنَ المعلِّمِ والمُتعلِّمِ مُختلِفٌ ولا يكادُ يَنضبطُ، فأشبَهَ الشيءَ المجهولِ.
وأما حديثُ الموهوبةِ -وقولِه ﷺ : «زوَّجتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» مُتفَقٌ عليه- فقيلَ: معناهُ: زوَّجتُكَها لأنكَ مِنْ أهلِ القُرآنِ، كمَا زوَّجَ أبا طَلحةَ على إسلامِه، وليسَ فيه ذِكرُ التعليمِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ خاصًّا بذلكَ الرَّجلِ؛ لحَديثِ النجادِ.
فإذا تزوَّجَها على تعليمِ شيءٍ مِنْ القُرآنِ وجَبَ لها مهرُ المثلِ، وكذا كلُّ موضِعٍ لا تَصحُّ فيه التسميةُ أو خَلا العقدُ عن ذِكرِه؛ لأنَّ المرأةَ لا تُسلَّمُ
стр. 9381
إلا ببَدلٍ، وتعذَّرَ ردُّ العوضِ فوجَبَ بدلُه، كما لو باعَه سِلعةً بخَمرٍ فتلفَتْ عندَ المُشتري.
وإنْ أَصدَقَها تعليمَ أبوابِ فقهٍ أو أبوابِ حديثٍ أو تعليمَ شيءٍ مِنْ شِعرٍ مباحٍ أو أدَبٍ أو صنعةٍ أو كتابةٍ أو ما يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِه وهو مُعيَّنٌ صحَّ؛ لأنه يَصحُّ أخذُ الأجرةِ على تعليمِه، فجازَ أنْ يكونَ صداقًا كمنافعِ الدار، حتَّى ولو كانَ لا يحفظُه ويَتعلمُه ثم يُعلِّمُها؛ لأنه بذلكَ يَخرجُ مِنْ عُهدةِ ما وجَبَ عليهِ، وإنْ تعلَّمَتْ ما أصدَقَها تعليمَه مِنْ غيرِه لَزمتْه أجرةُ التعليمِ، أو تَعذَّرَ عليهِ تَعليمُها بأنْ أصدَقَها خياطةً فتَعذَّرَ لَزمتْه أجرةُ التعليمِ؛ لأنه لمَّا تعذَّرَ الوفاءُ بالواجبِ وجَبَ الرجوعُ إلى بَدلِه، وإنْ علَّمَها ما أَصدَقَها تعليمَه ثم نَسيَتْها -أي الصَّنعةَ- التي علَّمَها إياها فلا شيءَ عليه؛ لأنه قد وفَّاها، وإنْ لقَّنَها الجَميعَ وكلَّما لقَّنَها شيئًا نَسيَتْه لم يُعتَدَّ بذلكَ تعليمًا؛ لأنَّ العُرفَ لا يَعُدُّه تَعليمًا، وإنِ ادَّعى أنه علَّمَها وادَّعتْ أنْ غيرَه علَّمَها فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، وإنْ جاءَتْه بغَيرِها فقالَتْ: «عَلِّمْه السُّورةَ التي تُريدُ تَعليمي إياها» لم يَلزمْه؛ لأنَّ المُستَحقَّ عليه العملُ في عَينٍ لم يَلزمْه إيقاعُه في غيرِها، كما لو استأجرَتْه لخياطةِ ثوبٍ فأتَتْه بغيرِه، ولأنَّ المتعلِّمِينَ يَختلفونَ في التعليم اختلافًا كَثيرًا، أو أتاها بغيرِه يعلِّمُها لم يَلزمْها قبولُه؛ لأنَّ المُعلِّمينَ يَختلفونَ في التعليمِ وقد يكونُ لها غرضٌ في التعليمِ منه لكَونِه زوْجَها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ وقبلَ تعليمِها فعليهِ
стр. 9382
نصفُ أجرةِ مثلِ تعليمِ ما أَصدَقَها تعليمَه؛ لأنها قد صارَتْ أجنبيةً عنه، فلا يُؤمَنُ في تعليمها الفتنةُ، وعليهِ بطلاقِها قبلَ التعليمِ وبعدَ الدخولِ كلُّ الأجرةِ؛ لاستقرارِ ما أَصدَقَها بالدخولِ، وإنْ كانَ طلَّقَها قبلَ الدخولِ بعد تعليمِه رجعَ عليها بنِصفِ الأُجرةِ؛ لأنَّ الطلاقَ قبلَ الدخولِ يُوجبُ نصفَ الصداقِ، والرجوعُ بنصفِ التعليمِ مُتعذِّرٌ، فوجَبَ الرجوعُ إلى بدلِه وهو الأجرةُ، ولو حصَلَتِ الفُرقةُ مِنْ جهتِها قبلَ الدخولِ وبعدَ التعليمِ رجَعَ عليها بالأجرةِ كاملةً؛ لتعذِّرِ الرُّجوعِ بالتعليمِ (١).
حُكمُ الزِّيادةِ في المَهرِ والحَطِّ منه بعدَ العَقدِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الجُملةِ إلى أنه يَجوزُ الزيادةُ والحَطُّ مِنَ المَهر بعدَ الفريضةِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهو عُمومٌ في الزيادةِ والنقصانِ، أي: ما تَراضَيتُم به مِنْ حَطِّ بعضِ الصَّداقِ أو تأخيرِه أو هِبةِ جميعِه أو الإبراءِ منهُ أو الزيادةِ فيه، وهو بالزيادةِ أخَصُّ منه بغيرِها؛ لأنَّه علَّقَه بتَراضيهما، والبَراءةُ والحَطُّ والتأخيرُ لا يَحتاجُ في وقوعِه إلى رِضَى الرجلِ، والزيادةُ لا تَصحُّ إلا بقبولِهما، فلمَّا علَّقَ ذلكَ بتراضيهما جَميعًا دَلَّ على أنَّ المُرادَ الزيادةُ، ولا يَجوزُ الاقتصارُ به على البَراءةِ والحَطِّ والتأجيلِ؛ لأنَّ عُمومَ اللفظِ يقتضي
стр. 9383
جوازَ الجميعِ، فلا يُخَصُّ بغيرِ دَلالةٍ، ولأنَّ الاقتصارَ به على ما ذُكِرَ يُسقِطُ فائدةَ ذِكْرِ تَراضيهما جَميعًا وإضافةِ ذلكَ إليهما، وغيرُ جائزٍ إسقاطُ حُكمِ اللفظِ والاقتِصارُ به على ما يَجعلُ وُجودَه وعدمَه سَواءً (١).
إلا أنَّ العُلماءَ اختَلفوا في بعضِ التفاصيلِ، وبَيانُ ذلكَ في كلِّ مَذهبٍ على النَّحوِ التالي:
قالَ الحَنفيةُ -غيرَ زُفرَ-: الزِّيادةُ في الصداقِ بعدَ النكاحِ جائزةٌ، وهيَ ثابتةٌ إنْ دخلَ بها أو ماتَ عنها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ بطَلَتِ الزيادةُ وكانَ لها نِصفُ المسمَّى في العقدِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهو عُمومٌ في الزيادةِ والنُّقصانِ، أي: ما تَراضَيتُم به مِنْ حَطِّ بعضِ الصداقِ أو تأخيرِه أو هبةِ جَميعِه أو الإبراءِ منه أو الزيادةِ فيه.
وكذا يَجوزُ الحَطُّ عن الزوجِ مِنْ مهرِها؛ لأنَّ المهرَ حقُّها والحَطُّ يلاقِي حقَّها، وكذا إذا وهَبَتْ مهرَها لزوجِها صحَّت الهبةُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وليسَ لأوليائِها أبٍ ولا غيرِه الاعتراضُ عليها؛ لأنها وهَبَتْ مِلكَها، بخلافِ ما إذا زوَّجَتْ نفسَها وقَصرَتْ عن مهرِها فإنَّ لهم الاعتِراضَ عند أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الأمْهارَ مِنْ حقِّهم وقد تَصرَّفَت في خالصِ حقِّهم؛ لأنها تُلحِقُ بهم الشَّيْنَ بذلك.
стр. 9384
والمَعنى في جوازِ الزيادةِ والحطِّ في المهرِ بعدَ العقدِ أنهما غيَّرَا العقدَ بتَراضيهما مِنْ وَصفٍ إلى وصفٍ مَشروعٍ له، فيَصحُّ ذلكَ ويُجعلُ ذلك كالمذكورِ في أصلِ العقدِ، كما لو كانَ البيعُ لخِيارٍ لهُما فأُسقِطَ الخِيارُ أو بغيرِ الخيارِ فشرَطَا الخيارَ لهُما أو لأحدِهما، ولأنَّ العقدَ قائمٌ بينَهما يَملكانِ التصرفَ فيه رَفعًا وإبقاءً، فيَملكانِ التصرفَ فيه بالتغييرِ مِنْ وَصفٍ إلى وصفٍ؛ لأنَّ التصرفَ في صفةِ الشيءِ أهوَنُ مِنْ التصرفِ في أصلِه، فإذا كانَا باتفاقِهما يَملكانِ التصرفَ في أصلِ العقدِ ففي صفتِه أَولى.
وأمَّا إذا طلَّقَها قبلَ الدخولِ بطَلَتِ الزيادةُ كلُّها في ظاهرِ الروايةِ؛ لأنَّ الزيادةَ لمَّا لم تكن موجودةً في العقدِ وإنما كانت مُلحَقةً به وجَبَ أن يكونَ بقاؤُها مَوقوفًا على سَلامةِ العقدِ أو الدخولِ بالمرأة، ألَا تَرى أنَّ الزيادةَ في البيعِ إنما تَلحقُ به على شَرطِ بقاءِ العقدِ، وأنه متى بطَلَ العقدُ بطَلَتِ الزيادةُ، فكذلكَ الزيادةُ في المهرِ.
وفي روايةٍ عن أبي يوسفَ أنه إنْ طلقَها قبلَ الدخولِ تَتنصَّفُ الزِّيادةُ معَ الأصلِ؛ لقولِه : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والزيادةُ مَفروضةٌ فيَجبُ تَنصيفُها في الطلاقِ قبلَ الدخولِ، ولأنَّ الزيادةَ تَلتَحقُ بأصلِ العقدِ كالزيادةِ في الثمنِ في بابِ البيعِ، ويُجعلُ كأنَّ العقدَ ورَدَ على الأصلِ والزيادةِ جميعًا، فيَتنصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ كالأصلِ (١).
стр. 9385
وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطحَاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: الزِّيادةُ في الصداقِ بعدَ النكاحِ جائزةٌ، وهي ثابتةٌ إنْ دخَلَ بها أو ماتَ عنها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ بطَلَتِ الزيادةُ وكانَ لها نِصفُ المسمَّى في العقدِ.
وقالَ زفرُ والشافِعيُّ: الزيادةُ بمَنزلةِ هبةٍ مُستقبلةٍ، إنْ أقبَضَها جازَت في قولِهما، وإنْ لم يُقبضْهَا بطَلَتْ.
وقالَ مالكٌ: الزيادةُ تَصحُّ، فإنْ طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ رجَعَ نصفُ ما زادَها إليهِ وهيَ بمنزلةِ ما وهَبَه لها يقومُ بهِ عليهِ، وإنْ ماتَ عنها قبلَ أنْ تَقبضَ فلا شيءَ لها منه؛ لأنها عَطيةٌ لم تُقبَضْ.
قالَ أبو جَعفرٍ: لم يَختلفُوا أنه إذا أقبَضَها الزيادةَ مَلكَها، وهو فإنما مَلكَها على أنها زيادةٌ على أنها هبةٌ، فلو لم تَصحَّ زيادةً لم تَصحَّ هبةً (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا وجَبَ المهرُ وعُلِمَ فلا بأسَ أنْ يقَعَ فيه التراضي بعدَ ذلكَ بينَ الرجلِ والمرأةِ في تَركِه كلِّه أو بعضِه أو الزيادةِ عليه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنْ كانَ ذلكَ بينَ المرأةِ والرجلِ وهُمَا مَالكانِ أمْرَهما فذلكَ مُستمرٌ على ظاهرِ الآيةِ، وإنْ كانَ منهما مَنْ لا يَملكُ أمْرَ نفسِه فذلكَ إلى الوليِّ الذي