إلا ببَدلٍ، وتعذَّرَ ردُّ العوضِ فوجَبَ بدلُه، كما لو باعَه سِلعةً بخَمرٍ فتلفَتْ عندَ المُشتري.
وإنْ أَصدَقَها تعليمَ أبوابِ فقهٍ أو أبوابِ حديثٍ أو تعليمَ شيءٍ مِنْ شِعرٍ مباحٍ أو أدَبٍ أو صنعةٍ أو كتابةٍ أو ما يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِه وهو مُعيَّنٌ صحَّ؛ لأنه يَصحُّ أخذُ الأجرةِ على تعليمِه، فجازَ أنْ يكونَ صداقًا كمنافعِ الدار، حتَّى ولو كانَ لا يحفظُه ويَتعلمُه ثم يُعلِّمُها؛ لأنه بذلكَ يَخرجُ مِنْ عُهدةِ ما وجَبَ عليهِ، وإنْ تعلَّمَتْ ما أصدَقَها تعليمَه مِنْ غيرِه لَزمتْه أجرةُ التعليمِ، أو تَعذَّرَ عليهِ تَعليمُها بأنْ أصدَقَها خياطةً فتَعذَّرَ لَزمتْه أجرةُ التعليمِ؛ لأنه لمَّا تعذَّرَ الوفاءُ بالواجبِ وجَبَ الرجوعُ إلى بَدلِه، وإنْ علَّمَها ما أَصدَقَها تعليمَه ثم نَسيَتْها -أي الصَّنعةَ- التي علَّمَها إياها فلا شيءَ عليه؛ لأنه قد وفَّاها، وإنْ لقَّنَها الجَميعَ وكلَّما لقَّنَها شيئًا نَسيَتْه لم يُعتَدَّ بذلكَ تعليمًا؛ لأنَّ العُرفَ لا يَعُدُّه تَعليمًا، وإنِ ادَّعى أنه علَّمَها وادَّعتْ أنْ غيرَه علَّمَها فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، وإنْ جاءَتْه بغَيرِها فقالَتْ: «عَلِّمْه السُّورةَ التي تُريدُ تَعليمي إياها» لم يَلزمْه؛ لأنَّ المُستَحقَّ عليه العملُ في عَينٍ لم يَلزمْه إيقاعُه في غيرِها، كما لو استأجرَتْه لخياطةِ ثوبٍ فأتَتْه بغيرِه، ولأنَّ المتعلِّمِينَ يَختلفونَ في التعليم اختلافًا كَثيرًا، أو أتاها بغيرِه يعلِّمُها لم يَلزمْها قبولُه؛ لأنَّ المُعلِّمينَ يَختلفونَ في التعليمِ وقد يكونُ لها غرضٌ في التعليمِ منه لكَونِه زوْجَها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ وقبلَ تعليمِها فعليهِ
стр. 9382
نصفُ أجرةِ مثلِ تعليمِ ما أَصدَقَها تعليمَه؛ لأنها قد صارَتْ أجنبيةً عنه، فلا يُؤمَنُ في تعليمها الفتنةُ، وعليهِ بطلاقِها قبلَ التعليمِ وبعدَ الدخولِ كلُّ الأجرةِ؛ لاستقرارِ ما أَصدَقَها بالدخولِ، وإنْ كانَ طلَّقَها قبلَ الدخولِ بعد تعليمِه رجعَ عليها بنِصفِ الأُجرةِ؛ لأنَّ الطلاقَ قبلَ الدخولِ يُوجبُ نصفَ الصداقِ، والرجوعُ بنصفِ التعليمِ مُتعذِّرٌ، فوجَبَ الرجوعُ إلى بدلِه وهو الأجرةُ، ولو حصَلَتِ الفُرقةُ مِنْ جهتِها قبلَ الدخولِ وبعدَ التعليمِ رجَعَ عليها بالأجرةِ كاملةً؛ لتعذِّرِ الرُّجوعِ بالتعليمِ (١).
حُكمُ الزِّيادةِ في المَهرِ والحَطِّ منه بعدَ العَقدِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الجُملةِ إلى أنه يَجوزُ الزيادةُ والحَطُّ مِنَ المَهر بعدَ الفريضةِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهو عُمومٌ في الزيادةِ والنقصانِ، أي: ما تَراضَيتُم به مِنْ حَطِّ بعضِ الصَّداقِ أو تأخيرِه أو هِبةِ جميعِه أو الإبراءِ منهُ أو الزيادةِ فيه، وهو بالزيادةِ أخَصُّ منه بغيرِها؛ لأنَّه علَّقَه بتَراضيهما، والبَراءةُ والحَطُّ والتأخيرُ لا يَحتاجُ في وقوعِه إلى رِضَى الرجلِ، والزيادةُ لا تَصحُّ إلا بقبولِهما، فلمَّا علَّقَ ذلكَ بتراضيهما جَميعًا دَلَّ على أنَّ المُرادَ الزيادةُ، ولا يَجوزُ الاقتصارُ به على البَراءةِ والحَطِّ والتأجيلِ؛ لأنَّ عُمومَ اللفظِ يقتضي
стр. 9383
جوازَ الجميعِ، فلا يُخَصُّ بغيرِ دَلالةٍ، ولأنَّ الاقتصارَ به على ما ذُكِرَ يُسقِطُ فائدةَ ذِكْرِ تَراضيهما جَميعًا وإضافةِ ذلكَ إليهما، وغيرُ جائزٍ إسقاطُ حُكمِ اللفظِ والاقتِصارُ به على ما يَجعلُ وُجودَه وعدمَه سَواءً (١).
إلا أنَّ العُلماءَ اختَلفوا في بعضِ التفاصيلِ، وبَيانُ ذلكَ في كلِّ مَذهبٍ على النَّحوِ التالي:
قالَ الحَنفيةُ -غيرَ زُفرَ-: الزِّيادةُ في الصداقِ بعدَ النكاحِ جائزةٌ، وهيَ ثابتةٌ إنْ دخلَ بها أو ماتَ عنها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ بطَلَتِ الزيادةُ وكانَ لها نِصفُ المسمَّى في العقدِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهو عُمومٌ في الزيادةِ والنُّقصانِ، أي: ما تَراضَيتُم به مِنْ حَطِّ بعضِ الصداقِ أو تأخيرِه أو هبةِ جَميعِه أو الإبراءِ منه أو الزيادةِ فيه.
وكذا يَجوزُ الحَطُّ عن الزوجِ مِنْ مهرِها؛ لأنَّ المهرَ حقُّها والحَطُّ يلاقِي حقَّها، وكذا إذا وهَبَتْ مهرَها لزوجِها صحَّت الهبةُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وليسَ لأوليائِها أبٍ ولا غيرِه الاعتراضُ عليها؛ لأنها وهَبَتْ مِلكَها، بخلافِ ما إذا زوَّجَتْ نفسَها وقَصرَتْ عن مهرِها فإنَّ لهم الاعتِراضَ عند أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الأمْهارَ مِنْ حقِّهم وقد تَصرَّفَت في خالصِ حقِّهم؛ لأنها تُلحِقُ بهم الشَّيْنَ بذلك.
стр. 9384
والمَعنى في جوازِ الزيادةِ والحطِّ في المهرِ بعدَ العقدِ أنهما غيَّرَا العقدَ بتَراضيهما مِنْ وَصفٍ إلى وصفٍ مَشروعٍ له، فيَصحُّ ذلكَ ويُجعلُ ذلك كالمذكورِ في أصلِ العقدِ، كما لو كانَ البيعُ لخِيارٍ لهُما فأُسقِطَ الخِيارُ أو بغيرِ الخيارِ فشرَطَا الخيارَ لهُما أو لأحدِهما، ولأنَّ العقدَ قائمٌ بينَهما يَملكانِ التصرفَ فيه رَفعًا وإبقاءً، فيَملكانِ التصرفَ فيه بالتغييرِ مِنْ وَصفٍ إلى وصفٍ؛ لأنَّ التصرفَ في صفةِ الشيءِ أهوَنُ مِنْ التصرفِ في أصلِه، فإذا كانَا باتفاقِهما يَملكانِ التصرفَ في أصلِ العقدِ ففي صفتِه أَولى.
وأمَّا إذا طلَّقَها قبلَ الدخولِ بطَلَتِ الزيادةُ كلُّها في ظاهرِ الروايةِ؛ لأنَّ الزيادةَ لمَّا لم تكن موجودةً في العقدِ وإنما كانت مُلحَقةً به وجَبَ أن يكونَ بقاؤُها مَوقوفًا على سَلامةِ العقدِ أو الدخولِ بالمرأة، ألَا تَرى أنَّ الزيادةَ في البيعِ إنما تَلحقُ به على شَرطِ بقاءِ العقدِ، وأنه متى بطَلَ العقدُ بطَلَتِ الزيادةُ، فكذلكَ الزيادةُ في المهرِ.
وفي روايةٍ عن أبي يوسفَ أنه إنْ طلقَها قبلَ الدخولِ تَتنصَّفُ الزِّيادةُ معَ الأصلِ؛ لقولِه : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والزيادةُ مَفروضةٌ فيَجبُ تَنصيفُها في الطلاقِ قبلَ الدخولِ، ولأنَّ الزيادةَ تَلتَحقُ بأصلِ العقدِ كالزيادةِ في الثمنِ في بابِ البيعِ، ويُجعلُ كأنَّ العقدَ ورَدَ على الأصلِ والزيادةِ جميعًا، فيَتنصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ كالأصلِ (١).
стр. 9385
وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطحَاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: الزِّيادةُ في الصداقِ بعدَ النكاحِ جائزةٌ، وهي ثابتةٌ إنْ دخَلَ بها أو ماتَ عنها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ بطَلَتِ الزيادةُ وكانَ لها نِصفُ المسمَّى في العقدِ.
وقالَ زفرُ والشافِعيُّ: الزيادةُ بمَنزلةِ هبةٍ مُستقبلةٍ، إنْ أقبَضَها جازَت في قولِهما، وإنْ لم يُقبضْهَا بطَلَتْ.
وقالَ مالكٌ: الزيادةُ تَصحُّ، فإنْ طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ رجَعَ نصفُ ما زادَها إليهِ وهيَ بمنزلةِ ما وهَبَه لها يقومُ بهِ عليهِ، وإنْ ماتَ عنها قبلَ أنْ تَقبضَ فلا شيءَ لها منه؛ لأنها عَطيةٌ لم تُقبَضْ.
قالَ أبو جَعفرٍ: لم يَختلفُوا أنه إذا أقبَضَها الزيادةَ مَلكَها، وهو فإنما مَلكَها على أنها زيادةٌ على أنها هبةٌ، فلو لم تَصحَّ زيادةً لم تَصحَّ هبةً (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا وجَبَ المهرُ وعُلِمَ فلا بأسَ أنْ يقَعَ فيه التراضي بعدَ ذلكَ بينَ الرجلِ والمرأةِ في تَركِه كلِّه أو بعضِه أو الزيادةِ عليه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنْ كانَ ذلكَ بينَ المرأةِ والرجلِ وهُمَا مَالكانِ أمْرَهما فذلكَ مُستمرٌ على ظاهرِ الآيةِ، وإنْ كانَ منهما مَنْ لا يَملكُ أمْرَ نفسِه فذلكَ إلى الوليِّ الذي
стр. 9386
أَوجبَه كمَا في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وكمَا تُوجِبُ امرأةٌ لنفسِها صداقَها ثم تُسقطُه كذلكَ يُوجِبُه وليُّها لها ثم يُسقطُه إذا رَأى ذلكَ مَصلحةً لها.
ومَن زادَ زوْجتَه بعدَ العقدِ عليها زِيادةً على صَداقِها الذي تزوَّجَها به فلها حُكمُ الهبةِ، فإنْ ماتَ قبلَ أنْ تَقبضَ الزوجةُ الزيادةَ فإنَّ الزيادةَ وحْدَها دونَ أصلِ الصداقِ تَسقطُ بالموتِ أو الفَلسِ الحاصلِ للزوجِ قبلَ البناءِ؛ لأنها عَطيةٌ لم تُقبَضْ، ومثلُ الموتِ بقيةُ مَوانعِ الهبةِ.
وأما موتُ الزَّوجةِ فلا يُبطِلُ الهبةَ، سواءٌ أشهَدَ الزوجُ أم لا؛ لحُصولِ القبولِ منها قبلَ الموتِ.
فلو زادَ الزوجُ لزوْجتِه زيادةً على صداقِها بعدَ عقدِه على أنه مِنْ الصداقِ وطلَّقَها قبلَ الدخولِ فإنَّ تلكَ الزيادةَ تَتشطَّرُ أيضًا، وسواءٌ كانَتْ تلكَ الزيادةُ مِنْ جنسِ الصداقِ أم لا، اتَّصفَتْ بصفاتِه حُلولًا وتَأجيلًا أم لا؛ لأنَّ تلكَ الزيادةَ لها حُكمُ الصداقِ في الجُملةِ؛ لأنها تَبطلُ لو ماتَ أو فَلسَ قبلَ قَبضِها للزوجةِ.
وقالَ أبو القاسمِ الجَلابُ ﵀: وإنْ نكَحَها على صداقٍ ثم زادَها بعدَ ذلك في صداقِها ثمَّ طلَقَها قبلَ الدُّخولِ بها سَقَطَ عنه نصفُ ما زادَها، وإنْ ماتَ قبلَ أنْ يَدخلَ بها لم يَجبْ لها شيءٌ ممَّا زادها، قالَه ابنُ القاسمِ، والقياسُ عندِي أنْ تَجبَ الزيادةُ لها (١).
стр. 9387
وقالَ الحَنابلةُ: الزيادةُ في الصداقِ بعدَ العقدِ تلحقُ به، نَصَّ عليه أحمدُ، قالَ في الرجلِ يَتزوجُ المرأةَ على مَهرٍ فلمَّا رآها زادَها في مهرِها فهو جائزٌ، فإنْ طلَّقَها قبلَ أنْ يَدخلَ بها فلها نصفُ الصداقِ الأولِ والذي زادَها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنَّ ما بعدَ العقدِ زمنٌ لفَرضِ المهرِ، فكانَ حالة الزيادةِ كحالةِ العقدِ.
ومعنَى لُحوقِ الزيادةِ بالعقدِ أنها تَلزمُ ويَثبتُ فيها أحكامُ الصَّداقِ مِنْ التنصيفِ بالطلاق قبلَ الدخولِ وغيرِه.
وإنْ أبرَأتْه مِنْ صَداقِها أو وهَبَتْه له ثمَّ طلَّقَها قبلَ الدخولِ أو خالَعَتْه رجَعَ عليها الزوجُ بنصفِه؛ لأنَّ عَوْدَ نصفِ الصداقِ إلى الزوجِ بالطلاقِ، وهوَ غير الجِهةِ المُستحقِّ بها الصداقُ أولًا، فهوَ كما لو أبرَأَ إنسانًا مِنْ دَينٍ عليه ثمَّ استَحقَّ عليه مثلَ ما أبرَأَه منه بوَجهٍ آخرَ فلا يَتساقَطانِ بذلك.
وإنْ أبرَأَتْه مِنْ نصفِه أو وهبَتْه نصفَ الصداقِ ثم طلَّقَها الزوجُ قبلَ الدخولِ رجَعَ في النصفِ الباقي؛ لأنه وجَدَ نِصفَ ما أصدَقَها بعينِه، فأشبَهَ ما لو لم تهبْهُ له.
ولو قَضى المهرَ أجنبيٌّ عن الزوجِ متبَرِّعًا ثمَّ سقَطَ الصداقُ لردَّتِها ونحوِها قبلَ دُخولٍ أو تنصَّفَ الصداقُ بنحو طلاقِه قبلَ دخولٍ فالراجعُ مِنْ
стр. 9388
المهرِ للزوجِ؛ لأنَّ الأجنبيَّ وهَبَ ذلك للزوجِ بقضائِه عنه، فإذا عادَ إليه الاستِحقاقُ بغير الجهةِ المُستحقةِ أولًا كانَ للزَّوجِ، كما لو أدَّاه مِنْ مالِه.
ولو خالَعَها الزوجُ بنصفِ صداقِها قبلَ الدخولِ صَحَّ ذلكَ وصارَ الصداقُ كلُّه له، نصفُه له بالطلاقِ ونصفُه له بالخلعِ عوضًا له.
وإنْ خالَعَها قبلَ الدخولِ على مثلِ نِصفِ الصداقِ في ذمَّتِها وكانَتْ لم تَقبضِ الصداقَ منه صَحَّ ذلكَ وسقَطَ عنه جَميعُ الصداقِ، نصفُه بالطلاقِ ونصفُه بالمُقاصَّةِ حيثُ وُجدَتْ بشُروطِها.
ولو قالَتِ المَرأةُ لزوجِها قبلَ الدخولِ وقبلَ قَبضِ الصداقِ: «اخلَعْني بما يُسلَّمُ إليَّ مِنْ صَداقي، أو اخلَعنِي على أنْ لا تَبِعَةَ عليكَ في المهرِ» ففَعَلَ وخالَعَها على ذلكَ صَحَّ الخلعُ؛ لأنه بمعنَى سؤالِها الخلعَ على نصفِ الصداقِ، وبَرئَ الزوجُ مِنْ جَميعِه، نصفِه بالخلعِ ونصفِه بجَعلِه عوضًا له فيه.
وإنْ خالَعَها قبلَ الدخولِ بمِثلِ جميعِ الصداقِ في ذمتِها أو خالَعَها بصداقِها كلِّه صَحَّ الخلعُ؛ لصُدورِه مِنْ أهلِه في محلِّه، ويَرجعُ عليها بنصفِه وسقَطَ عنه الصداقُ؛ لمَا تقدَّمَ.
وإنْ أبرأَتْ مُفوِّضةُ المَهرِ -وهي التي تزوَّجَها على ما شاءَت أو شاءَ زيدٌ ونحوه- منَ المَهرِ صحَّ، أو أبرأَتْ مُفوِّضةُ البُضعِ -وهي مَنْ تزوَّجَت بغيرِ صداقٍ- مِنَ المهرِ صحَّ، أو أبرأَتْ مَنْ سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسدٌ كالخمرِ
стр. 9389
والمَجهولِ مِنَ المهرِ صَحَّ الإبراءُ قبلَ الدخولِ وبعدَه؛ لانعقادِ سَببِ وجوبِه وهو عقدُ النكاحِ، كالعفوِ عن القصاصِ بعدَ الجَرحِ وقبلَ الزهوقِ.
فإنْ طلَّق الزوجُ المُفوضةَ أو مَنْ سُمِّيَ لها مهرٌ فاسدٌ بعدَ البراءةِ وقبلَ الدخولِ رجَعَ المُطلِّقُ بنصفِ مهرِ المثلِ؛ لأنه الذي وجَبَ بالعقدِ، فهو كما لو أبرَأَتْه مِنَ المُسمَّى ثم طلَّقَها وعفَا، وقيلَ: لها المتعةُ.
فإنْ كانَتِ البراءةُ مِنْ المُفوضةِ ومَن سُمِّيَ لها مهرٌ فاسدٌ مِنْ نصفِه ثم طلَّقَها قبلَ الدخولِ رجَعَ عليها بنصفِ مَهرِ المثلِ الباقي بعدَ النصفِ الساقطِ بالبراءة، وهو مَبنيٌّ على ما سبَقَ، ولا مُتعةَ لها في أحدِ الوجهَين، والوجهُ الثاني: لا تسقطُ.
وإنِ ارتدَّتْ مَنْ وهَبَتْ زوْجَها الصداقَ قبلَ الدخولِ رجَعَ عليها بكلِّه، أو ارتدَّتْ مَنْ أبرأَتْه منه قبلَ الدخولِ رجَعَ الزوجُ عليها بجَميعِ الصداقِ؛ لعَودِه إليه بذلكَ وكما يَرجعُ عليها بنصفِه لو تنصَّفَ.
ولا يَبرأُ الزوجُ مِنَ الصداقِ مُعيَّنًا كانَ أم مَوصوفًا في الذمَّةِ إلا بتَسليمِه إليها أو إلى وَكيلِها إذا كانَتْ بالغةً رشيدةً ولو بِكرًا كثَمنِ مَبيعِها، ولا يَبرأُ الزوجُ بالتسليمِ إلى أبيها ولا إلى غيرِه مِنْ الأولياءِ أو غيرِهم، فإنْ فعلَ بأنْ سلَّمَ الزوجُ الصَّداقَ لأبيها أو غيرِه وأنكَرَتِ الزوجةُ وُصولَ المهرِ إليها حلَّفَها الزوجُ إنْ أحَبَّ ذلكَ ورجَعَتْ عليه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ وصولِه إليها، ورجَعَ الزوجُ على أبيها أو غيرِه بما دَفَعَه لها؛ لعَدمِ بَراءتِه بدفعِه إليه.
وإنْ كانتِ الزوجةُ غيرَ رَشيدةٍ سلَّمه إلى وليِّها في مالها مِنْ أبيها أو وَصيِّها
стр. 9390
أو الحاكمِ أو مَنْ أقامَه الحاكمُ فيما عليها كثمنِ مبيعِها وسائرِ ديونِها (١).
وسيأتي حُكمُ هِبةِ المرأةِ صَداقَها لزوجِها قبلَ العقدِ وبعدَه في مَسألةِ: ما يُسقِطُ المَهرَ.
عَفوُ المَرأةِ أو وليِّها عن صَداقِها:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنه يَجوزُ العفوُ عن الصَّداقِ، إلا أنَّ العلماءَ اختَلفوا مِنَ المقصودِ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ولا خِلافَ بينَهم أنَّ المَقصودَ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ المُرادُ به الزوجاتُ؛ لأنه لو أرادَ الأزواجَ لقالَ: «إلَّا أنْ يَعفُوا»، ويكونُ عفوُها أنْ تَتركَ بقيةَ الصداقِ وهو النصفُ الذي جعَلَه اللهُ لها بعدَ الطلاقِ بقولِه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
ولا خِلافَ بينَهم أنَّ هذا للثيِّب، أنَّ لها العفوَ عن نصفِ صداقِها إذا طُلِّقَت قبلَ الدُّخولِ.
стр. 9391
إلا أنهُم اختَلفوا هل هذا يَشملُ البِكرَ؟ أم الثيِّبَ فقط؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ هذا الخِطابَ للبكرِ والثيبِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلم يَخُصَّ بِكرًا مِنْ ثيِّبٍ في نَسقِ قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعمُّ الأبكارَ والثُّيَّبَ.
وقد أجمَعَ المُسلمونَ أنَّ الثيبَ والبِكرَ في استحقاقِ نصفِ المهرِ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ سَواءٌ، ثمَّ قالَ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فكذلكَ هو في البكرِ وغيرِ البكرِ، إلا ما أجمَعُوا عليهِ مِنْ رَفعِ القلَمِ عنه للصَّغيرةِ منهُنَّ.
وهذا إذا كانَتِ البكرُ بالغةً رشيدةً، وأمَّا البكرُ الصغيرةُ المَحجورُ عليها فقَولًا واحدًا أنه لا يَجوزُ لها أنْ تَعفوَ عن صَداقِها ولا تَصحُّ هِبتُها.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والجُمهورُ على أنَّ المرأةَ الصغيرةَ والمَحجورةَ ليس لها أنْ تهَبَ مِنْ صداقَها النصفَ الواجبَ لها، وشَذَّ قومٌ فقالوا: يَجوز أنْ تهبَ؛ مَصيرًا لعُمومِ قولهِ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المقصودَ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ النِّساءُ المَدخولُ بهنَّ الثيِّباتُ؛ وأما البِكرُ فالعفوُ لوليِّها لا لها.
стр. 9392
وبناءً عليه اختلفَ العُلماءُ في المقصودِ بقَوله تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هل هو الزوجُ بأنْ يُتمَّ لها جَميعَ صداقِها قبلَ الدُّخول؟ أم الوليُّ بأنْ يَعفوَ عن نصفِ صَداقِ ابنتهِ البكرِ -لا الثيِّب- إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ الجَديدِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المرادَ به هو الزوجُ، وعفوُه أنْ يُتمَّ لها كمالَ المهرِ بعدَ الطلاقِ قبلَ الدخولِ، بأنْ يقولَ: «اختَرتُ فِراقَها فلا أمنَعُها شَيئًا مِنْ صَداقِها» فيَعطيَها جَميعَ المهرِ، ندَبَه اللهُ تعالَى إلى العفو كما نَدَبها، ليكونَ عفوُه تَرغيبًا للنساءِ فيهِ كما كانَ عفوُها ترغيبًا للرِّجالِ فيها، بأنْ تقولَ: «لمْ يَتمتَّعْ بي شَيئًا فلا آخُذُ مِنْ مالِه شيئًا»، وظاهرُ الآيةِ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنَّ الذي بيَدِه عقدةُ النكاحِ مَنْ يتصرَّفُ بعقدِ النكاحِ وهو الزوجُ دونَ الوليِّ، وعليه: لا يَجوزُ لوليِّها أنْ يَعفوَ عن شيءٍ مِنْ صداقِها، سواءٌ طُلِّقَت قبلَ الدخولِ أو بعدَه.
فإنْ طلَّقَ قبلَ الدخولِ فأيُّ الزوجَينِ عفَا لصاحبِه عمَّا وجَبَ له مِنْ نصفِ المهرِ وهوَ جائزُ التصرفِ بأنْ كانَ مُكلَّفًا رشيدًا بَرِئَ منه صاحبُه؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] (١).
стр. 9393
والدليلُ على صحةِ أنَّ الذي بيَدِه عُقدةُ النكاحِ هو الزوجُ دونَ الوليِّ الآيةُ، ومنها خمسةُ أدلَّةٍ:
أحَدُها: قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والعقدةُ عِبارةٌ عنِ الأمرِ المُنعقِدِ، ومنه حَبلٌ مَعقودٌ وعهدٌ معقودٌ، لمَّا قد استقرَّ عقدُه ونَجزَ، والنكاحُ بعدَ العقدِ يكونُ بيدِ الزوجِ دونَ الوليِّ.
والثاني: أنه أمَرَ بالعفوِ، وإنما يَعفو مَنْ ملَكَ، والزوجُ هو المالكُ دونَ الوليِّ، فاقتَضى أنْ يتوجَّهَ الخِطابُ بالعفوِ إليهِ لا إلى الوليِّ.
والثالثُ: أنَّ حقيقةَ العفوِ هوَ التركُ، وذلكَ لا يَصحُّ إلا مِنْ الزوجِ؛ لأنه ملَكَ بالطلاقِ أنْ يَتملَّكَ نصفَ الصداقِ، فإذا تَرَكَ أنْ يَتملَّكَ لم يَملكْ، فأما الوليُّ فعفوُه إما أنْ يكونَ هبةً إنْ كانَ عينًا أو إبراءًا إنْ كانَ في الذمَّةِ، فصارَ حقيقةُ العفوِ أخَصَّ بالزوجِ مِنْ حَمْلِه على المَجازِ في الوليِّ.
والرابعُ: أنه إذا توجَّهَ بالعَفوِ إلى الزوجِ كانَ مَحمولًا على عُمومِه في كلِّ زَوجٍ مطلِّقٍ، وإذا توجَّهَ إلى الوليِّ كانَ مَحمولًا على بَعضِ الأولياءِ في بعضِ الزوجاتِ، وهو الأبُ أو الأبُ والجدُّ مِنْ بينِ سائرِ الأولياءِ مع الصغيرةِ
стр. 9394
البكرِ التي لم يدخلْ بها دونَ سائرِ الزَّوجاتِ، فكانَ حَملُ الخِطابِ على ما يُوجِبُ العُمومَ أَولى مِنْ حَملِه على ما يُوجِبُ الخصوصَ.
والخامسُ: قولُه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا الخِطابُ غيرُ متوجِّهٍ إلى الوليِّ؛ لأنَّ قُرْبَه مِنْ التقوَى أنْ يَحفظَ مالَ مَنْ يَلي عليه لا أنْ يَعفوَ عنه ويبرأَ منه، فدلَّ على أنه الزوجُ دونَ الوليِّ، وهو راجعٌ على ما تقدَّمَه، فاقتَضى أنْ يكونَ المتقدِّمُ قبلَه الذي بيدِه عُقدةُ النكاحِ هو الزوجَ.
ويَدلُّ عليه مِنْ طريقِ السُّنةِ: ما رُويَ مرفوعًا أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «وَليُّ عُقدَةِ النكاحِ الزَّوجُ» (١)، وهذا نَصٌّ، ولأنه قولُ الصحابةِ، رَوى شريحٌ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ «أنَّ الذي بيَدِه عُقدةُ النكاحِ الزوجُ».
ورَوى أبو سَلمةَ «أنَّ جُبيرَ بنَ مُطعِمٍ تَزوَّجَ امرَأةً مِنْ بَني نَصرٍ فسَمَّى لها صَداقًا ثمَّ طلَّقَها مِنْ قبلِ أنْ يَدخلَ بها، فقرَأَ هذه الآيةَ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قالَ: أنا أحَقُّ بالعَفوِ منها، فسلَّمَ لها المَهرَ كامِلًا فأعطاها إياهُ» (٢).
ومِن طريقِ الاستدلالِ أنَّ الزوجَين مُتكافِئانِ فيما أُمِرَا به ونُدِبَا إليه، فلمَّا نُدِبتِ الزوجةُ إلى العفو ترغيبًا للرجالِ فيها اقتَضى أنْ يكونَ الزوجُ
стр. 9395
مَندوبًا إلى مثلِه تَرغيبًا للنساءِ فيه، ولأنه لو ملَكَ الأبُ العفوَ لَملَكَه غيرُه مِنَ الأولياءِ، ولو ملَكَه في البكرِ لَملَكَه في الثيِّبِ، ولو ملَكَه قبلَ الدخولِ لَملَكَه بعدَه، ولو ملَكَه بعدَ الطلاقِ لَملَكَه قبلَه، ولو ملَكَه في المهرِ لَملَكَه في الدَّينِ.
وتحريرُه قياسًا: أنَّ مَنْ لم يَملكِ العفوَ عن مهرِها إذا كانت ثَيبًا لم يَملكْه إذا كانَتْ بِكرًا، كالإخوةِ والأعمامِ طَردًا وكالسيِّدِ في أمَتِه عكسًا (١).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجَصاصُ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مُتشابهٌ؛ لاحتِمالِه الوجهَين اللذَين تأوَّلَهما السَّلفُ عليهما، فوجَبَ ردُّه إلى المُحْكَمِ وهو قولُه تعالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وقالَ تعالَى في آيةٍ أُخرى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فهذهِ الآياتُ مُحكَمةٌ لا احتِمالَ فيها لغيرِ المعنَى الذي اقتَضَتْه، فوجَبَ رَدُّ الآيةِ المتشابهةِ وهي قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إليها؛ لأمرِ اللهِ تعالَى الناسَ برَدِّ المُتشابِه إلى المُحكَمِ، وذَمَّ متَّبعِي المتشابِه مِنْ غيرِ حَمْلِه على معنَى المُحكَمِ بقولِه تعالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 9396
وأيضًا لمَّا كانَ اللفظُ مُحتمِلًا للمعاني وجَبَ حَملُه على مُوافَقةِ الأصولِ، ولا خلافَ أنه غيرُ جائزٍ للأبِ هِبةُ شيءٍ مِنْ مالِها للزوجِ ولا لغيرِه، فكذلكَ المهرُ لأنه مالُها، وقولُ مَنْ حمَلَه على الوليِّ خارجٌ عن الأصولِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَستحقُّ الولايةَ على غيرِه في هبةِ مالِهِ، فلمَّا كانَ قولُ القائِلِينَ بذلك مُخالِفًا للأصولِ خارِجًا عنها وجَبَ حَملُ معنَى الآيةِ على مُوافَقتِها؛ إذْ ليسَ ذلكَ أصلًا بنفسِه؛ لاحتمالِه للمَعاني، وما ليسَ بأصلٍ في نفسِه فالواجبُ ردُّه إلى غيرِه مِنَ الأصولِ واعتبارُه بها.
وأيضًا فلو كانَ المَعنَيانِ جَميعًا في حيِّزِ الاحتمالِ ووُجِدَ نظائرُهما في الأصولِ لَكانَ في مُقتضى اللفظِ ما يُوجِبُ أنْ يكونَ الزوجُ أَولى بظاهرِ اللفظِ مِنْ الوليِّ، وذلكَ لأنَّ قولَه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لا يَجوزُ أنْ يَتناولَ الوليَّ بحالٍ لا حقيقةً ولا مَجازًا؛ لأنَّ قولَه تعالَى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يَقتضي أنْ تكونَ العقدةُ مَوجودةً وهي في يَدِ مَنْ هي في يدِه، فأما عُقدةٌ غيرُ موجودةٍ فغيرُ جائزٍ إطلاقُ اللفظِ عليها بأنها في يَدِ أحدٍ، فلمَّا لم تَكنْ هناك عقدةٌ موجودةٌ في يدِ الوليِّ قبلَ العقدِ ولا بعدَه وقد كانَتِ العقدةُ في يدِ الزوجِ قبلَ الطلاقِ، فقدْ تَناولَه اللفظُ بحالٍ، فوجَبَ أنْ يكونَ حَملُه على الزوجِ أَولى منه على الوليِّ.
فإنْ قيلَ: إنما حكَمَ اللهُ بذلكَ بعدَ الطلاقِ، وليسَتْ عقدةُ النكاحِ بيدِ الزوجِ بعدَ الطلاقِ.
قيلَ له: يحَتملُ اللفظُ بأنْ يُريدَ الذي كانَ بيدِه عقدةُ النكاحِ، والوليُّ لم
стр. 9397
يَكنْ بيَدِه عقدةُ النكاحِ ولا هيَ في يدِه في الحالِ، فكانَ الزوجُ أَولى بمعنَى الآيةِ مِنْ الوليِّ، ويَدلُّ على ذلكَ قولُه تعالَى في نَسقِ التلاوةِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فندَبَه إلى الفَضلِ وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وليسَ في هبةِ مالِ الغيرِ إفضالٌ منه على غيرِه، والمرأةُ لم يَكنْ منها إفضالٌ، وفي تَجويزِ عفوِ الوليِّ إسقاطُ معنَى الفضلِ المذكورِ في الآيةِ، وجعَلَه تعالى بعدَ العفوِ أَقربَ للتقوى، ولا تَقوى له في هبةِ مالِ غيرِه، وذلكَ الغيرُ لم يَقصِدْ إلى العفو، فلا يَستحقُّ به سِمةَ التقوَى.
وأيضًا فلا خِلافَ أنَّ الزوجَ مندوبٌ إلى ذلك، وعَفوُه وتَكميلُ المهرِ لها جائزٌ منه، فوجَبَ أنْ يكونَ مُرادًا بها، وإذا كانَ الزوجُ مُرادًا انتَفى أنْ يكونَ الوليُّ مُرادًا بها؛ لأنَّ السَّلفَ تأوَّلُوه على أحدِ مَعنَيينِ: إمَّا الزَّوج وإما الوَلي، وإذْ قد دَلَّلْنا على أنَّ الزوجَ مرادٌ وجَبَ أنْ تَمتنعَ إرادةُ الوليِّ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في قولٍ إلى أنَّ المقصودَ بقولِه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هو الأبُ في ابنتِه البكرِ؛ لأنه لمَّا ندَبَ الكبيرةَ إلى العفوِ ندَبَ وليَّ الصغيرةِ إلى مثلِه؛ ليَتساويَا في ترغيبِ الأزواجِ فيهما، فيَجوزُ للأبِ أنْ يعفوَ عن نصفِ صداقِ ابنتِه البكرِ إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ.
وليسَ له العفوُ قبلَ الطلاقِ عندَ مالكٍ، وقالَ ابنُ القاسمِ: يَجوزُ إذا كانَ
стр. 9398
لمَصلحةٍ كعُسر الزوجِ، وإذا دخَلَ بها فليسَ له أنْ يعفوَ عن شيءٍ مِنْ صداقِها اتفاقًا؛ لأنها لمَّا صارت ثيِّباً صارَ الكلامُ لها.
والدليلُ عليه مِنْ الآيةِ دَلائلُ:
أحدُها: أنه افتَتحَها بخِطابِ الأزواجِ مُواجَهةً ثمَّ عدَلَ بقولِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إلى خِطابِ الزوجاتِ كنايةً، ثم أرسَلَ قولَه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] خِطابًا لمَكْنِيٍّ عنه غيرِ مُواجَهٍ، والخِطابُ إذا عُدِلَ به عن المُواجَهةِ إلى الكِنايةِ اقتَضى ظاهرُه أنْ يَتوجهَ إلى غيرِ المواجَهِ، والزوجُ مواجَهٌ فلم تَعُدْ إليه الكِنايةُ، والزوجةُ قد تقدَّمَ حُكمُها، ولَفظُ الكنايةِ مُذكَّرٌ، فلم يَجزْ أنْ يَعودَ إليها، فلم يَبْقَ مَنْ يَتوجهُ الخِطابُ إليه غيرُ الوليِّ.
والدليلُ الثاني مِنْ الآيةِ قولُه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وليسَ أحدٌ بعدَ الطلاقِ بيَدِه عقدةُ النكاحِ إلا الوليَّ؛ لأنه يَملكُ أنْ يزوجَه، فاقتَضى أنْ يَتوجَّهَ الخِطابُ إليه ولا يَتوجهَ إلى الزوجِ الذي ليسَ العقدُ إليه، لِيكونَ الخِطابُ مَحمولًا على الحقيقةِ مِنْ غيرِ إضمارٍ، ولا يُحمَلُ على مَجازٍ وإضمارٍ.
والدليلُ الثالثُ مِنَ الآية: أنَّ الذي يَختصُّ به الوليُّ مِنَ النكاحِ أنْ يَملكَ عقْدَه، والذي يَختصُّ به الزوجُ أنْ يَملكَ الاستمتاعَ بعدَه، فكانَ حَملُ الذي بيده عقدةُ النكاحِ على الوليِّ الذي يَملكُ عقدَه أَولى مِنْ حَملِه على الزوجِ الذي يَملكُ الاستمتاعَ بعدَه.
стр. 9399
والدليلُ الرابعُ مِنْ الآيةِ: أنَّ الزوجَ غارِمٌ للباقي مِنْ نصفِ الصَّداقِ في حقِّ الزوجةِ تَقبضُه الكبيرةُ ووَليُّ الصغيرةِ، فكانَ تَوجُّهُ العفوِ إلى مُستحِقِّ الغُرمِ أَولى مِنْ توجُّهِه إلى مُلتزِمِ الغُرمِ.
والخامسُ: أنَّ اللهَ تعالى ندَبَ إلى العفوِ مِنْ كِلا الطرفَين، فندَبَ إلى الأزواجِ بقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولم يُفصِّلْ؛ لأنهم يَملكونَ أنفسَهم، ثمَّ لمَّا ندَبَ النساءَ وكُنَّ يَنقسمْنَ إلى ثُيَّبٍ يَملكْنَ أنفسَهن ولا حَجْرَ عليهنَّ، وإلى أبكارٍ يُولَّى عليهنَّ، خاطَبَ الثُّيَّبَ بإيقاعِ العفوِ منهنَّ وامتَنعَ ذلكَ في الأبكارِ، فعدَلَ إلى الأولياءِ المالِكِين أمورَهنَّ وهمُ الآباءُ، ومتى جعَلْناه للأزواجِ أَخرَجْنا الأبكارَ مِنْ حيِّزِ مَنْ يُندبُ إلى العفوِ، ولأنهنَّ أحدُ نوعيِ الزوجاتِ، فجازَ أنْ يَلحقَهنَّ الندبُ إلى العفوِ عن نصفِ الصداقِ كالثيبِ، ولأنها أحَدُ الزوجَينِ، فلَحقَها العفوُ عُمومًا كالزوج، ولأنه وَليٌّ يَملكُ الإجبارَ، فجازَ له العفو عن صداق مَنْ يَملكُ إجبارَها، أصلُه السيدُ في أمَتِه (١).
стр. 9400
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفوا مِنْ هذا الباب في فرعٍ مَشهورٍ مُتعلقٍ بالسَّماعِ، وهو: هل للأبِ أنْ يَعفوَ عن نصفِ الصداقِ في ابنتِه البكرِ -أعني إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ- وللسيدِ في أمَتِه؟ فقالَ مالكٌ: ذلكَ له، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: ليسَ ذلكَ له.
وسَببُ اختلافِهم هو الاحتِمالُ الذي في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وذلكَ في لَفظةِ «يَعفُو»؛ فإنها تُقالُ في كلامِ العَرَبِ مرَّةً بمعنَى يُسقِطُ ومرَّةً بمعنى يَهَبُ، وفي قولِه: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ على مَنْ يَعودُ هذا الضميرُ، هل على الوليِّ أو على الزوجِ؟ فمَن قالَ: «على الزوجِ» جعَلَ يَعفو بمَعنى يَهبُ، ومَن قالَ: «على الوليِّ» جعَلَ يَعفُو بمعنى يُسقِطُ.
وشذَّ قومٌ فقالوا: لكُلِّ وليٍّ أنْ يَعفوَ عن نصفِ الصداق الواجبِ للمرأةِ.
ويُشبهُ أنْ يكونَ هذانِ الاحتمالانِ اللذانِ في الآيةِ على السواءِ، لكن مَنْ جعَلَه الزوجَ فلم يُوجِبْ حكمًا زائدًا في الآيةِ، أي شَرعًا زائدًا؛ لأنَّ جوازَ ذلكَ معلومٌ مِنْ ضَرورةِ الشرعِ، ومَن جعَلَه الوليَّ إمَّا الأبَ وإما غيرَه فقد زادَ شَرعًا، فلذلكَ يَجبُ عليه أنْ يأتيَ بدليلٍ يُبيِّنُ به أنَّ الآيةَ أظهَرُ في الوليِّ منها في الزوجِ، وذلكَ شَيءٌ يَعسرُ.
والجُمهورُ على أنَّ المرأةَ الصغيرةَ والمَحجورةَ ليس لها أنَ تهَبَ مِنْ
стр. 9401
صداقِها النصفَ الواجبَ لها، وشذَّ قومٌ فقالوا: يَجوزُ أنْ تهَبَ؛ مَصيرًا لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١).
إذا تَزوَّجَها على أنْ يَكونَ لأبيها وأمِّها مالٌ غَيرُ المَهرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوجَ الرَّجلُ المرأةَ على أنْ يَكونَ لها المهرُ ولأبيها مثلًا ألفٌ، هل يَصحُّ ويكونُ لأبيها الألفُ؟ أم لا يَصحُّ ويَكونُ لها مهرُ المثلِ؟ أم يَصحُّ ويكونُ الجميعُ لها؟
فذهبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الأبَ إذا زوَّجَ ابنتَه على عشرةِ آلافٍ على أنْ يَجعلَ للأبِ ألفَ دِرهمٍ وقبضَ الأبُ الألفَ فاستَهلكَها أنه إنْ كانَ جعَلَها له الزوجُ على حالٍ يَرى أنَّ ذلكَ لازمٌ له فله أنْ يَرجعَ بها على الأبِ، وإنْ كانَ جَعلَها هبةً لم يكنْ له أنْ يَرجعَ فيها إلا كمَا يَرجعُ في الهبةِ (٢).
وجاءَ في «الفَتاوى الهِنديَّة»: ولو تزوَّجَها على ألفَينِ على أنَّ ألفًا منهما لأبيها أو لفُلانٍ بعَينِه فليسَ بشيءٍ؛ لأنه شرَطَ فيه هبةً باطلةً، وعليه تمامُ مهرِ المثلِ إنْ كانَ أكثرَ مِنَ الألفِ كذا في «العتَّابيةِ».
ابنُ سماعةَ عن مُحمدٍ ﵀: رَجلٌ تزوجَ امرأةً على ألفَين ألفٍ لها وألفٍ لأبيها، أو قالتِ المرأةُ: «زوَّجْتُ نَفسي منكَ على ألفَين ألفٍ لي وألفٍ لأبي» فذلكَ جائزٌ والألفانِ لها، كذا في «المُحيط» (٣).
стр. 9402
وأمَّا المالِكيةُ فَجاءَ في «مُوَطَّأ الإمامِ مالكٍ» أنه بَلَغَه أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَبَ في خِلافتِه إلى بعضِ عُمَّالِه أنَّ كلَّ ما اشتَرطَ المُنكِحُ مَنْ كانَ أبًا أو غيرَه مِنْ حِبَاءٍ أو كَرامةٍ فهو للمرأةِ إنِ ابتغَتْه (أي طلبَتْه).
قالَ مالكٌ في المَرأةِ يُنكِحُها أبوها ويَشترطُ في صداقِها الحِباءَ: يُحبَى به إنْ ما كانَ مِنْ شَرطٍ يَقعُ به النكاحُ فهو لابنتِه إنِ ابتغَتْه، وإنْ فارَقَها زوجُها قبلَ أنْ يَدخلَ بها فلزَوجِها شَطرُ الحِباءِ الذي وقَعَ به النكاحُ (١).
وقالَ ابنُ القاسمِ عن مالكٍ ما في «المُوَطَّأ» وزادَ: إنْ كانَ الأبُ اشتَرطَ في حينِ عقدِ نكاحِه حِباءً يُحبَى به فهو لابنتِه، وإنْ أعطاهُ بعدَ ما زوَّجَه فإنها تَكرمةٌ أكرَمَه بها، فلا شيءَ لابنتِه فيه.
وإنْ فارَقَها زوجُها قبلَ أنْ يَدخلَ بها فلزوجِها شطرُ -أي نصفُ- الحِباءِ الذي وقَعَ به النكاحُ؛ لأنه مِنْ الصداقِ وهو يَتشطَّرُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ.
واستدلَّ المالكيةُ على ذلك بقولِ النبيِّ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ نُكِحتْ على صَداقٍ أو حِباءٍ أو عِدَةٍ قبلَ عِصمةِ النكاحِ فهو لها، وما كانَ بعدَ عِصمةِ النكاحِ فهوَ لمَن أُعطِيَه، وأحَقُّ ما أُكرِمَ عليهِ الرَّجلُ ابنَتُه أو أختُه» (٢)(٣).
стр. 9403
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا نكَحَ امرأةً بألفٍ مثلًا على أنَّ لأبيها أو لغيرِه ألفًا أو بشَرطِ أنْ يعطيَه أو غيرهُ ألفًا مِنْ الصَّداقِ أو غيرِه فالصداقُ فاسدٌ في الصورتَين؛ لأنَّ الألفَ إنْ لم يكنْ مِنْ المهرِ فهو عقدٌ في عقدٍ، وإنْ كانَ مِنْ المهرِ فقدْ جعَلَ بعضَ ما التزَمَه في مُقابلةِ البُضعِ لغيرِ الزوجةِ ففسدَ، ووجَبَ مهرُ المثلِ فيهما؛ لفَسادِ المسمَّى.
والطريقُ الثاني: فسادُه في الصُّورةِ الأولى دونَ الثانيةِ؛ لأنَّ لفْظَ الإعطاءِ لا يَقتضي أنْ يَكونَ المُعطَى للأبِ.
وقولُ الوليِّ: «زوَّجتُها بألفٍ على أنَّ لي ألفًا» أَولى بالفسادِ مِنْ قولِه: «على أنْ تُعطيَني ألفًا»؛ لأنَّ فيه شرطَ عقدٍ في عقدٍ صَريحًا بقَولِه: لي.
وأمَّا إنْ تزوَّجَها على أنْ تعطيَ المرأةُ أباها ألفًا فهو وَعدُ هِبةٍ منها لأبيها (١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «وإذا عُقدَ النكاحُ بألفٍ على أنَّ لأبيها ألفًا فالمهرُ فاسدٌ؛ لأنَّ الألفَ ليسَ بمهرٍ لها ولا يَحقُّ له باشتِراطِه إياه».
стр. 9404
قالَ الماوَرديُّ: وهذا صحيحٌ، إذا تزوَّجَا على صَداقِ ألفٍ على أنَّ لأبيها ألفًا لم يَصحَّ الشرطُ، ولم يَلزمْه دفعُ الألفِ إلى الأبِ، ويَبطلُ به الصداقُ.
وقالَ قَتادةُ: الصَّداقُ صحيحٌ على ألفٍ، والشرطُ لازمٌ للأبِ، وعلى الزوجِ له ألفٌ بالشرطِ.
وقالَ مالكٌ: الشرطُ باطلٌ في حقِّ الأبِ، ويَصيرُ الألفان معًا صَداقًا للزوجةِ.
والدليلُ على مالكٍ في بُطلانِ الشرطِ أنَّ شُروطَ العقودِ ما كانَتْ في حقِّ المَعقودِ أو المعقودِ عليهِ، وليسَ الأبُ واحِدًا منهُما، فلم يَصحَّ الشرطُ له كما لو شرَطَه أجنبيٌّ.
والدليلُ على قَتادةَ في أنَّ ما شرَطَه الأبُ لا يصيرُ صَداقًا للزوجةِ هو أنَّ ما لم يُجعلْ صَداقًا مُسمًّى لم يَجُزْ أنْ يصيرَ صداقًا مُسمًّى كالمشروطِ لغيرِ الأبِ، ولأنه لو جازَ أنْ يكونَ ما شرَطَه للأبِ زيادةً في الصداقِ لَكانَ ما شرَطَ على الأب نُقصانًا مِنْ الصَّداقِ، وهذا باطلٌ في الشرطِ عليه فبطَلَ في الشرطِ له.
فصلٌ: هل يبطلُ النكاحُ ببطلانِ الصداقِ؟
فإذا ثبَتَ أنَّ الشرطَ باطلٌ في حقِّ الأبِ بخِلافِ ما قالَه قتادةُ وباطلٌ في حقِّ الزوجةِ بخلافِ ما قالَه مالكٌ كانَ الصداقُ باطلًا؛ لأنَّ للشرطِ تَأثيرًا في
стр. 9405
النقصانِ منه، وَقدرُه مَجهولٌ فأفضَى إلى جَهالةِ جَميعِ الصداقِ، وإذا صارَ الصداقُ مَجهولًا بطَلَ ولم يَبطلِ النكاحُ وكانَ لها مهرُ المثلِ؛ فإنْ طُلِّقَت قبلَ الدخولِ كانَ لها نصفُ مهرِ المثلِ؛ لأنه قد سمَّى لها صَداقًا فاسدًا (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه يجوزُ لأبِ المرأةِ أنْ يَشترطَ شَيئًا مِنْ صداقِ ابنتِه لنفسهِ، فإذا تزوَّجَها على ألفٍ لها وألفٍ لأبيها كانَ ذلكَ جائزًا؛ لقولِ اللهِ تعالى على لِسانِ شُعيبٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، فجعَلَ الصداقَ الإجارةَ على رِعايةِ غَنمِه وهو شرطٌ لنفسِه، ولأنَّ للوالدِ الأخذ مِنْ مالِ ولدِه بدَليل قولِه ﵇: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، وإنما يكونُ الابنُ لأبيه بمعنَى أنَّ مَنفعتَه له، ومَن له المَنفعةُ له أنْ يَستوفيَها بنفسِه وبغيرِه.
وقوله: «إنْ أولادَكم مِنْ أطيَبِ كَسبِكُم، فكُلُوا مِنْ أموالِهم»، فإذا شرَطَ لنفسِه شَيئًا مِنْ الصداقِ يكونُ ذلكَ أخذًا منِ مالِ ابنتِه، وله ذلكَ.
ولو شرَطَ جَميعَ الصَّداقِ لنفسهِ صَحَّ؛ بدليلِ قِصةِ شُعيبٍ فإنه شرَطَ الجميعَ لنفسِه.
وإذا تزوَّجَها على ألفٍ لها وألفٍ لأبيها فطُلقَتْ قبلَ الدخولِ رجَعَ الزوجُ في الألفِ الذي قبضَتْه ولم يكنْ على الأبِ شيءٌ ممَّا أخَذَ؛ لأنَّ الطلاقَ قبلَ الدخولِ يُوجِبُ نصفَ الصداقِ، والألفانِ جَميعُ صداقِها،
стр. 9406
فرجَعَ عليها بنصفِهما وهو ألفٌ، ولم يكنْ على الأبِ شيءٌ؛ لأنه أخذَ مِنْ مالِ ابنتِه ألفًا، فلا يجوزُ الرجوعُ عليه بهِ، وهذا فيما إذا كانَ قدْ أقبضَها الألفَينِ، ولو طلَّقَها قبلَ قبضِهما سقَطَ عن الزوجِ ألفٌ وبقيَ عليه ألفٌ للزوجةِ يأخذُ الأبُ منها ما شاءَ.
وقالَ القاضي: يكونُ بينَهما نصفَين، وقالَ: نقلَه مُهنَّا عن أحمَدَ؛ لأنه شرَطَ لنفسِه النصفَ ولم يَحلَّ مِنْ الصداقِ إلا النِّصفُ، وليسَ هذا القولُ على سبيلِ الإيجابِ، فإنَّ للأبِ أنْ يأخُذَ ما شاءَ ويَتركَ ما شاءَ، وإذا ملَكَ أنْ يأخذَ مِنْ غيرِ شرطٍ فكذلكَ إذا شرطَ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ شرَطَ ذلكَ غيرُ الأبِ مِنْ الأولياءِ كالجَدِّ والأخِ والعمِّ فالشرطُ باطلٌ، نَصَّ عليه أحمدُ، وجَميعُ المسمَّى لها، ذكَرَه أبو حَفصٍ، وهو قولُ مَنْ سَمَّينا في أولِ المسألةِ، وقالَ الشافعيُّ: يجبُ مهرُ المثلِ، وهكذا ذكَرَ القاضي في «المُجرَّد»؛ لأنَّ الشرطَ إذا بطَلَ احتَجْنا أنْ نَردَّ إلى الصَّداقِ ما نَقصَتِ الزوجةُ لأجلِه ولا يُعرفُ قدرُه، فيصيرُ الكلُّ مَجهولًا فيَفسدُ، وإنْ أصدَقَها ألفَينِ على أنْ تعطيَ أخاها ألفًا فالصداقُ صَحيحٌ؛ لأنه شَرطٌ لا يُزادُ في المهرِ مِنْ أجلِه ولا يُنقصُ منه، فلا يُؤثرُ في المهرِ، بخلافِ التي قَبْلَها.
ولنا: إنَّ جَميعَ ما اشتَرطَه عوضٌ في تزويجِها، فيكونُ صداقًا لها كما لو جعَلَه لها، وإذا كانَ صداقًا انتَفَتِ الجَهالةُ، وهكذا لو كانَ الأبُ هو المشتَرِطَ لَكانَ الجميعُ صَداقًا، وإنما هو أخَذَ مِنْ مالِ ابنتِه لأنَّ له ذلكَ.
стр. 9407
ويُشترطُ أنْ لا يكونَ ذلك مُجحِفًا بمالِ ابنتِه، فإنْ كانَ مُجحِفًا بمالها لم يَصحَّ الشرطُ وكانَ الجَميعُ لها كما لو اشتَرطَه سائرُ أوليائها، ذكَرَه القاضي في «المُجرَّد».
فصلٌ: فإنْ شرَطَ لنفسِه جميعَ الصداقِ ثم طلَّقَ قبلَ الدخولِ بعدَ تَسليمِ الصداقِ إليه رجَعَ في نصفِ ما أعطَى الأبَ؛ لأنه الذي فرَضَه لها، فتَرجعُ في نصفِه؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويَحتملُ أنْ يَرجعَ عليها بقَدرِ نصفِه ويكونُ ما أخَذَه الأبُ له؛ لأننا قدَّرْنا أنَّ الجَميعَ صارَ لها ثم أخَذَه الأبُ منها، فتصيرُ كأنها قبضَتْه ثم أخَذَه منها، وهكذا لو أصدَقَها ألفًا لها وألفًا لأبيها ثم ارتدَّتْ قبلَ الدُّخولِ فهل يَرجعُ في الألفِ الذي قبَضَه الأبُ عليه أو عليها؟ على وجهَين (١).
إذا تَزوَّجَها على مَهرٍ في السِّرِّ ومَهرٍ في العَلانيَةِ:
اختلفَ الفُقهاءُ فيما لو اتَّفقَ الزَّوجانِ على مهرٍ في السرِّ ثمَّ اتَّفقَا أنْ يُعلِنَا مَهرًا أكثَرَ منه في العَلانيةِ أمامَ الناسِ، أو العكس بأنْ كتَبَا مَهرًا كَبيرًا في السرِّ ثم أعلَنَا أمامَ الناسِ مَهرًا أقَلَّ منه، ما الذي يَلزمُ الزوجَ منهُما؟ هل مَهرُ السرِّ أم العَلانيةِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ -وكذا الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ
стр. 9408
كما سَيأتي تَفصيلُ قَولِهم- إلى أنَّ الزوجَين إذا تواضَعَا في السرِّ والباطنِ واتَّفقَا على أنْ يتزوَّجَها على مهرٍ في السرِّ وذكَرَا في العَلانيةِ أثناءَ العقدِ مَهرًا أكثَرَ منه تجمُّلًا -بأنْ تزوجَها على ألفِ دِرهمٍ في السرِ لكنَّهما يُظهرانِ أثناءَ العقدِ ألفَين لأمرٍ حمَلَهما على ذلكَ- فالمهُر مَهرُ العَلانيةِ المذكورِ في العقدِ وهو ألفانِ؛ لأنَّ تلكَ المواضَعةَ ما كانت لازِمةً، وجُعِلَ ما عقَدَا عليه في العَلانيةِ بمنزلَةِ الزيادةِ في مهرِها؛ لأنَّ المهرَ ما يكونُ مذكورًا في العقدِ والألفانِ مَذكورتانِ في العقدِ، ولأنها تَسميةٌ صَحيحةٌ في عقدٍ صحيحٍ، فوجَبَت كما لو لم يَتقدَّمْها اتفاقٌ.
قالَ الحَنفيةُ: إلَّا أنْ يكونَ أشهَدَ عليها أو على وَليِّها الذي زوَّجَها منه أنَّ المهرَ هو الذي في السرِّ، والعَلانيةُ سُمعةٌ، فحِينئذٍ المهرُ ما سُمِّيَ لها في السرِّ؛ لأنهما في الإشهادِ أظهَرَا أنَّ مُرادَهما الهَزلُ بالزيادةِ على مَهرِ السرِّ، والهزلُ ببَعضِ المسمَّى مانعٌ منَ الوجوبِ؛ لأنهما لمَّا قالَا الألفُ منهما سُمعةٌ فقد هَزلَا بذلك قدْرَ الألفِ حيثُ لم يَقصدَا به مهرًا، والمهرُ ممَّا يَدخلُه الجِدُّ والهزلُ ففسَدَتْ تسميتُه قدْرَ الألفِ والتحَقَتْ بالعدمِ، فبَقيَ العقدُ على ألفٍ.
وإنِ اختَلفَا فادَّعى الزوجُ المُواضَعةَ وأنَّ المهرَ ألفٌ وهو مَهرُ السرِّ وأنكَرَتِ الزَّوجةُ فالقولُ لها.
وهذا فيما لو تَوطَأَ ولم يَعقدَا، فأمَّا إذا تعاقَدَا في السرِّ بألفٍ وأشهَدَا
стр. 9409
أنهما يُجدِّدانِ العقدَ بألفَينِ سُمعةً فالمهرُ هو الأولُ؛ لأنَّ العقدَ الثاني بعدَ الأولِ لغوٌ، وبالإشهادِ عَلِمْنا أنهما قصَدَا الهزلَ بما سمَّعَا فيه.
واختَلفوا إذا لم يُشهِدَا في ذلكَ، فقالَ أبو حَنيفةَ: المهرُ هو مهرُ العَلانيةِ، ويكونُ هذا منه زيَادةً لها في المهرِ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: المهرُ هو الأولُ؛ لأنَّ العقدَ الثاني لغوٌ فمَا ذكرَ فيه مِنْ الزيادةِ أيضًا يَلغُو.
هذا إنِ اتَّحدَ الجنسُ، فإنِ اختَلفَ الجنسُ واتَّفقَا في السرِّ والباطِن على أنْ يكونَ المهرُ ألفَ درهمٍ ولكنَّهما يُظهِرانِ في العقدِ مائةَ دينارٍ، فإنْ لم يقولَا: «رِياءٌ وسُمعةٌ» فالمهرُ ما تعاقَدَا عليه؛ لِمَا قُلنا، وإنْ قَالا: «رياءٌ وسُمعةٌ» فتعاقَدَا على ذلك فلها مَهرُ مثلِها في ظاهرِ الروايةِ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ما تواضَعَا عليهِ -وهو الألفُ- لم يَذكُراه في العقدِ، وما ذَكَراهُ -وهو المائةُ دينارٍ- ما تواضَعَا عليه، فلمْ تُوجَدِ التَّسميةُ، فيَجبُ مهرُ المثلِ، كمَا لو تزوَّجَها ولم يُسَمِّ لها مهرًا.
وفي رِوايةٍ عنه أنَّ لها مهرَ العَلانيةِ مائةَ دينارٍ؛ لأنَّ المائةَ دينارٍ هي المَذكورةُ في العقدِ، والمهرُ اسمٌ للمَذكورِ في العقدِ؛ لِمَا بيَّنَّا، فيُعتبَرُ المذكورُ ولا تُعتبَرُ المُواضَعةُ السابقةُ.
هذا الذي ذكَرْنا إذا لم يتعاقَدَا في السرِّ والباطنِ على أنْ يكونَ للمَهرِ قدرٌ أو جِنسٌ ثم يَتعاقدَا على ما تَواضعَا واتَّفقَا عليه.
стр. 9410
فأما إذا تَعاقدَا في السرِّ على قَدرٍ مِنَ المهرِ أو جِنسٍ منه ثم اتَّفقَا وتَواضعَا في السرِّ على أنْ يُظهرَا في عَقدِ العلانيةِ أكثرَ مِنْ ذلكَ أو جِنسًا آخَرَ، فإنْ لم يَذكرَا في المُواضَعةِ السابقةِ أنَّ ذلكَ سُمعةٌ فالمهرُ ما ذكَرَاه في العلانيةِ في قولِ أبي حنيفةَ ومُحمدٍ، ويكونُ ذلك زِيادةً على المَهرِ الأولِ، سواءٌ كانَ مِنْ جنسِه أو مِنْ خلافِ جنسِه، فإنْ كانَ مِنْ خلافِ جنسِه فجَميعُه يكونُ زيادةً على المهرِ الأولِ، وإنْ كانَ مِنْ جنسِه فقدرُ الزيادةِ على المَهرِ الأولِ يكونُ زيادةً.
ولأنهما قصَدَا شيئَين: استِئنافَ العقدِ وزِيادةً في المهرِ، واستئنافُ العقدِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَحتملُ الفَسخَ، والزيادةُ صحيحةٌ، فصارَ كأنه زادَ ألفًا أُخرَى أو مائةَ دينارٍ، وإنْ ذكَرَا في المُواضعةِ السابقةِ أنَّ الزِّيادةَ أو الجنسَ الآخَرَ سمعةٌ فالمهرُ هو المَذكورُ في العقدِ الأولِ والمَذكورُ في العقدِ الثاني لغوٌ؛ لأنهما هَزلَا به حيثُ جَعلاهُ سمعةً، والهزلُ يَعملُ في المهرِ فيُبطلُه.
ورُوي عن أبي يُوسفَ أنه قالَ: المهرُ مهرُ السرِّ؛ لأنَّ المهرَ ما يكونُ مَذكورًا في العقدِ، والعقدُ هو الأولُ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَحتملُ الفسخَ والإقالةَ، فالثاني لا يَرفعُ الأولَ، فلم يكنِ الثاني عَقدًا في الحقيقةِ، فلا يُعتبَرُ المذكورُ عندَه، فكانَ المهرُ هو المذكورَ في العقدِ الأولِ (١).
стр. 9411
وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: ولو تَوافَقُوا -أي الوليُّ والزوجُ والزوجةُ إذا كانَتْ بالغةً- على مهرٍ كمائةٍ كانَ سرًّا وأعلَنُوا زيادةً كمائتَينِ فيَجبُ ما عُقدَ به؛ اعتِبارًا بالعَقدِ؛ لأنَّ الصداقَ يجبُ بهِ، سواءٌ كانَ العقدُ بالأقلِّ أم بالأكثرِ، اتَّحدَتْ شهودُ السرِّ والعلَنِ أم لا.
وإنْ تكرَّرَ العقدُ بأنْ عقَدَ عقدَينِ فالواجبُ ما عقدَ به أولًا قَلَّ أو كثرَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لو كرّرَ العَقد على صداقَينِ سرًّا وعلانيةً أُخِذَ بالزائدِ مُطلَقًا؛ لأنه إنْ كانَ السرُّ أكثرَ فقدْ وجَبَ بالعقدِ ولم يُسقطْه العَلانيةُ، وإنْ كانَ العَلانيةُ أكثرَ فقدْ بذَلَ لها الزائدَ فلَزمَه كما لو زادَها في صَداقِها بعدَ تمامِ العقدِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤].
وإنْ قالَ الزوجُ: «هو عقدٌ واحدٌ أسرَرْتُه ثمَّ أظهَرْتُه فلا يَلزمُني إلا مَهرٌ واحدٌ» وقالتِ الزوجةُ: «بل عَقدانِ بينَهما فُرقةٌ» فالقولُ قولُها بيمينِها؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ الثاني عقدٌ صحيحٌ يُفيدُ حُكمًا كالأولِ، ولها المهرُ في العقدِ الثاني إنْ كانَ دخَلَ بها، ونصفُه في العقدِ الأولِ إنِ ادَّعى سُقوطَ نصفِه بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ لزومِه له.
وإنْ أصَرَّ على إنكارِ جَريانِ عَقدَينِ بينَهما فرقةٌ سُئِلَتْ، فإنِ ادَّعَت أنه
стр. 9412
دخَلَ بها في النكاحِ الأولِ ثمَّ طلَّقَها طَلاقًا بائنًا ثم نكَحَها نكاحًا ثانيًا حلَفَتْ على ذلكَ واستَحقَّتْ ما ادَّعتْه، وإنْ أقَرَّتْ بما يُسقِطُ نصفَ المهرِ أو جَميعَه لَزمَها ما أقَرَّتْ به.
وأمَّا لو اتَّفقَا قبلَ العقدِ على مهرٍ وعقَدَاه بأكثرَ منه أخذَ بمَا عقدَ به -كما تقدَّمَ-؛ لأنها تَسميةٌ صَحيحةٌ في عقدٍ صَحيحٍ فوجَبَتْ كما لو لم يَتقدَّمْها اتِّفاقٌ على خلافِها، وكعَقدِه النكاحَ هَزلًا وتَلجِئةً، بخِلافِ البيعِ، ويُستحبُّ أنْ تَفيَ بما وعَدَتْ به وشرَطَتْه مِنْ أنها لا تأخُذُ إلا مهرَ السرِّ؛ لكَيلَا يَحصلَ منها غرورٌ، ولحديثِ: «المُؤمنونَ على شُروطِهم» (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الزوجَين أو الزوجَ والوليَّ إذا اتَّفقَا على مهرٍ في السرِّ ثم عقَدَا على مهرٍ في العلانيةِ أنَّ المهرَ الواجبَ هو مهرُ السرِّ قلَّ أو كثرَ (٢).
قالَ المالِكيةُ: إذا اتفقَ الزوجانِ على صداقٍ بينَهما في السرِّ وأظهَرَا صَداقًا في العَلانيةِ يُخالفُه قَدرًا أو صِفةً أو جنسًا فإنَّ الصداقَ المُعوَّلَ عليه
стр. 9413
ما اتَّفقَا عليه في السرِّ، ولا يُعملُ بما اتَّفقَا عليه في العَلانيةِ، وسواءٌ كانَ شهودُ السرِّ هم شُهودُ العَلانيةِ أم غيرُهم، وهذا إذا اتَّفقَ الزوجانِ على هذا.
أما إنِ اختَلفَا وتَنازعَا وادَّعتِ المرأةُ على الزوجِ أنهما رجَعَا عمَّا اتفقَا عليه في السرِّ إلى ما أظهَرَاه في العلانيةِ وأَكذَبَها الزوجُ فإنَّ لها أنْ تُحلِّفَه على ذلكَ، فإنْ حلَفَ عُملَ بصَداقِ السرِّ، وإنْ نكَلَ عُملَ بصَداقِ العلانيةِ بعدَ حَلِفِها.
ومَحلُّ حَلِفِ الزوجِ ما لم تَقُمْ بيِّنةٌ تَشهدُ أنَّ صداقَ العلانيةِ لا أصلَ له، بأنْ يَشهدَ شهودُ السرِّ أنَّ الزوجَينِ أشهَداهُم أنَّ الصداقَ الذي أعلَنَاهُ لا أصلَ له وأنَّ السرَّ هو المَعمولُ به، فإنه يُقضَى بصداقِ السرِّ ولا يَحلفُ الزوجُ حِينئذٍ، وسواءٌ في هذا كلِّه كانَ شُهودُ السرِّ هم شهودُ العَلانيةِ أم غيرُهم (١).
هل هَديةُ الزَّوجِ للزَّوجةِ تُعتبَرُ مِنْ المَهرِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَهدى الزوجُ إلى زوجتِه هديةً مثلَ الذَّهبِ والشَبْكَةِ وغيرِها مِنَ الهدايا، هل تُحسَبُ مِنَ المهرِ أم لا؟
فذهبَ أكثرُ العُلماءِ إلى أنَّ هديةَ الزوجِ لزَوجتِه لا تُحسَبُ مِنْ المهرِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو خطَبَ بنتَ رَجلٍ وبعَثَ إليها شيئًا ولم يُزوِّجْها أبوها
стр. 9414
فما بعَثَ للمهرِ يَستردُ عينَه قائمًا فقط وإنْ تغيَّرَ بالاستعمالِ؛ لأنه مُسلَّطٌ عليه مِنْ قِبَلِ المالكِ، فلا يلزمُ في مُقابلةِ ما انتَقصَ باستعمالِه شيءٌ، أو قيمتَه هالِكًا -أي قِيمتُه وهو هالكٌ-؛ لأنه مُعاوضةٌ ولم تَتمَّ، فجازَ الاستِردادُ.
وكذا كلُّ ما بعَثَ هديةً وهو قائمٌ دونَ الهالِكِ والمُستهلكِ؛ لأنَّ فيهِ معنى الهبةِ، والهلاكُ والاستهلاكُ مانعٌ مِنْ الرجوعِ بها، وكذا يُشترطُ عدمُ ما يَمنعُ مِنْ الرجوعِ، كما لو كانَ ثوبًا فصَبَغتْه أو خالَطَتْه (١).
ومَن بعَثَ إلى امرأتِه شيئًا فقالَتْ: «هوَ هديةٌ» وقالَ: «هو مِنَ المهرِ» فالقولُ له معَ يمينِه في غيرِ المُهيَّأِ للأكلِ؛ لأنه المُمَلِّكُ فكانَ أَعرَفَ بجهةِ التمليكِ، كما إذا قالَ: «أودَعتُكِ هذا الشيءَ» فقالَت: «بل وهبْتَه لي»، وكذا الظاهرُ يَشهدُ له؛ لأنه يَسعى في إسقاطِ ما في ذمَّتِه، إلا في الطعامِ المهيَّأِ للأكلِ كالشِّواءِ واللحمِ المطبوخِ والفواكهِ التي لا تَبقى فإنَّ القولَ قولُها فيهِ استِحسانًا؛ لجريانِ العادةِ بإهدائِها، فكانَ الظاهرُ شاهِدًا لها، بخلافِ ما إذا لم يكنْ مُهيَّأً للأكلِ كالعسلِ والسَّمنِ والجوزِ واللوزِ.
وقيلَ: ما يَجبُ عليه مِنْ الخِمارِ والدَّرعِ ونحوِ ذلكَ ليسَ له أنْ يحبسَه مِنْ المهرِ؛ لأنَّ الظاهرَ يُكذبُه، بخلافِ ما لا يجبُ عليه كالخُفِّ والملاءَةِ؛ لأنه لا يَجبُ عليه أنْ يُمكِّنَها مِنْ الخروجِ، بل له أنْ يمنَعَها.
стр. 9415
ثمَّ إذا كانَ القولُ قولَ الزوجِ تَردُّ عليه المَتاعَ إنْ كانَ قائمًا وتَرجعُ بمهرِها؛ لأنه بيعٌ بالمهرِ، فلا يَنفردُ به الزوجُ، بخلافِ ما إذا كانَ مِنْ جنسِ المهرِ، وإنْ كانَ هالكًا لا ترجعُ.
ولو قالَت: «هيَ مِنْ المهرِ» وقالَ: «هو وديعةٌ» فإنْ كانَ مِنْ جنسِ المهرِ فالقولُ قولُها، وإنْ كانَ مِنْ خلافِه فالقولُ قولُه.
ولو بعَثَ إلى امرأتِه شيئًا وبعثَ إليه أبوها شيئًا ثم قالَ: «هو مِنْ المهرِ» فلأبيها أنْ يَرجعَ بما بعَثَ إنْ كانَ مِنْ مالِ نفسِه وكانَ قائمًا، وإنْ كانَ مِنْ مالِ البنتِ بإذنها فليسَ له أنْ يَرجعَ؛ لأنه هبةٌ منها لزوجِها، ذكَرَه في «الذَّخيرَة»، وفي «فتَاوى أهلِ سَمرْقندَ»: رجلٌ تزوَّجَ امرأةً وبعثَ إليها بهَدايا وعوَّضَتْه المرأةُ على ذلكَ عوضًا ثمَّ زُفَّتْ إليه ثمَّ فارَقَها وقالَ: «إنما بَعثتُ إليكِ عاريَةً» وأرادَ أنْ يَستردَّ ذلكَ وأرادتِ المرأةُ أنْ تَستردَّ العوضَ فالقولُ له في الحُكمِ؛ لأنه أنكَرَ التمليكَ، فإذا استَردَّ ذلكَ منها كانَ لها أنْ تَستردَّ ما عوضَتْه.
قالَ الزَّيلعيُّ ﵀: وفي «الذَّخيرِة»: جهَّزَ بنتَه وزوَّجَها ثم زعَمَ أنَّ الذي دفَعَه إليها مالُه وكانَ على وجهِ العاريةِ عندَها فقالَتْ: «هو مِلكِي جهَّزتَني به» أو قالَ الزوجُ ذلكَ بعدَ موتها فالقولُ قولُهُما دونَ الأبِ؛ لأنَّ الظاهرَ شاهِدٌ بمِلكِ البنتِ؛ إذِ العادةُ دفعُ ذلكَ إليها بطريقِ المِلكِ، وحُكِيَ عن عليٍّ السغديِّ أنَّ القولَ قولُ الأبِ؛ لأنَّ ذلكَ يُستفادُ مِنْ جهتِه، وذَكَرَ مثلَه السَّرخسيُّ، وأخَذَ به بعضُ المَشايخِ، وقالَ في «الواقِعَات»: إنْ كانَ
стр. 9416
العُرفُ ظاهرًا بمثلِه في الجهازِ كمَا في ديارِنا فالقولُ قولُ الزوجِ، وإنْ كانَ مُشتَرَكًا فالقولُ قولُ الأبِ.
ولو أبرَأَتْ زوجَها مِنْ مَهرِها أو وهبَتْه إياهُ ثم ماتَتْ بعدَ مدةٍ فقالتِ الورَثةُ: «أبرأَتْه في مَرضِ موتِها» وأنكَرَ الزوجُ فالقولُ له، وقيلَ: ينبغي أنْ يكونَ القولُ قولَ الورَثةِ؛ لأنَّ الزوجَ يدَّعي سُقوطَ ما كانَ ثابِتًا وهم يُنكِرونَ، وجهُ الظاهرِ: أنَّ الورثةَ لم يكنْ لهم حَقٌّ وإنما كانَ لها وهُمْ يدَّعونَه لأنفسِهم والزوجُ يُنكرُه فكانَ القولُ له (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أَهدَى الزوجُ هديةً لزوجتِه قبلَ العقدِ أو في حينِ العقدِ فإنها تَتشطَّرُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ عليها؛ لأنها هبةٌ لأجلِ النكاحِ، وسواءٌ اشترطَتْ أو لا، جرَى العرفُ بها أو لا، وسواءٌ كانَتِ الهديةُ لها أو لغيرِها.
وأما إذا أهدَى الزوجُ لزوْجتِه بعدَ أنْ عقَدَ نكاحها هَديةً تطوُّعًا وقَبضَتْها الزوجةُ أو لم تَقبضْها ثم إنه طلَّقَها قبلَ البناءِ فإنَّ الهديةَ تَتشطَّرُ بهذا الطلاقِ عندَ الإمامِ مالكٍ ويَرجعُ بنصفِها.
وقالَ ابنُ القاسمِ: لا تَتشطَّرُ ولا شيءَ له فيها وإنْ كانَت قائمةً بيَدِها؛
стр. 9417
لأنه طلَّقَ باختيارِه، ورواه ابنُ نافعٍ عن مالكٍ، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وهذا في النكاحِ الصحيحِ إذا طلَّقَ قبلَ البناءِ.
وأما إنْ كانَ النكاحُ فاسدًا وفُسخَ قبلَ البناءِ فللزوجِ أخذُ ما وجَدَ مِنْ الهديةِ بيَدِ الزوجةِ ولو كانَ مُتغيِّرًا؛ لأنه مَغلوبٌ على الفراقِ، وهو قولُ ابنِ القاسمِ، فإنْ لم يَجدْ بيدِها شيئًا فلا شيءَ له.
وإنْ طلَّقَ أو فسَخَ بعدَ البناءِ فإنَّ الزوجَ لا يأخذُ شيئًا مِنْ الهبةِ وإنْ كانت قائمةً بيَدِ الزوجةِ؛ لأنَّ النكاحَ الذي أعطى لأجْلِه قد انتَفعَ بسببِه تلكَ المدةَ، والفسخُ كطَلاقٍ حادثٍ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو اشتَرى الزوجُ حليًّا أو دِيباجًا ونحوَهما مِنْ كلِّ ما يُتخذُّ للزينةِ لزوجتِه وزيَّنَها بذلكَ لا يَصيرُ مِلكًا لها بنفسِ التَّزيينِ المذكورِ، بل إنما يَصيرُ بصدورِ الإيجابِ والقبولِ منهما أو بقَصدِ الهديةِ منه لها بذلكَ.
ولو اختلَفَتْ هيَ والزوجُ في الإهداءِ والعاريةِ فادَّعتْ هيَ أنه أهدَى لها الحُليَّ والديباجَ المذكورَينِ وادَّعى هو أنه لم يُهدِهما لها وإنما جعَلَهما عندها عاريةً صُدِّقَ الزوجً؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التمليكِ، ومثلُ الزوجِ في ذلك وارثُه، يعني: لو اختلَفَتْ هي ووارِثُ الزوجِ في الإهداءِ والعاريةِ صُدِّقَ الوارثُ.
стр. 9418
ولو أعطاها بعدَ العقدِ مالًا فقالَتْ: «الذي أعطَينتَي هَديةٌ» وقالَ: «بل الذي أعطَيتُكِ إياهُ الصداقُ الذي في ذمَّتي» صُدِّقَ الزوجُ بيَمينهِ وإنْ كانَ المُعطَى مِنْ غيرِ جنسه.
وما يعطيه الزوجُ لزَوجتِه صُلحةً -اسمٌ للشَّيء المُعطَى لأجْلِ المُصالَحةِ إذا غضَبَتْ- أو صَباحيةً -هي اسمٌ للشيءِ المُعطَى صُبحَ الزواجِ، ويُسمَّى صَبيحةً- كما اعتِيدَ إعطاءُ الصُّلحةِ والصَّباحيةِ ببَعضِ البلادِ لا تَملِكُه المرأةُ إلا بلفظٍ أو قصدِ إهداءٍ.
وقيلَ: أنها تملِكُه كما في «فتاوى ابنِ الخياطِ»: إذا أَهدَى الزوجُ للزوجةِ بعدَ العقدِ بسَببِه فإنها تَملكُه ولا يَحتاجُ إلى إيجابٍ وقبولٍ، ومِن ذلكَ ما يَدفعُه الرجلُ إلى المرأةِ صبحَ الزواجِ ممَّا يُسمَّى «صُبحيةً» في عُرفِنا وما يَدفعُه إليها إذا غضَبَتْ أو تزوَّجَ عليها فإنَّ ذلكَ تَملكُه المرأةُ بمُجرَّدِ الدفعِ إليها (١).
ولو خطَبَ امرأةً ثم أرسَلَ أو دفعَ إليها بلا لفظٍ يدلُّ على التبرعِ مالًا قبلَ العقدِ -أي ولم يَقصدِ التبرعَ، ويُعرفُ القصدُ بإقرارِه- ثم وقَعَ الإعراضُ عن العقدِ منها أو منه رجَعَ عليها أو على وليِّها أو وكيلِها ما وَصلَها منه، كما صرَّحَ به جَمْعٌ مُحقِّقونَ.
стр. 9419
ولو طلَّقَ في مسألتِنا بعدَ العقدِ لم يَرجعْ بشيءٍ كمَا رجَّحَه الأذرعيُّ خِلافًا للبغَويِّ؛ لأنه إنما أعطَى لأجلِ العقدِ وقد وُجدَ.
ولو دفَعَ لمخطوبتِه قبلَ العقدِ مالًا وقالَ: «جعلْتُه مِنْ الصداقِ الذي سَيجبُ بالعقدِ، أو مِنْ الكسوةِ التي سَتجبُ بالعقدِ والتمكينِ» وقالَتْ: «بل هي هديةٌ» فالذي يتَّجِه تصديقُها؛ إذ لا قَرينةَ هنا على صدقِه في قصدِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وهديةُ زوجٍ ليسَتْ مِنْ المهرِ، فمَا أهداهُ الزوجُ مِنْ هديةٍ قبلَ عقدٍ إنْ وعدوُه بأنْ يزوِّجُوه ولم يَفُوا بأنْ زوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ؛ لأنه بذَلَها في نظيرِ النكاحِ ولم يُسلَّمْ له، وعُلِمَ منه أنه إنِ امتَنعَ هو لا رُجوعَ له كالمُجاعِلِ إذا لم يَفِ بالعملِ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تَيميةَ ﵀: فيما إنِ اتَّفقَ الخاطبُ معَ المرأةِ ووليِّها على النكاحِ مِنْ غيرِ عقدٍ فأَعطَى الخاطبُ إياها لأجْلِ ذلكَ شيئًا مِنْ غير الصداقِ فماتَتْ قبلَ العقدِ ليسَ له استِرجاعُ ما أعطاهُمْ. انتهى. لأنَّ عدمَ التمامِ ليسَ مِنْ جهتِهم، وعلى قياسِ ذلكَ لو ماتَ الخاطبُ لا رُجوعَ لوَرثتِه.
وما قُبضَ بسببِ النكاحِ كالذي يُسمُّونَه المَأكلةَ فحُكمُه حكمُ المهرِ فيما يُسقطُه أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويكونُ ذلكَ لها، ولا يَملكُ منه الوليُّ شيئًا إلا أنْ تهَبَه له بشَرطهِ، إلا الأبَ فله أنْ يأخُذَ بالشرطِ وبلا شَرطٍ مِنْ مالِها ما
стр. 9420
شاءَ بشَرطِه، وما كتبَ فيه المهرِ لها ولو طَلُقتْ، قالَه الشيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له.
ولو فُسخَ النكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كَفسخِها لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدخولِ رُدَّ للزوجِ كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هديةً؛ لدَلالةِ الحالِ على أنه وهَبَ بشَرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشَرطِ الثوابِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: قلتُ: قياسُ ذلكَ لو وهَبَتْه هيَ شيئًا قبلَ الدخولِ ثم طلَّقَ ونحوَه.
وكذا يُرَدُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختياريةٍ مُسقِطةٍ للمهرِ كفَسخِها لعَيبِه ونحوِه قبلَ الدخولِ؛ لدَلالةِ الحالِ على أنه وهَبَ بشَرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشرطِ الثوابِ.
وتَثبتُ الهديةُ للزوجةِ معَ فسخٍ للنكاحِ مُقرِّرٍ له -أي للصَّداقِ- مِنْ وَطءٍ أو خَلوةٍ، أو لنصفِه كطلاقٍ ونحوِه، فلا رُجوعَ له في الهديةِ إذنْ؛ لأنَّ زوالَ العقدِ ليسِ مِنْ قِبَلِها وهو المُفوِّتُ على نفسِه.
وإنْ كانَتِ العطيةُ لغير العاقدَينِ بسببِ العقدِ كأجرةِ الدلَّالِ ونحوِها كأجرةِ الكيَّالِ والوزَّانِ، قالَ ابنُ عقيلٍ في «النَّظريَّات»: إنْ فُسخَ بيعٌ بإقالةٍ ونحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ مِنْ العاقدَين لم يَرُدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقفِ الفسخُ على تراضِيهما كالفسخِ لعَيبٍ ونحوِه ردَّ الدلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللزومِ وعَدمِه، وقياسُ المبيعِ نكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كفاءةِ