← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

والإسقاطِ، ويَفتقِرُ إلى القَبضِ فيما يُشتَرطُ القَبضُ فيهِ، وإنْ عفَا غيرُ الَّذي هوَ في يَدِه صَحَّ بهذهِ الألفاظِ وافتَقرَ إلى مُضِيِّ زمَنٍ يَتأتَّى القَبضُ فيهِ إنْ كانَ المَوهوبُ مِمَّا يَفتقِرُ إلى القَبضِ (١). هـ- هبةُ المرأةِ صَداقَها لزَوجِها: نَصَّ عامَّةُ الفُقَهاءِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها صَحَّ وسقَطَ مَهرُها كلُّه على الصَّحيحِ عِندَهم. قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَرأةَ المالِكةَ لأمرِ نَفسِها إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها نفَذَ ذلكَ عليها ولا رُجوعَ لها فيهِ، إلَّا أنَّ شُرَيحًا رَأى الرُّجوعَ لها فيهِ، واحَتجَّ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، وإذا كانَتْ طالِبةً لهُ لم تَطِبْ بهِ نَفْسًا. قالَ ابنُ العَربِيِّ ﵀: وهذا باطِلٌ؛ لأنها قد طابَتْ وقد أكَلَ فلا كَلامَ لها؛ إذْ ليسَ المُرادُ صُورةَ الأكلِ، وإنَّما هو كِنايةٌ عنِ الإحلالِ والاستِحلالِ، وهذا بيِّنٌ (٢). وتَفصيلُه فيما يلي: قالَ الحَنفيَّةُ: إذا وَهبَتِ المَرأةُ كُلَّ المَهرِ قبْلَ القَبضِ عَينًا كانَ أو دَينًا وبعْدَه إذا كانَ عَينًا صَحَّ وسقَطَ مَهرُها.

стр. 9592

قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وجُملةُ الكَلامِ في هِبةِ المَهرِ أنَّ المَهرَ لا يَخلو: إمِّا أنْ يكونَ عَينًا -وهوَ أنْ يكونَ مُعيَّنًا مُشارًا إليه ممَّا يَصحُّ تَعيينُه-، وإمَّا أنْ يكونَ دَينًا -وهوَ أنْ يكونَ في الذِّمةِ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، مُعيَّنةً كانَتْ أو غيْرَ مُعيَّنةٍ والمَكيلاتِ والمَوزُوناتِ في الذِّمةِ والحَيوانِ في الذِّمَّةِ كالعَبدِ والفَرَسِ والعَرضِ في الذِّمةِ كالثَّوبِ الهَرَويِّ-، والحالُ لا يَخلو: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ القَبضِ، وإمَّا أنْ يكونَ بعْدَ القَبضِ، وهَبَتْ كلَّ المَهرِ أو بَعضَه، فإنْ وَهبَتْه كُلَّ المَهرِ قبْلَ القَبضِ ثُمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها فلا شيءَ لهُ عليها، سَواءٌ كانَ المَهرُ عَينًا أو دَينًا في قَولِ أصحابِنا الثَّلاثةِ. وقالَ زُفرُ: يَرجعُ عليها بنِصفِ المَهرِ إنْ كانَ دَينًا، وبهِ أخَذَ الشَّافعيُّ. وَجهُ قَولِ زُفرَ: أنها بالهِبةِ تَصرَّفتْ في المَهرِ بالإسقاطِ، وإسقاطُ الدَّينِ استِهلاكُه، والاستِهلاكُ يَتضمَّنُ القَبضَ، فصارَ كأنها قَبضَتْ ثمَّ وَهبَتْ. ولنا: أنَّ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ بالطَّلاقِ قبْلَ القَبضِ عادَ إليهِ مِنْ جِهتِها بسَببٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ؛ لأنهُ يَستحِقُّ نِصفَ المَهرِ فقدْ عادَ إليهِ بالهِبةِ، والهِبةُ لا تُوجِبُ الضَّمانَ، فلا يكونُ لهُ حَقُّ الرُّجوعِ عليها بالنِّصفِ كالنِّصفِ الآخَرِ. وإنْ وَهبَتْ بعْدَ القَبضِ؛ فإنْ كانَ المَوهوبُ عَينًا فقَبضَه ثمَّ وهَبَه منها لم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ ما تَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ هوَ نِصفُ المَوهوبِ بعَينِه، وقَد رجَعَ إليهِ بعَقدٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ، فلم يَكنْ لهُ الرُّجوعُ عليها.

стр. 9593

وإنْ كانَتْ دَينًا في الذِّمةِ؛ فإنْ كانَ حَيوانًا أو عَرضًا فكذلكَ لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذي تَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ نِصفُ ذلكَ الشَّيءِ بعَينِه مِنَ العَبدِ والثَّوبِ، فصارَ كأنهُ تَعيَّنَ بالعَقدِ. وإنْ كانَ دَراهمَ أو دَنانيرَ مُعيَّنةً أو غيْرَ مُعيَّنةٍ أو مَكيلًا أو مَوزونًا سِوى الدَّراهمِ والدَّنانيرِ فقَبضتْه ثمَّ وَهبتْه منه ثمَّ طلَّقَها يَرجعُ عليها بمِثلِ نِصفِه؛ لأنَّ المُستحَقَّ بالطَّلاقِ ليسَ هوَ الَّذي وَهبتْه بعَينِه بل مِثلُه؛ بدَليلِ أنها كانَتْ مُخيَّرةً في الدَّفعِ، إنْ شاءَتْ دَفعَتْ ذلكَ بعَينِه وإنْ شاءَتْ دَفعَتْ مِثلَه، كما كانَ الزَّوجُ مُخيَّرًا في الدَّفعِ إليها بالعَقدِ، فلم يَكنِ العائِدُ إليهِ عيْنَ ما يَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، فصارَ كأنها وَهبَتْ مالًا آخَرَ، ولو كانَ كذلكَ لرجَعَ عليها بمِثلِ نِصفِ الصَّداقِ، كذا هذا. وقالَ زُفرُ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ إذا كانَتْ مُعيَّنةً فقَبضَتْها ثمَّ وَهبَتْها ثمَّ طلَّقَها أنهُ لا رُجوعَ للزَّوجِ عليها بشيءٍ؛ بناءً على أنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ عِندَه تَتعيَّنُ بالعَقدِ، فتَتعيَّنُ بالفَسخِ أيضًا كالعُروضِ، وعِندَنا لا تَتعيَّنُ بالعَقدِ فلا تَتعيَّنُ بالفَسخِ … وكذلكَ إذا كانَ المَهرُ دَينًا فقَبضَتِ الكُلَّ ثمَّ وَهبَتِ البعضَ فللزَّوجِ أنْ يَرجعَ عليها بنِصفِ المَقبوضِ؛ لأنَّ لهُ أنْ يَرجعَ عليها إذا وَهبَتِ الكلَّ، فإذا وَهبَتِ البَعضَ أَولى، وإذا قَبضَتِ النِّصفَ ثمَّ وَهبَتِ النِّصفَ الباقي أو وَهبَتِ الكُلَّ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها قالَ أبو حَنيفةَ: لا يَرجعُ الزَّوجُ عليها بشيءٍ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَرجعُ عليها برُبعِ المَهرِ.

стр. 9594

وَجهُ قَولِهما: أنَّ المُستحَقَّ للزَّوجِ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ نِصفُ المَهرِ، فإذا قَبضَتِ النِّصفَ دُونَ النِّصفِ فَقدِ استَحقَّ النِّصفَ مُشاعًا فيما في ذمَّتِه وفيما قَبضَتْ، فكانَ نِصفُ النِّصفِ -وهوَ رُبعُ الكُلِّ- في ذمَّتِه، ونِصفُ النِّصفِ فيما قَبضَتْ، إلَّا أنها إذا لَم تكنْ وَهبَتْه حتَّى طلَّقَها لَم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ صارَ ما في ذمَّتِه قِصاصًا بما لهُ عليها، فإذا وَهبَتْ بَقيَ حَقُّه في نِصفِ ما في يَدِها وهوَ الرُّبعُ، فيَرجعُ عليها بذلكَ. ولأبي حَنيفةَ: أنَّ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ ما في ذمَّتِه، بدَليلِ أنها لو لَم تَكنْ وَهبَتْ وطلَّقَها لَم يَرجعْ عليها بشيءٍ، وقدْ عادَ إليهِ ما كانَ في ذمَّتِه بسَببٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ وهوَ الهِبةُ، فلا يَكونُ لهُ الرُّجوعُ بشيءٍ. ولو كانَ المَهرُ جارِيةً فوَلدَتْ بعْدَ القَبضِ أو جَنَى عليها فوجَبَ الأرشُ، أو كانَ شَجرًا فأثمَرَ أو دخَلَه عَيبٌ ثمَّ وَهبَتْه مِنه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها رجَعَ عليها بنِصفِ القِيمةِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ يَنقطِعُ عَنْ العَينِ بهذهِ العَوارِضِ، بدَليلِ أنهُ لا يَجوزُ لهُ أخذُها معَ الزِّيادةِ، وإذا كانَ حَقُّه مُنقطِعًا عنها لم يَعُدْ إليهِ بالهِبةِ ما استَحقَّهُ بالطَّلاقِ، فكانَ لهُ قِيمتُها، وإذا حدَثَ بهِ عَيبٌ فالحقُّ وإنْ لَم يَنقطِعْ عَنِ العَينِ بهِ، لكنْ يَجوزُ لهُ تَركُه معَ العَيبِ، فلم يكنِ الحقُّ مُتعلِّقًا بالعَينِ على سَبيلِ اللُّزومِ، ولم يَكنِ الواصِلُ إلى الزَّوجِ عيْنَ ما يَستحِقُّه بالطَّلاقِ. ولو كانَتِ الزِّيادةُ في بَدَنِها فوَهبَتْها لهُ ثمَّ طلَّقَها كانَ لهُ أنْ يضمنَها في

стр. 9595

قولِ أبي يُوسفَ وأبي حَنيفةَ، خِلافًا لمُحمدٍ؛ بناءً على أنَّ الزِّيادةَ المُتَّصلةَ لا تَمنعُ التَّنصيفَ عِندَهما، وعِندَه تَمنعُ، وإذا باعَتْه المَهرَ أو وَهبَتْه على عِوضٍ ثمَّ طلَّقَها رجَعَ عليها بمِثلِ نِصفِه فيما له مِثلٌ، وبنِصفِ القِيمةِ فيما لا مِثلَ لهُ؛ لأنَّ المَهرَ عادَ إلى الزَّوجِ بسَببٍ يَتعلَّقُ بهِ الضَّمانُ، فوجَبَ له الرُّجوعُ، وإذا ثبَتَ له الرُّجوعُ ضمنَها كما لو باعَتْه مِنْ أجنَبيٍّ ثمَّ اشتَراهُ الزَّوجُ مِنْ الأجنَبيِّ، ثُمَّ إنْ كانَتْ باعَتْ قبْلَ القَبضِ فعليها نِصفُ القِيمةِ يَومَ البَيعِ؛ لأنه دخَلَ في ضَمانها بالبَيعِ، وإنْ كانَتْ قَبضَتْ ثمَّ باعَتْ فعليها نِصفُ القِيمةِ يَومَ القَبضِ؛ لأنهُ دخَلَ في ضَمانها بالقَبضِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: الزَّوجَةُ المالِكةُ لأمرِ نَفسِها إذا وَهبَتْ صَداقَها المُسمَّى لزَوجِها قبْلَ البِناءِ أو وَهبَتْ لهُ ما يَتزوَّجُها بهِ ففعَلَ فإنَّ الهِبةَ صَحيحةٌ، لَكنْ يُجبَرُ على أنْ يَدفعَ لها مِنْ مالِهِ أقلَّ الصَّداقِ قبْلَ أنْ يَبنيَ بها، وهوَ رُبعُ دِينارٍ أو ثلاثةُ دَراهمَ خالِصةٍ؛ لاحتِمالِ التَّواطؤِ على تَركِ الصَّداقِ فيُعرَّى البُضعُ عنِ الصَّداقِ بالكُلِّيةِ، وليسَ على الزَّوجِ شيءٌ إنْ طلَّقَ قبْلَ البناءِ، ومَحلُّه ما لم تَقبضِ الصَّداقَ، فإنْ قَبضَتْه ثمَّ وَهبَتْه لهُ فإنهُ لا يُجبَرُ على دَفعِ أقلِّهِ، كهِبتِه بعْدَ البِناءِ. وإذا وَهبَتْ لزَوجِها صَداقَها كُلَّه أو بَعضَه بعْدَ البِناءِ فإنهُ إذا طلَّقَها بعْدَ ذلكَ لَم تَرجعْ عليهِ بشيءٍ مِنه، وكذلكَ إذا وَهبَتْ لهُ بَعضَ صَداقِها قبْلَ البِناءِ، فإنَّ البَعضَ الباقي هوَ الصَّداقُ، فإنْ كانَ رُبعَ دينارٍ أو ثلاثةَ دَراهمَ

стр. 9596

خالِصةٍ أو ما يُساوي ذلكَ فلا كَلامَ، وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ ذلكَ فإنهُ يُجبَرُ على تَكميلِه حَيثُ أرادَ الدُّخولَ، وإلَّا طلَّقَ وأعطاها نِصفَ ما بَقيَ بعْدَ الهِبةِ، كتَزويجِه ابتِداءً بأقلَّ مِنَ الصَّداقِ الشَّرعيِّ. إلَّا أنْ تَهبَهُ على دَوامِ العِشرةِ فلا يكونُ المَوهوبُ كالعَدمِ، والمَعنَى أنَّ المرأةَ إذا وَهبَتْ زوْجَها صَداقَها أو بَعضَه قبْلَ البِناءِ أو بعْدَه على دَوامِ العِشرةِ أو على حُسنِ العِشرةِ ثمَّ إنهُ طلَّقَها أو ظهَرَ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ وفُسخَ قبْلَ حُصولِ مَقصودِها فإنَّ المَوهوبَ لا يكونُ كالعَدمِ، بل يكونُ مَردودًا عليها فتأخُذُه منهُ، كما لو أعطَتْ زوْجَها مالًا غيْرَ الصَّداقِ على دَوامِ العِشرةِ فظهَرَ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ وفُسخَ، فإنها تَرجعُ عليهِ بما أعطَتْه؛ لعَدمِ حُصولِ غَرضِها، ومِن بابِ أَولى لو طلَّقَ اختيارًا، وهذا إذا فارَقَ بالقُربِ، وأمَّا بالبُعدِ بحَيثُ يَرَى أنهُ حصَلَ غَرضُها فلا تَرجعُ، وفيما بيْنَ ذلكَ تَرجعُ بقَدرِه، وهذا ما لم يكنْ فِراقُها ليَمينٍ نَزلَتْ بهِ لم يَتعمَّدْها فلا رُجوعَ، خلافًا للَّخْميِّ، وأجْرَى في تَوضيحِه ما أهداهُ الزَّوجُ لها أو أعطاها بعْدَ البناءِ مَجْرى ما أعطَتْه هي لدَوامِ العِشرةِ، فقالَ عَنْ أصبَغَ: إنْ أهداها لها قبْلَ البِناءِ فلا شيءَ له وإنْ وجَدَها قائِمةً؛ لأنَّ الَّذي أُهدِيَ إليهِ قد وصَلَ إليهِ، وإنْ أعطاها شيئًا بعْدَ البناءِ ثمَّ فُسخَ نِكاحُها بحَدَثانِ ذلكَ فلهُ أخذُ ما أعطاها؛ لأنهُ إنَّما أعطاها على ثَباتِ الحالِ والعِشرةِ، وإنْ كانَ الفَسخُ بعْدَ طُولِ سَنتَينِ أو سِنينَ فلا أرى لهُ شيئًا وإنْ وجَدَها بعَينِها؛ لأنَّ الذي أُعطيَ لهُ قد رسَخَ وانتَفعَ بهِ، فالفَسخُ كطلاقٍ حادِثٍ.

стр. 9597

وأمَّا المَرأةُ السَّفيهةُ إذا أعطَتْ رَجلًا مالًا ليَتزوَّجَها بهِ مِنْ وَليِّها ففعَلَ ذلكَ فإنَّ النِّكاحَ يَثبتُ، ويَلزمُه أنْ يَدفعَ لها مِنْ مالِهِ مِثلَ ما وَهبَتْه ويَرُدَّه إليها؛ لبُطلانِ هِبتِها فيهِ، وقدْ تَزوَّجَها بصَداقٍ تَبيَّنَ استِحقاقُه، فيَلزمُه أنْ يَدفعَ لها نَظيرَه، هذا إذا كانَ ما أعطَتْه قَدْرَ صَداقِ مِثلِها أو أكثرَ، وأمَّا إنْ كانَ أقلَّ فالظَّاهرُ أنه يَلزمُه أنْ يُكمِلَ لها صَداقَ المِثلِ؛ لأنَّ غيْرَ الأبِ ليسَ له أنْ يُزوِّجَ وَليَّتَه بدُونِ صَداقِ المِثلِ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا وَهبَتِ الزَّوجةُ الزَّوجَ صَداقَها المُعيَّنَ نُظِرَ: إنْ كانَ بعْدَ أنْ قَبضَتْه وطلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فهلْ يَرجعُ عليها؟ قَولانِ: أحَدُهما -وهوَ الأظهَرُ عِنْدَ الجُمهورِ-: يَرجعُ بنِصفِ بَدلِه، إمَّا المِثل أو القِيمة؛ لأنهُ عادَ إليهِ بعَقدٍ، فلا يَمنعُ ذلكَ رُجوعَه عليها ببَدلِ نِصفِه، كما لو اشتَراهُ مِنها أو وَهبَتْه لأجنَبيٍّ ثمَّ وَهَبَه الأجنَبيُّ منهُ. والثَّاني: لا يَرجِعُ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ قد تَعجَّلَ له ما كانَ يَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ مَحِلِّه، فلا يَستحِقُّه عِنْدَ مَحلِّه، كما لو تَعجَّلَ دَيْنَه المُؤجَّلَ قبْلَ مَحلِّه ثمَّ جاءَ وَقتُ مَحلِّه. وإنْ وَهبَتْه إياهُ قبْلَ أنْ تَقبضَه فطَريقانِ: قيلَ: لا يَرجعُ قَطعًا، والمَذهبُ: طَردُ القَولينِ، سَواءٌ قَبضَتْه أم لا. إذا كانَ المَهرُ دَيْنًا لها على زَوجِها فأبرأَتْه منهُ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ

стр. 9598

صَحَّ وسقَطُ مَهرُها، ولا يَرجعُ عليها بشيءٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنها لم تأخُذْ منهُ مالًا ولم تَتحصَّلْ على شيءٍ، وكما لو شَهِدَ شاهِدانِ بدَينٍ وحكَمَ بهِ حاكمٌ ثمَّ أبرَأَ المَحكومُ له المَحكومَ عليهِ ثمَّ رجَعَ الشَّاهِدانِ عَنْ الشَّهادةِ، فإنهُما لا يَغرمانِ للمَحكومِ عليهِ شَيئًا. ولو أصدَقَها دَيْنًا فقَبضتْه ثمَّ وَهبَتْه مِنه ففِيهِ القَولانِ في هِبتِه العَينَ، وقيلَ: يَرجعُ بالشَّطرِ قَطعًا. وإنْ قَبضَتْ نِصفَ الصَّداقِ ثمَّ وَهبَتْه النِّصفَ الباقي منهُ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ؛ فإنْ قُلنا: يَرجعُ عليها إذا وَهبَتْ جَميعَ الصَّداقِ له .. رجَعَ عليها هاهُنا بالنِّصفِ أيضًا، وإنْ قُلنا هُناكَ: لا يَرجعُ عليها بشيءٍ .. فهاهُنا قَولانِ: أحَدُهما: قَال في «الأُمّ»: (لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ إنَّما يَرجعُ عليها بالنِّصفِ، وقَد تَعجَّلَ لهُ ذلكَ النِّصفُ، فلمْ يَرجعْ عليها بشيءٍ). والثَّاني: قالَ في «الإملاء»: (يَرجعُ عليها بنِصفِ الباقِي؛ لأنها لو وَهبَتْه جَميعَه .. لم يَرجعْ عليها بشيءٍ، فإذا وَهبَتْه نِصفَه .. كانَ ذلكَ مِنْ حَقِّها وحَقِّه؛ لأنَّ حَقَّهما شائعٌ في الجَميعِ). فإذا قُلنا بهذا .. ففِي كَيفيَّةِ رُجوعِه ثلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: يَرجعُ عليها بالنِّصفِ الباقي؛ لأنهُ يَستحِقُّ عليها النِّصفَ، وقدْ وجَدَه. والثَّاني: يَرجعُ عليها بنِصفِ النِّصفِ الباقي وقِيمةِ نِصفِ المَوهوبِ؛ لأنَّ حَقَّهما شائِعٌ في الجَميعِ، فصارَ المَوهوبُ كالتَّالفِ.

стр. 9599

والثَّالثُ: أنهُ بالخِيارِ بيْنَ أنْ يَرجعَ بالنِّصفِ الباقي، وبيْنَ أنْ يَرجعَ بنِصفِ النِّصفِ الباقي ونصفِ قِيمةِ المَوهوبِ؛ لأنهُ تَبعَّضَ عليهِ حقُّه. وإنْ وَهبَتْه امرَأتُه الصَّداقَ أو أبرأَتْهُ منهُ ثمَّ ارتَدَّتْ قبْلَ الدُّخولِ .. فحُكمُ الرُّجوعِ عليها بجَميعِ الصَّداقِ كالحُكمِ في رُجوعِه عليها بالنِّصفِ عندَ الطَّلاقِ؛ لأنهُ يَستحِقُّ عليها الرُّجوعَ بالجَميعِ عِنْدَ ردَّتِها كما يَستحِقُّ عليها الرُّجوعَ بالنِّصفِ عندَ الطَّلاقِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ وَهبَتِ المَرأةُ صَداقَها لزَوجِها أو أبرأَتْهُ مِنْ صَداقِها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ وسقَطَ مَهرُها ورجَعَ عليها الزَّوجُ بنِصفِه؛ لأنَّ عَودَ نِصفِ الصَّداقِ إلى الزَّوجِ بالطَّلاقِ، وهوَ غَيرُ الجِهةِ المَستحَقِّ بها الصَّداقُ أوَّلًا، فهوَ كما لو أبرَأَ إنسانًا مِنْ دَينٍ عليهِ ثَمَّ استَحقَّ عليهِ مِثلَ ما أبرَأَه منه بوَجهٍ آخَرَ، فلا يَتساقَطانِ بذلكَ. وإنْ أبرَأَتْه مِنْ نِصفِه أو وَهبَتْه نِصفَ الصَّداقِ ثُمَّ طلَّقَها الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ في النِّصفِ الباقي؛ لأنهُ وجَدَ نِصفَ ما أصدَقَها بعَينِه، فأشبَهَ ما لو لم تهَبْه لهُ. ولو قَضَى المَهرَ أجنَبيٌّ عنِ الزَّوجِ مُتبَرِّعًا ثمَّ سقَطَ الصَّداقُ لرِدَّتِها

стр. 9600

ونحوِها قبْلَ دُخولٍ، أو تَنصَّفَ الصَّداقُ بنَحوِ طلاقِه قبْلَ دُخولٍ؛ فالرَّاجعُ مِنَ المَهرِ للزَّوجِ؛ لأنَّ الأجنبيَّ وهَبَ ذلكَ للزَّوجِ بقَضائِهِ عنه، فإذا عادَ إليهِ الاستِحقاقُ بغَيرِ الجِهةِ المُستَحقَّةِ أوَّلاً كانَ للزَّوجِ كما لو أدَّاهُ مِنْ مالِه. ولَو خالَعَها الزَّوجُ بنِصفِ صَداقِها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ ذلكَ، وصارَ الصَّداقُ كلُّه له، نصفُه له بالطَّلاقِ ونِصفُه له بالخُلعِ عِوضًا له. وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ على مِثلِ نصفِ الصَّداقِ في ذمَّتِها وكانَتْ لم تَقبضِ الصَّداقَ منه صَحَّ ذلكَ وسقَطَ عنه جَميعُ الصَّداقِ؛ نِصفُه بالطَّلاقِ ونِصفُه بالمُقاصَّةِ حَيثُ وُجدَتْ بشُروطِها. ولو قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ قَبضِ الصَّداقِ: «اخلَعْنِي بما يُسلَّمُ إليَّ مِنْ صَداقي، أو اخلَعْنِي على أنْ لا تَبِعةَ عليكَ في المَهرِ» ففعَلَ وخالَعَها على ذلكَ صَحَّ الخُلعُ؛ لأنهُ بمَعنَى سُؤالِها الخُلعَ على نِصفِ الصَّداقِ، وبَرئَ الزَّوجُ مِنْ جَميعِه، نِصفِه بالخُلعِ ونصفِه بجَعلِه عِوضًا لهُ فيهِ. وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ بمِثلِ جَميعِ الصَّداقِ في ذمَّتِها أو خالَعَها بصَداقِها كُلِّه صَحَّ الخُلعُ؛ لصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحلِّهِ، ويَرجعُ عليها بنِصفِه، وسقَطَ عنهُ الصَّداقُ؛ لِمَا تَقدَّمَ. وإنْ أبرَأَتْ مُفوَّضةٌ المَهرَ -وهيَ الَّتي تَزوَّجَها على ما شاءَتْ أو شاءَ زَيدٌ ونَحوُه- مِنَ المَهرِ صَحَّ، أو أبرَأَتْ مُفوَّضةٌ البُضعَ -وهيَ مَنْ تَزوَّجَتْ بغَيرِ صَداقٍ- مِنْ المَهرِ صَحَّ، أو أبرَأَتْ مَنْ سُميَ لها مَهرٌ فاسِدٌ كالخَمرِ

стр. 9601

والمَجهولِ مِنْ المَهرِ صَحَّ الإبراءُ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه؛ لانعِقادِ سَببِ وُجوبِه وهوَ عَقدُ النِّكاحِ، كالعَفوِ عنِ القَصاصِ بعْدَ الجَرحِ وقبْلَ الزُّهوقِ. فإنْ طلَّقَ الزَّوجُ المُفوَّضةَ أو مَنْ سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسِدٌ بعْدَ البَراءةِ وقبْلَ الدُّخولِ رجَعَ المُطلِّقُ بنِصفِ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ الَّذي وجَبَ بالعَقدِ، فهوَ كما لو أبرَأتْهُ مِنْ المُسمَّى ثمَّ طلَّقَها وعَفَا، وقيلَ: لها المُتعةُ. فإنْ كانَتِ البَراءةُ مِنَ المُفوَّضةِ ومَن سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسِدٌ مِنْ نِصفِه ثُمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ عليها بنِصفِ مَهرِ المِثلِ الباقي بعْدَ النِّصفِ السَّاقِطِ بالبَراءةِ، وهوَ مَبنيٌّ على ما سبَقَ، ولا مُتعةَ لها في أحَدِ الوَجهَينِ، والوَجهُ الثَّاني: لا تَسقطُ. وإنِ ارتَدَّتْ مَنْ وَهبَتْ زوْجَها الصَّداقَ قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ عليها بكُلِّه، أو ارتَدَّتْ مَنْ أبرَأَتْه مِنه قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ الزَّوجُ عليها بجَميعِ الصَّداقِ؛ لعَودِه إليه بذلكَ، وكمَا يَرجعُ عليها بنِصفِه لو تَنصَّفَ (١). قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ ﵀: إذا عَفَتِ المَرأةُ عَنْ صَداقِها الَّذي لها على زَوجِها أو عَنْ بَعضِه أو وَهبَتْه لهُ بعْدَ قَبضِه وهيَ جائِزةُ الأمرِ في مالِها جازَ ذلكَ وصَحَّ، ولا نَعلَمُ فيهِ خِلافًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعني الزَّوجات، وقالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] … سَمَّاهُ غيرَ المَهرِ تَهبُه المَرأةُ للزَّوجِ، وقالَ

стр. 9602

عَلقمةُ لامرَأتِه: هَبِي لي مِنْ الهَنيءِ المَريءِ، يَعني مِنْ صَداقِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في المَرأةِ إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها ثمَّ طلِّقَتْ قبْلَ الدُّخولِ: فقالَ مالِكٌ: ليسَ يَرجعُ عليها بشيءٍ. وقالَ الشَّافعيُّ: يَرجعُ عليها بنِصفِ الصَّداقِ. وسَببُ الخِلافِ: هل النِّصفُ الواجِبُ للزَّوجِ بالطَّلاقِ هوَ في عَينِ الصَّداقِ أو في ذمَّةِ المرأةِ؟ فمَن قالَ: في عَينِ الصَّداقِ قالَ: لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ قبَضَ الصَّداقَ كلَّه، ومَن قالَ: هو في ذمَّةِ المرأةِ قالَ: يَرجعُ وإنْ وَهبَتْه له، كما لو وَهبَتْ له غيْرَ ذلكَ مِنْ مالِها. وفرَّقَ أبو حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ بيْنَ القَبضِ ولا قبْضَ. فقالَ: إنْ قَبضَتْ فلهُ النِّصفُ، وإنْ لم تَقبضْ حتَّى وَهبَتْ فليسَ لهُ شيءٌ، كأنهُ رَأى أنَّ الحَقَّ في العَينِ ما لم تَقبضْ، فإذا قَبضَتْ صارَ في الذِّمةِ (٢). وقد تَقدَّمَ في كتابِ الهِبةِ حُكمُ هِبةِ المَرأةِ لزَوجِها، وهِبتِها صَداقَها لزَوجِها، وهل يَحقُّ لها الرُّجوعُ في هِبتِها أم لا؟ بالتَّفصيلِ.

стр. 9603

فصل في الاختلافِ في المَهرِ الاختِلافُ في المَهرِ بيْنَ الزَّوجَينِ قد يَكونُ في حالِ حَياةِ الزَّوجَينِ، وقدْ يكونُ بعْدَ مَوتِ أحَدِهما وورَثةِ الآخَرِ، أو بعْدَ مَوتِهما بيْنَ وَرثتِهما، وهذا الاختِلافُ لا يَخلو: إمَّا أنْ يَختَلفا في أصلِ التَّسمِيةِ أو مِقدارِ المَهرِ المُسمَّى أو في قَبضِ المَهرِ أو شيءٍ مِنه، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ الطَّلاقِ أو بعْدَه. أ - الاختِلافُ في أصلِ التَّسمِيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا كانَ اختِلافُ الزَّوجَينِ في أصلِ المُسمَّى، بأنْ يَدَّعي أحَدُهما التَّسميةَ ويُنكِرَ الآخَرُ، ما الَّذي يَجبُ؟ وهل يُقبلُ قَولُ مُدَّعِي التَّسميةِ أم المُنكِرِ؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفا في أصلِ المُسمَّى بأنْ يَدَّعِي أحَدُهما التَّسمِيةَ ويُنكِرَ الآخَرُ، فإنْ أقامَ أحَدُهما البَيِّنةَ قُضيَ لهُ بها، وإنْ عَجزَ عَنْ إقامةِ البَيِّنةِ حلَفَ مُنكِرُ التَّسميةِ، فإنْ نكَلَ عنِ اليَمينِ حُكِمَ عليهِ بسَببِ نُكولِه.

стр. 9604

وإنْ حلَفَ أنهُ لَم يَحصُلْ تَسميةٌ أصلًا رُفضَتْ دَعوى التَّسميةِ ووجَبَ مَهرُ المِثلِ بالإجماعِ؛ لأنهُ لا يُتمكَّنُ المَصيرُ إلى المُسمَّى مع وُجودِ الشَّكِّ؛ لأنَّ الواجِبَ الأصليَّ في بابِ النِّكاحِ هوَ مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ قِيمةُ البُضعِ، وقِيمةُ الشَّيءِ مِثلُه مِنْ كلِّ وَجهٍ، فكانَ هوَ العَدلَ، وإنَّما التَّسميةُ تَقديرٌ لمَهرِ المِثلِ، فإذا لم تَثبُتِ التَّسميةُ لوُقوعِ الاختِلافِ فيها وجَبَ المَصيرُ إلى المُوجبِ الأصليِّ. ولو كانَ قبْلَ الدُّخولِ تَجبُ المُتعةُ بالإجماعِ. ولو كانَ الاختِلافُ بعْدَ مَوتِ أحَدِ الزَّوجَينِ وورَثةِ المَيتِ فهو كالخِلافِ في حالِ حَياتِهما، فيَجبُ مَهرُ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ؛ لأنَّ اعتِبارَ مَهرِ المِثلِ لا يَسقطُ بمَوتِ أحَدِهما، كما في المُفوِّضةِ، وهيَ الَّتي زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ رَجلٍ بغَيرِ مَهرٍ. وتَجبُ المُتعةُ قبْلَ الدُّخولِ (١). وذهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا بعْدَ الدُّخولِ أو المَوتِ أو الطَّلاقِ فادَّعتِ المرأةُ أنهُ سَمَّى لها صَداقًا وادَّعَى الزَّوجُ أنهُ تَزوَّجَها تَفويضًا فالقَولُ قَولُ الزَّوجِ بيَمينِه إذا كانَتْ مِنْ قَومٍ يَتَناكَحونَ على

стр. 9605

التَّفويضِ فقطْ، أو هوَ الغالِبُ عِندَهم، أو عَليهِ وعلى التَّسميةِ سَويَّةً؛ لصِدْقِ الاعتيادِ بذلكَ. ويَلزمُه أنْ يَفرضَ لها صَداقَ المِثلِ بعْدَ البِناءِ، ولا شيءَ عليهِ في الطَّلاقِ أو المَوتِ قبْلَ البِناءِ. فإنْ كانَا مِنْ قَومٍ اعتَادوا التَّسميةَ خاصَّةً أو لا عادةَ لهُم بشيءٍ أو كانَتْ التَّسميةُ هيَ الغالِبةَ فيُقبَلُ قَولُ مُدَّعِي التَّسميةِ مِنهما بيَمينٍ ويَثبتُ النِّكاحُ (١). وذهَبَ الشَّافِعيةُ في الأصحِّ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا وادَّعتِ الزَّوجةُ تَسميةً لقَدرٍ أكثرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها أو أقلَّ فأنكَرَ الزَّوجُ ذِكرَ التَّسميةِ أصلًا بأنْ قالَ: «لَم تَقعْ تَسميةٌ» ولَم يَدَّعِ تَفويضًا يُفسِدُ النِّكاحَ تَحالَفَا قبْلَ انقِطاعِ الزَّوجيَّةِ أو بَعدَه؛ لأنَّ حاصِلَه الاختِلافُ في قَدرِ المَهرِ؛ لأنهُ يَقولُ: «الواجِبُ مَهرُ المِثلِ» وهيَ تَدَّعِي زِيادةً عليهِ. وفي مُقابلِ الأصَحِّ: يُصدَّقُ الزَّوجُ بيَمينِه؛ لمُوافَقتِه للأصلِ، ويَجبُ مَهرُ المِثلِ. ولو أنكَرَتِ التَّسميةَ وادَّعى الزَّوجُ التَّسميةَ وكانَ مُدَّعاهُ دُونَ مَهرِ المِثلِ أو مِنْ غَيرِ نَقدِ البَلدِ أو مُعيَّنٍ تَحالَفَا أيضًا في الأصَحِّ. ولو ادَّعَى أحَدُهما التَّفويضَ والآخَرُ التَّسميةَ، فإنْ أوجَبْنا المَهرَ في

стр. 9606

التَّفويضِ بالعَقدِ .. فهو كما لو ادَّعَى أحَدُهما السُّكوتَ والآخَرُ التَّسميةَ، وإلَّا .. فالأصلُ عَدمُ التَّسميةِ مِنْ جانِبٍ وعدمُ التَّفويضِ مِنْ جانِبٍ، فيَحلِفُ كُلٌّ مِنهُما على نَفيِ مُدَّعَى الآخَرِ تَمسُّكًا بالأصلِ. وإنِ ادَّعى أحَدُهما التَّفويضَ والآخَرُ السُّكوتَ عَنْ المَهرِ صُدِّقَ الآخَرُ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّفويضِ، فيَجبُ مَهرُ المِثلِ، فإنْ كانَ تَركُ التَّسميةِ يُفسِدُ النِّكاحَ لوُقوعِه مِنْ غَيرِ جائِزةِ التَّصرُّفِ فلا تَحالُفَ. والصَّوابُ: أنَّ الزَّوجَ إذا ماتَ وادَّعتْ على الوارِثِ أنَّ الزَّوجَ سَمَّى لها ألفًا فقالَ الوارِثُ: «لا أعلَمُ كَمْ سَمَّى» .. لم يَتَحالفَا، بل يَحلِفُ الوارِثُ على نَفيِ العِلمِ، ثمَّ قُضيَ لها بمَهرِ المِثلِ. ولوِ ادَّعتْ نِكاحًا ومَهرَ مِثلٍ لعَدمِ تَسميةٍ صَحيحةٍ فأقَرَّ بالنَّكاحِ وأنكَرَ المَهرَ بأنْ قالَ: «نكَحْتُها ولا مَهرَ لها عليَّ» أو نَفاهُ في العَقدِ أو سكَتَ عنهُ بأنْ قالَ: «نكَحْتُها» ولَم يَزِدْ ولم يَدَّعِ تَفويضًا ولا إخلاءَ النِّكاحِ عَنْ ذِكرِ مَهرٍ فالأصَحُّ عَدمُ سَماعِ ذلكَ مِنه وتَكليفُه البَيانَ لمَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَقتَضي المَهرَ. فإنْ ذكَرَ قَدْرًا وزادَتْ عليهِ تَحالَفَا، وهوَ في الحَقيقةِ تَحالُفٌ في قَدْرِ مَهرِ المِثلِ، وإنْ أصَرَّ الزَّوجُ مُنكِرًا للمَهرِ أو ساكِتًا حلَفَتِ الزَّوجةُ اليَمينَ المَردودةَ أنها تَستحِقُّ عليهِ مَهرَ مِثلِها، وقُضيَ لها بهِ عليهِ، ولا يُقبَلُ قَولُها ابتِداءً؛ لأنَّ النِّكاحَ قد يُعقَدُ بأقَلِّ مُتموَّلٍ، وكُلِّفَ البَيانَ هُنا؛ لإنكارِهِ المَهرَ أصلًا، ولا سَبيلَ إليهِ معَ الاعتِرافِ بالنِّكاحِ.

стр. 9607

والثَّاني: لا يُكلَّفُ بَيانَ مَهرٍ، والقَولُ قَولُه بيَمينِه أنَّها لا تَستحِقُّ عليهِ مَهرًا؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه. والثَّالثُ: القَولُ قَولُها بيَمينِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مَعَها. ولوِ ادَّعَى الزَّوجُ أو وارِثُه تَسليمَ مَهرٍ لمَحجُورةٍ إلى وَليِّ مالِها سُمعَتْ دَعواهُ، وأمَّا إنِ ادَّعَى تَسليمَ المَهرِ إلى وَليِّ رَشيدةٍ فلا تُسمَعُ دَعواه، إلَّا إنِ ادَّعى أنها أَذنَتْ في تَسليمِه نَقدًا ونَحوَه (١). وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إنِ اختَلفَا أو وَرَثتُهما أو أحَدُهما ووَليُّ الآخَرِ أو وارِثُه في تَسميتِه بأنْ قالَ: «لَم نُسمِّ مَهرًا» وقالَتْ: «سُمِيَّ لَي مَهرُ المِثلِ» فعَلى رِوايتَينِ: إحداهُما: القَولُ قَولُ الزَّوجِ بِيَمينِهِ؛ لأنَّهُ يَدَّعِي ما يُوافِقُ الأَصلَ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ -وهيَ المَذهبُ-: القَولُ قَولُها في تَسميةِ مَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ تَسميتُه. ولها مَهرُ المِثلِ على كِلتَا الرِّوايتَينِ إنْ وُجدَ ما يُقرِّرُه، وهو الدُّخولُ أو المَوتُ أو الخَلوةُ. فإنْ طلَّقَ ولَم يَدخُلْ بها فلَها المُتعةُ؛ بِناءً على عن أنَّ القَولَ قَولُه في عَدمِ التَّسميةِ، فهيَ مُفوِّضةٌ، وعلى الرِّوايةِ الأُخرَى: لها نِصفُ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ المُسمَّى لها؛ لقَبولِ قَولِها فيهِ.

стр. 9608

ومَن حلَفَ على فِعلِ نَفسِه مِنْ الزَّوجَينِ والوَليِّ حلَفَ على البَتِّ؛ لأنَّه الأصلُ في اليَمينِ. ومَن حلَفَ على فِعلِ غَيرِه كالوَرثةِ حلَفَ على نَفيِ العِلمِ لا على البَتِّ (١). ب - الاختِلافُ في قَدرِ المَهرِ المُسمَّى: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اختَلفَ الزَّوجانِ أو وَرثَتُهما أو وَرثةُ أحَدِهِما معَ الحَيِّ مِنهُما في مِقدارِ المَهرِ، بأنِ ادَّعَتِ الزَّوجةُ أنهُ ألفُ دِينارٍ وقالَ الزَّوجُ مَثلًا: «بل هوَ خَمسُمِائةِ دِينارٍ»، هل يُقبَلُ قَولُ الزَّوجِ أم الزَّوجةِ؟ أم يُقبَلُ قَولُ مَنْ أشبَهَ مِنهما؟ قالَ الحَنفيَّةُ: إنِ اختَلفَا في المَهرِ وهوَ دَينٌ مَوصوفٌ في الذِّمَّةِ أو عَينٌ حالَ قِيامِ النِّكاحِ -أي: قبْلَ الدُّخولِ أو بَعدَه- وكذا بعْدَ الطَّلاقِ والدُّخولِ بأنْ قالَتْ: «تَزوَّجتَني على أَلفَي دِينارٍ» وقالَ الزَّوجُ: «تَزوَّجتُكِ على ألفِ دِينارٍ» فأيُّهما أقامَ البيِّنةَ قُبلَتْ، وإنْ أقامَا فبيِّنةُ المَرأةِ تُقبَلُ؛ لأنها أكثَرُ إثباتًا. فإنْ لم يَكنْ لهُما بيِّنةٌ تَحالَفَا، فأيُّهما نكَلَ قُضيَ عليهِ، وإذا تَحالَفَا لا يُفسحُ النِّكاحُ؛ لأنَّ أثَرَ التَّحالُفِ في انعِدامِ التَّسميةِ، وذلكَ لا يَمنعُ صحَّةَ النِّكاحِ، بدَليلِ صحَّتِه بدُونِ التَّسميةِ، بخِلافِ البَيعِ، لَكنْ يُحكَمُ لها بمَهرِ المِثلِ، فإنْ كانَ مِثلَ ما قالَتْ أو أكثرَ قُضيَ بقَولِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ لها،

стр. 9609

وإنْ كانَ مِثلَ ما قالَ أو أقلَّ قُضيَ بقَولِه، وإنْ كانَ أقلَّ مِمَّا قالَتْ وأكثَرَ مِمَّا قالَ قُضيَ بمَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ لم تَثبُتِ الزِّيادةُ على مَهرِ المِثلِ نَظرًا إلى يَمينِه، ولا الحَطيطةُ منهُ نَظرًا إلى يَمينِها، فإذا سَقطَتِ التَّسميةُ بالتَّحالُفِ اعتُبِرَ مَهرُ المِثلِ كما إذا لم تُوجدِ التَّسميةُ حَقيقةً، ويُبدَأُ بيَمينِ الزَّوجِ كما في المُشتَري؛ لأنهُ مُنكِرٌ. وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها ثمَّ اختَلفَا فالقَولُ قَولُه في نِصفِ المَهرِ، وقيلَ: لها مُتعةُ مِثلِها؛ لأنَّ المُتعةَ مُوجَبةٌ بعْدَ الطَّلاقِ كمَهرِ المِثلِ قبْلَه فتَحكُمُ كهوَ. وهذا كلُّهُ عِنْدَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ: أنَّ القَولَ في الدَّعاوَى قَولُ مَنْ يَشهدُ لهُ الظَّاهِرُ، والظَّاهِرُ شاهِدٌ لمَن يَشهدُ لهُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ هوَ المُوجِبُ الأصليُّ في بابِ النِّكاحِ. وقالَ أبو يُوسفَ: القَولُ قَولُ الزَّوجِ قبْلَ الطَّلاقِ وبَعدَه؛ لأنَّ المَرأةَ تَدَّعِي الزِّيادةَ والزَّوجُ يُنكِرُ، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ معَ يَمينِه، إلَّا أنْ يأتِيَ بشيءٍ يُكذِّبُه الظَّاهِرُ فيهِ؛ وهذا لأنَّ تَقوُّمَ مَنافِعِ البُضعِ ضَروريٌّ، فمَتى أمكَنَ إيجابُ شيءٍ مِنْ المُسمَّى لا يُصارُ إليهِ (١).

стр. 9610

قالَ الكاسانِيُّ ﵀: إنْ كانَ المَهرُ مِنْ الأثمانِ المُطلَقةِ فاختَلفَا في قَدْرِهِ بأنْ قالَ الزَّوجُ: «تَزوَّجتُكِ على أَلفِ دِرهمٍ» وقالَتِ المَرأةُ: «تَزوَّجتَني على ألفَينِ»، أو قالَ الزَّوجُ: «تَزوَّجتُكِ عَلى مِائةِ دِينارٍ» وقالَتِ المَرأةُ: «على مِائَتَي دِينارٍ تَحالفَا»، ويُبدَأُ بيَمينِ الزَّوجِ، فإنْ نكَلَ أعطاها أَلفَين، وإنْ حلَفَ تَحلِفُ المَرأةُ، فإنْ نكَلَتْ أَخذَتْ ألفًا، وإنْ حَلفَتْ يُحكَمُ لها بمَهرِ المِثلِ إنْ كانَ مَهرُ مِثلِها مِثلَ ما قالَتْ أو أكثرَ فلَها ما قالَتْ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها مِثلَ ما قالَ الزَّوجُ أو أقلَّ فلَها ما قالَ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها أقلَّ مِمَّا قالَتْ وأكثَرَ ممَّا قالَ فلَها مَهرُ مِثلِها، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ. وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَتحالَفانِ، والقَولُ قَولُ الزَّوجِ في هذا كُلِّه، إلَّا أنْ يأتِيَ بمُستنكَرٍ جِدًّا. والحاصِلُ أنَّ أبا حَنيفةَ ومُحمدًا يحكمانِ مَهرَ المِثلِ ويُنهِيانِ الأمرَ إليهِ، وأبو يُوسفَ لا يحكمُه، بل يَجعلُ القولَ قولَ الزَّوجِ معَ يَمينِه إلَّا أنْ يأتِيَ بشيءٍ مُستنكَرٍ، وقَد اختُلفَ في تَفسيرِ المُستنكَرِ، قيلَ: هو أنْ يدَّعِي أنهُ تَزوَّجَها على أقلَّ مِنْ عَشرةِ دَراهِمَ، وهذا التَّفسيرُ يُروى عن أبي يُوسفَ ﵀؛ لأنَّ هذا القَدرَ مُستنكَرٌ شَرعًا، إذْ لا مَهرَ في الشَّرعِ أقلَّ مِنْ عَشرةٍ. وقيلَ: هُو أنْ يَدَّعِي أنهُ تَزوَّجَها على ما لا يُزوَّجُ مِثلُها بهِ عادةً، وهذا يُحكَى عَنْ أبي الحَسنِ؛ لأنَّ ذلكَ مُستنكَرٌ عُرفًا، وهوَ الصَّحيحُ مِنْ التَّفسيرِ؛ لأنهُما اختَلفَا في مِقدارِ المَهرِ المُسمَّى، وذلكَ اتِّفاقٌ مِنهُما على أصلِ المَهرِ المُسمَّى، وما دُونَ العَشرةِ لَم يُعرَفْ مَهرًا في الشَّرعِ بلا خِلافٍ بيْنَ أصحابِنا.

стр. 9611

وقد رُويَ عن أبي يُوسفَ في المُتبايعَينِ إذا اختَلفَا في مِقدارِ الثَّمنِ والسِّلعةُ هالِكةٌ: أنَّ القولَ قولُ المُشتَري ما لَم يأتِ بشيءٍ مُستنكَرٍ. وجهُ قَولِ أبي يُوسُفَ: أنَّ القولَ قَولُ المُنكِرِ في الشَّرعِ، والمُنكِرُ هو الزَّوجُ؛ لأنَّ المرأةَ تَدَّعِي عليهِ زِيادةَ مَهرٍ وهوَ يُنْكِرُ ذلكَ، فكانَ القَولُ قَولَه معَ يَمينِه كما في سائِرِ المَواضِعِ، والدَّليلُ عليهِ أنَّ المُتعاقدَينِ في بابِ الإجارةِ إذا اختَلفَا في مِقدارِ المُسمَّى لا يُحكَمُ بأجرِ المِثلِ، بل يكونُ القَولُ قولَ المُستأجِرِ مَع يَمينِه لِمَا قُلنا، كذا هذا. ولهُمَا: أنَّ القولَ في الشَّرعِ والعَقلِ قَولُ مَنْ يَشهدُ لهُ الظَّاهِرُ، والظَّاهِرُ يَشهدُ لِمَنْ يُوافِقُ قَولُه مَهرَ المِثلِ؛ لأنَّ النَّاسَ في العاداتِ الجاريةِ يُقدِّرونَ المُسمَّى بمَهرِ المِثلِ ويَبنونَه عليهِ لا بِرضَا الزَّوجِ بالزِّيادةِ عليهِ، والمَرأةُ وأولياؤُها لا يَرضونَ بالنُّقصانِ عنهُ، فكانَتِ التَّسميةُ تَقديرًا لمَهرِ المِثلِ وبناءً عليهِ، فكانَ الظَّاهِرُ شاهِدًا لِمَنْ يَشهدُ لهُ مَهرُ المِثلِ فيُحكمُ مَهرُ المِثلِ، فإنْ كانَ أَلفينِ فلها ذلكَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ لها، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ أَلفينِ لا يُزادُ عليهِ؛ لأنها رَضيَتْ بالنُّقصانِ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها ألفًا فلها ألفٌ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ للزَّوجِ، وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ ذلكَ لا يَنقصُ عن ألفٍ؛ لأنَّ الزَّوجَ رَضيَ بالزِّيادةِ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها أكثَرَ مِمَّا قالَ وأقلَّ ممَّا قالَتْ فلها مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ هو الواجِبُ الأصليُّ، وإنَّما التَّسميةُ تَقديرٌ لهُ لِمَا قُلنا، فلا يُعدَلُ عنهُ إلَّا عندَ ثُبوتِ التَّسميةِ وصحَّتِها، فإذا لم يَثبتْ لوُقوعِ الاختِلافِ وجَبَ الرُّجوعُ إلى المُوجِبِ الأصليِّ وتَحكيمُه، وإنَّما يَتَحالَفَانِ؛ لِأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ

стр. 9612

مِنهُما مُدَّعٍ مِنْ وَجهٍ ومُنكِرٌ مِنْ وَجهٍ؛ أمَّا الزَّوجُ فلأنَّ المَرأةَ تَدَّعي عليهِ زِيادةَ ألفٍ وهو مُنكِرٌ، وأمَّا المَرأةُ فلأنَّ الزَّوجَ يدَّعِي عليها تَسليمَ النَّفسِ عندَ تَسليمِ الألفِ إليها وهيَ تُنكِرُ، فكانَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما مُدَّعيًا مِنْ وَجهٍ ومُنكِرًا مِنْ وَجهٍ فيَتحالَفانِ؛ لقَولِه ﷺ : «واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ويُبدأُ بيَمينِ الزَّوجِ؛ لأنهُ أشَدُّ إنكارًا أو أسبَقُ إنكارًا مِنْ المَرأةِ؛ لأنهُ مُنكِرٌ قبْلَ تَسليمِ النَّفسِ وبعْدَه، ولا إنكارَ مِنْ المَرأةِ بعدَ تَسليمِ النَّفسِ، وقبْلَ التَّسليمِ هو أسبَقُ إنكارًا؛ لأنَّ المَرأةَ تَقبضُ المَهرَ أوَّلًا ثمَّ تُسلِّمُ نفْسَها فتُطالِبُه بأداءِ المَهرِ إليها وهوَ يُنكرُ، فكانَ هو أسبَقَ إنكارًا، فكانَتِ البدايةُ بالتَّحليفِ مِنه أَولى؛ لِمَا قُلنا في اختِلافِ المُتبايعَينِ … ثمَّ إذا وجَبَ التَّحالفُ وبُدئَ بيَمينِ الزَّوجِ، فإنْ نكَلَ يُقضَى عليهِ بألفَينِ؛ لأنَّ النُّكولَ حُجَّةٌ يُقضَى بها في بابِ الأموالِ بلا خِلافٍ بيْنَ أصحابِنا، ولا خِيارَ للزَّوجِ وهوَ أنْ يُعطيَها مَكانَ الدَّراهِمِ دَنانيرَ؛ لأنَّ تَسميةَ الألفَينِ قَدْ تَثبتُ بالنُّكولِ؛ لأنهُ بمَنزِلةِ الإقرارِ، ومِن شأنِ المُسمَّى أنْ لا يكونَ للزَّوجِ العُدولُ عنهُ إلى غَيرِه إلَّا برِضَا المرأةِ، وإنْ حلَفَ تَحلفُ المرأةُ، فإنْ نكَلَتْ لم يُقضَ على الزَّوجِ إلَّا بالألفِ، ولا خيارَ لهُ؛ لِمَا قُلنَا في نُكولِ الزَّوجِ، وإنْ حَلفَتْ يحكمُ مَهرُ المِثلِ، فإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها ألفًا قُضيَ لها على الزَّوجِ بألفٍ، ولا خِيارَ لهُ؛ لأنَّ تَسميةَ الألفِ قَدْ تَثبتُ بتَصادقِهما، فيُمنعُ الخِيارُ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها ألفَينِ قُضيَ لها بألفَينِ، ولهُ الخِيارُ في أخْذِ الألفَينِ دُونَ الآخَرِ؛ لثُبوتِ تَسميةِ أحَدِ الألفَينِ بتَصادقِهما دُونَ الآخَرِ، وإنْ

стр. 9613

كانَ مَهرُ مِثلِها ألفًا وخَمسمائةٍ قُضيَ لها بألفٍ وخَمسِمائةٍ، ولا خيارَ له في قَدرِ الألفِ بتَصادُقِهما، وله الخيارُ في قَدرِ الخَمسمائةِ؛ لأنهُ لم تَثبتْ تَسميةُ هذا القَدرِ، فكانَ سَبيلُها سَبيلَ مَهرِ المِثلِ، فكانَ له الخيارُ فيها، ولا يُفسَخُ العَقدُ بَعدَ التَّحالِفِ في قولِ عامَّةِ العُلماءِ … (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ في قَدرِ المَهرِ أو صِفتِه أو جِنسِه فهذا لا يَخلو: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ البناءِ وما يَنزلُ مَنزِلتَه كالمَوتِ والطَّلاقِ، وإمَّا أنْ يكونَ بَعدَ البناءِ. فإنْ تَنازعَا قبْلَ البناءِ في قَدرِ المَهرِ بِأنْ قالَ: عَشرةٌ، وقالَتْ: عِشرينَ، أو صِفتِه بأنْ قالَتْ: بعَبدٍ رُوميٍّ، وقالَ: بعَبدٍ زِنجيٍّ، أو قالَتْ: بدَنانيرَ مُحمديةٍ، وقالَ: بل يَزيديةٍ، أو جِنسِه بأنْ قالَتْ: بذهَبٍ، وقالَ: بفضَّةٍ، أو: بعَبدٍ، وقالَ: بثَوبٍ، أو قالَتْ: بفَرَسٍ، وقالَ: بحِمارٍ؛ حَلفَا إنْ كانَا رَشيدينِ، وإلَّا فوَليُّهما، وتَبدأُ الزَّوجةُ، فيَحلفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما على ما ادَّعاهُ، وفُسخَ النِّكاحُ بطلاقٍ إذا لم يَحصُلْ مَوتٌ ولا طلاقٌ، ويَتوقَّفُ الفَسخُ على حُكمِ الحاكِمِ، وكذا إنْ نكَلَا، هذا إنْ أشبَها أو لم يُشبِها معًا، أمَّا إنْ أشبَهَ أحَدُهما فالقَولُ له بيَمينِه، فإنْ نكَلَ حلَفَ الآخَرُ ولا فسْخَ، هذا كلُّه إنْ كانَ التَّنازعُ في القَدرِ أو الصِّفةِ، وأمَّا في الجِنسِ فيُفسخُ مُطلَقًا حَلفَا أو أحَدُهما أو نكَلَا، أشبَها أو أحَدُهما أو لا، على الأرجَحِ، إلَّا أنْ يَرضَى أحَدُهما بقَولِ الآخَرِ.

стр. 9614

وانفِساخُ النِّكاحِ بتَمامِ التَّحالُفِ كالبَيعِ، وإنِّما يَكونُ إذا حكَمَ بهِ حاكِمٌ، فلا يَقعُ بمُجرَّدِ الحلِفِ، ويَقعُ ظاهِرًا وباطِنًا، وإنَّ نُكولَهُما كحلفِهِما، ويُقضَى للحالِفِ على النَّاكلِ، وأنَّ المرأةَ هيَ الَّتي تَبدأُ باليَمينِ؛ لأنها بائِعةٌ لبُضعِها. وأمَّا إنِ اختَلفَا بَعدَ البِناءِ أو الطَّلاقِ أو المَوتِ فالقولُ للزَّوجِ بيَمينٍ مُطلَقًا، أشبَهَ أو لم يُشبِهْ، فإنْ نكَلَ حَلفَتِ الزَّوجةُ أو وَرثتُها في المَوتِ، وكانَ القَولُ لها في القَدرِ أو الصِّفةِ وإنْ لم يُشبِهْ، فإنْ نكَلَتْ أو وَرثتُها فالقولُ قولُ الزَّوجِ. وأمَّا إنْ تَنازعَا في الجِنسِ بَعدَ البناءِ أو المَوتِ أو الدُّخولِ فيَجبُ لها صَداقُ المِثلِ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ قبْلَ وَطءٍ أو بَعدَه معَ بَقاءِ الزَّوجيةِ أو زَوالِها في قَدرِ مَهرٍ مُسمًّى وكانَ ما يدَّعِيهِ الزَّوجُ أقلَّ كقَولِه: «عَقدْتُ بألفٍ» فقالَتْ: «بَلْ بألفَينِ»، أو في صِفتِه الشَّامِلةِ لجِنسِهِ والحُلولِ والتَّأجيلِ وقَدرِ الأجلِ كأنْ قالَتْ: «بألفِ دينارٍ» فقالَ: «بَلْ بألفِ دِرهمٍ» أو قالَتْ: «بألفٍ صَحيحةٍ» فقالَ: «بَلْ مُكسَّرةٍ»، أو بحالٍّ فقالَتْ: «بَلْ بمُؤجَّلٍ»، أو بمُؤجَّلٍ إلى سَنةٍ فقالَ: «بل إلى سَنتَينِ»، ولا بيِّنةَ لأحَدِهما أو تَعارضَتْ

стр. 9615

بَيِّنتاهُما تَحالفَا قِياسًا على البَيعِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليهِ، ويُبدأُ بالزَّوجِ لقوَّةِ جانبِهِ بَعدَ التَّحالفِ ببَقاءِ البُضعِ لهُ. لو وجَبَ مَهرُ مِثلٍ لفَسادِ التَّسميةِ ونَحوِه فاختَلفَا في مِقدارِه فلا تَحالُفَ، ويُصدَّقُ الزَّوجِ بيَمينِه؛ لأنهُ غارمٌ والأصلُ بَراءةُ ذمَّتِه عمَّا زادَ. ويَتحالَفُ عِنْدَ الاختِلافِ السَّابقِ أيضًا وارثاهُما أو وارِثُ واحِدٍ مِنهُما والآخَرُ؛ لقِيامِه مَقامَ مُورِّثِه. لكن الزَّوجانِ يَحلفانِ على البَتِّ في النَّفيِ والإثباتِ، والوارِثُ يَحلِفُ على البَتِّ في الإثباتِ ونفيِ العلمِ، على القاعِدةِ في الحلِفِ على فِعلِ الغَيرِ، فيَقولُ وارِثُ الزَّوجِ: «واللهُ لا أعلَمُ أنَّ مُورِّثي نكَحَها بألفٍ، وإنَّما نكَحَها بخَمسِمِائةٍ»، ويَقولُ وارِثُ الزَّوجةِ: «واللهِ لا أعلَمُ أنهُ نكَحَ مُورِّثَتي بخَمسِمائةٍ، وإنَّما نكَحَها بألفٍ». ثمَّ بَعدَ التَّحالُفِ المَذكورِ يُفسخُ المَهرُ المُسمَّى؛ لمَصيرِه بالتَّحالُفِ مَجهولًا، ويَجبُ مَهرُ مِثلٍ وإنْ زادَ على ما ادَّعتْه؛ لأنهُما لمَّا تحالَفَا وجَبَ رَدُّ البُضعِ وهو لا يُمكِنُ، فيَجبُ بَدلُه كالمَبيعِ التالِفِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ، أو اختَلفَ وَرثتُهما، أو أحَدُهما ووَرثةُ الآخَرِ، أو اختَلفَ وَليَّاهُما، أو اختَلفَ زَوجٌ ووَليُّ زَوجةٍ نَحو صَغيرٍ وعَكسُه كأنِ اختَلفَ وَليٌّ زَوجٍ نحو صَغيرٍ مع زَوجةٍ رَشيدةٍ أو معَ وَليِّ

стр. 9616

غَيرِها أو معَ وَرثتِها في قَدرِ صَداقٍ بأنْ قالَ: «تَزوَّجتُكِ على عِشرينَ» فتَقولُ: «بل على ثَلاثينَ»، أو في عَينِه بأنْ قالَ: «هذا العَبدِ» فتَقولُ: «بل هذهِ الأمَةُ»، أو في صِفتِه بأنْ قالَ: «على عَبدٍ زِنجيٍّ» فقالَتْ: «بل أبيضَ» روميًّا، أو في جِنسِه بأنْ قالَ: «على فضَّةٍ» فتَقولُ: «على ذهَبٍ» أو ما يَستقِرُّ به الصَّداقُ؛ بأنِ ادَّعَتْ وَطئًا أو خَلوةً، وأنكَرَ فالقَولُ قَولُ الزَّوجِ أو وَليِّه أو وارثِهِ بيَمينِه، ولو لم يكُنْ ما ادَّعاهُ الزَّوجُ أو وَليُّه أو وارثُه مَهرَ المِثلِ؛ لأنهُ مُنكِرٌ لِمَا يُدَّعى عليهِ فدخَلَ في عُمومِ قَولِه ﷺ : «ولَكنَّ اليَمينَ على المُدَّعَى عليهِ»، ولأنَّ الأصلَ بَراءتُه ممَّا يُدَّعى عليهِ. ومَن تَوجَّهَ عليهِ اليَمينُ مِنْ الزَّوجَينِ والوليِّ فحلَفَ على فِعلِ نَفسِه فيَحلفُ على البَتِّ؛ لأنهُ الأصلُ في اليَمينِ، وإلَّا بأنْ تَوجَّهَ عليهِ اليَمينُ على فِعلِ غَيرِه فيَحلفُ على نَفيِ العِلمِ، ومحَلُّ حَلفِه على نَفيِ العِلمِ إنْ لم يَحضُرِ العَقدَ، فإنْ حضَرَ العَقدَ فلهُ الحَلفُ على البَتِّ في قَدرِ الصَّداقِ وعَينِه وجِنسِه وصَنعتِه. وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ: أنَّ القولَ قَولُ مَنْ يَدَّعي مَهرَ المِثلِ مِنهُما؛ لأنَّ الظَّاهرَ صِدقُ ما يَدَّعِيه، فيُقدَّمُ قَولُه، أشبَهَ المُنكِرَ في سائِرِ الدَّعاوَى، فلو ادَّعتِ المَرأةُ مَهرَ المِثلِ أو أقلَّ منهُ قُبلَ قَولُها، وإنِ ادَّعَى الزَّوجُ مَهرَ المِثلِ أو أكثَرَ منهُ قُبلَ قَولُه؛ لأنَّ الظَّاهرَ صِدقُ المُدَّعِي، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يكونَ هذا الاختِلافُ قبْلَ الدُّخولِ أو بعدَه، قبْلَ الطَّلاقِ أو بعدَه. فإنِ ادَّعى أقلَّ منهُ وادَّعتْ أكثَرَ منهُ رُدَّ إلى مَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ ذلكَ فائِدةُ

стр. 9617

قَبولِ قولِ مَنْ يَدَّعيهِ بلا يَمينٍ عِنْدَ القاضي؛ لأنها دَعوى في نِكاحٍ أشبَهَتْ الدَّعوَى في أصلِ النِّكاحِ في الأحوالِ كلِّها، سواءٌ وافَقَ قولَ الزَّوجِ أو قولَها. وعندَ أبي الخطَّابِ: يَجبُ اليَمينُ؛ لأنهُ اختِلافٌ فيما يَجوزُ بَدلُه، فوجَبَ أنْ تَجبَ فيه اليَمينُ كسائِرِ الدَّعاوى في الأموالِ. وفي «المُغْني»: إذا ادَّعى أقلَّ مِنْ مَهرِ المِثلِ وادَّعتْ أكثَرَ منهُ رُدَّ إلى مَهرِ المِثلِ، ولم يَذكُرْ أصحابُنا يَمينًا، والأَولى أنْ يَتحالَفَا، فإنَّ ما يَقولُه كلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحتمِلٌ للصِّحةِ، فلا يُعدَلُ عنهُ إلَّا بيَمينٍ، كالمُنكِرِ في سائرِ الدَّعاوي، ولأنهُما مُتساويانِ في عَدمِ الظُّهورِ، فشُرعَ التَّحالُفُ كاختِلافِ المُتبايعَينِ. وعنهُ رِوايةٌ ثالثةٌ: يَتحالَفانِ، فإنْ حلَفَ أحَدُهما ونكَلَ الآخَرُ ثبَتَ ما قالَه الآخَرُ، وإنْ حَلفَا وجَبَ مَهرُ المِثلِ (١). ج- الاختِلافُ في قَبضِ المَهرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لوِ اتَّفقَ الزَّوجانِ على المَهرِ وقَدرِه، إلا أنَّهما اختَلفَا في قَبضِه، فادَّعَى الزَّوجُ أنهُ أقبَضَها المَهرَ وادَّعتِ الزَّوجةُ أنهُ لَم يُقبِضْها المَهرَ، هل يُقبَلُ قَولُ الزَّوجةِ؟ أم الزَّوجِ؟ أم يُرجَعُ إلى العُرفِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى

стр. 9618

أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في قَبضِ المَهرِ مع اتِّفاقِهما على قَدرِه فقالَ الزَّوجُ: «قَدْ أقبَضْتُكِ مَهرَكِ» وقالَتِ الزَّوجةُ: «لَم أقبَضْه» فالقَولُ قولُ الزَّوجةِ معَ يَمينِها أنها لَم تَقبضْه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ القَبضِ وبَقاءُ المَهرِ، وسَواءٌ كانَ قبْلَ الدُّخولِ أو بَعدَه، أو قبْلَ الزّفافِ أو بَعدَه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «البيِّنةُ على المُدَّعِي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، والزَّوجُ مُدَّعٍ فكُلِّفَ البيِّنةَ، والزَّوجةُ مُنكِرةٌ فكُلِّفتِ اليَمينَ، ولأنَّ مَنْ ثبَتَ في ذمَّتِه حَقٌّ لغَيرِه لم يُقبَلْ قَولُه في دَفعِه كالدُّيونِ. ولا يَصحُّ الاعتِبارُ بالعادةِ؛ لأنَّ عاداتِ النَّاسِ فيهِ مُختلِفةٌ (١). وفي رِوايةٍ عَنْ الإمامِ أحمَدَ: أنهُ يُقبَلُ قَولُ الزَّوجِ معَ يَمينِه (٢). وذهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إنْ تَنازعَا في قَبضِ ما حَلَّ مِنْ الصَّداقِ فقالَ الزَّوجُ: «دَفعتُه لكِ» وقالَتْ: «لم تَدفَعْه بل هو باقٍ عِندكَ» فلا يَخلُو هذا: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ البناءِ أو بَعدَه. فإنْ كانَ قبْلَ البِناءِ فالقَولُ قَولُها بيَمينِها أنها لم تَقبضْه إنْ كانَتْ رَشيدةً،

стр. 9619

وإلَّا فَوليُّها هو الَّذي يَحلِفُ، فإنْ نكَلَ وَليُّها غَرمَ لها؛ لإضاعتِهِ بنُكولِه ما حَلَّ مِنْ الصَّداقِ. وإنْ كانَ التَّنازعُ بَعدَ البناءِ فالقولُ قَولُه بيَمينِه؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ المَرأةَ لا تُسلِّمُ سِلعتَها حتَّى تَقبضَ صَداقَها، لكنْ بيَمينٍ إنْ كانَ مالِكًا لأمرِ نَفسِه، وإلَّا فوَليُّه، لَكنْ بأربَعةِ شُروطٍ: الأوَّلُ: إنْ لم يَكنِ العُرفُ تأخيرَ ما حَلَّ مِنْ الصَّداقِ، بأنْ كانَ عُرفُهم تَقديمَه، أو لا عُرفَ لهم، فإنْ كانَ العُرفُ تأخيرَه فلا يكونُ القَولُ قولَه، بل قَولُها. والثَّاني: ولَم يكنْ مَعها رَهنٌ، وإلَّا فالقَولُ لها لا لهُ. والثَّالثُ: ولم يكنِ الَّصداقُ مَكتوبًا بكِتابٍ -أي وَثيقةٍ-، وإلَّا فالقَولُ لها. والرَّابعُ: وادَّعى بَعدَ البناءِ دفْعَه لها قبْلَ البناءِ؛ لأنَّ البِناءَ مُقَوٍّ لدَعواهُ القَبضَ حيثُ حصَلَ بَعدَ القَبضِ، فإنِ ادَّعَى دفْعَه بَعدَه فقَولُها بيَمينٍ وعليهِ البَيانُ. وأمَّا التَّنازعُ في مُؤجَّلِ الصَّداقِ -سَواءٌ كانَ التَّنازعُ قبْلَ البِناءِ أو بَعدَه- فالقولُ قَولُها كسائِرِ الدُّيونِ مِنْ أنَّ مَنْ ادَّعى الدَّفعَ فلا يُبْرِئُه إلَّا البيِّنةُ أو اعتِرافٌ مِنْ رَبِّ الدَّينِ (١).

стр. 9620

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وإذا اختَلفَا في قَبضِ المَهرِ فالمُتَوجَّهُ: إنْ كانَتِ العادةُ الغالِبةُ جارِيةً بحُصولِ القَبضِ في هذهِ الدُّيونِ أو الأعيانِ فالقولُ قَولُ مَنْ يُوافِقُ العادةَ، وهوَ جارٍ على أُصولِنا وأصولِ مالِكٍ في تَعارُضِ الأصلِ والعادةِ، والظَّاهرُ أنهُ يُرجَّحُ، وفُرِّقَ بيْنَ دَلالةِ الحالِ المُطلَقةِ العامَّةِ وبيْنَ دَلالةِ الحالِ المُقيَّدةِ المَخصوصةِ، فأمَّا إنْ كانَتِ الزَّوجةُ وقْتَ العَقدِ فَقيرةً ثمَّ وُجدَ مَعها ألفُ دِرهمٍ فقالَ: «هذا هو الصَّداقُ» وقالَتْ: «أخَذْتُه مِنْ غَيرِه» ولم تُعيِّنْ ولم يَحدُثْ لها قَبضُ مثلِه فهو نَظيرُ تَعليمِ السُّورةِ المَشروطةِ، وفيها وَجهانِ، ونَظيرُه الإنفاقُ عليها والكُسوةُ، وفي هذهِ المواضِعِ كلِّها إذا أبدَتْ جِهةَ القَبضِ المُمكِنِ منها كالمُمكِنِ مِنْ الزَّوجِ فيَنبغِي أنَّ القولَ قولُها، وإلَّا فلا (١). د- إذا اختَلفَا في الهَديةِ هل هيَ مِنْ المَهرِ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لَو أهدَى الزَّوجُ إلى زَوجتِه هَديَّةً مِثلَ الذَّهبِ والشَّبْكَةِ وغَيرِها مِنْ الهَدايا ثم ادَّعى أنها مِنْ المَهرِ وأنكَرَتْ وقالَتْ: «بلْ هو هَديَّةٌ». قالَ الحَنفيَّةُ: ومَن بعَثَ إلى امرأتِهِ شَيئًا فقالَتْ: «هو هَديَّةٌ» وقالَ: «هو مِنْ المهرِ» فالقولُ لهُ معَ يَمينِه في غَيرِ المُهيَّأِ للأكلِ؛ لأنهُ المُملِّكُ فكانَ أعرَفَ بجِهةِ التَّمليكِ، كما إذا قالَ: «أودَعتُكِ هذا الشيءَ» فقالَتْ: «بل وهبْتَهُ لي»، وكذا الظَّاهِرُ يَشهدُ لهُ؛ لأنهُ يَسعَى في إسقاطِ ما في ذمَّتِه، إلَّا في

стр. 9621

الطَّعامِ المُهيَّأِ للأكلِ كالشِّواءِ واللَّحمِ المَطبوخِ والفَواكهِ الَّتي لا تبقَى، فإنَّ القولَ قولُها فيهِ استِحسانًا؛ لجَريانِ العادةِ بإهدائِها، فكانَ الظَّاهِرُ شاهِدًا لها، بخِلافِ ما إذا لم يَكنْ مُهيَّأً للأكلِ كالعَسَلِ والسَّمْنِ والجَوزِ واللَّوزِ. وقيلَ: ما يَجبُ عليهِ مِنْ الخِمارِ والدَّرعِ ونحوِ ذلكَ ليسَ لهُ أنْ يَحسبَه مِنْ المَهرِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ يُكذِّبُه، بخِلافِ ما لا يَجبُ عليهِ كالخُفِّ والمُلاءةِ؛ لأنهُ لا يَجبُ عليهِ أنْ يُمكِّنَها مِنْ الخُروجِ، بل له أنْ يَمنعَها، ثمَّ إذا كانَ القولُ قولَ الزَّوجِ تَرُدُّ عليهِ المَتاعَ إنْ كانَ قائِمًا وتَرجِعُ بمَهرِها؛ لأنهُ بَيعٌ بالمَهرِ فلا يَنفرِدُ بهِ الزَّوجُ، بخِلافِ ما إذا كانَ مِنْ جِنسِ المَهرِ، وإنْ كانَ هالِكًا لا تَرجعُ. ولو قالَتْ: «هي مِنْ المهرِ» وقالَ: «هو وَديعةٌ»، فإنْ كانَ مِنْ جِنسِ المَهرِ فالقولُ قَولُها، وإنْ كانَ مِنْ خِلافِه فالقَولُ قَولُه. ولو بعَثَ إلى امرأتِهِ شَيئًا وبعَثَ إليهِ أبوها شَيئًا ثمَّ قالَ: هو مِنْ المَهرِ فلأبيها أنْ يَرجعَ بما بعَثَ إنْ كانَ مِنْ مالِ نَفسِه وكانَ قائِمًا، وإنْ كانَ مِنْ مالِ البِنتِ بإذنِها فلَيسَ لهُ أنْ يَرجعَ؛ لأنهُ هِبةٌ مِنها لزَوجِها، ذكَرَه في «الذَّخيرَة»، وفي «فَتاوى أهلِ سَمَرْقَنْدَ»: رَجلٌ تَزوَّجَ امرَأةً وبعَثَ إليها بهَدايا وعَوَّضتْه المَرأةُ على ذلكَ عِوضًا ثمَّ زُفَّتْ إليهِ ثمَّ فارَقَها وقالَ: «إنَّما بَعثْتُ إليكِ عارِيةً» وأرادَ أنْ يَستَردَّ ذلكَ وأرادَتِ المَرأةُ أنْ تَستَردَّ العِوضَ فالقولُ لهُ في الحُكمِ؛ لأنهُ أنكَرَ التَّمليكَ، فإذا استَردَّ ذلكَ مِنها كانَ لها أنْ تَستَردَّ ما عَوَّضتْه.

стр. 9622

قالَ الزَّيلعيُّ ﵀: وفي «الذَّخيرَة»: جَهَّزَ بِنتَه وزوَّجَها، ثمَّ زعَمَ أنَّ الَّذي دفَعَه إليها مَالُه وكانَ على وَجهِ العارِيةِ عِندَها فقالَت: «هو مِلكِي جَهَّزتَني بهِ» أو قالَ الزَّوجُ ذلكَ بَعدَ مَوتِها فالقولُ قَولُهما دُونَ الأبِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ بمِلكِ البِنتِ؛ إذِ العادةُ دَفعُ ذلكَ إليها بطَريقِ المِلكِ، وحُكيَ عن عليٍّ السُّغْديِّ أنَّ القولَ قولُ الأبِ؛ لأنَّ ذلكَ يُستفادُ مِنْ جِهتِه، وذكَرَ مِثلَه السَّرَخْسيُّ، وأخَذَ به بعضُ المَشايخِ، وقالَ في «الواقِعات»: إنْ كانَ العُرفُ ظاهِرًا بمِثلِه في الجِهازِ كما في دِيارِنا فالقولُ قَولُ الزَّوجِ، وإنْ كانَ مُشتَرَكًا فالقولُ قَولُ الأبِ، ولو أبرأَتْ زوْجَها مِنْ مَهرِها أو وَهبَتْه إيَّاهُ ثمَّ ماتَتْ بَعدَ مُدَّةٍ فقالَتِ الورَثةُ: «أبرأَتْه في مَرضِ مَوتِها» وأنكَرَ الزَّوجُ فالقولُ له، وقيلَ: يَنبغي أنْ يكونَ القَولُ قولَ الوَرثةِ؛ لأنَّ الزَّوجَ يَدَّعي سُقوطَ ما كانَ ثابِتًا وهُم يُنكِرونَ، وَجهُ الظَّاهِرِ: أنَّ الورَثةَ لم يَكنْ لهم حقٌّ، وإنَّما كانَ لها، وهُم يَدَّعونَه لأنفُسِهم، والزَّوجُ يُنكِرُه، فكانَ القولُ لهُ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: لو اشتَرى الزَّوجُ حُليًّا أو دِيباجًا ونَحوَهما مِنْ كلِّ ما يُتَّخذُ للزِّينةِ لزَوجَتِه وزيَّنَها بذلكَ لا يَصيرُ مِلكًا لها بنَفسِ التَّزيينِ المَذكورِ، بل إنَّما يَصيرُ بصُدورِ الإيجابِ والقَبولِ مِنهُما أو بقَصدِ الهديَّةِ منهُ لها بذلكَ.

стр. 9623

ولو اختَلفتْ هي والزَّوجُ في الإهداءِ والعارِيةِ، فادَّعَتْ هي أنَّه أهدَى لها الحُليَّ والدِّيباجَ المَذكورَينِ، وادَّعَى هو أنَّه لم يُهدِهِما لها وإنَّما جعَلَهما عِندَها عارِيةً صُدِّقَ الزَّوجُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّمليكِ، ومِثلُ الزَّوجِ في ذلكَ وارِثُه، يعني لوِ اختَلفَتْ هي ووارِثُ الزَّوجِ في الإهداءِ والعاريَةِ صُدِّقَ الوارِثُ. ولو أعطاها بَعدَ العَقدِ مالًا فقالَتْ: «الَّذي أعطَيتَنِي هديَّةٌ» وقالَ: «بل الَّذي أعطَيتُكِ إيَّاهُ الصَّداقُ الَّذي في ذمَّتِي» صُدِّقَ الزَّوجُ بيَمينِه وإنْ كانَ المُعطَى مِنْ غَيرِ جِنسِه. وما يُعطيهِ الزَّوجُ لزَوجتِه صُلحَةً -اسمٌ للشَّيءِ المُعطَى لأجْلِ المُصالَحةِ إذا غَضِبَتْ- أو صَباحيَّةً -هي اسمٌ للشَّيءِ المُعطَى صُبحَ الزَّواجِ، ويُسمَّى صبيحةً- كما اعتِيدَ إعطاءُ الصُلحَةِ والصَّباحِيَّةِ ببَعضِ البلادِ لا تَملِكُه المَرأةُ إلَّا بلَفظٍ أو قَصدِ إهداءٍ. وقيلَ: إنها تَملِكُه، كما في «فتاوى ابنِ الخياطِ»: إذا أهدَى الزَّوجُ للزَّوجةِ بَعدَ العَقدِ بسَببِه فإنها تَملكُه، ولا يَحتاجُ إلى إيجابٍ وقَبولٍ، ومِن ذلكَ ما يَدفعُه الرَّجلُ إلى المَرأةِ صُبْحَ الزَّواجِ ممَّا يُسمَّى صبحيةً في عُرفِنا، وما يَدفعُه إليها إذا غَضبَتْ أو تَزوَّجَ عليها، فإنَّ ذلكَ تَملكُه المَرأةُ بمُجرَّدِ الدَّفعِ إليها (١).

стр. 9624

ولو دفَعَ لمَخطوبتِه قبْلَ العَقدِ مالًا وقالَ: «جَعلتُه مِنْ الصَّداقِ الَّذي سيَجبُ بالعَقدِ، أو مِنْ الكسوةِ الَّتي ستَجبُ بالعَقدِ والتَّمكِينِ» وقالَتْ: «بل هي هَديَّةٌ» فالَّذي يَتَّجهُ تَصديقُها؛ إذْ لا قَرينةَ هُنا على صِدقِه في قَصدِه (١). قالَ الإمامُ الماوَردِيُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ: «فإنْ قالَتِ المرأةُ: «الَّذي قَبضْتُ هديَّةٌ» وقالَ: «بل هو مَهرٌ» فقَدْ أقرَّتْ بمالٍ وادَّعتْ مِلكَه فالقولُ قَولُه». قالَ الماوَردِيُّ: وهذا كما قالَ، إذا دفَعَ الزَّوجُ إليها مالًا ثمَّ اختَلفَا فيهِ فقالَتِ الزَّوجةُ: «أخذْتُه هِبةً وصَداقي باقٍ» وقالَ الزَّوجُ: «بل دَفعْتُه صَداقًا» فالقَولُ قولُ الزَّوجِ، سَواءٌ كانَ مِنْ جِنسِ الصَّداقِ أو مِنْ غَيرِه، وسواءٌ كانَ ممَّا جرَتِ العادةُ بمُهاداةِ الزَّوجِ بمِثلِه أم لا. وقالَ مالِكٌ: إنْ كانَ مِمَّا جرَتِ العادةُ أنْ يهديَه الزَّوجُ للزَّوجةِ كالثَّوبِ والمَقْنَعةِ والطِّيبِ والحُليِّ فالقولُ قولُها معَ يَمينِها؛ اعتِبارًا بالعُرفِ، ولها المُطالَبةُ بمَهرِها. وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ الأموالَ لا تُتَملَّكُ على أربابِها بالدَّعاوى، ولأنها لوِ ادَّعتْ هِبةَ ذلكَ وقدْ قَبضَتْ مَهرَها لم يُقبلْ قَولُها، فكذلكَ قبْلَ قَبضِه، وقد مَضى الجَوابُ عمَّا استَدلَّ بهِ مِنْ العُرفِ. فإذا ثبتَ أنَّ القولَ قَولُ الزَّوجِ دُونَها، فإنِ ادَّعتْ أنَّه صرَّحَ لها بالهِبةِ كانَ لها إحلافُه، فيكونُ القَولُ قولَه معَ يَمينِه، فإنْ نكَلَ عنِ اليَمينِ رُدَّتْ

стр. 9625

عليها وحُكِمَ لها إنْ حَلفَتْ، وإنْ لم تَدَّعِ أنه صرَّحَ لها بالهبةِ بل قالَتْ: «نَواها وأرادَها ولَم يَتلفَّظْ بها» فلا يَمينَ عليهِ؛ لأنَّ الهِبةَ لا تَصحُّ بالنِّيةِ، فلَم يَلزمْه يَمينٌ في دَعوى هِبةٍ فاسِدةٍ، فإذا جَعلْنا القولَ قَولَه لم يَخلُ حالُ ما أقبَضَها مِنْ حالَينِ: إمِّا أنْ يكونَ مِنْ جِنسِ صَداقِها؛ لأنهُ دَراهِمُ وقدْ دفَعَ إليها دَراهمَ، فيكونُ ذلكَ بضامِنِ صَداقِها، وإمَّا أنْ يكونَ مِنْ غَيرِ جِنسِ صَداقِها؛ لأنهُ دَراهمُ وَقد دفَعَ إليها دَنانِيرَ، فتكونُ الدَّنانيرُ لهُ والصَّداقُ عليهِ، ولا يُقبَلُ قَولُه في أنها أَخذَتِ الدَّنانِيرَ بَدلًا مِنْ صَداقِها، فإنِ ادَّعَى ذلكَ عليها أحلَفَها (١). وقد تَقدَّمَ قولُ المالِكيَّةِ والحَنابلةِ في مَسألةِ: هل هَديَّةُ الزَّوجِ للزَّوجةِ تُعتبرُ مِنْ المَهرِ؟

стр. 9626

فصل في الشُّروطِ في النِّكاحِ والمَهرِ المَرأةُ قد تَتزوَّجُ الرَّجلَ على شَرطٍ مِنْ الشَّروطِ، وقَد يَزيدُ في مَهرِها أو يَنقُصُ بِناءً على هذهِ الشُّروطِ، وهذهِ الشُّروطُ منها ما هو مُتَّفَقٌ على جوازِ الوفاءِ بهِ؛ لأنهُ جائِزٌ ولَم يُخلَّ بمَقصودِ النِّكاحِ ولا حَرَّمَ حَلالًا ولا أحَلَّ حَرامًا، ومِن هذهِ الشُّروطِ ما اختَلفَ فيهِ الفُقهاءُ، هل يَلزمُ الوفاءُ بها أم لا؟ وإذا لَزمَ الوَفاءُ بها وأخلَفَ الزَّوجُ الشَّرطَ، هل يَنفسخُ النِّكاحُ أم لا؟ أ- شَرطُ أنْ لا يَتزوَّجَ عَليها أو أنْ لا يُخرجَها مِنْ دارِها أو بلَدِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ تَتزوَّجُ الرَّجلَ بشَرطِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرجَها مِنْ بَلدِها، هل يَجبُ عليهِ أنْ يَفيَ لها بهذا الشَّرطِ؟ أم هذا الشَّرطُ باطِلٌ ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ عليها؟ فذهَبَ الحَنابلةُ -وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ- إلى أنَّ الزَّوجَ إذا تَزوَّجَها وشرَطَ لها أنْ لا يُخرجَها مِنْ دارِها وبَلدِها أو لا يَتزوَّجَ عليها فلها شَرطُها ويَلزمُه الوَفاءُ لها بهِ؛ لمَا رُويَ عَنْ النَّبيِّ

стр. 9627

ﷺ أنهُ قالَ: «أحَقُّ ما أَوفَيتُمْ مِنَ الشُّروطِ أنْ تُوفُوا بهِ ما استَحلَلتُم به الفُرُوجَ» (١). فيَجبُ الوَفاءُ بهذا الشَّرطِ الَّذي هو أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى به، وهو مُقتَضى الشَّرعِ والعَقلِ والقياسِ الصَّحيحِ، فإنَّ المرأةَ لم تَرضَ ببَذلِ بُضعِها للزَّوجِ إلَّا على هذا الشَّرطِ، ولو لم يَجبِ الوفاءُ بهِ لم يَكنِ العَقدُ عن تَراضٍ، وكانَ إلزامًا لها بِما لم تَلتزِمْه وبما لم يُلزِمْها اللهُ تعالَى ورَسولُه بهِ، فلا نَصَّ ولا قِياسَ. فإنْ لم يَفعلِ الزَّوجُ وتَزوَّجَ عليها أو أخرَجَها مِنْ بَلدِها فلها فَسخُ النِّكاحِ، وهيَ مُخيَّرةٌ، فإنْ شاءَتْ أنْ تُقيمَ معهُ وإنْ شاءَتْ أنْ تُفارِقَه، يُروَى هذا عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ومُعاويةَ وعَمرِو بنِ العاصِ ﵃، وبه قالَ شُرَيحٌ وعُمرُ بنُ عَبدِ العزيزِ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وطاوُسٌ والأوزاعيُّ وإسحاقُ. ورُويَ: «أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ امرأةً وشرَطَ لها دارَها ثمَّ أرادَ نقْلَها، فخاصَموهُ إلى عُمرَ فقالَ: لها شَرطُها، فقالَ الرَّجلُ: إذًا يُطلِّقْنَنا، فقالَ عُمرُ: «مَقاطِعُ الحُقوقِ عندَ الشُّروطِ» (٢)، ولأنهُ شَرطٌ لها فيهِ مَنفعةٌ مَقصودةٌ لا يَمنعُ المَقصودَ مِنْ النِّكاحِ، فكانَ لازِمًا، كما لو شَرطَتْ عليهِ زِيادةً في المَهرِ أو غيرَ نَقدِ البلدِ.

стр. 9628

وقولُه ﷺ : «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ» أي: ليسَ في حُكمِ اللهِ وشَرعِه، وهذا مَشروعٌ، وقد ذكَرْنا ما دلَّ على مَشروعيَّتِه، وعلى مَنْ نفَى ذلكَ الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحرِّمُ الحَلالَ. قُلنا: لا يُحرِّمُ حَلالًا وإنما يُثبتُ للمَرأةِ خِيارَ الفَسخِ إنْ لم يَفِ لها به. وقَولُهم: ليسَ مِنْ مَصلحتِه. قُلنا: لا نُسلِّمُ ذلكَ؛ فإنهُ مِنْ مَصلحةِ المَرأةِ، وما كانَ مِنْ مَصلحةِ العاقدِ كانَ مِنْ مَصلحةِ عَقدِه، كاشتِراطِ الرَّهنِ والضَّمينِ في البيعِ، ثم يَبطلُ بالزِّيادةِ على مَهرِ المِثلِ. وشَرطُ غَيرِ نَقدِ البلدِ إذا ثبَتَ أنهُ شَرطٌ لازِمٌ فلمْ يَفِ لها به فلها الفَسخُ، ولهذا قالَ الَّذي قضَى عليهِ عُمرُ بلُزومِ الشَّرطِ: «إذًا تُطَلِّقُنَا»، فلَم يَلتفِتْ عُمرُ إلى ذلكَ وقالَ: «مَقاطعُ الحُقوقِ عِنْدَ الشُّروطِ»، ولأنهُ شَرطٌ لازِمٌ في عَقدٍ، فيَثبتُ حقُّ الفَسخِ بتَركِ الوفاءِ به كالرَّهنِ والضَّمينِ في البيعِ. وهذا الخِيارُ على التَّراخي؛ لأنهُ خِيارٌ يَثبتُ لدَفعِ الضَّررِ فكانَ على التَّراخي؛ تَحصيلًا لمَقصودِها، كخِيارِ العَيبِ والقِصاصِ، ولا يَسقطُ إلا بما يَدلُّ على الرِّضَا مِنها مِنْ قَولٍ أو تَمكينٍ منها معَ العِلمِ بفِعلِه ما شَرطَتْ أنْ لا يَفعلَه، فإنْ لم تَعلمْ بعَدمِ الوفاءِ ومَكَّنتْه لم يَسقطْ خِيارُها؛ لأنَّ مُوجِبَه لم يَثبتْ، فلا يكونُ له أثَرٌ، كالمُسقِطِ لشُفعَتِه قبْلَ البَيعِ.

стр. 9629

فإنْ فَسخَتْ قبْلَ الدُّخولِ بها فلا مَهرَ لها، وليسَ لها نِصفُ المَهرِ، ولا المُتعةُ إنْ كانَتْ مُفوِّضةً (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا تَزوَّجتِ الرَّجلَ وشَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها أنَّ النِّكاحَ جائزٌ والشَّرطَ باطلٌ، ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ عليها وأنْ يُخرِجَها مِنْ بلدِها.

стр. 9630

واستَدلُّوا على ذلكَ بما يَلي: بما رواهُ البُخاريُّ مُعلَّقًا قالَ: وقالَ المِسْورُ: سَمعْتُ النَّبيَّ ﵇ وذكَرَ صِهرًا لهُ فأَثنَى عليهِ في مُصاهَرتِه فأحسَنَ، قالَ: «حَدَّثَني فصَدَقَني ووعَدَني فوَفانِي» (١). قالُوا: وإنَّما استَحقَّ المَدحَ لأنَّه وفى لهُ مُتبَرِّعًا ومُتطوِّعًا لا فيما لَزمَه الوفاءُ به على سَبيلِ الفَرضِ. ولقَولِه ﷺ في قصَّةِ بَريرةَ: «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شَرطٍ، كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ وشَرطُ اللَّهِ أوثَقُ» (٢)، فأجازَ البَيعَ وأبطَلَ الشَّرطَ، فلمَّا أبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ الشُّروطِ ما ليسَ في كِتابِ اللهِ كانَ مَنْ اشتَرَطَ شُروطًا خِلافَ كِتابِ اللهِ أَولى أنْ تَبطُلَ. وقَولِه ﷺ : «المُؤمِنونَ على شُروطِهم إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، مِنْ ذلكَ أنَّ اللهَ أباحَ للرِّجالِ أنْ يَنكحُوا أربَعًا، وأباحَ للرَّجلِ وطْءَ ما مَلكَتْ يَمينُه؛ لقَولِه : ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٦]، فإذا شَرطَتْ عليهِ الزَّوجةُ تَحريمَ ما أحَلَّ اللهُ لهُ بطَلَ الشَّرطُ وثبَتَ النِّكاحُ، ولمَّا كانَ للمَرءِ إذا عقَدَ نكاحَ امرأةٍ أنْ يَنقلَها حيثُ يَصلحُ أنْ تُنقَلَ إليه مِثلُها ويُسافرَ بها كانَ اشتِراطُها عليهِ كارِهًا غيرُ أحكامِ المسلمِينَ في أزواجِهِم، وذلكَ غَيرُ لازمٍ للزَّوجِ.
следующие страницы →