فصل في الشُّروطِ في النِّكاحِ والمَهرِ
المَرأةُ قد تَتزوَّجُ الرَّجلَ على شَرطٍ مِنْ الشَّروطِ، وقَد يَزيدُ في مَهرِها أو يَنقُصُ بِناءً على هذهِ الشُّروطِ، وهذهِ الشُّروطُ منها ما هو مُتَّفَقٌ على جوازِ الوفاءِ بهِ؛ لأنهُ جائِزٌ ولَم يُخلَّ بمَقصودِ النِّكاحِ ولا حَرَّمَ حَلالًا ولا أحَلَّ حَرامًا، ومِن هذهِ الشُّروطِ ما اختَلفَ فيهِ الفُقهاءُ، هل يَلزمُ الوفاءُ بها أم لا؟ وإذا لَزمَ الوَفاءُ بها وأخلَفَ الزَّوجُ الشَّرطَ، هل يَنفسخُ النِّكاحُ أم لا؟
أ- شَرطُ أنْ لا يَتزوَّجَ عَليها أو أنْ لا يُخرجَها مِنْ دارِها أو بلَدِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ تَتزوَّجُ الرَّجلَ بشَرطِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرجَها مِنْ بَلدِها، هل يَجبُ عليهِ أنْ يَفيَ لها بهذا الشَّرطِ؟ أم هذا الشَّرطُ باطِلٌ ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ عليها؟
فذهَبَ الحَنابلةُ -وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ- إلى أنَّ الزَّوجَ إذا تَزوَّجَها وشرَطَ لها أنْ لا يُخرجَها مِنْ دارِها وبَلدِها أو لا يَتزوَّجَ عليها فلها شَرطُها ويَلزمُه الوَفاءُ لها بهِ؛ لمَا رُويَ عَنْ النَّبيِّ
стр. 9627
ﷺ أنهُ قالَ: «أحَقُّ ما أَوفَيتُمْ مِنَ الشُّروطِ أنْ تُوفُوا بهِ ما استَحلَلتُم به الفُرُوجَ» (١).
فيَجبُ الوَفاءُ بهذا الشَّرطِ الَّذي هو أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى به، وهو مُقتَضى الشَّرعِ والعَقلِ والقياسِ الصَّحيحِ، فإنَّ المرأةَ لم تَرضَ ببَذلِ بُضعِها للزَّوجِ إلَّا على هذا الشَّرطِ، ولو لم يَجبِ الوفاءُ بهِ لم يَكنِ العَقدُ عن تَراضٍ، وكانَ إلزامًا لها بِما لم تَلتزِمْه وبما لم يُلزِمْها اللهُ تعالَى ورَسولُه بهِ، فلا نَصَّ ولا قِياسَ.
فإنْ لم يَفعلِ الزَّوجُ وتَزوَّجَ عليها أو أخرَجَها مِنْ بَلدِها فلها فَسخُ النِّكاحِ، وهيَ مُخيَّرةٌ، فإنْ شاءَتْ أنْ تُقيمَ معهُ وإنْ شاءَتْ أنْ تُفارِقَه، يُروَى هذا عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ومُعاويةَ وعَمرِو بنِ العاصِ ﵃، وبه قالَ شُرَيحٌ وعُمرُ بنُ عَبدِ العزيزِ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وطاوُسٌ والأوزاعيُّ وإسحاقُ.
ورُويَ: «أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ امرأةً وشرَطَ لها دارَها ثمَّ أرادَ نقْلَها، فخاصَموهُ إلى عُمرَ فقالَ: لها شَرطُها، فقالَ الرَّجلُ: إذًا يُطلِّقْنَنا، فقالَ عُمرُ: «مَقاطِعُ الحُقوقِ عندَ الشُّروطِ» (٢)، ولأنهُ شَرطٌ لها فيهِ مَنفعةٌ مَقصودةٌ لا يَمنعُ المَقصودَ مِنْ النِّكاحِ، فكانَ لازِمًا، كما لو شَرطَتْ عليهِ زِيادةً في المَهرِ أو غيرَ نَقدِ البلدِ.
стр. 9628
وقولُه ﷺ : «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ» أي: ليسَ في حُكمِ اللهِ وشَرعِه، وهذا مَشروعٌ، وقد ذكَرْنا ما دلَّ على مَشروعيَّتِه، وعلى مَنْ نفَى ذلكَ الدليلُ.
وقولُهم: إنَّ هذا يُحرِّمُ الحَلالَ.
قُلنا: لا يُحرِّمُ حَلالًا وإنما يُثبتُ للمَرأةِ خِيارَ الفَسخِ إنْ لم يَفِ لها به.
وقَولُهم: ليسَ مِنْ مَصلحتِه.
قُلنا: لا نُسلِّمُ ذلكَ؛ فإنهُ مِنْ مَصلحةِ المَرأةِ، وما كانَ مِنْ مَصلحةِ العاقدِ كانَ مِنْ مَصلحةِ عَقدِه، كاشتِراطِ الرَّهنِ والضَّمينِ في البيعِ، ثم يَبطلُ بالزِّيادةِ على مَهرِ المِثلِ.
وشَرطُ غَيرِ نَقدِ البلدِ إذا ثبَتَ أنهُ شَرطٌ لازِمٌ فلمْ يَفِ لها به فلها الفَسخُ، ولهذا قالَ الَّذي قضَى عليهِ عُمرُ بلُزومِ الشَّرطِ: «إذًا تُطَلِّقُنَا»، فلَم يَلتفِتْ عُمرُ إلى ذلكَ وقالَ: «مَقاطعُ الحُقوقِ عِنْدَ الشُّروطِ»، ولأنهُ شَرطٌ لازِمٌ في عَقدٍ، فيَثبتُ حقُّ الفَسخِ بتَركِ الوفاءِ به كالرَّهنِ والضَّمينِ في البيعِ.
وهذا الخِيارُ على التَّراخي؛ لأنهُ خِيارٌ يَثبتُ لدَفعِ الضَّررِ فكانَ على التَّراخي؛ تَحصيلًا لمَقصودِها، كخِيارِ العَيبِ والقِصاصِ، ولا يَسقطُ إلا بما يَدلُّ على الرِّضَا مِنها مِنْ قَولٍ أو تَمكينٍ منها معَ العِلمِ بفِعلِه ما شَرطَتْ أنْ لا يَفعلَه، فإنْ لم تَعلمْ بعَدمِ الوفاءِ ومَكَّنتْه لم يَسقطْ خِيارُها؛ لأنَّ مُوجِبَه لم يَثبتْ، فلا يكونُ له أثَرٌ، كالمُسقِطِ لشُفعَتِه قبْلَ البَيعِ.
стр. 9629
فإنْ فَسخَتْ قبْلَ الدُّخولِ بها فلا مَهرَ لها، وليسَ لها نِصفُ المَهرِ، ولا المُتعةُ إنْ كانَتْ مُفوِّضةً (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا تَزوَّجتِ الرَّجلَ وشَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها أنَّ النِّكاحَ جائزٌ والشَّرطَ باطلٌ، ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ عليها وأنْ يُخرِجَها مِنْ بلدِها.
стр. 9630
واستَدلُّوا على ذلكَ بما يَلي:
بما رواهُ البُخاريُّ مُعلَّقًا قالَ: وقالَ المِسْورُ: سَمعْتُ النَّبيَّ ﵇ وذكَرَ صِهرًا لهُ فأَثنَى عليهِ في مُصاهَرتِه فأحسَنَ، قالَ: «حَدَّثَني فصَدَقَني ووعَدَني فوَفانِي» (١). قالُوا: وإنَّما استَحقَّ المَدحَ لأنَّه وفى لهُ مُتبَرِّعًا ومُتطوِّعًا لا فيما لَزمَه الوفاءُ به على سَبيلِ الفَرضِ.
ولقَولِه ﷺ في قصَّةِ بَريرةَ: «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شَرطٍ، كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ وشَرطُ اللَّهِ أوثَقُ» (٢)، فأجازَ البَيعَ وأبطَلَ الشَّرطَ، فلمَّا أبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ الشُّروطِ ما ليسَ في كِتابِ اللهِ كانَ مَنْ اشتَرَطَ شُروطًا خِلافَ كِتابِ اللهِ أَولى أنْ تَبطُلَ.
وقَولِه ﷺ : «المُؤمِنونَ على شُروطِهم إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، مِنْ ذلكَ أنَّ اللهَ أباحَ للرِّجالِ أنْ يَنكحُوا أربَعًا، وأباحَ للرَّجلِ وطْءَ ما مَلكَتْ يَمينُه؛ لقَولِه : ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٦]، فإذا شَرطَتْ عليهِ الزَّوجةُ تَحريمَ ما أحَلَّ اللهُ لهُ بطَلَ الشَّرطُ وثبَتَ النِّكاحُ، ولمَّا كانَ للمَرءِ إذا عقَدَ نكاحَ امرأةٍ أنْ يَنقلَها حيثُ يَصلحُ أنْ تُنقَلَ إليه مِثلُها ويُسافرَ بها كانَ اشتِراطُها عليهِ كارِهًا غيرُ أحكامِ المسلمِينَ في أزواجِهِم، وذلكَ غَيرُ لازمٍ للزَّوجِ.
стр. 9631
ولأنَّ هذا شَرطٌ ليسَ مِنْ مَصلحةِ العَقدِ ولا مُقتَضاهُ، ولمْ يُبْنَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فكانَ فاسِدًا، كما لو شَرطَتْ أنْ لا تُسلِّمَ نفْسَها.
فأمَّا مَعنى قَولِه ﵇: «أحَقُّ ما أوفَيتُم مِنَ الشُّروطِ أنْ تُوفُوا بهِ ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ»، فيَحتملُ أنْ تكونَ الشُّروطَ الَّتي أجمَعَ أهلُ العِلمِ أنَّ على الزَّوجِ الوفاءَ بها، ويَحتملُ أنْ يكونَ ما شُرطَ على النَّاكِحِ في عَقدِ النِّكاحِ ممَّا أمَرَ اللهُ بهِ مِنْ إمساكٍ بمَعروفٍ أو تَسريحٍ بإحسانٍ، وإذا احتَملَ الحَديثُ مَعانٍ كانَ ما وافَقَ ظاهِرَ كِتابِ اللهِ وسُننَ رَسولِ اللهِ ﷺ أَولى، وقدْ أبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ كلَّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ، وهذا أَولى مَعنَييْه (١).
стр. 9632
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولو نكَحَ بِكرًا أو ثيِّبًا بأمرِها على ألفٍ على أنَّ لها أنْ تَخرجَ متى شاءَتْ مِنْ مَنزلِه، وعلى أنْ لا تَخرجَ مِنْ بَلدِها، وعلى أنْ لا يَنكحَ عليها ولا يَتسرَّى عليها، أو أيِّ شَرطٍ ما شَرطَتْه عليهِ مِمَّا كانَ له إذا انعَقدَ النِّكاحُ أنْ يَفعلَه ويَمنعَها منه فالنِّكاحُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ، وإنْ كانَ انتَقصَها بالشَّرطِ شَيئًا مِنْ مَهرِ مِثلِها فلها مَهرُ مِثلِها، وإنْ كانَ لم يُنقِصْها مِنْ مَهرِ مِثلِها بالشَّرطِ أو كانَ قدْ زادَها عليهِ وزادَها على الشَّرطِ أبطَلتُ الشَّرطَ ولم أجعَلْ لها الزِّيادةَ على مَهرِ مِثلِها ولم يَزِدْها على مَهرِ مِثلِها؛ لفَسادِ عَقدِ المَهرِ بالشَّرطِ الَّذي دخَلَ معهُ، ألَا ترَى لو أنَّ رَجلًا اشتَرَى عَبدًا بمِائةِ دينارٍ وزِقِّ خَمرٍ فرَضيَ رَبُّ العَبدِ أنْ يأخُذَ المِائةَ ويُبطِلَ الزِّقَّ الخَمرَ لم يكنْ ذلكَ لهُ؛ لأنَّ الثَّمنَ انعَقدَ على ما يَجوزُ وعلى ما لا يَجوزُ فبطَلَ ما لا يَجوزُ وما يَجوزُ، وكانَ لهُ قِيمةُ العَبدِ إنْ ماتَ في يَديِ المُشتَري.
ولو أصدَقَها ألفًا على أنْ لا يُنفِقَ عليها أو على أنْ لا يَقسِمَ لها أو على أنهُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ بها كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَ له إنْ كانَ صَداقُ مِثلِها أقلَّ مِنَ الألفِ أنْ يَرجعَ عليها حتَّى يُصيِّرَها إلى صَداقِ مِثلِها؛ لأنها شَرطَتْ له ما ليسَ لهُ فزادَها ممَّا طرَحَ عن نَفسِه مِنْ حقِّها، فأبطَلتُ حصَّةَ الزِّيادةِ مِنْ مَهرِها ورَدَّدتُها إلى مَهرِ مِثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فلِمَ لا تُجيزُ عليهِ ما شرَطَ لها وعليها ما شَرطَتْ له؟
قيلَ: رَددْتُ شَرطَهُما إذ أبطَلا بهِ ما جعَلَ اللهُ لِكلِّ واحدٍ ثمَّ ما جعَلَ
стр. 9633
النَّبيُّ ﷺ ، وبأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَشترِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كتابِ اللهِ تعالَى؟ ما كانَ مِنْ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تعالَى فهوَ باطِلٌ ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، قَضاءُ اللهِ أحَقُّ وشَرطُه أوثَقُ، فإنِّما الوَلاءُ لمَن أعتَقَ»، فأبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ كلَّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ جلَّ ثَناؤُه إذا كانَ في كِتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ خِلافُه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما الشَّرطُ للرَّجلِ على المرأةِ والمَرأةِ على الرَّجلِ ممَّا إبطالُه بالشَّرطِ خِلافٌ لكِتابِ اللهِ أو السُّنةِ أو أمرٍ اجتَمعَ النَّاسُ عليهِ؟
قيلَ لهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى: أحَلَّ اللهُ للرَّجلِ أنْ يَنكحَ أربَعًا وما مَلكَتْ يَمينُه، فإذا شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَنكحَ ولا يَتسرَّى حَظرَتْ عليهِ ما وسَّعَ اللهُ تعالَى عليهِ، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحِلُّ للمَرأةِ أنْ تَصومَ يَومًا تَطوُّعًا وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه»، فجعَلَ له مَنعَها ما يُقرِّبُها إلى اللهِ إذا لم يكنْ فَرضًا عليها؛ لعَظيمِ حقِّهِ عليها، وأوجَبَ اللهُ لهُ الفَضيلةَ عليها، ولَم يَختلفْ أحَدٌ عَلِمْته في أنَّ له أنْ يُخرِجَها مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ ويَمنعَها مِنَ الخُروجِ، فإذا شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَمنعَها مِنَ الخُروجِ ولا يُخرِجَها شَرطَتْ عليهِ إبطالَ ما لهُ عليها، قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، فدَلَّ كتابُ اللهِ تعالَى على أنَّ على الرَّجلِ أنْ يَعولَ امرَأتَه، ودلَّتْ عليهِ السُّنةُ، فإذا شرَطَ عليها أنْ لا يُنفِقَ عليها أُبطِلَ ما جعَلَ لها وأُمرَ بعِشرتِها بالمَعروفِ ولمْ يُبَحْ له ضَربُها إلَّا بحالٍ، فإذا شرَطَ عليها أنَّ لهُ أنْ يُعاشِرَها كيفَ شاءَ وأنْ لا شيءَ عليهِ فيما
стр. 9634
نالَ مِنها فقدْ شرَطَ أنَّ له أنْ يأتيَ منها ما ليسَ له، فبهذا أبطَلْنا هذهِ الشُّروطَ وما في مَعناها وجعَلْنا لها مهرَ مِثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فقدْ يُروَى عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُم بهِ مِنْ الشُّروطِ ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ»، فهكذا نَقولُ في سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، أنه إنَّما يُوفَّى مِنْ الشُّروطِ ما يَبِينُ أنه جائِزٌ ولم تَدُلَّ سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ على أنهُ غَيرُ جائِزٍ، وقَد يُروَى عنهُ ﵊: «المُسلِمونَ على شُروطِهم إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، ومُفسَّرُ حَديثِه يَدلُّ على جُملتِه (١).
وقالَ ابنُ الُمنذِرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ يَنكحُ المرأةَ ويَشتَرِطُ لها أنْ لا يُخرِجَها مِنْ دارِها ولا يَتزوَّجَ عليها ولا يَتسرَّى ونحوُ ذلكَ مِنَ الشُّروطِ.
فأبطَلَتْ طائفةٌ هذهِ الشُّروطَ، هذا مَذهبُ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ وسَعيدِ ابنِ المُسيّبِ والحَسنِ وإياسَ بنِ معاويةَ وابنِ سِيرينَ والشَّعبيِّ والنَّخعيِّ والزُّهريِّ وقَتادةَ وهشامِ بنِ هُبيرةَ ومالكِ بنِ أنسٍ واللَّيثِ بنِ سَعدٍ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ.
وكانَ الشَّافعيُّ يقولُ: إنْ كانَ انتَقصَها بشَرطٍ شَيئًا مِنْ مَهرِ مِثلِها فلها مَهرُ مِثلِها.
стр. 9635
وقدْ روينا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قالَ في رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً وشرَطَ لها دارَها، فقالَ: «شَرطُ اللهِ قبْلَ شَرطِهم» ولمْ يَرَهُ شَيئًا.
وألزَمَتْ طائِفةٌ هذهِ الشُّروطَ وأَمرَتْ بالوفاءِ بها، وروينا عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنهُ اختُصِمَ إليهِ في امرأةٍ شرَطَ لها زَوجُها أنْ لا يُخرِجَها مِنْ دارِها، فقالَ عُمرُ: «لها شَرطُها».
وقالَ عَمرُو بنُ العاصِ: «أرَى أنْ يَفيَ لها بشَرطِها»، وهذا مَذهبُ جابرِ بنِ زيدٍ وطَاووسٍ، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ.
وقالَ إسحاقُ لقَولِ عُمرَ: مَقطَعُ الحُقوقِ عندَ الشُّروطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بها ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ».
وكانَ عطاءٌ يقولُ: إنْ نكَحَ امرأةً وشَرطَتْ عليه «أنكَ إنْ نَكحْتَ أو تَسرَّيتَ أو خَرجْتَ بي فإنَّ لي عليكَ كذا وكذا مِنْ المالِ»، قالَ: فإنْ نكَحَ فلها ذلكَ المالُ، قالَ: وهوَ مِنْ صَداقِها.
وقالَ الزُّهريُّ: هو زِيادةٌ في صَداقِها.
قالَ أبو بكرٍ: أصَحُّ ذلكَ أنْ يَثبُتَ النِّكاحُ وتَبطُلَ الشُّروطُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شَرطٍ»، وهذهِ الشُّروطُ خِلافُ كتابِ اللهِ، بل فيهِ تَحريمُ ما أباحَهُ اللهَ للزَّوجِ مِنَ النكاحِ ومِلكِ اليَمينِ.
والجَوابُ في الاشتِراطِ على كلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ على صاحِبِه أنْ لا يَنكحَ بعدَه كالجَوابِ في هذهِ الوسائِلِ.
стр. 9636
وأبطَلَ سُفيانُ الثَّوريُّ والشَّافعيُّ والمُزَنِيُّ وأصحابُ الرَّأيِ هذهِ الشُّروطَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ.
فأمَّا العُمومُ: فحَديثُ عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطَبَ النَّاسَ، فقالَ في خُطبتِه: «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ».
وأمَّا الخُصوصُ: فحَديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بهِ ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ».
والحَديثانِ صَحيحانِ خرَّجَهما البُخاريُّ ومُسلِمٌ، إلَّا أنَّ المَشهورَ عندَ الأُصولِيِّينَ القضاءُ بالخُصوصِ على العُمومِ، وهوَ لُزومُ الشُّروطِ، وهو ظاهرُ ما وقَعَ في «العُتْبيَّة»، وإنْ كانَ المَشهورُ خِلافَ ذلكَ (٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما يَجبُ عليهِ مِنَ الصَّداقِ، هل يَبطُلُ المُسمَّى ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ أم لا؟
فقالَ الحنفيَّةُ: وإذا تَزوَّجَ امرأةً على ألفٍ بشَرطِ أنْ لا يُخرِجَها مِنَ البلدةِ أو على أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أُخرَى فإنْ وفَّى بالشَّرطِ فلها المُسمَّى؛
стр. 9637
لأنهُ صَلحَ مَهرًا وقدْ تَمَّ رِضاها بهِ، وإنْ تَزوَّجَ عليها أُخرَى أو أخرَجَها فلها مَهرُ مِثلِها إذا كانَ مَهرُ المِثلِ أكثرَ مِنَ الألفِ؛ لأنهُ سَمَّى ما لها فيهِ نَفعٌ حتَّى رَضيَتْ بتَنقيصِ المُسمَّى عَنْ مَهرِ المِثلِ، فعِندَ فَواتِه يَنعدِمُ رِضاها بالألفِ فيُكمِلُ مَهرَ مِثلِها، كما في تَسميةِ الكَرامةِ، بأنْ شرَطَ مَع الألفِ أنْ يُكرِمَها ولا يُكلِّفَها الأعمالَ الشَّاقةَ وما تَتعَبُ بهِ، وكما لو سمَّى الهَديَّةَ مع الألفِ بأنْ يُرسِلَ إليها مع الألفِ الثِّيابَ الفاخِرةَ.
وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فلها نِصفُ الألفِ.
ولو تَزوَّجَها على ألفٍ إنْ أقامَ بها وعلى ألفَينِ إنْ أخرَجَها فإنْ أقامَ بها فلها الألفُ، وإنْ أخرَجَها فلها مَهرُ المِثلِ لا يُزادُ على الألفَينِ ولا يُنْقَصُ عنِ الألفِ، وهذا عِنْدَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الشَّرطَ الأوَّلَ قدْ صَحَّ لعَدمِ الجَهالةِ فيهِ، فيَتعلَّقُ العَقدُ بهِ، ثمَّ لم يَصحَّ الشَّرطُ الثَّاني؛ لأنَّ الجَهالةَ نَشأَتْ منهُ، ولم يَفسدِ النِّكاحُ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: الشَّرطانِ جَميعًا جائِزانِ، حتَّى كانَ لها الألفُ إنْ أقامَ بها، والألفانِ إنْ أخرَجَها؛ لأنَّ ذِكرَ كُلِّ واحدٍ مِنَ الشَّرطَينِ مُفيدٌ، فيَصحَّانِ جَميعًا.
وقالَ زُفرُ: الشَّرطانِ جَميعًا فاسِدانِ، ويَكونُ لها مَهرُ مِثلِها، لا يُنقصُ مِنْ ألفٍ ولا يُزادُ على ألفَينِ؛ لأنهُ ذكَرَ بمُقابَلةِ شيءٍ واحِدٍ - وهو البُضعُ- بَدلَينِ مُختلِفينِ على سَبيلِ البَدلِ -وهُمَا الألفُ والألفانِ-،
стр. 9638
فتَفسدُ التَّسميةُ للجَهالةِ ويَجبُ مَهرُ المِثلِ (١).
وقالَ المالكيَّةُ: فإنْ شَرطَتْ عليهِ عِنْدَ عَقدِ النِّكاحِ ألَّا يَتزوَّجَ عليها وحَطَّتْ عنه لذلكَ شَيئًا مِنْ صَداقِها، أو تَزوَّجَها بألفٍ إنْ لم يَتزوَّجْ عليها وبألفَينِ إنْ تَزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها ثمَّ تَزوَّجَ عليها فلا شيءَ لها عليهِ في المَذهبِ؛ لأنها شَرطَتْ عليهِ ما لا يَجوزُ شَرطُه، كما اشتَرطَ أهلُ بَريرةَ أنْ تُعتِقَها عائشةُ والوَلاءُ لبائِعِها، فصحَّحَ النَّبيُّ ﷺ العقدَ وأبطَلَ الشَّرطَ، كذلكَ هاهُنا يَصحُّ إسقاطُ بَعضِ الصَّداقِ عنهُ وتَبطلُ الزِيجةُ.
وقالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: إنْ كانَ بَقيَ مِنْ صَداقِها مِثلُ صَداقِ مِثلِها أو أكثرُ لمْ تَرجعْ عليهِ بشيءٍ، وإنْ كانَتْ وضَعَتْ عنهُ شَيئًا مِنْ صَداقِها فتَزوَّجَ عليها رجَعَتْ عليهِ بتِمامِ صَداقِ مِثلِها؛ لأنهُ شرَطَ على نَفسِه شَرطًا وأخَذَ عنهُ عِوضًا كانَ لها واجِبًا أخذُه مِنه، فوجَبَ عليهِ الوفاءُ؛ لقَولِه ﵇: «المُؤمِنونَ عِنْدَ شُروطِهم» (٢).
وقالَ الشَّافِعيةُ: للصَّداقِ المُسمَّى حالانِ:
أحَدُهما: أنْ يكونَ أقَلَّ مِنْ مَهرِ المِثلِ، فيَبطلُ المُسمَّى؛ لبُطلانِ
стр. 9639
الشُّروطِ الَّتي قابَلَها جُزءٌ منهُ، فصارَ بهِ مَجهولًا، ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ.
والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ المُسمَّى مِنَ الصَّداقِ أكثرَ مِنْ مَهرِ المِثلِ، ففيمَا تَستحِقُّه وَجهانِ:
أحَدُهما -وهوَ المَذهبُ-: أنها تَستحِقُّ مَهرَ المِثلِ؛ تَعليلًا بما ذكَرْنا مِنْ بُطلانِ المُسمَّى بما قابَلَه مِنَ الشُّروطِ الَّتي صارَ بها مَجهولًا.
والوَجهُ الثَّاني -وهوَ قولُ المُزَنِيِّ-: أنها تَستحِقُّ المُسمَّى؛ لئلَّا يَجتمعَ عليها بَخسانِ: بَخسٌ بإسقاطِ الشُّروطِ، وبَخسٌ بنُقصانِ المَهرِ، ولأنها لمْ تَرضَ مع ما شَرطَتْ إلَّا بزيادةِ ما سَمَّتْ، فإذا مُنعَتِ الشُّروطَ لم تُمنَعِ المُسمَّى (١).
الحيلةُ في لُزومِ شَرطِ أنْ لا يَتزوّجَ عليها:
قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الثَّلاثونَ: إذا تَزوَّجَها على أنْ لا يُخرِجَها مِنْ دارِها أو بَلدِها أو لا يَتزوَّجَ عليها ولا يَتسرَّى عليها فالنِّكاحُ صَحيحٌ والشَّرطُ لازِمٌ، هذا إجماعُ الصَّحابةِ ﵃، فإنهُ صَحَّ عنْ عُمرَ وسَعدٍ ومُعاويةَ، ولا مُخالِفَ لهم مِنَ الصَّحابةِ، وإليهِ ذهَبَ عامَّةُ التَّابعِينَ، وقالَ بهِ أحمَدُ.
وخالَفَ في ذلكَ الثَّلاثةُ، فأبطَلُوا الشَّرطَ ولم يُوجِبُوا الوفاءَ بهِ.
стр. 9640
فإذا احتاجَتِ المَرأةُ إلى ذلكَ ولم يَكنْ عِندَها حاكِمٌ يَرى صحَّةَ ذلكَ ولُزومَه فالحِيلةُ لها في حُصولِ مَقصودِها: أنْ تَمتنِعَ مِنَ الإذنِ إلَّا أنْ تَشتَرطَ بعْدَ العَقدِ أنهُ إنْ سافرَ بها أو نقَلَها مِنْ دارِها أو تَزوَّجَ عليها فهيَ طالِقٌ أو لها الخِيارُ في المُقامِ معهُ أوِ الفَسخِ، فإنْ لم تَثِقْ بهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ فإنها تَطلبُ مَهرًا كَثيرًا جِدًّا إنْ لم يَفعلْ وتَطلبُ ما دُونَه إنْ فعَلَ، فإنْ شرَطَ لها ذلكَ رَضيَتْ بالمَهرِ الأدنَى، وإنْ لمْ يَشرِطْ ذلكَ طالَبَتْه بالأعلَى وجَعلَتْه حالًّا، ولها أنْ تَمنعَ نفْسَها حتَّى تَقبضَه أو يَشرِطَ لها ما سألَتْه.
فإنْ قيلَ: فعلى أيِّ المَهرَينِ يَقعُ العَقدُ؟
قيلَ: يَقعُ على المَهرِ الزَّائدِ؛ لتَتمكَّنَ مِنْ إلزامِه بالشَّرطِ، فإنْ خافَ أنْ يَشرِطَ لها ما طَلبَتْ ويَستقِرَّ عليهِ المَهرُ الزَّائدُ فالحِيلةُ: أنْ يُشهدَ عليها أنها لا تَستحِقُّ عليهِ بعْدَ الاشتِراطِ شَيئًا مِنَ المَبلغِ الزَّائدِ على الصَّداقِ الأدنَى، وأنها متَى ادَّعتْ بهِ فدَعواها باطِلةٌ، فيَستوثِقُ منها بذلكَ، ويُكتَبُ هوَ والشَّرطُ، ولها أنْ تُطالِبَ بالصَّداقِ الزَّائدِ إذا لم يَفِ لها بالشَّرطِ؛ لأنها لم تَرضَ بأنْ يكونَ الأدنَى مَهرًا إلَّا في مُقابَلةِ مَنفعةٍ أُخرَى تَسلَمُ لها، وهي المُقامُ في دارِها أو بَلدِها أو يكونُ الزَّوجُ لها وحْدَها، وهذا جارٍ مَجرَى بَعضِ صَداقِها، فإذا فاتَها فلها المُطالَبةُ بالمَهرِ الأعلَى (١).
وقالَ في «إعلام المُوَقِّعينَ»: أنْ تَشتَرطَ المَرأةُ دارَها أو بَلدَها أو أنْ لا يَتزوَّجَ عليها ولا يَكونُ هُناكَ حاكِمٌ يُصحِّحُ هذا الشَّرطَ، أو تَخافُ أنْ
стр. 9641
يَرفعَها إلى حاكِمٍ يُبطِلُه، فالحِيلةُ في تَصحيحِه: أنْ تُلزمَه عِنْدَ العَقدِ بأنْ يَقولَ: «إنْ تَزوَّجتُ عليكِ امرأةً فهيَ طالقٌ»، وهذا الشَّرطُ يَصحُّ، وإنْ قُلنا: «لا يَصحُّ تَعليقُ الطَّلاقِ بالنِّكاحِ» نَصَّ عليهِ أحمَدُ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ لمَّا وجَبَ الوَفاءُ به مِنْ مَنعِ التَّزويجِ بحَيثُ لو تَزوَّجَ فلها الخِيارُ بيْنَ المُقامِ معهُ ومُفارَقتِه جازَ اشتِراطُ طلاقِ مَنْ يَتزوَّجُها عليها كما جازَ اشتِراطُ عَدمِ نِكاحِها.
فإنْ لم تَتمَّ لها هذهِ الحِيلةُ فلْتأخُذْ شرْطَه أنهُ إنْ تَزوَّجَ عليها فأمرُها بيَدِها أو أمرُ الضَّرَّةِ بيَدِها، ويَصحُّ تَعليقُ ذلكَ بالشَّرطِ؛ لأنهُ تَوكيلٌ على الصَّحيحِ، ويَصحُّ تَعليقُ الوَكالةِ على الشَّرطِ على الصَّحيحِ مِنْ قَوليِ العُلماءِ، وهو قولُ الجُمهورِ ومالكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ، كما يَصحُّ تَعليقُ الوِلايةِ على الشَّرطِ بالسُّنةِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ.
ولو قيلَ: «لا يَصحُّ تَعليقُ الوَكالةِ بالشَّرطِ» لَصَحَّ تَعليقُ هذا التَّوكيلِ الخاصِّ؛ لأنهُ يَتضمَّنُ الإسقاطَ، فهو كتَعليقِ الطَّلاقِ والعِتقِ بالشَّرطِ، ولا يُنتقَضُ هذا بالبَراءةِ؛ فإنهُ يَصحُّ تَعليقُها بالشَّرطِ، وقدْ فعَلَه الإمامُ أحمَدُ، وأصولُه تَقتضِي صحَّتَه، وليسَ عنهُ نَصٌّ بالمَنعِ، ولو سَلِمَ أنهُ تَمليكٌ لمْ يُمنعْ تَعليقُه بالشَّرطِ كما تُعلَّقُ الوَصيَّةُ، وأَولى بالجوازِ؛ فإنَّ الوصيَّةَ تَمليكُ مالٍ، وهذا ليسَ كذلكَ.
فإنْ لم تَتمَّ لها هذهِ الحِيلةُ فليَتزوَّجْها على مهرٍ مُسمًّى على أنهُ إنْ أخرَجَها مِنْ دارِها فلها مَهرُ مِثلِها وهو أضعافُ ذلكَ المُسمَّى، ويُقِرُّ الزَّوجُ
стр. 9642
بأنهُ مَهرُ مِثلِها، وهذا الشَّرطُ صَحيحٌ؛ لأنها لم تَرضَ بالمُسمَّى إلَّا بناءً على إقرارِها في دارِها، فإذا لم يَسلَمْ لها ذلكَ وقد شَرطَتْ في مُقابَلتِه زيادةً جازَ، وتكونُ تلكَ الزِّيادةُ في مُقابَلةِ ما فاتَها مِنْ الغرَضَ الَّذي إنَّما أرْخَصَتِ المَهرَ ليَسلَمَ لها، فإذا لم يَسلَمْ لها انتَقلَتْ إلى المَهرِ الزَّائدِ.
وقد صرَّحَ أصحابُ أبي حَنيفةَ بجَوازِ مِثلِ ذلكَ، معَ قَولِهم بأنهُ لا يَصحُّ اشتِراطُ دارِها ولا أنْ لا يَتزوَّجَ عليها.
وقدْ أَغنَى اللهُ عنْ هذهِ الحِيلةِ بوُجوبِ الوَفاءِ بهذا الشَّرطِ الَّذي هو أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوَفَّى بهِ، وهوَ مُقتضَى الشَّرعِ والعَقلِ والقِياسِ الصَّحيحِ، فإنَّ المرأةَ لم تَرضَ ببَذلِ بضعِها للزَّوجِ إلَّا على هذا الشَّرطِ، ولو لم يَجبِ الوفاءُ به لم يكنِ العَقدُ عنْ تَراضٍ، وكانَ إلزامًا لها بما لم تَلتزِمْه وبما لم يُلزمْها اللهُ تعالَى ورَسولُهُ بهِ، فلا نَصَّ ولا قِياسَ، واللهُ المُوفِّقُ (١).
ب- اشتِراطُ الطَّلاقِ بيَدِها تُطلِّقُ نفْسَها متَى شاءَتْ (بأنْ تكونَ العِصمةُ في يَدِ الزَّوجةِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَتِ الزَّوجةُ أنْ يكونَ الطلاقُ بيَدها تُطلِّقُ نفْسَها متى شاءتْ، هلْ يجوزُ هذا الشَّرطُ ويكونُ لها أنْ تُطلِّقَ نفْسَها متى شاءتْ؟ أم يَبطلُ النِّكاحُ إذا وُقِفَ عليهِ قَبْلَ الدُّخولِ ويَثبتُ بَعدَه بمَهرِ المِثلِ؟ أم يَبطلُ مُطلَقًا قبْلَ الدُّخولِ وبَعدَه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المَرأةَ على أنَّ أمْرَها بيَدِها
стр. 9643
تُطلِّقُ نفْسَها كُلَّما تُريدُ وقَبِلَتِ المرأةُ لا يَقعُ الطَّلاقُ ولا يَصيرُ الأمرُ بيدِها، هذا إذا بَدأ الزَّوجُ فقالَ: «تَزوَّجتُكِ على أنْ يكونَ الأمرُ في يَدِكِ»، أما إذا قالَ: «على أنَّ أمرَكِ بيدِكِ بَعدما أتزوَّجُكِ» فقَبِلَتْ صحَّ ويكونُ الأمرُ بيدِها.
أما إنِ ابتَدأَتِ المَرأةُ فقالتْ: «زَوَّجتُ نَفسِي منكَ على أنْ يكونَ الأمرُ بيَدي أُطلِّقُ نَفسِي كُلَّما شِئتُ» فقالَ الزَّوجُ: «قَبِلْتُ» جازَ النِّكاحُ ويَقعُ الطَّلاقُ ويَكونُ الأمرُ بيَدِها (١).
وقالوا أيضًا: تَصيرُ هذهِ المَسألةُ حِيلةً للمُطلَّقةِ ثلاثًا إذا خافَتْ مِنْ المُحلِّلِ أنْ يُمسِكَها، يَنبغي أنْ تَبدأَ هي وتقولَ للزَّوجِ: «زَوَّجتُ نَفسِي منكَ على أنَّ أمرِي بيَدِي أُطلِّقُ نَفسِي كلَّما أريدُ»، ثمَّ يَقبلُ الزَّوجُ، فيَصيرُ الأمرُ بيَدِها تُطلِّقُ نَفسَها كلَّما أرادَتْ، ولو كانَ الزَّوجُ قالَ لها: «تَزوَّجتُكِ على أنَّكِ طالقٌ بعدَ ما أتزوَّجُكِ، أو على أنَّ أمرَكِ بيَدِكِ بعدَ ما أتزوَّجُكِ تُطلِّقينَ نفسَكِ كلَّما تُريدينَ» فقالَتِ المَرأةُ: «قَبلْتُ» تُطلَّقُ، ويَصيرُ الأمرُ بيَدِها.
وفي «المُنتقَى»: الحسنُ عن أبي حَنيفةَ ﵀: إذا قالَ لها: «أتزوَّجُكِ على أنَّ أمرَكِ بيَدِكِ بَعدَما أتزوَّجُكِ شَهرًا» فالنِّكاحُ جائزٌ وأمرُها بيَدِها شَهرًا منذُ تَزوَّجَها، فإنِ اختارَتْ زوْجَها في يومٍ مِنْ الشَّهرِ لمْ يَبطلْ خِيارُها في باقي
стр. 9644
الشَّهرِ، ورَوى الحسنُ عن أبي مالكٍ عن أبي يُوسفَ ﵏: أنهُ يَبطلُ خِيارُها في باقي الشَّهرِ (١).
وقالَ المَالكيةُ: إذا تَزوَّجَها على شَرطِ أنَّ الطَّلاقَ بيدِها متَى أرادَتْ أو أحبَّتْ أنْ تُطلِّقَ نَفسَها وشُرِطَ ذلكَ في صُلبِ العَقدِ فإنَّ النِّكاحَ يُفسخُ قبْلَ البناءِ اتِّفاقًا، ويَثبتُ بَعدَه بمَهرِ المِثلِ ولا يُفسخُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ ويَثبتُ بَعدَه ويَمضي على سُنَّةِ النِّكاحِ ويَسقطُ الشَّرطُ المُناقِضُ؛ لأنَّ كلَّ شَرطٍ خالَفَ كتابَ اللهِ وسنَّةَ رَسولِه فهو لاغٍ وباطلٌ.
وقيلَ: يُفسخُ مُطلَقًا قبْلَ الدُّخولِ وبعدَه.
وأمَّا إنْ حصَلَ الشَّرطُ بعدَ العَقدِ وهي في العِصمةِ فلا ضرَرَ في ذلكَ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: كلُّ شَرطٍ رفَعَ مَقصودَ العَقدِ مِثلَ أنْ يَتزوَّجَها على أنْ يكونَ الطَّلاقُ بيَدِها تُطلِّقُ نَفسَها متى شاءَتْ فالنِّكاحُ بهذِه الشُّروطِ باطلٌ، سواءٌ كانَتْ هذهِ الشُّروطُ مِنْ جِهتِه أو مِنْ جِهتِها؛ لأنها رافِعةٌ لمَقصودِ العَقدِ مِنْ البَقاءِ والاستِدامةِ، فصارَ النِّكاحُ بها مُقدَّرَ المُدَّةِ، فجرَى مَجرَى نكاحِ المُتعةِ فكانَ باطِلًا (٣).
стр. 9645
ولم أَقِفْ للحَنابلةِ على قولٍ، فإنهُم لمْ يَذكرُوا هذا الشَّرطَ في بابِ الشُّروطِ في النِّكاحِ، لا فيما يَجوزُ مِنها ولا فيما لا يجوزُ، وإنِّما ذَكرُوا هذا فيما لو جعَلَ الزَّوجُ طلاقَها لها بَعدَ الزَّواجِ، بأنْ يَتزوَّجَها ويَجعلَ أمرَها بيدِها، فهذا جائِزٌ عِندَهم وعندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ كما سَيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالَى في الطَّلاقِ.
إلَّا أنِّي وَجدْتُ كَلامًا جَميلًا لابنِ القيِّمِ ﵀، حيثُ قالَ: إذا تَزوَّجَتِ المرأةُ وخافَتْ أنْ يُسافِرَ عنها الزَّوجُ ويَدعَها، أو يُسافِرَ بها ولا تُريدُ الخُروجَ مِنْ دارِها، أو أنْ يَتزوَّجَ عليها أو يَتسرَّى، أو يَشربَ المُسْكِرَ أو يَضربَها مِنْ غيرِ جُرمٍ، أو يَتبيَّنَ فَقيرًا وقدْ ظنَّتهُ غَنيًّا، أو مَعِيبًا وقد ظنَّتهُ سَليمًا، أو أُمِّيًّا وقد ظنَّتهُ قارِئًا، أو جاهِلًا وقد ظنَّتهُ عالِمًا، أو نحو ذلكَ فلا يُمكِنُها التخلُّصُ فالحِيلةُ لها في ذلكَ كُلِّه أنْ تَشتَرطَ عليهِ أنه متى وُجِدَ شيءٌ مِنْ ذلكَ فأمرُها بيَدِها، إنْ شاءَتْ أقامَتْ معهُ وإنْ شاءَتْ فارقَتْهُ، وتُشهِدَ عليهِ بذلكَ، فإنْ خافَتْ أنْ لا تَشتَرطَ ذلكَ بعدَ لُزومِ العَقدِ فلا يُمكِنُها إلزامُه بالشَّرطِ فلا تأذَن لوَليِّها أنْ يُزوِّجَها منهُ إلَّا على هذا الشَّرطِ، فيقولَ: «زوَّجتُكُما على أنَّ أمْرَها بيَدِها إنْ كانَ الأمرُ كَيْتَ وكَيْتَ»؛ فمتى كانَ الأمرُ كذلكَ ملَكَتْ تَطليقَ نَفسِها، ولا بأسَ بهذهِ الحِيلةِ، فإنَّ المرأةَ تتَخلَّصُ بها مِنْ نكاحِ مَنْ لم تَرضَ بنِكاحِه، وتَستَغني بها عن رَفعِ أمرِها إلى الحاكمِ ليَفسخَ نِكاحَها بالغَيْبةِ والإعسارِ ونَحوِهما (١).
стр. 9646
ج- تَزوَّجَها بشَرطِ أنْ لا يُنفقَ عليها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ على شَرطِ أنْ لا يُنفِقَ عليها وأنْ تكونَ نَفقتُها على نَفسِها، هل يَصحُّ هذا الشَّرطُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المَرأةَ على أنْ لا نَفقةَ لها عليهِ أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ؛ لأنهُ لا يَمنعُ المَقصودَ وهو الاستِمتاعُ، ولأنَّ فَسادَ العِوضِ لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، والشَّرطُ باطلٌ؛ لأنهُ شَرطٌ يُنافي مُقتَضى العَقدِ، ولأنهُ شَرطٌ تَضمَّنَ إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعَقدِ قبْلَ انعِقادِه فلم يَصحَّ، كما لو أسقَطَ الشَّفيعُ شُفعتَه قبْلَ البَيعِ، ويَلزمُه حِينئذٍ النَّفقةُ عليها.
ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ عندَ الشَّافعيةِ؛ لأنَّ شارِطَ ذلكَ لم يَرضَ بالمُسمَّى إلَّا عندَ سَلامةِ شَرطِه، فيجبُ مَهرُ المِثلِ (١).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولو أصدَقَها ألفًا على أنْ لا يُنفِقَ عليها أو على أنْ لا يَقسِمَ لها أو على أنهُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ بها كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَ لهُ إنْ كانَ صَداقُ مِثلِها أقلَّ مِنْ الألفِ أنْ يَرجِعَ عليها حتَى يُصيِّرَها إلى صَداقِ مثلِها؛ لأنها شَرطَتْ له ما ليسَ له فزادَها ممَّا طرَحَ عَنْ
стр. 9647
نَفسِه مِنْ حَقِّها، فأَبطلْتُ حصَّةَ الزِّيادةِ مِنْ مَهرِها ورَدَّدتُها إلى مَهرِ مثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فلِمَ لا تُجيزُ عليهِ ما شرَطَ لها وعليها ما شَرطَتْ له؟
قيلَ: رَددْتُ شَرطَهُما إذ أَبطلَا به ما جعَلَ اللهُ لكلِّ واحدٍ ثمَّ ما جعَلَ النَّبيُّ ﷺ ، وبأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَشتَرطونَ شُروطًا ليسَتْ في كتابِ اللهِ تعالَى؟ ما كانَ مِنْ شَرطٍ ليسَ في كتابِ اللهِ تعالَى فهو باطِلٌ ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، قَضاءُ اللهِ أحقُّ وشَرطُه أَوثَقُ، فإنِّما الولاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، فأبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ كلَّ شَرطٍ ليسَ في كتابِ اللهِ جلَّ ثَناؤُه إذا كانَ في كتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ خِلافُه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما الشَّرطُ للرَّجلِ على المرأةِ والمرأةِ على الرَّجلِ ممَّا إبطالُه بالشَّرطِ خِلافٌ لكتابِ اللهِ أوِ السُّنةِ أو أمرٍ اجتَمعَ النَّاسُ عليه؟
قيلَ له إنْ شاءَ اللهُ تعالَى: أحَلَّ اللهُ للرَّجلِ أنْ يَنكحَ أربَعًا وما مَلكَتْ يَمينُه، فإذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَنكحَ ولا يَتسرَّى حَظرَتْ عليه ما وسَّعَ اللهُ تعالَى عليهِ، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ يَومًا تَطوُّعًا وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه»، فجعَلَ له منْعَها ما يُقرِّبُها إلى اللهِ إذا لم يَكنْ فَرضًا عليها؛ لعَظيمِ حَقِّهِ عليها، وأوجَبَ اللهُ له الفَضيلةَ عليها، ولم يَختلِفْ أحدٌ عَلِمْته في أنَّ له أنْ يُخرجَها مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ ويَمنعَها مِنْ الخُروجِ، فإذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَمنعَها مِنْ الخُروجِ ولا يُخرجَها شَرطَتْ عليه إبطالَ ما له عليها، قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، فدَلَّ كتابُ اللهِ تعالَى على أنَّ
стр. 9648
على الرَّجلِ أنْ يَعولَ امرأتَه ودَلَّتْ عليهِ السُّنةُ، فإذا شرَطَ عليها أنْ لا يُنفِقَ عليها أُبطِلَ ما جعَلَ لها وأُمِرَ بعِشرتِها بالمَعروفِ ولمْ يُبَحْ له ضَربُها إلَّا بحالٍ، فإذا شرَطَ عليها أنَّ له أنْ يُعاشِرَها كيفَ شاءَ وأنْ لا شيءَ عليهِ فيما نالَ مِنها فقدْ شرَطَ أنَّ لهُ أنْ يأتيَ منها ما ليسَ له، فبهذا أبطَلْنا هذهِ الشُّروطَ وما في مَعناها وجعَلْنا لها مَهرَ مثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فقدْ يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُم به مِنْ الشُّروطِ ما استَحلَلْتُم بهِ الفُرُوجَ»، فهكذا نَقولُ في سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، أنهُ إنَّما يُوفَّى مِنْ الشُّروطِ ما يَبِينُ أنهُ جائِزٌ ولمْ تَدُلَّ سُنةُ رسولِ اللهِ ﷺ على أنهُ غيرُ جائِزٍ، وقَد يُروَى عنهُ ﵊: «المُسلمونَ على شُروطِهِم، إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، ومُفسَّرُ حَديثِه يدلُّ على جُملتِه (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إذا تَزوَّجَها على أنْ لا نَفقةَ لها أبدًا، فإنْ كانَ الشَّرطُ مِنْ جِهتِها تَوَّجَه إلى الصَّداقِ دُونَ النِّكاحِ؛ لأنهُ حَقٌّ لها إنْ تَركَتْه جازَ، فلذلكَ توَجَّه إلى الصَّداقِ دُونَ النِّكاحِ، فيَبطلُ الصَّداقُ ببُطلانِ الشَّرطِ في النَّفقةِ، وهو باطِلٌ باشتِراطِ سُقوطِه، والنِّكاحُ جائِزٌ ولها مَهرُ المِثلِ والنَّفقةُ.
وإنْ كانَ الشَّرطُ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ فهل يَقدحُ في صحَّةِ النِّكاحِ أم لا؟ على وَجهَينِ:
стр. 9649
أحدُهُما: أنَّه قادِحٌ في صحَّةِ النِّكاحِ فيكونُ باطِلًا؛ لأنَّ ذلكَ مَقصودُ العَقدِ مِنْ جِهةِ الزَّوجةِ، فصارَ كالوَليِّ الَّذي هو مَقصودُ العَقدِ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ.
والوَجهُ الثَّاني: أنهُ غيرُ قادِحٍ في صحَّةِ النِّكاحِ؛ لجَوازِ خُلوِّ النِّكاحِ مِنْ صَداقٍ ونَفقةٍ، فعَلى هذا يَختَصُّ هذا الشَّرطُ بفَسادِ الصَّداقِ دُونَ النِّكاحِ، ويُحكَمُ لها بمَهرِ المِثلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الثَّاني: ما يُبطلُ الشَّرطَ ويُصِحُّ العَقدَ، مثلَ أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها، أو أنْ لا يُنفِقَ عليها، أو إنْ أصْدَقَها رجَعَ عليها، أو تَشتَرطَ عليه أنْ لا يَطأهَا أو يَعزِلَ عنها أو يَقسِمَ لها أقلَّ مِنْ قَسْمِ صاحِبتِها أو أكثرَ أو لا يكونَ عندَها في الجُمعةِ إلَّا ليلةً، أو شرَطَ لها النَّهارَ دونَ اللَّيلِ، أو شرَطَ على المرأةِ أنْ تُنفِقَ عليهِ أو تُعطيَهُ شيئًا، فهذِه الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ في نَفسِها؛ لأنها تُنافي مُقتضَى العَقدِ، ولأنها تَتضمَّنُ إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعَقدِ قبْلَ انعِقادِه فلمْ يَصحَّ، كما لو أسقَطَ الشَّفيعُ شُفعتَه قبْلَ البَيعِ (٢).
وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀: قَولُه: النَّوعُ الثَّاني: أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها ولا نَفقةَ أو أنْ يَقسِمَ لها أكثرَ مِنْ امرأتِه الأُخرَى أو أقلَّ فالشَّرطُ باطلٌ ويَصحُّ النِّكاحُ، وكذا لو شرَطَ أحدُهُما عدَمَ الوَطءِ، وهذا المَذهبُ نصَّ
стр. 9650
عليهما، وصحَّحَهُ في «التَّصحيح» وغيرِه، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وغَيرِه، وقَدَّمَه في «المحرَّر» و «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصَّغِير» و «الفُروع»، واختارَهُ ابنُ عَبْدُوسٍ في تَذكِرتِه وغيرُه.
وقيلَ: يَبطلُ النِّكاحُ أيضًا.
وقيلَ: يَبطلُ إذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَطأَها.
قالَ ابنُ عَقيلٍ في مُفرداتِه: ذكَرَ أبو بكرٍ فيما إذا شرَطَ أنْ لا يطَأَ أو أنْ لا يُنفِقَ أو إنْ فارَقَ رجَعَ بما أنفَقَ رِوايتَينِ، يَعني في صحَّةِ العَقدِ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀: ويَحتمِلُ صحَّةَ شَرطِ عَدمِ النَّفقةِ، قالَ: لا سيِّما إذا قُلنَا: إنهُ إذا أعسَرَ الزَّوجُ ورَضيَتْ بهِ أنها لا تَملكُ المُطالَبةَ بالنَّفقةِ بَعدُ.
واختارَ فيما إذا شرَطَ أنْ لا مَهرَ فَسادَ العَقدِ، وأنهُ قولُ أكثرِ السَّلفِ.
واختارَ أيضًا الصِّحةَ فيما إذا شرَطَ عدَمَ الوَطءِ كشَرطِ تَركِ ما تَستحِقُّه.
وقال أيضًا: لو شَرطَتْ مُقامَ وَلدِها عندَها ونَفقتَه على الزَّوجِ كانَ مِثلَ اشتِراطِ الزِّيادةِ في الصَّداقِ، ويُرجَعُ في ذلكَ إلى العُرفِ، كالأجيرِ بطَعامِه وكُسوتِه (١).
وقالَ الحَنفيةُ: رَجلٌ تَزوَّجَ امرأةً بألفٍ على أنْ لا يُنفِقَ عليها ومَهرُ مِثلِها مِائةٌ كانَ لها الألفُ والنَّفقةُ (٢).
стр. 9651
وذهَبَ المَالكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ على شَرطِ أنْ لا يُنفِقَ عليها وشُرِطَ ذلكَ في صُلبِ العَقدِ فإنَّ النِّكاحَ يُفسخُ قبْلَ البِناءِ اتِّفاقًا، ويَثبتُ بَعدَه بمَهرِ المِثلِ ولا يُفسخُ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ ويَثبتُ بَعدَه ويَمضي على سُنةِ النِّكاحِ ويَسقطُ الشَّرطُ.
وقيلَ: يُفسخُ مُطلَقًا قبْلَ الدُّخولِ وبَعدَه.
وأمَّا إنْ حصَلَ الشَّرطُ بَعدَ العَقدِ وهي في العِصمةِ فلا ضرَرَ في ذلكَ، فلها أنْ تُسقِطَ حقَّها في ذلكَ، ولها أنْ تُنفِقَ عليه، وله أنْ يُنفِقَ على أولادِها مِنْ غَيرِه وأبيها، ومَكارِمُ الأخلاقِ لا تَضُرُّ (١).
د- شرَطَ على المرأةِ أنْ تُنفِقَ عليه أو تُعطيَه شَيئًا:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا اشتَرطَ على المرأةِ أنْ تُنفِقَ عليه في صُلبِ العَقدِ أنَّ الشَّرطَ باطِلٌ؛ لأنهُ شَرطٌ يُنافي مُقتضَى العَقدِ، والعَقدُ صَحيحٌ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ في الرَّجلِ يَتزوَّجُ المرأةَ على أنْ تُنفِقَ عليه في كُلِّ شَهرٍ خَمسةَ دَراهِمَ أو عَشرةَ دَراهمَ: النِّكاحُ جائِزٌ، ولها أنْ تَرجعَ في هذا الشَّرطِ (٢).
стр. 9652
وعندَ المالِكيةِ: إنْ وُقِفَ على هذا الشَّرطِ قبْلَ البناءِ فُسخَ النِّكاحُ، وبَعدَ البناءِ يُفسخُ الشَّرطُ ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.
قالَ الصَّاوي ﵀: اعلَمْ أنهُ لا يَفسُدُ العَقدُ إلَّا بالاشتِراطِ لهذهِ الأشياءِ في صُلبِ العَقدِ، وأمَّا إنْ حصَلَ مِنها شيءٌ بَعدَ العَقدِ وهي في العِصمةِ فلا ضرَرَ في ذلكَ، فلها أنْ تُسقِطَ حقَّها في القِسمةِ، ولها أنْ تُنفِقَ عليه، ولهُ أنْ يُنفقَ على أولادِها مِنْ غيرِه وأبيها، ومكارِمُ الأخلاقِ لا تَضُرُّ (١).
هـ- شرَطَ عَدمَ القَسْمِ لها:
ذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا تَزوَّجَ امرأةً بشَرطِ أنْ لا يَقسِمَ لها بيْنَها وبينَ سائِرِ نِسائِه فإنَّ الشَّرطَ باطلٌ، ووجَبَ لها مَهرُ المِثلِ عِنْدَ الشَّافعيةِ (٢).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولو أصدَقَها ألفًا على أنْ لا يُنفِقَ عليها أو على أنْ لا يَقسِمَ لها أو على أنهُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ بها كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَ لهُ إنْ كانَ صَداقُ مِثلِها أقلَّ مِنْ الألفِ أنْ يَرجِعَ عليها حتَى يُصيِّرَها
стр. 9653
إلى صَداقِ مثلِها؛ لأنها شَرطَتْ له ما ليسَ له فزادَها ممَّا طرَحَ عَنْ نَفسِه مِنْ حَقِّها، فأَبطلْتُ حصَّةَ الزِّيادةِ مِنْ مَهرِها ورَدَّدتُها إلى مَهرِ مثلِها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الثَّاني: ما يُبطلُ الشَّرطَ ويُصِحُّ العَقدَ، مثلَ أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها، أو أنْ لا يُنفِقَ عليها، أو إنْ أصْدَقَها رجَعَ عليها، أو تَشتَرطَ عليه أنْ لا يَطأهَا أو يَعزِلَ عنها أو يَقسِمَ لها أقلَّ مِنْ قَسْمِ صاحِبتِها أو أكثرَ أو لا يكونَ عندَها في الجُمعةِ إلَّا ليلةً، أو شرَطَ لها النَّهارَ دونَ اللَّيلِ، أو شرَطَ على المرأةِ أنْ تُنفِقَ عليهِ أو تُعطيَهُ شيئًا، فهذِه الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ في نَفسِها؛ لأنها تُنافي مُقتضَى العَقدِ، ولأنها تَتضمَّنُ إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعَقدِ قبْلَ انعِقادِه فلمْ يَصحَّ، كما لو أسقَطَ الشَّفيعُ شُفعتَه قبْلَ البَيعِ (٢).
وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀: قَولُه: النَّوعُ الثَّاني: أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها ولا نَفقةَ أو أنْ يَقسِمَ لها أكثرَ مِنْ امرأتِه الأُخرَى أو أقلَّ فالشَّرطُ باطلٌ ويَصحُّ النِّكاحُ، وكذا لو شرَطَ أحدُهُما عدَمَ الوَطءِ، وهذا المَذهبُ نصَّ عليهما، وصحَّحَهُ في «التَّصحيح» وغيرِه، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وغَيرِه، وقَدَّمَه في «المحرَّر» و «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصَّغِير» و «الفُروع»، واختارَهُ ابنُ عَبْدُوسٍ في تَذكِرتِه وغيرُه.
وقيلَ: يَبطلُ النِّكاحُ أيضًا.
стр. 9654
وقيلَ: يَبطلُ إذا شَرطَتْ عليه أنْ لا يَطأَها.
قالَ ابنُ عَقيلٍ في مُفرداتِه: ذكَرَ أبو بكرٍ فيما إذا شرَطَ أنْ لا يطَأَ أو أنْ لا يُنفِقَ أو إنْ فارَقَ رجَعَ بما أنفَقَ رِوايتَينِ، يَعني في صحَّةِ العَقدِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا تَزوَّجَها على شَرطِ أنْ لا يَقسِمَ لها بيْنَها وبينَ ضَرَّتِها في المَبيتِ أو يُؤثِرَ عليها ضَرَّتَها بأنْ يَجعَلَ لضَرَّتِها جُمعةً أو أقلَّ أو أكثرَ تَستقلُّ بها عنها فإنَّ النِّكاحَ يُفسخُ قبْلَ البناءِ اتِّفاقًا، ويَثبتُ بَعدَه بمَهرِ المثلِ ولا يُفسخُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ ويَمضي على سُنةِ النِّكاحِ ويَسقطُ الشَّرطُ.
وقيلَ: يُفسخُ مُطلَقًا قبْلَ الدُّخولِ وبَعدَه.
وهذا إذا تزَوَّجَها وشرَطَ لها في عَقدِ النِّكاحِ، وأمَّا إنْ حصَلَ الشَّرطُ بعدَ العقدِ وهي في العِصمةِ فلا ضرَرَ في ذلكَ، فلها أنْ تُسقطَ حقَّها في القِسمةِ (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فإنَّ النِّكاحَ لا يَفسدُ عِندَهم بالشُّروطِ الفاسِدةِ أبَدًا.
стр. 9655
و- شرَطَ أنْ لا يطَأَها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ ما إذا تَزوَّجَ امرأةً بشَرطِ أنْ لا يَطأَها، هل يَصحُّ النِّكاحُ أم لا؟
فقالَ الحَنفيةُ: لو تَزوَّجتْهُ على أنْ لا يَطأَها فإنهُ يَصحُّ النِّكاحُ ويَفسدُ الشَّرطُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُفسخُ النِّكاحُ قبْلَ البِناءِ إذا اشتَرطَ شَرطًا يُناقِضُ المَقصودَ مِنَ النِّكاحِ، كما لو شرَطَ أنْ لا تأتيَهُ أو يأتيَها إلَّا نهارًا أو لَيلًا أو بعضَ ذلكَ فيهما، أو تَزوَّجَها على شَرطِ أنْ لا يَطأَها؛ لأنهُ إذا اشتَرطَ أنْ لا يطَأَ أبطَلَ حِكمةَ النِّكاحِ الأُولَى وهي التَّناسلُ وأضَرَّ بالزَّوجةِ، فليسَ مِنْ الإمساكِ بالمَعروفِ الَّذي هو مَظنَّةُ الدَّوامِ والمُؤالَفةِ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ تزوَّجهَا على أنْ لا يطَأَها أو على أنْ يطَأَها في اللَّيلِ دونَ النَّهارِ أو على أنْ لا يَدخلَ عليها سنَةً، فإنْ كانَ الشَّرطُ مِنْ جِهتِها فتَزوَّجتْهُ على أنْ لا يطَأَها فالنِّكاحُ باطلٌ؛ لأنها قد مَنعتْه ما استَحقَّه عليها مِنْ مَقصودِ العقدِ.
стр. 9656
وإنْ كانَ الشَّرطُ مِنْ جِهتهِ فتَزوَّجَها على أنْ لا يطَأَها فالنِّكاحُ صَحيحٌ؛ لأنَّ له الامتِناعَ عن وَطئِها بغيرِ شَرطٍ، فلم يَكنْ في الشَّرطِ مَنعٌ مِنْ مَوجَبِ العقدِ، ولا يَلزمُه الوفاءُ بالشَّرطِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شَرطٍ، كتابُ اللَّهِ أحَقُّ وشَرطُ اللَّهِ أوثَقُ» (١)، وهذا ليسَ في كتابِ اللهِ فكانَ باطِلًا.
وقيلَ: إنَّ النِّكاحَ يَفسدُ مُطلَقًا، سواءٌ اشتَرطَتْ هي أو هو، وهو ما مَشَى عليه في «المِنهاج».
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: (وإنْ أخَلَّ) الشَّرطُ بمَقصودِ النِّكاحِ الأصليِّ (كأنْ) شرَطَ أنْ (لا يطَأَها) الزَّوجُ أصلًا، وأنْ لا يطَأَها إلَّا مرَّةً واحدةً مثلًا في السَّنةِ، أو أنْ لا يطَأَها إلِّا ليلًا فقطْ أو إلِّا نهارًا فقطْ، (أو) أنْ (يُطلِّقَ) ها ولو بعدَ الوطءِ (بطَلَ النِّكاحُ)؛ لأنهُ يُنافي مَقصودَ العقدِ فأبطَلَه.
تَنبيهٌ: ما جَرى عليه المُصنِّفُ مِنْ البُطلانِ فيما إذا شرَطَ عدمَ الوطءِ هو ما صحَّحَه في «المُحرَّر»، وفي «الشَّرح الصَّغِير» أنهُ الأشبَهُ، والَّذي صحَّحَه في «الرَّوضة» وأصلِها و «تَصحِيح التَّنبيه» فيما إذا شرَطَه الصِّحة؛ لأنهُ حَقُّه، فلَه تَركُه والتَّمكينُ عليها، وهذا هو الَّذي عليه الجُمهورُ كما قالَه الأذْرَعيُّ وغَيرُه، وقالَ في «البَحْر»: إنَّه مَذهبُ الشَّافعيِّ (٢).
стр. 9657
وقالَ الحَنابلةُ: إنِ اشتَرطَتْ عليه أنْ لا يَطأَها أو يَعزلَ عنها أو لا يكونَ عندَها في الجُمعةِ إلَّا ليلةً، أو شرَطَ هو ذلكَ بأنْ لا يَطأَها أو شرَطَ لها النَّهارَ دونَ اللَّيلِ فهذهِ الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ في نَفسِها؛ لأنها تُنافي مُقتضَى العقدِ، ولأنها تَتضمَّنُ إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعقدِ قبْلَ انعِقادِه فلم تَصحَّ، ويَصحُّ النِّكاحُ مع هذهِ الشُّروطِ.
وقيلَ: يَبطلُ إذا شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَطأَها.
قالَ المِرْداويُّ ﵀: واختارَ شَيخُ الإسلامِ الصِّحةَ فيما إذا شرَطَ عَدمَ الوطءِ كشَرطِ تَركِ ما تَستحقُّه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الثَّاني: ما يُبطلُ الشَّرطَ ويُصِحُّ العَقدَ، مثلَ أنْ يَشتَرطَ أنْ لا مَهرَ لها، أو أنْ لا يُنفِقَ عليها، أو إنْ أصْدَقَها رجَعَ عليها، أو تَشتَرطَ عليه أنْ لا يَطأهَا أو يَعزِلَ عنها أو يَقسِمَ لها أقلَّ مِنْ قَسْمِ صاحِبتِها أو أكثرَ أو لا يكونَ عندَها في الجُمعةِ إلَّا ليلةً، أو شرَطَ لها النَّهارَ دونَ اللَّيلِ، أو شرَطَ على المرأةِ أنْ تُنفِقَ عليهِ أو تُعطيَهُ شيئًا، فهذِه الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ في نَفسِها؛ لأنها تُنافي مُقتضَى العَقدِ، ولأنها تَتضمَّنُ
стр. 9658
إسقاطَ حُقوقٍ تَجبُ بالعَقدِ قبْلَ انعِقادِه فلمْ يَصحَّ، كما لو أسقَطَ الشَّفيعُ شُفعتَه قبْلَ البَيعِ، فأمَّا العقدُ في نَفسِه فصَحيحٌ؛ لأنَّ هذه الشُّروطَ تَعودُ إلى مَعنًى زائدٍ في العقدِ لا يُشتَرطُ ذِكرُه ولا يَضرُّ الجَهلُ بهِ فلمْ يَبطلْ، كما لو شرَطَ في العَقدِ صَداقًا مُحرَّمًا، ولأنَّ النِّكاحَ يَصحُّ مع الجَهلِ بالعِوضِ، فجازَ أنْ يَنعقدَ معَ الشَّرطِ الفاسِدِ كالعِتاقِ.
فقدْ نَصَّ أحمَدُ في رَجلٍ تَزوَّجَ امرأةً وشرَطَ عليها أنْ يَبيتَ عِندَها في كُلِّ جُمعةٍ ليلةً ثمَّ رَجعَتْ وقالَتْ: «لا أرضَى إلَّا ليلةً وليلةً» فقالَ: لها أنْ تَنزِلَ بطِيبِ نَفسٍ مِنها فإنَّ ذلكَ جائزٌ، وإنْ قالَتْ: «لا أرضَى إلِّا بالمُقاسَمةِ» كانَ ذلكَ حَقًّا لها تُطالِبُه إنْ شاءَتْ.
ونقَلَ عنه الأثرمُ في الرَّجلِ يَتزوَّجُ المَرأةَ ويَشتَرطُ عليها أنْ يأتيَها في الأيَّامِ: يَجوزُ الشَّرطُ، فإنْ شاءَتْ رَجعَتْ.
وقالَ في الرَّجلِ يَتزوَّجُ المَرأةَ على أنْ تُنفِقَ عليهِ في كُلِّ شَهرٍ خَمسةَ دَراهمَ أو عَشرةَ دَراهمَ: النِّكاحُ جَائزٌ، ولها أنْ تَرجعَ في هذا الشَّرطِ.
وقد نُقلَ عن أحمدَ كَلامٌ في بَعضِ هذه الشُّروطِ يَحتمِلُ إبطالَ العقدِ، نقَلَ عنهُ المَرُّوذيُّ في النَّهاريَّات واللَّيليَّات: ليسَ هذا مِنْ نِكاحِ أهلِ الإسلامِ، وممَّنْ كَرهَ تَزويجَ النَّهاريَّاتِ حمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ وابنُ شُبرمةَ.
وقالَ الثَّوريُّ: الشَّرطُ باطلٌ.
وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: إذا سَألتْه أنْ يَعدِلَ لها عَدَلَ، وكانَ الحَسنُ وعطاءٌ لا يَرَيانِ بنكاحِ النَّهاريَّاتِ بأسًا.
стр. 9659
وكانَ الحَسنُ لا يَرى بأسًا أنْ يَتزوَّجَها على أنْ يَجعلَ لهَا في الشَّهرِ أيَّامًا مَعلومةً.
ولعلَّ كَراهةَ مَنْ كَرهَ ذلكَ راجعٌ إلى إبطالِ الشَّرطِ، وإجازةَ مَنْ أجازَهُ راجعٌ إلى أصلِ النِّكاحِ، فتكونُ أقوالُهم مُتَّفِقةً على صحَّةِ النِّكاحِ وإبطالِ الشَّرطِ كما قُلنا، واللهُ أعلَمُ.
وقالَ القاضي: إنِّما كَرهَ أحمدُ هذا النِّكاحَ؛ لأنهُ يَقعُ على وجهِ السِّرِّ، ونِكاحُ السِّرِّ مَنهيٌّ عنه، فإنْ شُرطَ عليه تَركُ الوطءِ احتَملَ أنْ يَفسدَ العقدُ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي المَقصودَ مِنْ النِّكاحِ، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ، وكذلكَ إنْ شُرطَ عليه أنْ لا تُسلَّمَ إليه، فهو بمَنزلةِ ما لو اشتَرى شَيئًا على أنْ لا يَقبضَه.
وإنْ شرَطَ عليها أنْ لا يطأَها لم يَفسدْ؛ لأنَّ الوطءَ حَقُّه عليها وهي لا تَملِكُه عليه، ويَحتملُ أنْ يَفسدَ؛ لأنَّ لها فيهِ حقًّا، ولذلكَ تَملكُ مُطالَبتَه بهِ إذا آلَى والفسخَ إذا تَعذَّرَ بالجَبِّ والعُنَّةِ (١).
ز- شرَطتْ عليهِ أن يُطلقَ ضَرَّتَها:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّه لا يَنبغي للمرأةِ أنْ تَشتَرطَ على الرَّجلِ في عَقدِ نِكاحِها أنْ يُطلِّقَ زَوجَتَه حتَّى تَتزوَّجَه، بأنْ تَتزوَّجَه وتَشتَرطَ عليهِ طلاقَ ضَرَّتها؛ لما رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتَستَفرِغَ صَحفَتَها، ولْتَنكحْ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (٢).
стр. 9660
وفي لفظٍ: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَسألَ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتَكتَفِئَ ما في صَحْفَتِها، فإنَّ اللهَ رازِقُها» (١).
وفي لَفظٍ: «لا يَحلُّ لامرأةٍ تَسألُ طلاقَ أُختِها لتَستَفرِغَ صَحفَتَها، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها» (٢).
وفي لَفظٍ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَشتَرطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٣).
قالَ الدَّهلويُّ ﵀: السِّرُّ فيهِ أنَّ طلَبَ طلاقِها اقتِضابٌ عليها وسَعيٌ في إبطالِ مَعيشتِها، ومِن أعظَمِ أسبابِ فَسادِ المَدينةِ أنْ يَقتضِبَ واحدٌ على الآخَرِ وجهَ مَعيشتِه، وإنَّما المَرضيُّ عندَ اللهِ أنْ يَطلبَ كلُّ واحدٍ مَعيشتَه بما يسَّرَ اللهُ لهُ مِنْ غيرِ أنْ يَسعَى في إزالةِ مَعيشةِ الآخَرِ (٤).
لكنَّ أكثرَ الفُقهاءِ يَرَونَ أنَّ النِّكاحَ لا يَبطلُ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّ نهيَه ﷺ المرأةَ عنِ اشتِراطِها طلاقَ أُختِها أنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ بذلكَ ماضٍ جائزٌ، ولَئِنْ لم يكنْ ماضِيًا لمْ يكنْ لِنهيِه ﷺ عنْ ذلكَ معنًى، وكانَ اشتِراطُها ذلكَ كَلَا اشتِراطِها (٥).
стр. 9661
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقَولُه ﷺ : «لا تَشتَرط المرأةُ طلاقَ أُختِها» حُجَّةٌ لمَن أجازَ الشُّروطَ المَكروهةَ؛ لأنهُ لو لم تَكنْ هذه الشُّروطُ عامِلةً إذا وَقعَتْ لمْ يكنْ لنَهيِه عنِ اشتِراطِ المرأةِ طلاقَ أُختِها معنًى، ولَكانَ اشتِراطُها ذلكَ كَلَا اشتِراطٍ، فكذلكَ ما شابَهَ ذلكَ مِنَ الشُّروطِ، وإنْ كانَتْ مَكروهةً فهي لازِمةٌ؛ لقَولِه ﷺ : «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بها ما استَحلَلتُم بهِ الفُرُوجَ» (١).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا إذا وقَعَ النِّكاحُ بهذا الشَّرطِ، هل يَصحُّ الشَّرطُ أم لا؟
فالحنفيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ يَرَونَ أنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ، إلَّا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: أنه شَرطٌ غيرُ لازمٍ، فإنْ وفَّى لها فحَسنٌ، وإنْ لمْ يُوفِّي لها فلها صَداقُ المِثلِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو تَزوَّجَ امرأةً بألفٍ على أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها فإنْ وفَّى لها فلها الألفُ، وإلِّا فمَهرُ المِثلِ، وكذا لو تَزوَّجَها على أقلَّ مِنْ مَهرِ مِثلِها على أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها، فإنْ أبَى أنْ يُطلِّقَ لم يُجبَرْ على ذلكَ؛ لأنهُ شرَطَ الطَّلاقَ، وإيقاعُ الطَّلاقِ لا يَصحُّ التِزامُه في الذِّمَّةِ، فلا يَلزمُه بالشَّرطِ شيءٌ، ولكنْ لها كَمالُ مهرِ مثلِها؛ لأنَّ لها في طلاقِ ضَرَّتِها مَنفعةٌ، فإنَّما رَضيَتْ بدونِ مَهرِ مثلِها بشَرطِ أنْ تُسلَّمَ لها هذهِ المَنفعةُ، فإذا لم تُسلَّمْ كانَ لها كَمالُ مَهرِ مثلِها (٢).
стр. 9662
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: المَرأةَ إذا شَرطَتْ عليهِ أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها صحَّ الشَّرطُ؛ لأنهُ لا يُنافي العقدَ ولها فيهِ فائدةٌ، فأشبَهَ ما لو شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها، ولكنْ لا يَجبُ الوفاءُ بهِ بل يُسنُّ، فإنْ لمْ يَفِ الزَّوجُ بشَرطِها فلها الفَسخُ؛ لأنهُ شَرطٌ لازمٌ في عَقدٍ، فثَبتَ حقُّ الفَسخِ بتَركِ الوفاءِ بهِ كالرَّهنِ والضَّمينِ في البَيعِ، وهذا الخِيارُ على التَّراخي؛ لأنهُ خِيارٌ يَثبتُ لدَفعِ الضَّررِ، فكانَ على التَّراخي تَحصيلًا لمَقصودِها كخِيارِ العَيبِ والقِصاصِ، ولا يَسقطُ إلَّا بما يَدلُّ على الرِّضا منها مِنْ قَولٍ أو تَمكينٍ مِنها معَ العِلمِ بفِعلِه ما شَرطَتْ أنْ لا يَفعلَه، فإنْ لم تَعلمْ بعَدمِ الوفاءِ ومَكَّنتْهُ لم يَسقطْ خِيارُها، لأنَّ مُوجِبَه لم يَثبتْ، فلا يَكونُ له أثرٌ، كالمُسقِطِ لشُفعتِه قبْلَ البَيعِ (١).
وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ اختارَها ابنُ قُدامةَ وغَيرُه: أنَّه لا يَصحُّ الشَّرطُ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَشتَرطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٢)، والنَّهيُ يَقتضِي فَسادَ المَنهيِّ عنهُ، ولأنها شَرطَتْ عليهِ فسْخَ عَقدِه وإبطالَ حقِّهِ وحقِّ امرَأتِه، فلمْ يَصحَّ، كما لو شَرطَتْ عليهِ فسْخَ بَيعِه (٣).
стр. 9663
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ تَزوَّجَها على شَرطِ أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها صحَّ النِّكاحُ وفسَدَ الشَّرطُ، ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ، سواءٌ زادَ عنِ المُسمَّى أو نقَصَ أو ساواه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: مالكٌ عن أبي الزِّنادِ عنِ الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَسألِ المَرأةُ طلاقَ أُختِها لِتَستَفرِغَ صَحْفتَها، ولْتَنكحْ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (٢).
في هذا الخبَرِ مِنْ الفقهِ أنهُ لا يَنبغِي أنْ تَسألَ المرأةُ زوْجَها أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها لتَنفرِدَ به، فإنِّما لها ما سبَقَ بهِ القَدَرُ عليها لا يَنقصُها طلاقُ ضَرَّتِها شَيئًا ممَّا جَرى بهِ القَدَرُ لها ولا يَزيدُها، وقالَ الأخفَشُ: كأنهُ يُريدُ أنْ تُفرِغَ صَحْفةَ تلكَ مِنْ خَيرِ الزَّوجِ وتأخذَهُ هي وحْدَها.
قالَ أبو عُمرَ: وهذا الحَديثُ مِنْ أحسَنِ أحاديثِ القَدَرِ عندَ أهلِ العِلمِ والسُّنةِ، وفيهِ أنَّ المَرءَ لا يَنالُه إلَّا ما قُدِّرَ له، قالَ اللهُ : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، والأَمرُ في هذا واضِحٌ لمَن هَداهُ اللهُ، والحَمدُ للهِ.
وفِقهُ هذا الحَديثِ: أنهُ لا يَجوزُ لامرَأةٍ ولا لوَليِّها أنْ يَشتَرطَ في عَقدِ نِكاحِها طلاقَ غَيرِها، ولهذا الحَديثِ وشبهِه استَدلَّ جماعةٌ مِنْ العُلماءِ بأنَّ شرْطَ المرأةِ على الرَّجلِ عندَ عَقدِ نِكاحِها أنها إنِّما تَنكحُه على أنَّ كلَّ مَنْ
стр. 9664
يَتزوَّجُها عليها مِنْ النِّساءِ فهي طالقٌ شَرطٌ باطلٌ، وعَقدُ نِكاحِها على ذلكَ فاسدٌ يُفسخُ قَبلَ الدُّخولِ؛ لأنهُ شَرطٌ فاسدٌ دخَلَ في الصَّداقِ المُستحَلِّ بهِ الفَرجُ، ففسَدَ لأنه طابَقَ النَّهيَ.
ومِن أهلِ العِلمِ مَنْ يَرَى الشَّرطَ باطِلًا في ذلكَ كُلِّه والنِّكاح ثابِتٌ صَحيحٌ، وهذا هو الوَجهُ المُختارُ، وعليهِ أكثرُ عُلماءِ الحِجازِ، وهُم مع ذلكَ يكرهونَها ويكرهُون عقْدَ النِّكاحِ عليها، وحُجَّتُهم حَديثُ هذا البابِ وما كانَ مِثلَه، وحديثُ عائشةَ في قصَّةِ بَريرةَ يَقتضِي في مثلِ هذا جوازَ العُقودِ وبُطلانَ الشُّروطِ، وهو أَولى ما اعتُمدَ عليهِ في هذا البابِ، ومَن أرادَ أنْ يَصحَّ لهُ هذا الشَّرطُ المَكروهُ عندَ أصحابِنا عقَدَه بيَمينٍ، فيَلزمُه الحِنثُ في تِلكَ اليَمينِ بالطَّلاقِ أو بما حلَفَ به، وليسَ مِنْ أفعالِ الأبرارِ ولا مِنْ مَناكِحِ السَّلفِ الأخيارِ استِباحةُ النِّكاحِ بالأيمانِ المَكروهةِ ومُخالَفةُ السُّنةِ (١).
ح- شرط أنْ لا تَوارُثَ بيْنَهما:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَها على أنْ لا تَوارُثَ بيْنَهما، هلْ يَصحُّ النِّكاحُ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ على شَرطِ أنْ لا مِيراثَ بَينَهما وشُرطَ ذلكَ في صُلبِ العَقدِ فإنَّ النِّكاحَ يُفسخُ قبلَ البناءِ اتِّفاقًا، ويَثبتُ بَعدهُ بمَهرِ المِثلِ ولا يُفسخُ على الصَّحيحِ.
стр. 9665
وقِيلَ: يُفسخُ مُطلَقًا قبلَ الدُّخولِ وبَعدَه (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لو تَزوَّجَها على أنْ لا يَرثَها أو لا تَرثَه أو لا يَتوارثانِ بَطلَ النِّكاحُ.
وفي قَولٍ: يَصحُّ ويَبطلُ الشَّرطُ.
ولو تَزوَّجَ كِتابيَّةً على أنْ لا يَرثَها؛ فإنْ أرادَ ما دامَ المانِعُ قائِمًا صَحَّ النِّكاحُ؛ لأنهُ تَصريحٌ بمُقتضَى العَقدِ، وإنْ أرادَهُ مُطلَقًا فباطِلٌ؛ لمُخالَفتِه مُقتَضى العَقدِ، وإنْ أطلَقَ فالأَوجهُ الصِّحةُ؛ لأنَّ الأصلَ دَوامُ المانِعِ (٢).