← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقَولُه ﷺ : «لا تَشتَرط المرأةُ طلاقَ أُختِها» حُجَّةٌ لمَن أجازَ الشُّروطَ المَكروهةَ؛ لأنهُ لو لم تَكنْ هذه الشُّروطُ عامِلةً إذا وَقعَتْ لمْ يكنْ لنَهيِه عنِ اشتِراطِ المرأةِ طلاقَ أُختِها معنًى، ولَكانَ اشتِراطُها ذلكَ كَلَا اشتِراطٍ، فكذلكَ ما شابَهَ ذلكَ مِنَ الشُّروطِ، وإنْ كانَتْ مَكروهةً فهي لازِمةٌ؛ لقَولِه ﷺ : «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بها ما استَحلَلتُم بهِ الفُرُوجَ» (١). إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا إذا وقَعَ النِّكاحُ بهذا الشَّرطِ، هل يَصحُّ الشَّرطُ أم لا؟ فالحنفيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ يَرَونَ أنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ، إلَّا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: أنه شَرطٌ غيرُ لازمٍ، فإنْ وفَّى لها فحَسنٌ، وإنْ لمْ يُوفِّي لها فلها صَداقُ المِثلِ. قالَ الحَنفيةُ: لو تَزوَّجَ امرأةً بألفٍ على أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها فإنْ وفَّى لها فلها الألفُ، وإلِّا فمَهرُ المِثلِ، وكذا لو تَزوَّجَها على أقلَّ مِنْ مَهرِ مِثلِها على أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها، فإنْ أبَى أنْ يُطلِّقَ لم يُجبَرْ على ذلكَ؛ لأنهُ شرَطَ الطَّلاقَ، وإيقاعُ الطَّلاقِ لا يَصحُّ التِزامُه في الذِّمَّةِ، فلا يَلزمُه بالشَّرطِ شيءٌ، ولكنْ لها كَمالُ مهرِ مثلِها؛ لأنَّ لها في طلاقِ ضَرَّتِها مَنفعةٌ، فإنَّما رَضيَتْ بدونِ مَهرِ مثلِها بشَرطِ أنْ تُسلَّمَ لها هذهِ المَنفعةُ، فإذا لم تُسلَّمْ كانَ لها كَمالُ مَهرِ مثلِها (٢).

стр. 9662

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: المَرأةَ إذا شَرطَتْ عليهِ أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها صحَّ الشَّرطُ؛ لأنهُ لا يُنافي العقدَ ولها فيهِ فائدةٌ، فأشبَهَ ما لو شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها، ولكنْ لا يَجبُ الوفاءُ بهِ بل يُسنُّ، فإنْ لمْ يَفِ الزَّوجُ بشَرطِها فلها الفَسخُ؛ لأنهُ شَرطٌ لازمٌ في عَقدٍ، فثَبتَ حقُّ الفَسخِ بتَركِ الوفاءِ بهِ كالرَّهنِ والضَّمينِ في البَيعِ، وهذا الخِيارُ على التَّراخي؛ لأنهُ خِيارٌ يَثبتُ لدَفعِ الضَّررِ، فكانَ على التَّراخي تَحصيلًا لمَقصودِها كخِيارِ العَيبِ والقِصاصِ، ولا يَسقطُ إلَّا بما يَدلُّ على الرِّضا منها مِنْ قَولٍ أو تَمكينٍ مِنها معَ العِلمِ بفِعلِه ما شَرطَتْ أنْ لا يَفعلَه، فإنْ لم تَعلمْ بعَدمِ الوفاءِ ومَكَّنتْهُ لم يَسقطْ خِيارُها، لأنَّ مُوجِبَه لم يَثبتْ، فلا يَكونُ له أثرٌ، كالمُسقِطِ لشُفعتِه قبْلَ البَيعِ (١). وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ اختارَها ابنُ قُدامةَ وغَيرُه: أنَّه لا يَصحُّ الشَّرطُ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَشتَرطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٢)، والنَّهيُ يَقتضِي فَسادَ المَنهيِّ عنهُ، ولأنها شَرطَتْ عليهِ فسْخَ عَقدِه وإبطالَ حقِّهِ وحقِّ امرَأتِه، فلمْ يَصحَّ، كما لو شَرطَتْ عليهِ فسْخَ بَيعِه (٣).

стр. 9663

وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ تَزوَّجَها على شَرطِ أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها صحَّ النِّكاحُ وفسَدَ الشَّرطُ، ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ، سواءٌ زادَ عنِ المُسمَّى أو نقَصَ أو ساواه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: مالكٌ عن أبي الزِّنادِ عنِ الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَسألِ المَرأةُ طلاقَ أُختِها لِتَستَفرِغَ صَحْفتَها، ولْتَنكحْ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (٢). في هذا الخبَرِ مِنْ الفقهِ أنهُ لا يَنبغِي أنْ تَسألَ المرأةُ زوْجَها أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها لتَنفرِدَ به، فإنِّما لها ما سبَقَ بهِ القَدَرُ عليها لا يَنقصُها طلاقُ ضَرَّتِها شَيئًا ممَّا جَرى بهِ القَدَرُ لها ولا يَزيدُها، وقالَ الأخفَشُ: كأنهُ يُريدُ أنْ تُفرِغَ صَحْفةَ تلكَ مِنْ خَيرِ الزَّوجِ وتأخذَهُ هي وحْدَها. قالَ أبو عُمرَ: وهذا الحَديثُ مِنْ أحسَنِ أحاديثِ القَدَرِ عندَ أهلِ العِلمِ والسُّنةِ، وفيهِ أنَّ المَرءَ لا يَنالُه إلَّا ما قُدِّرَ له، قالَ اللهُ : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، والأَمرُ في هذا واضِحٌ لمَن هَداهُ اللهُ، والحَمدُ للهِ. وفِقهُ هذا الحَديثِ: أنهُ لا يَجوزُ لامرَأةٍ ولا لوَليِّها أنْ يَشتَرطَ في عَقدِ نِكاحِها طلاقَ غَيرِها، ولهذا الحَديثِ وشبهِه استَدلَّ جماعةٌ مِنْ العُلماءِ بأنَّ شرْطَ المرأةِ على الرَّجلِ عندَ عَقدِ نِكاحِها أنها إنِّما تَنكحُه على أنَّ كلَّ مَنْ

стр. 9664

يَتزوَّجُها عليها مِنْ النِّساءِ فهي طالقٌ شَرطٌ باطلٌ، وعَقدُ نِكاحِها على ذلكَ فاسدٌ يُفسخُ قَبلَ الدُّخولِ؛ لأنهُ شَرطٌ فاسدٌ دخَلَ في الصَّداقِ المُستحَلِّ بهِ الفَرجُ، ففسَدَ لأنه طابَقَ النَّهيَ. ومِن أهلِ العِلمِ مَنْ يَرَى الشَّرطَ باطِلًا في ذلكَ كُلِّه والنِّكاح ثابِتٌ صَحيحٌ، وهذا هو الوَجهُ المُختارُ، وعليهِ أكثرُ عُلماءِ الحِجازِ، وهُم مع ذلكَ يكرهونَها ويكرهُون عقْدَ النِّكاحِ عليها، وحُجَّتُهم حَديثُ هذا البابِ وما كانَ مِثلَه، وحديثُ عائشةَ في قصَّةِ بَريرةَ يَقتضِي في مثلِ هذا جوازَ العُقودِ وبُطلانَ الشُّروطِ، وهو أَولى ما اعتُمدَ عليهِ في هذا البابِ، ومَن أرادَ أنْ يَصحَّ لهُ هذا الشَّرطُ المَكروهُ عندَ أصحابِنا عقَدَه بيَمينٍ، فيَلزمُه الحِنثُ في تِلكَ اليَمينِ بالطَّلاقِ أو بما حلَفَ به، وليسَ مِنْ أفعالِ الأبرارِ ولا مِنْ مَناكِحِ السَّلفِ الأخيارِ استِباحةُ النِّكاحِ بالأيمانِ المَكروهةِ ومُخالَفةُ السُّنةِ (١). ح- شرط أنْ لا تَوارُثَ بيْنَهما: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَها على أنْ لا تَوارُثَ بيْنَهما، هلْ يَصحُّ النِّكاحُ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ على شَرطِ أنْ لا مِيراثَ بَينَهما وشُرطَ ذلكَ في صُلبِ العَقدِ فإنَّ النِّكاحَ يُفسخُ قبلَ البناءِ اتِّفاقًا، ويَثبتُ بَعدهُ بمَهرِ المِثلِ ولا يُفسخُ على الصَّحيحِ.

стр. 9665

وقِيلَ: يُفسخُ مُطلَقًا قبلَ الدُّخولِ وبَعدَه (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لو تَزوَّجَها على أنْ لا يَرثَها أو لا تَرثَه أو لا يَتوارثانِ بَطلَ النِّكاحُ. وفي قَولٍ: يَصحُّ ويَبطلُ الشَّرطُ. ولو تَزوَّجَ كِتابيَّةً على أنْ لا يَرثَها؛ فإنْ أرادَ ما دامَ المانِعُ قائِمًا صَحَّ النِّكاحُ؛ لأنهُ تَصريحٌ بمُقتضَى العَقدِ، وإنْ أرادَهُ مُطلَقًا فباطِلٌ؛ لمُخالَفتِه مُقتَضى العَقدِ، وإنْ أطلَقَ فالأَوجهُ الصِّحةُ؛ لأنَّ الأصلَ دَوامُ المانِعِ (٢).

стр. 9666

فصل في الوليمةِ تَعريفُ الوَليمةِ: الوَليمةُ: الطَّعامُ المُتخَذُ للعُرسِ، مُشتقَّةٌ مِنْ الوَلمِ وهو الجَمْعُ؛ لأنَّ الزوجَينِ يَجتمعانِ، قالَه الأزهَريُّ وغيرُه، وقالَ ابنُ الأعرابيِّ: أصلُها تَمامُ الشيءِ واجتماعُه، والفِعلُ منها أَوْلَمَ (١). والوَليمةُ شَرعًا: اسمٌ لطَعامِ العُرسِ خاصَّةً، لا يقعُ على غيرِه، حكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ عن ثَعلبٍ وغيرِه مِنْ أهلِ اللغةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الوَليمةُ: اسمٌ للطعامٍ في العُرسِ خاصةً، لا يَقعُ هذا الاسمُ على غيرِه، كذلكَ حكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ عن ثَعلبٍ وغيرِه مِنْ أهلِ اللُّغةِ، وقالَ بعضُ الفُقهاءِ مِنْ أصحابِنا وغيرُهم: إنَّ الوَليمةَ تَقعُ على كلِّ طَعامٍ لسُرورٍ حادِثٍ، إلا أنَّ استِعمالِها في طعامِ العُرسِ أكثرُ، وقولُ أهلِ اللغةِ أقوَى؛ لأنهُم أهلُ اللسانِ وهُم أعرَفُ بمَوضوعاتِ اللغةِ وأعلَمُ بلِسانِ العرَبِ (٢).

стр. 9667

والأطعِمةُ التي يُدعَى إليها الناسُ عَشرةٌ: الأولُ: الوَليمةُ، وقد ذُكِرتْ. والثانِي: العَذِيرةُ والإعذارُ للخِتانِ. والثالثُ: الخُرْسُ، ويُقالُ له: الخُرْسية، لطعامِ الوِلادةِ. والرابعُ: الوَكِيرةُ، وهي دعوةُ البناءِ. والخامِسُ: النَّقِيعةُ، وهي الطعامُ لقُدومِ الغائبِ. والسادِسُ: العَقيقةُ، وهي الذَّبحُ لأجْلِ الولدِ. السابعُ: الحِذَاقُ، وهو الطَّعامُ عندَ حِذَاقِ الصبيِّ. الثامِنُ: المَأدبُةُ، وهي كلُّ دَعوةٍ، بسَببٍ كانَتْ أو غيرِه. التاسعُ: الوضيعةُ، وهي طَعامُ المأتَمِ. العاشرُ: التُّحفةُ، وهي طَعامُ القادِمِ (١). حُكمُ الوَليمةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيةِ الوَليمةِ في العُرسِ؛ لمَا رواهُ أنَسٌ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ رأَى على عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ أثَرَ صُفْرةٍ قالَ: ما هذا؟ قالَ: إني تَزوَّجتُ امرأةً على وَزنِ نواةٍ مِنْ ذَهبٍ، قالَ: بارَكَ اللهُ لكَ، أَولِمْ ولو بشاةٍ» (٢).

стр. 9668

وقالَ أنسٌ ﵁: «ما أَولَمَ رسولُ اللهِ ﷺ على امرأةٍ مِنْ نِسائِه أكثَرَ أو أفضَلَ ممَّا أولَمَ على زَينبَ، أطعَمَهم خُبزًا ولَحمًا حتَّى تَركوهُ» (١). وعن أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: قَدِمَ النبيُّ ﷺ خَيبَرَ، فلمَّا فتَحَ اللهُ عليهِ الحِصنَ ذُكِرَ له جَمالُ صَفِيةَ بنتِ حُيَيِّ بنِ أخطَبَ، وقد قُتِلَ زَوجُها وكانَتْ عَرُوسًا، فاصطَفاها رسولُ اللهِ ﷺ لنَفسِه، فخرَجَ بها حتَّى بلَغْنا سَدَّ الرَّوحاءِ حلَّتْ، فبَنَى بها ثمَّ صنَعَ حَيسًا في نِطعٍ صَغيرٍ، ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «آذِنْ مَنْ حَولكَ، فكانَتْ تلكَ وَليمةَ رسولِ اللهِ ﷺ على صَفيةَ» (٢). ويُستحَبُّ أنْ يُولِمَ بشاةٍ إنْ أمكَنَه ذلكَ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لعبدِ الرَّحمنِ: «أَولِمْ ولو بشاةٍ» (٣). وقالَ أنسٌ ﵁: «ما أَولَمَ النبيُّ ﷺ على شَيءٍ مِنْ نِسائِه ما أَولَمَ على زَينبَ، أَولَمَ بشاةٍ» (٤). فإنْ أولَمَ بغيرِ هذا جازَ؛ فقدْ «أولَمَ النبيُّ ﷺ على صَفيةَ بحَيسٍ، وأولَمَ على بعضِ نسائِه بمُدَّينِ مِنْ شَعيرٍ» رواهُ البخاريُّ.

стр. 9669

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل وَليمةُ العُرسِ واجِبةٌ أم مُستحبَّةٌ؟ فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في وَجهٍ -وقيلَ: قَولٍ- إلى أنَّ وَليمةَ العُرسِ واجِبةٌ عَينًا؛ لظاهرِ الأمرِ في خبَرِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ ﵁ لمَّا قالَ له النبيُّ ﷺ : «أولِمْ ولو بشاةٍ»، وهذا أمرٌ وهو يَدلُّ على الوُجوبِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ ما أنكحَ قَطُّ إلا أولَمَ في ضِيقٍ أو سِعةٍ، و «أولَمَ على صَفيةَ في سَفرِه بسَويقٍ وتَمرٍ»، ولأنَّ في الوَليمةَ إعلانٌ للنكاحِ فرقًا بينَه وبينَ السِّفاحِ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «أعلِنُوا النكاحَ واضرِبُوا عليهِ بالدُّفِ»، ولأنه لمَّا كانَتْ إجابةُ الداعِي إليها واجبةً دَلَّ على أنَّ فِعلَ الوليمةِ واجبٌ، لأنَّ وُجوبَ المُسبِّبِ دليلٌ على وُجوبِ السببِ (١). وذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ وَليمةَ العُرسِ سُنةٌ مُستحَبةٌ؛ للأحادِيثِ السابقةِ، وإنها طَعامٌ لسُرورٍ حادِثٍ، فأشبَهَ سائرَ الأطعِمةِ، ولأنَّ سبَبَ هذه الوليمةُ عَقدُ النكاحِ، وهو غيرُ واجِبٍ، ففَرعُه أَولى أنْ يكونَ غيرَ واجِبٍ، ولأنها لو وجَبَتْ لتَقدَّرتْ كالزَّكاةِ والكفَّاراتِ، ولَكانَ لها بَدلٌ عندَ الإعسارِ كما يَعدِلُ المُكفِّرُ في إعسارِه إلى الصيامِ، فدَلَّ عَدمُ تَقديرِها وبَدلِها على سُقوطِ وُجوبِها.

стр. 9670

وأمرُ النبيِّ ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ بأنْ يُولِمَ ولو بشاةٍ مَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ بدَليلِ ما ذكَرْناه وكَونِه أمَرَ بشاةٍ، ولا خِلافَ في أنها لا تَجبُ، ولو كانَ الأمرُ فيهِ للوُجوبِ لَوجبَتْ، وهي لا تَجبُ إجماعًا لا عَينًا ولا كِفايةً، وما ذكَرُوه مِنْ المعنَى لا أصلَ له، ثمَّ هو باطِلٌ بالسلامِ؛ لأنه ليسَ بواجِبٍ وإجابةُ المسلِّمِ واجِبةٌ (١). حُكمُ إجابةِ الوَليمةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلا قولًا للشافِعيةِ على أنَّ الإنسانَ إذا دُعيَ إلى وَليمةِ غيرِ العُرسِ أنه لا يَجبُ عليهِ حُضورُها. واختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الإجابةِ إلى وَليمةِ العُرسِ لمَن دُعيَ إليها، هل يَجبُ عليهِ الإجابةُ؟ أم لا يَجبُ عليه ويُستحَبُّ فقطْ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ دُعيَ إلى وَليمةٍ عرسِ بعَينِه ولم يَكنْ بها لَهوٌ مُحرَّمٌ لَزمَه أنْ يُجيبَ ولو كانَ صائِمًا، إلا مِنْ عُذرٍ، فإنْ لم

стр. 9671

يَفعلْ أَثِمَ؛ لمَا رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى الوَليمةِ فلْيَأتِها» (١). وهذا أمرٌ، وفي لَفظٍ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى وَليمةِ عُرسٍ فليُجبْ» (٢). وعن نافعٍ قالَ: سَمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أجيبُوا هذهِ الدَّعوةَ إذا دُعِيتُم لها، قالَ وكانَ عبدُ اللهِ يأتي الدَّعوةَ في العُرسِ وغيرِ العُرسِ وهوَ صائمٌ» (٣). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنه كانَ يقولُ: «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَليمةِ يُدعَى لها الأغنياءُ ويُترَكُ الفُقراءُ، ومَن ترَكَ الدَّعوةَ فقدْ عَصَى اللهَ تعالَى ورَسولَه ﷺ » (٤)، ومِثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، وإنما يكونُ تَوقيفًا، وهذا الحديثُ حُجةٌ في وُجوبِ إجابةِ دَعوةِ الوَليمةِ، ولا خِلافَ في ذلكَ بينَ الصحابةِ والتابعِينَ، حتَّى قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا أعلَمُ خِلافًا في وُجوبِ إتيانِ الوَليمةِ لمَن دُعيَ إليها إذا لم يَكنْ فيها مُنكَرٌ ولَهوٌ، وفي قولِه في هذا الحَديثِ: «فقدْ عَصَى اللهَ ورَسولَه» ما يَرفعُ الإشكالَ ويُغنِي عن الإكثارِ (٥). ومعنَى قَولِه: «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَليمةِ» واللهُ أعلَمُ أي: طَعامُ الوَليمةِ

стр. 9672

التي يُدعَى إليها الأغنياءُ ويُتركُ الفُقراءُ، ولم يُرِدْ أنَّ كلَّ وَليمةٍ طَعامُها شَرُّ الطعامِ؛ فإنه لو أرادَ ذلكَ لَمَا أمَرَ بها ولا ندَبَ إليها ولا أمَرَ بالإجابةِ إليها ولا فعَلَها، ولأنَّ الإجابةَ تَجبُ بالدَّعوةِ، فكُلُّ مَنْ دُعيَ فقدْ وجَبَتْ عليهِ الإجابةُ. فإنْ كانَ صائمًا صَومًا واجِبًا لا يَجوزُ له بالاتِّفاقِ أنْ يُفطِرَ، بل يَجيبُ الدعوةَ ويَدعُو لصاحِبِ الوليمةِ. وإنْ كانَ صَومًا نفلًا فاختُلفَ فيه: فعِندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ: لا يَجوزُ له الإفطارُ؛ لأنَّ الصومَ يَجبُ بالشُّروعِ فيهِ كما تقدَّمَ في كِتابِ الصيامِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]. وعَن أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «إذا دُعِيَ أحَدُكم فلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صائمًا فلْيَدْعُ، وإنْ كانَ مُفطِرًا فلْيَطعَمْ» (١). ويُستحَبُّ إعلامُهم بصيامِه؛ لأنه يُروَى عن عُثمانَ وابنِ عُمرَ ﵄ ولِيَعلموا عُذرَه وتَزولَ التُّهمةُ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: لا تَسقطُ إجابةُ الدَّعوةِ بصَومٍ، فإنْ شَقَّ على الداعِي صَومُ نَفلٍ فالفِطرُ له أفضلُ مِنْ إتمامِ الصَّومِ ولو آخِرَ النهارِ؛ لجَبْرِ خاطرِ الداعِي؛ لِمَا رُويَ «أنه ﷺ كانَ في دَعوةٍ وكانَ معَه جَماعةٌ، فاعتَزلَ رَجلٌ مِنْ القَومِ ناحيةً، فقالَ ﷺ : «دَعاكُم أخوكُم

стр. 9673

وتكلَّفَ لكُم ثمَّ قالَ له: أَفطِرْ وصُمْ يومًا مكانَه إنْ شِئتَ» (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأعدَلُ الأقوالِ أنه إذا حضَرَ الوَليمةَ وهو صائمٌ إنْ كانَ يَنكسرُ قلبُ الداعي بتَركِ الأكلِ فالأكلُ أفضَلُ، وإنْ لم يَنكسرْ قَلبُه فإتمامُ الصَّومِ أفضَلُ، ولا ينبغي لصاحبِ الدَّعوةِ الإلحاحُ في الطَّعامِ للمَدعوِّ إذا امتَنعَ، فإنَّ كِلَا الأمرَينِ جائزٌ، فإذا ألزَمَه بما لا يَلزمُه كانَ مِنْ نوعِ المَسألةِ المَنهيِّ عنها، ولا يَنبغي للمَدعوِّ إذا رَأى أنه يَترتَّبُ على امتِناعِه مَفاسدُ أنْ يَمتنعَ؛ فإنَّ فِطرَه جائزٌ، فإنْ كانَ تركُ الجائزِ مُستلزِمًا لأمورٍ مَحذورةٍ يَنبغي أنْ يَفعلَ ذلكَ الجائزَ، وربُّما يَصيرُ واجِبًا، وإنْ كانَ في إجابةِ الدَّاعي مَصلحةُ الإجابةِ فقطْ وفيها مَفسدةُ الشُّبهةِ فالمنعُ أرجَحُ (٢). وذهَبَ ابنُ القصَّارِ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في روايةٍ اختارَها ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ الإجابةَ إلى دَعوةِ الوَليمةِ مُستحَبةٌ وليس بواجبةٍ. وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنها فَرضُ كِفايةٍ، فإذا أجابَه بعضُ الناسِ سقَطَ الفَرضُ عن الباقينَ؛ لأنَّ القصدَ أنْ يُعلمَ ذلكَ ويَظهرَ، وذلكَ يَحصلُ بإجابةِ البعضِ، ولأنَّ الإجابةَ إكرامٌ ومُوالاةٌ، فهيَ كرَدِّ السلامِ (٣).

стр. 9674

شُروطُ وُجوبِ الإجابةِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا يَجبُ تَوافرُها حتَّى تَجبَ الدَّعوةُ: ١ - أنْ يُعيِّنَ الشخصَ بالدَّعوةِ. إنَّما تَجبُ إجابةُ الدَّعوةِ إلى الوَليمةِ على مَنْ عُيِّنَ بالدعوةِ، بأنْ يَدعوَ رَجلًا بعَينِه أو جَماعةً مُعيَّنينَ، أو قالَ له الداعِي: «أمَرَني فُلانٌ أنْ أدعُوَكَ فأَجِبْ» لَزمَه الإجابةُ. فإنْ دعَا الجفليُّ بأنْ يقولَ: «يا أيها الناسُ أَجيبُوا إلى الوليمةِ» أو يقولَ الرَّسولُ: «أُمِرتُ أنْ أدعوَ كلَّ مَنْ لَقيتُ، أو مِنْ شِئتُ» لم تَجبِ الإجابةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، ولم تُستحَبَّ نَصَّ على ذلكَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ؛ لأنه لم يُعيَّنْ بالدعوةِ، فلمْ تَتعيَّنْ عليهِ الإجابةُ، ولأنه غيرُ مَنصوصٍ عليهِ ولا يَحصلُ كَسرُ قلبِ الداعِي بتَركِ إجابتِه، وتَجوزُ الإجابةُ بهذا؛ لدُخولِه في عُمومِ الدُّعاءِ (١).

стр. 9675

٢ - أنْ لا يَخُصَّ بالدَّعوةِ الأغنياءَ، نَصَّ على هذا المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ. ٣ - وأنْ يَكونَ الداعِي مُسلِمًا، فلو كانَ كافرًا لم تَجبْ إجابتُه؛ لانتِفاءِ طَلبِ المَودَّةِ معَه، نَصَّ على هذا المالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ؛ لأنَّ الإجابةَ للمُسلمِ للإكرامِ والمُوالاةِ وتأكيدِ المَودةِ والإخاءِ، فلا تَجبُ على المُسلمِ للذمِّيِّ، ولأنه لا يَأمنُ اختِلاطَ طَعامِهم بالحَرامِ والنَّجاسةِ، ولكنْ تَجوزُ إجابتُهم؛ لِمَا روَى أنسٌ ﵁: «أنَّ يَهوديًّا دعَا رَسولَ اللهِ ﷺ إلى خُبْزِ شَعيرٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ، فأجابَهُ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه تَجبُ إجابتُه؛ لعُمومِ الأخبارِ. ٤ - وأنْ يَكونَ المَدعوُّ مُسلِمًا أيضًا، فلو دَعَا مُسلِمٌ كافرًا لم تَجبْ إجابتُه. ٥ - وكَونُ الدَّعوةِ في اليومِ الأولِ، فإنْ أَولَمَ ثَلاثةً مِنْ الأيامِ أو أكثَرَ لم تَجبْ إجابتُه في اليومِ الثاني قَطعًا، بل تُسَنُّ فيه، وتُكرَهُ في الثالثِ وفيما بعدَه؛ لحَديثِ: «الوَليمةُ أولَ يَومٍ حَقٌّ، والثاني مَعروفٌ، والثالثُ رِياءٌ وسُمعةٌ» (٢)،

стр. 9676

وعلى هذا نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ (١). ٦ - وأنْ لا يَحضرَ لخَوفٍ أو طَمعٍ في جاهِهِ، نَصَّ عليه الشافِعيةُ (٢). ٧ - وأنْ لا يَكونَ ثَمَّ مَنْ يَتأذَّى به أو لا يَليقُ بهِ مُجالَستُه كالأراذِلِ، فإنْ كانَ فهو مَعذورٌ في التخلُّفِ؛ لِمَا فيه مِنْ التأذِّي في الأولِ والغَضاضةِ في الثاني، نَصَّ عليه المالِكيةُ والشافِعيةُ (٣). ٨ - أنْ لا يَكونَ هُناكَ مُنكَرٌ مِنْ خَمرٍ أو رَقصٍ، فإنْ كانَ المُنكَرُ يَزولُ بحُضورِه فلْيَحضُرْ حَتمًا؛ إجابةً للدَّعوةِ وإزالةً للمُنكَرِ، فإنْ لم يَزُلْ بحُضورِه حَرُمَ الحُضورُ؛ لأنه كالرِّضَا بالمُنكَرِ، فإنْ لم يَعلمْ به حتى حضَرَ نَهاهُم، فإنْ لم يَنتهُوا وجَبَ الخُروجُ، إلَّا إنْ خافَ منه كأنْ كانَ في ليلٍ وخافَ وقعَدَ كارِهًا بقَلبِه، ولا يَسمَعُ لِمَا يَحرمُ استِماعُه، وإنِ اشتَغلَ بالحَديثِ والأكلِ جازَ له ذلكَ، كما لو كانَ ذلكَ في جِوارِ بَيتِه لا يَلزمُه التحوُّلُ وإنْ بلَغَه الصَّوتُ.

стр. 9677

ولو كانَ المنكَرُ مُختلَفًا فيه كشُربِ النبيذِ والجُلوسِ على الحَريرِ حَرُمَ الحُضورُ على مُعتقِدِ تَحريمِه، هذا نَصُّ الشافِعيةِ والحَنابلةِ (١). وقالَ المالِكيةُ: لا تَجبُ الدَّعوةُ إذا كانَ هُناكَ مُنكَرٌ مِنْ فُرشٍ وحَريرٍ وصُوَرٍ في جُدرانِ المَكانِ أو في الساترِ، أو استِعمالُ أنيةِ ذَهبٍ أو فِضةٍ، أو سَماعُ ما يَحرمُ استِماعُه مِنْ مُغنِّيةٍ وآلةٍ، ولو بِمكانٍ آخَرَ غيرِ مكانِ الجُلوسِ إنْ سَمعَ أو رَأى، وإلا فَلا. ولا بأسَ بالحُضورِ مع اللَّهوِ المُباحِ كدُّفٍّ وكَبَرٍ يَلعبُ به رِجالٌ أو نِساءٌ وكغِناءٍ خَفيفٍ، فلا تَسقطُ الإجابةُ ولو كانَ هذا في حُضورِ ذِي هَيئةٍ على الأصَحِّ كعالِمٍ وقاضٍ وأميرٍ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا دُعيَ إلى وَليمةٍ فيها مَعصيةٌ كالخَمرِ والزَّمرِ والعُودِ ونحوِه وأمكَنَه الإنكارُ وإزالةُ المُنكَرِ لَزمَه الحُضورُ والإنكارُ؛ لأنه يُؤدِّي فَرضَينِ: إجابةَ أخيهِ المُسلمِ وإزالةَ المُنكَرِ، وإنْ لم يَقدرْ على الإنكارِ لم يَحضرْ، وإنْ لم يَعلمْ بالمنكَرِ حتَّى حضَرَ أزالَه، فإنْ لم يَقدِرِ انصَرفَ، ونحوُ هذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ مالكٌ: أمَّا اللَّهوُ الخَفيفُ كالدُّفِّ والكَبَرِ فلا يَرجعُ، وقالَه ابنُ القاسِمِ، وقالَ أصبَغُ: أرَى أنْ يَرجعَ.

стр. 9678

وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا وجدَ اللِّعِب فلا بأسَ أنْ يَقعدَ فيَأكلَ. وقالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: إنْ كانَ ممَّن يُقتدَى به فأحَبُّ إليَّ أنْ يَخرجَ، وقالَ اللَّيثُ إذا كانَ فيها الضَّربُ بالعُودِ فلا يَنبغِي له أنْ يَشهدَها. والأصلُ في هذا ما روَى سَفينةُ: أنَّ رَجلًا أضافَه عليٌّ فصنَعَ لهُ طَعامًا، فقالَتْ فاطِمةُ: لو دَعَونا رسولَ اللهِ ﷺ فأكَلَ معَنَا، فدَعَوه فَجاءَ فوضَعَ يَدَه على عِضادتَي البابِ فرَأى قِرامًا في ناحيةِ البيتِ فرجَعَ، فقالَتْ فاطمةُ لعليٍّ: الحَقْهُ فقُلْ له: ما أرجَعَكَ يا رَسولِ اللهِ؟ فقالَ: «إنه ليسَ لي أنْ أدخُلَ بَيتًا مُزوَّقًا» حَديثٌ حسَنٌ. ورَوى أبو حَفصٍ بإسنادهِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَقعدْ على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمرُ» (١). وعن نافعٍ قالَ: «كنتُ أسيرُ مع عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ فسَمعَ زمَّارةَ راعٍ فوضَعَ أُصبعَيهِ في أُذنَيه ثم عدَلَ عن الطريقِ، فلمْ يَزَلْ يقولُ: يا نافعُ أتَسمَعُ؟ حتَّى قلتُ: لا، فأخرَجَ أُصبعَيه مِنْ أُذنَيه ثمَّ رجَعَ إلى الطريقِ ثمَّ قالَ: هكذا رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صنَعَ» (٢) رواهُ أبو داودَ والخلَّالُ. ولأنه يُشاهِدُ المنكَرَ ويَسمعُه مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى ذلكَ، فمُنعَ منه كما لو قدَرَ على إزالتِه.

стр. 9679

ويُفارِقُ مَنْ له جارٌ مُقيمٌ على المنكَرِ والزَّمرِ، حيثُ يُباحُ له المُقامُ، فإنَّ تلكَ حالُ حاجةٍ؛ لِمَا في الخُروجِ مِنْ المَنزلِ مِنْ الضررِ. فصلٌ: فإنْ رَأى نُقوشًا وصُورَ شَجرٍ ونحوَها فلا بأسَ بذلكَ؛ لأنَّ تلكَ نُقوشٌ، فهيَ كالعَلمِ في الثوبِ، وإنْ كانَتْ فيه صوَرُ حيوانٍ في مَوضعٍ يُوطأُ أو يُتَّكأُ عليها كالتي في البسُطِ والوَسائدِ جازَ أيضًا وإنْ كانتْ على السُّتورِ والحِيطانِ، وما لا يُوطأُ وأمكَنَه حَطُّها أو قَطعُ رُؤوسِها فعَلَ وجلَسَ، وإنْ لم يُمكنْ ذلكَ انصرَفَ ولم يَجلسْ، وعلى هذا أكثَرُ أهلِ العلمِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا أعدَلُ المَذاهبِ، وحكاهُ عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وسالمٍ وعُروةَ وابنِ سِيرينَ وعطاءٍ وعِكرمةَ بنِ خالدٍ وعِكرمةَ مولَى ابنِ عبَّاسٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ، وهو مَذهبُ الشافعيِّ، وكانَ أبو هُريرةَ يَكرهُ التَّصاويرَ ما نُصِبَ منها وما بُسِطَ، وكذلكَ مالكٌ، إلا أنه كانَ يَكرهُها تنزُّهًا ولا يَراها مُحرَّمةً، ولَعلَّهم يَذهبونَ إلى عُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ المَلائكةَ لا تَدخلُ بَيتًا فيه صُورةٌ» مُتفَقٌ عليه. ورُويَ عنِ ابنِ مَسعودٍ «أنه دُعيَ إلى طَعامٍ، فلمَّا قيلَ لهُ: «إنَّ في البيتِ صُورةً» أبَى أنْ يَذهبَ حتَّى كُسرَتْ». ولنَا: ما رَوتْ عائِشةُ قالَتْ: «قَدِمَ النبيُّ ﷺ مِنْ سَفرٍ وقد ستَرْتُ لي سَهوةً بنَمطٍ فيه تَصاويرُ، فلمَّا رآهُ قالَ: أتسترينَ الخِدرَ بستْرٍ فيه تَصاويرُ، فهتَكَه، قالَتْ: فجعَلْتُ منه مُنْتبَذتينِ كأنِّي أنظُرُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ مُتكِئًا على أحَدِهما» رواهُ ابنُ عبدِ البَرِّ.

стр. 9680

ولأنها إذا كانَتْ تُداسُ وتُبتذلُ لم تَكنْ مُعزَّزةً ولا مُعظَّمةً فلا تُشبهُ الأصنامَ التي تُعبَدُ وتتَّخذُ آلهةً فلا تُكرَمُ، وما رَويناهُ أخَصُّ ممَّا رَوَوه، وقد رُويَ عن أبي طَلحةَ أنه قيلَ له: «ألم يَقُلِ النبيُّ ﷺ : لا تَدخلُ المَلائكةُ بيتًا فيهِ صُورةٌ ولا كَلبٌ؟ قالَ: ألَمْ تَسمعْه قالَ: إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ؟» مُتفَقٌ عليه، وهو مَحمولٌ على ما ذكَرْناه مِنْ أنَّ المُباحَ ما كانَ مَبسوطًا، والمَكروهَ منه ما كانَ مُعلَّقًا؛ بدَليلِ حديثِ عائشةَ (١). ٩ - أنْ لا يكونَ مالُه مِنْ حَرامٍ: نَصَّ الحَنابلةُ على أنَّ الدَّعوةَ تَجبُ إذا كانَ الداعِي كَسبُه طَيِّبٌ، فإنْ كانَ في مالِه حَرامٌ كُرهَ إجابتُه ومُعامَلتُه وقَبولُ هَديَّتِه وهِبتِه وصَدقتِه، وتَقوَى الكَراهةُ وتَضعفُ بحَسبِ كَثرةِ الحَرامِ وقِلتِه. قالَ المِرداويُّ ﵀: في جَوازِ الأكلِ مِنْ مالِ مَنْ في مالِه حَرامٌ أقوالٌ: أحَدُها: التَّحريمُ مُطلقًا، قالَ الأزَجيُّ في نهايتِه: هذا قياسُ المَذهبِ، كما قُلنا في اشتباهِ الأواني الطاهِرةِ بالنَّجسةِ، وهو ظاهرُ تَعليلِ القاضي، وقدَّمَه أبو الخطَّابِ في «الانتِصارِ»، قالَ ابنُ عَقيلٍ في «فُنونِه» في مَسألةِ اشتباهِ الأواني: وقد قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: لا يُعجِبُني أنْ يأكلَ منهُ، وسألهَ المِروزيُّ عن الذي يُعامِلُ بالرِّبا يأكلُ عندَه؟ قالَ: لا، قالَ في «الرِّعايَة الكُبَرى» في آدابِها: ولا يأكلُ مُختلِطًا بحَرامٍ بلا ضَرورةٍ.

стр. 9681

والقَولُ الثاني: إنْ زادَ الحَرامُ على الثُّلثِ حَرُمَ الأكلُ، وإلَّا فلا، قدَّمه في «الرِّعايَة»؛ لأنَّ الثلُثَ ضابطٌ في مَواضعَ. والقَولُ الثالثُ: إنْ كانَ الحَرامُ أكثَرَ حَرُمَ الأكلُ، وإلا فلا؛ إقامةً للأكثَرِ مَقامَ الكلِّ، قطَعَ به ابنُ الجَوزيِّ في «المِنهاج»، نقَلَ الأثرمُ وغيرُ واحدٍ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ فيمَن وَرِثَ مالًا فيه حرامٌ: إنْ عرَفَ شيئًا بعَينِه رَدَّه، وإنْ كانَ الغالِبَ على مالِه الفَسادُ تَنزَّه عنه، أو نحوُ هذا، ونَقلَ حَربٌ في الرجلِ يُخلفُ مالًا: إنْ كانَ غالبُه نهبًا أو ربًا يَنبغي لوارثِه أنْ يَتنزَّه عنه، إلا أنْ يكونَ يَسيرًا لا يُعرَفُ، ونقَلَ عنه أيضًا: هل للرَّجلِ أنْ يَطلبَ مِنْ وَرثةِ إنسانٍ مالًا مُضارَبةً يَنفعُهما ويَنتفعُ؟ قالَ: إنْ كانَ غالبُه الحرامَ فَلا. والقَولُ الرابعُ: عَدمُ التَّحريمِ مُطلقًا، قَلَّ الحَرامُ أو كَثُرَ، لكنْ يُكرهُ وتَقوَى الكراهةُ وتَضعفُ بحَسبِ كَثرةِ الحَرامِ وقلَّتِه، جزَمَ به في «المُغنِي»، و «الشَّرح»، وقالَه ابنُ عَقيلٍ في فُصولِه وغيرُه، وقدَّمَه الأزَجيُّ وغيرُه، قلتُ: وهو المَذهبُ على ما اصطَلحْناه في الخُطبةِ، وأطلَقَهنَّ في «الفُروع» في بابِ صَدقةِ التطوُّعِ و «الآداب الكُبرى» و «القَواعِد الأُصولية»، قالَ في «الفُروع»: ويَنبني على هذا الخِلافِ حُكمُ مُعامَلتِه وقَبولُ صدَقتِه وهِبتِه وإجابةُ دَعوتِه ونحوُ ذلكَ، وإنْ لم يَعلمْ أنَّ في المالَ حَرامًا فالأصلُ الإباحةُ، ولا تَحريمَ بالاحتِمالِ، وإنْ كانَ تركُه أَولى؛ للشَّكِّ، وإنْ قَوِيَ سَببُ التحريمِ فظَنُّه يَتوجهُ فيهِ كآنيةِ أهلِ الكِتابِ وطَعامِهم. انتهى.

стр. 9682

قلتُ: الصوابُ التَّركُ، وأنَّ ذلكَ يَنبني على ما إذا تَعارضَ الأصلُ والظاهِرُ، وله نِظائرُ كَثيرةٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا اشتَرَى ممَّن في مالِه حَرامٌ وحَلالٌ كالسُّلطانِ الظالمِ والمُرابِي فإنْ عَلِمَ أنَّ المَبيعَ مِنْ حَلالِ مالِه فهو حَلالٌ، وإنْ عَلِمَ أنه حرامٌ فهو حَرامٌ، ولا يُقبَلُ قولُ المُشتِري عليهِ في الحُكمِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ ما في يَدِ الإنسانِ مِلكُه، فإنْ لم يَعلمْ مِنْ أيِّهما هوَ كَرهْناهُ؛ لاحتِمالِ التحريمِ فيهِ، ولم يَبطلِ البيعُ؛ لإمكانِ الحَلالِ، قَلَّ الحَرامُ أو كَثُرَ، وهذا هو الشُّبهةُ، وبَقدرِ قلَّةِ الحَرامِ وكَثرتِه تكونُ كَثرةُ الشبهةِ وقلَّتُها. قالَ أحمَدُ: لا يُعجِبُني أنْ يأكلَ منهُ؛ لِمَا روَى النُّعمانُ بنُ بشيرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «الحَلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ، وبينَهُما أمورٌ مُشتبِهاتٌ لا يَعلمُها كَثيرٌ مِنْ الناسِ، فمَن اتَّقَى الشُّبهاتِ استَبرأَ لدِينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبهاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرتعَ فيهِ، ألَا وإنْ لكُلِّ مَلكٍ حمًى، وحمَى اللهِ مَحارمُه» مُتفَقٌ عليه، وهذا لفظُ رِوايةِ مُسلمٍ، وفي لَفظِ روايةِ البُخاريِّ: «فمَن ترَكَ ما اشتبهَ عليهِ كانَ لِمَا استَبانَ أترَكُ، ومَن اجتَرأَ على ما يَشكُّ فيه مِنْ المَآثمِ أوشَكَ أنْ يُواقِعَ ما استَبانَ»، ورَوى الحسَنُ بنُ عليٍّ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ (٢).

стр. 9683

وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: مُعامَلةُ مَنْ في مالِه حلالٌ وحَرامٌ مُختلطٌ، فإنْ كانَ أكثرَ مالِه الحَرامُ فقالَ أحمَدُ: يَنبغِي أنْ يَتجنَّبَه إلا أنْ يكونَ شَيئًا يَسيرًا أو شيئًا لا يُعرَفُ، واختَلفَ أصحابُنا هل هو مَكروهٌ أو مُحرَّمٌ؟ على وَجهينِ، وإنْ كانَ أكثَرَ مالِه الحَلالُ جازَتْ مُعامَلتُه والأكلُ مِنْ مالِه، وقد روَى الحارِثُ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ في جَوائزِ السُّلطانِ: «لا بأسَ بها، ما يُعطيكُم مِنْ الحلالِ أكثَرُ ممَّا يُعطيكُم مِنْ الحَرامِ»، وكانَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه يُعامِلونَ المُشركينَ وأهلَ الكِتابِ معَ عِلمِهم بأنهم لا يَجتنبونَ الحَرامَ كلَّه، وإنِ اشتَبهَ الأمرُ فهو شُبهةٌ والوَرعُ تَركُه، قالَ سفيانُ: لا يُعجبنُي ذلكَ، وتَركُه أعجَبُ إليَّ، وقالَ الزُّهريُّ ومَكحولٌ: لا بأسَ أنْ يُؤكلَ منه ما لم يُعرَفْ أنه حَرامٌ بعَينِه، فإنْ لم يُعرَفْ في مالِه حَرامٌ بعَينِه ولكنْ عُلمَ أنَّ فيه شُبهةً فلا بأسَ بالأكلِ منهُ، نَصَّ عليهِ أحمَدُ في رِوايةِ حَنبلٍ. وذهَبَ إسحاقُ بنُ رَاهويهِ إلى ما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ وسَلمانَ وغيرِهما مِنْ الرُّخصةِ، وإلى ما رُويَ عن الحسَنِ وابنِ سِيرينَ في إباحةِ الأخذِ بما يَقضِي مِنْ الرِّبا والقِمارِ، ونقَلَه عن ابنُ مَنصورٍ، وقالَ الإمامُ أحمَدُ في المالِ المُشتبهِ حلالُه بحَرامِه: إنْ كانَ المالُ كثيرًا أخرَجَ منه قدْرَ الحَرامِ وتصرَّفَ في الباقي، وإنْ كانَ المالُ قَليلًا اجتَنبَه كلَّه؛ وهذا لأنَّ القَليلَ إذا تَناولَ منه شَيئًا فإنه يَتعذَّرُ معه السلامةُ مِنْ الحَرامِ، بخِلافِ الكَثيرِ. ومِن أصحابِنا مَنْ حمَلَ ذلكَ على الوَرعِ دُونَ التحريمِ، وأباحَ التصرُّفَ

стр. 9684

في القليلِ والكَثيرِ بعدَ إخراجِ قَدرِ الحَرامِ منه، وهو قولُ الحَنفيةِ وغيرِهم، وأخَذَ به قَومٌ مِنْ أهلِ الوَرعِ، منهُم بِشرٌ الحافِيُّ، ورخَّصَ قومٌ مِنْ السَّلفِ في الأكلِ ممَّن يعلَمُ في مالِه حَرامٌ ما لم يعلَمْ أنه مِنْ الحَرامِ بعَينِه، فصَحَّ كما تقدَّمَ عن مَكحولٍ والزُّهريِّ، ورُويَ مثلُه عن الفُضيلِ بنِ عِياضٍ، ورُويَ في ذلكَ آثارٌ عن السَّلفِ، فصَحَّ عن ابنِ مَسعودٍ أنه سُئلَ عمَّن له جارٌ يأكلُ الربا عَلانيةً ولا يَتحرَّجُ مِنْ مالٍ خَبيثٍ يأخُذُه يَدعُوه إلى طَعامٍ قالَ: «أَجيبوهُ، فإنما المَهنأُ لكُم والوِزرَ عليهِ»، وفي رِوايةٍ أنه قالَ: «لا أعلَمُ له شيئًا إلا خبيثًا أو حَرامًا، فقالَ: أَجيبوهُ»، وقد صحَّحَ الإمامُ أحمَدُ هذا عن ابنِ مَسعودٍ، ولكنَّه عارَضَه عارضٌ بما رُويَ عنه أنه قالَ: «الإثمُ حَوَّازُ القُلوبِ»، ورُويَ عن سلمانَ مثلُ قولِ ابنِ مَسعودٍ الأولِ، وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ والحسَنِ البصريِّ ومُورِّقٍ العجليِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ وابنِ سيرينَ وغيرِهم، والآثارُ بذلكَ مَوجودةٌ في كتابِ «الأدَب» لحُميدِ بنِ زِنْجَويهِ، وبعضُها في كتابِ «الجامِع» للخلَّالِ، وفي مُصنَّفِي عبدِ الرزاقِ وابنِ أبي شَيبةَ وغيرِهم. ومتَى عُلِمَ أنَّ عينَ الشيءِ حَرامٌ أُخذَ بوَجهٍ مُحرَّمٍ فإنه يَحرمُ تَناولُه، وقد حَكى الإجماعَ على ذلكَ ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه، وقد رُويَ عنِ ابنِ سِيرينَ في الرَّجلِ يُقضَى مِنْ الربا قالَ: لا بأسَ بهِ، وعنِ الرَّجلِ يُقضَى مِنْ القِمارِ قالَ: لا بأسَ بهِ، خرَّجَه الخلَّالَ بإسنادٍ صَحيحٍ، ورُويَ عن الحسَنِ خِلافُ هذا، وأنه قالَ: إنَّ هذهِ المَكاسبَ قد فسَدَتْ، فخُذُوا مِنها ما أشبَهَ المُضطرَّ، وعارَضَ المَرويَّ عن ابنِ مَسعودٍ وسَلمانَ ما رُويَ عن

стр. 9685

أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵁: «أكَلَ طَعامًا ثم أُخبِرَ أنه مِنْ حَرامٍ فاستَقاءَه» (١). وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: مُعامَلةُ مَنْ أكثرُ مالِه حَرامٌ إذا لم يَعرفْ عيْنَه لا يَحرمُ في الأصَحِّ، لكنْ يُكرهُ، وكذا الأخَذُ مِنْ عَطايا السُّلطانِ إذا غلَبَ الحَرامُ في يَدِه، كما قالَ في «شَرْح المُهذَّبِ»: إنَّ المَشهورَ فيهِ الكَراهةُ لا التحريمُ، خِلافًا للغَزاليِّ (٢). وسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: ما حُكمُ عَطايا أربابِ وِلاياتِ زَمانِنا؟ فأجابَ بقَولِه: عَطايا الوُلاةِ قَبِلَها قَومٌ مِنْ السَّلفِ، وتَورَّعَ عنها آخَرونَ، فيَجوزُ قَبولُها ما لم يَتحقَّقْ في شَيءٍ منها أنه مُحرَّمٌ كمكْسٍ أو نحوِه، فلا يَجوزُ قَبولُه، وأمَّا مع عَدمِ ذلكَ التحقُّقِ فالقَبولُ جائزٌ، وأما قَولُ الغزاليِّ: «لا يَجوزُ مُعامَلةُ مَنْ أكثَرُ مالِه حَرامٌ» فضَعيفٌ كما قالَهُ النَّوويُّ في «شَرْح المُهذَّبِ»، بل المُعتمَدُ جَوازُ مُعامَلتِه والأكلُ ممَّا لم يَتحقَّقْ حُرمتَه مِنْ مالِه. وإذا أكَلَ إنسانٌ شَيئًا فبانَ أنه مِلكٌ لغَيرِه فهل يُطالَبُ به في القِيامةِ؟ قالَ البَغويُّ: إنْ كانَ ظاهِرُ مَطعمِه الخيرَ لم يُطالَبْ به الآكِلُ، وإنْ كانَ ظاهِرُه خِلافَ ذلكَ -أي: كأربابِ الولاياتِ- طُولِبَ -أي: لعَدمِ عُذرِه-، فلا يَنبغِي الهُجومُ على أكلِ أموالِ الوُلاةِ وإنْ جازَ بقَيدِه السابقِ، بل يَنبغِي التنزُّهُ

стр. 9686

عنه؛ حَذرًا مِنْ أنْ لا يكونَ لهُم، فيُطالَبَ به الآكلُ في الآخِرةِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: مُعامَلةُ مَنْ أكثرُ مالِه حرامٌ ولم يَتحقَّقِ المأخوذُ مِنْ مالِه عيْنَ الحَرامِ فلا تَحرمُ مُبايَعتُه؛ لإمكانِ الحَلالِ وعَدمِ التَّحريمِ، ولكنْ يُكرهُ؛ خَوفًا مِنْ الوُقوعِ في الحَرامِ، كذا في «فَتْح القَديرِ» (٢). وقالَ الإمامُ العدَويُّ المالِكيُّ ﵀: وأمَّا مَنْ جُلِّ مالِه حَرامٌ فمَمنوعٌ، وقيلَ: مَكروهٌ، وأما مَنْ جَميعُ مالِه حرامٌ فقالَ الشيخُ سُليمانُ في «شَرْح الإرشادِ»: يَحرمُ الأكلُ منه وقَبولُ هِبتِه ومُعامَلتِه، أي: إنْ عَلِمَ أنَّ ما أطعَمَه أو وهَبَه قد اشتِراهُ -أي: بعَينِ الحَرامِ-، وأما إنِ اشتراهُ بثَمنٍ في ذمَّتِه ثم دفَعَ فيه عيْنَ الحرامِ فإنه لا يَحرمُ أكلُه، وأما إنْ كانَ قد وَرِثَه أو وهبَ ذلكَ جازَ، أي: ما لم يَكنْ عيْنَ الحَرامِ، ويُفهَمُ ممَّا ذُكرَ أنه لو شَكَّ هل اشتِراهُ أو وهبَ له أنه لا يَحرمُ (٣). حُكمُ مَنْ دُعيَ إلى وَليمتَينِ: نَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الإنسانَ إذا دَعاهُ اثنانِ إلى وَليمتينِ فإنْ سبَقَ أحَدُهما .. قدَّمَ إجابتَه، وإنْ لم يَسبِقْ أحَدُهما .. قدَّمَ أقرَبَهما إليهِ دارًا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في قولٍ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لِمَا

стр. 9687

رُويَ أنَ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا اجتمَعَ الدَّاعِيَانِ فأَجِبْ أقرَبَهُما بابًا، فإنَّ أقرَبَهُما بابًا أقرَبُهما جِوارًا، وإنْ سبَقَ أحَدُهما فأَجِبِ الذي سبَقَ» (١). وقالَ الشافِعيةُ في القَولِ الثانِي: إنهُما إذا تَساويَا في السَّبقِ .. أجابَ أقرَبَهما رَحِمًا، فإنِ استَويَا في الرحِمِ .. أجابَ أقرَبَهما دارًا. قالَ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ ثبَتَ الخبَرُ .. فأقرَبُهما دارًا أَولى؛ لأنه لم يُفرِّقْ بينَ أنْ يكونَ أقرَبَهما رَحِمًا أو أبعَدَ، فإنِ استَويَا في ذلكَ .. أقرعَ بينَهما؛ لأنه لا مَزيةَ لأحَدِهما على الآخَرِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: إنْ دَعاهُ اثنانِ فأكثَرُ وجَبَ عليه إجابةُ الكُلِّ إنْ أمكَنَه الجَمْعُ بأنِ اتَّسعَ الوقتُ، وإلَّا يُمكِنِ الجَمعُ أجابَ الأسبَقَ قَولًا؛ لوُجوبِ إجابتِه بدُعائِه، فلا يَسقطُ بدُعاءِ مَنْ بعدَه، ولأنَّ إجابتَه وجَبَتْ حينَ دَعاهُ، فلمْ يَزُلِ الوُجوبُ بدُعاءِ الثاني، ولم تَجبْ إجابةُ الثاني؛ لأنها غيرُ مُمكِنةٌ معَ إجابةِ الأولِ. فإنْ لم يَكنْ سَبقٌ حيثُ لم يُمكِنِ الجَمعُ فالأَدْيَنَ مِنْ الدَّاعيينِ؛ لأنه الأكرَمُ عندَ اللهِ، فإنْ استَوَوا في الدِّينِ فالأقرَبَ رَحِمًا؛ لِمَا في تَقديمِه مِنْ صِلتِه. فإنِ استَوَوا في القَرابةِ أو عَدمِها فالأقربُ جِوارًا؛ لقَولِه ﷺ : «إذا اجتمَعَ الدَّاعِيَانِ فأَجِبْ أقرَبَهُما بابًا، فإنَّ أقرَبَهُما بابًا أقرَبُهما جِوارًا،

стр. 9688

وإنْ سبَقَ أحَدُهما فأَجِبِ الذي سبَقَ» (١)، ولأنه مِنْ بابِ البِرِّ، فقُدِّمَ لهذهِ المعاني. ثمَّ يُقرِعُ إنِ استَويَا أو استَوَوا في ذلكَ فيُقدِّمُ مَنْ خرَجَتْ له القُرعةُ؛ لأنها تُميِّزُ المُستحِقَّ عندَ استِواءِ الحُقوقِ (٢). حُكمُ النَّثرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النِّثارِ والتِقاطُه هل هو مَكروهٌ أم مُباحٌ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُكرَهُ النثارُ والتِقاطُه؛ «لأنه ﷺ نَهَى عن النُّهْبَى والمُثلَةِ» (٣)، ولأنَّ فيه دَناءةً. قالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ نَثرُ اللَّوزِ والسُّكرِ ونَحوِه في الوَليمةِ إذا أحضَرَه صاحبُه للنُّهبةِ ولم يأخُذْ أحَدٌ شيئًا ممَّا يَحصلُ في يَدِ صاحبِه؛ لِمَا جاءَ مِنْ النهيِّ عن النُّهبةِ، وأمَّا إنْ أحضَرَه صاحِبُه للنُّهبةِ أو لا للنُّهبةِ وكانَ يأخذُ بعضُهم مِنْ يَدِ بعضٍ فحَرامٌ، وأمَّا إحضارُه في إناءٍ مِنْ غيرِ نَثرٍ فإنْ خَصَّ به أعيانَ الناسِ دونَ غيرِهم حَرُمَ، وإنْ كانَ يأكلُ منه جَميعُ الناسِ بهَداوةٍ فهو جائزٌ. وما يُنثَرُ عليهم ليَأكلوهُ على وَجهِ ما يُؤكَلُ دُونَ أنْ يُنتهَبَ فانتِهابُه حَرامٌ

стр. 9689

لا يَحلُّ ولا يَجوزُ؛ لأنَّ مُخرِجَه إنما أرادَ أنْ يَتساوَوْا في أكلِه على وَجهِ ما يُؤكلُ، فمْن أخَذَ منهُ أكثَرَ ممَّا كانَ يأكلُ منه مع أصحابِه على وَجهِ الأكلِ فقدْ أخَذَ حَرامًا وأكَلَ سُحتًا لا مِريَةَ فيهِ ودخَلَ تحتَ الوَعيدِ، وأمَّا ما يُنثَرُ عليهِم ليَنتهِبوهُ فقدْ كَرهَه مالكٌ، وأجازَهُ غيرُه وتأوَّلَ أنَّ النهيَ عن الانتهابِ إنما مَعناهُ انتِهابُ ما لم يُؤذَنْ في انتهابِه (١). وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀ في نَثرِ السُّكرِ واللَّوزِ والجَوزِ: (لو تركَ .. كانَ أحَبَّ إليَّ؛ لأنه يُؤخَذُ بخِلسةٍ ونُهبةٍ، ولا يَتبيَّنُ لي أنه حَرامٌ). قالَ العَمرانِيُّ ﵀: وجُملةُ ذلكَ أنَّ نثْرَ السُّكرِ واللَّوزِ والجَوزِ والزَّبيبِ والدَّراهمِ والدنانيرِ وغيرِ ذلكَ لا يُستحَبُّ، بل يُكرَهُ، ورُويَ: «أنَّ أبا مَسعودٍ الأنصاريَّ ﵁ كانَ إذا نثَرَ للصِّبيانِ .. يَمنعُ صِبيانَه عن التِقاطِه، واشتَرَى لهم»، وبه قالَ عطاءٌ وعِكرمةُ وابنُ سِيرينَ وابنُ أبي ليلَى ومالكٌ. وقالَ أبو حَنيفةَ والحَسنُ البَصريُّ وأبو عُبيدٍ وابنُ المُنذِرِ: لا يُكرَهُ. وقالَ القاضي أبو القاسِمِ الصّيمريُّ: يُكرهُ التِقاطُه، وأما النَّثرُ نَفسُه فمُستحَبٌّ، وقد جَرَتِ العادةُ للسَّلفِ بهِ، ورُويَ «أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا زوَّجَ عليًّا ﵁ وأرضاهُ فاطِمةَ ﵂ وأرضاهَا نثَرَ عَليهِما»، والأولُ هو المَشهورُ، والدليلُ عليهِ أنَّ النثارَ يُؤخَذُ نُهبةً ويُزاحَمُ

стр. 9690

عليهِ، وربُّما أخَذَه مَنْ يَكرهُه صاحبُه، وفي ذلكَ دَناءةٌ وسُقوطُ مُروءةٍ، وما ذكَرَه الصيمريُّ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنه لا فائِدةَ في نَثرٍ إذا كانَ يكرهُ التقاطهُ. فإنْ خالَفَ ونثَرَ فالتَقطَه رَجلٌ .. فهل للذي نثَرَه أنْ يَسترجِعَه؟ فيهِ وجهانِ حكاهُما الدَّاركيُّ: أحَدُهما: له أنْ يَسترجِعَه؛ لأنه لم يُوجَدْ منهُ لفظٌ يُملكُ به. والثَّاني: ليسَ له أنْ يَسترجعَه، وهو اختِيارُ المَسعوديِّ في «الإبانة»؛ لأنه نثرٌ للتملُّكِ بحُكمِ العادةِ. قالَ المَسعوديُّ في «الإبانَة»: لو وقَعَ في حِجْرِ رَجلٍ .. كانَ أحَقَّ به، فلو التَقطَه آخَرُ مِنْ حِجرِه .. أو قامَ فسقَطَ مِنْ حِجرِه فهل يَملكُه المُلتقِطُ؟ الصحيحُ أنه لا يَملكُه. قالَ الشيخُ أبو حامدٍ: وحُكيَ أنَّ أعرَبيًّا تزوَّجَ امرأةً فنثَرَ على رأسِهِ زَبيبًا وأنشَدَ يَقولُ: ولمَّا رأيْتُ السُّكرَ العامَ قد غَلا … وأيقَنْتُ أنِّيَ لا مَحالةَ ناكِحُ نَثرْتُ على رأسِي الزَّبيبَ لصُحبَتِي … وقلتُ: كُلُوا أكلُ الحَلاوةِ صالِحُ قالَ أبو العبَّاسِ: ولا يُكرَهُ للمُسافرينَ أنْ يَخلطُوا أزوادَهُم ويَأكلُوا وإنْ أكَلَ بعضُهم أكثَرَ مِنْ بَعضٍ، بخِلافِ النِّثارِ؛ لأنَّ النثارَ يُؤخَذُ بقِتالٍ وازدحامٍ، بخِلافِ الزَّادِ (١).

стр. 9691

وقالَ الحَنابلةُ: وكُرِهَ النثارُ في العُرسِ وغيرِه؛ لِمَا فيه مِنْ النُّهبةِ «وقد نهَى ﵊ عن النُّهبَى والمُثلةِ»، والتِقاطُه دَناءةٌ وإسقاطُ مُروءةٍ، واللهُ يُحِبُّ مَعاليَ الأمورِ ويَكرهُ سَفْسافَها، ولأنَّ فيه تَزاحُمًا وقِتالًا، وقد يأخُذُه مَنْ غيرُه أحَبُّ إلى صاحِبِه، ومَن حصَلَ في حِجرِه منه شيءٌ أو أخَذَه فلهُ ولو لم يَقصدْ تملُّكَه؛ لأنَّ مالِكَه قصَدَ تَمليكَه لمَن حازَه، وقد حازَه مَنْ أخَذَه وحصَلَ في حِجرهِ، فيَملكُه، كما لو وثَبَتْ سَمكةٌ في البَحرِ فوقَعَتْ في حِجرِه، وكذا لو دخَلَ صيدٌ دارَه أو خَيمتَه فأغلَقَ عليه البابَ، وليسَ لأحَدٍ أخذُه منه، فإنْ قسَمَ الآخذُ للنِّثارِ ما أخَذَه على الحاضِرينَ لم يُكرهْ له ولا لهم؛ لأنَّ الحقَّ له وقد أباحَهُ لهم، وكذلكَ إنْ وضَعَه بينَ أيديهم وأَذِنَ لهم في أخذِه على وَجهٍ لا يَقعُ فيه تَناهُبٌ فيُباحُ؛ لعَدمِ مُوجِبِ الكَراهةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها أبو بكرٍ وهو اختِيارُ ابنِ عبدِ البَرِّ وابنِ العرَبيِّ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه يُباحُ نِثارُ الجَوزِ واللوزِ والسُّكرِ والتِقاطُه بلا كَراهةٍ؛ «لأنه ﷺ نحَرَ خمْسَ بَدناتٍ وقالَ: مَنْ شاءَ اقتَطعَ» (٢)، وهذا جارٍ مَجرَى النِّثارِ؛ لأنه نَوعُ إباحةٍ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: (والنِّثارُ مَكروهٌ؛ لأنه شبَهُ النُّهبةِ، وقد يأخُذُه مَنْ غيرُه أحَبُّ إلى صاحبِ النِّثارِ منه).

стр. 9692

اختَلفتِ الرِّوايةُ عن أحمَدَ في النِّثارِ والتِقاطِه، فرُويَ أنَّ ذلكَ مَكروهٌ في العُرسِ وغيرِه، ورُويَ ذلكَ عن أبي مَسعودٍ البَدرِي وعِكرمةَ وابنِ سيرينَ وعطاءٍ وعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الخطْميِّ وطَلحةَ وزُبيدٍ الياميِّ، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ. ورُويَ عن أحمَدَ رِوايةٌ ثانيةٌ: ليسَ بمَكروهٍ، اختارَها أبو بكرٍ، وهو قولُ الحسَنِ وقَتادةَ والنخَعيِّ وأبي حَنيفةَ وأبي عُبيدٍ وابنِ المُنذرِ؛ لِمَا روَى عبدُ اللهِ بنُ قُرطٍ قالَ: «قُرِّبَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ خَمسُ بدَناتٍ أو سِتٌّ، فطَفِقنَ يَزدَلفْنَ إليه بأيِّتهنَ يَبدأُ، فنحَرَها رسولُ اللهِ ﷺ وقالَ كلمةً لم أسمَعْها، فسألتُ مَنْ قَرُبَ منه فقالَ: قالَ: مَنْ شاءَ اقتَطعَ» رواه أبو داودَ، وهذا جارٍ مَجرَى النِّثارِ، وقد رُويَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ دُعِيَّ إلى وَليمةِ رَجلٍ مِنْ الأنصارِ، ثم أتَوا بنَهبٍ، فأنهَبَ عليهِ، قالَ الراوِي: ونظَرْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُزاحِمُ الناسَ أو نحوَ ذلكَ، قلتُ يا رَسولَ اللهِ أوَمَا نَهيتَنا عن النُّهبةِ، قالَ: نَهيتُكم عن نُهبةِ العَساكرِ»، ولأنه نوعُ إباحةٍ، فأشبَهَ إباحةَ الطعامِ للضِّيفانِ. ولنَا: ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «لا تَحلُّ النُّهبَى والمُثلةُ» رواه البُخاريُّ، وفي لفظٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن النُّهبَى والمُثلةِ»، ولأنَّ فيه نَهبًا وتَزاحمًا وقِتالًا، وربَّما أخَذَه مَنْ يَكرهُ صاحبُ النِّثارِ لحِرصِه وشَرَهِه ودَناءةِ نفْسِه، ويُحرَمُه مَنْ يحبُّ صاحبُه لمُروءَتِه وصيانةِ نفسِه وعِرضِه، والغالِبُ هذا؛ فإنَّ أهلَ المُروءاتِ يَصونونَ أنفُسَهم عن مُزاحَمةِ

стр. 9693

سفَلةِ الناسِ على شيءٍ مِنْ الطَّعامِ أو غيرِه، ولأنَّ في هذا دَناءةٌ، واللهُ يُحبُّ مَعاليَ الأمورِ ويَكرهُ سَفسافَها. فأمَّا خبَرُ البَدناتِ فيَحتملُ أنَّ النبيَّ ﷺ عَلِمَ أنه لا نُهبةَ في ذلكَ؛ لكَثرةِ اللَّحمِ وقلَّةِ الآخِذينَ، أو فعَلَ ذلكَ لاشتغالِه بالمَناسكِ عن تَفريقِها. وفي الجُملةِ فالخِلافُ إنما هو في كَراهيةِ ذلكَ، وأمَّا إباحتُه فلا خِلافَ فيها ولا في الالتِقاطِ؛ لأنه نَوعُ إباحةٍ لمالِه، فأشبَهَ سائرَ الإباحاتِ. مَسألةٌ: قالَ: (فإنْ قَسمَ على الحاضِرينَ فلا بأسَ بأخذِه) كذا رُويَ عن أبي عبدِ اللهِ ﵀ أنَّ بعضَ أولادِه حذَقَ فقسَمَ على الصبيانِ الجوزَ، وأمَّا إذا قسَمَ على الحاضِرينَ ما يُنثَرُ مثلَ اللوزِ والسُّكرِ وغيرِه فلا خِلافَ أنَّ ذلكَ حسَنٌ غيرُ مَكروهٍ، وقد رُويَ عن أبي هُريرةَ قالَ: «قسَمَ النبيُّ ﷺ يَومًا بين أصحابِه تَمرًا، فأعطَى كلَّ إنسانٍ سبْعَ تَمراتٍ، فأعطاني سبعَ تمَراتٍ إحداهُنَّ حَشفةٌ لم تكنْ تَمرةٌ أعجَبُ إليَّ منها شدَّتْ إلى مَضاغِي» رواه البخاريُّ. وكذلكَ إنْ وضَعَه بينَ أيديهِم وأَذِنَ لهم في أخذِه على وجهٍ لا يَقعُ تَناهبٌ فلا يُكرهُ أيضًا. قالَ المَروذيُّ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الجوزِ يُنثَرُ فكَرهِه وقالَ: يُعطونُ يُقسَمُ عليهِم، وقالَ مُحمدُ بنُ عليِّ بنِ بَحرٍ: سَمعتُ حُسْنَ أمَّ وَلدِ أحمَدَ بنِ

стр. 9694

حَنبلٍ تقولُ: لمَّا حذَقَ ابني حسَنٌ قالَ لي مَولاي: حُسْنُ لا تَنثُرِي عليهِ، فاشتَرى تَمرًا وجَوزًا فأرسَلَه إلى المُعلِّمِ، قالَتْ: وعَملتُ أنا عَصيدةً وأطعَمْتُ الفُقراءَ فقالَ: أحسَنتِ أحسَنتِ، وفرَّقَ أبو عبدِ اللهِ على الصِّبيانِ الجوزَ لكلِّ واحدٍ خَمسةٌ خَمسةٌ. فصلٌ: ومَن حصَلَ في حِجرِه شَيءٌ مِنْ النِّثارِ فهو له غيرُ مَكروهٍ؛ لأنه مُباحٌ حصَلَ في حِجرِه فملَكَه، كما لو وثَبَتْ سَمكةٌ مِنْ البَحرِ فوقَعَتْ في حِجرِه، وليسَ لأحَدٍ أنْ يأخُذَه مِنْ حِجرِه؛ لِمَا ذكَرْناه (١). حُكمُ تَقبيلِ الخُبزِ: نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ على أنَّ تَقبيلَ الخُبزِ بِدعةٌ مُباحةٌ. قالَ الإمامُ الحَصكَفيُّ الحنَفيُّ ﵀: وأمَّا تَقبيلُ الخُبزِ فحرَّرَ الشافِعيةُ أنه بِدعةٌ مُباحةٌ: وقيلَ: حسَنةٌ، وقالوا: يُكرهُ دَوسُه لا بَوسُه، ذكَرَه ابنُ قاسِمٍ في حَاشيتِه على «شَرحِ المِنهاجِ» لابنِ حَجرٍ في بَحثِ الوَليمةِ، وقَواعِدُنا لا تأباهُ، وجاءَ «لا تَقطعُوا الخُبزَ بالسِّكينِ، وأَكرمُوه؛ فإنَّ اللهَ أكرَمَه» (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يُشرَعُ تَقبيلُ الخُبزِ. قالَ المالِكيةُ: تَعظيمُ الخُبزِ بالتَّقبيلِ وجَعلُه فوقَ الرأسِ غيرُ مَشروعٍ (٣).

стр. 9695

وقالَ الحَنابلةُ: لا يُشرَعُ تَقبيلُ الخُبزِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂: «دخَلَ النبيُّ ﷺ البَيتَ فرَأَى كِسرَةً مُلقاةً، فأخَذَها فمسَحَها، ثمَّ أكَلَها وقالَ: يا عائِشةُ أَكرِمي كَريمًا، فإنها ما نَفَرَتْ عن قَومٍ قطُّ فَعادتْ إِليهم» (١). قالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: فهذا الخبَرُ يَدلُّ على عَدمِ التَّقبيلِ؛ لأنَّ هذا مَحلُّه كما يُفعَلُ في هذا الزَّمانِ (٢). وتُكرَهُ إهانتُه، ومَسحُ يَدَيه به، ووَضعُه تحتَ القَصعةِ (٣).

стр. 9696

كتاب عِشرةِ النِّساءِ والحُقوق بيْنَ الزوجَين والقَسْمِ العِشرةُ بيْنَ الزَّوجَينِ: هي ما يكونُ بَينَ الزَّوجَينِ مِنْ الأُلفةِ والانضِمامِ، وقد أمَرَ اللهُ ورَسولُه ﷺ بالمُعاشَرةِ الحَسَنةِ بَينَ الزَّوجَينِ، فقالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها. والنِّكاحُ عَقدٌ مِنْ العُقودِ الَّتي تَنشأُ بَينَ المُتعاقَدينِ، وكلُّ عَقدٍ مِنْ العُقودِ يَترتَّبُ عليه واجِباتٌ مِنْ قِبَلِ كلِّ طَرفٍ؛ عملًا بمَبدأِ التَّساوي والتَّكافؤِ، فلكُلِّ واحدٍ مِنْ العاقدَينِ -الزَّوجِ والزَّوجةِ- حُقوقٌ، وفي المُقابِلِ عليه واجِباتٌ بمُقتَضى العَقدِ، وقَد بَيَّنَ ذلكَ القُرآنُ الكَريمُ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فيَجبُ على كلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ أنْ يُؤدِّي ما عليه مِنْ الحَقِّ لصاحِبِه بالمَعروفِ ولا يُمطِلَه بهِ، ولا يُظهِرُ الكَراهةَ بل ببِشْرٍ وطَلاقةٍ، ولا يُتبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وهذا مِنْ المَعروفِ، ويُستحبُّ لكُلِّ واحدٍ مِنهُما تَحسينُ الخُلُقِ معَ صاحبِه والرِّفقُ بهِ واحتِمالُ أذاهُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى:

стр. 9697

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] إلى قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قِيلَ: هو كُلُّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «استَوصُوا بالنِّساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاهُ، إنْ ذهَبْتَ تُقِيمُه كَسرْتَه، وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعوَجَ، استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا» (١). فالنَّبيُّ ﷺ حَثَّ على مُلاطَفةِ النِّساءِ والإحسانِ إليهنَّ والصَّبْرِ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ واحتمالِ ضَعفِ عُقولِهنَّ وكراهةِ طلاقِهنَّ بلا سَببٍ، وأنَّه لا يُطمَعُ باستِقامَتِها. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ، وإنَّ لَكُمْ عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ فاضربُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، ولَهنَّ عَليكُم رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (٢). قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قالَ الشَّافعيُّ: وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحِبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنَةِ في طَلبِه، لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه، فأيُّهما مَطَلَ بتأخيرِهِ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ.

стр. 9698

قالَ الماوَرْديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ اللَّهَ تعالَى أوجَبَ للزَّوجةِ على زَوجِها حَقًّا حظَرَ عليهِ النُّشوزَ عنهُ، كما أوجَبَ له عليها مِنْ ذلكَ حَقًّا حظَرَ عليها النُّشوزَ عنهُ، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إشارةً إلى ما أوجَبَه لها مِنْ كُسوةٍ ونَفقةٍ وقَسْمٍ، قالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرَتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها، قالَ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فبَيَّنَ اللَّهُ تعالَى أنَّ لهنَّ حَقًّا وأنَّ عليهنَّ حَقًّا، ولمْ يُرِدْ بقَولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في تَجانُسِ الحَقَّينِ وتَماثُلِهما، وإنَّما أرادَ في وُجوبِهما ولُزومِهما، فكانَ مِنْ حَقِّها عليهِ وُجوبُ السُّكنَى والنَّفقةِ والكُسوةِ. ثمَّ فسَّرَ الشَّافعيُّ قَولَه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقالَ: «وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنةِ في طَلبِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنهُ ليسَ فِعلُ المَكروهِ مِنْ المَعروفِ المأمُورِ بهِ بَينَ الزَّوجَينِ، ولا إلزامُ المُؤنةِ في استِيفاءِ الحَقِّ مَعروفٌ. ثمَّ قالَ: «لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ تأدِيةَ الحقِّ بالكَراهِيةِ وعُبوس الوَجهِ وغَليظ الكَلامِ ليسَ مِنَ المَعروفِ. ثمَّ قالَ: «فأيُّهما مطَلَ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ»، وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّ القادِرَ على أداءِ الحَقِّ ظالمٌ بتَأخيرِه، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ».

стр. 9699

ثمَّ يَدلُّ على ما ذكَرْناهُ مِنْ طَريقِ السُّنةِ ما رَوى مُوسى بنُ عُقبةَ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عَنِ ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أيُّها النَّاسُ إنَّ النِّساءَ عِنْدَكُمْ عِوانٌ، أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللَّهِ واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللَّهِ، فلَكُم عَليهنَّ حَقٌّ ولَهنَّ عَليكُم حَقٌّ، ومِن حَقِّكُم عَليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا ولا يَعصِينَكُم في مَعروفٍ، فإذا فَعلْنَ ذلك فلهُنَّ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ»، فكانَ القَسْمُ مِنْ جُملةِ المَعروفِ الَّذي لهُنَّ. وروَى أبو هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ كانَ له امرأتانِ فمالَ إلى إحْداهما جاءَ يَومَ القيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ». ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «كُلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسؤولٌ عَنْ رَعيَّتِه، فالرَّجلُ راعٍ لأهلِه وهو مَسؤولٌ عَنهُم». ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ كانَ يَقسِمُ بينَ نِسائِه ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسمِي فيما أَملِكُ، فلا تُؤاخذْني فيما لا أملِكُ»، يَعني قَلبَه. ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا مَرِضَ طِيفَ به على نِسائِه مَحمولًا، فلمَّا ثَقُلَ أشفَقْنَ عليه فحَلَلْنَه مِنْ القَسْمِ، ليُقيمَ عندَ عائِشةَ ﵂؛ لمَيلِه إليها، فتُوفِّيَ عندَها ﷺ ، فلذلكَ قالَتْ عائِشةُ ﵂: «تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي وفي يَومِي، ولمْ أَظلِمْ فيه أحَدًا»، فدَلَّ هذا على وُجوبِ القَسْمِ وتَغليظِ حُكمِه (١).

стр. 9700

وبِناءً على ما سبَقَ نُبيِّنُ أحكامَ هذا الكِتابِ فيما يلي: أوَّلًا: حقُّ الزَّوجةِ. ثانِيًا: حقُّ الزَّوجِ. ثالِثًا: الحُقوقُ المُشتَرَكةُ بَينَهما. رابعًا: القَسْمُ بيْنَ الزَّوجاتِ. أولاً: حَقُّ الزَّوجةِ: ممَّا لا شَكَّ فيهِ أنَّ الإسلامَ أَعطَى للمرأةِ حُقوقًا لا تُوجَدُ أيُّ امرأةٍ في أيِّ أُمةٍ مِنْ الأُممِ قدْ حازَت مِثلَ هذهِ الحُقوقِ، وهذه الحُقوقُ تَنقسمُ إلى حُقوقٍ ماليَّةٍ وحُقوقٍ غيرِ ماليَّةٍ. فالحُقوقُ الماليَّةُ كالمَهرِ وقد تَقدَّمَ الكَلامُ عليه مُفصَّلًا، وكالنَّفقةِ وسَيأتي بَيانُها بالتَّفصيلِ. وغيرُ الماليَّةِ كحُسنِ المُعاشَرةِ والمُعامَلةِ الطَّيِّبةِ والعَدلِ بيْنَها وبينَ غَيرِها مِنَ نِسائِه. فاللهُ أمَرَ الرِّجالَ بمُعامَلةِ النِّساءِ بالمَعروفِ، فقالَ اللهُ ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرَتِها بالمَعروفِ تأدِيةُ حقِّها والتَّعديلُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «استَوصُوا بالنِّساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاهُ، إنْ ذهَبْتَ تُقِيمُه كَسرْتَه،
следующие страницы →