← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

كتاب عِشرةِ النِّساءِ والحُقوق بيْنَ الزوجَين والقَسْمِ العِشرةُ بيْنَ الزَّوجَينِ: هي ما يكونُ بَينَ الزَّوجَينِ مِنْ الأُلفةِ والانضِمامِ، وقد أمَرَ اللهُ ورَسولُه ﷺ بالمُعاشَرةِ الحَسَنةِ بَينَ الزَّوجَينِ، فقالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها. والنِّكاحُ عَقدٌ مِنْ العُقودِ الَّتي تَنشأُ بَينَ المُتعاقَدينِ، وكلُّ عَقدٍ مِنْ العُقودِ يَترتَّبُ عليه واجِباتٌ مِنْ قِبَلِ كلِّ طَرفٍ؛ عملًا بمَبدأِ التَّساوي والتَّكافؤِ، فلكُلِّ واحدٍ مِنْ العاقدَينِ -الزَّوجِ والزَّوجةِ- حُقوقٌ، وفي المُقابِلِ عليه واجِباتٌ بمُقتَضى العَقدِ، وقَد بَيَّنَ ذلكَ القُرآنُ الكَريمُ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فيَجبُ على كلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ أنْ يُؤدِّي ما عليه مِنْ الحَقِّ لصاحِبِه بالمَعروفِ ولا يُمطِلَه بهِ، ولا يُظهِرُ الكَراهةَ بل ببِشْرٍ وطَلاقةٍ، ولا يُتبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وهذا مِنْ المَعروفِ، ويُستحبُّ لكُلِّ واحدٍ مِنهُما تَحسينُ الخُلُقِ معَ صاحبِه والرِّفقُ بهِ واحتِمالُ أذاهُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى:

стр. 9697

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] إلى قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قِيلَ: هو كُلُّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «استَوصُوا بالنِّساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاهُ، إنْ ذهَبْتَ تُقِيمُه كَسرْتَه، وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعوَجَ، استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا» (١). فالنَّبيُّ ﷺ حَثَّ على مُلاطَفةِ النِّساءِ والإحسانِ إليهنَّ والصَّبْرِ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ واحتمالِ ضَعفِ عُقولِهنَّ وكراهةِ طلاقِهنَّ بلا سَببٍ، وأنَّه لا يُطمَعُ باستِقامَتِها. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ، وإنَّ لَكُمْ عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ فاضربُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، ولَهنَّ عَليكُم رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (٢). قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قالَ الشَّافعيُّ: وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحِبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنَةِ في طَلبِه، لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه، فأيُّهما مَطَلَ بتأخيرِهِ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ.

стр. 9698

قالَ الماوَرْديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ اللَّهَ تعالَى أوجَبَ للزَّوجةِ على زَوجِها حَقًّا حظَرَ عليهِ النُّشوزَ عنهُ، كما أوجَبَ له عليها مِنْ ذلكَ حَقًّا حظَرَ عليها النُّشوزَ عنهُ، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إشارةً إلى ما أوجَبَه لها مِنْ كُسوةٍ ونَفقةٍ وقَسْمٍ، قالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرَتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها، قالَ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فبَيَّنَ اللَّهُ تعالَى أنَّ لهنَّ حَقًّا وأنَّ عليهنَّ حَقًّا، ولمْ يُرِدْ بقَولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في تَجانُسِ الحَقَّينِ وتَماثُلِهما، وإنَّما أرادَ في وُجوبِهما ولُزومِهما، فكانَ مِنْ حَقِّها عليهِ وُجوبُ السُّكنَى والنَّفقةِ والكُسوةِ. ثمَّ فسَّرَ الشَّافعيُّ قَولَه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقالَ: «وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنةِ في طَلبِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنهُ ليسَ فِعلُ المَكروهِ مِنْ المَعروفِ المأمُورِ بهِ بَينَ الزَّوجَينِ، ولا إلزامُ المُؤنةِ في استِيفاءِ الحَقِّ مَعروفٌ. ثمَّ قالَ: «لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ تأدِيةَ الحقِّ بالكَراهِيةِ وعُبوس الوَجهِ وغَليظ الكَلامِ ليسَ مِنَ المَعروفِ. ثمَّ قالَ: «فأيُّهما مطَلَ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ»، وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّ القادِرَ على أداءِ الحَقِّ ظالمٌ بتَأخيرِه، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ».

стр. 9699

ثمَّ يَدلُّ على ما ذكَرْناهُ مِنْ طَريقِ السُّنةِ ما رَوى مُوسى بنُ عُقبةَ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عَنِ ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أيُّها النَّاسُ إنَّ النِّساءَ عِنْدَكُمْ عِوانٌ، أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللَّهِ واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللَّهِ، فلَكُم عَليهنَّ حَقٌّ ولَهنَّ عَليكُم حَقٌّ، ومِن حَقِّكُم عَليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا ولا يَعصِينَكُم في مَعروفٍ، فإذا فَعلْنَ ذلك فلهُنَّ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ»، فكانَ القَسْمُ مِنْ جُملةِ المَعروفِ الَّذي لهُنَّ. وروَى أبو هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ كانَ له امرأتانِ فمالَ إلى إحْداهما جاءَ يَومَ القيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ». ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «كُلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسؤولٌ عَنْ رَعيَّتِه، فالرَّجلُ راعٍ لأهلِه وهو مَسؤولٌ عَنهُم». ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ كانَ يَقسِمُ بينَ نِسائِه ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسمِي فيما أَملِكُ، فلا تُؤاخذْني فيما لا أملِكُ»، يَعني قَلبَه. ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا مَرِضَ طِيفَ به على نِسائِه مَحمولًا، فلمَّا ثَقُلَ أشفَقْنَ عليه فحَلَلْنَه مِنْ القَسْمِ، ليُقيمَ عندَ عائِشةَ ﵂؛ لمَيلِه إليها، فتُوفِّيَ عندَها ﷺ ، فلذلكَ قالَتْ عائِشةُ ﵂: «تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي وفي يَومِي، ولمْ أَظلِمْ فيه أحَدًا»، فدَلَّ هذا على وُجوبِ القَسْمِ وتَغليظِ حُكمِه (١).

стр. 9700

وبِناءً على ما سبَقَ نُبيِّنُ أحكامَ هذا الكِتابِ فيما يلي: أوَّلًا: حقُّ الزَّوجةِ. ثانِيًا: حقُّ الزَّوجِ. ثالِثًا: الحُقوقُ المُشتَرَكةُ بَينَهما. رابعًا: القَسْمُ بيْنَ الزَّوجاتِ. أولاً: حَقُّ الزَّوجةِ: ممَّا لا شَكَّ فيهِ أنَّ الإسلامَ أَعطَى للمرأةِ حُقوقًا لا تُوجَدُ أيُّ امرأةٍ في أيِّ أُمةٍ مِنْ الأُممِ قدْ حازَت مِثلَ هذهِ الحُقوقِ، وهذه الحُقوقُ تَنقسمُ إلى حُقوقٍ ماليَّةٍ وحُقوقٍ غيرِ ماليَّةٍ. فالحُقوقُ الماليَّةُ كالمَهرِ وقد تَقدَّمَ الكَلامُ عليه مُفصَّلًا، وكالنَّفقةِ وسَيأتي بَيانُها بالتَّفصيلِ. وغيرُ الماليَّةِ كحُسنِ المُعاشَرةِ والمُعامَلةِ الطَّيِّبةِ والعَدلِ بيْنَها وبينَ غَيرِها مِنَ نِسائِه. فاللهُ أمَرَ الرِّجالَ بمُعامَلةِ النِّساءِ بالمَعروفِ، فقالَ اللهُ ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرَتِها بالمَعروفِ تأدِيةُ حقِّها والتَّعديلُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «استَوصُوا بالنِّساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاهُ، إنْ ذهَبْتَ تُقِيمُه كَسرْتَه،

стр. 9701

وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعوَجَ، استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا» (١). فالنَّبيُّ ﷺ حَثَّ على مُلاطَفةِ النِّساءِ والإحسانِ إليهنَّ والصَّبَرِ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ واحتمالِ ضَعفِ عُقولِهنَّ وكَراهةِ طلاقِهنَّ بلا سَببٍ، وأنَّه لا يُطمَعُ باستِقامتِها. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ، وإنَّ لَكُمْ عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ فاضربُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، ولَهنَّ عَليكُم رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (٢). وقالَ ﷺ : «إنَّ لكُم على نِسائِكُم حَقًّا، ولنِسائِكُم عَليكُم حقًّا، فأمَّا حقُّكم على نِسائِكُم فلا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَنْ تَكرهونَ، ولا يَأذنَّ في بُيوتِكُم لمَن تَكرهونَ، ألَا وحَقُّهنَّ عَليكُم أنْ تُحسِنُوا إليهنَّ في كِسوتِهنَّ وطَعامِهنَّ» (٣). وقالَ ﷺ : «خَيرُكُم خَيرُكُم لأهلِه، وأنا خَيرُكُم لأهلي» (٤). وقالَ ﷺ : «خِيارُكُم خِيارُكُم لنِسائِهم» (٥). وبَيانُ أهَمِّ حُقوقِ المرأةِ نذكُرُها ونُبيِّنُها فيما يلي:

стр. 9702

١ - المَبيتُ عندَ زَوجَتِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ امرأةٍ واحدةٍ، هل يَجبُ عليهِ أنْ يَبِيتَ عندَها أم لا يَجبُ؟ وما هو مِقدارُ المَبيتِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشَّافعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّهُ لا يَجبُ عليهِ أنْ يَبِيتَ عندَها، بلْ يُستحبَّ أنْ يَبيتَ عندَها ويَصطحِبَها بالمَعروفِ ويُحصِنَها؛ لأنهُ مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ، ولأنَّ ترْكَه قد يُؤدِّي إلى الفُجورِ، والأفضلُ أنْ لا يُخلِّيَها كلَّ أربَعِ ليالٍ عن ليلةٍ؛ اعتِبارًا بمَن له أربَعُ زَوجاتٍ. قالَ الحَنفيةُ: الرَّجلُ إذا لمْ يَكنْ لهُ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ فتَشاغلَ عنها بالعِبادةِ أو السَّرارِي فظاهِرُ المَذهبِ أنْ لا يَتعيَّنَ مِقدارٌ؛ لأنَّ القَسْمَ معنًى نِسبيٌّ وإيجابُه طَلبُ إيجادِه، وهو يَتوقَّفُ على وُجودِ المُنتسبينَ، فلا يُطلَبُ قبْلَ تَصوُّرِه، بل يُؤمَرُ استِحبابًا أنْ يَبيتَ معها ويَصحَبَها أحيانًا مِنْ غَيرِ تَوقيتٍ. واختارَ الطَّحاويُّ رِوايةَ الحَسنِ عن أبي حَنيفةَ أنَّ لها يَومًا وليلةً مِنْ كلِّ أربَعِ ليالٍ وباقيها له؛ لأنَّ لهُ أنْ يُسقِطَ حقَّها في الثَّلاثِ بتَزوُّجِ ثلاثِ حَرائِرَ، فإنْ كانَتِ الزَّوجةُ أمَةً فلها يَومٌ ولَيلةٌ في كُلِّ سَبعٍ. وما رَواهُ الحسَنَ هو قولُ الإمامِ أوَّلًا ثمَّ رجَعَ عنهُ وقالَ: ليسَ بشيءٍ؛ لأنهُ لو تَزوَّجَ أربَعًا فطالَبْنَه بالواجِبِ يَكونُ لكلِّ واحِدةٍ ليلةٌ مِنْ الأربَعِ، فلو جَعلْنا هذا حقًّا لِكلِّ واحِدةٍ لَكانَ لا يَتفرَّغُ لأفعالِه.

стр. 9703

فلَمْ يُؤقِّتْ لها وَقتًا، وإنِّما يَجعَلُ لها ليلةً مِنْ الأيَّامِ بقَدرِ ما يُحسِنُ مِنْ ذلك (١). وقالَ المالكيَّةُ في المَذهبِ: لا يَجبُ على الرَّجلِ إذا كانَ عندَه زَوجةٌ واحِدةٌ أنْ يَبيتَ عندَها، بلْ يُندَبُ، بشَرطِ أنْ لا يَقصِدَ الإضرارَ بعَدمِ المَبيتِ، وإذا شَكَتِ الوِحدةَ ضُمَّتْ إلى جَماعةٍ، إلَّا أنْ يَكونَ تَزوَّجَها على ذلكَ، وسَكَّنَها بينَ قَومٍ صالِحينَ. واختارَ جَمعٌ كابنِ عَرَفةَ والحَطَّابِ وغَيرِهما وُجوبَ المَبيتِ عندَها أو يُحضِرَ لها مُؤنِسةً؛ لأنَّ ترْكَها وحْدَها ضَررٌ بها، ولا سِيِّما إذا كانَ المَحلُّ يُتوقَّعُ منهُ الفَسادُ أو الخَوفُ مِنْ نحوِ اللُّصوصِ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ كانَتْ له زَوجةٌ واحِدةٌ لا يَجبُ عليهِ أنْ يَبيتَ عندَها، ولا إثمَ عليهِ؛ لأنَّ المَبيتَ حَقُّه فجازَ لهُ تَركُه كسُكنَى الدَّارِ المُستأجَرةِ، ولأنَّ في داعِيَةِ الطَّبعِ ما يُغنِي عنْ إيجابِه. ولكنْ يُستحبُّ أنْ يَبيتَ عندَها ويُحصِنَها؛ لأنهُ مِنَ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ، ولأنَّ ترْكَه قدْ يُؤدِّي إلى الفُجورِ.

стр. 9704

وأَولَى دَرجاتِ الواحِدةِ أنْ لا يُخلِّيَها كلَّ أربَعِ لَيالٍ عنْ ليلةٍ؛ اعتِبارًا بمَن له أربَعُ زَوجاتٍ، والأَولَى أنْ يَنامَا في فِراشٍ واحدٍ إذا لم يَكنْ لأحَدِهما عُذرٌ في الانفِرادِ، سِيَّما إذا عرفَ حِرصَها على ذلكَ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ -وهي رِوايةُ الحسَنِ عن أبي حَنيفةَ- إلى أنَّه يَجبُ عليهِ أنْ يَبيتَ عندَها لَيلةً مِنْ كلِّ أربَعٍ. قالَ الحَنابلةُ: ويَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَبيتَ في المَضجَعِ لَيلةً مِنْ كُلِّ أربَعِ لَيالٍ عندَ الحُرَّةِ؛ لمَا رَوى كَعبُ بنُ سَوَّارٍ أنَّه كانَ جالِسًا عندَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ فجاءَتِ امرأةٌ فقالَتْ: يا أميرَ المُؤمنينَ ما رأيْتُ رَجلًا قَطُّ أفضَلَ مِنْ زَوجِي، واللَّهِ إنه لَيَبيتُ ليلَهُ قائِمًا ويَظلُّ نهارَه صائِمًا، فاستَغفرَ لها وأثنَى عليهَا، واستَحْيَتِ المرأةُ وقامَتْ راجِعةً، فقالَ كَعبٌ: يا أميرَ المُؤمنينَ هَلَّا أَعْدَيْتَ المرأةَ على زَوجِها، فقالَ: وما ذاكَ؟ فقالَ: إنها جاءَتْ تَشكوهُ؛ إذا كانَ هذا حالُه في العِبادةِ متى يَتفرَّغُ لها، فبعَثَ عُمرُ إلى زَوجِها، وقالَ لكَعبٍ: اقْضِ بَينَهما، فإنَّكَ فَهمْتَ مِنْ أمرِهما ما لم أفهَمْه، قالَ: فإنِّي أرَى أنهَا امرأةٌ عليها ثلاثُ نِسوةٍ وهي رابعَتُهنَّ، فأقضِي له بثلاثةِ أيَّامٍ ولَياليهنَّ يَتعبَّدُ فيهنَّ، ولها يَومٌ ولَيلةٌ، فقالَ عُمرُ: واللَّهِ ما رَأيُكَ الأوَّلُ بأَعجَبَ إليَّ مِنْ الآخَرِ، اذهَبْ فأنتَ قاضٍ على البَصرةِ، وفي لفظٍ قالَ:

стр. 9705

نِعمَ القاضي أنتَ» (١)، وهذهِ قَضيَّةٌ اشتَهرَتْ ولم تُنكَرْ فكانَتْ كالإجماعِ. يُؤيِّدُه قَولُه ﷺ لعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ: «إنَّ لِجَسدِكَ عليكَ حقًّا، ولزَوجِكَ عليكَ حقًّا» مُتفَقٌ عليهِ. ولأنهُ لو لم يَكنْ حقًّا لم تَستحِقَّ فسْخَ النِّكاحِ لتَعذُّرِه بالجَبِّ والعُنَّةِ وامتِناعِه بالإيلاءِ، ولأنهُ لو لم يَكنْ حقًّا للمرأةِ لَمَلَكَ الزَّوجُ تَخصيصَ إحدَى زَوجتَيه به كالزِّيادةِ في النَّفقةِ على قَدرِ الواجِبِ. ومَحلُّ وُجوبِ ما ذُكرَ للحُرَّةِ إنْ طَلبَتْ ذلك منهُ؛ لأنَّ الحَقَّ لها، فلا يَجبُ بدونِ الطَّلبِ. وللزَّوجِ الانفِرادُ في البقيَّةِ بنَفسِه أو معَ سَريَّتِه، وإذا كانَ لهُ زَوجتانِ كانَ لهُ الانفرادُ في لَيلتَينِ أو ثلاثٌ، فلهُ الانفِرادُ في لَيلةٍ. قالَ الإمامُ أحمَدُ: لا يَبيتُ وحْدَه، ما أُحبُّ ذلكَ، إلَّا أنْ يَضطَرَّ. وقالَ المِرْداويُّ ﵀: وقالَ القاضي وابنُ عَقيلٍ: يَلزمُه مِنْ البَيتوتةِ ما يَزولُ مَعهُ ضَررُ الوَحشةِ ويَحصلُ مِنه الأُنسُ المَقصودُ بالزَّوجيَّةِ بلا تَوقيتٍ، فيَجتهدُ الحاكمُ. قُلتُ: وهوَ الصَّوابُ. وعنهُ: لا يَلزمُ المَبيتُ إنْ لم يَقصدْ بتَركِه ضَررًا (٢).

стр. 9706

٢ - حقُّ الزَّوجَةِ في الوَطءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَطءِ الزَّوجةِ، هل يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَطأَ زَوْجتَه أم لا؟ وهَل هُناكَ مُدَّةٌ مُقدَّرةٌ يَجبُ عليه أنْ يُجامِعَها فيها؟ أم يَكفي مرَّةً في العُمرِ؟ أم يَجبُ بقَدرِ استِطاعتِه وحاجتِها لذلكَ؟ على تَفصيلٍ بَينَ العُلماءِ. قالَ الحَنفيةُ: للزَّوجةِ أنْ تُطالِبَ زوْجَها بالوَطءِ؛ لأنَّ حِلَّهُ لها حَقُّها كما أنَّ حِلَّها له حَقُّه، وإذا طالبَتْهُ يَجبُ على الزَّوجِ ويُجبَرُ عليه في الحُكمِ مرَّةً واحدةً، والزِّيادةُ على ذلكَ تَجبُ فيما بَينَه وبَينَ اللهِ تعالَى، مِنْ بابِ حُسنِ المُعاشَرةِ واستِدامةِ النِّكاحِ، وهلْ تَجبُ عليهِ في الحُكمِ؟ قَولانِ في المَذهبِ. ولا يُمكِنُ أنْ يُقالَ: كُلَّما طَلبَتْ أنْ يَطأَها يَلزمُه؛ لأنهُ مَوقوفٌ على شَهوتِه لها. وللزَّوجِ أنْ يُطالِبَها بالوَطءِ متى شاءَ، إلَّا عِنْدَ اعتِراضِ أسبابٍ مانِعةٍ مِنْ الوَطءِ كالحَيضِ والنِّفاسِ والظِّهارِ والإحرامِ وغَيرِ ذلكَ (١). وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الوَطءَ واجبٌ على الزَّوجِ للمَرأةِ إذا انتَفَى

стр. 9707

العُذرُ، وإذا شَكَتْ قِلَّةَ الوَطءِ يُقضَى لها في كُلِّ أربَعِ لَيالٍ بلَيلةٍ؛ لأنَّ لهُ أنْ يَتزوَّجَ أربَعًا، كما أنَّ الصَّحيحَ إذا شَكَا الزَّوجُ قِلَّةَ الجِماعِ أنْ يُقضَى له عليها بما تُطيقُه كالأجيرِ على الرَّاجِحِ، خِلافًا لمَن قالَ: يُقضَى بأربَعِ مَرَّاتٍ في اليَومِ واللَّيلةِ؛ لاختِلافِ أحوالِ النَّاسِ، فقدْ لا تُطيقُ المرأةُ ذلكَ. وإذا كانَ الزَّوجُ يُكثِرُ الوَطءَ وتَضرَّرتِ المرأةُ فحُكمُها حُكمُ الأجيرِ، تُمكِّنُ نَفسَها ما قَدرَتْ. وطَلبُ المرأةِ الوَطءَ عندَ الحاكِمِ لا يُناقِضُ الحَياءَ المَمدوحَ ولا المُروءةَ المُستحسَنةَ؛ لأنهُ مَقصودُ النِّكاحِ، فإذا عَقَدتْه عَلِمَ الكلُّ أنهُ له، فإذا تَعذَّرَ جازَ طَلبُه دِينًا وحُسنَ مُروءةٍ (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ الجِماعَ لا يَجبُ على الرَّجلِ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ: الجِماعُ مَوضِعُ تَلذُّذٍ، فلا يُجبَرُ عليه أحَدٌ (٢). لأنَّ الجِماعَ إنَّما هو مِنْ دَواعِي الشَّهوةِ وخُلوصِ المَحبَّةِ الَّتي لا يَقدرُ على تَكلُّفِها بالتَّصنُّعِ لها، وكما لا يُجبَرُ على جِماعِها فكذلكَ لا يُجبَرُ على مُضاجَعتِها ولا على تَقبيلِها ومُحادثتِها ولا على النَّومِ معها في فِراشٍ واحدٍ؛ لأنَّ كلَّه مِنْ دَواعي الشَّهوةِ والمحبَّةِ الَّتي لا يَقدرُ على تكلُّفِها (٣).

стр. 9708

ولكنْ يَنبغي أنْ لا يُعطِّلَها مِنْ الجِماعِ؛ تَحصينًا لها، ولئلَّا يُؤدِّيَ إلى فَسادِها أو إضرارِها. ويُستحبُّ ألَّا يُخلِّيَ الزَّوجةَ عن لَيلةٍ مِنْ كلِّ أربَعٍ؛ اعتِبارًا بذِي أربعِ زَوجاتٍ (١). وقالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: ويَنبغي أنْ يَأتيَها في كلِّ أربَعِ لَيالٍ مرَّةً فهو أعدَلُ إذْ عَددُ النِّساءِ أربعَةٌ، فجازَ التَّأخيرُ إلى هذا الحَدِّ، نَعمْ يَنبغي أنْ يَزيدَ أو ينقصَ بحَسبِ حاجتِها في التَّحصينِ، فإنَّ تَحصينَها واجِبٌ عليه، وإنْ كانَ لا يَثبتُ المُطالَبةُ بالوَطءِ فذلكَ لعُسرِ المُطالَبةِ والوفاءِ بها (٢). وقالَ الإمامُ عزُّ الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: تَخييرُ الرِّجالِ بينَ الجِماعِ وتَركِه وفِعلُ الأصلَحِ للزَّوجَينِ أفضَلُ. فإنْ قيلَ: لمَ خُيِّرَ الرَّجلُ في الاستِمتاعِ وأُجبِرَتِ المرأةُ؟ قُلنا: لو خُيِّرَ النِّساءُ لَعَجزَ الرِّجالُ عن إجابتِهنَّ، إذْ لا تُطاوعُهم القُوَى على إجابتِهنَّ، ولا يَتأتَّى لهُم ذلكَ في كثيرٍ مِنْ الأحوالِ لضَعفِ القُوى وعَدمِ الاستِنشارِ، والمرأةُ يُمكِنُها التَّمكينُ في كلِّ وقتٍ وحينٍ (٣). وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنهُ يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَطأَ زوْجتَه؛ لقَولِ النَّبيِّ

стр. 9709

ﷺ لعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵁: «وإنَّ لزَوجِكَ عليكَ حقًّا» (١)، ولأنهُ حقُّ يَجبُ بالاتِّفاقِ إذا حلَفَ على تَركِه (الإيلاء) فيَجبُ قبْلَ أنْ يَحلفَ كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، يُحقِّقُ هذا أنهُ لو لم يَكنْ واجِبًا لم يَصرْ باليَمينِ على تَركِه واجِبًا كسائِرِ ما لا يَجبُ، ولأنَّ النِّكاحَ شُرعَ لمَصلحةِ الزَّوجَينِ ودَفعِ الضَّررِ عنهُما، وهوَ مُفْضٍ إلى رَفعِ ضَررِ الشَّهوةِ عنِ المرأةِ كإفضائِه إلى رَفعِ ذلكَ عنِ الرَّجلِ، فيَجبُ تَعليلُه بذلكَ، ويكونُ الوطءُ حقًّا لهُما جَميعًا، ولأنهُ لو لم يكنْ لها فيهِ حقٌّ لَمَا وجَبَ استِئذانُها في العَزلِ كالأمَةَ. ويَجبُ مرَّةً كلَّ أربَعةِ أشهرٍ إنْ لم يَكنْ له عُذرٌ وقَدرَ وطَلبَتْه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قَدَّرَ ذلكَ بأربَعةِ أشهرٍ في حَقِّ المُؤلي، فكذلكَ في حقِّ غَيرِه؛ لأنَّ اليَمينَ لا تُوجِبُ ما حَلفَ عليه، فدلَّ أنَّ الوَطءَ واجبٌ بدُونِها. فإنْ أبَى وأصَرَّ على تَركِ الوَطءِ كلَّ أربعةِ أشهرٍ ولم يَكنْ لهُما عُذرٌ وطَلبَتِ الفُرقةَ فَرَّقَ الحاكِمُ بينَهُما، نَصَّ عليهِ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ في رَجلٍ تَزوَّجَ امرأةً ولمْ يَدخُلْ بها يقولُ: «غدًا أدخُلُ بها غدًا أدخلُ بها» إلى شَهرٍ، هلْ يُجبَرُ على الدُّخولِ؟ قالَ: أذهَبُ إلى أربَعةِ أشهرٍ إنْ دخَلَ بها وإلَّا فُرِّقَ بينَهما، فجعَلَه كالمُؤلي، ولا يَصحُّ الفَسخُ هُنا إلَّا بحُكمِ حاكِمٍ؛ لأنه مُختلَفٌ فيهِ.

стр. 9710

وإنْ سافَرَ فوقَ نِصفِ سَنةٍ في غَيرِ أمرٍ واجبٍ كحَجٍّ وغَزوٍ واجبَينِ أو طَلبِ رِزقٍ يَحتاجُ إليهِ وطَلبَتْ قُدومَه لَزمَه، فإنْ أبَى بلا عُذرٍ فُرِّقَ بينَهما بطلَبِها، قِيلَ للإمامِ أحمَدَ: كَمْ يَغيبُ الرَّجلُ عن زَوجَتِه؟ قالَ: ستَّةَ أشهرٍ، يُكتَبُ إليه، فإنْ أبَى أنْ يَرجعَ فَرَّقَ الحاكِمُ بينَهُما، وإنَّما صارَ إلى تَقديرِه بهَذا لحَديثِ عُمرَ، رواهُ أبو حَفصٍ بإسنادِهِ عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ قالَ: بَينَما عُمرُ بنُ الخَطَّابِ يَحرسُ بالمَدينةِ فمَرَّ بامرأةٍ وهيَ تقولُ: تَطاوَلَ هذا الَّليلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ … وطالَ عَليَّ أنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ وَواللهِ لولا خَشيةُ اللهِ وَحدَهُ … لَحُرِّكَ مِنْ هذا السَّريرِ جَوانِبُهْ فسَألَ عنها عُمرُ فقيلَ لهُ: هذهِ فُلانةُ زَوجُها غائِبٌ في سَبيلِ اللهِ، فأرسَلَ إليها امرأةً تَكونُ معَها، وبعَثَ إلى زَوجِها فأقْفَلَه، ثمَّ دَخلَ على حَفصةَ فقالَ: يا بُنيَّةُ كمْ تَصبِرُ المَرأةُ عن زَوجِها؟ فقالتْ: سُبحانَ اللهِ! مِثلُكَ يَسألُ مِثلي عن هذا؟ فقالَ: لولا أنِّي أُريدُ النَّظرَ للمُسلمينَ ما سَألتُكِ، قالَتْ: خَمسةَ أشهرٍ أو ستَّةَ أشهرٍ، فوَقَّتَ للنَّاسِ في مَغازيهِم ستَّةَ أشهرِ يَسيرونَ شهرًا ويُقيمونَ أربَعةً ويَسيرونَ شَهرًا راجِعينَ. وسُئلَ أحمَدُ: كم للرَّجلِ أنْ يَغيبَ عن أهلِه؟ قالَ: يُروى ستَّةُ أشهرٍ، وقدْ يَغيبُ الرَّجلُ أكثَرَ مِنْ ذلكَ لأمرٍ لا بُدَّ له. ولو سافَرَ عنها لعُذرٍ وحاجَةٍ سقَطَ حقُّها في الوطءِ والقَسْمِ وإنْ طالَ سَفرُه، بدَليلِ أنهُ لا يُفسخُ نكاحُ المَفقودِ إذا ترَكَ لامرأتِه نَفقتَها أو وُجدَ لهُ مالٌ يُنفَقُ عليها منه أو مَنْ يُقرِضُها عليه …

стр. 9711

وقيلَ: لا يُفرَّقُ بَينَهما بسَببِ عَدمِ الوَطءِ، وهوَ قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ؛ لأنهُ لو ضُربَتْ لهُ المدَّةُ لذلكَ وفُرِّقَ بَينَهما لم يَكنْ للإيلاءِ أثَرٌ، ولا خِلافَ في اعتبارِه. وعن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنَّ الوَطءَ غيرُ واجِبٍ، فيكونُ هذا كلُّهُ غيرَ واجِبِ؛ لأنهُ حقٌّ له، فلم يُجبَرْ عليه كسائِرِ حُقوقِه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وَطؤُها واجِبٌ عليهِ عِنْدَ أكثَرِ العُلماءِ، وقد قيلَ: إنهُ لا يَجبُ؛ اكتِفاءً بالباعِثَ الطَّبيعيِّ، والصَّوابُ أنهُ واجبٌ كما دَلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والأصولُ، وقد قالَ النَّبيُّ لعَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵁ لمَّا رَآهُ يُكثِرُ الصَّومَ والصَّلاةَ ﵁: «إنَّ لزَوجِكَ عليكَ حقًّا» (٢). ثمَّ قيلَ: يَجبُ عليهِ وَطؤُها كلَّ أربعةِ أشهرٍ مرَّةً، وقيلَ: يَجبُ وَطؤُها بالمَعروفِ على قَدرِ قُوَّتِه وحاجتِها كما تَجبُ النَّفقةُ بالمَعروفِ كذلكَ، وهذا أشبَهُ (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ على الزَّوجِ وَطءُ امرأتِه

стр. 9712

بقَدرِ كِفايتِها ما لم يُنهِكْ بَدنَه أو تَشغَلْه عن مَعيشتِه غيْرَ مُقدَّرٍ بأربعةِ أشهُرٍ كالأمَةِ، فإنْ تَنازَعَا فيَنبغي أنْ يَفرضَه الحاكِمُ كالنَّفقةِ وكوَطئِه إذا زادَ … وحُصولُ الضَّررِ للزَّوجةِ بتَركِ الوَطءِ مُقتَضٍ للفَسخِ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ كانَ بقَصدٍ مِنَ الزَّوجِ أو بغَيرِ قَصدٍ ولو معَ قُدرتِه وعَجزِه كالنَّفقةِ، وأَولَى للفَسخِ بتَعذُّرِه في الإيلاءِ إجماعًا (١). وقالَ أيضًا: مِنْ الفُقهاءِ مَنْ لا يُوجِبُ عليهِ الوَطءَ وقَسْمَ الابتِداءِ، بل يَكتفِي بالباعِثِ الطَّبيعيِّ كمَذهبِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وروايةِ أحمَدَ، فإنَّ الصَّحيحَ مِنْ وُجوهٍ كَثيرةٍ أنه يَجبُ عليه الوَطءُ كما دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ وآثارُ الصَّحابةِ والاعتِبارُ، وهل يَتقدَّرُ الوَطءُ الواجبُ بمرَّةٍ في كلِّ أربعةِ أشهرٍ اعتِبارًا بالإيلاءِ؟ أو يَجبُ أنْ يَطأَها بالمَعروفِ كما يُنْفِقُ عليها بالمَعروفِ؟ فيهِ خِلافٌ في مَذهبِ أحمَدَ وغَيرِه. والصَّحيحُ الَّذي يَدلُّ عليه أكثرُ نُصوصِ أحمَدَ وعليهِ أكثَرُ السَّلفِ أنَّ ما يُوجِبُه العَقدُ لكُلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ على الآخَرِ كالنَّفقةِ والاستِمتاعِ والمَبيتِ للمرأةِ وكالاستِمتاعِ للزَّوجِ ليسَ بمُقدَّرٍ، بل المَرجِعُ في ذلكَ إلى العُرفِ، كما دلَّ عليهِ الكِتابُ في مِثلِ قَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والسُّنةُ في مِثلِ قَولِه ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ»، وإذا تَنازَعَ الزَّوجانِ فيهِ فرَضَ الحاكِمُ ذلكَ

стр. 9713

باجتِهادِه كما فَرضَتِ الصَّحابةُ مِقدارَ الوَطءِ للزَّوجِ بمرَّاتٍ مَعدودةٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجبُ على الزَّوجِ مُجامَعةُ امرأتِه؟ فقالَتْ طائِفةٌ: لا يَجبُ عليه ذلك، فإنهُ حقٌّ له، فإنْ شاءَ استَوفاهُ وإنْ شاءَ ترَكَه، بمَنزلةِ مَنِ استأجَرَ دارًا إنْ شاءَ سَكَنَها وإنْ شاءَ ترَكَها. وهذا مِنْ أضعَفِ الأقوالِ، والقُرآنُ والسُّنةُ والعُرفُ والقِياسُ يَردُّه، أمَّا القُرآنُ: فإنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأخبَرَ أنَّ للمرأةِ مِنْ الحَقِّ مَثلُ الَّذي عليها، فإذا كانَ الجِماعُ حقًّا للزَّوجِ عليها فهو حقُّ على الزَّوجِ بنَصِّ القُرآنِ. وأيضًا فإنَّهُ أمَرَ الأزواجَ أنْ يُعاشِرُوا الزَّوجاتِ بالمَعروفِ، ومِن ضِدِّ المَعروفِ أنْ يَكونَ عِندَه شابَّةٌ شَهوتُها تَعدِلُ شَهوةَ الرَّجلِ أو تَزيدُ عليها بأضعافٍ مُضاعَفةٍ ولا يُذيقُها لذَّةَ الوَطءِ مرَّةً واحِدةً، ومَن زعَمَ أنَّ هذا مِنْ المَعروفِ كَفاهُ طَبْعُه رَدًّا عليهِ، واللهُ إنَّما أباحَ للأزواجِ إمساكَ نِسائِهم على هذا الوَجهِ لا على غَيرِه، فقالَ تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقالَتْ طائِفةٌ: يَجبُ عليهِ وَطؤُها في العُمرِ مرَّةً واحِدةً؛ ليَستقِرَّ لها بذلكَ الصَّداقُ، وهذا مِنْ جِنسِ القَولِ الأولِ، وهذا باطِلٌ مِنْ وَجهٍ آخَرَ،

стр. 9714

فإنَّ المَقصودَ إنَّما هو المُعاشَرةُ بالمَعروفِ، والصَّداقُ دخَلَ في العَقدِ تَعظيمًا لحُرمتِه وفَرْقًا بَينَه وبَينَ السِّفاحِ، فوُجوبُ المَقصودِ بالنِّكاحِ أَقوى مِنْ وُجوبِ الصَّداقِ. وقالَتْ طائِفةٌ ثالِثةٌ: يَجبُ عليه أنْ يَطأَها في كُلِّ أربعَةِ أشهرٍ مَرَّةً، واحتَجُّوا على ذلكَ بأنَّ اللهَ أباحَ للمُولي تَربُّصَ أربَعةِ أشهرٍ، وخَيَّرَ المَرأةَ بعْدَ ذلكَ إنْ شاءَتْ أنْ تُقيمَ عندَه وإنْ شاءَتْ أنْ تُفارِقَه، فلو كانَ لها حقٌّ في الوَطءِ أكثرُ مِنْ ذلكَ لم يَجعلْ للزَّوجِ ترَكَه في تِلكَ المُدَّةِ، وهذا القَولُ وإنْ كانَ أقرَبَ مِنَ القَولينِ الَّلذَينِ قبْلَه فليسَ أيضًا بصَحيحٍ، فإنهُ غَيرُ المَعروفِ الَّذي لها وعليها، وأمَّا جَعْلُ مُدَّةِ الإيلاءِ أربعةَ أشهرٍ فنَظرًا منهُ سُبحانَه للأزواجِ، فإنَّ الرَّجلَ قد يَحتاجُ إلى تَركِ وَطءِ امرأتِه مُدَّةً لعارِضٍ مِنْ سَفرٍ أو تأديبٍ أو راحةِ نَفْسٍ أو اشتِغالٍ بمُهمٍّ، فجعَلَ اللهُ له أجَلًا أربعةَ أشهرٍ، ولا يَلزمُ مِنْ ذلكَ أنْ يكونَ الوَطءُ مُؤقَّتًا في كلِّ أربعةِ أشهرٍ مرَّةً. وقالَتْ طائِفةٌ أُخرى: بل يَجبُ عليهِ أنْ يَطأَها بالمَعروفِ كما يُنفقُ عليها ويَكسُوها ويُعاشِرُها بالمَعروفِ، بل هذا عُمدَةُ المُعاشَرةِ ومَقصودُها، وقدْ أمَرَ اللهُ أنْ يُعاشِرَها بالمَعروفِ، فالوَطءُ داخِلٌ في هذه المُعاشَرةِ، ولا بُدَّ قالوا: وعليه أنْ يُشبِعَها وَطئًا إذا أمكَنَه ذلكَ، كما عليه أنْ يُشبِعَها قُوتًا، وكانَ شَيخُنا ﵀ يُرجِّحُ هذا القولَ ويَختارُه. وقد حَضَّ النَّبيُّ ﷺ على استِعمالِ هذا الدَّواءِ ورَغَّبِ فيهِ

стр. 9715

وعلَّقَ عليهِ الأجرَ وجعَلَه صَدقةً لفاعِلِه، فقالَ: «وفي بُضعِ أحَدِكُم صَدقةٌ». ومِن تَراجِمِ النَّسائيِّ على هذا «التَّرغيبُ في المُباضَعةِ» ثمَّ ذكَرَ هذا الحَديثَ، ففي هذا كَمالُ الَّلذةِ وكَمالُ الإحسانِ إلى الحَبيبةِ وحُصولُ الأجرِ وثَوابُ الصَّدقةِ وفَرحُ النَّفسِ وذَهابُ أفكارِها الرَّديئةِ عنها وخِفَّةُ الرُّوحُ وذَهابُ كَثافتِها وغِلَظِها وخِفةُ الجِسمِ واعتِدالُ المِزاجِ وجَلبُ الصِّحةِ ودَفعُ الموادِّ الرَّديئةِ، فإنْ صادَفَ ذلكَ وَجهًا حَسنًا وخُلُقًا دَمِثًا وعِشقًا وافِرًا ورَغبةً تامَّةً واحتِسابًا للثَّوابِ، فذلكَ الَّلذةُ الَّتي لا يُعادِلُها شيءٌ، ولا سِيَّما إذا وافقَتْ كَمالَها، فإنها لا تَكمُلُ حتَّى يَأخذَ كلُّ جُزءٍ مِنْ البَدنِ بقِسطِه مِنْ الَّلذةِ، فتَلتَذُّ العَينُ بالنَّظرِ إلى المَحبوبِ، والأُذنُ بسَماعِ كَلامِه، والأنفُ بشَمِّ رائحتِه، والفمُ بتقبيلِه، واليَدُ بلَمسِه، وتَعتكِفُ كلُّ جارِحةٍ على ما تَطلبُه مِنْ لَذَّتِها وتُقابلُه مِنْ المَحبوبِ، فإنْ فُقدَ مِنْ ذلك شيءٌ لم تَزلِ النَّفسُ مُتطلِّعةً إليه مُتقاضِيةً له، فلا تَسكنُ كلَّ السُّكونِ، ولذلكَ تُسمَّى المرأةُ سَكَنًا؛ لسُكونِ النَّفسِ إليها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. ولذلكَ فُضِّلَ جِماعُ النَّهارِ على جِماعِ الَّليلِ، ولسَببٍ آخَرَ طَبيعيٍّ وهو أنَّ الَّليلَ وَقتٌ تَبْرُدُ فيه الحَواسُّ وتَطلُبُ حَظَّها مِنْ السُّكونِ، والنَّهارُ مَحلُّ انتِشارِ الحَركاتِ كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ [الفرقان: ٤٧]، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]، وتَمامُ النِّعمةِ في ذلكَ

стр. 9716

فَرحةُ المُحِبِّ برِضاءِ رَبِّه تعالَى بذلكَ واحتِسابِ هذه الَّلذةِ عندَه ورَجاءِ تَثقيلِ ميزانِه، ولذلكَ كانَ أحَبَّ شيءٍ إلى الشَّيطانِ أنْ يُفرِّقَ بينَ الرَّجلِ وبينَ حَبيبِه ليَتوصَّلَ إلى تَعويضِ كلٍّ منهُما عن صاحِبِه بالحَرامِ (١). ٣ - حقُّ الزَّوجةِ في عَدمِ العَزلِ: العَزْلُ: هو أنْ يُجامِعَ الرَّجلُ فإذا قارَبَ الإنزالَ نَزَعَ وأنزَلَ خارِجَ الفَرْجِ. واتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على جَوازِ العَزلِ، وعلى أنهُ لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَعزِلَ عن زَوجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذنِها؛ لمَا رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: «نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعزَلَ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بإذنِها» (٢)، ولأنَّ لها في الولَدِ حقًّا، وعليها في العَزلِ ضَررٌ، فلَم يَجُزْ إلَّا بإذنها. وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: ذهَبَ مالِكٌ والشَّافعيُّ وجُمهورُ العُلماءِ إلى أنهُ لا يُعزَلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بإذنها، فإنْ مَنعَتْ زوْجَها لم يَعزِلْ. واختَلفُوا في العَزلِ عنِ الزَّوجةِ الأمَةِ، فقالَ مالِكٌ والكُوفيُّونَ: لا يُعزَلُ عنها إلَّا بإذنِ سَيِّدِها، وقالَ الثَّوريُّ: لا يُعزَلُ عنها إلَّا بإذنها، وقالَ الشَّافعيُّ: يُعزَلُ عنها دُونَ إذنها ودُونَ إذنِ مَولاها (٣).

стр. 9717

وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا خِلافَ بَينَ العُلماءِ في أنَّ الحُرَّةَ لا يُعزَلُ عنها إلَّا بإذنها؛ لأنَّ الجِماعَ مِنْ حقِّها، ولها المُطالَبةُ بهِ، وليسَ الجِماعُ المَعروفُ التَّامُّ إلَّا أنْ لا يَلحقَه العَزلُ (١). وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسي ﵀: ولا أعلَمُ خِلافًا أنَّ المَرءَ لا يَعزِلُ عن زَوجتِه إلَّا بإذنها (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: العَزلُ مَكروهٌ، ومَعناهُ أنْ يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإنزالُ فيُنزِلُ خارِجًا مِنْ الفَرْجِ، رُوِيَتْ كَراهتُه عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ عُمرَ وابنِ مَسعودٍ، ورُويَ ذلكَ عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ أيضًا؛ لأنَّ فيهِ تَقليلَ النَّسْلِ وقطْعَ الَّلذةِ عنِ المَوطوءةِ، وقدْ حَثَّ النَّبيُّ ﷺ على تَعاطِي أسبابِ الولَدِ فقالَ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكثُرُوا»، وقالَ: «سَوداءُ وَلودٌ خَيرٌ مِنْ حَسناءَ عَقيمٍ»، إلَّا أنْ يكونَ لحاجةٍ مثلَ أنْ يكونَ في دارِ الحَربِ فتَدعوهُ حاجتُهِ إلى الوطءِ فيَطأُ ويَعزِلُ، ذكَرَ الخِرَقيُّ هذه الصُّورةَ، أو تَكونُ زَوجتُه أمَةً فيَخشَى الرِّقَّ على ولَدِه. أو تكونَ له أمَةٌ فيَحتاجُ إلى وَطئِها وإلى بَيعِها، وقَد رُويَ عن عَليٍّ ﵁ أنه كانَ يَعزِلُ عن إمائِه، فإنْ عزَلَ مِنْ غَيرِ حاجَةٍ كُرِهَ ولَم يَحرُمْ. ورُويَتِ الرُّخصةُ فيهِ عَنْ عليٍّ وسَعدِ بنِ أبي وَقاصٍ وأبي أيُّوبَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وجابرٍ وابنِ عبَّاسٍ والحَسنِ بنِ عَليٍّ وخَبَّابِ بنِ الأَرتِّ وسَعيدِ بنِ

стр. 9718

المُسيّبِ وطاووسٍ وعَطاءٍ والنَّخَعيِّ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ. ورَوى أبو سَعيدٍ قالَ: ذُكِرَ -يَعني العَزل- عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «ولِمَ يَفعلُ ذلكَ أحَدُكُم؟ -ولمَ يَقُلْ: فَلا يَفعلْ- فإنهُ ليسَ مِنْ نَفسٍ مَخلوقةٍ إلَّا اللهُ خالِقُها». مُتفَقٌ عليه. وعنه: «أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي جارِيةً وأنا أَعزِلُ عنها وأنا أكرَهُ أنْ تَحمِلَ، وأنا أُريدُ ما يُريدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهودَ تُحدِّثُ أنَّ العزلَ المَوءودةُ الصُّغرَى، قالَ: كَذبَتْ يَهودُ، لو أرادَ اللهُ أنْ يَخلُقَه ما استَطعْتَ أنْ تَصرِفَه» رَواهُ أبو داودَ. فصلٌ: ويَجوزُ العَزلُ عنْ أمَتِه بغَيرِ إذنها، نَصَّ عليهِ أحمَدُ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ؛ وذلكَ لأنهُ لا حَقَّ لها في الوطءِ ولا في الولَدِ، ولذلكَ لم تَملكِ المُطالَبةَ بالقَسْمِ ولا الفَيئةِ، فلَأنْ لا تَملكَ المَنعَ مِنَ العزلِ أَولى. ولا يَعزلُ عنْ زَوجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذنها، قالَ القاضي: ظاهرُ كَلامِ أحمَدَ وُجوبُ استِئذانِ الزَّوجةِ في العَزلِ، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مُستحَبًّا؛ لأنَّ حقَّها في الوَطءِ دُونَ الإنزالِ، بدَليلِ أنهُ يَخرجُ به مِنْ الفَيئةِ والعُنَّةِ. وللشَّافعيةِ في ذلك وَجهانِ، والأولُ أَولى؛ لِمَا رُويَ عنْ عُمرَ ﵁ قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُعزَلَ عنِ الحُرَّة إلَّا بإذنِها» رَواهُ الإمامُ أحمَدُ في المُسنَدِ وابنُ ماجةَ. ولأنَّ لها في الوَلدِ حقًّا، وعليها في العَزلِ ضَررٌ، فلمْ يَجُزْ إلَّا بإذنِها.

стр. 9719

فأمَّا زوْجتُه الأمَةُ فيَحتملُ جَوازَ العَزلِ عنها بغيرِ إذنها، وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ استِدلالًا بمَفهومِ هذا الحَديثِ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «تُستَأذنُ الحُرَّةُ ولا تُستَأذنُ الأمَةُ»، ولأنَّ عليه ضَررًا في استِرقاقِ وَلدِه، بخِلافِ الحُرَّةِ، ويَحتملُ أنْ لا يَجوزَ إلَّا بإذنها؛ لأنها زَوجةٌ تَملكُ المُطالَبةَ بالوَطءِ في الفَيئةِ والفَسخَ عندَ تَعذُّرِه بالعُنَّةِ، وتَركُ العَزلِ مِنْ تَمامِه، فلمْ يَجُزْ بغيرِ إذنها كالحُرَّةِ (١). وقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: الَّذي عليهِ جُمهورُ العُلماءِ بالأمصارِ مالكٌ وأصحابُه والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ إباحةُ العَزلِ على حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: خَرَجْنا معَ رَسولِ اللهِ ﷺ في غَزوةِ بَنِي المُصطلِقِ، فأصَبْنا سَبْيًا مِنْ سَبيِ العَربِ فاشتَهَيْنا النِّساءَ، واشتَدَّتْ علينا العُزبَةُ وأحبَبْنا الفِداءَ، وأرَدْنا أنْ نَعزلَ فقُلنا: نَعزلُ ورَسولُ اللهِ ﷺ بَينَ أظهُرِنا قبْلَ أنْ نَسألَه، فسَألْناه عَنْ ذلك فقالَ: «ما عليكُم ألَّا تَفعلُوا، ما مِنْ نَسمةٍ كائِنةٍ إلى يَومِ القِيامةِ إلَّا وهي كائِنةٌ»، فالرَّجلُ يَعزلُ عن أمَتِه بغيرِ إذنها، ولا يَعزلُ عَنْ زوْجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذنها، ولا يَعزلُ عَنْ زوْجتِه الأمَةِ إلَّا بإذنِ مَوالِيها، وقد قيلَ: إنهُ لا يَعزلُ عنها إلَّا بإذنها، وقالَ الشَّافعيُّ: لهُ أنْ يَعزلَ عَنْ زوْجتِه الأمَةِ بغيرِ إذنها وبغيرِ إذنِ مَواليها (٢) (٣).

стр. 9720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9724

٤ - أخْذُ دَواءٍ لِمَنعِ دُخولِ المَنيِّ للفَرْجِ: سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عنِ امرأةٍ تَضعُ معها دَواءً عندَ المُجامَعةِ؛ تَمنعُ بذلكَ نُفوذَ المَنيِّ في مَجارِي الحَبَلِ، فهل ذلكَ جائِزٌ حَلالٌ أم لا؟ وهل إذا بَقيَ ذلكَ الدَّواءُ معها بَعدَ الجِماعِ ولم يَخرجْ يَجوزُ لها الصَّلاةُ والصَّومُ بعدَ الغُسلِ أم لا؟ فأجابَ: أمَّا صَومُها وصَلاتُها فَصحيحةٌ وإنْ كانَ ذلكَ الدَّواءُ في جَوفِها، وأمَّا جَوازُ ذلكَ ففيهِ نِزاعٌ بَينَ العُلماءِ، والأحوَطُ أنَّه لا يُفعلُ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 9725

٥ - حقُّ الزَّوجةِ في المَطعَمِ والمَشرَبِ: لا خِلافَ بَينَ فُقهاءِ الأُمَّةِ على أنهُ يَجبُ على الزَّوجِ لزوْجتِه أنْ يُطعمَها ممَّا يَطعَمُ، وأنْ يَكسوَها ممَّا يَكتسِي، وأنْ لا يُؤذيَها. فعَن مُعاويةَ القُشَيريِّ ﵁ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ ما حَقُّ زَوجةِ أحَدِنا عليه؟ قالَ: «أنْ تُطعِمَها إذا طَعِمتَ وتَكسوَها إذا اكتَسيْتَ أو اكتَسبْتَ ولا تَضربِ الوَجهَ ولا تُقبِّحْ ولا تَهجُرْ إلَّا في البَيتِ» قالَ أبو داودَ: «ولا تُقبِّحْ» أنْ تَقولَ: قَبَّحَكِ اللهُ (١). وعن بَهزِ بنِ حَكيمٍ قالَ: حدَّثَني أَبي عن جَدِّي قالَ: قلتُ يا رَسولَ اللهِ نِساؤُنا ما نأتي مِنهنَّ وما نَذرُ؟ قالَ: «ائْتِ حَرثَكَ أنَّى شِئتَ، وأطعِمْها إذا طَعِمتَ، واكْسُها إذا اكتَسيْتَ، ولا تُقبِّحِ الوَجهَ، ولا تَضرِبْ» (٢). وفي رِوايةٍ: ما تَقولُ في نِسائِنا؟ قالَ: «أَطعِموهنَّ ممَّا تَأكلونَ، وأَكسُوهنَّ ممَّا تَكتَسونَ، ولا تَضرِبوهنَّ ولا تُقبِّحوهنَّ» (٣). وفي حَديثِ جابرٍ عندَ مُسلمٍ: «ولكُمْ عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ ذلكَ فاضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، ولهُنَّ عَليكمْ رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (٤). وغيرُها الكَثيرُ مِنَ الأحاديثِ الَّتي تأتي في كِتابِ النَّفقةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.

стр. 9726

ثانيًا: حَقُّ الزَّوجِ: للزَّوجِ حُقوقٌ كَثيرةٌ على زوْجتِه، مِنْ أهمِّ هذهِ الحُقوقُ الَّتي وَردَتْ في الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ للزَّوجِ ما يلي: ١ - طاعَةُ الزَّوجَةِ لزَوجِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّه يَجبُ على الزَّوجةِ أنْ تُطيعَ زوْجَها في كُلِّ ما لا مَعصيةَ فيهِ، ولا يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ مِنْ بَيتِها إلَّا بإذنِه، ويَجبُ عليها إذا دَعاها للوَطءِ أنْ تُجيبَه، قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فالمرأةُ عِنْدَ زَوجِها تُشبِهُ الرَّقيقَ والأسيرَ، فليسَ لها أنْ تَخرجَ مِنْ مَنزلِه إلَّا بإذنِه، سواءٌ أمَرَها أبوها أو أمُّها أو غيرُ أبَوَيها باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وإذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يَنتقلَ إلى مَكانٍ آخَرَ معَ قيامِه بما يَجبُ عليهِ وحَفظَ حُدودَ اللهِ فيها ونَهاها أبوها عَنْ طاعتِه في ذلكَ فعلَيها أنْ تُطيعَ زوْجَها دُونَ أبَوَيها، فإنَّ الأبوَينِ هُما ظالِمانِ ليسَ لهُما أنْ يَنهاياها عَنْ طاعةِ مِثلِ هذا الزَّوجِ (١). وقَد دَلَّتِ الأحاديثُ الكَثيرةُ عنِ النَّبيِّ ﷺ على وُجوبِ طاعةِ الزَّوجةِ لزَوجِها في جَميعِ أُمورِ الحياةِ ما لم يَكنْ مَعصيةً، ومِن هذهِ الأحادِيثِ ما يلي: ١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا

стр. 9727

صَلَّتِ المرأةُ خَمْسَهَا وصامَتْ شَهرَها وحَصَّنَتْ فَرْجَها وأطاعَتْ بَعْلَها دَخلَتْ مِنْ أيِّ أبوابِ الجَنَّةِ شاءَتْ» (١). ٢ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجُدَ لأحَدٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجُدَ لزَوجِها» (٢). ٣ - وعن عائِشةَ ﵂ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لو أَمرْتُ أحَدًا أنْ يَسجُدَ لأحَدٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجُدَ لزَوجِها، ولو أنَّ رَجلًا أمَرَ امرأةً أنْ تَنقُلَ مِنْ جَبلٍ أحمَرَ إلى جَبلٍ أسوَدَ ومِن جَبلٍ أسوَدَ إلى جَبلٍ أحمَرَ لَكانَ نَوْلُها أنْ تَفعلَ» (٣). ٤ - وعن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أَوفَى قالَ: لمَّا قَدِمَ مُعاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ للنَّبيِّ ﷺ ، قالَ: ما هذا يا مُعاذُ؟ قالَ: أتَيْتُ الشَّامَ فوافَقتُهم يَسجدُونَ لأَساقِفتِهم وبَطارِقتِهمْ، فوَدِدْتُ في نَفسِي أنْ نَفعلَ ذلكَ بكَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «فلا تَفعلُوا، فإنِّي لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجُدَ لغَيرِ اللَّهِ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجُدَ لزَوجِها، والَّذي نَفسُ مُحمدٍ بيَدِه لا تُؤدِّي المرأةُ حَقَّ رَبِّها حتَّى تُؤدِّيَ حَقَّ زَوجِها، ولو سَألَها نفْسَها وهيَ على قَتَبٍ لَم تَمنَعْه» (٤).

стр. 9728

٥ - وعَن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ثلاثةٌ لا يَقبلُ اللَّهُ لهُم صلاةً ولا يَرفعُ لهُم إلى السَّماءِ حَسنةً: العَبدُ الآبِقُ حَتَّى يَرجعَ إلى مَواليه فيَضعَ يَدَه في أيدِيهِم، والمرأةُ السَّاخِطُ عَليها زَوجُها حَتَّى يَرضَى، والسَّكرانُ حَتَّى يَصحوَ» (١). ٦ - وعن أمِّ سلَمةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزَوجُها عنها راضٍ دَخلَتِ الجَنَّةَ» (٢). ٧ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ بابنةٍ له فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ هذهِ ابنتِي قد أبَتْ أنْ تَتزوَّجَ، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ : أطيعِي أباكِ، فقالَتْ: والَّذي بَعثَكَ بالحقِّ لا أتزَوَّجُ حتَّى تُخبرني ما حَقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «حَقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه أنْ لو كانَتْ قَرْحةٌ فلَحَسَتْها ما أدَّتْ حَقَّهُ» قالَتْ: والَّذي بَعثَكَ بالحَقِّ لا أتزَوَّجُ أبَدًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا تنكحوهنَّ إلا بإذنِهن» (٣). ٨ - وعنِ الحُصينِ بنِ مِحْصنٍ أنَّ عمَّةً لهُ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ في حاجةٍ ففَرغَتْ مِنْ حاجتِها، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ : «أَذاتُ زَوجٍ أنتِ؟ قالَتْ: نَعمْ، قالَ: كيفَ أنتِ لهُ؟ قالَتْ: ما آلُوهُ إلَّا ما عَجزْتُ

стр. 9729

عنهُ، قالَ: فانظُرِي أينَ أنتِ منهُ، فإنَّما هو جَنَّتكِ ونارُكِ» (١). ٩ - وعن مُعاذِ بنِ جَبلٍ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا تُؤذِي امرأةٌ زوْجَها في الدُّنيا إلَّا قالَتْ زوْجتُه مِنْ الحُورِ العِينِ: لا تُؤذيه قاتَلَكِ اللهُ، فإنَّما هوَ عندَكِ دخيلٌ يُوشِكُ أنْ يُفارِقَكِ إلينا» (٢). وغيرُ ذلكَ مِنْ الأحاديثِ الكَثيرةِ الَّتي تُبيِّنُ وُجوبَ طاعةِ الزَّوجِ على زوْجتِه (٣). ٢ - طاعةُ الزَّوجِ إذا دَعاها للفِراشِ: ويَجبُ على الَّزوجةِ أنْ تُطيعَ زوْجَها إذا دَعاها للفِراشِ ما لم يَشغلْها عنِ الفَرائضِ ومِن غيرِ إضرارٍ بها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا حَرَّمَ على المرأةِ أنْ تَصومَ تَطوُّعًا إذا كانَ زَوجُها شاهدًا إلَّا بإذنِه فتَمنعَ بالصَّومِ بعضَ ما يَجبُ لهُ عليها فكَيفُ يَكونُ حالُها إذا طَلبَها فامتَنعَتْ (٤)، فعن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دَعَا الرَّجلُ امرأتَه إلى فِراشِه فأبَتْ فلمْ تأتِهِ فباتَ غَضبانَ عليها لَعنَتْها الملائِكةُ حتَّى تُصبحَ» (٥).

стр. 9730

وعن طَلْقِ بنِ عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا الرَّجلُ دَعَا زوْجتَه لحاجتِه فلْتأتِه وإنْ كانَتْ على التَّنورِ» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دَعَا الرَّجلُ امرأتَه إلى فِراشِه فأبَتْ أنْ تَجيءَ لَعنَتْها الملائكةُ حتَّى تُصبحَ» (٢). وفي روايةٍ: «إذا باتَتْ المرأةُ مُهاجِرةً فِراشَ زَوجِها لَعنَتْها الملائكةُ حتى تَرجعَ» (٣). وفي روايةٍ: «والَّذي نَفسِي بيَدِه ما مِنْ رَجلٍ يَدعو امرأتَه إلى فِراشِها فتأبَى عليه إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطًا عليها حتَّى يَرضَى عنها» (٤). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا دَليلٌ على تَحريمِ امتِناعِها مِنْ فِراشِه لغيرِ عُذرٍ شَرعيٍّ، وليسَ الحَيضُ بعُذرٍ في الامتِناعِ؛ لأنَّ له حقًّا في الاستِمتاعِ بها فوقَ الإزارِ، ومَعنَى الحديثِ أنَّ اللَّعنةَ تَستمرُّ عليها حتَّى تَزولَ المَعصيةُ بطُلوعِ الفَجرِ والاستِغناءِ عنها، أو بتَوبتِها ورَجوعِها إلى الفِراشِ (٥).

стр. 9731

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَنْ رَجلٍ له زَوجةٌ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وكُلَّما دَعاها الرَّجلُ إلى فِراشِه تأبَى عليه، وتُقدِّمُ صلاةَ اللَّيلِ وصيامَ النِّهارِ على طاعةِ الزَّوجِ، فهل يَجوزُ ذلك؟ فأجابَ: لا يَحلُّ لها ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل يَجبُ عليها أنْ تُطيعَه إذا طَلبَها إلى الفِراشِ، وذلكَ فَرضٌ واجِبٌ عليها، وأمَّا قِيامُ اللَّيلِ وصيامُ النَّهارِ فتَطوُّعٌ، فكيفَ تُقدِّمُ مُؤمِنةٌ للنَّافلةِ على الفَريضةِ؟ حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الَّذِي رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه ولا تأذَنُ في بَيتِه إلَّا بإذنِه»، ورَواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ وغَيرُهما ولَفظُهم: «لا تَصومُ امرأةٌ وزَوجُها شاهِدٌ يَومًا مِنْ غيرِ رَمضانَ إلَّا بإذنِه»، فإذا كانَ النَّبيُّ قد حَرَّمَ على المرأةِ أنْ تَصومَ تَطوُّعًا إذا كانَ زَوجُها شاهِدًا إلَّا بإذنِه فتَمنعَ بالصَّومِ بعضَ ما يَجبُ لهُ عليها، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طَلبَها فامتَنعَتْ؟ وفي الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا دَعَا الرَّجلُ المرأةَ إلى فِراشِهِ فأبَتْ لَعنَتْها المَلائكةُ حتَّى تُصبحَ»، وفي لَفظٍ: «إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطًا عليها حتَّى تُصبحَ»، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، فالمرأةُ الصَّالحةُ هي الَّتي تكونُ قانِتةً، أيْ مُداوِمةً على طاعةِ زَوجِها، فمَتى امتَنعَتْ عن إجابتِه إلى الفِراشِ كانَتْ عاصِيةً ناشِزةً، وكانَ ذلكَ يُبيحُ له ضرْبَها كما قالَ تَعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ

стр. 9732

فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، وليسَ على المَرأةِ بعدَ حَقِّ اللهِ ورَسولِه أوجَبُ مِنْ حقِّ الزَّوجِ، حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَو كُنْتُ آمِرًا لأحَدٍ أنْ يَسجدَ لأحَدٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها لعِظمِ حَقِّه عليها»، وعنهُ: «أنَّ النِّساءَ قُلْنَ له: إنَّ الرِّجالَ يُجاهِدونَ ويَتصدَّقونَ ويَفعلونَ ونَحنُ لا نَفعلُ ذلكَ، فقالَ: «حُسنُ فِعلِ إحداكُنَّ يَعدِلُ ذلكَ» أي أنَّ المرأةَ إذا أحسنَتْ مُعاشَرةَ بَعلِها كانَ ذلكَ مُوجِبًا لرِضاءِ اللهِ وإكرامِه لها مِنْ غيرِ أنْ تَعملَ ما يَختصُّ بالرِّجالِ، واللهُ أعلمُ (١). ٣ - أنْ لا تَصومَ التَّطوعَ إلاَّ بإذنِ الزَّوجِ: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الزَّوجةَ مَنهيَّةٌ عن أنْ تَصومَ التَّطوُّعَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ فَرضٌ، فلا يَجوزُ تَركُه لنَفلٍ، ولأنَّ صَومَها مُفوِّتٌ لبعضِ حقِّه ومُنغِّصٌ عليه بشاشتَها وفُكاهتَها، فعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تأذَنَ في بَيتِه إلَّا بإذنِه» (٢). وفي رِوايةِ مُسلمٍ: «لا تَصمِ المرأةُ وبَعلُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تأذَنْ في بَيتِه وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِه» (٣).

стр. 9733

وفي روايةِ أبي داودَ: «لا تَصومُ المرأةُ وبَعلُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه غيرَ رَمضانَ، ولا تأذَنُ في بَيتِه وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِه» (١). قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: هذا الصَّومُ المَنهيُّ عنهُ المرأةُ إلَّا بإذنِ زَوجِها هو صومُ التَّطوُّعِ عندَ العُلماءِ، كما تَرجمَ بهِ البُخاريُّ؛ لإجماعِهم على أنَّ الزَّوجَ ليسَ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ أداءِ الفَرائضِ اللَّازمةِ لها (٢). إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في هذا النَّهيِ، هل هو نَهيُ تَحريمٍ أم كَراهةٍ؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنهُ نَهيُ تَحريمٍ، وقالَ الإِمامُ النَّوَويُّ ﵀: هذا مَحمولٌ على صَومِ التَّطوُّعِ والمَندوبِ الَّذي ليسَ له زَمنٌ مُعيَّنٌ، وهذا النَّهيُ للتَّحريمِ صَرَّحَ بهِ أصحابُنا، وسَببُه أنَّ الزَّوجَ لهُ حقُّ الاستِمتاعِ بها في كُلِّ الأيَّامِ، وحَقُّه فيهِ واجبٌ على الفَورِ، فلا يَفوتُه بتَطوُّعٍ ولا بواجبٍ على التَّراخي. فإنْ قيلَ: فَينبغِي أنْ يَجوزَ لها الصَّومُ بغيرِ إذنِه، فإنْ أرادَ الاستِمتاعَ بها كانَ لهُ ذلكَ ويَفسدُ صَومها. فالجوابُ: أنَّ صَومَها يَمنعُه مِنْ الاستِمتاعِ في العادةِ؛ لأنهُ يَهابُ انتِهاكَ الصَّومِ بالإفسادِ، وقَولُه ﷺ : «وزَوجُها شاهِدٌ» أي: مُقيمٌ في البلدِ، أمَّا إذا كانَ مُسافِرًا فلها الصَّومُ؛ لأنهُ لا يَتأتَّى منهُ الاستِمتاعُ إذا لم تَكنْ معه (٣).

стр. 9734

وقالَ السُّيوطيُّ ﵀: «لا تَصُمِ المرأةُ وبَعلُها شاهِدٌ» أي: مُقيمٌ في البلدِ، والمُرادُ صَومُ التَّطوُّعِ، والنَّهيُ للتَّحريمِ صرَّحَ به أصحابُنا (١). وقالَ الإمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وفي صَحيحِ البُخاريِّ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ» وهوَ صَريحٌ في تَحريمِ ذلكَ، وبهِ صَرَّحَ الشَّافعيةُ، وحَكاهُ النَّوويُّ في «الرَّوضة» و «شَرح مُسلمٍ» عنْ أصحابِنا، وحَكاهُ في «شَرح المُهذَّب» عن جُمهورِ أصحابِنا، ثمَّ قالَ: وقالَ بعضُ أصحابِنا: يُكرَهُ، والصَّحيحُ الأوَّلُ، قالَ: فلو صامَتْ بغيرِ إذنِ زَوجِها صحَّ باتِّفاقِ أصحابِنا وإنْ كانَ الصَّومُ حَرامًا؛ لأنَّ تَحريمَه لمعنًى آخَرَ لا لمَعنًى يَعودُ إلى نَفسِ الصَّومِ، فهو كالصَّلاةِ في دارٍ مَغصوبةٍ، وقالَ صاحِبُ «البَيان»: قَبولُه إلى اللهِ تعالَى، قالَ النَّوَويُّ: ومُقتضى المَذهبِ في نَظائرِها الجَزمُ بعَدمِ الثَّوابِ، كما في الصَّلاةِ في دارٍ مَغصوبةٍ. انتهى. ومَن قالَ بالكَراهةِ احتاجَ إلى تأويلِ قَولِه: «لا يَحلُّ» على أنَّ مَعناهُ ليسَ حَلالًا مَستوي الطَّرفينِ، بل هو راجِحُ التَّركِ مَكروهٌ، وهو تأويلٌ بَعيدٌ مُستنكَرٌ، ولو لم يَرِدْ هذا اللَّفظُ فلَفظُ النَّهي الَّذي في صَحيحِ مُسلمٍ ظاهرٌ في التَّحريمِ، وكذا لَفظُ المُصنِّفِ؛ لأنَّ استِعمالَ لَفظِ الخَبَرِ يَدلُّ على تأكيدِ النَّهي، وتَأكُّدهُ يَكونُ بحَملِه على التَّحريمِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 9735

وذهبَ ابنُ بَطَّالٍ وبَعضُ الشَّافعيةِ إلى أنهُ نَهيُ نَدبٍ، قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وقَولُه ﵇: «لا تَصومُ … إلَّا بإذنِه» هو مَحمولٌ على النَّدبِ لا على الإلزامِ، وإنَّما هو مِنْ حُسنِ المُعاشَرةِ وخَوفِ المُخالَفةِ الَّتي هي سَببُ البغضةِ، ولها أنْ تَفعلَ مِنْ غَيرِ الفَرائضِ ما لا يَضرُّهُ ولا يَمنعُه مِنْ واجِباتِه بغيرِ إذنِه، وليسَ لهُ أنْ يُبطِلَ عليها شَيئًا مِنْ طاعةِ اللهِ إذا دَخلَتْ فيهِ بغيرِ إذنِه (١). وهذا الحُكمُ إذا كانَ زَوجُها شاهِدًا، فأمَّا إنْ كانَ غائِبًا فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا صَومُها التَّطوُّعَ في غَيبةِ الزَّوجِ عَنْ بَلدِها فجائِزٌ بلا خِلافٍ؛ لمَفهومِ الحَديثِ ولزَوالِ مَعنى النَّهي (٢). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: قَولُه: «وبَعلُها» أيْ: زَوجُها، «شاهِدٌ» أي: حاضِرٌ، يَعني مُقيمٌ في البَلدِ، إذْ لو كانَ مُسافِرًا فلها الصَّومُ؛ لأنهُ لا يَتأتَّى منه الاستِمتاعُ بها، وقالَ الكَرمانِيُّ: قالَ أصحابُنا: النَّهيُ للتَّحريمِ. وقالَ النَّووي في «شَرح المُهذَّب»: وقالَ بَعضُ أصحابِنا: يُكرَهُ فلو صامَتْ بغَيرِ إذنِه صحَّ وأثمَتْ، وقالَ المُهلَّبُ: النَّهيُ على التَّنزيهِ لا للإلزامِ (٣). ٤ - أنْ لا تأذَنَ لأحَدٍ أنْ يَدخلَ بَيتَه إلا بإذنِه: فعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ
следующие страницы →