← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَنْ رَجلٍ له زَوجةٌ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وكُلَّما دَعاها الرَّجلُ إلى فِراشِه تأبَى عليه، وتُقدِّمُ صلاةَ اللَّيلِ وصيامَ النِّهارِ على طاعةِ الزَّوجِ، فهل يَجوزُ ذلك؟ فأجابَ: لا يَحلُّ لها ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل يَجبُ عليها أنْ تُطيعَه إذا طَلبَها إلى الفِراشِ، وذلكَ فَرضٌ واجِبٌ عليها، وأمَّا قِيامُ اللَّيلِ وصيامُ النَّهارِ فتَطوُّعٌ، فكيفَ تُقدِّمُ مُؤمِنةٌ للنَّافلةِ على الفَريضةِ؟ حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الَّذِي رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه ولا تأذَنُ في بَيتِه إلَّا بإذنِه»، ورَواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ وغَيرُهما ولَفظُهم: «لا تَصومُ امرأةٌ وزَوجُها شاهِدٌ يَومًا مِنْ غيرِ رَمضانَ إلَّا بإذنِه»، فإذا كانَ النَّبيُّ قد حَرَّمَ على المرأةِ أنْ تَصومَ تَطوُّعًا إذا كانَ زَوجُها شاهِدًا إلَّا بإذنِه فتَمنعَ بالصَّومِ بعضَ ما يَجبُ لهُ عليها، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طَلبَها فامتَنعَتْ؟ وفي الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا دَعَا الرَّجلُ المرأةَ إلى فِراشِهِ فأبَتْ لَعنَتْها المَلائكةُ حتَّى تُصبحَ»، وفي لَفظٍ: «إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطًا عليها حتَّى تُصبحَ»، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، فالمرأةُ الصَّالحةُ هي الَّتي تكونُ قانِتةً، أيْ مُداوِمةً على طاعةِ زَوجِها، فمَتى امتَنعَتْ عن إجابتِه إلى الفِراشِ كانَتْ عاصِيةً ناشِزةً، وكانَ ذلكَ يُبيحُ له ضرْبَها كما قالَ تَعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ

стр. 9732

فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، وليسَ على المَرأةِ بعدَ حَقِّ اللهِ ورَسولِه أوجَبُ مِنْ حقِّ الزَّوجِ، حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَو كُنْتُ آمِرًا لأحَدٍ أنْ يَسجدَ لأحَدٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها لعِظمِ حَقِّه عليها»، وعنهُ: «أنَّ النِّساءَ قُلْنَ له: إنَّ الرِّجالَ يُجاهِدونَ ويَتصدَّقونَ ويَفعلونَ ونَحنُ لا نَفعلُ ذلكَ، فقالَ: «حُسنُ فِعلِ إحداكُنَّ يَعدِلُ ذلكَ» أي أنَّ المرأةَ إذا أحسنَتْ مُعاشَرةَ بَعلِها كانَ ذلكَ مُوجِبًا لرِضاءِ اللهِ وإكرامِه لها مِنْ غيرِ أنْ تَعملَ ما يَختصُّ بالرِّجالِ، واللهُ أعلمُ (١). ٣ - أنْ لا تَصومَ التَّطوعَ إلاَّ بإذنِ الزَّوجِ: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الزَّوجةَ مَنهيَّةٌ عن أنْ تَصومَ التَّطوُّعَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ فَرضٌ، فلا يَجوزُ تَركُه لنَفلٍ، ولأنَّ صَومَها مُفوِّتٌ لبعضِ حقِّه ومُنغِّصٌ عليه بشاشتَها وفُكاهتَها، فعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تأذَنَ في بَيتِه إلَّا بإذنِه» (٢). وفي رِوايةِ مُسلمٍ: «لا تَصمِ المرأةُ وبَعلُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تأذَنْ في بَيتِه وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِه» (٣).

стр. 9733

وفي روايةِ أبي داودَ: «لا تَصومُ المرأةُ وبَعلُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه غيرَ رَمضانَ، ولا تأذَنُ في بَيتِه وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِه» (١). قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: هذا الصَّومُ المَنهيُّ عنهُ المرأةُ إلَّا بإذنِ زَوجِها هو صومُ التَّطوُّعِ عندَ العُلماءِ، كما تَرجمَ بهِ البُخاريُّ؛ لإجماعِهم على أنَّ الزَّوجَ ليسَ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ أداءِ الفَرائضِ اللَّازمةِ لها (٢). إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في هذا النَّهيِ، هل هو نَهيُ تَحريمٍ أم كَراهةٍ؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنهُ نَهيُ تَحريمٍ، وقالَ الإِمامُ النَّوَويُّ ﵀: هذا مَحمولٌ على صَومِ التَّطوُّعِ والمَندوبِ الَّذي ليسَ له زَمنٌ مُعيَّنٌ، وهذا النَّهيُ للتَّحريمِ صَرَّحَ بهِ أصحابُنا، وسَببُه أنَّ الزَّوجَ لهُ حقُّ الاستِمتاعِ بها في كُلِّ الأيَّامِ، وحَقُّه فيهِ واجبٌ على الفَورِ، فلا يَفوتُه بتَطوُّعٍ ولا بواجبٍ على التَّراخي. فإنْ قيلَ: فَينبغِي أنْ يَجوزَ لها الصَّومُ بغيرِ إذنِه، فإنْ أرادَ الاستِمتاعَ بها كانَ لهُ ذلكَ ويَفسدُ صَومها. فالجوابُ: أنَّ صَومَها يَمنعُه مِنْ الاستِمتاعِ في العادةِ؛ لأنهُ يَهابُ انتِهاكَ الصَّومِ بالإفسادِ، وقَولُه ﷺ : «وزَوجُها شاهِدٌ» أي: مُقيمٌ في البلدِ، أمَّا إذا كانَ مُسافِرًا فلها الصَّومُ؛ لأنهُ لا يَتأتَّى منهُ الاستِمتاعُ إذا لم تَكنْ معه (٣).

стр. 9734

وقالَ السُّيوطيُّ ﵀: «لا تَصُمِ المرأةُ وبَعلُها شاهِدٌ» أي: مُقيمٌ في البلدِ، والمُرادُ صَومُ التَّطوُّعِ، والنَّهيُ للتَّحريمِ صرَّحَ به أصحابُنا (١). وقالَ الإمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وفي صَحيحِ البُخاريِّ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ» وهوَ صَريحٌ في تَحريمِ ذلكَ، وبهِ صَرَّحَ الشَّافعيةُ، وحَكاهُ النَّوويُّ في «الرَّوضة» و «شَرح مُسلمٍ» عنْ أصحابِنا، وحَكاهُ في «شَرح المُهذَّب» عن جُمهورِ أصحابِنا، ثمَّ قالَ: وقالَ بعضُ أصحابِنا: يُكرَهُ، والصَّحيحُ الأوَّلُ، قالَ: فلو صامَتْ بغيرِ إذنِ زَوجِها صحَّ باتِّفاقِ أصحابِنا وإنْ كانَ الصَّومُ حَرامًا؛ لأنَّ تَحريمَه لمعنًى آخَرَ لا لمَعنًى يَعودُ إلى نَفسِ الصَّومِ، فهو كالصَّلاةِ في دارٍ مَغصوبةٍ، وقالَ صاحِبُ «البَيان»: قَبولُه إلى اللهِ تعالَى، قالَ النَّوَويُّ: ومُقتضى المَذهبِ في نَظائرِها الجَزمُ بعَدمِ الثَّوابِ، كما في الصَّلاةِ في دارٍ مَغصوبةٍ. انتهى. ومَن قالَ بالكَراهةِ احتاجَ إلى تأويلِ قَولِه: «لا يَحلُّ» على أنَّ مَعناهُ ليسَ حَلالًا مَستوي الطَّرفينِ، بل هو راجِحُ التَّركِ مَكروهٌ، وهو تأويلٌ بَعيدٌ مُستنكَرٌ، ولو لم يَرِدْ هذا اللَّفظُ فلَفظُ النَّهي الَّذي في صَحيحِ مُسلمٍ ظاهرٌ في التَّحريمِ، وكذا لَفظُ المُصنِّفِ؛ لأنَّ استِعمالَ لَفظِ الخَبَرِ يَدلُّ على تأكيدِ النَّهي، وتَأكُّدهُ يَكونُ بحَملِه على التَّحريمِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 9735

وذهبَ ابنُ بَطَّالٍ وبَعضُ الشَّافعيةِ إلى أنهُ نَهيُ نَدبٍ، قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وقَولُه ﵇: «لا تَصومُ … إلَّا بإذنِه» هو مَحمولٌ على النَّدبِ لا على الإلزامِ، وإنَّما هو مِنْ حُسنِ المُعاشَرةِ وخَوفِ المُخالَفةِ الَّتي هي سَببُ البغضةِ، ولها أنْ تَفعلَ مِنْ غَيرِ الفَرائضِ ما لا يَضرُّهُ ولا يَمنعُه مِنْ واجِباتِه بغيرِ إذنِه، وليسَ لهُ أنْ يُبطِلَ عليها شَيئًا مِنْ طاعةِ اللهِ إذا دَخلَتْ فيهِ بغيرِ إذنِه (١). وهذا الحُكمُ إذا كانَ زَوجُها شاهِدًا، فأمَّا إنْ كانَ غائِبًا فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا صَومُها التَّطوُّعَ في غَيبةِ الزَّوجِ عَنْ بَلدِها فجائِزٌ بلا خِلافٍ؛ لمَفهومِ الحَديثِ ولزَوالِ مَعنى النَّهي (٢). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: قَولُه: «وبَعلُها» أيْ: زَوجُها، «شاهِدٌ» أي: حاضِرٌ، يَعني مُقيمٌ في البَلدِ، إذْ لو كانَ مُسافِرًا فلها الصَّومُ؛ لأنهُ لا يَتأتَّى منه الاستِمتاعُ بها، وقالَ الكَرمانِيُّ: قالَ أصحابُنا: النَّهيُ للتَّحريمِ. وقالَ النَّووي في «شَرح المُهذَّب»: وقالَ بَعضُ أصحابِنا: يُكرَهُ فلو صامَتْ بغَيرِ إذنِه صحَّ وأثمَتْ، وقالَ المُهلَّبُ: النَّهيُ على التَّنزيهِ لا للإلزامِ (٣). ٤ - أنْ لا تأذَنَ لأحَدٍ أنْ يَدخلَ بَيتَه إلا بإذنِه: فعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ

стр. 9736

للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه، ولا تأذَنَ في بَيتِه إلَّا بإذنِه» (١). وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: «ولا تأذَنْ في بَيتِه وهو شاهدٌ إلَّا بإذنِه» (٢). قالَ المُهلَّبُ ﵀: قَولُه: «لا تأذَن في بَيتِ زَوجِها إلَّا بإذنِه» يَعني لا لرَجلٍ ولا لامرأةٍ يَكرهُها زَوجُها، فإنَّ ذلكَ يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ ويَبعثُ الغَيرةَ الَّتي هي سَببُ القَطيعةِ، ويَشهدُ لهذا قَولُه ﵇: «انظُرنَ ما أخواتُكنَّ»، وإنْ كانَ الإذنُ للنِّساءِ أخَفَّ مِنْ الإذنِ للرِّجالِ (٣). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: قَولُه: «ولا تأذَنُ في بَيتِه» زادَ مُسلِمٌ مِنْ طَريقِ هَمَّامٍ عن أبي هُريرةَ: «وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِه»، وهذا القَيدُ لا مَفهومَ له، بل خَرَجَ مَخرجَ الغالِبِ، وإلِّا فغَيبةُ الزَّوجِ لا تَقتَضي الإباحةِ للمَرأةِ أنْ تأذَنَ لمَن يَدخلُ بَيتَه، بلْ يَتأكَّدُ حينئذٍ عليها المَنعُ؛ لثُبوتِ الأحاديثِ الوارِدةِ في النَّهيِ عنِ الدُّخولِ على المُغيَّباتِ، أيْ مَنْ غابَ عنها زَوجُها، ويَحتملُ أنْ يكونَ لهُ مَفهومٌ، وذلكَ أنهُ إذا حَضَرَ تَيسَّرَ استِئذانُه، وإذا غابَ تَعذَّرَ، فلو دَعتِ الضَّرورةُ إلى الدُّخولِ عليها لم تَفتقِرْ إلى استِئذانِه لتَعذُّرِه، ثمَّ هذا كلُّه فيما يَتعلَّقُ بالدُّخولِ عليها، أمَّا مُطلَقُ دُخولِ البَيتِ بأنْ تأذَنَ لشَخصٍ في دُخولِ مَوضعٍ مِنْ حُقوقِ الدَّارِ الَّتي هي فيها أو إلى دارٍ مُنفرِدةٍ عن سَكَنِها، فالَّذي يَظهرُ أنهُ مُلتحِقٌ بالأوَّلِ.

стр. 9737

وقالَ النَّوويُّ ﵀: في هذا الحَديثِ إشارةٌ إلى أنهُ لا يَفتَاتُ على الزَّوجِ بالإذنِ في بَيتِه إلَّا بإذنِه، وهو مَحمولٌ على ما لا تَعلمُ رِضَا الزَّوجِ به، أما لو عَلمَتْ رِضَا الزَّوجِ بذلكَ فلا حرَجَ عليها، كمَن جَرَتْ عادتُه بإدخالِ الضِّيفانِ مَوضِعًا مُعَدًّا لهم، سواءٌ كانَ حاضِرًا أم غائِبًا، فلا يَفتقِرُ إدخالُهم إلى إذنٍ خاصٍّ لذلكَ، وحاصِلُه أنهُ لا بُدَّ مِنْ اعتبارِ إذنِه تَفصيلًا أو إجمالًا. قَولُه: «إلَّا بإذنِه» أي الصَّريحِ، وهل يَقومُ ما يَقترنُ به علامةُ رِضاهُ مَقامَ التَّصريحِ بالرِّضا؟ فيهِ نَظرٌ (١). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: قَولُه: «ولا تأذَن في بَيتِه» أي: لا تأذَن المرأةُ في بَيتِ زَوجِها لا لرَجلٍ ولا لامرأةٍ يَكرهُها زَوجُها؛ لأنَّ ذلكَ يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ ويَبعثُ على الغَيرةِ الَّتي هي سَببُ القَطيعةِ، وفي روايةِ مُسلمٍ مِنْ طَريقِ هَمَّامٍ عن أبي هُريرةَ: «وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِه»، وهذا القَيدُ لا مَفهومَ له، بلْ خَرجَ مَخرجَ الغالِبِ، وإلَّا فغَيبةُ الزَّوجِ لا تَقتَضي الإباحةَ للمرأةِ أنْ تأذَنَ لمَن يَدخلُ بَيتَه، بل يَتأكَّدُ حِينئذٍ عليها المَنعُ؛ لوُرودِ الأحاديثِ الصَّحيحةِ في النَّهيِ عنِ الدُّخولِ على المُغيَّباتِ، أي: مَنْ غابَ زَوجُها، وأمَّا عِنْدَ الدَّاعِي للدُّخولِ عليها للضَّرورةِ كالإذنِ لشَخصٍ في دُخولِ مَوضعٍ مِنْ حُقوقِ الدَّارِ الَّتي هي فيها أو إلى دارٍ مُنفرِدةٍ عَنْ مَسكنِها

стр. 9738

أو الإذنِ لدُخولِ مَوضعٍ مُعَدٍّ للضِّيفانِ فلا حَرَجَ عليها في الإذنِ بذلكَ؛ لأنَّ الضَّروراتِ مُستَثناةٌ في الشَّرعِ (١). وفي صَحيحِ مُسلمٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ولكُم عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ ذلكَ فاضرِبوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ» (٢). قالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «ولَكُم عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهونَه، فإنْ فَعلْنَ ذلكَ فاضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ»، قالَ المازِريُّ: قيلَ المُرادُ بذلكَ أنْ لا يَستخْلِينَ بالرِّجالِ، ولم يُرِدْ زِناهَا؛ لأنَّ ذلكَ يُوجِبُ جَلْدَها، ولأنَّ ذلكَ حَرامٌ معَ مَنْ يَكرهُه الزَّوجُ ومَن لا يَكرهُه، وقالَ القاضي عِياضٌ: كانَتْ عادةُ العَربِ حَديثَ الرِّجالِ معَ النِّساءِ ولَم يَكنْ ذلكَ عَيبًا ولا رِيبةً عِندَهم، فلمَّا نَزلَتْ آيةُ الحِجابِ نُهوا عن ذلكَ، هذا كَلامُ القاضي. والمُختارُ: أنَّ مَعناهُ أنْ لا يأذَنَّ لأحَدٍ تَكرهُونَه في دُخولِ بُيوتِكم والجُلوسِ في مَنازلِكم، سواءٌ كانَ المأذونُ لهُ رَجلًا أجنَبيًّا أو امرأةً أو أحَدًا مِنْ مَحارِمِ الزَّوجةِ، فالنَّهيُ يَتناوَلُ جَميعَ ذلكَ، وهذا حُكمُ المَسألةِ عندَ الفُقهاءِ: أنها لا يَحلُّ لها أنْ تأذَنَ لرَجلٍ أو امرأةٍ ولا مَحرَمٍ ولا غَيرِه في دُخولِ مَنزلِ الزَّوجِ، إلَّا مَنْ عَلمَتْ أو ظَنَّتْ أنَّ الزَّوجَ لا يَكرهُه؛ لأنَّ

стр. 9739

الأصلَ تَحريمُ دُخولِ مَنزلِ الإنسانِ حتَّى يُوجَدَ الإذنُ في ذلكَ منه أو مِمَّنْ أَذِنَ له في الإذنِ في ذلك أو عُرِفَ رضاهُ باطِّرادِ العُرفِ بذلكَ ونَحوِه، ومتَى حَصلَ الشَّكُّ في الرِّضَا ولم يَترجَّحْ شيءٌ ولا وُجدَتْ قَرينةٌ لا يَحلُّ الدُّخولُ ولا الإذنُ، واللهُ أعلَمُ (١). ٥ - الاستِمتاعُ بالزَّوجةِ: لا خِلافَ بَينَ العُلماءِ على أنَّ مِنْ حَقِّ الزَّوجِ الاستِمتَاعُ بِزَوجتِهِ والنَّظَرُ إِليها ومَسُّ أيِّ جُزءٍ مِنْ بَدَنِها، ولهُ الاستِمتَاعُ بِها في كُلِّ وَقتٍ وَحينٍ، وقَد تَقدَّمَ الكَلامُ علَى ذَلكَ مُفصَّلاً في المُجلَّدِ الرَّابِعِ عَشَرَ مِنْ كِتابِ النِّكاحِ. ٦ - منعُ الزوجِ زوْجتَه مِنْ كلِّ ما يَمنعُ الاستِمتاعِ أو كَمالَه: للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ كُلِّ ما يَمنعُ الاستِمتاعَ أو كَمالَه، فيَجوزُ للزَّوجِ أنْ يُجبِرَ زوْجتَه المُسلِمةَ على الغُسلِ مِنْ الحَيضِ والنِّفاسِ؛ لأنَّ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الاستِمتاعِ الَّذي هو حَقٌّ له، فجازَ له إجبارُها على ذلكَ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حَرَّمَ وطْءَ الحائضِ حتَّى تَغتسلَ بقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكانَ للزَّوجِ إذا منَعَه الحَيضُ مِنْ وَطئِها أنْ يُجبِرَها عليهِ ليَصلَ إلى حقِّه منه. وكذا لهُ أنْ يُجبِرَ الزَّوجةَ الذِّميةَ على الغُسلِ مِنْ الحيضِ والنِّفاسِ؛

стр. 9740

لأنه يَمنعُ مِنْ الوطءِ، كما نصَّ على ذلكَ الشَّافعيةُ والمالِكيةُ في قولٍ والحَنابلةُ؛ لأنهُ يَمنعُ الاستِمتاعَ الَّذي هو حَقٌّ لهُ، فمَلَكَ إجبارَها على إزالةِ ما يَمنعُ حقَّه. وإنْ كانَ الغُسلِ لا يُجزِئُ إلَّا بنيَّةٍ؛ لأنَّ النِّيةَ إنَّما تُشتَرطُ في صحَّةِ الغُسلِ للصَّلاةِ، وأمَّا للوطءِ في حقِّ الزَّوجِ فلا؛ لأنهُ مُتعبَّدٌ بذلكَ فيها مأمورٌ باغتِسالِها قبلَ الوَطءِ، وما كانَ مِنْ العِباداتِ يَفعلُها المُتعبَّدُ في غَيرِه لم يَفتقِرْ في ذلكَ إلى نيَّةِ، كغُسلِ الميِّتِ وغَسلِ الإناءِ سَبعًا مِنْ وُلوغِ الكلبِ فيهِ، ومَن وَضَّأَ غيرَه فلا نيَّةِ على المُوضِّئِ وإنَّما النِّيةُ على المُوضَّأِ، وكذلكَ لو كانَتْ لرَجلٍ زَوجةٌ مُسلِمةٌ فأبَتْ الاغتِسالَ مِنْ الحَيضةِ لجازَ لهُ أنْ يَطأَها إذا أكرَهَها على الاغتِسالِ وإنْ لم يكُن لها فيهِ نِيةٌ، وكانَتْ هي قد خَرجَتْ دُونَه في ذلكَ، ولَزمَها أنْ تَغتسلَ غُسلًا آخَرَ للصَّلاةِ بنيَّةٍ؛ إذ لا يُجزئُها الغُسلُ الَّذي أُكرهَتْ عليهِ إذا لم يكنْ لها فيهِ نيَّةٌ. ولأنَّ في غُسلِها مِنْ الحَيضِ حَقَّانِ: أحَدُهما: للهِ تعالَى لا يَصحُّ إلَّا بنيَّةٍ، والآخَرُ: للزَّوجِ يَصحُّ بغيرِ نِيةٍ، فكانَ لهُ إجبارُها في حقِّ نَفسِه لا في حقِّ اللهِ تعالَى، فلذلكَ أجزَى بغيرِ نِيةٍ، ألَا تَرى أنهُ يُجبِرُ زوْجتَه المَجنونةَ على الغُسلِ في حَقِّ نَفسِه وإنْ لَم يكنْ عَليها في حَقِّ اللهِ تعالَى غُسلٌ، وغيرُ ذاتِ الزَّوجِ تَغتسلُ في حقِّ اللهِ تعالَى وإنْ لم يكنْ للزَّوجِ عليها حَقٌّ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنهُ ليسَ لهُ إجبارُها على الغُسلِ مِنْ الحَيضِ.

стр. 9741

ولهُ إجبارُ المُسلِمةِ على الغُسلِ مِنْ الجَنابةِ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ. وهلْ لهُ إجبارُ الذِّميةِ على الاغتِسالِ مِنْ الجَنابةِ؟ فيهِ قولانِ: الأولُ: وهو قَولٌ لكلٍّ مِنْ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ: له أنْ يُجبِرَها عليه وإنْ جازَ وَطؤُها معَ بَقائِه؛ لأنَّ نَفسَ المُسلمِ قد تَعافُ وطْءَ مَنْ لا تَغتسلُ مِنْ جنابةٍ، فكانَ له إجبارُها عليه ليَستكمِلَ بهِ الاستِمتاعَ وإنْ كانَ الاستِمتاعُ مُمكِنًا؛ لأنَّ بَقاءَ الغُسلِ عليها يَمنعُه مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ، فإنَّ النَّفسَ تَعافُ وَطءَ مَنْ لا تَغتسلُ مِنْ الجَنابةِ فيَفوتُه بذلكَ بَعضُ حقِّهِ، فكانَ لهُ إجبارُها كما كانَ لهُ في الاغتِسالِ مِنْ الحيضِ. والقولُ الثَّاني: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ في قولٍ والحَنابلةِ في قَولٍ: لا يُجبِرُها عليهِ؛ لأنهُ قد يَستبيحُ وطءَ الجُنبِ؛ لأنَّ الوطءَ لا يَقفُ عليه، فإنهُ مُباحٌ بدُونِه (١). قالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ ﵀: «والتَّنظُّف

стр. 9742

بالاستِحدادِ وأخْذ الأظْفارِ». قالَ الماوَرديُّ: وأصلُ ما يُؤثِّرُ في الاستِمتاعِ بالزَّوجةِ ضَربانِ: أحَدُهما: ما منَعَ مِنْ أصلِ الاستِمتاعِ، والثَّاني: ما منَعَ مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ. فأمَّا المانِعُ مِنْ أصلِ الاستِمتاعِ: فهو ما لا يُمكِنُ معهُ الاستِمتاعُ، كالغُسلِ مِنْ الحَيضِ والنِّفاسِ، فللزَّوجِ إجبارُ زُوجَتِه الذِّميةِ عليه. وأمَّا المانِعُ مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ: فهو ما تَعافُه النُّفوسُ مع القُدرةِ على الاستِمتاعِ، كالغُسلِ مِنْ الجَنابةِ، ففي إجبارِها عليهِ قَولانِ، وإذا استَقرَّ هذا الأصلُ فقدْ قالَ الشَّافعيُّ: «والتَّنظيف بالاستِحدادِ»، وهو أخذُ شَعرِ العانةِ -مأخُوذٌ مِنْ الحَدِيَّةِ الَّتي يُحلَقُ بها-، فإنْ كانَ شَعرُ العانةِ قد طالَ وفَحُشَ وخرَجَ عنِ العادةِ حتَّى لم يُمكِنْ معهُ الاستِمتاعُ أجبَرَ زوْجَتَه على أخذِه، سواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو ذمِّيةً، وإنْ لم يَفحُشْ وأمكَنَ مَعهُ الاستِمتاعُ ولكنْ تَعافُه النَّفسُ ففي إجبارِها على أخذِه قولانِ، وإنْ لَم تَعافُه النَّفسُ لَم يُجبِرْها على أخذِه قَولًا واحِدًا. قالَ أحمَدُ بنُ حَنبَلَ: والسُّنةُ أنْ يَستحِدَّ الأعزَبُ كُلَّ أربعِينَ يومًا، والمُتأهِّلُ كُلَّ عِشرينَ يَومًا، فإنْ قالَه نَقلًا مأثورًا عمِلَ بهِ، وإنْ قالَه اجتِهادًا فليسَ لهذا التَّقديرِ في الاجتِهادِ أصلٌ معَ اختِلافِ الحَلْقِ في سُرعةِ نَباتِ الشَّعرِ في قَومٍ وإبطائِه في آخَرِينَ، واعتِبارُه بالعُرفِ أَولى. وأمَّا الأظفارُ إذا لَم تَطُلْ إلى حَدِّ تَعافُها النُّفوسُ لم يُجبِرْها على أخذِها، وإنْ عافَتِ النُّفوسُ طُولَها ففي إجبارِها على أخذِها قَولانِ، وهكذا

стр. 9743

غَسلُ رأسِها إذا سَهِكَ أو قَمِلَ، وغَسلُ جَسدِها إذا راحَ وأنْتَنَ، ففي إجبارِها عليهِ قَولانِ؛ لأنَّ النُّفوسَ تَعافُه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي إزالةِ الوسَخِ والدَّرَنِ وتَقليمِ الأظفارِ وَجهانِ بناءً على الرِّوايتَينِ في غُسلِ الجَنابةِ، وتَستَوي في هذا المُسلِمةُ والذِّميةُ؛ لاستِوائِهما في حُصولِ النَّفْرةِ ممَّن ذلكَ حالُها، ولهُ إجبارُها على إزالةِ شَعرِ العانةِ إذا خَرَجَ عنِ العادةِ رِوايةً واحِدةً، ذكَرُه القاضي. وكذلكَ الأظفارُ، وإنْ طالَا قَليلًا بحَيثُ تَعافُه النَّفسُ ففيهِ وَجهانِ، وهل لهُ مَنعُها مِنْ أكلِ ما لهُ رائِحةٌ كَريهةٌ كالبَصلِ والثُّومِ والكُرَّاتِ؟ على وَجهينِ: أحَدُهما: لهُ مَنعُها مِنْ ذلكَ؛ لأنَّه يَمنعُ القُبلةَ وكَمالَ الاستِمتاعِ. والثَّاني: ليسَ لهُ مَنعُها منه؛ لأنهُ لا يَمنعُ الوطءَ، ولهُ مَنعُها مِنْ السُّكْرِ وإنْ كانَتْ ذِمِّيةً؛ لأنهُ يَمنعُ الاستِمتاعَ بها، فإنهُ يُزيلُ عَقْلَها ويَجعلُها كالزِّقِّ المَنفوخِ ولا يأمَنُ أنْ تَجنيَ عليهِ. وإنْ أرادَتْ شُربَ ما يُسكِرُها فلهُ مَنعُ المُسلمةِ؛ لأنهُما يَعتقِدانِ تَحريمَه، وإنْ كانَتْ ذمِّيةً لم يَكُنْ لهُ مَنعُها منه، نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنها تَعتقِدُ إباحتَه في دِينِها، ولهُ إجبارُها على غَسلِ فَمِها منهُ ومِن سائِرِ النَّجاساتِ ليَتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بفِيها، ويَتخرَّجُ أنْ يَملكَ منْعَها منهُ؛ لمَا فيهِ مِنْ الرَّائحةِ الكَريهةِ، وهو كالثُّومِ.

стр. 9744

وهكذا الحُكمُ لو تَزوَّجَ مُسلِمةً تَعتقدُ إباحةَ يَسيرِ النَّبيذِ، هل له منْعُها منهُ؟ على وَجهينِ، ومَذهبُ الشَّافعيِّ على نَحوٍ مِنْ هذا الفَصلِ كُلِّه (١). واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ للزَّوجِ إجبارُ زوْجتِه على إزالَةِ الوسَخِ وشَعرِ الإبطِ والعانةِ والظُّفْرِ، وعلى اجتِنابِ تَناوُلِ المُؤذِياتِ لَحمِ الخِنزيرِ والخَمرِ، وكذا النَّبيذُ وغَيرُه ممَّا يُسكِرُ وإنْ لَم تَسكَرْ به وإنْ استَحلَّتْهُ المُسلمةُ -أي اعتَقدَتْ حِلَّه-، وعلى غَسلِ ما تَنجَّسَ مِنْ أعضائِها ليَتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بها، بخِلافِ ما تَنجَّسَ مِنْ ثِيابها ولم يَظهرْ فيهِ لَونٌ أو رِيحٌ كَريهٌ. ولهُ مَنعُها مِنْ لِبسِ جِلدِ مَيتةٍ قَبْلِ الدِّباغِ ولبسِ ثَوبٍ كَريهٍ -أي له رِيحٌ كَريهٌ- كأكلِ ما لهُ رِيحٌ كَريهٌ (٢). واختلفَ الفُقهاءُ هل لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ أكلِ ما لهُ رائحةٌ كَريهةٌ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمَالكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ له أنْ يَمنعَها مِنْ أكلِ ما لهُ رائِحةٌ كَريهةٌ وما يَتأذَّى مِنْ رائحَتِه؛ لأنهُ يَمنعُ كَمالَ الاستِمتاعِ. قالَ الحَنفيةُ: لهُ جَبْرُها على التَّطيُّبِ والاستِحدادِ، ولهُ أنْ يَمنعَها مِنْ أكلِ ما يتَأذَّى مِنْ رائحتِهِ ومِن الغَزْلِ، وعلى هذا له أنْ يَمنعَها مِنْ التَّزيُّنِ بما

стр. 9745

يَتأذَّى برِيحِه، كأنْ يَتأذَّى برائِحةِ الحِنَّاءِ المُخضِّبِ ونَحوِه، ولهُ ضَربُها بتَركِ الزِّينةِ إذا كانَ يُريدُها (١). وقالَ المالِكيةُ: يُقضَى للرَّجلِ بأنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ أكلِ كُلِّ شَيءٍ رائِحتُه كَريهةٌ عليهِ يَتأذَّى مِنها، كالثُّومِ والبَصلِ والفجلِ وما أشبَهَ ذلكَ، ما لم يأكُلْ مَعها فليسَ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ ذلكَ أو يَكونَ فاقِدَ الشَّمِّ، وليسَ لها هي مَنعُه مِنْ ذلكَ، وله أنْ يَمنعَها أيضًا مِنْ فِعلِ ما يُوهِنُ جَسدَها مِنْ الصَّنائعِ، ولهُ مَنعُها مِنْ الغَزْلِ ما لم يَقصِدْ بذلكَ ضَررَها (٢). وذهَبَ الشَّافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنهُ ليسَ لهُ مَنعُها؛ لأنهُ لا يَمنعُ الوَطءَ (٣). للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ الخُروجِ مِنْ مَنزلِه: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المرأةَ مَأمورةٌ بلُزومِ البَيتِ، وأنهُ يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَمنعَها مِنْ الخُروجِ مِنْ مَنزلِه إلى ما لها منهُ بُدٌّ؛ لأنَّ طاعةَ الزَّوجِ واجِبةٌ، فلا يَجوزُ تَركُ الواجِبِ لِمَا ليسَ بواجِبٍ، ولا يَجوزُ لها

стр. 9746

الخُروجُ إلَّا بإذنِه إلَّا لضَرورةٍ؛ لأنَّ دَوامَ استِحقاقِه للاستِمتاعِ بها يَمنعُها مِنْ تَفويتِ ذلكَ عليهِ بخُروجِها، ولأنَّ لهُ تَحصينُ مائِه بالمَنعِ مِنْ الخُروجِ، هذا إذا قامَ بحَوائجِها الَّتي لا بُدَّ لها مِنها، وإنْ لم يَقُمْ بحَوائجِها فلا بُدَّ لها مِنْ الخُروجِ للضَّرورةِ ولا تَسقطُ نَفقتُها بهِ (١). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: مِنْ أحكامِ النِّكاحِ الصَّحيحِ: مِلكُ الحَبْسِ والقَيدِ، وهو صَيْرُورتُها مَمنوعةً عنِ الخُروجِ والبُروزِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، والأمرُ بالإسكانِ نَهيٌ عنِ الخُروجِ والبُروزِ والإخراجِ، إذِ الأمرُ بالفِعلِ نَهيٌ عَنْ ضِدِّه، وقَولِه : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقَولِه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، ولأنها لو لم تكنْ مَمنوعةً عنِ الخُروجِ والبُروزِ لاختَلَّ السَّكَنُ والنَّسبُ؛ لأنَّ ذلكَ مِمَّا يُرِيبُ الزَّوجَ ويَحملُه على نَفَي النَّسبِ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطُبِيُّ ﵀ في قَولِه تعالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]: مَعنَى هذهِ الآيةِ الأمرُ بلُزومِ البَيتِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لنِساءِ النَّبيِّ ﷺ فقدْ دخَلَ غَيرُهنَّ فيهِ بالمَعنَى، هذا لو لم يَرِدْ دَليلٌ

стр. 9747

يَخُصُّ جَميعِ النِّساءِ، كيفَ والشَّريعةُ طافِحةٌ بلُزومِ النِّساءِ بُيوتَهنَّ والانكِفافِ عنِ الخُروجِ منها إلَّا لضَرورةٍ (١). قالَ الحَنفيَّةُ: لا يَجوزِ للزَّوجةِ أنْ تَخرجَ بلا إذنِ الزَّوجِ، ويَضربُها على الخُروجِ مِنْ مَنزلِه بلا إذنٍ، إلَّا إنِ احْتاجَتْ إلى الاستِفتاءِ في حادِثةٍ ولم يَرْضَ الزَّوجُ أنْ يَستَفتيَ لها وهو غيرُ عالِمٍ، وما لم تَقعْ حاجةٌ إلى الاستِفتاءِ لهُ أنْ يَمنعَها عنِ الخُروجِ إلى مَجلسِ العِلمِ، وإلَّا أنْ يَكونَ أبوها زَمِنًا وليسَ له مَنْ يَقومُ عليه، مِؤمِنًا كانَ أو كافِرًا، فإنَّ عليها أنْ تَعصيَ الزَّوجَ في المَنعِ، ولو كانَ له أمٌّ شابَّةٌ تَخرجُ إلى الوَليمةِ والمُصِيبةِ أو لغَيرِهما لا يَمنعُها ابنُها، ما لم يَتحقَّقْ أنْ خُروجَها للفَسادِ، فحِينئذٍ يَرفعُ الأمرَ إلى القَاضي، فإنْ أَذِنَ له بالمَنعِ منَعَها؛ لقِيامِه مَقامَه (٢).

стр. 9748

هل للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ زيارةِ أبَوَيها أو عِيادَتِهما أو حُضورِ جنازَتِهما؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ، هل له أن يَمنعَ زوْجتَه مِنْ زِيارةِ أبَوَيها أو عِيادتِهما أو حُضورِ جنازَتِهما أم لا؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنهُ يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ الخُروجِ مِنْ مَنزلِه إلى ما لها منه بُدٌّ أو لِمَا لا بُدَّ لها منه، سواءٌ أرادَتْ زِيارةَ والِدَيها أو عِيادتَهما أو حُضورَ جنازَتِهما؛ لأنَّ طاعةَ الزَّوجِ واجِبةٌ، والعِيادةُ غَيرُ واجِبةٍ، فلا يَجوزُ تَركُ الواجِبِ لِمَا ليسَ بواجِبٍ، ولا يَجوزُ لها الخُروجُ إلَّا بإذنِه. ولكنْ لا يَنبغِي للزَّوجِ مَنعُها مِنْ عِيادةِ والِدَيها وزيارَتِهما؛ لأنَّ في ذلكَ قَطيعةً لهُما وحَمْلًا لزَوجَتِه على مُخالَفتِه، وقد أمَرَ اللهُ تعالَى بالمُعاشَرةِ بالمَعرُوفِ، وليسَ هذا مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ. قالَ الشَّافعيةُ: للزَّوجِ أن يَمنعَ زوْجتَه مِنْ الخُروجِ مِنْ عِيادةِ أبيها وأمِّها إذا مَرِضَا، ومِن حُضورِ مَوتِهما وتَشييعِ جنازَتِهما إذا ماتَا، وقد رَوى ثابِتٌ عن أنَسٍ «أنَّ رَجلًا سافَرَ عَنْ زَوجتِه ونهاها عنِ الخُروجِ، فمَرِضَ أبوها فاستَأذنَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ في عِيادتِه فقالَ: «اتَّقِ اللهِ ولا تُخالِفِي زوْجَكِ»، ثمَّ ماتَ أبوها فاستَأذنَتْه في حُضورِ جَنازتِه فقالَ: «اتَّقِ اللهِ ولا تُخالِفِي زوْجَكِ»، فأَوحى اللهُ تعالَى إلى نَبيِّه ﷺ أنَّ اللهَ قد غَفَرَ

стр. 9749

لأبيها بطاعَتِها لزَوجِها» (١)، ولأنَّ في اتِّباعِ النِّساءِ للجَنائزِ هُتكةً يُنهَينَ عنها. ولأَنَّ عِيادةَ أبيها وأمِّها وحُضورَ مُواراتِهما ليسَ بواجِبٍ عليها، فلا تَتركُ له واجِبًا عليها. إلَّا أنهُ يُستَحبُّ للزَّوجِ أنْ لا يَمنعَها مِنْ عِيادةِ أبيها إذا ثَقُلَ، ومِن حُضورِ مُواراتِه إذا ماتَ؛ لِمَا فيهِ مِنْ نُفورِها عنهُ وإغرائِها بالعُقوقِ، ويُؤدِّي إلى العَداوةِ بَينَهما (٢). وقالَ الحَنابلةُ للزَّوجِ مَنعُ زوْجتِهِ مِنْ الخُروجُ مِنْ مَنزلِهِ إلى ما لها منهُ بُدٌّ، سواءٌ أرادَتْ زِيارةَ والِدَيها أو عِيادتَهما أو حُضورَ جَنازةِ أحَدِهما، قالَ أحمَدُ في امرأةٍ لها زَوجٌ وأمٌّ مَريضةٌ: طاعةُ زَوجِها أوجَبُ عليها مِنْ أُمِّها إلَّا أنْ يَأذنَ لها، وقدْ رَوى ابنُ بَطَّةَ في «أحكام النِّساءِ» عن أنَسٍ: «أنَّ رَجلًا سافَرَ ومنَعَ زوْجتَه مِنْ الخُروجِ، فمَرِضَ أبوها فاستَأذنَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ في عِيادةِ أبيها، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «اتَّقِي اللهَ ولا تُخالِفِي زوْجَكِ»، فماتَ أبوها فاستَأذنَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ في حُضورِ جَنازتِهِ، فقالَ لها: «اتَّقِي اللهَ ولا تُخالِفِي زوْجَكِ»، فأوحَى اللهُ إلى النَّبيِّ ﷺ «إنِّي قَدْ غَفرْتُ لأبيها بطاعةِ زَوجِها»، ولأنَّ طاعةَ الزَّوجِ واجِبةٌ، والعِيادةُ غَيرُ واجِبةٍ، فلا يَجوزُ تَركُ الواجِبِ لِمَا ليسَ بواجِبٍ، ولا يَجوزُ لها الخُروجُ إلَّا بإذنِه.

стр. 9750

ولكنْ لا يَنبغِي للزَّوجِ مَنعُها مِنْ عِيادةِ والِدَيها وزيارَتِهما؛ لأنَّ في ذلكَ قَطيعةً لهُما وحَمْلًا لزَوجَتِه على مُخالَفتِه، وقد أمَرَ اللهُ تعالَى بالمُعاشَرةِ بالمَعرُوفِ، وليسَ هذا مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ. وكذا إذا مَرِضَ بَعضُ مَحارِمِها كإخوَتِها، أو ماتَ بَعضُ مَحارِمِها كأولادِ عَمِّها وعَمَّتِها وأولادِ خالِها وخالَتِها استُحِبَّ للزَّوجِ أنْ يَأذنَ لها في الخُروجِ إلى تَمريضِه أو عِيادتِه أو شُهودِ جَنازتِه؛ لِمَا في ذلكَ مِنْ صِلةِ الرَّحمِ، وفي مَنعِها مِنْ ذلكَ قَطيعةُ رَحِمٍ، ورُبَّما حَمَلَها عَدمُ إذنِه على مُخالَفتِه. ولا يُستَحبُّ أنْ يَأذنَ لها في الخُروجِ لزِيارةِ أبويها معَ عَدمِ المَرضِ؛ لعَدمِ الحاجَةِ إليه ولِئلَّا تَعتادَهُ. ولا يَملكُ الزَّوجُ منْعَها مِنْ كَلامِهما، ولا منْعَها مِنْ زِيارتِهما؛ لأنهُ لا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ، إلَّا معَ ظَنِّ حُصولِ ضَررٍ يُعرَفُ بقرائِنِ الحالِ بسَببِ زِيارتِهما (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وللزَّوجِ مَنعُ الزَّوجةِ مِنْ الخُروجِ مِنْ مَنزلِه، فإذا نهاها لم تَخرجْ لعِيادةِ مَريضٍ مَحرَمٍ لها أو شُهودِ جِنازتِه، فأمَّا عندَ الإطلاقِ فهل لها أنْ تَخرجَ لذلكَ إذا لم يَأذنْ

стр. 9751

ولم يَمنعْ كعَملِ الصِّناعةِ؟ أو لا تَفعلُ إلَّا بإذنٍ كالصِّيامِ؟ (١). وقالَ أيضًا فيمَنْ حَبَسَتْه امرأتُه لحَقِّها: إنْ خافَ خُروجَها بلا إذنِه أسْكَنَها حيثُ لا يُمكِنُها الخُروجُ، فإنْ لم يكنْ لهُ مَنْ يَحفظُها غَيرُ نَفسِه حُبِسَتْ معهُ، فإنْ عجَزَ أو خِيفَ حُدوثُ شرٍّ أُسكِنَتْ في رِباطٍ ونَحوِه، ومتى كانَ خُروجُها مَظِنَّةً للفاحِشةِ صارَ حقًّا للهِ، يَجبُ على وليِّ الأمرِ رِعايتُه (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ على تَفصيلٍ عِندَهم إلى أنهُ لا يَحقُّ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ زِيارةِ أبَوَيها أوعِيادتِهما أو حُضورِ جَنازتِهما أو زِيارتِهما لها. قالُوا: للأبَوَينِ وذَوي الأرحامِ النَّظَرُ والكَلامُ معَ زوْجتِهِ في أيِّ وقتٍ اختارَ أهلُها ذلكَ، فلهُم ذلكَ؛ لِمَا في عَدمِه مِنْ قَطيعةِ الرَّحمِ، وليسَ له في ذلكَ ضَررٌ. لكنْ هل له أنْ يَمنعَ أهلَها مِنْ الدُّخولِ بَيتَه؟ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنْ له أنْ يَمنعَ أهلَها مِنَ الدُّخولِ في بَيتِه ولو والِدةً أو ولَدًا؛ لأنَّ المَنزِلَ مِلكُه ولهُ حقُّ المَنعِ مِنْ الدُّخولِ في مِلكِه، وأمَّا القِيامُ على بابِ الدَّارِ فليسَ لهُ مَنعُهم منهُ كالكَلامِ، كما في «الخانيَّة» واختارَهُ القُدوريُّ. والثَّاني: لا يَمنعُهم مِنْ الدُّخولِ، وإنِّما يَمنعُهم مِنْ القَرارِ؛ لأنَّ الفِتنةَ في المُكْثِ وطُولِ الكَلامِ.

стр. 9752

والثَّالثِ -وهو الصَّحيحُ المُفتَى بهِ-: أنهُ لا يَمنعُها مِنْ الخُروجِ إلى الوالِدَينِ ولا يَمنعُهما مِنَ الدُّخولِ عليها في كُلِّ جُمعةٍ، وفي غَيرِهما مِنْ المَحارِمِ في كُلِّ سَنةٍ، وإنَّما يَمنعُهم مِنْ الكَينونةِ عِندَها. وعن أبي يُوسفَ في «النَّوادِر» تَقييدُ خُروجِها بأنْ لا يَقدِرَا على إتْيانِها، فإنْ كانَا يَقدِرانِ على إتيانِها لا تَذهبُ، وهوَ حسَنٌ، فإنَّ بعضَ النِّساءِ لا يَشُقُّ عليها معَ الأبِ الخُروجُ، وقَد يَشقُّ ذلكَ على الزَّوجِ فتَمتنِعَ. قالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: وقدِ اختارَ بَعضُ المَشايخِ منْعَها مِنْ الخُروجِ إليهما، وقد أشارَ إلى نَقلِه في «شَرْح المُختارِ»، والحَقُّ الأخذُ بقَولِ أبي يُوسفَ إِذا كانَ الأبَوانِ بالصِّفةِ الَّتي ذُكرَتْ، وإنْ لَم يَكونا كذلكَ يَنبغِي أنْ يُؤذِنَ لها في زِيارتِهما الحِينَ بعدَ الحِينِ على قَدرٍ مُتعارَفٍ، أمَّا في كلِّ جُمعةٍ فبَعيدٌ، فإنَّ في كَثرةِ الخُروجِ فتْحَ بابِ الفِتنةِ، خُصوصًا إذا كانَتْ شابَّةً والزَّوجُ مِنْ ذَوِي الهَيئاتِ، بخِلافِ خُروجِ الأبوَينِ فإنهُ أيسَرُ. ولو كانَ أبوها زَمِنًا مَثلًا وهو يَحتاجُ إلى خِدمتِها والزَّوجُ يَمنعُها مِنْ تَعاهُدِه فعليها أنْ تَعصِيَه، مُسلِمًا كانَ الأبُ أو كافِرًا، كذا في «فَتْح القَديرِ». وقد استُفيدَ ممَّا ذكَرْناهُ أنَّ لها الخُروجَ إلى زِيارةِ الأبَوَينِ والمَحارِمِ، فعلى الصَّحيحِ المُفتَى بهِ تَخرجُ للوالِدَينِ في كُلِّ جُمعةٍ بإذنِه وبغَيرِ إذنِه، ولزِيارةِ المَحارِمِ في كلِّ سَنةٍ مرَّةً بإذنِه وبغَيرِ إذنِه، وأمَّا الخُروجُ للأهلِ زائدًا على ذلكَ فلها ذلكَ بإذنِه.

стр. 9753

قالَ في «الظَّهيريَّة»: ويَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَأذنَ لها في الخُروجِ إلى زِيارةِ الوالِدَينِ وتَعزيتِهما وعِيادتِهما وزِيارةِ المَحارِمِ. وفي «الخُلاصَة» مَعزِيًّا إلى «مَجموع النَّوازِل»: يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَأذنَ لها بالخُروجِ إلى سَبعةِ مَواضِعَ: زِيارةِ الأبوَينِ وعِيادتِهما وتَعزيتِهما أو أحَدِهما وزِيارةِ المَحارِمِ، فإنْ كانَتْ قابِلةً أو غَسَّالةً -أي: تُغسِّلُ المَوتَى- أو كانَ لها على آخَرَ حَقٌّ تَخرجُ بالإذنِ وبغَيرِ الإذنِ، والحجُّ على هذا، وفيما عَدا ذلكَ مِنْ زِيارةِ الأجانِبِ وعِيادتِهم والوَليمةِ لا يَأذنُ لها ولا تَخرجُ، ولو أَذِنَ وخَرجَتْ كانا عاصِيَينِ. وتُمنَعُ مِنْ الحَمَّامِ، فإنْ أرادَتْ أنْ تَخرجَ إلى مَجلِسِ العِلمِ بغيرِ رِضا الزَّوجِ ليسَ لها ذلكَ، فإنْ وَقعَتْ لها نازِلةٌ إنْ سألَ الزَّوجُ مِنْ العالِمِ أو أخبَرَها بذلكَ لا يَسَعُها الخُروجُ، وإنِ امتَنعَ مِنْ السُّؤالِ يَسعُها الخُروجُ مِنْ غيرِ رِضا الزَّوجِ، وإنْ لم تَقعْ لها نازِلةٌ لكنْ أرادَتْ أن تَخرجَ إلى مَجلِسِ العِلمِ لتَتعلَّمَ مَسألةً مِنْ مَسائلِ الوُضوءِ والصَّلاةِ؛ فإنْ كانَ الزَّوجُ يَحفظُ المَسائلَ ويَذكرُ عِندَها فلهُ أنْ يَمنعَها، وإنْ كانَ لا يَحفظُ فالأَولى أنْ يَأذنَ لها أحيانًا، وإنْ لَم يأذَنْ فلا شيءَ عليهِ، ولا يَسعُها الخُروجُ ما لم يَقعْ لها نازِلةٌ. وفي «الفَتاوَى» في بابِ المَهرِ: والمرأةُ قبلَ أنْ تَقبضَ مَهرَها لها الخُروجُ في حَوائجِها وتَزورُ الأقارِبَ بغَيرِ إذنِ الزَّوجِ، فإنْ أعطاها المَهرَ ليسَ لها الخُروجُ إلَّا بإذنِ الزَّوجِ. اه

стр. 9754

وهكذا في «الخانيَّة»، إلَّا أنه زادَ أنها تَخرجُ بغَيرِ الإذنِ أيضًا إذا كانَتْ في مَنزلٍ يُخافُ السُّقوطُ عليها. وقيَّدَ الحَجَّ بالفَرضِ معَ وُجودِ المَحرَمِ، وقيَّدَ خُروجَ القابِلةِ والغاسِلةِ بإذنِ الزَّوجِ، وفسَّرَ الغاسِلةَ بمَن تُغسِّلُ المَوتَى، ويَنبغي أنَّ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ القابِلةَ والغاسِلةَ مِنْ الخُروجِ؛ لأنَّ في الخُروجِ إضرارًا بهِ، وهي مَحبوسةٌ لحَقِّهِ، وحقُّهُ مُقدَّمٌ على فَرضِ الكِفايةِ، بخِلافِ الحَجِّ الفَرضِ؛ لأنَّ حقَّه لا يُقدَّمُ على فَرضِ العَينِ. ويَنبغي أنْ يُحملَ كَلامُهم هُنا على المَرأةِ الَّتي لم تَكنْ مُخدَّرةً في مَسألةِ خُروجِها للخُصومةِ عندَ القاضي؛ لأنهُ حِينئذٍ لا يُقبَلُ منها التَّوكيلَ، وأمَّا إذا كانَتْ مُخدَّرةً فليسَ لها الخُروجُ بغَيرِ إذنِ الزَّوجِ؛ لقَبولِ التَّوكيلِ منها بغيرِ رِضا الخَصمِ، إمَّا الزَّوجُ أو غَيرُه، ولم أرَ مَنْ نَبَّهَ على هذا، وسَيأتي في بابِ التَّعزيرِ المواضِعُ الَّتي يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَضربَ امرأتَه فيها، وقالُوا هنا: لهُ أنْ يَمنعَ امرأتَه مِنْ الغَزْلِ، ولا تَتطوَّعُ للصَّلاةِ والصَّومِ بغيرِ إذنِ الزَّوجِ، كذا في «الظَّهِيرِيَّة»، ويَنبغي عَدمُ تَخصيصِ الغَزْلِ، بل لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ الأعمالِ كُلِّها المُقتضِيةِ للكَسبِ؛ لأنها مُستغنيةٌ عنه؛ لوُجوبِ كِفايتِها عليه، وكذا في العَملِ تبَرُّعًا لأجنبيٍّ بالأَولَى. وفي «فَتْح القَدير»: وحيثُ أَبَحْنا لها الخُروجَ فإنِّما يُباحُ بشَرطِ عَدمِ الزِّينةِ وتَغييرِ الهَيئةِ إلى ما لا يَكونُ داعِيةً لنَظرِ الرِّجالِ والاستِمالةِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣]، وقَولُ الفَقيهِ:

стр. 9755

(وتُمنعُ مِنْ الحَمَّامِ) خالَفَه قاضي خان، قالَ في فَصلِ الحَمَّامِ في فَتاويهِ حَيثُ قالَ: دُخولُ الحَمَّامِ مَشروعٌ للرِّجالِ والنِّساءِ جَميعًا، خِلافًا لِمَا قالَهُ بَعضُ النَّاسِ إلى آخِرِه (١).

стр. 9756

وأمَّا المالِكيةُ فالظَّاهِرُ عِندهُم أنهُ يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ لجِنازةِ أبوَيها، وقدْ قَسَّمُوا النِّساءَ إلى أربَعٍ: عَجوزٌ انقَطعَتْ حاجَةُ الرِّجالِ مِنها، فهذهِ كالرَّجلِ، فتَخرجُ للمَسجدِ وللفَرضِ ولمَجالِسِ العِلمِ والذِّكْرِ، وتَخرجُ للصَّحراءِ في العِيدِ والاستِسقاءِ، ولجِنازةِ أهلِها وأقارِبِها، ولقَضاءِ حَوائجِها. ومُتَجالَّةٌ لم تَنقطِعْ حاجَةُ الرِّجالِ مِنها بالجُملةِ، فهذهِ تَخرجُ للمَسجِدِ للفَرائضِ ومَجالِسِ العِلمِ والذِّكرِ، ولا تُكثرُ التَّردُّدَ في قَضاءِ حَوائجِها، أي: يُكرهُ لها ذلكَ. وشابَّةٌ غَيرُ فارِهةٍ في الشَّبابِ والنَّجابةِ، تَخرجُ للمَسجِدِ لصَلاةِ الفَرضِ جَماعةً، وفي جَنائِزِ أهلِها وأقارِبِها، ولا تَخرجُ لعِيدٍ ولا استِسقاءٍ ولا لمَجالِسِ ذِكْرٍ أو عِلمٍ. وشابَّةٌ فارِهةٌ في الشَّبابِ والنَّجابةِ، فهَذهِ الاختيارُ لها أنْ لا تَخرجَ أصلًا. قالُوا: جازَ خُروجُ شابَّةٍ غَيرِ مُفتِنةٍ لمَسجِدٍ وجِنازةِ قَريبٍ مِنْ أهلِها، ولا يُقضَى على زَوجِها به -أي الخُروجِ-؛ لِمَا ذُكرَ أنَّ لهُ منْعَها، وأمَّا مَخشيَّةُ الفِتنةِ فلا يَجوزُ لها الخُروجُ مُطلَقًا. قالَ الصَّاوِي ﵀: الحاصِلُ أنَّ الشَّابةَ غَير مَخشيَّةِ الفِتنةِ لا يُقضَى على زَوجِها بخُروجِها إذا طَلبَتْه، وأمَّا المُتَجالَّةُ فقيلَ: يُقضَى، وهو ما يُفيدُه كَلامُ ابنِ رُشدٍ، وقيلَ: لا يُقضَى، وهو ظاهِرُ السَّماعِ وقَولُ الأبِي، وعَدمُ

стр. 9757

القَضاءِ على الزَّوجِ في الشَّابةِ ولو اشتَرطَ لها في عَقدِ النِّكاحِ، وإنْ كانَ الأَولَى الوفاءُ لها كمَا في السَّماعِ (١). وقالَ أيضًا في «الشَّرح الصَّغير»: (و) جازَ (خُروجُ مُتَجالَّةٍ) لجِنازةٍ مُطلَقًا (كشابَّةٍ لَم يُخشَ فِتنتُها) يَجوزُ خُروجُها (في) جِنازةِ مَنْ عَظُمَتْ مُصيبتُه عليها (كأبٍ) وأمٍّ (وزَوجٍ وابنٍ) وبنتٍ (وأخٍ) وأختٍ، وحَرُمَ على مَخشيَّةِ الفِتنةِ مُطلَقًا، وعُلِمَ مِنْ هذا النَّصِّ أنَّ الزَّوجةَ المُتَجالَّةَ وغيرَ مَخشيَّةِ الفِتنةِ يَجوزُ لها الخُروجُ لجِنازةِ زَوجِها، مع أنها بمَوتِه لَزِمَها الإحدادُ وعَدمُ الخُروجِ إلَّا فيما سيأتي بَيانُه في العِدَّةِ؛ فيكونُ هذا مِنْ جُملةِ المُستثنَى (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: مَسألةٌ: وسُئلَ مالِكٌ عنِ المَرأةِ تَسألُ زوْجَها أنْ تُسلِّمَ على أخيها أو أبيها فيَمنعُها مِنْ ذلكَ، أتَرى ذلكَ لهُ؟ قالَ: لا، ليسَ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ ذلكَ، ما لم تَكنْ تُكثِرُ، وللأمورِ الَّتي يُريدُ أنْ يَمنعَها لها وُجوهٌ، وليسَ كلُّ النِّساءِ سَواءً، فأمَّا المَرأةُ المُتَجالَّةُ فلا أرى ذلكَ له، ورُبَّ امرأةٍ لا تُؤمَنُ في نَفسِها، فأرى ذلكَ له، فقيلَ لهُ: أفتَأذَنُ له في ذلكَ وإنْ كَرِهَ؟ قالَ: نَعمْ، وإنَّ هذا الأمرَ عندَنا كَثيرٌ يَختصِمونَ فيهِ، ولقدِ استُشرتُ فيه فرَأيتُ أنْ يُؤذِنَ لهنَّ إلَّا أنْ يُكثرْنَ مِنْ ذلكَ أو يأتي مِنْ ذلكَ أمرٌ لا يُؤمَنَّ فيه، ولقد جاءَني رجلٌ فقالَ لي عنِ امرأةٍ كانَ لها مالٌ وكانَتْ

стр. 9758

تَعُفُّ بهِ على زَوجِها، ثمَّ إنها قَطعَتْ ذلكَ عنهُ وأرادَ سَفرًا وكانَتْ في دارٍ ليسَ مَعها فيها أحَدٌ إلَّا ذُو مَحرَمٍ مِنها، فقالَ لها عندَ خُروجِه وحَرَّمَ عليها ألَّا تَخرجَ مِنْ عَتَبةِ بَيتِه، فأمَرتُها أنْ تَخرجَ إليهِم، ورَأيتُ ذلكَ ضَررًا مِنْ فِعلِه. قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه: إنهُ ليسَ لهُ أنْ يَمنعَ زوْجتَهُ مِنْ الخُروجِ إلى أبيها وأخيها، وأنهُ يُقضَى عليه بذلكَ هوَ مِثلُ ما في رَسْمِ الطَّلاقِ الثَّاني مِنْ سَماعِ أشهَبَ مِنْ كِتابِ الأيمانِ بالطَّلاقِ، خِلافُ ما ذهَبَ إليهِ ابنُ حَبيبٍ مِنْ أنهُ لا يُقضَى عليهِ حتَّى يَمنعَها مِنْ الخُروجِ إليهم ويَمنعَهُم مِنْ الدُّخولِ إليها، فحِينئذٍ يُقضَى عليه بأحَدِ الوَجهَينِ، كما أنهُ لا يَحنَثُ إذا حَلَفَ حتَّى يَحلِفَ على الطَّرفَينِ فيَحنثَ في أحَدِهم، وهذا الخِلافُ عندِي إنَّما هو في الشَّابةِ المَأمونةِ، وأمَّا المُتَجالَّةُ فلا اختِلافَ في أنهُ يُقضَى لها بالخُروجِ إلى زِيارةِ أبيها وأخِيها، وأمَّا الشَّابةُ غيرُ المَأمونةِ في نَفسِها فلا اختِلافَ في أنهُ لا يُقضَى لها بالخُروجِ إلى ذلكَ ولا إلى الحَجِّ، ورَوى ذلكَ ابنُ عَبدِ الحَكمِ عَنْ مالِكٍ، والشَّابةُ مَحمولةٌ على أنها مَأمونةٌ حتَّى يَثبتَ عليها بأنها غيرُ مَأمونةٍ، هذا تَحصيلُ القَولِ في هذهِ المَسألةِ على ما تَدلُّ عليه هذهِ الرِّوايةُ وغَيرُها، ويَلزمُ الرَّجلَ أنْ يَأذنَ لامرأتِه في أنْ يَدخلَ عليها ذَواتُ رَحِمِها مِنْ النِّساءِ، ولا يكونُ ذلكَ مِنْ الرِّجالِ إلَّا في ذِي المَحرَمِ مِنهم خاصَّةً (١).

стр. 9759

وليسَ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ أبَوَي زوْجتِهِ أنْ يَدخُلا إليها، وليسَ لهُ أنْ يَمنعَ أولادَها مِنْ غيرِه أنْ يَدخلوا إليها، بل يُقضَى عليه بدُخولِ هؤلاءِ لتَفقُّدِ حالِ أولادِها، ويَتفقَّدُ الأبَوانِ حالَ ابنتِهما، وقَد ندَبَ الشَّرعُ إلى المُواصَلةِ، والعادةُ جارِيةٌ بذلكَ. ويَلزمُ الرَّجلَ أنْ يَأذنَ لامرأتِه أنْ يَدخلَ عليها ذَواتُ رَحِمِها مِنْ النِّساءِ، ولا يكونُ ذلكَ في الرِّجالِ إلِّا في ذَوِي المَحرَمِ مِنها خاصَّةً. وإذا حلَفَ على مَنعِ أبوَيها فإنهُ يَحنثُ ويُقضَى عليه بدُخولِهما، وكذلكَ إذا كانَتِ المَرأةُ مَأمونةً فحلَفَ عليها زَوجُها أنْ لا تَزُورَ والدَيها، فإنهُ يَحنثُ في يَمينِه بأنْ يَحكمَ لها القاضي بالخُروجِ إليهما للزِّيارةِ أو لغَيرِها مِمَّا فيهِ مَصلحةٌ، فيَحنثُ في يَمينِه حِينئذٍ، وسَواءٌ الشَّابةُ وغَيرُها، وأمَّا غَيرُ المَأمونةِ لا يُقضَى عليه بخُروجِها لزِيارةِ أبوَيها ولو معَ أمينةٍ اتِّفاقًا إنْ كانَتْ شَابةً، وأمَّا المُتَجالَّةُ فيَجوزُ خُروجُها باتِّفاقٍ. وإذا كانَ للمرأةِ أولادٌ صِغارٌ مِنْ غيرِ الزَّوجِ فإنهُ يُقضَى لهُم بالدُّخولِ على أمِّهم في كُلِّ يَومٍ مرَّةً لتَتفقَّدَ أمُّهم حالَهم، وإنْ كانُوا كِبارًا فإنهُ يُقضَى لهم بالدُّخولِ إليها في كلِّ جُمعةٍ مرَّةً واحِدةً، وأمَّا الأبَوانِ فإنهُ يُقضَى لهُما بالدُّخولِ عليها في كلِّ أسبُوعٍ مرَّةً واحِدةً، فإنِ اتَّهمَهُما الزَّوجُ في إفسادِ زوْجتَه وأشبَهَ قَولَه بالقَرائِنِ فإنهُما يَدخلانِ عليها في كلِّ جُمعةٍ مرَّةً مع أمينةٍ مِنْ جِهتِه لا تُفارِقُهما؛ لِئلَّا يَختَلِيا بها فيُغيِّرانِ حالَها على زَوجِها، وبعِبارةٍ ومعَ أمينةٍ وحُضورِ الزَّوجِ أيضًا، والمُرادُ بحُضورِه أنْ لا يكونَ

стр. 9760

غائِبًا عن البَلدِ، وإلَّا فليسَ لهُما أنْ يأتِيا بأمينةٍ؛ لأنها مِنْ جِهتِه لا مِنْ جِهتِهما. ولا يَمنعُ أخاها وعَمَّها وخالَها وابنَ أخِيها وابنَ أختِها، ولا يَبلغُ بمَنعِهم الدُّخولَ لها وخُروجَها لهم مَبلغَ الأبوَينِ في التَّحنيثِ؛ إذْ لا حِنثَ في غَيرِهما (١). أيُّهما أوجَبُ على المَرأةِ: طاعةُ الزَّوجِ أم الأبَوَينِ؟ قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: المرأةُ المتزوِّجةُ طاعتُها لزَوجِها أفضلُ مِنْ طاعتِها لأبوَيها؛ بخِلافِ الأيِّمةِ فإنها مَأمورةٌ بطاعةِ أبَوَيها (٢). وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عنِ امرأةٍ تَزوجَتْ وخَرجَتْ عن حُكمِ والدَيها، فأيُّهما أفضلُ؛ بِرُّها لوالدَيها أو مُطاوَعةُ زَوجِها؟ فأجابَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، المرأةُ إذا تَزوجَتْ كانَ زَوجُها أملَكَ بها مِنْ أبوَيها، وطاعَةُ زَوجِها عليها أوجَبُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وفي الحَديثِ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «الدُّنيا مَتاعٌ، وخَيرُ مَتاعِها المَرأةُ الصَّالِحةُ، إذا نَظرْتَ إليها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبتَ عنها حَفظَتْكَ في نَفسِها ومَالِكَ». وفي صَحيحِ أبي حاتِمٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 9761

«إذا صَلَّتِ المرأةُ خَمْسَها وصامَتْ شَهرَها وحَصَّنَتْ فَرْجَها وأطاعَتْ بَعلَها دَخلَتْ مِنْ أيِّ أبوابِ الجَنَّةِ شاءَتْ». وفي التِّرمذيِّ عَنْ أمِّ سلَمةَ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزَوجُها راضٍ عنها دَخلَتِ الجَنَّةَ»، وقالَ التِّرمذيُّ: حَديثٌ حَسنُ. وعن أبي هُريرةَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لو كُنْتُ آمِرًا لأحدٍ أنْ يَسجدَ لأحدٍ لأمَرْتُ المَرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها» أخرجَهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ، وأخرجَهُ أبو داودَ ولَفظُه: «لَأمرْتُ النِّساءَ أنْ يَسجُدْنَ لأزواجِهنَّ، لِمَا جعَلَ اللهُ لهم عليهنَّ مِنَ الحُقوقِ». وفي المُسنَدِ عن أنسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَصلحُ لبَشَرٍ أنْ يَسجُدَ لبَشرٍ، ولو صَلحَ لبَشرٍ أنْ يَسجدَ لبَشرٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها مِنْ عِظَمِ حقِّهِ عليها، والَّذي نَفسي بيَدهِ لو كانَ مِنْ قَدَمِهِ إلى مَفرِقِ رَأسِه قُرحةٌ تَجري بالقَيحِ والصَّديدِ ثمَّ استَقبلَتْه فلَحسَتْهُ ما أدَّتْ حقَّهُ». وفي المُسنَدِ وسُننِ ابنِ ماجةَ عن عائِشةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لو أَمرْتُ أحَدًا أنْ يَسجدَ لِأحدٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها، ولو أنَّ رَجلًا أمَرَ امرأتَه أنْ تَنقُلَ مِنْ جَبلٍ أحمَرَ إلى جَبلٍ أسوَدَ ومِن جَبلٍ أسودَ إلى جَبلٍ أحمرَ لَكانَ لها أنْ تَفعلَ»، أي لَكانَ حقُّها أنْ تَفعلَ، وكذلكَ في المُسنَدِ وسُننِ ابنِ ماجةَ وصَحيحِ ابنِ حِبَّانَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي أَوفى قالَ: «لمَّا قَدِمَ معاذٌ مِنْ الشَّامِ سجَدَ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: ما هذا يا مُعاذُ؟ قالَ: أتيْتُ

стр. 9762

الشَّامَ فوَجدْتُهم يَسجدونَ لأساقِفتِهم وبَطارِقتِهم، فوَددْتُ في نَفسي أنْ نَفعلَ ذلكَ بكَ يا رَسولَ اللهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَفعلُوا ذلكَ؛ فإنِّي لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجدَ لغَيرِ اللهِ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها، والَّذي نَفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه لا تُؤدِّي المَرأةُ حقَّ ربِّها حتَّى تُؤدِّيَ حقَّ زَوجِها، ولو سَألها نفْسَها وهيَ على قَتَبٍ لم تَمنعْهُ». وعَن طَلقِ بنِ عليٍّ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما رَجلٍ دَعا زوْجتَه لحاجتِهِ فلْتأْتهِ ولو كانَتْ على التَّنورِ»، رَواهُ أبو حاتِمٍ في صَحيحِه والتِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ. وفي الصَّحيحِ عن أبي هَريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا دَعا الرَّجلِ امرأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ أن تَجيءَ فباتَ غَضبانًا عليها لَعنَتْها المَلائكةُ حتَّى تُصبِحَ»، والأحاديثُ في ذلكَ كثيرةٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ . وقالَ زيدُ بنُ ثابِتٍ: الزَّوجُ سَيِّدٌ في كِتابِ اللهِ، وقرَأَ قَولَه تعالَى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]. وقالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «النِّكاحُ رِقٌّ، فلْيَنظُرْ أحَدُكم عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَريمتَه». وفي التِّرمذيِّ وغَيرِه عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا، فإنِّما هُنَّ عِندكُم عَوانٌ»، فالمرأةُ عِنْدَ زَوجِها تُشبِهُ الرَّقيقَ والأسيرَ، فليسَ لها أنْ تَخرجَ مِنْ مَنزلِه إلَّا بإذنِه، سَواءٌ أمَرَها أبوها أو أمُّها أو غَيرُ

стр. 9763

أبَوَيها باتِّفاقِ الأئِمةِ، وإذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يَنتقلَ إلى مكانٍ آخَرَ مع قيامِه بما يَجبُ عليهِ وحَفظَ حُدودَ اللهِ فيها ونهاها أبوها عَنْ طاعَتِه في ذلكَ فعَليها أنْ تُطيعَ زوْجَها دونَ أبَوَيها؛ فإنَّ الأبوَينِ هُما ظالِمانِ، ليسَ لهُما أنْ يَنهَياها عن طاعَةِ مثلِ هذا الزَّوجِ، وليسَ لها أنْ تُطيعَ أمَّها فيما تَأمرُها به مِنْ الاختِلاعِ منهُ أو مُضاجَرتِه حتَّى يُطلِّقَها، مثلَ أنْ تُطالبَه مِنْ النَّفقةِ والكِسوةِ والصَّداقِ بما تَطلبُه ليُطلِّقَها، فلا يَحِلُّ لها أنْ تُطيعَ واحدًا مِنْ أبوَيها في طلاقِه إذا كانَ مُتَّقيًا للهِ فيها. ففي السُّننِ الأربعةِ وصَحيحِ أبي حاتمٍ عن ثَوبانَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ سَألتْ زوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غيرِ ما بأسٍ فحَرامٌ عليها رائِحةُ الجَنَّةِ»، وفي حَديثٍ آخَرَ: «المُختلِعاتُ والمُنتزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ». وأمَّا إذا أمَرَها أبَواها أو أحَدُهما بما فيهِ طاعةُ اللهِ مثلَ المُحافَظةِ على الصَّلَواتِ وصِدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانةِ ونهَوَها عنْ تَبذيرِ مالِها وإضاعتِهِ ونحوِ ذلكِ ممَّا أمَرَ اللهُ ورَسولُه أو نهَاها اللهُ ورَسولُه عنهُ فعَليها أنْ تُطيعَهُما في ذلكَ ولو كانَ الأمرُ مِنْ غَيرِ أبَوَيها، فكيفَ إذا كانَ مِنْ أبَوَيها؟! وإذا نهاها الزَّوجُ عمَّا أمَرَ اللهُ أو أمَرَها بما نهَى اللهُ عنهُ لم يكنْ لها أنْ تُطيعَه في ذلكَ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّهُ لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ»، بلِ المالِكِ لو أمَرَ مَملوكَه بما فيهِ مَعصيةٌ للهِ لم يَجُزْ له أنْ يُطيعَه في مَعصيةٍ، فكيفَ يَجوزُ أنْ تُطيعَ المرأةُ زوْجَها أو أحَدَ

стр. 9764

أبَوَيها في مَعصيةٍ؟! فإنَّ الخيرَ كلَّه في طاعةِ اللهِ ورَسولِه، والشَّرَّ كلَّه في مَعصيةِ اللهِ ورسولهِ (١). للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ الذَّهابِ للمَسجدِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ على أنه يَجوزُ للمرأةِ الذَّهابُ للمَسجدِ بإذنِ زَوجِها بالشُّروطِ الَّتي يَجبُ تَوافُرها، واتَّفقُوا على أنهُ يُستحبُّ للزَّوجِ أنْ يأذنَ لها في الذَّهابِ للمَسجدِ على تَفصيلٍ عندَهم في هذا؛ للأحاديثِ الوارِدةِ منهُ ﷺ ، مِنها ما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ» (٢). ورَوى البُخاريُّ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «كانَتِ امرأةٌ لعُمرَ تَشهَدُ صلاةَ الصُّبحِ والعِشاءِ في الجَماعةِ في المَسجدِ، فقيلَ لها: لمَ تَخرجِينَ وقدْ تَعلمِينَ أنَّ عُمرَ يَكرهُ ذلكَ ويَغارُ؟ قالَتْ: وما يَمنعُه أنْ يَنهاني؟ قالَ: يَمنعُه قَولُ رسولِ اللهِ ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ» (٣). وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إذا استَأذنَكُم نِساؤُكُم إلى المَساجِدِ فأذَنُوا لهنَّ» (٤)، وفي لفظٍ: «إذا استَأذنَتِ امرأةُ أحَدِكم فلا يَمنعْها» (٥).

стр. 9765

إلَّا أنَّ الفقُهاءَ اختَلفُوا في الزَّوجِ، هل لهُ أنْ يَمنعَ زوْجتَهُ مِنْ الخروجِ للمَسجدِ للصَّلاةِ؟ أم لا يَجوزُ له مَنعُها؟ فذهَبَ أكثرُ العُلماءِ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المذهَبِ (وهو مَحكيٌّ عنِ الحنفيَّةِ والمالِكيةِ) إلى أنهُ يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ الذَّهابِ للمَسجدِ؛ لِمَا رُويَ مَرفوعًا: «لا يَحلُّ لامرأةٍ أنْ تأذَنَ في بيتِ زَوجِها وهو كارِهٌ، ولا تَخرجَ وهو كارِهٌ» (١). وروى ابنُ عمرَ ﵄: «أنَّ امرأةً أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: ما حَقُّ الزَّوجِ على امرَأتِه؟ قالَ: لا تَخرجُ مِنْ بَيتِها إلَّا بإذنِه، فإنْ فَعلَتْ لَعنَتْها مَلائكةُ اللهِ ومَلائكةُ الرَّحمةِ ومَلائكةُ الغَضبِ حتَّى تَتوبَ أو تَرْجِعَ، قالَتْ: يا نَبيَّ اللهِ فإنْ كانَ لها ظالمًا؟ قالَ: وإنْ كانَ لها ظالِمًا، قالَتْ: والَّذي بَعثَكَ بالحقِّ، لا يَملِكُ عَليَّ أمرِي أحَدٌ بعدَ هذا أبدًا ما بَقِيتُ» (٢). ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «المرأةُ عَورةٌ، فإذا خرَجَتْ استَشرَفَها الشَّيطانُ، وأقرَبُ ما تكونُ مِنْ وَجهِ رَبِّها وهي في قَعرِ بَيتِها» (٣). ولأنها تَفوِّتُ بالخُروجِ ما يَملكُ عليها مِنْ الاستِمتاعِ.

стр. 9766

وأمَّا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، ورُويَ: «لا تَمنعُوا نِساءَكُم المَساجِدَ» أنهُ لو لم يَكنْ للزَّوجِ إذنٌ في ذلكَ لَأمَرَها أنْ تَخرجَ أَذِنَ أو لم يَأذنْ. وللعلماءِ فيهِ تأويلاتٌ: أحَدُها: أنهُ أرادُ بهِ الاستِحبابَ في غَيرِ ذَواتِ الهَيئاتِ. والثَّاني: أنهُ أرادَ بهِ الاستِحبابَ في الجُمَعِ والأعيادِ. والثَّالثُ: أنهُ أرادَ بهِ المَسجدَ الحَرامَ إذا أرادَتِ الحَجَّ، وهذا التَّأويلُ ضعيفٌ؛ لأنهُ قالَ: «مَساجدَ اللهِ» وذلكَ جَمْعٌ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: ولا نَعلمُ خِلافًا بيْنَ العُلماءِ أنَّ المرأةَ لا تَخرجُ إلى المَسجدِ إلَّا بإذنِ زَوجِها، وهوَ قولُ ابنِ المُبارَكِ والشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمَدَ وغَيرِهم، لكنْ مِنْ المُتقدِّمينَ مَنْ كانَ يَكتفِي في إذنِ الزَّوجِ بعِلمهِ بخُروجِ المرأةِ مِنْ غيرِ مَنعٍ، كما قالَ بَعضُ الفُقهاءِ: «إنَّ العَبدَ يَصيرُ مَأذونًا لهُ في التِّجارةِ بعِلمِ السَّيدِ بتَصرُّفِه في مالهِ مِنْ غيرِ مَنعٍ»، فروَى مالِكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ: «أنَّ عاتِكةَ بِنتَ زَيدٍ كانَت تَستأذِنُ زوْجَها عُمرَ بنَ الخطَّابِ إلى المَسجدِ فيَسكُتُ، فتَقولُ: واللهِ لَأخرُجَنَّ إلَّا أنْ تَمنعَنِي، فلا يَمنعُها».

стр. 9767

ورُويَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «كانَتِ امرأةٌ لعُمرَ تَشهَدُ صلاةَ الصُّبحِ والعِشاءِ في الجَماعةِ في المَسجدِ، فقيلَ لها: لمَ تَخرجِينَ وقَد تَعلَمينَ أنَّ عُمرَ يَكرهُ ذلكَ ويَغارُ؟ قالَتْ: وما يَمنعَه أنْ يَنهاني؟ قالَ: يَمنعَه قولُ رسولِ اللهِ ﷺ : «لا تَمنعَوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ». خَرَّجَه البُخاريُّ مِنْ حَديثِ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ، وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ مِنْ رِوايةِ سالِمٍ عن عمرَ مُنقطِعًا (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، هذا وشَبَهُه مِنْ أحاديثِ البابِ ظاهِرٌ في أنها لا تُمنعُ المَسجِدَ، لكنْ بشُروطٍ ذكَرَها العلماءُ مَأخوذةٍ مِنْ الأحاديثِ، وهوَ أنْ لا تكونَ مُتطيِّبةً ولا مُتزيِّنةً ولا ذاتَ خَلاخِلَ يُسمَعُ صوتُها ولا ثِيابٍ فاخِرةٍ ولا مُختلِطةً بالرِّجالِ ولا شابَّةً ونحوَها ممَّن يُفتتَنُ بها، وأنْ لا يكونَ في الطَّريقُ ما يُخافُ بهِ مَفسدةٌ ونحوُها. وهذا النَّهيُ عنْ مَنعِهنَّ مِنْ الخُروجِ مَحمولٌ على كَراهةِ التَّنزيهِ إذا كانَتِ المرأةُ ذاتَ زَوجٍ أو سَيِّدٍ، ووُجدَتِ الشُّروطُ المَذكورةُ، فإنْ لَم يَكنْ لها زَوجٌ ولا سيِّدٌ حَرُمَ المَنعُ إذا وُجدَتِ الشُّروطُ (٢). وقالَ في «المَجمُوع»: يُستحبُّ للزَّوجِ أنْ يأذَنَ لها إذا استَأذنَتْه إلى المَسجدِ للصَّلاةِ إذا كانَت عَجوزًا لا تُشتَهى وأَمِنَ المَفسدةَ عليها وعلى

стр. 9768

غَيرِها؛ للأحاديثِ المَذكورةِ، فإنْ منَعَها لم يَحرُمْ عليهِ، هذا مَذهبُنا، قالَ البَيهقيُّ: وبهِ قالَ عامَّةُ العُلماءِ، ويُجابُ عن حَديثِ: «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ» بأنهُ نَهيُ تَنزيهٍ؛ لأنَّ حقَّ الزَّوجِ في مُلازَمةِ المَسكَنِ واجبٌ، فلا تَتركُه للفَضيلةِ (١). وقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀ في شَرحهِ لحَديثِ «إذا استَأذنَتْ أحَدَكُم امرأتُه إلى المَسجدِ فلا يَمنعْها»: هذا الأمرُ للأزواجِ هل هوَ على سَبيلِ الوُجوبِ؟ أو على سَبيلِ النَّدبِ؟ حمَلَه البَيهقيُّ على النَّدبِ، واستَدلَّ على ذلكَ بما رُواه بإسنادِه مِنْ رِوايةِ عبدِ الحَميدِ بنِ المُنذِرِ بنِ أبي حميدٍ عن أبيهِ عن جَدَّتِه أمِّ حميدٍ أنها قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّا نُحبُّ الصَّلاةَ -تعني مَعكَ- فيَمنعُنا أزواجُنا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «صَلاتُكنَّ في بُيوتِكنَّ خَيرٌ مِنْ صَلاتكنَّ في دُورِكُنَّ، وصَلاتكُنَّ في دُورِكُنَّ أفضَلُ مِنْ صَلاتكُنَّ في مَسجدِ الجَماعةِ»، قالَ البَيهقيُّ: وفيهِ دَلالةٌ على أنَّ الأمْرَ بأنْ لا يُمنَعْنَ أمرُ نَدبٍ واستِحبابٍ، لا أمرُ فَرضٍ وإيجابٍ، قالَ: وهو قَولُ العامَّةِ مِنْ أهلِ العِلمِ. انتهى. وكذا جزَمَ بهِ ابنُ بطَّالٍ فقالَ: إنَّ نهيَهُ عن مَنعِها مِنْ الصَّلاةِ في المَساجِدِ نَهيُ أدَبٍ، لا أنهُ واجِبٌ عليهِ أنْ لا يَمنعَها … وفيهِ دليلٌ على أنَّ المرأةَ لا تَخرجُ إلى المَسجدِ إلَّا بإذنِ زَوجِها أو

стр. 9769

غَيرِه مِنْ أوليائِها، قالَه ابنُ بطَّالٍ وغَيرُه، وقالَ ابنُ دَقيق العِيد: قيلَ: إنَّ فيهِ دَليلًا على أنَّ للزَّوجِ منْعَ امرأتِه مِنَ الخُروجِ إلَّا بإذنِه (١). وقالَ ابنُ قُدامَةَ ﵀: وإنْ كانَتْ مُسلِمةً فقالَ القاضي: لهُ مَنعُها مِنْ الخُروجِ إلى المَساجِدِ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ، وظاهِرُ الحَديثُ يَمنعُه مِنْ مَنعِها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، ورُويَ أنَّ الزُّبيرَ تَزوَّجَ عاتِكةَ بنتَ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ، وكانَتْ تَخرجُ إلى المَساجِدِ وكان غَيُورًا فيَقولُ لها: لو صَلِّيتِ في بَيتِكِ، فتقولُ: لا أزالُ أخرُجُ أو تَمنعَني»، فكَرِهَ منْعَها لهذا الخبَرِ (٢). للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه الذمِّيةَ مِنْ الذَّهابِ للكَنيسةِ ودُورِ العِبادةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ ذمِّيةٍ، هل له أنْ يَمنعَها مِنْ الذَّهابِ للكَنيسةِ؟ أم ليسَ له أنْ يَمنعَها؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ ذمِّيةٍ فلهُ مَنعُها مِنْ الخُروجِ إلى دُورِ العِبادةِ الكَنيسةِ والبِيعةِ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بطاعةٍ ولا نَفعٍ، نصَّ عليهِ أحمَدُ في رِوايةِ يَعقوبَ بنِ بَختانَ في الرَّجلِ تَكونُ له المرأةُ النَّصرانيةُ: لا يأذَنُ لها في الخُروجِ إلى عِيدِ النَّصارَى أو البِيعةِ.

стр. 9770

وقالَ أحمَدُ في الرَّجلِ تكونُ له المَرأةُ أو الأمَةُ النَّصرانيةُ يَشتري لها زنَّارًا، قالَ: لا، بل تَخرجُ هيَ تَشتري لنَفسِها، فقيلَ لهُ: جارِيَتُه تَعملُ الزَّنانيرَ؟ قالَ: لا. وقالَ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ يَحيى الكحَّالِ وأبي الحارِثِ في الرَّجلِ تكونُ له الجارِيةُ النَّصرانيةُ تَسألُه الخُروجَ إلى أعيادِهِم وكَنائِسِهم وجُمُوعِهم: لا يأذَنُ لها في ذلكَ. قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقَد علَّلَ القاضي المَنعَ بأنهُ يَفُوتُ حقُّه مِنْ الاستِمتاعِ، وهو عليها لهُ في كلِّ وَقتٍ، وهذا غَيرُ مُرادِ أحمَدَ، ولا يَدلُّ لَفظُه عليهِ، فإنَّه منَعَه مِنْ الإذنِ لها، ولو كانَ ذلكَ لِحقِّه لَقالَ: لا تَخرجُ إلَّا بإذنِه، وإنَّما وَجهُ ذلكَ أنَّه لا يُعينُها على أسبابِ الكُفرِ وشَعائرِه ولا يأذَنُ لها فيهِ. قالَ القاضي: وإذا كانَ له مَنعُ المُسلمةِ مِنْ إتيانِ المَساجدِ فمَنعُ الذمِّيةِ مِنْ الكَنيسةِ أَولى. وهذا دَليلٌ فاسِدٌ؛ فإنهُ لا يَجوزُ له مَنعُ المُسلمةِ مِنْ المَساجِدِ، وأعجَبُ مِنْ هذا أنهُ أَورَدَ الحَديثَ وأجابَ عنهُ بجَوابَينِ فاسِدينِ: أحَدُهما: أنَّ المُرادَ به صَلاةُ العِيدِ خاصَّةً. والثَّاني: المُرادُ بهِ مَنعُها مِنْ الحَجِّ إلى المَسجدِ الحَرامِ، ولا يَخفَى بُطلانُ الجَوابَينِ (١).
следующие страницы →