وأمَّا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، ورُويَ: «لا تَمنعُوا نِساءَكُم المَساجِدَ» أنهُ لو لم يَكنْ للزَّوجِ إذنٌ في ذلكَ لَأمَرَها أنْ تَخرجَ أَذِنَ أو لم يَأذنْ.
وللعلماءِ فيهِ تأويلاتٌ:
أحَدُها: أنهُ أرادُ بهِ الاستِحبابَ في غَيرِ ذَواتِ الهَيئاتِ.
والثَّاني: أنهُ أرادَ بهِ الاستِحبابَ في الجُمَعِ والأعيادِ.
والثَّالثُ: أنهُ أرادَ بهِ المَسجدَ الحَرامَ إذا أرادَتِ الحَجَّ، وهذا التَّأويلُ ضعيفٌ؛ لأنهُ قالَ: «مَساجدَ اللهِ» وذلكَ جَمْعٌ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: ولا نَعلمُ خِلافًا بيْنَ العُلماءِ أنَّ المرأةَ لا تَخرجُ إلى المَسجدِ إلَّا بإذنِ زَوجِها، وهوَ قولُ ابنِ المُبارَكِ والشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمَدَ وغَيرِهم، لكنْ مِنْ المُتقدِّمينَ مَنْ كانَ يَكتفِي في إذنِ الزَّوجِ بعِلمهِ بخُروجِ المرأةِ مِنْ غيرِ مَنعٍ، كما قالَ بَعضُ الفُقهاءِ: «إنَّ العَبدَ يَصيرُ مَأذونًا لهُ في التِّجارةِ بعِلمِ السَّيدِ بتَصرُّفِه في مالهِ مِنْ غيرِ مَنعٍ»، فروَى مالِكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ: «أنَّ عاتِكةَ بِنتَ زَيدٍ كانَت تَستأذِنُ زوْجَها عُمرَ بنَ الخطَّابِ إلى المَسجدِ فيَسكُتُ، فتَقولُ: واللهِ لَأخرُجَنَّ إلَّا أنْ تَمنعَنِي، فلا يَمنعُها».
стр. 9767
ورُويَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «كانَتِ امرأةٌ لعُمرَ تَشهَدُ صلاةَ الصُّبحِ والعِشاءِ في الجَماعةِ في المَسجدِ، فقيلَ لها: لمَ تَخرجِينَ وقَد تَعلَمينَ أنَّ عُمرَ يَكرهُ ذلكَ ويَغارُ؟ قالَتْ: وما يَمنعَه أنْ يَنهاني؟ قالَ: يَمنعَه قولُ رسولِ اللهِ ﷺ : «لا تَمنعَوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ». خَرَّجَه البُخاريُّ مِنْ حَديثِ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ، وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ مِنْ رِوايةِ سالِمٍ عن عمرَ مُنقطِعًا (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، هذا وشَبَهُه مِنْ أحاديثِ البابِ ظاهِرٌ في أنها لا تُمنعُ المَسجِدَ، لكنْ بشُروطٍ ذكَرَها العلماءُ مَأخوذةٍ مِنْ الأحاديثِ، وهوَ أنْ لا تكونَ مُتطيِّبةً ولا مُتزيِّنةً ولا ذاتَ خَلاخِلَ يُسمَعُ صوتُها ولا ثِيابٍ فاخِرةٍ ولا مُختلِطةً بالرِّجالِ ولا شابَّةً ونحوَها ممَّن يُفتتَنُ بها، وأنْ لا يكونَ في الطَّريقُ ما يُخافُ بهِ مَفسدةٌ ونحوُها.
وهذا النَّهيُ عنْ مَنعِهنَّ مِنْ الخُروجِ مَحمولٌ على كَراهةِ التَّنزيهِ إذا كانَتِ المرأةُ ذاتَ زَوجٍ أو سَيِّدٍ، ووُجدَتِ الشُّروطُ المَذكورةُ، فإنْ لَم يَكنْ لها زَوجٌ ولا سيِّدٌ حَرُمَ المَنعُ إذا وُجدَتِ الشُّروطُ (٢).
وقالَ في «المَجمُوع»: يُستحبُّ للزَّوجِ أنْ يأذَنَ لها إذا استَأذنَتْه إلى المَسجدِ للصَّلاةِ إذا كانَت عَجوزًا لا تُشتَهى وأَمِنَ المَفسدةَ عليها وعلى
стр. 9768
غَيرِها؛ للأحاديثِ المَذكورةِ، فإنْ منَعَها لم يَحرُمْ عليهِ، هذا مَذهبُنا، قالَ البَيهقيُّ: وبهِ قالَ عامَّةُ العُلماءِ، ويُجابُ عن حَديثِ: «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ» بأنهُ نَهيُ تَنزيهٍ؛ لأنَّ حقَّ الزَّوجِ في مُلازَمةِ المَسكَنِ واجبٌ، فلا تَتركُه للفَضيلةِ (١).
وقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀ في شَرحهِ لحَديثِ «إذا استَأذنَتْ أحَدَكُم امرأتُه إلى المَسجدِ فلا يَمنعْها»:
هذا الأمرُ للأزواجِ هل هوَ على سَبيلِ الوُجوبِ؟ أو على سَبيلِ النَّدبِ؟ حمَلَه البَيهقيُّ على النَّدبِ، واستَدلَّ على ذلكَ بما رُواه بإسنادِه مِنْ رِوايةِ عبدِ الحَميدِ بنِ المُنذِرِ بنِ أبي حميدٍ عن أبيهِ عن جَدَّتِه أمِّ حميدٍ أنها قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّا نُحبُّ الصَّلاةَ -تعني مَعكَ- فيَمنعُنا أزواجُنا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «صَلاتُكنَّ في بُيوتِكنَّ خَيرٌ مِنْ صَلاتكنَّ في دُورِكُنَّ، وصَلاتكُنَّ في دُورِكُنَّ أفضَلُ مِنْ صَلاتكُنَّ في مَسجدِ الجَماعةِ»، قالَ البَيهقيُّ: وفيهِ دَلالةٌ على أنَّ الأمْرَ بأنْ لا يُمنَعْنَ أمرُ نَدبٍ واستِحبابٍ، لا أمرُ فَرضٍ وإيجابٍ، قالَ: وهو قَولُ العامَّةِ مِنْ أهلِ العِلمِ. انتهى.
وكذا جزَمَ بهِ ابنُ بطَّالٍ فقالَ: إنَّ نهيَهُ عن مَنعِها مِنْ الصَّلاةِ في المَساجِدِ نَهيُ أدَبٍ، لا أنهُ واجِبٌ عليهِ أنْ لا يَمنعَها …
وفيهِ دليلٌ على أنَّ المرأةَ لا تَخرجُ إلى المَسجدِ إلَّا بإذنِ زَوجِها أو
стр. 9769
غَيرِه مِنْ أوليائِها، قالَه ابنُ بطَّالٍ وغَيرُه، وقالَ ابنُ دَقيق العِيد: قيلَ: إنَّ فيهِ دَليلًا على أنَّ للزَّوجِ منْعَ امرأتِه مِنَ الخُروجِ إلَّا بإذنِه (١).
وقالَ ابنُ قُدامَةَ ﵀: وإنْ كانَتْ مُسلِمةً فقالَ القاضي: لهُ مَنعُها مِنْ الخُروجِ إلى المَساجِدِ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ، وظاهِرُ الحَديثُ يَمنعُه مِنْ مَنعِها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَمنعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، ورُويَ أنَّ الزُّبيرَ تَزوَّجَ عاتِكةَ بنتَ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ، وكانَتْ تَخرجُ إلى المَساجِدِ وكان غَيُورًا فيَقولُ لها: لو صَلِّيتِ في بَيتِكِ، فتقولُ: لا أزالُ أخرُجُ أو تَمنعَني»، فكَرِهَ منْعَها لهذا الخبَرِ (٢).
للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه الذمِّيةَ مِنْ الذَّهابِ للكَنيسةِ ودُورِ العِبادةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ ذمِّيةٍ، هل له أنْ يَمنعَها مِنْ الذَّهابِ للكَنيسةِ؟ أم ليسَ له أنْ يَمنعَها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ ذمِّيةٍ فلهُ مَنعُها مِنْ الخُروجِ إلى دُورِ العِبادةِ الكَنيسةِ والبِيعةِ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بطاعةٍ ولا نَفعٍ، نصَّ عليهِ أحمَدُ في رِوايةِ يَعقوبَ بنِ بَختانَ في الرَّجلِ تَكونُ له المرأةُ النَّصرانيةُ: لا يأذَنُ لها في الخُروجِ إلى عِيدِ النَّصارَى أو البِيعةِ.
стр. 9770
وقالَ أحمَدُ في الرَّجلِ تكونُ له المَرأةُ أو الأمَةُ النَّصرانيةُ يَشتري لها زنَّارًا، قالَ: لا، بل تَخرجُ هيَ تَشتري لنَفسِها، فقيلَ لهُ: جارِيَتُه تَعملُ الزَّنانيرَ؟ قالَ: لا.
وقالَ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ يَحيى الكحَّالِ وأبي الحارِثِ في الرَّجلِ تكونُ له الجارِيةُ النَّصرانيةُ تَسألُه الخُروجَ إلى أعيادِهِم وكَنائِسِهم وجُمُوعِهم: لا يأذَنُ لها في ذلكَ.
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقَد علَّلَ القاضي المَنعَ بأنهُ يَفُوتُ حقُّه مِنْ الاستِمتاعِ، وهو عليها لهُ في كلِّ وَقتٍ، وهذا غَيرُ مُرادِ أحمَدَ، ولا يَدلُّ لَفظُه عليهِ، فإنَّه منَعَه مِنْ الإذنِ لها، ولو كانَ ذلكَ لِحقِّه لَقالَ: لا تَخرجُ إلَّا بإذنِه، وإنَّما وَجهُ ذلكَ أنَّه لا يُعينُها على أسبابِ الكُفرِ وشَعائرِه ولا يأذَنُ لها فيهِ.
قالَ القاضي: وإذا كانَ له مَنعُ المُسلمةِ مِنْ إتيانِ المَساجدِ فمَنعُ الذمِّيةِ مِنْ الكَنيسةِ أَولى.
وهذا دَليلٌ فاسِدٌ؛ فإنهُ لا يَجوزُ له مَنعُ المُسلمةِ مِنْ المَساجِدِ، وأعجَبُ مِنْ هذا أنهُ أَورَدَ الحَديثَ وأجابَ عنهُ بجَوابَينِ فاسِدينِ:
أحَدُهما: أنَّ المُرادَ به صَلاةُ العِيدِ خاصَّةً.
والثَّاني: المُرادُ بهِ مَنعُها مِنْ الحَجِّ إلى المَسجدِ الحَرامِ، ولا يَخفَى بُطلانُ الجَوابَينِ (١).
стр. 9771
وقالَ أيضًا: فصلٌ: أداءُ الزَّوجةِ الكِتابيةِ شَعائِرَها التَّعبُّديةَ:
وقالَ أحمدُ في رِوايةِ مُهنَّا وقد سألَهُ: هل يَمنعُها أنْ تُدخِلَ مَنزلَه الصَّليبَ؟ قالَ: يأمُرُها، فأمَّا أنْ يَمنعَها فلا.
وقالَ في روايةِ مُحمدِ بنِ يَحيى الكحَّالِ في الرَّجلِ تكونُ لهُ امرأةٌ أو أمَةٌ نَصرانيةٌ تَقولُ: «اشتَرِ لي زُنَّارًا» فلا يشتَري لها: تَخرجُ هيَ تَشترِي، فقيلَ لهُ: جارِيتُه تَعملُ الزَّنانيرَ؟ قالَ: لا.
قالَ القاضي: أمَّا قولُه: «لا يَشتري هو الزُّنَّارَ»؛ لأنهُ يُرادُ لإظهارِ شعائِرِ الكُفرِ، فلذلكَ منَعَه مِنْ شِرائِه، وأنْ يُمكِّنَ جارِيتَه مِنْ عمَلِه؛ لأنَّ العِوضَ الَّذي يَحصلُ لها صائِرٌ إليهِ ومِلكٌ لهُ، وقد منَعَ مِنْ بيعِ ثيابِ الحَريرِ مِنْ الرِّجالِ إذا عُلمَ أنهُم يَلبسونَها، وكذلكَ بيعُ العَصيرِ لمَن يَتخذُه خَمرًا. انتهى.
وليسَ له مَنعُها مِنْ صيامِها الَّذي تَعتقدُ وُجوبَه وإنْ فوَّتَ عليهِ الاستِمتاعَ في وَقتِه، ولا مِنْ صَلاتِها في بَيتِه إلى الشَّرقِ، وقد مكَّنَ النَّبيُّ ﷺ وفْدَ نَصارَى نَجرانَ مِنْ صَلاتِهم في مَسجدِه إلى قِبْلتِهم.
وليسَ لهُ إلزامُ اليَهوديةِ إذا حاضَتْ بمُضاجَعتِه والاستِمتاعِ بما دُونَ الفَرجِ، هذا قِياسُ المَذهبِ، وليسَ له حَملُها على كَسرِ السَّبتِ ونَحوِه ممَّا هوَ واجِبٌ في دِينِهم وقد أقرَرْناهُم عَليهِ، وليسَ له حَملُها على أكلِ الشُّحومِ واللُّحومِ المُحرَّمةِ عَليهِم، وهل له مَنعُها مِنْ أكلِ لَحمِ الخِنزيرِ؟ يَحتملُ وَجهينِ.
стр. 9772
وهل لهُ مَنعُها مِنْ الخَلوةِ بابنِها وأبيها وأخِيها؟ فإنْ كانَتْ مَجوسيَّةً فله ذلكَ؛ لأنهُم يَعتقِدونَ حِلَّها لهُم، فلَيسُوا بذَوِي مَحرَمٍ، وإنْ كانَتْ يَهوديةً أو نَصرانيةً فليسَ له مَنعُها مِنْ ذلكَ إذا كانوا مأمُونِينَ عليها، وإنْ كانَ له مَنعُها مِنْ السَّفرِ معهُم كما تَقدَّمَ نَصُّه، وذكَرْنا الفَرقَ بينَ المَوضعَينِ، وليسَ له مَنعُها مِنْ قَراءةِ كِتابِها إذا لم تَرفعْ صَوتَها به.
فإنْ أرادَتْ أنْ تَصومَ معهُ رَمضانَ، فهل لهُ مَنعُها مِنْ ذلكَ؟ يَحتملُ وَجهَينِ:
أحَدُهما: لهُ ذلكَ؛ لأنَّه لا يَجبُ عليها، ولهُ مَنعُها منهُ كما له مَنعُ المُسلِمةِ مِنْ صومِ التَّطوعِ تَرفيهًا لها.
والثَّاني: ليسَ له ذلكَ؛ لأنَّه لا حَقَّ له في الاستِمتاعِ بها في نهارِ رمَضانَ، وإذا لم يكُنْ له مَنعُها مِنْ الصَّومِ المَنسوخِ الباطِلِ فأنْ لا يَمنعَها مِنْ صَومِ رَمضانَ أَولى وأَحرَى.
وقَدْ يُقالُ: الفَرقُ بينَهُما أنها تَعتقدُ وُجوبَ صِيامِ دِينِها عليها، وقدْ أقرَرْناهُم على ذلكَ، فليسَ لنا أنْ نَمنعَهُم منهُ، بخِلافِ ما لا يَعتقِدونَ وُجوبَه (١).
وقالَ الحنفيَّةُ: للمُسلمِ مَنعُ الذمِّيةِ إذا تَزوَّجَها مِنْ الخُروجِ إلى الكَنائسِ والبِيَعِ، ولا تَنصُبُ في بَيتِه صَليبًا؛ لأنَّ نصْبَ الصَّليبِ كنَصبِ الصَّنمِ، وتُصلِّي في بَيتِه حيثُ شاءَتْ (٢).
стр. 9773
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولهُ مَنعُها مِنْ الكَنيسةِ والخُروجِ إلى الأعيادِ وغيرِ ذلكَ ممَّا تُريدُ الخُروجَ إليهِ، إذا كانَ له مَنعُ المُسلمةِ إتيانَ المَسجدِ وهوَ حَقٌّ كانَ له في النَّصرانيةِ مَنعُ إتيانِ الكَنيسةِ؛ لأنهُ باطِلٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَحقُّ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ الذَّهابِ للكَنيسةِ ولا دُورِ العِبادةِ؛ لأنَّه تزوَّجَها على هذا.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قالَ: وقالَ مالِكٌ: ليسَ للرَّجلِ أنْ يَمنعَ امرأتَهُ النَّصرانيةَ مِنْ أكلِ الخِنزيرِ وشُربِ الخَمرِ والذَّهابِ إلى كَنيستِها إذا كانَتْ نَصرانيةً (٢).
قالَ الإمامُ المازوريُّ ﵀: وقد اختَلفَ القولُ عِندَنا في مَنعِ الزَّوجِ المُسلمِ زوْجتَه النَّصرانيةَ مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ والخُروجِ إلى الكَنيسةِ:
فقيلَ: ليسَ له مَنعُها مِنْ أحكامِ دِينِها وما هو مِنْ شَرائعِها؛ لأنهُ إنَّما نكَحَها على ذلكَ، وعلى ذلكَ تَزوَّجتْه.
وقيلَ: له مَنعُها مِنْ ذلكَ، ومِن إتيانِ الكَنيسةِ إلَّا في الفَرضِ والأمرِ النادِرِ (٣).
стр. 9774
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: قالَ أصبَغُ: سَمعْتُ ابنَ القاسِمِ -وسُئلَ عنِ النَّصرانيةِ تحتَ المُسلمِ- أَيُفطرُها في صَومِها الَّذي تَصومُه مع أهلِ دِينِها؟ قالَ: لا أرَى أنْ يُكرهَها على ما عليهِ أهلُ دِينِها وملَّتِها -يعنِي شَرائعَها- ولا على أكلِ ما يَجتنِبونَ في صِيامهِم أو ما يَجتنِبونَ أكْلَه رأسًا، ليسَ ذلكَ لهُ في القَضاءِ، قالَ أصبَغُ: ولا عليهِ مَنعُها إياهُ كرهًا، ولا لهُ، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقرَأَ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] حتَّى بلَغَ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: وهذا كما قالَ، وهو ممَّا لا اختِلافَ فيهِ، أنَّه ليسَ لهُ أنْ يَمنعَها ممَّا تَتشرَّعُ بهِ.
واختُلفَ: هل لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ والذَّهابِ إلى كَنيستِها؟
فقالَ في «المُدوَّنة»: ليسَ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ ذلكَ.
وقالَ في كِتابِ ابنِ الموَّازِ: لهُ أنْ يَمنعهَا مِنْ أكلِ الخِنزيرِ وشُربِ الخَمرِ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ دِينِها، ولهُ أنْ يَمنعَها مِنْ الكَنيسةِ إلَّا في الفَرضِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا في مَنعِ الرَّجلِ زوْجتَه النَّصرانيةَ مِنْ الكَنيسةِ، فكانَ مالِكٌ يقولُ: ليسَ للرَّجلِ المُسلِمِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه النَّصرانيةَ الذَّهابَ إلى كَنيستِها، ولا أكْلَ الخِنزيرِ.
стр. 9775
وكانَ الشَّافعيُّ يَقولُ: إذا كانَ للمُسلِمِ مَنعُ زوْجتِه المُسلمةِ المَسجدَ وهوَ حقٌّ، كانَ لهُ في النَّصرانيةِ مَنعُ إتيانِ الكَنيسةِ؛ لأنَّه باطِلٌ.
قالَ أبو بَكرٍ: له مَنعُها مِنْ الكَنيسةِ (١).
للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه الذمِّيةَ مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ ذمِّيةٍ نَصرانيةٍ أو يَهوديةٍ، هل يَجوزُ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ أم لا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه الذمِّيةَ أنْ تَشربَ الخَمرَ والنَّبيذَ وما يُسكِرُها، قالَ الشَّافعيةُ: وذلكَ لأمرَينِ:
أحَدُهما: ربُّما أنَّه خافَ على نَفسِه مِنْ سُكرِها بأنْ تَجنيَ عليهِ في حالِ سُكرِها.
والثَّاني: أنَّه ربَّما مَنعتْه في السُّكرِ مِنْ الاستِمتاعِ بها، فصارَ بكلِّ واحِدٍ مِنْ الأمرَينِ غيرَ مُمكَّنٍ مِنْ الاستِمتاعِ، فلذلكَ جازَ أنْ يَمنعَها منهُ قَولًا واحِدًا.
فأمَّا إذا أرادَتْ أنْ تَشربَ مِنْ الخَمرِ والنَّبيذِ ما لا يُسكِرُها فقد اختُلفَ فيهِ على ثَلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدُها -وهوَ قولُ أبي عليٍّ ابنِ أبي هُريرةَ-: إنَّ له مَنعُها مِنْ يَسيرِه الَّذي لا يُسكِرُ كما يَمنعُها مِنْ كَثيرِه الَّذي يُسكِرُ؛ لأنَّ حَدَّ المُسكِرِ منهُ غَيرُ مَعلومٍ، وربَّما أسكَرَها اليَسيرُ ولم يُسكِرْها الكَثيرُ؛ لأنَّ السُّكْرَ يَختلفُ
стр. 9776
باختِلافِ الأمزِجةِ والأهوِيَةِ، فالمَحرُورُ يُسكِرُه القَليلُ، والمَرطُوبُ لا يُسكِرُه إلَّا الكَثيرُ، وإذا بَردَ الهواءُ واشتَدَّ أسكَرَ القَليلُ، وإذا حَميَ الهواءُ لم يُسكِرْ إلَّا الكَثيرُ، فلَمْ يَجُزْ معَ اختِلافِه أنْ يختلفَ حالَ قَليلِه وكَثيرِه.
والثَّاني -وهو قولُ أبي حامِدٍ الإسفِرايينيِّ-: لمَّا لم يَذكرْ إمارةً تَدلُّ على أنَّ الزِّيادةَ بعْدَها مُسكِرةٌ، وهذا القَدرُ لا يَمنعُ مِنْ الاستِمتاعِ، ولكنْ ربَّما عافَتْه نُفوسُ المُسلمينَ، لا سيَّما مِنْ قَوِيَ دِينُه وكَثُرَ تَحرُّجُه، فيَصيرُ مانِعًا له مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ، فيَحرمُ جَوازُ مَنعِها منهُ على قَولَينِ.
والثَّالثُ: ليسَ له مَنعُها مِنْ شُربِ القليلِ الَّذي يَرَونَ شُربَه في أعيادِهِم عِبادةً، ولهُ أنْ يَمنعَها مِنْ الزِّيادةِ عليهِ، سواءٌ أسكَرَ أو لم يُسكِرْ؛ مُراعاةً فيهِ العِبادةُ، ولم يُراعَى فيهِ السُّكرُ.
فأمَّا المُسلمةُ فللزَّوجِ مَنعُها مِنْ شُربِ الخَمرِ قَليلِه وكَثيرِه، وكذلِكَ مِنْ سائِرِ المُحرَّماتِ، فأمَّا النَّبيذُ: فإنْ كانَ الزَّوجانِ شَافِعيَّينِ يَعتقِدانِ تَحريمَ النَّبيذِ كالخَمرِ فلهُ مَنعُها مِنْ قَليلِه وكَثيرِه، وإنْ كانَا حَنفيَّينِ يَعتقِدانِ إباحةَ النَّبيذَ كانَ كالخَمرِ في حَقِّ الذمِّيةِ، فلهُ مَنعُها أنْ تَشربَ منهُ قدْرَ ما يُسكِرُها، وهل يَمنعُها مِنْ قَليلِه الَّذي لا يُسكِرُها؟ فعلى قَولِ أبي عَليٍّ ابنِ أبي هُريرةَ يَمنعُها منهُ قَولًا واحِدًا، وعلى قَولِ أبي حامِدٍ يكونُ على قَولينِ.
فأمَّا الخِنزيرُ فله مَنعُ المُسلِمةِ مِنْ أكلِه بلا خِلافٍ.
فأمَّا الذمِّيةُ: فإنْ كانَتْ يَهوديةً ترَى تَحريمَ أكلِه ثمَّ أكلَتْه منَعَها منهُ كما يَمنعُ منهُ المُسلِمةَ، وإنْ كانَتْ نَصرانيةً ترَى إباحةَ أكلِه فقدْ اختُلفَ فيهِ،
стр. 9777
فالَّذي عليهِ أكثَرُهم أنْ لهُ منْعَها منه قَولًا واحِدًا إذا كانَ يَتقذَّرُه وتعافُه نَفسُه؛ لأنَّ نُفورَ نَفسِ المُسلمِ منهُ أكثَرُ مِنْ نُفورِها مِنْ الخَمرِ، فصارَ مانِعًا مِنْ الاستِمتاعِ، ولأنَّ حُكمَ نَجاستِه أغلَظُ؛ فهي لا تَكادُ تَطهُرُ منهُ، وتتعدَّى النَّجاسةُ مِنها إليهِ، وكانَ أبو حامِدٍ الإسفِرايينيُّ يَقولُ: هذا يَمنعُ مِنْ كمالِ الاستِمتاعِ مع إمكانِه، وتَحريمُ مَنعِها منهُ على قَولينِ: فإنْ أكلَتْ منهُ كانَ له إجبارُها على غَسلِ فَمِها ويَدِها منهُ؛ لِئلَّا تتعدَّى نَجاستُه إليهِ إذا قبَّلَ أو باشَرَ، وفي قَدرِ ما يُجبِرُها عليهِ مِنْ غَسلِه وَجهانِ: أحَدُهما: سَبعُ مرَّاتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ مثلَ وُلوغِه، والوجهُ الثَّاني: يُجبِرُها على غَسلِه مرَّةً واحِدةً بغيرِ تُرابٍ؛ لأنه يُجبِرُها على غَسلِه في حَقِّ نَفسِه لا في حَقِّ اللهِ تعالَى، فأجزَأَ فيه المرَّةُ الواحِدةُ كما يُجزِئُ في غسلِ الحَيضِ بغَيرِ نيَّةٍ.
فأمَّا أكلُ ما يَتأذَّى برِيحِه مِنْ الثُّومِ والبَصلِ وما أنتَنَ مِنْ البُقولِ والمَأكَلِ فالمُسلمةُ والذمِّيةُ فيه سَواءٌ، ويُنظَرْ؛ فإنْ كانَتْ لدَواءٍ اضطَرَتْ إليهِ لم يَمنعْها منهُ، وإنْ كانَ لشَهوةٍ وغِذاءٍ فهذا يَمنعُ مِنْ كمالِ الاستِمتاعِ مع إمكانِه، فهلْ يَمنعُها منهُ أم لا؟ على قولَينِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولهُ مَنعُها مِنْ السُّكرِ وإنْ كانَتْ ذمِّيةً؛ لأنهُ يَمنعُ الاستِمتاعَ بها، فإنَّه يُزيلُ عقْلَها ويَجعلُها كالزِّقِّ المَنفوخِ، ولا يَأمنُ أنْ تَجنيَ عليهِ، وإنْ أرادَتْ شرْبَ ما لا يُسكِرُها فله مَنعُ المُسلمةِ؛ لأنهُما
стр. 9778
يَعتقِدانِ تَحريمَه، وإنْ كانَتْ ذمِّيةً لم يكنْ له مَنعُها منهُ، نَصَّ عليهِ أحمَدُ؛ لأنها تَعتقدُ إباحتَهُ في دِينِها، وله إجبارُها على غَسلِ فَمِها منهُ ومِن سائرِ النَّجاساتِ ليَتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بفِيها، ويَتخرَّجُ أنْ يَملكَ منْعَها منهُ؛ لِمَا فيهِ مِنْ الرَّائحةِ الكَريهةِ وهو كالثُّومِ.
وهكذا الحُكمُ لو تزوَّجَ مُسلمةً تَعتقدُ إباحةَ يَسيرِ النَّبيذِ، هل له مَنعُها منهُ؟ على وجهَينِ، ومَذهبُ الشَّافعيِّ على نَحوٍ مِنْ هذا الفَصلِ كلِّه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فصلٌ: مَنعُ الزَّوجةِ الكِتابيةِ مِنْ السُّكرِ.
ولهُ مَنعُها مِنْ السُّكرِ؛ لأنَّه يَتأذَّى بهِ، وهل له مَنعُها مِنْ شُربِ ما لا يُسكِرُها؟ خرَّجَه القاضي على الرِّوايتَينِ فيما يَمنعُ كَمالَ الاستِمتاعِ دُونَ أصلِه.
والمَنصوصُ عليهِ في روايةِ مُهنَّا أنَّه لا يَمنعُها؛ فإنهُ قالَ في رَجلٍ تزوَّجَ نَصرانيةً ألهُ أنْ يَمنعَها مِنْ شُربِ الخَمرِ؟ قالَ: يأمُرُها، قيلَ لهُ: لا تَقبلُ منهُ، ألهُ أنْ يَمنعَها؟ قالَ: لا.
وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَجعلْ له منْعَها، فإنْ شَربَتْ كانَ له إجبارُها على غَسلِ فَمِها مِنْ الخَمرِ؛ لأنَّه نَجسٌ يَتعذَّرُ مع ذلكَ تَقبيلُها والاستِمتاعُ بها فيهِ.
فإنْ قيلَ: فلو أرادَتِ المُسلمةُ أنْ تَشربَ مِنْ النَّبيذِ المُختلَفِ فيه ما لا يُسكِرُها، هل له مَنعُها؟
стр. 9779
قيلَ: نعَمْ، له مَنعُها، هذا الَّذي لا يَحتملُ المَذهبُ غيْرَه؛ فإنَّ أحمَدَ يَحُدُّ عليهِ، فكيفَ تُقَرُّ على شُربِها؟! والإنكارُ بالحَدِّ مِنْ أقوَى مراتِبِ الإنكارِ.
وقالَ القاضي: إنْ كانَا حَنبليَّينِ أو شافِعيَّينِ لهُمَا مَنعُها منهُ؛ لأنهُما يَعتقدانِ تَحريمَه، وإنْ كانَا حَنفيَّينِ فهذا لا يَمنعُه الاستِمتاعَ، ولكنْ يَمنعُه كمالَه، فيُخرَّجُ على الرِّوايتَينِ، والصَّحيحُ الأولُ.
قالَ: وهل لهُ مَنعُها مِنْ الثُّومِ والبصَلِ والكُرَّاثِ؟ يُخرَّجُ على الرِّوايتَينِ، وكذلكَ هل لهُ مَنعُها مِنْ الثِّيابِ الوسِخةِ؟ على الرِّوايتَينِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَحقُّ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قالَ: وقالَ مالِكٌ: ليسَ للرَّجلِ أنْ يَمنعَ امرأتَهُ النَّصرانيةَ مِنْ أكلِ الخِنزيرِ وشُربِ الخَمرِ والذَّهابِ إلى كَنيستِها إذا كانَتْ نَصرانيةً (٢).
قالَ الإمامُ المازوريُّ ﵀: وقد اختَلفَ القولُ عِندَنا في مَنعِ الزَّوجِ المُسلمِ زوْجتَه النَّصرانيةَ مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ والخُروجِ إلى الكَنيسةِ:
فقيلَ: ليسَ له مَنعُها مِنْ أحكامِ دِينِها وما هو مِنْ شَرائعِها؛ لأنهُ إنَّما نكَحَها على ذلكَ، وعلى ذلكَ تَزوَّجتْه.
стр. 9780
وقيلَ: له مَنعُها مِنْ ذلكَ، ومِن إتيانِ الكَنيسةِ إلَّا في الفَرضِ والأمرِ النادِرِ (١).
وقال ابن رشد ﵀: اختُلفَ: هل لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ والذَّهابِ إلى كَنيستِها؟
فقالَ في «المُدوَّنة»: ليسَ لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ ذلكَ.
وقالَ في كِتابِ ابنِ الموَّازِ: لهُ أنْ يَمنعهَا مِنْ أكلِ الخِنزيرِ وشُربِ الخَمرِ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ دِينِها، ولهُ أنْ يَمنعَها مِنْ الكَنيسةِ إلَّا في الفَرضِ (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وفي «الخانِيَّة» مِنْ فصلِ الجزيةِ مِنْ السِّيَرِ: مُسلمٌ له امرأةٌ ذمِّيةٌ ليسَ له أنْ يَمنعَها مِنْ شُربِ الخَمرِ؛ لأنَّ شُربَ الخَمرِ حَلالٌ عندَها، ولهُ أنْ يَمنعَها عنِ اتِّخاذِ الخَمرِ في المَنزلِ. اه.
وهوَ مُشكِلٌ؛ لأنهُ وإنْ كانَ حَلالًا عندَها لكنَّ رائِحتَها تَضرُّه، فلهُ مَنعُها كمَنعِ المُسلمةِ مِنْ أكلِ الثُّومِ والبصَلِ، ولِذا قاَل الكَرْكيُّ في «الفَيضِ» قُبَيلَ بابِ التَّيممِ: إنَّ المُسلمَ له أنْ يَمنعَ زوْجتَه الذمِّيةَ مِنْ شُربِ الخَمرِ، كالمُسلمةِ لو أكلَتْ الثُّومَ والبصَلَ وكانَ زَوجُها يَكرهُ ذلكَ، لهُ أنْ يَمنعَها. اه. وهذا هوَ الحقُّ كما لا يَخفَى (٣).
أحَدًا ولا يَعصِينَكُم في مَعروفٍ، فإذا فَعلْنَ ذلك فلهُنَّ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ»، فكانَ القَسْمُ مِنْ جُملةِ المَعروفِ الَّذي لهُنَّ.
وروَى أبو هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ كانَ له امرأتانِ فمالَ إلى إحْداهما جاءَ يَومَ القيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ».
ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «كُلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسؤولٌ عَنْ رَعيَّتِه، فالرَّجلُ راعٍ لأهلِه وهو مَسؤولٌ عَنهُم».
ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ كانَ يَقسِمُ بينَ نِسائِه ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسمِي فيما أَملِكُ، فلا تُؤاخذْني فيما لا أملِكُ»، يَعني قَلبَه (١).
قالَ ابنُ الجَوزيِّ ﵀: مُعاشَرةُ المَرأةِ بالتَّلطُّفِ لِئلَّا تقَعَ النَّفرةُ بَينَهما مع إقامةِ هَيبتِه؛ لئلَّا تَسقُطَ حُرمتُه عِندَها، ولا يَنبغِي أنْ يُعلِمَها قَدْرَ مالِهِ أو يُفشِي إليها سِرًّا يَخافُ إذاعتَه؛ لأنها قد تُفشِيهِ، ولا يُكثِرُ مِنْ الهِبةِ؛ فإنها متَى عَوَّدَها شيئًا لم تَصبِرْ عنهُ، ولْيَكنْ غَيورًا مِنْ غَيرِ إفراطٍ؛ لئلَّا تُرمَى بالشَّرِّ مِنْ أجلِه، ويَنبَغي إمساكُها معَ الكَراهةِ لها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: ربَّما رُزِقَ مِنها وَلدًا فجَعَلَ اللهُ فيهِ خَيرًا كَثيرًا (٢).
стр. 9785
رابِعًا: القَسْمُ بينَ الزَّوجاتِ:
الرَّجلُ إذا كانَ مُتزوِّجًا بأكثرَ مِنْ امرأةٍ فعليهِ العَدلُ بَينَ نِسائِه في عِدَّةِ أُمورٍ:
أ - المَبيتُ.
ب - الوطءُ والحبُّ.
ج- النَّفقةُ.
وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
أولاً: العدلُ في المَبيتِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على وُجوبِ التَّسويةِ بَينَ الزَّوجاتِ في القَسْمِ، سواءٌ كنَّ أبكارًا أم ثَيِّباتٍ أو إحداهُنَّ بِكرًا والباقي ثُيَّبًا، والقَديمةُ والجَديدةُ سَواءٌ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنَّ الجَورَ يُخِلُّ بالعِشرةِ بالمَعروفِ.
وليسَ مِنَ المَعروفِ أنْ يَميلَ إلى واحِدةٍ دُونَ الأُخرى، ولِمَا رُويَ عن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ كانَتْ لهُ امرَأتانِ فمالَ معَ إحداهُما على الأُخرَى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ ساقِطٌ»، وفي روايةٍ: «جاءَ يومَ القِيامةِ وشِقُّه مائِلٌ» (١). فهذا الخبَرُ يَدلُّ على وُجوبِ القَسْمِ بَينَهنَّ
стр. 9786
بالعَدلِ، وأنهُ إذا لَم يَعدِلْ فالفُرقةُ أَولَى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولأنَّ القَسْمَ مِنْ حُقوقِ النِّكاحِ، ولا تَفاوُتَ بينَهنَّ في ذلك (١).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ القَسْمَ بَينَ المُسلِمةِ والذمِّيةِ سَواءٌ، كذلكَ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ والحسَنُ البَصريُّ والنَّخَعيُّ والشَّعبيُّ والزُّهريُّ والحَكَمُ وحمَّادٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ.
وكذلكَ نَقولُ؛ لأنهُنَّ حَرائِرُ، ولا فَرْقَ بَينهنَّ في أحكامِ الأزواجِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفَاسي ﵀: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا كانَتْ للرَّجلِ امرَأتانِ فمالَ إلى إحداهُما جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ مائِلٌ إذا لم يَعدِلْ فيما مَلَكَ».
وأجمَعوا على أنَّ القَسْمَ بَينَ المُسلِمةِ والذمِّيةِ سَواءٌ.
واتَّفقُوا أنَّ العَدلَ في القِسْمةِ بَينَ الزَّوجاتِ واجِبٌ.
واختَلفُوا في كَيفيَّةِ العَدلِ، إلَّا أنهمُ اتَّفقُوا في المَساواةِ بينَ اللَّيالي في الحَرائرِ المُسلِماتِ غيرِ النَّاشِزاتِ ما لم يَكنْ فيهنَّ مُتزوِّجةٌ مُبتَدأةُ البِناءِ.
وليسَ للرَّجلِ أنْ يُفضِّلَ الحَسناءَ على القَبيحةِ في القَسْمِ، ولهُ أنْ
стр. 9787
يُطلِّقَها، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ بَينَ أهلِ العِلمِ في وُجوبِ التَّسويةِ بَينَ الزَّوجاتِ في القَسْمِ خِلافًا (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَجبُ عليهِ العَدلُ بَينَ الزَّوجتَينِ باتِّفاقِ المُسلمِينَ، وفي السُّننِ الأربعةِ عَنْ أبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ قالَ: «مَنْ كانَتْ لهُ امرَأتانِ فمالَ إلى إحداهُما دُونَ الأُخرَى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ مائِلٌ»، فعليهِ أنْ يَعدِلَ في القَسمِ، فإذا باتَ عندَها لَيلةً أو لَيلَتينِ أو ثَلاثًا باتَ عندَ الأُخرى بقَدرِ ذلكَ، ولا يُفضِّلُ إحداهُما في القَسْمِ (٣).
عمادُ القَسمِ اللَّيلُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمِينَ على أنَّ عِمادَ القَسمِ هوَ اللَّيلُ؛ لأنه سَكَنٌ، قالَ تعالَى: ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، فعلَى الزَّوجِ في زَمانِ القَسْمِ أنْ يَأويَ إليها لَيلًا ويَنصرِفَ لنَفسِه نَهارًا؛ لأنَّ اللَّيلَ زَمانُ الدَّعةِ والإيواءِ، والنَّهارُ زَمانُ المَعاشِ والتَّصرُّفِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠، ١١]، ولأنَّ اللَّيلَ زَمانُ الدَّعةِ والإيواءِ فوجَبَ أنْ يكونَ عُمدَةَ القَسْمِ، ولأنَّ السيِّدَ لو زَوَّجَ أمَتَهُ لَزمَه تَمكينُ الزَّوجِ مِنها لَيلًا، وكانَ لهُ استِخدامُها نهارًا، فعُلِمَ أنَّ اللَّيلَ عِمادُ القَسْمِ، فلا يَجوزُ
стр. 9788
لهُ في اللَّيلِ أنْ يَخرجَ فيه مِنْ عندِ الَّتي قَسَمَ لها إلَّا مِنْ ضَرورةٍ، فأمَّا النَّهارُ فلهُ أنْ يَتصرَّفَ فيهِ بما شاءَ، ويَدخلَ فيهِ إلى غَيرِها مِنْ نِسائِه مِنْ غَيرِ أنْ يَتعرَّضَ فيهِ لوَطئِها، ولهُ أنْ يُقبِّلَها ويَلمِسَها مِنْ غَيرِ إطالةٍ.
رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عَنْ أبيهِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «قَلَّ يومٌ إلَّا كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدخلُ على نِسائِه، فيَدنُو مِنْ كلِّ امرَأةٍ مِنهنَّ فيُقبِّلُ ويَلمسُ مِنْ غيرِ مَسيسٍ ولا مُباشَرةٍ، ثمَّ يَبيتُ عندَ الَّتي هوَ يُومُها» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ عِمادَ القَسْمِ اللَّيلُ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ لا خِلافَ في هذا؛ وذلكَ لأنَّ اللَّيلَ للسَّكَنِ والإيواءِ، يَأوِي فيهِ الإنسانُ إلى مَنزلِه، ويَسكُنُ إلى أهلِه، ويَنامُ في فِراشِه معَ زَوجتِه عادةً، والنَّهارُ للمَعاشِ والخُروجِ والتَّكسُّبِ والاشتِغالِ.
قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقالَ تعالَى: ﴿وَجَعَلْنَا
стр. 9789
اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠، ١١]، وقالَ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] (١).
قالَ الحَنفيةُ: وعِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ، ولا يُجامِعُ المَرأةَ في غيرِ يَومِها، ولا يَدخلُ باللَّيلِ على الَّتي لا قَسْمَ لها، ولا بَأسَ أنْ يَدخُلَ عليها بالنَّهارِ لحاجَةٍ، ويَعودُها في مَرضِها في لَيلةِ غيرِها، وإنْ ثَقُلَ مَرضُها فلا بأسَ أنْ يُقيمَ عندَها حتَّى تُشفَى أو تَموتَ (٢).
وقالَ المالكيَّةُ: يَحرمُ على الزَّوجِ أنْ يَدخلَ على ضَرَّتِها في يَومِها -النَّهارِ واللَّيلِ- لِمَا فيهِ مِنْ الظُّلمِ، إلَّا لحاجَةٍ، فيَجوزُ غيرُ الاستِمتاعِ كمُناوَلةِ ثَوبٍ وشَبَهِه، ولا يُقيمُ ولو أمكَنَهُ الاستِنابةُ في تلكَ الحاجَةِ على الأشبَهِ بالمَذهبِ، خِلافًا لِمَنْ قالَ: لا يَدخلُ لحاجَةٍ إلَّا إذا تَعسَّرَتِ الاستِنابةُ.
ولا يَجلِسُ ليَتحدَّثَ إلَّا لعُذرٍ لا بُدَّ منهُ كاقتِضاءِ دَينٍ أو تَجْرٍ لها، وهذا إذا كانَتَا ببَلدٍ واحِدٍ أو ببَلدَينِ في حُكمِ الواحِدةِ -أي بأنْ يَرتفِقَ أهلُ كلٍّ بالأُخرى-، وأمَّا إنْ كانَتَا ببَلدَينِ لا في حُكمِ الواحِدةِ فلهُ الدُّخولُ على ضَرَّتِها يَومَها لسَفرِهِ لها ببَلدِها، ووَطِئَها بَقيَّةَ نهارِ الَّتي سافَرَ مِنْ عندِها.
ولا بأسَ أنْ يَتوضَّأَ الرَّجلُ مِنْ ماءِ إحدَى زَوجَتيهِ ويَشربَ الماءَ مِنْ
стр. 9790
بَيتِها ويأكلَ مِنْ طَعامِها الَّذي تُرسِلُه إليهِ في يومِ الأُخرى مِنْ غيرِ تَعمُّدٍ، بل ويَقفُ بِبابِها يَتفقَّدُ مِنْ شأنِها ويُسلِّمُ مِنْ غيرِ دُخولٍ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: عِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ، ويَجوزُ أنْ يَخرجَ في نهارِ المَقسومِ لها لطَلبِ المَعيشةِ إلى السُّوقِ ولقَضاءِ الحاجاتِ.
وإنْ دخَلَ إلى غَيرِها في يَومِها؛ فإنْ كانَ لحاجَةٍ مثلَ أنْ يَحملَ إليها نَفقتَها، أو كانَتْ مَريضةً فدخَلَ عليها يَعودُها، أو دخَلَ لزِيارتِها لبُعدِ عَهدِه بها، أو يُكلِّمَها بشيءٍ أو تُكلِّمَه، أو يُدخِلَ إلى بَيتِها شيئًا أو يأخُذَ منهُ شيئًا، ولم يُطِلِ الإقامةَ عندَها .. جازَ، ولا يَلزمُه القَضاءُ لذلكَ؛ لأنَّ المَقصودَ بالقَسْمِ الإيواءُ، وذلكَ يَحصلِ باللَّيلِ دُونَ النَّهارِ، ولا يُجامِعُها؛ لِمَا رُويَ عَنْ عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «ما كانَ يومٌ إلَّا كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَطوفُ عَلينا جَميعًا، فيُقبِّلُ ويَلمِسُ، فإذا جاءَ إلى الَّتي هيَ يَومُها .. أقامَ عندَها».
وهل له أنْ يَستمتِعَ بالَّتي يَدخلُ إليها في غيرِ يَومِها بغيرِ جِماعٍ؟ فيهِ وَجهانِ، حَكاهُما ابنُ الصبَّاغِ:
أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلكَ ممَّا يَحصلُ بهِ السَّكَنُ، فأشبَهَ الجِماعَ.
والثَّاني -وهو المَشهورُ-: أنهُ يَجوزُ؛ لحَديثِ عائِشةَ أمِّ المُؤمِنينَ ﵂.
стр. 9791
فإنْ دخَلَ إليها في يَومِ غَيرِها وأطالَ المَقامَ عِندَها .. لَزمَهُ القَضاءُ كما قُلنا في اللَّيلِ.
وإنْ أرادَ الدُّخولَ إليها في غيرِ يَومِها لغَيرِ حاجةٍ .. لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحَقَّ لغَيرِها.
وإنْ دخَلَ إليها في يَومِ غَيرِها ووَطِئَها وانصرَفَ سَريعًا .. ففيهِ وَجهانِ، حَكاهُما الشَّيخُ أبو إسحاقَ:
أحَدُهما: لا يَلزمُه القَضاءُ؛ لأنهُ غيرُ مُستَحقٍّ، ووَقتُه لا يَنضَبطُ.
والثَّاني: يَلزمُه أنْ يَدخلَ إليها في يَومِ المَوطُوءةِ فيطأُها؛ لأنهُ أعدَلُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَحرُمُ على مَنْ تَحتَه أكثرُ مِنْ زَوجةٍ دُخولُه في لَيلةِ إِحدى الزَّوجاتِ إلى غَيرِها؛ لأنه ترَكَ الواجبَ عليهِ، إلَّا لضَرورةٍ مِثلَ أنْ تَكونَ غيرُ ذاتِ اللَّيلةِ مُحتضرَةً فيُريدُ أنْ يَحضُرَها أو تُوصي إليهِ، أو ما لا بُدَّ مِنهُ عُرفًا؛ لأنَّ ذلكَ حالُ ضَرورةٍ فأُبيحَ بهِ تركُ الواجِبِ؛ لإمكانِ قَضائِه في وقتٍ آخرَ.
فإنْ لَم يَلبثْ عِندَها لم يَقضِ شَيئًا؛ لأنهُ لا فائِدةَ فيهِ لقلَّتِه، وإنْ لَبِثَ عندَها أو جامَعَ لَزمَه أنْ يَقضيَ لها مثلَ ذلكَ مِنْ حقِّ الأُخرى؛ لأنَّ التَّسويةَ واجِبةٌ ولا تَحصلُ إلَّا بذلكَ، بأنْ يَدخلَ على المَظلومةِ في ليلةِ الأُخرَى
стр. 9792
فيَمكثَ عندَها بقَدرِ ما مكَثَ عندَها تلكَ اللَّيلةَ، أو يُجامِعَها إنْ كانَ جامَعَ ليَعدِلَ بَينَهما.
ولو قبَّلَ الَّتي دخَلَ إليها في غَيرِ لَيلتِها أو باشَرَها أو نَحوَه، كما لو نظَرَ بشَهوةٍ لم يَقضِ ذلكَ لذاتِ اللَّيلةِ؛ لقَولِ عائِشةَ ﵂: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدخلُ عليَّ في يَومِ غَيري فيَنالُ منِّي كلَّ شيءٍ إلَّا الجِماعَ» (١).
والعدلُ القضاءُ؛ لتَحصلَ التَّسويةُ بَينَهنَّ، وكذا يَحرمُ دُخولُه نهارًا إلى غَيرِها إلَّا لحاجةٍ، كدَفعِ نَفقةٍ وعِيادةٍ أو سُؤالٍ عن أمرٍ يحتاجُ إلى مَعرفتِه أو زِيارتِها لبُعدِ عَهدِه بها.
ويَحرمُ أنْ يَدخلَ إليها في نهارِ لَيلةِ غيرِها إلَّا لحاجةٍ، كعِيادةٍ أو سُؤالٍ عَنْ أمرٍ تَحتاجُ إليهِ أو دَفعِ نَفقةٍ أو زِيارةٍ لبُعدِ عَهدِه بها، فإنْ دخَلَ إليها ولم يَلبَثْ معَ ضَرورةٍ أو حاجَةٍ أو عَدمِهما لم يَقضِ، ويَجوزُ أنْ يَدخلَ إليها نهارًا وإنْ لم يَكنْ حاجةٌ داعيةٌ (٢).
مَنْ كانَ مَعاشُه لَيلاً وسكَنُه نَهارًا:
نصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ على أنْ مَنْ كانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ
стр. 9793
يَنصرِفُ في مَعاشِه ليلًا ويأوي إلى مَسكنِه نهارًا كالحُرَّاسِ ومَن جَرى مَجراهُم فعِمادُ هؤلاءِ في قَسْمِهمُ النَّهارُ دُونَ اللَّيلِ؛ لأنهُ زَمانُ سَكَنِهم واللَّيلُ زَمانُ مَعاشِهِم (١).
مكانُ القَسْمِ والجَمْعِ بيْنَ أكثَرِ مِنْ امرأةٍ في بَيتٍ واحدٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ مُتزوِّجًا بأكثرَ مِنْ امرأةٍ لا يَجوزُ لهُ أنْ يَجمعَ بَينَهنَّ في بَيتٍ واحِدٍ إلَّا برِضاهُنَّ، فإنْ رَضِينَ بذلكَ جازَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قَولٍ والشَّافِعيةِ والحَنابلةِ.
وقالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ مِنْ المالِكيةِ: إنَّ هذا حقٌّ واجِبٌ لا يَسقطُ ولَو رَضيَتِ الزَّوجةُ بهِ.
واختَلفُوا فيما لو كانَ لهُ دارٌ فيها بُيوتٌ مُنفصِلةُ المَنافِعِ، فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنهُ يَجوزُ لهُ أنْ يُسكِنَهنَّ في دارٍ واحِدةٍ إذا كانَتْ لكلِّ واحِدةٍ مَنافعُ مُستقلَّةٌ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ أنْ يَجمَعَ بينَ الضَّرتَينِ أو الضَّرائِرِ في مَسكَنٍ واحدٍ إلا برِضاهُنَّ للُزومِ الوحشَةِ.
стр. 9794
ولو اجتَمعَتِ الضَّرائرُ في مَسكَنٍ واحِدٍ بالرِّضا يُكرَهُ أنْ يَطأَ إحداهُهنَّ بحَضرةِ الأُخرَااتِ، حتَّى لو طلَبَ وطْأَها لم تَلزمْها الإجابةُ ولا تَصيرُ بالامتِناعِ ناشِزةً (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَجمعَ بَينَ نِسائِه في بَيتٍ واحِدٍ ولو رَضِينَ، وقيلَ: يَجوزُ إنْ رَضِينَ.
ويَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَجمعَ بَينَ المَرأتَينِ في دارٍ واحِدةٍ بشَرطَينِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكونَ لكُلِّ واحِدةٍ مِنهُما مَنزِلٌ مُستقِلٌّ بمَرافِقِه ومَنافِعِه مِنْ كَنِيفٍ ومَطبخٍ ونَحوِ ذلكَ ممَّا يُحتاجُ إليهِ.
الثَّاني: أنْ يَرضَيَا بذلكَ؛ لأنَّ مِنْ حَقِّها أنْ لا تَسكُنَ معَ ضَرتِها ولا معَ أهلِ زَوجِها ولا معَ أولادِه في دارٍ واحِدةٍ، فإنْ أفرَدَ لها بَيتًا في الدَّارِ ورَضِيَتْ فذلكَ جائِزٌ، ولا فرْقَ بَينَ الزَّوجتَينِ والثَّلاثةِ فأكثرَ، فإنْ لم يَرضَيَا بذلكَ فإنهُ لا يَجوزُ لهُ أنْ يَجمعَ بَينَهما في مَنزلَينِ مِنْ دارٍ واحِدةٍ، بل يَلزمُه أنْ يُفرِدَ كلَّ واحِدةٍ بدارٍ، ولا يَلزمُه أنْ يُبعِدَ ما بَينَهما (٢).
وللزَّوجةِ أنْ تَمتَنعَ مِنْ السُّكنَى معَ أقارِبِ زَوجِها كأبَويهِ؛ لمَا فيهِ مِنْ الضَّررِ عليها باطِّلاعِهم على حالِها، إلَّا أنْ تَكونَ وَضيعَةَ القَدْرِ فلا كلامَ لها
стр. 9795
وليسَ لها الامتِناعُ مِنْ السُّكنَى مَعهُم، وكذا الشَّريفةُ إنِ اشتَرطُوا عليها سُكناها مَعهُم، ومَحلُّ ذلكَ فِيهما ما لم يَطَّلعوا على عَوراتِها.
وإذا كانَ لأحَدِ الزَّوجَينِ وَلدٌ صَغيرٌ وأرادَ الآخَرُ أنْ يُخرِجَه عنهُ مِنْ المَنزِلِ فإنَّ لهُ ذلكَ، بشَرطِ أنْ يكونَ للولدِ مَنْ يَحضنُه ويَكفلُه، فإنْ لم يَكنْ لهُ مَنْ يَحضنُه فإنهُ يُجبَرُ على إقامتِه عِندَه.
وإذا بَنى أحَدُ الزَّوجَينِ بصاحِبِه ومَعهُ ولدٌ يَعلمُ بهِ صاحِبُه ثمَّ بَعدَ ذلكَ أرادَ أنْ يُخرِجَه عنهُ ليسَ لهُ ذلكَ، وإنْ لم يَكنْ عِندَه عِلمٌ بهِ فلهُ الامتِناعُ، وهذا إذا كانَ للوَلدِ حاضِنٌ، وإلَّا فلا امتِناعَ لمَن ليسَ معهُ الولدُ عنِ السُّكنَى معَ الولدِ، سواءٌ حصلَ البِناءُ معَ العِلمِ بهِ أو لا (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَحرمُ عليهِ أنْ يَجمعَ بَينَ زَوجتَينِ أو زَوجاتٍ في مَسكَنٍ واحِدٍ ولو ليلةً واحِدةً إلَّا برِضاهُنَّ؛ لأنَّهُ يُؤدِّي إلى كَثرةِ المُخاصَمةِ والخُروجِ عنِ الطَّاعةِ لِمَا بَينَهما مِنْ الوَحشةِ، وليسَ ذلكَ مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ، ولأنَّ كلَّ واحِدةٍ تَستحِقُّ السُّكنى فلا يَلزمُها الاشتِراكُ، كما لا يَلزمُها الاشتِراكُ في كِسوةٍ واحِدةٍ يَتناوَبانِها، وهذا عندَ اتِّحادِ المَرافقِ، وإلَّا فيَجوزُ إذا كانَ لائِقًا بالحالِ.
والمُرادُ بالمَسكَنِ: ما يَليقُ بامرأةٍ مِنْ دارٍ وحُجرةٍ وبَيتٍ مُفرَدٍ.
стр. 9796
فاللَّواتِي تَليقُ بكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ بَيتٌ أو دارٌ أو حُجرَةٌ لا يُجمَعُ بَينَهنَّ في دارٍ واحِدةٍ ولا حُجرةٍ واحِدةٍ، لكنْ لو كانَ في الدَّارِ حُجَرٌ مُفرَدةُ المَرافِقِ فلهُ أنْ يُسكِنَهنَّ فيها.
وكذا لو أسكَنَ واحِدةً في العُلوِّ والأُخرَى في السُّفْلِ والمَرافِقُ مُتميَّزةٌ، واللَّواتي يَليقُ بهنَّ البُيوتُ الفَرْدةُ لهُ أنْ يُسكِنَ كلَّ واحِدةٍ مِنهنَّ بَيتًا مِنْ خانٍ واحدٍ أو دارٍ واحدةٍ، ولا يَجمَعُ بَينَهنَّ في بيتٍ إلَّا بالرِّضى.
وهذا في الحَضَرَ، أمَّا في السَّفرِ فيَجوزُ، ولهُ الجَمعُ فيه لعُسرِ إفرادِ كلِّ واحِدةٍ بخَيمةٍ أو بَيتٍ معَ عَدمِ دوامِ الإقامةِ.
وإذا جمَعَهُما في مَسكَنٍ بالرِّضى كُرِهَ تَنزيهًا وَطءُ إحداهُما بحَضرةِ الأُخرَى؛ لأنَّ ذلكَ قِلةُ أدبٍ وسُوءُ عِشرةٍ وبُعدٌ عنِ المُروءةِ، ولو طلَبَ لم تَلزمْها الإجابةُ، ولا تَصيرُ بالامتِناعِ ناشِزةً، وصَوَّبَ الأَذرعيُّ التَّحريمَ.
ثمَّ إذا رَجعَتَا عنِ الرِّضا كانَ لهُما ذلكَ؛ وذلكَ لأنَّ اجتِماعَهُما في مَسكَنٍ واحِدٍ يُولِّدُ الوحشةَ بَينَهما (١).
وقالَ الحنابِلةُ: وليسَ للرَّجلِ أنْ يَجمَعَ بَينَ امرَأتَيهِ في مَسكَنٍ واحِدٍ بغَيرِ رِضاهُما، صغِيرًا كانَ أو كَبيرًا؛ لأنَّ عليهما ضَررًا لِمَا بَينَهما مِنْ العَداوةِ والغَيرةِ، واجتِماعُهما يُثيرُ المُخاصَمةَ والمُقاتَلةَ، وتَسمعُ كلُّ واحِدةٍ مِنهما
стр. 9797
حِسَّهُ إذا أتَى إلى الأُخرى أو تَرى ذلكَ، فإنْ رَضِيتَا بذلكَ جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لهُما، فلهُما المُسامَحةُ بتَركِه، وكذلكَ إنْ رَضِيتَا بنَومهِ بَينَهما في لِحافٍ واحِدٍ، وإنْ رَضيتَا بأنْ يُجامِعَ واحِدةً بحَيثُ تَراهُ الأُخرَى لم يَجُز؛ لأنَّ فيهِ دَناءةً وسُخفًا وسُقوطَ مُروءةٍ، فلَم يُبَحْ برِضاهُما، وربَّما كانَ وسيلةً إلى وُقوعِ الرَّائِيَةِ في الفاحِشةِ؛ لأنها قد تَثورُ شَهوتُها بذلكَ، قالَ أحمَدُ في الَّذي يُجامِع امرأتَهُ والأُخرَى تَسمَعُ قالَ: كانُوا يَكرَهونَ الرِّجسَ، وهو الصَّوتُ الخَفِيُّ (١).
حكمُ وَطءِ إحدَى زَوجاتِه أمامَ الأُخرى والجَمع بيْنَهما في فِراشٍ واحِدٍ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ -كما تَقدَّمَ- إلى جَوازِ الجَمعِ بَينَ زَوجَتينِ فأكثَرَ في بَيتِ واحدٍ برِضاهُنَّ.
إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا هلْ يَحرمُ عليهِ أنْ يُجامِعَ إحداهُما أمامَ الأُخرى؟ أم يُكرهُ فقطْ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ إلى كَراهةِ أنْ يَطأَ إحدى زَوجاتِه أمامَ الأُخرَى.
قالَ الحنفيَّةُ: لو اجتَمعَتِ الضَّرائرُ في مَسكَنٍ واحِدٍ بالرِّضا يُكرَهُ أنْ يطَأَ إحداهُما بحَضرَةِ الأُخرَى، حتَّى لو طلَبَ وَطأَها لم تَلزمْها الإجابةُ، ولا تَصيرُ بالامتِناعِ ناشِزةً (٢).
стр. 9798
وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا جمَعَهُما في مَسكَنٍ واحِدٍ بالرِّضى كُرِهَ تَنزيهًا وَطءُ إحدهُما بحَضرةِ الأُخرى؛ لأنَّ ذلكَ قِلةُ أدبٍ وسوءُ عِشرةٍ وبُعدٌ عنِ المُروءةِ، ولو طلَبَ لمْ تَلزمْها الإجابةُ، ولا تَصيرُ بالامتِناعِ ناشِزةً (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والأذرَعيُّ مِنْ الشَّافعيةِ والحَنابلةُ إلى أنهُ لا يَجوزُ أنْ يطَأَ واحِدةً أمامَ الأُخرَى.
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَدخُلَ الحمَّامَ بزَوجتَيهِ، ولا بزَوجتِه وأمَتِه، ولا بزَوجاتِه؛ لأنهُ مَظنَّةُ النَّظرِ للعَورةِ على المَشهورِ.
وكذلكَ لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَجمَعَ بَينَ زَوجتَيه أو زَوجتِه وأمَتِه أو بَينَ زَوجاتِه في فِراشٍ واحدٍ ولو لم يَطأْ واحِدةً مِنهنَّ أو مِنهُما على المَشهورِ.
وقالَ ابنُ الماجشُونِ: إنَّما يُمنعُ جَمعُهما في فِراشٍ واحِدٍ إذا جمَعَهُما للوَطءِ، وأمَّا جَمعُهما لغَيرِ الوطءِ فمَكروهٌ (٢).
وقالَ الخَطيبِ الشّربينيُّ ﵀: قالَ الشِّيخانِ: كُرهَ أنْ يطَأَ إحداهُما بحَضرةِ الأُخرى؛ لأنهُ بَعيدٌ عنِ المُروءةِ، وظاهِرُه كَراهةُ التَّنزيهِ، وبهِ صرَّحَ
стр. 9799
المصنَّفَ في تَعليقِه على التَّنبيهِ، وقَضيَّةُ كَلامِ جَماعةٍ تَحريمُ ذلكَ، وصرَّحَ بهِ القاضي أبو الطَّيِّبِ، وصوَّبَه الأَذرَعيُّ وقالَ: إنهُ مُقتَضى نَصِّه في الأمِّ؛ لِمَا في ذلكَ مِنْ سُوءِ العِشرةِ وطَرحِ الحَياءِ. اه.
ويُمكِنُ الجَمعُ بَينَهما بأنْ يكونَ مَحلُّ التَّحريمِ إذا كانَتْ إحداهُما تَرى عَورةَ الأُخرَى.
ولَو طلَبَ الزَّوجُ ذلكَ وامتَنعَتْ لم يَلزمْها الإجابةُ، ولا تَصيرُ ناشِزةً بالامتِناعِ، قالَهُ الشِّيخانِ معَ قَولِهِما بكَراهةِ الوطءِ في هذهِ الحالَةِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ رَضيَتَا بنَومِه بَينَهما في لِحافٍ واحدٍ يَجوزُ، وإنْ رَضيتَا بأنْ يُجامِعَ واحِدةً بحَيثُ تَراهُ الأُخرى لم يَجُزْ؛ لأنَّ فيهِ دَناءةً وسُخفًا وسُقوطَ مُروءةٍ، فلَم يُبَحْ برِضاهُما، ورُبَّما كانَ وَسيلةً إلى وُقوعِ الرَّائِيةِ في الفاحِشةِ؛ لأنها قد تَثورُ شَهوتُها بذلكَ، قالَ أحمَدُ في الَّذي يُجامِعُ امرَأتَه والأُخرَى تَسمَعُ قالَ: كانُوا يَكرَهونَ الرِّجْسَ، وهو الصَّوتُ الخَفِيُّ (٢).
كَيفيةُ القَسْمِ للبِكرِ وللثيِّبِ إذا كانَتْ زَوجةً جَديدةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَ الرَّجلُ امرَأةً أُخرَى غيرَ زَوجتِه، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أم ثيِّبًا، هلْ تَختَصُّ الجَديدةُ بزيادةِ مَبيتٍ عندَ الزِّفافِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا
стр. 9800
جدَّدَ نِكاحَه فتَزوَّجَ امرأةً أُخرَى وكانَ لهُ زَوجاتٌ يَقسِمُ بَينَهنَّ وجَبَ عليهِ أنْ يَخُصَّ المُستجِدَّةَ إنْ كانَتْ بِكرًا بسَبعِ لَيالٍ، وإنْ كانَتْ ثَيبًا بثَلاثِ لَيالٍ، يُقيمُ فيهنَّ عندَها لا يَقضِي باقي نِسائِه، ولا تُحسَبُ به مِنْ قَسْمِها، فإذا انقضَتْ شارَكَتْهنَّ حِينئذٍ في القَسْمِ، وتَصيرُ الجَديدةُ آخِرَهنَّ نَوبةً، وأجازَ بَعضُ المالِكيَّةِ أنْ يَبدأَ بالجَديدةِ.
واستَدلَّ الجُمهورُ على ذلكَ بما رَوى أبو قِلابةَ عن أنَسٍ قالَ: «مِنْ السُّنةِ إذا تَزوَّجَ الرَّجلُ البِكرَ على الثيِّبِ أقامَ عندَها سَبعًا وقسَمَ، وإذا تَزوَّجَ الثيِّبَ على البِكرِ أقامَ عِندَها ثلاثًا ثمَّ قسَمَ»، قالَ أبو قِلابةَ: ولو شِئتُ لقُلتُ: إنَّ أنَسًا رَفَعَه إلى النَّبيِّ ﷺ » (١).
ولِمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا تزوَّجَ أمَّ سلَمةَ ﵂ ودخَلَ عليها أقامَ عِندَها ثلاثًا، فأرادَ أنْ يَخرُجَ أخَذَتْ بثَوبِه، فقالَ رَسولُ اللهِ: «إنَّهُ ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إن شِئتِ سَبَّعتُ لكِ، وإنْ سَبَّعتُ لكِ سَبَّعتُ لنِسائِي»، وفي رِوايةٍ: «إنْ شِئتِ زِدتُكِ وحاسَبتُكِ بهِ، للبِكرِ سَبعٌ وللثَّيِّبِ ثلاثٌ»، وفي رِوايةٍ: «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إنْ شِئتِ سبَّعْتُ عندَكِ، وإنْ شِئتِ ثَلَّثتُ ثمَّ دُرْتُ، قالَتْ: ثَلِّثْ» (٢).
ففي هذهِ الأحاديثِ دَليلٌ على أنَّ الرَّجلَ إذا تزوَّجَ البِكرَ أنَّ عليهِ أنْ يُقيمَ عندَها سَبعًا والثَّيِّب ثلاثًا، ولا يَحتسِبُ عليهِ بها نَساؤُه اللَّاتي عندَهُ قَبْلَها.
стр. 9801
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ» يَدلُّ أنهُ رأَى منها أنها استَقلَّتِ الثَّلاثَ الَّتي هي حقُّ الثَّيِّبِ، فآنَسَها بقَولِه: «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ»، أي: ليسَ أَقسِمُ ثَلاثًا لهَوانِكِ عِندِي، وإنَّما أَقسمُها لكِ لأنهُ حقُّ الثِّيبِ، وخَيَّرَها بَينَ أعلَى حُقوقِ النِّساءِ وأَشرَفِها عِندَهنَّ وهي السَّبعُ وبَينَ الثَّلاثِ، على شَرطِ إنِ اختارَتِ السَّبعَ قَسَمَ لِكلِّ ثَيِّبٍ مِثلَها، وإنِ اختارَتِ الثَّلاثَ الَّتي هي حَقُّها لم يَقسِمْ لغيرِها مثلَها، فرَأَتْ أنَّ الثَّلاثَ الَّتي هي حقُّها أفضلُ لها، إذْ لا يَقسِمُ لغيرِها مِثلَها، ولسُرعةِ رُجوعِه إليها، فاختارَتْها وطابَتْ نَفسُها عليها، ورأَتْ أنها أرجَحُ عندَها مِنْ أنْ يُسبِّعَ عندَها على أنْ يُسبِّعَ عندَ غَيرِها، وفي هذا ضَربٌ مِنْ اللُّطفِ والرِّفقِ بمَن يُخشَى منهُ كراهةُ قَبولِ الحقِّ حتَّى يَتبيَّنَ لهُ فَضلُه ويَختارَ الرُّجوعَ إليهِ.
ولأنهُ ﷺ لمَّا ذكَرَ السَّبعَ قرَنَها بالقضاءِ فقالَ: «سَبَّعْتُ عندَكِ وسَبَّعْتُ عندَهنَّ»، ولمَّا ذكَرَ الثَّلاثَ لم يَقرِنْها بالقضاءِ؛ لأنَّ الدَّورانَ عليهنَّ يَقتضي ابتداءَ قَسْمٍ لا قضاءً.
وقولُ أنسٍ ﵁: «السُّنةُ للبِكرِ سَبعًا وللثَّيِّبِ ثِلاثًا» (١) دلَّ على استِحقاقِ هذهِ المُدَّةِ مِنْ غَيرِ قَضاءٍ مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: فَرقُه فيهِ بَينَ البِكرِ والثيِّبِ.
والثَّاني: حَصرُه بعَددٍ وما يَقضي لا يَفتَرِقانِ فيهِ ولا يَنحصرُ جَريانُ العادةِ فيما تَختصُّ بهِ المُستجِدَّةُ عُرفًا وشَرعًا تَجعلُه حُكمًا مُستحَقًّا، ولأنهُ
стр. 9802
لمَّا خُصَّتِ المُستجِدَّةُ بوَليمةِ العُرسِ إكرامًا وإيناسًا ولم يَكنْ ذلكَ مَيلًا خُصَّتْ بهذهِ المُدَّةِ لهذا المَعنى، ولأنَّ للمُستجِدَّةِ حِشمةً لا تَرتَفعُ إلَّا بمُكاثَرةِ الاجتِماعِ ومُطاوَلةِ الإيناسِ، ولذلكَ وقَعَ الفَرْقُ في أنْ خُصَّتِ البِكرُ بسَبعٍ والثَّيبُ بثَلاثٍ؛ لأنَّ الثَّيِّبَ لاختِبارِ الرِّجالِ أسرَعُ أُنْسَةً مِنْ البِكرِ الَّتي هي أكثرُ انقِباضًا وأقلُّ اختِبارًا (١).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: اختَلفُوا في المقامِ عِندَها، هل هو مِنْ حُقوقِها أو مِنْ حُقوقِ الزَّوجِ على نِسائِه غَيرِها؟ فقالَتْ طائِفةٌ: هو حقٌّ للمرأةِ، إنْ شاءَتْ طلَبَتْه، وإنْ شاءَتْ تَركَتْه، وقالَ آخرُونَ: هو حقٌّ للزَّوجِ
стр. 9803
على نِسائِه، إنْ شاءَ أقامَ عِندَها، وإنْ شاءَ لم يُقِمْ وسَوَّى بَينَها وبَينَ سائِرِ نِسائِه، وكِلا القَولَينِ قد رُوِيَ أيضًا عَنْ مالِكٍ ﵀، وظاهِرُ الحَديثِ يَشهَدُ لقَولِ مَنْ جعَلَه مِنْ حقِّ المرأَةِ؛ لقَولِه: «للبِكرِ سَبعٌ وللثَّيبِ ثَلاثٌ»، ويُوجِبُ عليهِ في البِكرِ على كلِّ حالٍ أنْ يُقيمَ عندَها سَبعًا، وعندَ الثيِّبِ ثلاثًا على عُمومِ الآثارِ، وهو قَولُ جَماعةٍ أيضًا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ، وهو أمرٌ مَعمولٌ بهِ عندَهم، وحَسبُكَ بقَولِ أنَسٍ: «مَضتِ السُّنَّةُ بذلكَ»، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في أنَّ هذا الحقَّ للزَّوجِ أو للزَوجةِ الجَديدةِ، ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنهُ حقٌّ لها، وقالَ بَعضُ المالِكيةِ: حقٌّ له على بَقيَّةِ نِسائِه.
واختَلفُوا في اختِصاصِه بِمَنْ لهُ زَوجاتٌ غَيرُ الجَديدةِ، قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: جُمهورُ العُلماءِ على أنَّ ذلكَ حقٌّ للمَرأةِ بسَببِ الزِّفافِ، سواءٌ كانَ عندَه زَوجةٌ أم لا؛ لعُمومِ الحَديثِ: «إذا تَزوَّجَ البِكرَ أقامَ عِندَها سَبعًا، وإذا تَزوَّجَ الثيِّبَ أقامَ عِندَها ثلاثًا»، لم يَخُصَّ مَنْ لم يَكنْ لهُ زَوجةٌ.
وقالَتْ طائِفةٌ: الحَديثُ فيمَن لهُ زَوجةٌ أو زَوجاتٌ غيرُ هذهِ؛ لأنَّ مَنْ لا زَوجةَ له فهو مُقيمٌ مع هذهِ كلَّ دَهرِه مُؤنِسٌ لها مُتمتِّعٌ بها مُستمتِعةٌ بهِ بلا قاطِعٍ، بخِلافِ مَنْ لهُ زَوجاتٌ؛ فإنهُ جُعِلتْ هذهِ الأيَّامُ للجَديدةِ تَأنيسًا لها مُتَّصلًا لتَستقِرَّ عِشرتُها لهُ وتَذهبَ حِشمتُها ووحشَتُها منهُ، ويَقضِي كلُّ
стр. 9804
واحدٍ مِنهُما لَذَّتُه مِنْ صاحِبِه، ولا يَنقطِعُ بالدَّورانِ على غَيرِها، ورَجَّحَ القاضي عِياضٌ هذا القَولَ، وبهِ جَزَمَ البَغويُّ مِنْ أصحابِنا في فَتاويهِ فقالَ: إنَّما يَثبتُ هذا الحقُّ للجَديدةِ إذا كانَ عِندَه أُخرَى يَبيتُ عِندَها، فإنْ لم تَكنْ أُخرى أو كانَ لا يَبيتُ عِندَها لمْ يَثبتْ للجَديدةِ حقُّ الزِّفافِ، كما لا يَلزمُه أنْ يَبيتَ عندَ زَوجاتِه ابتِداءً، والأوَّلُ أقوَى وهو المُختارُ؛ لعُمومِ الحَديثِ.
واختَلفُوا في أنَّ هذا المقامَ عندَ البِكرِ والثيِّبِ إذا كانَ لهُ زَوجةٌ أُخرى واجِبٌ أم مُستحَبٌّ، فمَذهبُ الشَّافعيِّ وأصحابِه ومُوافقِيهمْ أنهُ واجِبٌ، وهيَ رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ، ورَوى عنهُ ابنُ عبدِ الحكَمِ أنهُ على الاستِحبابِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا ولهُ امرأةٌ غيرُها لم يُقِمْ عِندَها إلَّا كما يُقيمُ عندَ الَّتي كانَتْ عِندَه، ويَقْسِمُ بَينَهما سواءً، ولا يُفضِّلُها بشيءٍ، فإنْ أقامَ معَ البِكرِ سَبعًا ومعَ الثيِّبِ ثلاثًا قَضى نِساءَه مُدَّةَ مقامِه معها، فلا فَرْقَ بينَ البِكرِ والثيِّبِ، ولا بَينَ الجَديدةِ والقَديمةِ، ولا بَينَ المُسلِمةِ والكِتابيَّةِ في القَسْمِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، معناهُ: أنْ لا تَجُوروا، وقولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقَولِه ﷺ : «مَنْ كانَتْ
стр. 9805
لهُ امرَأتانِ فمالَ معَ إحداهُما على الأُخرَى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»، وفي رِوايةٍ: «جاءَ يومَ القِيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ» (١). أي مَفلُوجٌ.
وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ فيَعْدلُ، ويَقولُ: اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أَملِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أَملِكُ»، يَعني القَلبَ» (٢).
وهذهِ النُّصوصُ عامَّةٌ في النِّساءِ، فيُسوِّي بَينَ الجَديدةِ والقديمةِ، والبِكرِ والثَّيِّبِ، والصَّحيحةِ والمَريضةِ والرَّتقاءِ والمَجنونةِ الَّتي لا يَخافُ منها، والحائِضِ والنُّفساءِ، والحامِلِ والحائِلِ، والصَّغيرةِ الَّتي يُمكِنُ وَطؤُها، والمُحرِمةِ والمُولِي منها والمُظاهِرِ منها.
ولأنَّ اجتِماعَ الزَّوجاتِ عِندَه سَببٌ لوُجوبِ التَّسويةِ بينَهنَّ، فلا يكونُ سَببًا لتَفضيلِ بَعضِهنَّ على بَعضٍ، ولو جازَ تَفضيلُ البَعضِ لَكانَتِ القديمةُ أَولى؛ لِمَا وقَعَ لها مِنَ الكَسرِ والوَحشةِ وإدخالِ الغَيظِ والغَيرةِ بسَببِ إدخالِ الضَّرةِ عليها، والمُرادُ مِنْ الحَديثِ التَّفضيلُ بالبُداءةِ بالجَديدةِ دُونَ الزِّيادةِ، وليسَ في حَديثِ أمِّ سلَمةَ ما يَدلُّ على أنها إذا طَلبتِ الزِّيادةَ يَسقطُ حقُّها، بلْ هو نصٌّ على التَّسويةِ ابتِداءً، ألَا تَرى أنَّه يُروَى في بَعضِ طُرقِه: «إنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ لكِ وثَلَّثْتُ لهنَّ»، فعُلمَ بهذا أنَّ التَّسويَةَ في السَّبعِ لا لطَلبِها الزَّيادةَ.