← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ» يَدلُّ أنهُ رأَى منها أنها استَقلَّتِ الثَّلاثَ الَّتي هي حقُّ الثَّيِّبِ، فآنَسَها بقَولِه: «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ»، أي: ليسَ أَقسِمُ ثَلاثًا لهَوانِكِ عِندِي، وإنَّما أَقسمُها لكِ لأنهُ حقُّ الثِّيبِ، وخَيَّرَها بَينَ أعلَى حُقوقِ النِّساءِ وأَشرَفِها عِندَهنَّ وهي السَّبعُ وبَينَ الثَّلاثِ، على شَرطِ إنِ اختارَتِ السَّبعَ قَسَمَ لِكلِّ ثَيِّبٍ مِثلَها، وإنِ اختارَتِ الثَّلاثَ الَّتي هي حَقُّها لم يَقسِمْ لغيرِها مثلَها، فرَأَتْ أنَّ الثَّلاثَ الَّتي هي حقُّها أفضلُ لها، إذْ لا يَقسِمُ لغيرِها مِثلَها، ولسُرعةِ رُجوعِه إليها، فاختارَتْها وطابَتْ نَفسُها عليها، ورأَتْ أنها أرجَحُ عندَها مِنْ أنْ يُسبِّعَ عندَها على أنْ يُسبِّعَ عندَ غَيرِها، وفي هذا ضَربٌ مِنْ اللُّطفِ والرِّفقِ بمَن يُخشَى منهُ كراهةُ قَبولِ الحقِّ حتَّى يَتبيَّنَ لهُ فَضلُه ويَختارَ الرُّجوعَ إليهِ. ولأنهُ ﷺ لمَّا ذكَرَ السَّبعَ قرَنَها بالقضاءِ فقالَ: «سَبَّعْتُ عندَكِ وسَبَّعْتُ عندَهنَّ»، ولمَّا ذكَرَ الثَّلاثَ لم يَقرِنْها بالقضاءِ؛ لأنَّ الدَّورانَ عليهنَّ يَقتضي ابتداءَ قَسْمٍ لا قضاءً. وقولُ أنسٍ ﵁: «السُّنةُ للبِكرِ سَبعًا وللثَّيِّبِ ثِلاثًا» (١) دلَّ على استِحقاقِ هذهِ المُدَّةِ مِنْ غَيرِ قَضاءٍ مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: فَرقُه فيهِ بَينَ البِكرِ والثيِّبِ. والثَّاني: حَصرُه بعَددٍ وما يَقضي لا يَفتَرِقانِ فيهِ ولا يَنحصرُ جَريانُ العادةِ فيما تَختصُّ بهِ المُستجِدَّةُ عُرفًا وشَرعًا تَجعلُه حُكمًا مُستحَقًّا، ولأنهُ

стр. 9802

لمَّا خُصَّتِ المُستجِدَّةُ بوَليمةِ العُرسِ إكرامًا وإيناسًا ولم يَكنْ ذلكَ مَيلًا خُصَّتْ بهذهِ المُدَّةِ لهذا المَعنى، ولأنَّ للمُستجِدَّةِ حِشمةً لا تَرتَفعُ إلَّا بمُكاثَرةِ الاجتِماعِ ومُطاوَلةِ الإيناسِ، ولذلكَ وقَعَ الفَرْقُ في أنْ خُصَّتِ البِكرُ بسَبعٍ والثَّيبُ بثَلاثٍ؛ لأنَّ الثَّيِّبَ لاختِبارِ الرِّجالِ أسرَعُ أُنْسَةً مِنْ البِكرِ الَّتي هي أكثرُ انقِباضًا وأقلُّ اختِبارًا (١). وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: اختَلفُوا في المقامِ عِندَها، هل هو مِنْ حُقوقِها أو مِنْ حُقوقِ الزَّوجِ على نِسائِه غَيرِها؟ فقالَتْ طائِفةٌ: هو حقٌّ للمرأةِ، إنْ شاءَتْ طلَبَتْه، وإنْ شاءَتْ تَركَتْه، وقالَ آخرُونَ: هو حقٌّ للزَّوجِ

стр. 9803

على نِسائِه، إنْ شاءَ أقامَ عِندَها، وإنْ شاءَ لم يُقِمْ وسَوَّى بَينَها وبَينَ سائِرِ نِسائِه، وكِلا القَولَينِ قد رُوِيَ أيضًا عَنْ مالِكٍ ﵀، وظاهِرُ الحَديثِ يَشهَدُ لقَولِ مَنْ جعَلَه مِنْ حقِّ المرأَةِ؛ لقَولِه: «للبِكرِ سَبعٌ وللثَّيبِ ثَلاثٌ»، ويُوجِبُ عليهِ في البِكرِ على كلِّ حالٍ أنْ يُقيمَ عندَها سَبعًا، وعندَ الثيِّبِ ثلاثًا على عُمومِ الآثارِ، وهو قَولُ جَماعةٍ أيضًا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ، وهو أمرٌ مَعمولٌ بهِ عندَهم، وحَسبُكَ بقَولِ أنَسٍ: «مَضتِ السُّنَّةُ بذلكَ»، وباللهِ التَّوفيقُ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في أنَّ هذا الحقَّ للزَّوجِ أو للزَوجةِ الجَديدةِ، ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنهُ حقٌّ لها، وقالَ بَعضُ المالِكيةِ: حقٌّ له على بَقيَّةِ نِسائِه. واختَلفُوا في اختِصاصِه بِمَنْ لهُ زَوجاتٌ غَيرُ الجَديدةِ، قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: جُمهورُ العُلماءِ على أنَّ ذلكَ حقٌّ للمَرأةِ بسَببِ الزِّفافِ، سواءٌ كانَ عندَه زَوجةٌ أم لا؛ لعُمومِ الحَديثِ: «إذا تَزوَّجَ البِكرَ أقامَ عِندَها سَبعًا، وإذا تَزوَّجَ الثيِّبَ أقامَ عِندَها ثلاثًا»، لم يَخُصَّ مَنْ لم يَكنْ لهُ زَوجةٌ. وقالَتْ طائِفةٌ: الحَديثُ فيمَن لهُ زَوجةٌ أو زَوجاتٌ غيرُ هذهِ؛ لأنَّ مَنْ لا زَوجةَ له فهو مُقيمٌ مع هذهِ كلَّ دَهرِه مُؤنِسٌ لها مُتمتِّعٌ بها مُستمتِعةٌ بهِ بلا قاطِعٍ، بخِلافِ مَنْ لهُ زَوجاتٌ؛ فإنهُ جُعِلتْ هذهِ الأيَّامُ للجَديدةِ تَأنيسًا لها مُتَّصلًا لتَستقِرَّ عِشرتُها لهُ وتَذهبَ حِشمتُها ووحشَتُها منهُ، ويَقضِي كلُّ

стр. 9804

واحدٍ مِنهُما لَذَّتُه مِنْ صاحِبِه، ولا يَنقطِعُ بالدَّورانِ على غَيرِها، ورَجَّحَ القاضي عِياضٌ هذا القَولَ، وبهِ جَزَمَ البَغويُّ مِنْ أصحابِنا في فَتاويهِ فقالَ: إنَّما يَثبتُ هذا الحقُّ للجَديدةِ إذا كانَ عِندَه أُخرَى يَبيتُ عِندَها، فإنْ لم تَكنْ أُخرى أو كانَ لا يَبيتُ عِندَها لمْ يَثبتْ للجَديدةِ حقُّ الزِّفافِ، كما لا يَلزمُه أنْ يَبيتَ عندَ زَوجاتِه ابتِداءً، والأوَّلُ أقوَى وهو المُختارُ؛ لعُمومِ الحَديثِ. واختَلفُوا في أنَّ هذا المقامَ عندَ البِكرِ والثيِّبِ إذا كانَ لهُ زَوجةٌ أُخرى واجِبٌ أم مُستحَبٌّ، فمَذهبُ الشَّافعيِّ وأصحابِه ومُوافقِيهمْ أنهُ واجِبٌ، وهيَ رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ، ورَوى عنهُ ابنُ عبدِ الحكَمِ أنهُ على الاستِحبابِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا ولهُ امرأةٌ غيرُها لم يُقِمْ عِندَها إلَّا كما يُقيمُ عندَ الَّتي كانَتْ عِندَه، ويَقْسِمُ بَينَهما سواءً، ولا يُفضِّلُها بشيءٍ، فإنْ أقامَ معَ البِكرِ سَبعًا ومعَ الثيِّبِ ثلاثًا قَضى نِساءَه مُدَّةَ مقامِه معها، فلا فَرْقَ بينَ البِكرِ والثيِّبِ، ولا بَينَ الجَديدةِ والقَديمةِ، ولا بَينَ المُسلِمةِ والكِتابيَّةِ في القَسْمِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، معناهُ: أنْ لا تَجُوروا، وقولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقَولِه ﷺ : «مَنْ كانَتْ

стр. 9805

لهُ امرَأتانِ فمالَ معَ إحداهُما على الأُخرَى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»، وفي رِوايةٍ: «جاءَ يومَ القِيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ» (١). أي مَفلُوجٌ. وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ فيَعْدلُ، ويَقولُ: اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أَملِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أَملِكُ»، يَعني القَلبَ» (٢). وهذهِ النُّصوصُ عامَّةٌ في النِّساءِ، فيُسوِّي بَينَ الجَديدةِ والقديمةِ، والبِكرِ والثَّيِّبِ، والصَّحيحةِ والمَريضةِ والرَّتقاءِ والمَجنونةِ الَّتي لا يَخافُ منها، والحائِضِ والنُّفساءِ، والحامِلِ والحائِلِ، والصَّغيرةِ الَّتي يُمكِنُ وَطؤُها، والمُحرِمةِ والمُولِي منها والمُظاهِرِ منها. ولأنَّ اجتِماعَ الزَّوجاتِ عِندَه سَببٌ لوُجوبِ التَّسويةِ بينَهنَّ، فلا يكونُ سَببًا لتَفضيلِ بَعضِهنَّ على بَعضٍ، ولو جازَ تَفضيلُ البَعضِ لَكانَتِ القديمةُ أَولى؛ لِمَا وقَعَ لها مِنَ الكَسرِ والوَحشةِ وإدخالِ الغَيظِ والغَيرةِ بسَببِ إدخالِ الضَّرةِ عليها، والمُرادُ مِنْ الحَديثِ التَّفضيلُ بالبُداءةِ بالجَديدةِ دُونَ الزِّيادةِ، وليسَ في حَديثِ أمِّ سلَمةَ ما يَدلُّ على أنها إذا طَلبتِ الزِّيادةَ يَسقطُ حقُّها، بلْ هو نصٌّ على التَّسويةِ ابتِداءً، ألَا تَرى أنَّه يُروَى في بَعضِ طُرقِه: «إنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ لكِ وثَلَّثْتُ لهنَّ»، فعُلمَ بهذا أنَّ التَّسويَةَ في السَّبعِ لا لطَلبِها الزَّيادةَ.

стр. 9806

ولأنَّ القَسْمَ مِنْ حُقوقِ النِّكاحِ كالنَّفقةِ، فهُنَّ فيهِ سَواءٌ، لا تَفاوُتَ في ذلكَ بَينَ البِكرِ والثيِّبِ والجَديدةِ والقَديمةِ، كما لا تَفاوُتَ بَينَ المُسلمةِ والكِتابيَّةِ والبالِغةِ والمُراهِقةِ والمَجنونةِ والعاقِلةِ والمَريضةِ والصَّحيحةِ؛ للمُساواةِ بَينَهنَّ في سَببِ هذا الحقِّ وهو الحِلُّ الثَّابتُ بالنِّكاحِ. وأمَّا قَولُ النَّبيِّ ﷺ لأُمِّ سلَمةَ ﵂: «إنْ شِئتِ سَبَّعتُ لكِ، وإنْ سَبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنِسائِي»، أي: أَعدِلُ بَينكِ وبَينَهنَّ فأجعَلُ لكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ سَبعًا كما أَقمْتُ عِندكِ سَبعًا، كانَ كذلكَ أيضًا إذا جعَلَ لها ثَلاثًا جعَلَ لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ كذلكَ أيضًا. ومعنَى قَولِهِ ﷺ : «للبِكرِ سَبعًا وللثيِّبِ ثلاثًا» فالمُرادُ التَّفضيلُ في البُداءةِ بالجَديدةِ دونَ الزِّيادةِ، ولا شكَّ أنَّ الأحاديثَ مُحتمِلةٌ، فلم تَكنْ قَطعيَّةَ الدَّلالةِ، فوجَبَ تَقديمُ الدَّليلِ القَطعيِّ والأحاديثِ المُطلَقةِ. ويَحتَملُ «ثمَّ أَدورُ بالثَّلاثِ عليهِنَّ جَميعًا»؛ لأنهُ لو كانَتِ الثَّلاثُ حقًّا لها دُونَ سائرِ النِّساءِ لَكانَ إذا أقامَ عِندَها سَبعًا كانَتْ ثلاثٌ مِنهنَّ غَيرُ مَحسوبةٍ عليها، ولَوجَبَ أنْ يَكونَ لسائرِ النِّساءِ أربَعٌ أربَعٌ، فلمَّا كانَ الَّذي للنَّساءِ إذا أقامَ عِندَها سَبعًا سَبعًا لِكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ كانَ كذلكَ إذا أقامَ عندَها ثَلاثًا لكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ ثَلاثٌ ثَلاثٌ، هذا هو النَّظَرَ الصَّحيحُ معَ استِقامةِ تأويلِ هذهِ الآثارِ عليهِ (١).

стр. 9807

مَنْ لها حق القَسْمِ: نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ القَسْمَ يُستحَقُّ للزَّوجةِ ولَو كانَتْ مَريضةً أو قَرناءَ أو رَتقاءَ أو حائِضَ أو نُفساءَ أو مَنْ آلَى مِنها أو ظاهَرَ أو مُحرِمةً أو مَجنونةً لا يُخافُ مِنها، وكذا كلُّ مَنْ بها عُذرٌ شَرعيٌّ أو طَبيعيٌّ؛ لأنَّ المَقصودَ منهُ الأُنسُ والسَّكنُ لا الجِماعِ، فلذلكَ لَزِمَه أنْ يَقْسِمَ لِمَنْ قدَرَ على جِماعِها أو لم يَقدِرْ مِنْ المريضةِ والرَّتقاءِ والحائِضِ والنُّفساءِ والَّتي آلَى مِنها أو ظاهَرَ. أمَّا المَجنونةُ الَّتي يُخافُ مِنها ولم يَظهرْ مِنها نُشوزٌ فلا يَجبُ لها قَسْمٌ وإنِ استَّحقَتِ النَّفقةَ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَقْسِمُ للمَريضةِ والرَّتقاءِ والحائِضِ والنُّفساءِ والمُحرِمةِ والصَّغيرةِ المُمكِنِ وَطؤُها، وكُلُّهن سَواءٌ في القَسْمِ، وبذلكَ قالَ مالِكٌ والشَّافِعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ عَنْ غَيرِهم خِلافَهم، وكذلكَ الَّتي ظاهَرَ مِنها؛ لأنَّ القَصدَ الإيواءُ والسَّكنُ والأُنسُ، وهو حاصِل لَهنَّ، وأمَّا المَجنونةُ؛ فإنْ كانَتْ لا يُخافُ مِنها فهي كالصَّحيحةِ، وإنْ خافَ مِنها فلا قَسْمَ لها؛ لأنهُ لا يَأمنُها على نَفسِه ولا يَحصلُ لها أُنسٌ ولا بها (١).

стр. 9808

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واتَّفقُوا إذا مَرِضَتِ المرأةُ أنَّ لها أيَّامَها مِنْ القِسْمةِ كالصَّحيحةِ، واختَلفُوا إذا اشتَّدَ مَرضُها وثَقُلَتْ، فقالَ الشَّافعيُّ: لا بأسَ أنْ يُقيمَ عندَها حتَّى تَخفَّ أو تَموتَ، ثمَّ يُوفِّي مَنْ بَقيَ مِنْ نِسائِه مِثلَ ما أقامَ عِندَها، وبهِ قالَ أبو ثَورٍ، وقالَ الكُّوفيُّونَ: ما مَضى هَدَرٌ، ويَستأنِفُ العَدلَ فيما يَستقبِلُ (١). القَسْمُ للمُطلَّقةِ الرَّجعيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طلاقًا رَجعيًّا، هل يَجبُ لها القَسْمُ أم لا؟ فذهَبَ الشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ المُطلَّقةَ طَلاقًا رَجعيًّا لا يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَقْسِمَ لها؛ لأنها لَيسَتْ زَوجةً مِنْ كلِّ وَجهٍ (٢).

стр. 9809

وقالَ الحَنفيةُ: المُطلَّقةُ رَجعيًّا إنْ قصَدَ رجْعَتَها قَسَمَ لها، وإلَّا لا (١). القَسمُ للزَّوجةِ المُعتدَّةِ مِنْ وَطءِ شُبهةٍ: ذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ المَرأةَ المُعتدَّةَ مِنْ وَطءِ شُبهةٍ لا قَسْمَ لها؛ لحُرمةِ الخَلوةِ بها (٢). أمَّا الحَنفيةُ فقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولم أَرَ حُكمَ المَنكُوحةِ إذا وُطئَتْ بشُبهةٍ وهي في العِدَّةِ والمَحبوسةِ بدَينٍ لا قُدرةَ لها على وَفائِهِ والنَّاشِزةِ، والمَسطورُ في كُتُبِ الشَّافِعيةِ أنهُ لا قَسْمَ لها في الكُلِّ. وعِندي أنهُ يَجبُ للمَوطوءةِ بشُبهةٍ؛ أخذًا مِنْ قَولِهم: إنهُ لمُجرِّدِ الإيناسِ ودَفعِ الوَحشةِ، وفي المَحبوسةِ تَردُّدٌ. وأمَّا النَّاشِزةُ فلا يَنبَغي التَّردُّدُ في سُقوطِه لها؛ لأنها بخُروجِها رَضِيَتْ بإسقاطِ حقِّها (٣). قالَ ابنُ عابدِينَ بَعدَما ذكَرَ هذا الكَلامَ: واعتَرضَهُ الحَمويُّ بأنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ لا نَفقَةَ لها عَليهِ في هَذهِ العِدَّةِ، ومَعلُومٌ أنَّ القَسْمَ عِبارَةٌ عَنْ التَّسويةِ في البَيتوتةِ والنَّفقةِ والسُّكنَى. اه. زادَ بَعضُ الفُضلاءِ: أنهُ يُخافُ مِنْ القَسْمِ لها الوُقوعُ في الحَرامِ؛ لأنها

стр. 9810

مُعتدَّةٌ للغَيرِ ويَحرمُ عليهِ مَسُّها وتَقبيلُها فلا يَجبُ لها، وكذا المَحبوسةُ؛ لأنَّ في وُجوبِه عليهِ ضَررًا بهِ بدُخولِهِ الحَبْسَ (١). القَسْمُ للنَّاشِزةِ: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الزَّوجةَ إذا نشَزَتْ عن زَوجِها بأنْ خَرجَتْ مِنْ مَسكَنِه أو أرادَ الدُّخولَ عليها فأغلَقَتِ البابَ ومنَعَتْه أو ادَّعَتْ عليه الطَّلاقَ كَذبًا أو منَعَتِ التَّمكينَ أو دَعاها فاشتغَلَتْ بحاجتِها فلا قَسْمَ لها كما لا نَفقةَ، فإنْ عادَتْ بعدَ ذلكَ إلى المُطاوَعةِ استَأنفَ القَسْمَ ولم يَقضِ النَّاشِزَ؛ لأنها أسقَطَتْ حقَّ نَفسِها (٢). القَسْمُ في السَّفرِ، والسَّفرُ بإحدَى زَوجاتِه: الزَّوجُ إذا كانَ لهُ أكثرُ مِنْ امرأةٍ وأرادَ سَفرًا فهوَ بالخِيارِ بَينَ ثلاثةِ أمورٍ: أَحدَاها: أنْ يُسافِرَ بجَميعِهنَّ، فلهُ ذاكَ إذا كانَ سَفرُه مَأمونًا؛ لأنَّ رَسولُ الله ﷺ سافَرَ بجَميعِ نِسائِه في حَجَّةِ الوَداعِ، ولأنهُ يَستحقُّ الاستِمتاعَ بهنَّ في السَّفرِ كما يَستَحقُّه في الحضَرِ، فإذا سافَرَ بهنَّ كُنَّ على قَسْمِهنَّ في السَّفرِ كما كُنَّ عليهِ في الحضَرِ، فإنِ امتنَعَتْ واحِدةٌ مِنهنَّ أنْ

стр. 9811

تُسافِرَ معهُ صارَتْ ناشِزًا وسقَطَ قَسْمُها ونَفقتُها، إلَّا أنْ تكونَ مَعذورةً بمَرضٍ لعَجزِها عنِ السَّفرِ فلا تَعصِي، ولها النَّفقةُ، ولا يَلزمُه قَضاءُ قَسْمِها؛ لأنهُ قد بذَلَ ذلكَ لها فكانَ الامتِناعُ مِنْ جِهتِها، وإنْ عُذِرْنَ فيهِ بأنْ كانَ سَفرُه في مَعصيةٍ وامتَنعْنَ مِنْ السَّفرِ لأجْلِ المَعصيةِ لم يكنْ ذلكَ عُذرًا لهنَّ عنِ التأخُّرِ إذا أَمِنَّ؛ لأنهُ ليسَ يَدعوهنَّ إلى مَعصيةٍ، وإنَّما يَدعوهنَّ إلى استِيفاءِ حَقٍّ لا يَسقطُ بالمَعصيةِ، فإنْ أقَمْنَ بذلكَ على امتِناعِهنَّ نشَزْنَ وسقَطَ قَسْمُهنَّ ونَفقتُهنَّ. والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَتركُهنَّ في أوطانِهنَّ ولا يُريدُ السَّفرَ بواحِدةٍ مِنهنَّ، فلهُ ذلكَ؛ لأنهُ لوِ اعتَزلَهنَّ وهو مُقيمٌ جازَ، فإذا اعتَزلَهنَّ بالسَّفرِ كانَ أَولى بالجوازِ إذا قامَ بما يَجبُ لهنَّ مِنْ الكُسوةِ والنَّفقةِ والسُّكنَى، فإذا خِفْنَ على أنفسِهنَّ إذا سافَرَ عَنهنَّ لَزمَه أنْ يُسكِنَهنَّ في مَوضِعٍ يأْمَنَّ فيهِ، فإنْ وُجِدَ ذلكَ في وَطنِه وإلَّا نقَلَهنَّ إلى غَيرِه مِنْ المَواطِنِ المَأمونةِ، فإنْ أمَرَهنَّ بعدَ سَفرِه عنهنَّ أنْ يَخرجْنَ إليهِ لَزمَهنَّ الخُروجُ إذا كانَ السَّفرُ مَأمونًا ووَجَدْنَ ذا مَحرَمٍ، فإنِ امتنَعْنَ نشَزْنَ وسقَطَتْ نَفقاتُهنَّ. والحالُ الثَّالثةُ: أنْ يُريدَ السَّفرَ ببَعضِهنَّ دونَ بعضٍ، فلهُ ذلكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد فعَلَ ذاكَ في أكثرِ أسفارِهِ، ولأنهُ لمَّا جازَ أنْ يُسافِرَ بجَميعِهنَّ فأَولَى أنْ يُسافِرَ ببَعضِهنَّ، ولمَّا جازَ أنْ يَتركَ جَميعَهنَّ فأَولى أنْ يَتركَ بعضَهنَّ.

стр. 9812

وإذا كانَ كذلكَ فإنَّ العُلماءَ اختَلفُوا، هل يَجوزُ لهُ أنْ يَتخيَّرَ بعضَهنَّ ويُسافِرَ بها؟ أم لا بُدَّ مِنْ القُرعةِ فأيَّتهنَّ خرَجَتْ قُرعتَها سافَرَ بها؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ وهو قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ لهُ أكثرُ مِنْ امرأةٍ وأرادَ أنْ يُسافِرَ بإحداهُنَّ لم يَجُزْ له أنْ يُسافِرَ بها إلَّا بقُرعةِ الَّتي تَزولُ بها عنهُ التُّهمةُ؛ لمَا رَواهُ البُخاريُّ عن عُروةَ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا أرادَ سفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سَهمُها خرَجَ بها معهُ، وكانَ يَقسِمُ لكلِّ امرَأةٍ مِنهُنَّ يَومَها ولَيلتَها، غيرَ أنَّ سَودةَ بنتِ زَمعةَ وهَبَتْ يَومَها ولَيلتَها لعائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ تَبتغِي بذلكَ رِضا رَسولِ اللهِ ﷺ » (١). ولأنهُنَّ قد تَساوَينَ في استِحقاقِ القَسْمِ، فلم يَجُزْ أنْ يُميِّزَهنَّ فيهِ مِنْ غيرِ قُرعةٍ، ولأنَّ في المُسافَرةِ ببَعضِهنَّ مِنْ غيرِ قُرعةٍ تَفضيلًا لها ومَيلًا إليها، فلم يَجُزْ بغيرِ قُرعةٍ كابتِداءِ القَسْمِ، فإذا أقرَعَ بينَهنَّ ليُسافِرَ بواحِدةٍ مِنهنَّ فأيَّتهنَّ قرعَتْ سافَرَ بها. ولو راضاهُنَّ على السَّفرِ بواحِدةٍ مِنهنَّ بغَيرِ قُرعةٍ جازَ، فإنِ امتَنعْنَ بَعدَ الرِّضا مِنْ تَسليمِ الخُروجِ لتلكَ إلَّا بالقُرعةِ كانَ ذلكَ لهنَّ إذا لم يَشرَعْ في الخروجِ، فإنْ شرَعَ فيهِ وسافَرَ حتَّى جازَ لهُ القَصرُ لم يَكنْ لهنَّ ذلكَ، واستَقرَّ حتَّى المُتراضِي سَفرُها وتَعيَّن ذلكَ لها.

стр. 9813

وإذا سافَرَ بواحِدةٍ مِنهنَّ عَنْ قُرعةٍ أو تَراضٍ لم يَقضِ للمُقِيماتِ مُدَّةَ سَفرِه مع الخارِجةِ، سواءٌ كانَ في السَّفرِ مُخالِطًا لها أو مُعتزِلًا عنها؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ لمَّا حَكتْ قُرعةَ رَسولِ اللهِ ﷺ لِمَنْ يُسافِرُ بها لم تَحْكِ بأنه قَضى باقي نِسائِه مِثلَ مُدَّتِها، ولو فعَلَه لحَكَتْهُ. ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَعَ بَينَ نِسائِه لبَعضِ أسفارِهِ فخَرجَتِ القُرعةُ لعائِشةَ وحَفصةَ ﵄ فسافَرَ بهما ولم يَقضِ للباقِياتِ. ولأنَّ المُسافِرةَ معهُ وإنْ حَظيَتْ بهِ فقدْ عانَتْ مِنْ لَأواءِ السَّفرِ ومَشاقِّهِ ما صارَ في مُقابَلتِه، كما أنَّ المُقِيماتِ وإنْ أَوحشَهُنَّ فِراقُه فقدْ حصَلَ لهنَّ مِنْ رَفاهةِ المقامِ ما في مُقابَلتِه، فلا يُجمَعُ لهنَّ بينَ القَسْمِ والرَّفاهةِ الَّتي حُرِمَتْها المُسافِرةُ. وكذلكَ إذا أرادَ أنْ يَخرجَ باثنتَينِ أو أكثرَ أقرَعَ، فيَجوزُ للزَّوجِ أنْ يُسافِرَ بواحِدةٍ مِنْ أربعٍ، وباثَنينِ مِنهنَّ، وبثَلاثٍ ويَخلُفُ واحدةً، كما جازَ لهُ أنْ يُسافِرَ بواحِدةٍ ويَخلُفَ ثلاثًا، لكنَّه يَستَعملُ القُرعةَ في إخراجِ الواحدةِ، فإذا قرَعَ اثنانِ مِنهنَّ وسافَرَ بهما قسَمَ بَينَهُما في سَفرِه كما كانَ يَقسِمُ بَينَهما في حَضرِه، إلَّا أنْ يَعتزلَهُما فيَسقُطُ القَسْمُ لهما. فأمَّا إنْ سافَرَ بواحِدةٍ مِنْ غيرِ قُرعةٍ أَثِمَ، وعليهِ أنْ يَقضِي المُقِيماتِ مدَّةَ غَيبتِه معها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَعَ بَينَ نِسائِه، فلو سقَطَ القَضاءُ في الحاليَّةِ لم يَكنْ للقُرعةِ مَعنى، ولأنَّه لمَّا افتَرقَ وُجودُ القُرعةِ وعَدمُها في

стр. 9814

الإباحةِ افتَرقَا في القَضاءِ، ولأنهُ خَصَّ إحدَى نسائِه بمدَّةٍ يَلحقُه فيها التُّهمةُ، فوجَبَ بهِ القضاءُ كالمُقِيمةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ إلى أنهُ يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يُسافِرَ بإحدَى زَوجاتِه مِنْ غيرِ قُرعةٍ. قالَ الحَنفيةُ: لاحقَّ لهنَّ في القَسْمِ في حالِ السَّفرِ، ويُسافِرُ بمَن شاءَ مِنهنَّ، كما يَجوزُ لهُ أنْ لا يَستصِحبَ واحدةً مِنهنَّ، فكذا لهُ أنْ يُسافِرَ بواحِدةٍ مِنهنَّ أو أكثرَ بلا إذنٍ مِنْ صاحبتِها ولا قُرعةَ، ولأنهُ قد يَتعسَّرُ عليهِ السَّفرُ ببَعضِهنَّ لمرَضٍ بها أو سِمَنٍ أو كَثرةِ أولادٍ، وقد يَأتَمنُ بعضَهنَّ في حفظِ الأمتعةِ في السَّفرِ أو في تَركِها في البَيتِ، وفيه مِنْ الحَرجِ ما لا يَخفَى، والأفضلُ أنْ يقرعَ بينَهنَّ؛ لفِعلِه ﷺ وهو يدلُّ على الاستِحبابِ، تَطييبًا لِقُلوبهنَّ، والدَّليلُ عليهِ أنهُ ﷺ لم تَكنِ التَّسويةُ واجِبةً عليهِ في الحضَرِ، وإنَّما كانَ يَفعلُه تَفضُّلًا؛ لمَا رُويَ «أنهُ ﷺ كانَ عِندَه تِسعٌ، فكانَ يَقْسِمُ لثَمانٍ، ولا يَقْسِمُ لواحِدةٍ»، قالَ عطاءٌ: الَّتي لا يَقْسِمُ لها صَفيَّةُ بنتُ حُييِّ بنِ أخْطَبَ (٢).

стр. 9815

وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فكانَ ممَّن يُؤوي عائَشةُ وأمُّ سلَمةَ وزينبُ وحَفصةُ، ومِمَّن أَرجأَ سَودةُ وجُويريةُ وأمُّ حَبيبةَ وصَفِيَّةُ ومَيمُونةُ. فإذا لَم يَجبْ عليهِ في الحَضَرِ فكيفَ يُستَدلُّ بفِعلِه على الوُجوبِ؟ والقَاعدةُ: أنَّ الفِعلَ أيضًا لا يَدلُّ على الوجوبِ، ولا يُحتَسبُ عليهِ بتلكَ المدَّةِ حتَّى لا يَقضِي لبَقيَّةِ نِسائِه؛ لأنَّه لا حقَّ لَهنَّ في السَّفرِ، ووُجوبُ القَضاءِ يَترتَّبُ على وُجوبِ الأداءِ، ولأنهُ لو كانَ واجبًا عليهِ في السَّفرِ لَمَا سقَطَ حقُّ الباقينَ بالقُرعةِ كما لا يَسقطُ بهِ في الحَضَرِ، وعلى هذا لو أقامَ عندَ واحدةٍ مِنهنَّ شَهرًا في الحَضَرِ ورافقَتْهُ الأُخرى لم يُؤمَرْ بقضاءِ ما مَضَى، وإنَّما يُؤمَرُ أنْ يُسوِّي بَينَهما في المُستقبلِ؛ لأنَّ القَسْمَ إنَّما يكونُ بعدَ الطَّلبِ، ولكنهُ يأثَمُ فيهِ، ولو فعَلَ ذلكَ بعدَ أمْرِ القاضي يُوجَعُ ضَربًا؛ لأنهُ ارتَكبَ مَحظورًا، وهو الجَورُ، ويَقضِي (١). وقالَ المالكيَّةُ: الرَّجلُ إذا كانَ لهُ زَوجتانِ فأكثرُ وأرادَ أنْ يُسافِرَ لتِجارةٍ أو غَيرِها فإنهُ يَختارُ مِنْ نِسائِه مَنْ يَأخذُها مَعهُ في سَفرِه مِنْ غيرِ قُرعةٍ؛ لأنَّ

стр. 9816

المَصلحةَ قد تَكونُ في إقامةِ إحداهنَّ؛ إمَّا لثِقَلِ جِسمِها أو لكَثرةِ عائلتِها أو لغَيرِ ذلكَ، وكلُّ ذلكَ مِنْ غَيرِ مَيلٍ ولا ضرَرٍ، ومَن تَعيَّنَ سَفرُها جُبِرَتْ عليهِ إنْ لم يَشُقَّ عليها أو يَعِرَّها -أي يكونَ عليها فيهِ مَعرَّةٌ-، ولا تُحاسَبُ مَنْ سافَرَ بها بَعدَ رُجوعِه، بل يَبتدِئُ القَسْمَ، وأمَّا لو أرادَ أنْ يُسافِرَ لحَجٍّ أو غَزوٍ فإنهُ يُقرِعُ بينَ نِسائِه عندَ مالكٍ، فمَن خرَجَ سَهمُها أخَذَها؛ لأنَّ المُشاحةَ تَعظُمُ في سَفرِ القُرُباتِ. وعنهُ مِنْ رِوايةِ ابنِ عَبدِ الحَكَمِ وجوبُ القُرعةِ مُطلقًا، وعَنهُ أنهُ يَختارُ مُطلَقًا مِنْ غيرِ قُرعةٍ، ومالَ إلى هذا ابنُ القاسِمِ، وظاهِرُ «المُدوَّنةِ» أنَّهُ يُقرعُ في سَفرِ الغَزوِ فقَط (١). لا قَضاءَ للحاضِرةِ ويَقسِمُ للزَّوجاتِ في السَّفرِ: قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: لم يَختلِفِ الفُقهاءُ في أنَّ الحاضِرةَ لا تُحاسِبُ المُسافِرةَ بما مَضى لها معَ زَوجِها في السَّفرِ، وكذلكَ لا يَختلِفونَ في أنهُ يَقسمُ بَينَ الزَّوجاتِ في السَّفرِ كما يَقسمُ بَينَهنَّ في الحَضَرِ (٢). القَسْمُ للزَّوجةِ المُسافِرةِ: المرأةُ إمَّا أنْ تُسافرَ بغيرِ إذنِ الزَّوجِ أو بإذنِه، فإنْ سافَرَتْ بغَيرِ إذنِه فلا

стр. 9817

نَفقةَ لها ولا قَسْمَ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، وهي في سَفَرِها آثِمةٌ، وصارَتْ أسوَأَ حالًا مِنْ المُقِيمةِ النَّاشِزةِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا سافَرَتْ بغيرِ إذنِه فإنَّه إذا سقَطَ حقُّها مِنْ ذلكَ لعَدمِ التَّمكينِ بأمرٍ ليسَ فيهِ نُشوزٍ ولا مَعصيةٌ فلَأنْ يَسقُطَ بالنُّشوزِ والمَعصيةِ أَولَى، وهذا لا خِلافَ فيهِ نَعلمُه (٢). وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: وإذا سافرَتْ زوْجتُه بغَيرِ إذنِه فلا نَفقةَ لها ولا قَسْمَ. ش: هذا مِمَّا لا خَلافَ فيهِ وللهِ الحَمدُ؛ لأنَّ القَسْمَ للأُنسِ والنَّفقةَ للتَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ، وقد تَعذَّرَ ذلكَ بفِعلِها، أشبَهَ ما لو لم تُسلمْه نَفسَها ابتِداءً، واللهُ أعلَمُ (٣). إلَّا أنَّ الشَّافعيةَ استَثنَوا صَورةً: ما إذا خَربَتِ البَلدُ وارتَحلَ أهلُها والزَّوجُ غائِبٌ ولم يُمكِنْها الإقامةُ، فلا تَكونُ ناشِزةً، كخُروجِها مِنْ البَيتِ إذا أشرَفَ على السُّقوطِ (٤). وإذا سافَرَتْ بإذنِه هل تَسقُطُ النَّفقةُ والقَسْمُ أم لا؟ وهذا لا يخلُو مِنْ صُورتَينِ:

стр. 9818

الصُّورةُ الأُولى: أنْ تُسافِرَ بإذنِه لحاجَتِه: ذهَبَ الشَّافعيةُ والحنابِلةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا سافَرَتْ بإذنِ الزَّوجِ لحاجَتِه أو يأمُرُها بالنّقلَةِ مِنْ بَلدِها فلا تَسقطُ نَفقتُها ولا القَسْمُ لها؛ لأنَّها لم تُفوِّتْ عليهِ التَّمكينَ ولا فاتَ مِنْ جِهتِها، وإنَّما حصَلَ بتَفويتِه فلَم يَسقطْ حقُّها، كما لو أَتلَفَ المُشتري المَبيعَ لم يَسقطْ حقُّ البائِعِ مِنْ تَسليمِ ثَمنِه إليه، فعلى هذا يَقضِي لها بحَسبِ ما أقامَ عندَ ضَرَّتِها، وإنْ سافَرَتْ معهُ فهي على حقِّها مِنهُما جَميعًا. وكذا لو سافَرَتْ بإذنِه لحاجتِهِما مَعًا عِنْدَ الشَّافعيَّةِ لا تَسقطُ النَّفقةُ ولا القَسْمُ. الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ تُسافِرَ بإذنِه لحاجَتِها: ذهَبَ الشَّافعيةُ في الجديدِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المرأةَ إذا سافَرَتْ بإذنِ الزَّوجِ لحاجَتِها كحَجٍّ وعُمرَةٍ وتِجارةٍ وزِيارةٍ لم يَبْقَ لها حقٌّ في نَفقةٍ ولا في قَسْمٍ؛ لأنَّ القَسْمَ للأُنسِ والنَّفقةَ للتَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ، وقد تَعذَّرَ ذلكَ بسَببٍ مِنْ جِهتِها فسقَطَ، كما لو تَعذَّرِ ذلكَ قَبْلَ دُخولِه بها. وفائِدةُ الإذنِ رَفعُ الإثمِ. وذهَبَ الشَّافعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّه لا يَسقطُ حقُّها في النَّفقةِ ولا في القَسمِ، ويَقضي لها حقَّها؛ لأنَّها سافَرَتْ بإذنِه أشبَهَ ما لو سافَرَتْ مَعهُ، ولأنها لمَّا خرَجَتْ بإذنِه مِنْ المَأثَمِ خرَجَتْ مِنْ حُكمِ النُّشوزِ.

стр. 9819

وزادَ الشَّافعيةُ: لو سافَرَتْ لحاجةِ ثالِثٍ فهي كمَن خرَجَتْ لحاجَةِ نَفسِها إذا لم يكنْ خُروجُها بسُؤالِ الزَّوجِ لها فيهِ، وإلَّا فيُلحَقُ بخُروجِها لحاجتِه بإذنِهِ. وامتِناعُها مِنْ السَّفرِ معَ زَوجِها نُشوزٌ، ما لم تَكنْ مَعذورةً بمَرضٍ ونَحوِهِ، كشِدَّةِ حَرٍّ أو بَرْدٍ في الطَّريقِ لا تُطيقُ السَّفرَ معهُ، وليسَ منهُ مُفارَقةُ أهلِها وعَشيرتِها (١). قَسْمُ الزَّوجِ المَريضِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزَّوجَ المَريضَ يَقسِمُ بَينَ نِسائِه كالصَّحيحِ؛ لأنَّ القَسْمَ للأُنسِ، وذلكَ حاصِلٌ مِنْ المَريضِ كالصَّحيحِ، ولِمَا رَوى عُروةُ عن عائِشةَ ﵂: «أنَّ رَسولَ اللهِ كان يَسألُ في مَرضِه الَّذي ماتَ فيهِ: أينَ أنا غدًا؟ أينَ أنا غدًا؟ يُريدُ يومَ عائِشةَ، فأَذِنَ لهُ أزواجُهُ يَكونُ حيثُ شاءَ، فكانَ في بَيتِ عائِشةَ حتَّى ماتَ عِندَها، قالَتْ عائِشةُ: فماتَ في اليومِ الَّذي كانَ يدُورُ علَيَّ فيه في بَيتي، فقَبَضَه اللهُ وإنَّ رأسَهُ لَبيْنَ نَحْري وسَحْري، وخالَطَ رِيقُه رِيقِي» (٢).

стр. 9820

وعنها ﵂ قالَتْ: «لمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ ﷺ فاشْتَدَّ وجَعُه استَأذَنَ أزواجَهُ أنْ يُمرَّضَ في بَيتِي، فأَذِنَّ لهُ» (١). وإنَّما فعَلَ ذلكَ؛ لأنها كانَتْ أرفَقَ بهِ وألطَفَ بتَمريضِه. إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا فيما لو اشتَدَّ بهِ المَرضُ ماذا يَفعلُ؟ أمَّا الحَنفيةُ فقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: قُيِّدَ بالسَّفرِ؛ لأنَّ مرَضَه لا يُسقِطُ القَسْمَ عنهُ، وقد صَحَّ «أنهُ ﵇ لمَّا مَرِضَ استَأذَنَ نِساءَهُ أنْ يُمرَّضَ في بيتِ عائِشةَ ﵂ فأَذنَّ لهُ»، ولم أرَ كَيفيَّةَ قَسْمِه في مَرَضِهِ إذا كانَ لا يَستطيعُ التَّحوُّلَ إلى بَيتِ الأُخرى، والظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ بقَسْمِهِ في مَرضِهِ أنَّه إذا صحَّ ذهَبَ إلى الأُخرى بقَدْرِ ما أقامَ عِنْدَ الأُولى، بخِلافِ ما إذا سافَرَ بواحِدةٍ، فإنهُ إذا أقامَ لا يَقضِي للمُقِيمةِ (٢). وقالَ في «النَّهر»: ولم أرَ كَيفيَّةَ قَسْمِه في مَرَضِه حَيثُ كانَ لا يَقدرُ على التَّحولِ إلى بَيتِ الأُخرى، والظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنهُ إذا صَحَّ ذهَبَ عندَ الأُخرى بقَدْرِ ما أقامَ عندَ الأُولى مَريضًا، ولا يَخفَى أنهُ إذا كانَ الاختِيارُ في مِقدارِ الدَّورِ إليهِ حالَ صِحَّتِه ففِي مَرَضِه أَولى، فإذا مكَثَ عِنْدَ الأُولى مَرَّةً أقامَ عندَ الثَّانيةِ بقَدْرِها، وإذا مَرِضَ في بَيتٍ له دعَى كلَّ واحدةٍ في نَوبتِها؛ لأنُّ لو كانَ صَحيحًا وأرادَ ذلكَ يَنبغِي أنْ يُقبَلَ منهُ (٣).

стр. 9821

وقالَ المالكيَّةُ: المَرضُ إذا كانَ ثَقيلًا لا يَقدِرُ فيهِ على الانتِقالِ والحَركةِ سَقطَتِ القِسْمَةُ، وإذا مَرِضَ مَرضًا يَقوَى معهُ على الاختِلافِ فيما بَينَهنَّ كانَ لهُ أنْ يَعدِلَ بَينَهنَّ في القَسْمِ وُجوبًا، إلَّا أنْ يَكونَ مَرضُه مَرضًا قد غلَبَه ولا يَقدِرُ على الاختِلافِ، فلا بَأسَ أنْ يُقيمَ حيثُ أَحبَّ، ما لم يَكنْ منهُ مَيلًا، فإذا صَحَّ عدَلَ بَينَهنَّ في القِسمةِ، ولَم يَحتَسبْ للَّتي لم يُقِمْ عندَها ما أقامَ عندَ غَيرِها. وقيلَ: إذا غُلِبَ وكانَتْ إحداهُنَّ تَصلحُ لتَمريضِه دُونَ غَيرِها تَعيَّنَتْ، وإنْ تَساوَينَ فبالقُرعةِ، إلَّا أنْ يَرضَيْنَ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ باتَ عندَ بعضِ نِسوَتِه بقُرعةٍ أو غَيرِها لَزمَهُ المَبيتُ عندَ مَنْ بقيَ مِنهنَّ ولو كانَ مَريضًا؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ كانَتْ لهُ امرأتانِ فمالَ معَ إحداهُما على الأُخرَى جاءَ يَومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ ساقِطٌ»، وفي روايةٍ: «جاءَ يَومَ القِيامةِ وشِقُّهُ مائلٌ» (٢)، وكانَ ﷺ يَقسِمُ بينَ نِسائِه ويُطافُ بهِ عليهنِّ في مَرضِه، حتَّى رَضِينَ بتَمريضِه في بَيتِ عائِشةَ ﵂، وفيهِ دليلٌ على أنَّ العُذرَ والمرَضَ لا يُسقِطُ القَسْمَ (٣).

стр. 9822

وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ شَقَّ على المَريضِ القَسْمُ استَأذنَ أزواجَهُ في أنْ يكونَ عِنْدَ إحداهُنَّ، كما فعَلَ النَّبيُّ ﷺ ، فعَن عائِشةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ بعَثَ إلى النِّساءِ -تَعنِي في مرَضِه- فاجتَمَعْنَ فقالَ: «إنِّي لا أستَطيعُ أنْ أدُورَ بينَكُنَّ، فإنْ رَأيتُنَّ أنْ تَأْذَنَّ لي فأكُونَ عندَ عائِشةَ فَعلْتُنَّ، فأَذِنَّ لهُ» (١). فإنْ لم يَأذَنَّ لهُ أنْ يُقيمَ عِنْدَ إحداهُنَّ أقامَ عِنْدَ إحداهُنَّ بالقُرعةِ، أو اعتَزلَهُنَّ جَميعًا إنْ أحَبَّ ذلكَ؛ تَعديلًا بَينَهنَّ (٢). مُدَّةُ القَسْمِ: نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ أقَلَّ زَمانِ القَسْمِ لَيلةٌ بكَمالِها، ويَكونُ اليومُ تَبَعًا لها، فلو أرادَ أنْ يَقسِمَ لإحدَى نِسائِه ليلةً بلا يَومٍ والأُخرى يَومًا بلا لَيلةٍ لم يَجُزْ؛ لأنَ ليلَ القَسْمِ مَقصودٍ ونَهارَه تَبَعٌ، ولا يَجوزُ بَعضُ ليلةٍ؛ لمَا فيهِ مِنْ تَشويشِ العَيشِ وعُسرِ ضَبطِ أجزاءِ اللَّيلِ (٣). ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الأفضلَ أنْ يكونَ لَيلةً ليلةً؛ اقتِداءً برَسولِ اللهِ ﷺ ، ولِيَقرُبَ عَهدُه بهنَّ كُلِّهنَّ، ولا خِلافَ بينَهم أنهُنَّ إذا رَضِينَ بمُدَّةٍ طويلةٍ جازَ.

стр. 9823

إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا، هل يَجوزُ أنْ يَزيدَ عن لَيلةٍ ليلةٍ بغيرِ رِضاهنَّ أم لا يَجوزُ؟ فذهَبَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ في وجهٍ -وهو اختِيارُ ابنِ المُنذِرِ- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَجوزُ الزِّيادةُ في القَسْمِ بَينَ الزَّوجاتِ عن لَيلةٍ ليلةٍ لِكلِّ امرأةٍ إلَّا برِضاهُنَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما قَسَمَ ليلةً وليلةً، ولأنَّ التَّسويةَ واجِبةٌ، وإنَّما جُوِّزَتِ البداءَةُ بواحِدةٍ لتَعذُّرِ الجَمعِ، فإذا باتَ عندَ واحدةٍ ليلةً تَعيَّنتِ اللَّيلةُ الثَّانيةُ حقًّا للأُخرى، فلَم يَجُزْ جَعلُها للأُولَى بغيرِ رضاها، ولأنهُ تأخيرٌ لحُقوقِ بَعضِهنَّ، فلَم يَجُزْ بغيرِ رضاهُنَّ كالزِّيادةِ على الثَّلاثِ، ولأنهُ إذا كانَ لهُ أربَعُ نِسوةٍ فجعَلَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثًا حصَلَ تأخيرُ الأخيرةِ في تِسعٍ لَيالٍ، وذلكَ كَثيرٌ فلَم يَجُزْ، كما لو كانَ له امرأتانِ فأرادَ أنْ يَجعلَ لكلِّ واحدةٍ تِسعًا. ولأنَّ للتَّأخيرِ آفاتً فلا يَجوزُ معَ إمكانِ التَّعجيلِ بغَيرِ رضَا المُستَحِقِّ كتأخيرِ الدَّينِ الحالِّ، والتَّحديدُ بالثَّلاثِ تَحكُّمٌ لا يُسمَعُ مِنْ غَيرِ دَليلٍ، وكَونُه في حدِّ القِلَّةِ لا يُوجِبُ جَوازَ تأخيرِ الحقِّ كالدُّيونِ الحالَّةِ وسائرِ الحُقوقِ. وإذا رَضِينَ بالقَسْمِ أكثرَ مِنْ لَيلةٍ جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهنَّ. قالَ المالكيَّةُ: إذا كانَ نساؤُهُ في بلادٍ بَعيدةٍ فلا بأسَ بقِسمةِ الجُمعةِ والشَّهرِ على حَسبِ ما يُمكِنُه، بحَيثُ لا يَنالُه ضررٌ لقِلَّةِ المُدَّةِ، ولهُ أنْ يُقيمَ عندَ إحداهُنَّ لتَجْرٍ أو صَنعةٍ (١).

стр. 9824

وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ كانَتْ نِساؤُه بمَحالٍّ مُتباعِدةٍ قَسَمَ بحَسبِ ما يُمكِنُه معَ التَّساوي بَينَهنَّ إلَّا برِضاهُنَّ (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنهُ يَجوزُ لَيلتَينِ لَيلتَينِ وثَلاثًا ثلاثًا بغَيرِ رِضاهُنَّ؛ لأنهُ مُدَّةٌ قَريبةٌ، ولا يَجوزُ أكثَرَ مِنْ ثلاثةٍ إلَّا برِضاهُنَّ وإنْ تَفرَّقْنَ في البلادِ؛ لئلَّا يُؤدِّي إلى المُهاجَرةِ، ولإيحاشِ الباقِياتِ بطُولِ المقامِ عندَ الضَّرَّةِ، وقد يَموتُ في المُدَّةِ الطَّويلةِ فيَفُوتُ حقُّهنَّ، فإذا رَضِينَ بالزِّيادةِ عن ثَلاثةٍ فيَجوزُ قَطعًا. وفي وجهٍ للشَّافعيةِ -وقيلَ قَول- أنهُ يَجوزُ الزِّيادةُ عنِ الثَّلاثِ، فعَن صاحِبِ «التَّقرِيب»: لا تَجوزُ الزِّيادةُ على سَبعةٍ؛ لأنها مدَّةٌ مُستحَقَّةٌ في زِفافِ البِكرِ، وعنِ الشَّيخِ أبي مُحمَّدٍ وغَيرِه: ما لم يَبلُغْ أربَعةَ أشهُرٍ مُدَّةَ تَربُّصِ المُولِي. وقيلَ: لا تَقديرَ، بل هو إلى اختِيارِه، ولا يَجوزُ على هذا إلى خَمْسِ سِنينَ (٢).

стр. 9825

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الاختِيارَ في مِقدارِ الدَّورِ إلى الزَّوجِ؛ لأنَّ المُستحَقَّ هو التَّسويةُ دونَ طَريقِه، إنْ شاءَ يَومًا يَومًا، وإنْ شاءَ يَومَينِ يَومَينِ، أو ثَلاثًا ثلاثًا، أو أربَعًا أربعًا. قالَ السَّرخسيُّ ﵀: إذا كانَ لِلرَّجُلِ الحُرِّ أو المَملُوكِ امرأتَانِ حُرَّتانِ فإنَّهُ يَكونُ عِنْدَ كلِّ واحِدَةٍ مِنهُما يَومًا ولَيلةً، وإنْ شاءَ أنْ يَجعلَ لِكلِّ واحدةٍ مِنهُما ثَلاثةَ أيامٍ فَعَلَ؛ لأنَّ المُستَحَقَّ عَليهِ التَّسويَةُ، فأمَّا في مِقدارِ الدَّورِ فالاختِيارُ إِليهِ (١). إلَّا أنَّ الإمامَ ابنَ الهُمامِ ﵀ قالَ: هذا الإطلاقُ لا يُمكِنُ اعتِبارُه على صِرافَتِه، فإنهُ لو أرادَ أنْ يَدورَ سَنةً سَنةً ما يُظَنُّ إطلاقُ ذلكَ لهُ، بل يَنبَغي أنْ لا يُطلَقَ لهُ مِقدارُ مُدَّةِ الإيلاءِ وهوَ أربعةُ أشهُرٍ، وإذا كانَ وُجوبُه للتَّأنِيسِ ودَفعِ الوَحشةِ وجَبَ أنْ تُعتبَرَ المدَّةُ القَريبةِ، وأظنُّ أكثرَ مِنْ جُمعةٍ مُضارَّةٌ، إلَّا أنْ تَرْضَيَا بهِ (٢). لكنْ تَعقَّبهُ ابنُ نُجيمٍ ﵀، حَيثُ قالَ: والظَّاهِرُ الإطلاقُ؛ لأنهُ لا مُضارَّةَ حيثُ كانَ على وَجهِ القَسْمِ؛ لأنها مُطمئنَّةٌ بمَجيءِ نَوبتِها، والحقُّ لهُ في البداءَةِ بمَن شاءَ (٣). وقالَ الحَصكَفيُّ ﵀: ويُقيمُ عندَ كلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ يَومًا وليلةً، وإنْ

стр. 9826

شاءَ ثَلاثًا -أي ثلاثةَ أيَّامٍ- ولَيالِيها، ولا يُقيمُ عندَ إحداهِما أكثَرَ إلَّا بإذنِ الأُخرى خاصَّةً (١). هبةُ المَرأةِ يَومَها لزَوجِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تهَبَ يَومُها مِنْ القَسْمِ لزَوجِها أو لبَعضِ ضَرائِرِها أو لهُنَّ جَميعًا، ولا يَجوزُ إلَّا برِضَا الزَّوجِ؛ لأنَّ لهُ حقَّ الاستِمتاعِ بها، فلم يَكنْ لها أنْ تَنفرِدَ بإسقاطِ حقَّهِ منها إلَّا برِضاهُ، فإذا رَضِيَ بهبَتِها صارَ مُسقِطًا لحقِّهِ في الاستمتاعِ بها، فتُعتبَرُ حِينئذٍ حالُ هِبتِها، فإنها لا تَخلو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ تهَبَ ذلكَ لامرأةٍ بعَينِها مِنْ نِسائِه. والثَّاني: أنْ تهَبَ ذلكَ لجَميعِهنَّ. والثَّالثُ: أنْ تهَبَ ذلكَ للزَّوجِ. القِسمُ الأوَّلُ: أنْ تَهَبَ ذلكَ لامرأةِ بعَينِها مِنْ نِسائِه: اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ للمرأةِ أنْ تهَبَ قَسْمَها لامرأةٍ بعَينِها كما وَهبَتْ سَودَةُ يَومَها لعائِشةَ ﵄، ولَم يُعتبَرْ فيهِ رِضى المَوهوبِ لها في تَمكينِ الزَّوجِ مِنْ الاستِمتاعِ بها، كما لا يُراعَى ذلكَ في زمانِ نَفْسِها، فيَصيرُ لها يومُ نَفسِها ويومُ الواهِبةِ؛ لأنَّ حقَّ الزَّوجِ في

стр. 9827

الاستِمتاعِ بها ثابِتٌ في كلِّ وَقتٍ، إنَّما منَعَتْه المُزاحَمةُ بحَقِّ صاحبِتها، فإذا زالتِ المُزاحَمةُ بهبَتِها ثبَتَ حقُّهُ في الاستِمتاعِ بها وإنْ كَرهَتْ، كما لو كانَتْ مُنفرِدةً. ويَجوزُ ذلكَ في جَميعِ الزَّمانِ، فإنَّ سَودَةَ ﵂ وَهبَتْ يَومَها في جَميعِ الزَّمانِ، فعَن عائِشةَ ﵂ «أنَّ سَودَةَ بِنتَ زَمعَةَ وهَبَتْ يَومَها لعائِشةَ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَقسِمُ لعائِشةَ بيَومِها ويَومِ سَودةَ» (١). ويَجوزُ في بَعضِ الزَّمانِ، لِمَا رَوَتْ عائِشةُ ﵂ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وجَدَ على صَفيةَ بنتِ حُيَيٍّ في شيءٍ، فقالَتْ صَفيةُ: يا عائِشةُ هل لكِ أنْ تُرضِي رَسولَ اللَّهِ ﷺ عَنِّي ولكِ يَومِي؟ قالَتْ: نعَمْ، فأخَذَتْ خِمَارًا لها مَصبوغًا بزَعفرانٍ فرَشَّتْهُ بالماءِ ليَفُوحَ رِيحُه ثُمَّ قعَدَتْ إلى جَنبِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : يا عائِشةُ إليكِ عَنِّي إنهُ ليسَ يَومَكِ، فقالَتْ: ذلكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتيهِ من يَشاءُ، فأخبَرَتْه بالأمرِ فرَضيَ عنها» (٢). واتَّفقُوا أيضًا على أنهُ إذا كانَتْ ليلةُ الواهِبةِ تُوالِي لَيلةَ المَوهوبةِ والاهُمَا لها، إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا فيما لو كانتَا غيرَ مُتواليتَينِ، فهلْ للزَّوجِ أنْ يُواليَهُما مِنْ غيرِ رِضا الباقِياتِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في المذهَبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ

стр. 9828

ليسَ لهُ ذلكَ؛ لأنها قائِمةٌ مَقامَ الواهِبةِ، إلَّا برِضاءِ الباقِياتِ، ويَجعلُها لها في الوَقتِ الَّذي كانَ للواهِبةِ؛ لأنَّ المَوهوبةَ قامَتْ مَقامَ الواهِبةِ في ليلتِها، فلم يَجُزْ تَغييرُها عَنْ مَوضِعها كما لو كانَتْ باقِيةً للواهِبةِ، ولأنَّ في ذلكَ تأخيرَ حقِّ غَيرِها وتَغييرًا للَيلتِها بغَيرِ رِضاها فلَم يَجُزْ، وكذلكَ الحُكمُ إذا وَهبَتْها للزَّوجِ فآثَرَ بها امرأةً مِنهنَّ بعَينِها. وفي وَجهٍ للشَّافعيةِ وللحَنابلةِ: يَجمعُ لها بَينَهُما ولا يُفرِّقُهما كما لا يُفرِّقُ عليها يَومَها، ولعَدمِ الفائِدةِ في التَّفريقِ (١). القِسمُ الثَّاني: أنْ تهَبَ ذلكَ لجَميعِهنَّ: نَصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ -وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ- على أنَّ المرأةَ إذا وَهبَتْ يَومَها لجَميعِ نِسائِه مِنْ غَيرِ أنْ تَخُصَّ بهِ واحدةً

стр. 9829

مِنهنَّ بعَينِها فيَسقطُ حَقَّها مِنْ القَسْمِ، ولا يَتعيَّنُ بهِ قَسْمُ غَيرِها، ويَصيرُ القَسْمُ بَينَهنَّ كما لو لم تَكنْ مَوجودةً أو مُطلَّقةً، ويَكونُ حالُ القَسمِ بعدَ هِبتِها كحالِه لو عُدِمَتْ، فيَصيرُ مُؤثِّرًا في إسقاطِ حقِّها ولا يُؤثِّرِ في زيادةِ حقِّ غَيرِها، وإنَّما يَختَصُّ تأثيرُه إذا كُنَّ معَ الواهِبةِ أربَعًا إنْ كانَ يَعودُ يومُ كلِّ واحِدةٍ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ فصارَ يَعودُ بعَدَ يَومينِ (١). القِسمُ الثَّالثُّ: أنْ تَهَبَ ذلكَ للزَّوجِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا وَهبَتْ يَومَها لزَوجِها أنَّ ذلكَ جائِزٌ. إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا هل يَجوزُ لهُ أنْ يَخُصَّ بعضَ نِسائِه ويَجعلَ يَومَها لمَن شاءَ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ لهُ أنْ يَجعلَ يَومَها لِمَنْ أرادَ مِنْ نِسائِه؛ لأنهُ لا ضَرَرَ على الباقِياتِ في ذلكَ، إنْ شاءَ جعَلَها للجَميعِ، وإنْ شاءَ خَصَّ بها واحِدةً مِنهنَّ، وإنْ شاءَ جَعَلَ لبَعضِهنَّ أكثرَ مِنْ بَعضٍ، فإذا جعَلَهُ لواحِدةٍ مِنهنَّ بعَينِها اختَصَّتْ باليَومينِ دونَ غَيرِها، ولو أرادَ الزَّوجُ أنْ يَنقلَ يَومَ الهبةِ في كلِّ نَوبةٍ إلى أُخرى جازَ، فيَجعلُ يومَ الهبةِ في هذهِ النَّوبةِ لزَينبَ وفي النَّوبةِ الأُخرى لحَفصةَ وفي النَّوبةِ الثَّالثةِ لهِندَ، فيَكونُ ذلكَ مَحمُولًا على خِيارِه؛ لأنها هبةٌ فجازَ أنْ يَختصَّ بها مَنْ شاءَ (٢).

стр. 9830

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا وَهبَتْ يَومَها لزَوجِها فليسَ لهُ أنْ يَخُصَّ بذلكَ اليومِ واحِدةً مِنْ نِسائِه، بل يُقدِّرُ الواهِبةَ كالعَدمِ، فمَن كانَ لهُ أربَعُ نِسوةٍ فباتَ عندَ إحداهُنَّ ثمَّ وهَبَتْ واحدةٌ مِنهنَّ نَوبتَها لهُ فتَسقُطُ، فإذا كانَتْ هي التَّاليةَ لِمَنْ نامَ عِندَها فينامُ عندَ مَنْ يَليها، وهَكذا. قالَ في «التَّوضِيح»: ويَنبغِي سُؤالُ واهِبةِ الزَّوجِ هل أرادَتِ الإسقاطَ أو أرادَتْ تَمليكَهُ، فإنْ أرادَتِ الثَّاني فلهُ أنْ يَخُصَّ به. انتهى (١). رُجوعُ الواهِبةِ في هِبتِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ للمَرأةِ الَّتي وهَبَتْ يَومَها لزَوجِها أو لضَرَّتِها أو لضَرائرِها أنْ تَرجِعَ في هِبتِها؛ لأنها أسقَطَتْ حقًّا لم يَجبْ بَعدُ، فلا يَكونُ مُلزِمًا، كالعارِيةِ يَرجِعُ فيها المُعيرُ متَى شاءَ، ولأنها يَلحقُها مِنْ الغَيرةِ فلا قُدرةَ لها على الوَفاءِ، إلَّا أنها إذا رجَعَتْ في هِبتِها وطالَبَتِ الزَّوجَ بالقَسْمِ لها سقَطَ حقُّها فيما مَضى؛ لأنها هِبةٌ اتَّصلَ فيها القَبضُ، وقَسَمَ لها في المُستقبَلِ؛ لأنها رجَعَتْ في هِبةٍ لم تُقبَضْ. فلو رجَعَتْ في بَعضِ يَومِها وقد مَضى بَعضُه كانَتْ أحَقَّ بباقيهِ مِنْ الَّتي صارَ لها، وعلى الزَّوجِ أنْ يَنتقلَ فيهِ إليها، فلو رجَعَتِ الواهِبةُ في يَومِها ولم يَعلمِ الزَّوجُ برُجوعِها حتَّى مَضى عليهِ زَمانٌ ثمَّ عَلِمَ لَم يَقضِها

стр. 9831

ما فاتَ قبْلَ عِلمِه، واستَحقَّتْ عليهِ القَسْمَ مِنْ وَقتِ عِلمِه؛ لأنهُ لم يَقصدِ المُمايَلةَ لغَيرِها (١). أخْذُ العِوضِ على الهِبةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَبيعَ يَومِها لزَوجِها أو لضرَّتِها؟ وهل يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَشتَري يَومَها يَدفعُ لها مُقابِلًا مُقابِلَ يَومِها ويَبيتُ عِنْدَ ثانيةٍ أم لا؟ ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَجوزُ؛ لأنَّ حقَّها في كَونِ الزَّوجِ عندَها وليسَ ذلكَ بمالٍ فلا يَجوزُ مُقابَلتُه بمالٍ، فإذا أخَذَتْ عليهِ مالًا لَزِمَها رَدُّه، وعليهِ أنْ يَقضِي لها؛ لأنها ترَكَتْه بشَرطِ العِوضِ ولَم يُسلَّمْ لها. قالَ الحَنفيةُ: لو أنَّ واحِدةً مِنهنَّ بذَلَتْ مالًا للزَّوجِ لِيَجعلَ لها مِنْ القَسْمِ أكثرَ أو بذَلَ لها الزَّوجُ مالًا لتَتركَ القَسْمَ أو لِتَجعلَ يَومَها لِصاحِبتِها أو لِتَتركَ حقَّها في الوطءِ أو بذَلَتْ هي المالَ لِصاحِبتِها لِتَجعلَ يَومَها لها فذلكَ كلُّه لا يجوزُ؛ لأنَّ ذلكَ أكلُ مالٍ بالباطلِ، أو ذلكَ حقٌّ لا يَجوزُ أخْذُ العوضِ عنهُ؛ لأنهُ لا يَسقطُ معَ وجوبِ السَّببِ المُوجِبِ لهُ وهو عَقدُ النِّكاحِ، ويُرَدُّ المالُ إلى صاحبِه؛ لأنهُ رشوةٌ، والرَّشوةُ حرامٌ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: فإنْ أخَذَتْ عن لَيلتِها عِوضًا مِنْ الزَّوجِ .. لم يَصحَّ؛

стр. 9832

لأنه ليسَ بعَينٍ ولا مَنفعةٍ لها، فتَرَدُّ العِوضَ، ويَقضيها الزَّوجُ حقَّها؛ لأنها ترَكَتْ حقَّها بعِوضٍ ولم يُسلَّمْ لها العِوضُ (١). إلَّا أنَّ الحَنابلةَ قالُوا: إذا كانَ عِوضُها غيرَ المالِ مثلَ إرضاءِ زَوجِها أو غَيرِه عنها جازَ؛ لأنَّ عائشةَ أَرْضَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ عن صَفيَّةَ وأخَذَتْ يومَها، وأخبَرَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ بذلكَ فلم يُنكِرهُ، كما رواهُ الإمامُ أحمَدُ وابنُ ماجَه عن عائِشةَ ﵂ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وجَدَ على صَفيةَ بنتِ حُيَيٍّ في شيءٍ، فقالَتْ صَفيَّةُ: يا عائِشةُ هل لَكِ أنْ تُرضِي رَسولَ اللَّهِ ﷺ عَنِّي ولكِ يَومِي؟ قالَتْ: نَعمْ، فأخَذَتْ خِمَارًا لها مَصبوغًا بزَعفرانٍ فَرَشَّتْه بالماءِ ليَفوحَ رِيحُه، ثُمَّ قعَدَتْ إلى جَنْبِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : يا عائِشةُ إليكِ عَنِّي إنَّه ليسَ يَومَكِ، فقالَتْ: ذلكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتِيهِ من يَشاءُ، فأخبَرَتْهُ بالأمرِ فرَضيَ عنها» (٢) (٣). وذهَبَ المالكيَّةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ إلى أنَّهُ يجوزُ دفْعُ العِوضِ. قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للضرَّةِ أنْ تَشتريَ مِنْ ضرَّتِها يَومَها الَّذي يَنوبُها مِنْ

стр. 9833

قَسْمِ زَوجِها، إذْ لا مانعَ منهُ، وكذلكَ يجوزُ للزَّوجةِ أنْ تُعطيَ لزَوجِها شيئًا ليُمسِكَها في عِصمتِه ولا يُطلِّقَها أو ليُحسِنَ عِشرتَها معهُ. وكذلكَ الرَّجلُ يَجوزُ لهُ أنْ يَشتريَ يومَ زَوجةٍ مِنْ زَوجاتِه، ويجوزُ لهُ أنْ يُعطيَها شيئًا لأجْلِ دوامِ عِصمتِها معهُ ولا تُفارِقَهُ عندَ إرادتِها الفِراقَ. وفي تَسميةِ هذا شراءً مُسامَحةٌ، بل هوَ إسقاطُ حقٍّ. فإذا اشتَرَتِ الضَّرةُ يومَ ضَرتِها اختصَّتْ بهِ دونَ باقي نِسائِه، وإذا اشتَرى الزَّوجُ مِنْ زوْجتِه يومَها خَصَّ الزَّوجُ مَنْ شاءَ مِنهنَّ بما اشتَراهُ. قالَ الإمامُ مالِكٌ فيمَن يُعطِي امرأتَهُ شيئًا في يومِها ليَكونَ فيهِ عندَ الأُخرى قالَ: النَّاسُ يَفعلونَه وغَيرُه أحَبُّ إِليَّ، ولا يُعجبُني شراءُ المَرأةِ مِنْ صاحبَتِها يومَها مِنْ زَوجِها وأكرَهُه، وأَرجو خِفَّةَ شراءِ ليلةٍ لا أكثرَ. ابنُ رُشدٍ: ظاهِرُه أنَّ شراءَ المَرأةِ أشدُّ كراهةً مِنْ شراءِ الرَّجلِ؛ لأنَّ المَرأةَ لا تَدري ما تَحصلُ لها بما أَعطَتْ، فقدْ لا يُصيبُها في تلكَ اللَّيلةِ، والرَّجلُ يَدري ما يَحصلُ له (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قالَ أصحابُنا: ولا يجوزُ أنْ تأخُذَ الزَّوجةُ عِوضًا عن حقِّها مِنْ المَبيتِ وكذا الوطءِ، ووقَعَ في كلامِ القاضِي ما يَقتَضي جوازَهُ.

стр. 9834

قالَ أبو العبَّاسِ: وقياسُ المَذهبِ عِندي جوازُ أخذِ العِوضِ عن سائِرِ حُقوقِها مِنْ القَسْمِ وغَيرِه؛ لأنهُ إذا جازَ للزَّوجِ أنْ يأخُذَ العِوضَ عن حقِّهِ منها جازَ لها أنْ تأخُذَ العِوضَ عن حقِّها منهُ؛ لأنَّ كلًّا مِنهُما مَنفعةٌ بدنيَّةٌ. وقد نَصَّ الإمامُ أحمَدُ في غَيرِ مَوضِعٍ على أنهُ يَجوزُ أن تَبذلَ المرأةُ العوضَ ليَصيرَ أمرُها بِيدِها، ولأنها تَستحِقُّ حبْسَ الزَّوجِ كما يَستحِقُّ الزَّوجُ حَبْسَها، وهو نوعٌ مِنْ الرِّقِ فيَجوزُ أخذُ العِوضِ عنهُ، وقد تُشبِهُ هذهِ المسألةُ الصَّلحَ عنِ الشُّفعَةِ وحدِّ القَذفِ (١). ثانِيًا: العدلُ في الحُبِّ والجِماعِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العَدلَ الواجِبَ إنَّما يَكونُ في المَبيتِ فقطْ لا في الحُبِّ ولا في الجِماعِ، وإنَّما يُستَحبُّ وليسَ بواجِبٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَملِكُه أحدٌ، إذْ قَلبُه بينَ إصبعَينِ مِنْ أصابعِ الرَّحمنِ يَصرفُه كيفَ يَشاءُ، وكذلكَ الجِماعُ قد يَنشطُ للواحِدةٍ ما لا يَنشطُ للأُخرى، فإذا لم يَكنْ ذلكَ بقَصدٍ مِنه فلا حرَجَ عليهِ فيهِ، فإنَّه ممَّا لا يَستطيعُه، فلَم يتعلَّقْ به تَكليفٌ (٢). قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾، أي لن تُطيقُوا

стр. 9835

أيُّها الرِّجالُ أنْ تُسوُّوا بينَ نِسائِكم في حُبِّهنَّ بقُلوبِكم حتَّى تَعدِلُوا بَينهنَّ في ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ ممَّا لا تَملِكونَه، ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ يعنِي: ولَو حَرصْتُم في تَسوِيتِكُم بَينهنَّ في ذلكَ، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لا تَستطيعُ أنْ تَعدِلَ بالشَّهوةِ فيما بَينَهنَّ ولَو حرصْتَ. قالَ ابنُ بطالٍ ﵀: قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ودلَّتْ هذهِ الآيةُ أنَّ التَّسويةَ بَينَهنَّ في المَحبَّةِ غيرُ واجِبةٍ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ عائِشةَ أحَبُّ إليهِ مِنْ غيرِها مِنْ أزواجِهِ، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] بأَهوائِكم حتَّى يَحمِلَكم ذلكَ أنْ تَجورُوا في القَسْمِ على الَّتي لا تُحبُّونَ، وقولُهُ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] يَعنِي: لا أيَّمَ ولا ذاتَ بَعْلٍ، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩]، يَقولُ: وإنْ تُصلِحوا فيما بَينَكم وبَينَهنَّ بالاجتِهادِ مِنْكُمْ في العَدلِ بَينَهنَّ وتتَّقوا المَيلَ فيهِنَّ، فإنَّ اللهَ غَفورٌ لِمَا عَجزَتْ عنهُ طاقَتُكم مِنْ بُلوغِ العَدلِ مِنْكُمْ فيهنَّ (١). ولمَا رُويَ عن عائِشةَ قالَتْ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدلُ ويَقُولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أملِكُ، يَعني الْقلْبَ» (٢).

стр. 9836

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ خِلافًا بَينَ أهلِ العلمِ في أنَّه لا تَجبُ التَّسويةُ بينَ النِّساءِ في الجِماعِ، وهو مَذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ؛ وذلكَ لأنَّ الجِماعَ طريقُه الشَّهوةُ والمَيلُ، ولا سبيلَ إلى التَّسويةِ بَينهنَّ في ذلكَ، فإنَّ قلبَهُ قد يَميلُ إلى إحداهُما دونَ الأُخرى، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قالَ عُبيدةُ السَّلْمانِيُّ: في الحُبِّ والجِماعِ، وإنْ أمكَنَتِ التَّسويةُ بينَهُما في الجِماعُ كانَ أحسَنَ وأَولَى، فإنهُ أَبلغُ في العَدلِ، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقسِمُ بينَهنَّ فيَعدِلُ ثمَّ يَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمْنِي فيما لا أملِكُ»، ورُويَ أنَّه كانَ يُسوِّي بَينهنَّ حتَّى في القُبَلِ، ولا تَجبُ التَّسويةُ بينَهنَّ في الاستِمتاعِ بما دونَ الفَرْجِ مِنْ القُبَلِ واللَّمسِ ونَحوِهما؛ لأنهُ إذا لم تَجبِ التَّسويةُ في الجِماعِ ففي دَواعيه أَولَى (١). وقالَ الإمامُ الغَزالي ﵀: وإنَّما عليهِ العَدلُ في العَطاءِ والمَبيتِ، وأمَّا في الحُبِّ والوِقاعِ فذلكَ لا يَدخُلُ تحتَ الاختِيارِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: أنْ تَعدِلُوا في شَهوةِ القَلبِ ومَيلِ النَّفسِ، ويَتبعُ ذلكَ التَّفاوُتُ في الوِقاعِ. وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَعدِلُ بينَهنَّ في العَطاءِ والبَيتُوتةِ في اللَّيالِي ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا جَهدِي فيما أَملِكُ، ولا طاقَةَ لي فيما تَملِكُ ولا أملِكُ» يَعني الحُبَّ.

стр. 9837

وقد كانَتْ عائِشةُ ﵂ أحَبَّ نِسائِه إليهِ، وسائِرُ نِسائِه يَعرِفْنَ ذلكَ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجُلٍ مُتزوِّجٍ بامرَأتَينِ وإحداهُما يُحبُّها ويَكسُوها ويُعطِيها ويَجتمِعُ بها أكثَرَ مِنْ صاحِبتِها. فأجابَ: الحَمدُ للهِ، يجبُ عليهِ العَدلُ بينَ الزَّوجتَينِ باتِّفاقِ المُسلمِينَ، وفي السُّننِ الأربَعةِ عَنْ أبي هُريرةَ عَنْ النَّبيِّ قالَ: «مَنْ كانَتْ له امرَأتانِ فمالَ إلى إحداهُما دونَ الأُخرى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ مائِلٌ»، فعليهِ أنْ يَعدلَ في القَسْمِ، فإذا باتَ عندَها ليلةً أو لَيلتَينِ أو ثَلاثًا باتَ عندَ الأُخرى بقَدْرِ ذلكَ، ولا يُفضِّلُ إحداهُما في القَسْمِ، لكنْ إنْ كانَ يُحِبُّها أكثَرَ ويَطَؤُها أكثَرَ فهذا لا حرَجَ عليهِ فيهِ، وفيهِ أنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: في الحُبِّ والجِماعِ، وفي السُّننِ الأربعَةِ عن عائِشةَ قالَتْ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقسِمُ ويَعدِلُ فيَقولُ: «هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمنِي فيما تَملِكُ ولا أملِكُ» يعنِي القَلبَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: لا تَجبُ التَّسويةُ بينَ النِّساءِ في المَحبَّةِ، فإنها لا تُملَكُ، وكانَتْ عائِشةُ ﵂ أحَبَّ نِسائِه إليهِ، وأُخِذَ مِنْ هذا أنَّه لا تَجبُ التَّسويةُ بينَهنَّ في الوَطءِ؛ لأنَّه مَوقوفٌ على المَحبَّةِ والمَيلِ، وهي بيَدِ مُقلِّبِ القُلوبِ.

стр. 9838

وفي هذا تَفصيلٌ، وهو أنَّه إنْ ترَكَه لعَدمِ الدَّاعي إليهِ وعَدمِ الانتشارِ فهوَ مَعذورٌ، وإنْ تَركُه معَ الدَّاعي إليهِ ولكنَّ داعيهِ إلى الضَّرَّةِ أقوَى فهذا ممَّا يَدخلُ تحتَ قُدرتِه ومِلكِه، فإنْ أدَّى الواجِبَ عليهِ منهُ لم يَبقَ لها حقٌّ ولم يَلزمْهُ التَّسويةُ، وإنْ ترَكَ الواجِبَ منهُ فلها المُطالَبةُ به (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا مَحبَّةُ القَلبِ فكانَ يُحبُّ عائِشةَ أكثرَ مِنهنَّ، وأجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ مَحبَّتَهنَّ لا تَكليفَ فيها، ولا يَلزمُه التَّسويةُ فيهَا؛ لأنهُ لا قُدرةَ لأحَدٍ عليها إلَّا اللهُ ، وإنَّما يُؤمَرُ بالعَدلِ في الأفعالِ (٢). ثالِثًا: العَدلُ في النَّفقةِ: اختَلفَ الفقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا أكثرَ مِنْ امرأةٍ، هل يَجبُ عليهِ أنْ يُسوِّي ويَعدلَ بَينَهنَّ في النَّفقةِ والكُسوةِ؟ أم لا يَجبُ عليهِ وإنَّما لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ ما يَليقُ بها ويَجوزُ أنْ يُوسعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ زيادةً على ما يَليقُ بِمِثلِها؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -وهو ما اختارَهُ الكاسانِيُّ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ- إلى أنهُ يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُسوِّي بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكُسوَةِ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: الرَّجلُ إذا كانَ لهُ أكثرُ مِنْ امرَأةٍ واحِدةٍ فعليهِ العدلُ بَينَهنَّ في حُقوقِهنَّ مِنْ القَسْمِ والنَّفقةِ والكُسوةِ، وهو التَّسويةُ

стр. 9839

بَينَهنَّ في ذلكَ، حتَّى لو كانَتْ تحتَهُ امرأتانِ حُرَّتانِ أو أمَتانِ يَجبُ عليهِ أنْ يَعدلَ بينَهُما في المَأكولِ والمَشروبِ والمَلبوسِ والسُّكْنَى والبَيتُوتةِ. والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] عَقِيبَ قَولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي: إنْ خِفتُم أنْ لا تَعدِلوا في القَسْمِ والنَّفقةِ في نِكاحِ المَثْنَى والثُّلاثِ والرُّباعِ فواحِدةً، ندَبَ إلى نكاحِ الواحِدةِ عندَ خَوفِ تَرْكِ العَدلِ في الزِّيادةِ، وإنَّما يُخافُ على تَركِ الواجِبِ، فدلَّ أنَّ العَدلَ بينَهنَّ في القَسْمِ والنَّفقةِ واجِبٌ، وإليهِ أشارَ في آخرِ الآيةِ بقَولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣] أي: تَجُورُوا، والجَورُ حَرامٌ، فكانَ العَدلُ واجِبًا ضَرورةً، ولأنَّ العَدلَ مأمُورٌ بهِ؛ لقَولِه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] على العُمومِ والإطلاقِ، إلَّا ما خُصَّ أو قُيِّدَ بدَليلٍ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا العَدلُ في النَّفقةِ والكُسوةِ فهوَ السُّنةُ أيضًا؛ اقتِداءً بالنَّبيِّ ﷺ ، فإنَّه كانَ يَعدلُ بينَ أزواجِهِ في النَّفقةِ كما كانَ يَعدلُ في القِسمةِ، معَ تَنازُعِ النَّاسِ في القَسْمِ؛ هل كانَ واجِبًا عليهِ أو مُستحَبًّا له؟ وتَنازَعوا في العَدلِ في النَّفقةِ؛ هل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ؟ ووَجوبُه أَقوى وأشبَهُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وهذا العَدلُ مأمورٌ بهِ ما دامَتْ زَوجةً، فإنْ أرادَ أنْ يُطلِّقَ إحداهُما فلهُ ذلكَ، فإنِ اصطَلحَ هوَ والَّتي

стр. 9840

يُريدُ طلاقَها على أنْ تُقيمَ عندَه بلا قَسْمٍ وهي راضيةٌ بذلكَ جازَ، كمَا قالَ تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي الصَّحيحِ عن عائِشةَ قالَتْ: «أُنزِلَتْ هذهِ الآيةُ في المَرأةِ تكونُ عِنْدَ الرَّجلِ فتَطولُ صُحبَتُها فيُريدُ طَلاقَها فتَقولُ: «لا تُطَلِّقْنِي وامسِكنِي وأنتَ في حِلٍّ مِنْ يَومِي»، فنزَلَتْ هذهِ الآيةُ»، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ أرادَ أنْ يُطلِّقَ سَودَةَ فوهَبَتْ يومَها لعائِشةَ فأمسَكَها بلا قِسْمةٍ، وكذلكَ رافعُ بنُ خَديجٍ جرَى لهُ نحوُ ذلكَ، ويُقالُ إنَّ الآيةَ أُنزِلَتْ فيهِ (١). وقالَ: ويَجبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفقةِ، وكلامُ القاضي في التَّعليقِ يَدلُ عليهِ، وكذا الكُسوةِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ في المُفتَى بهِ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُسوِّي بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكسوَةِ إذا قامَ بالواجِبِ لِكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ، فيَجوزُ لهُ أنْ يُؤثِرَ بعضَ نِسائِه بالتَّبرعِ دونَ بَعضٍ، وإنْ كانَ الأفضلُ التَّسوية بينَهنَّ. قالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وفي «البَدائع»: يجبُ عليهِ التَّسويةُ بينَ الحُرَّتَينِ أو الأَمَتَينِ في المَأكولُ والمَشروبِ والمَلبوسِ والسُّكنَى والبَيتوتةِ. اه، وهكذا ذكَرَ الوَلوالِجِيُّ.
следующие страницы →