← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ خِلافًا بَينَ أهلِ العلمِ في أنَّه لا تَجبُ التَّسويةُ بينَ النِّساءِ في الجِماعِ، وهو مَذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ؛ وذلكَ لأنَّ الجِماعَ طريقُه الشَّهوةُ والمَيلُ، ولا سبيلَ إلى التَّسويةِ بَينهنَّ في ذلكَ، فإنَّ قلبَهُ قد يَميلُ إلى إحداهُما دونَ الأُخرى، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قالَ عُبيدةُ السَّلْمانِيُّ: في الحُبِّ والجِماعِ، وإنْ أمكَنَتِ التَّسويةُ بينَهُما في الجِماعُ كانَ أحسَنَ وأَولَى، فإنهُ أَبلغُ في العَدلِ، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقسِمُ بينَهنَّ فيَعدِلُ ثمَّ يَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمْنِي فيما لا أملِكُ»، ورُويَ أنَّه كانَ يُسوِّي بَينهنَّ حتَّى في القُبَلِ، ولا تَجبُ التَّسويةُ بينَهنَّ في الاستِمتاعِ بما دونَ الفَرْجِ مِنْ القُبَلِ واللَّمسِ ونَحوِهما؛ لأنهُ إذا لم تَجبِ التَّسويةُ في الجِماعِ ففي دَواعيه أَولَى (١). وقالَ الإمامُ الغَزالي ﵀: وإنَّما عليهِ العَدلُ في العَطاءِ والمَبيتِ، وأمَّا في الحُبِّ والوِقاعِ فذلكَ لا يَدخُلُ تحتَ الاختِيارِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: أنْ تَعدِلُوا في شَهوةِ القَلبِ ومَيلِ النَّفسِ، ويَتبعُ ذلكَ التَّفاوُتُ في الوِقاعِ. وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَعدِلُ بينَهنَّ في العَطاءِ والبَيتُوتةِ في اللَّيالِي ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا جَهدِي فيما أَملِكُ، ولا طاقَةَ لي فيما تَملِكُ ولا أملِكُ» يَعني الحُبَّ.

стр. 9837

وقد كانَتْ عائِشةُ ﵂ أحَبَّ نِسائِه إليهِ، وسائِرُ نِسائِه يَعرِفْنَ ذلكَ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجُلٍ مُتزوِّجٍ بامرَأتَينِ وإحداهُما يُحبُّها ويَكسُوها ويُعطِيها ويَجتمِعُ بها أكثَرَ مِنْ صاحِبتِها. فأجابَ: الحَمدُ للهِ، يجبُ عليهِ العَدلُ بينَ الزَّوجتَينِ باتِّفاقِ المُسلمِينَ، وفي السُّننِ الأربَعةِ عَنْ أبي هُريرةَ عَنْ النَّبيِّ قالَ: «مَنْ كانَتْ له امرَأتانِ فمالَ إلى إحداهُما دونَ الأُخرى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ مائِلٌ»، فعليهِ أنْ يَعدلَ في القَسْمِ، فإذا باتَ عندَها ليلةً أو لَيلتَينِ أو ثَلاثًا باتَ عندَ الأُخرى بقَدْرِ ذلكَ، ولا يُفضِّلُ إحداهُما في القَسْمِ، لكنْ إنْ كانَ يُحِبُّها أكثَرَ ويَطَؤُها أكثَرَ فهذا لا حرَجَ عليهِ فيهِ، وفيهِ أنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: في الحُبِّ والجِماعِ، وفي السُّننِ الأربعَةِ عن عائِشةَ قالَتْ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقسِمُ ويَعدِلُ فيَقولُ: «هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمنِي فيما تَملِكُ ولا أملِكُ» يعنِي القَلبَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: لا تَجبُ التَّسويةُ بينَ النِّساءِ في المَحبَّةِ، فإنها لا تُملَكُ، وكانَتْ عائِشةُ ﵂ أحَبَّ نِسائِه إليهِ، وأُخِذَ مِنْ هذا أنَّه لا تَجبُ التَّسويةُ بينَهنَّ في الوَطءِ؛ لأنَّه مَوقوفٌ على المَحبَّةِ والمَيلِ، وهي بيَدِ مُقلِّبِ القُلوبِ.

стр. 9838

وفي هذا تَفصيلٌ، وهو أنَّه إنْ ترَكَه لعَدمِ الدَّاعي إليهِ وعَدمِ الانتشارِ فهوَ مَعذورٌ، وإنْ تَركُه معَ الدَّاعي إليهِ ولكنَّ داعيهِ إلى الضَّرَّةِ أقوَى فهذا ممَّا يَدخلُ تحتَ قُدرتِه ومِلكِه، فإنْ أدَّى الواجِبَ عليهِ منهُ لم يَبقَ لها حقٌّ ولم يَلزمْهُ التَّسويةُ، وإنْ ترَكَ الواجِبَ منهُ فلها المُطالَبةُ به (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا مَحبَّةُ القَلبِ فكانَ يُحبُّ عائِشةَ أكثرَ مِنهنَّ، وأجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ مَحبَّتَهنَّ لا تَكليفَ فيها، ولا يَلزمُه التَّسويةُ فيهَا؛ لأنهُ لا قُدرةَ لأحَدٍ عليها إلَّا اللهُ ، وإنَّما يُؤمَرُ بالعَدلِ في الأفعالِ (٢). ثالِثًا: العَدلُ في النَّفقةِ: اختَلفَ الفقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا أكثرَ مِنْ امرأةٍ، هل يَجبُ عليهِ أنْ يُسوِّي ويَعدلَ بَينَهنَّ في النَّفقةِ والكُسوةِ؟ أم لا يَجبُ عليهِ وإنَّما لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ ما يَليقُ بها ويَجوزُ أنْ يُوسعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ زيادةً على ما يَليقُ بِمِثلِها؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -وهو ما اختارَهُ الكاسانِيُّ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ- إلى أنهُ يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُسوِّي بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكُسوَةِ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: الرَّجلُ إذا كانَ لهُ أكثرُ مِنْ امرَأةٍ واحِدةٍ فعليهِ العدلُ بَينَهنَّ في حُقوقِهنَّ مِنْ القَسْمِ والنَّفقةِ والكُسوةِ، وهو التَّسويةُ

стр. 9839

بَينَهنَّ في ذلكَ، حتَّى لو كانَتْ تحتَهُ امرأتانِ حُرَّتانِ أو أمَتانِ يَجبُ عليهِ أنْ يَعدلَ بينَهُما في المَأكولِ والمَشروبِ والمَلبوسِ والسُّكْنَى والبَيتُوتةِ. والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] عَقِيبَ قَولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي: إنْ خِفتُم أنْ لا تَعدِلوا في القَسْمِ والنَّفقةِ في نِكاحِ المَثْنَى والثُّلاثِ والرُّباعِ فواحِدةً، ندَبَ إلى نكاحِ الواحِدةِ عندَ خَوفِ تَرْكِ العَدلِ في الزِّيادةِ، وإنَّما يُخافُ على تَركِ الواجِبِ، فدلَّ أنَّ العَدلَ بينَهنَّ في القَسْمِ والنَّفقةِ واجِبٌ، وإليهِ أشارَ في آخرِ الآيةِ بقَولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣] أي: تَجُورُوا، والجَورُ حَرامٌ، فكانَ العَدلُ واجِبًا ضَرورةً، ولأنَّ العَدلَ مأمُورٌ بهِ؛ لقَولِه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] على العُمومِ والإطلاقِ، إلَّا ما خُصَّ أو قُيِّدَ بدَليلٍ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا العَدلُ في النَّفقةِ والكُسوةِ فهوَ السُّنةُ أيضًا؛ اقتِداءً بالنَّبيِّ ﷺ ، فإنَّه كانَ يَعدلُ بينَ أزواجِهِ في النَّفقةِ كما كانَ يَعدلُ في القِسمةِ، معَ تَنازُعِ النَّاسِ في القَسْمِ؛ هل كانَ واجِبًا عليهِ أو مُستحَبًّا له؟ وتَنازَعوا في العَدلِ في النَّفقةِ؛ هل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ؟ ووَجوبُه أَقوى وأشبَهُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وهذا العَدلُ مأمورٌ بهِ ما دامَتْ زَوجةً، فإنْ أرادَ أنْ يُطلِّقَ إحداهُما فلهُ ذلكَ، فإنِ اصطَلحَ هوَ والَّتي

стр. 9840

يُريدُ طلاقَها على أنْ تُقيمَ عندَه بلا قَسْمٍ وهي راضيةٌ بذلكَ جازَ، كمَا قالَ تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي الصَّحيحِ عن عائِشةَ قالَتْ: «أُنزِلَتْ هذهِ الآيةُ في المَرأةِ تكونُ عِنْدَ الرَّجلِ فتَطولُ صُحبَتُها فيُريدُ طَلاقَها فتَقولُ: «لا تُطَلِّقْنِي وامسِكنِي وأنتَ في حِلٍّ مِنْ يَومِي»، فنزَلَتْ هذهِ الآيةُ»، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ أرادَ أنْ يُطلِّقَ سَودَةَ فوهَبَتْ يومَها لعائِشةَ فأمسَكَها بلا قِسْمةٍ، وكذلكَ رافعُ بنُ خَديجٍ جرَى لهُ نحوُ ذلكَ، ويُقالُ إنَّ الآيةَ أُنزِلَتْ فيهِ (١). وقالَ: ويَجبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفقةِ، وكلامُ القاضي في التَّعليقِ يَدلُ عليهِ، وكذا الكُسوةِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ في المُفتَى بهِ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُسوِّي بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكسوَةِ إذا قامَ بالواجِبِ لِكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ، فيَجوزُ لهُ أنْ يُؤثِرَ بعضَ نِسائِه بالتَّبرعِ دونَ بَعضٍ، وإنْ كانَ الأفضلُ التَّسوية بينَهنَّ. قالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وفي «البَدائع»: يجبُ عليهِ التَّسويةُ بينَ الحُرَّتَينِ أو الأَمَتَينِ في المَأكولُ والمَشروبِ والمَلبوسِ والسُّكنَى والبَيتوتةِ. اه، وهكذا ذكَرَ الوَلوالِجِيُّ.

стр. 9841

والحقُّ أنَّه على قَولِ مَنْ اعتَبَرَ حالَ الرَّجلِ وحْدَه في النَّفقةِ فالتَّسويةُ فيهَا واجِبةٌ أيضًا، وأمَّا على قَولِ المُفتَى بهِ مِنْ اعتِبارِ حالِهِما فلا؛ لأنَّ إحداهُما قد تَكونُ غَنيَّةً والأُخرى فَقيرةً، فلا يَلزمُه التَّسويةُ بَينَهُما مُطلَقًا في النَّفقةِ. وفي «الغاية»: اتَّفقُوا على التَّسويةِ في النَّفقةِ، قالَ الشَّارحُ: وفيهِ نظرٌ؛ فإنهُ في النَّفقةِ يُعتبَرُ حالُهُما على المُختارِ، فكيفَ يَدَّعِي الاتَّفاقَ فيها علَى التَّسويَةِ؟! ولا يَتأتَّى ذلكَ إلا على قَولِ مَنْ يَعتبِرُ حالَ الرَّجلِ وحْدَه. اه (١). وقالَ المالكيَّةُ: لا يَجبُ على الزَّوجِ العَدلُ في النَّفقةِ، ولا في الكِسوةِ، وإنَّما لكلُّ واحِدةٍ ما يَليقُ بها على قَدرِ حالِها، ولهُ أنْ يُوسِّعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ زيادةً على ما يَليقُ بمِثلِها، قالَ ابنُ عَرفةَ: ابنُ رشدٍ: مَذهبٍ مالكٍ وأصحابِه أنَّه إنْ قامَ لكلٍّ بما يَجبُ لها بقَدرِ حالِها فلا حرَجَ عليهِ أنْ يُوسِّعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ بما شاءَ. قالَ الحطَّابُ ﵀: وقالَ ابنُ نافِعٍ: يَجبُ أنْ يَعدلَ بَينَهنَّ في مالِهِ بعدَ إقامتِهِ لكلِّ واحِدةٍ ما يَجبُ لها، والأولَ أظهَرُ. قُلتُ: قولُ ابنِ نافِعٍ يَجبُ حكاهُ المُتَيطِيُّ روايةً. اه. ونُقلَ في «التَّوضِيح» عن اللَّخميِّ بعضُ شيءٍ مِنْ هذا، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 9842

وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَجبُ عليهِ التَّسويةُ بينَهنَّ في التَّبَرُّعاتِ الماليَّةِ ولا في الكِسوةِ، ويَجوزُ أنْ يُؤثِرَ بعضَ نِسائِه بالتَّبرعِ دونَ بعضٍ وإنِ استَوحَشنَ بذلكَ، والأَولى التَّسويةُ في ذلكَ وفي سائِرِ الاستِمتاعاتِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: لا يَجبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكسوَةِ إذا قامَ بالواجِبِ لكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ، قالَ أحمدُ في الرَّجلِ لهُ امرأتانِ: لهُ أنْ يُفضِّلَ إحداهُما على الأُخرى في النَّفقةِ والشَّهواتِ والكُسَى إذا كانَتِ الأُخرى في كِفايةٍ، ويَشتري لهذهِ أرفَعَ مِنْ ثَوبِ هذهِ وتكونُ تلكَ في كِفايةٍ؛ وهذا لأنَّ التَّسويةَ في هذا كلِّهِ تَشُقُّ، فلو وجَبَ لم يُمكِنْه القِيامُ بهِ إلَّا بحرَجٍ، فسقَطَ وجوبُه كالتَّسويةِ في الوَطءِ (٢). خِدمةُ الزَّوجةِ لزَوجِها وإتيانُها بخادِمٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ هل يَجبُ عليهَا أنْ تَخدمَ زوْجَها في البَيتِ وأنْ تَعجِنَ وتَطبخَ؟ أم لا يَجبُ عليها ويَجبُ عليهِ أنْ يُخدِمَها بأنْ يأتيَ لها بخادِمٍ يَخدمُها في بَيتِها؟ فبَعضُهم أوجَبَهُ دِيانةً لا قَضاءً كالحنفيَّةِ، وبَعضُهم أوجَبَهُ مُطلَقًا كابنِ تَيميةَ وبَعضِ المالِكيةِ، وبَعضُهم اعتبَرَ حالَها؛ فإنْ كانَتْ مِنْ قَومٍ لا تَخدمُ نساؤُهُم وكانَ زَوجُها مُوسِرًا فلا يَجبُ عليها الخِدمةُ، وإنْ كانَتْ مِنْ قَومٍ

стр. 9843

تَخدمُ نِساؤُهم فيَجبُ عليها الخِدمةُ، كما هوَ مَذهبُ المالِكيةِ، وبَعضُهم قالَ: لا يَجبُ عليها الخِدمةُ مُطلقًا كالشَّافعيةِ والحَنابلةِ وبَعضِ المالِكيةِ. وهذا بَيانُ مَذاهبِهم بالتَّفصيلِ. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجبُ على المرأةِ خِدمةُ زَوجِها دِيانةً لا قَضاءً، فلو جاءَ الزَّوجُ بطَعامٍ يَحتاجُ إلى الطَّبخِ والخَبْزِ فأبَتِ المرأةُ الطَّبخَ والخَبْزَ -يعني بأنْ تَطبخَ وتَخبِزَ- لا تُجبَرُ على ذلكَ قَضاءً وإنْ كانَ يَلزمُها دِيانةً، ويُؤمَرُ الزَّوجُ أنْ يأتي لها بطَعامٍ مُهيَّأٍ أو يأتيَها بمَن يَكفيها عمَلَ ذلكَ، ولو استأجَرَها للطَّبخِ والخَبْزِ لم يَجُزْ، ولا يَجوزُ لها أخذُ الأجرَةِ على ذلكَ؛ لأنها لو أخَذَتِ الأجرَةَ لأخَذَتْها على عمَلٍ واجِبٍ عليهَا في الفَتوى، فكانَ في معنى الرَّشوةِ، فلا يَحلُّ لها الأخذُ. وذكَرَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ أنَّ هذا إذا كانَ بها عِلَّةٌ لا تَقدرُ على الطَّبخِ والخَبْزِ، أو كانَتْ مِنْ بناتِ الأشرافِ، فأمَّا إذا كانَتْ تقدِرُ على ذلكَ وهيَ ممَّن تَخدِمُ بنَفسِها تُجبَرُ على ذلكَ ولا يجبُ عليهِ أنْ يأتيَها بمَن يَفعلُه. وهذا شامِلٌ لبنَاتٍ الأشرافِ أيضًا، وأمَّا وُجوبُه دِيانةً فلِأنَّهُ ﷺ قسَمَ الأعمالَ بينَ عَليٍّ وفاطِمةَ، فجعَلَ أعمالَ الخارجِ على عليٍّ، وأعمالَ الدَّاخلِ على فاطمةَ، مع أنها سيِّدةُ نساءِ العالَمينَ رضيَ اللهُ تعالَى عَنها، وأبوها أَفضلُ الخلقِ أجمَعينَ (١).

стр. 9844

وقالَ المالِكيَّةُ: يجبُ على الزَّوجِ إخدامُ أهلِهِ إذا كانَ مُتَّسِعَ الحالِ، فيأتي لزَوْجتِه مَنْ يَخدمُها إنْ كانَتْ أهلًا لذلكَ؛ بأنْ تَكونَ مِنْ ذواتِ القَدْرِ اللَّاتي خِدمتُهنَّ في البَيتِ الأمرُ والنَّهيُ، أو يَكونُ هو ذا قدْرِ تُزْرِي خِدمةُ زوْجتِهِ بهِ، فإنها أهلٌ للإخدامِ بهذا المَعنى، ومثلُ الأهلِ ما إذا لم يَكنْ واحدٌ مِنهُما أهلًا إلَّا أنَّ في صَداقِها ثمَنُ خادمٍ، فإنها إذا طلَبَتْ ذلكَ تُجابُ لهُ، وسواءٌ كانَ الخادِمُ أنثى أو ذكرًا لا يَقدرُ على استِمتاعٍ. وإذا اشتُرطَ الإخدامُ في صُلبِ العَقدِ لم يَضُرَّ إنْ كانَتْ أهلًا وإنْ كانَ أهلَهُ وإلَّا فُسِخَ قبْلَ البِناءِ، ويَصحُّ بعدَهُ ويُلغَى الشَّرطُ. وإلَّا تَكُنْ أهلًا لِلإخدامِ بأنْ لم تَكُنْ مِنْ أشرافِ النَّاسِ بل مِنْ لَفيفِهم، أو كانَتْ أهلًا لِلإخدامِ بأن كانت غَنيَّةً وذاتَ قدْرٍ وكانَ هوَ فَقيرًا فعلَيها الخِدمةُ الباطِنةُ؛ لأنَّ الفَرضَ أنهُ فَقيرٌ، مِنْ عَجْنٍ وكَنْسٍ وفَرْشٍ وطَبْخٍ لهُ في جَميعِ ذلكَ لا لضُيوفِه فيما يَظهرُ، واستِقاءٍ بالدَّارِ أو خارِجَها ولو مِنْ بحرٍ في نساءٍ عادتُهنَّ ذلكَ وغَسلِ ثيابِهِ. بخِلافِ الخِدمةِ الظَّاهِرةِ مثلَ النَّسجِ والغَزْلِ لهُ والخِياطةِ والتَّطريزِ لهُ ونَحوِها ممَّا هو مِنْ التَّكسُّبِ فلا يَلزمُها عَملُه لهُ ولو مِنْ قَومٍ عادتُهم ذلكَ؛ لأنَّه مِنْ التَّكسُّبِ للنَّفقةِ وهي واجِبةٌ عليهِ لها لا عليها لهُ (١).

стр. 9845

وقالَ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ ﵀: هذا أمرٌ دائِرٌ على العُرفِ والعادةِ الَّذي هو أصلٌ مِنْ أصولِ الشَّريعةِ؛ فإنَّ نِساءَ الأعْرابِ وسكَّانِ الباديةِ يَخدمُنَّ أزواجُهنَّ حتَّى في استِعذابِ الماءِ وسِياسةِ الدَّوابِّ، ونِساءُ الحَواضِرُ يَخدمُ المُقِلُّ مِنهم زوْجَهُ فيما خَفَّ ويُعينُها، وأمَّا أهلُ الثَّروةِ فيُخدمونَ أزواجَهم ويَترفَّهنَ مَعهم إذا كانَ لهُم مَنصِبٌ في ذلكَ، وإنْ كانَ أمرًا مُشكلًا شرَطَتْ عليهِ الزَّوجةُ ذلكَ، فتُشهِدُ عليهِ أنَّه قد عرَفَ أنها ممَّن لا تَخدمُ نفْسَها فالتَزمَ إخدامَها، فيَنفذُ ذلكَ عليهِ وتَنقطعُ الدَّعوَى فيهِ، وهذا هوَ القولُ الصَّحيحُ (١). وذهَبَ أبو بكر بنُ أبي شَيبةَ وأبو إسحاقَ الجَوزَجانِيُّ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى وُجوبِ خِدمةِ المرأةِ لزَوجِها؛ لقِصَّةِ عليٍّ وفاطمةَ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قضَى على ابنَتِه فاطِمةَ بخِدمةِ البَيتِ، وعلى عَليٍّ ما كانَ خارِجًا مِنْ البَيتِ، رواهُ الجَوزَجانِيُّ مِنْ طُرُقٍ. قالَ الجوزَجانِيُّ ﵀: وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنَّ يَسجدَ لأحَدٍ لأمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها، ولو أنَّ رجلًا أمَرَ امرأتَهُ أنْ تَنقلَ مِنْ جَبلٍ أسوَدَ إلى جبَلٍ أحمَرَ أو مِنْ جبَلٍ أحمَرَ إلى جَبلٍ أسوَدَ كانَ عليها أنْ تَفعلَ»، ورَواهُ بإسنادِه. قالَ: فهذهِ طاعتُهُ فيما لا مَنفعةَ فيهِ، فكيفَ بمُؤونةِ مَعاشِهِ؟! وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يأمُرُ نِساءَهُ بخِدمتِه، فقالَ: يا عائِشةُ اسقِينا، يا عائِشةُ

стр. 9846

أَطعِمِينا، يا عائِشةُ هَلُمِّي الشَّفرةَ واشحَذِيها بحَجرٍ، وقد رُويَ أنَّ فاطِمةَ أتَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ تَشكو إليه ما تَلْقَى مِنْ الرَّحَى، وسألَتْهُ خادِمًا يَكفِيها ذلكَ (١). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وتَجبُ خِدمةُ زَوجِها بالمَعروفِ مِنْ مِثلِها لمِثلِه، ويَتنوَّعُ ذلكَ بتَنوِّعِ الأحوالِ، فخِدمةُ البدَويَّةِ ليسَتْ كخدمَةِ القرَويَّةِ، وخِدمةُ القويَّةِ ليسَتْ كخِدمةِ الضَّعيفةِ، وقالَهُ الجوزَجانِيُّ مِنْ أصحابِنا وأبو بكر بنُ أبي شَيبةَ (٢). وذهَبَ بَعضُ المالكيَّةِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ على المَرأةِ أنْ تَخدِمَ زوْجَها في عَجْنٍ وخَبْزٍ وطَبْخٍ ونحوِه ككَنْسِ الدَّارِ ومَلْءِ الماءِ مِنْ البئرِ وطَحنٍ؛ لأنَّ المَعقودَ عليهِ مِنْ جِهتِها الاستِمتاعُ، فلا يَلزمُها غيرُه كسقْيِ دوابِّهِ وحصادِ زَرعِه، فلا يَملكُ غَيرَه مِنْ منافِعِها، ويَلزمُه أنْ يأتيَها بمَن يَخدمُها ويَقومُ لها بهذهِ الخدمةِ. فأمَّا قَسمُ النَّبيِّ ﷺ بَينَ عليٍّ وفاطِمةَ فعلى ما تَليقُ بهِ الأخلاقُ المَرضِيَّةُ ومَجرى العادةِ لا على سَبيلِ الإيجابِ، كما قد رُويَ عَنْ أسماءَ بِنتِ أبي بكرٍ أنها كانَتْ تَقومُ بفَرسِ الزُّبيرِ وتَلتقِطُ لهُ النَّوى وتَحمِلُه على رَأسِها، ولَم يَكنْ ذلكَ واجِبًا عليها، ولهذا لا يجبُ

стр. 9847

على الزَّوجِ القِيامُ بمِصالحِ خارجِ البَيتِ، ولا الزِّيادةُ على ما يَجبُ لها مِنْ النَّفقةِ والكِسوةِ. ولكنَّ الأَولَى لها فِعلُ ما جرَتِ العادةُ بقِيامِها بهِ؛ لأنه العادةُ ولا تَصلحُ الحالُ إلَّا بهِ ولا تَنتظِمُ المَعيشةُ بدونِه (١). قالَ الشَّافعيةُ: يَجبُ على الزَّوجِ إخدامُ مَنْ لا يَليقُ بها خِدمةُ نَفسِها؛ لأنهُ مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفُ، والاعتِبارُ في ذلكَ بحالِ المَرأةِ في بَيتِ أبيها، فلو ارتَفعَتْ بالانتِقالِ إلى الزَّوجِ بحَيثُ صارَ يليقُ بحالِها الإخدامُ .. لم يَجبْ على الصَّحيحِ، وقالَ الإمامُ: يجبُ إذا كانَتْ مِنْ أهلِ الأمصارِ دونَ البوادِي. والواجِبُ خادِمٌ واحِدٌ ولو كانَ الزَّوجُ مُوسِرًا على الصَّحيحِ؛ لحُصولِ المَقصودِ. وسواءٌ في وُجوبِ الإخدامِ مُوسِرٌ ومُعسِرٌ وعَبدٌ كسائرِ المُؤَنِ، وتَثبتُ في ذمَّتِه إلى أنْ يُوسِرَ. وقيلَ: إنَّما يجبُ الإخدامُ على المُوسِرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يُوجِبْ لفاطِمةَ على عليٍّ خادِمًا؛ لأنَّه كانَ مُعسِرًا (٢).

стр. 9848

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ ابنُ حَبيبٍ: إنَّ الزَّوجَ إذا كانَ مُعسِرًا وإنْ كانَتْ الزَّوجةُ ذاتَ قَدرٍ وشرَفٍ فإنَّ عليها الخِدمةُ الباطِنةُ كالعَجنِ والطَّبخِ والكَنسِ وما شاكَلَهُ، وهكذا أوضَحَ لي ابنُ الماجشونِ وأصبَغُ. قالَ ابنُ حَبيبٍ: وكذلكَ حكَمَ النَّبيِّ ﵇ على فاطِمةَ بالخِدمةِ الباطِنةِ مِنْ خدمةِ البَيتِ، وحكَمَ على عليٍّ بالخِدمةِ الظَّاهرةِ، وقالَ بعضُ شُيوخي: لا نَعرفُ في شيءٍ من الأخبارِ الثَّابتةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضَى على فاطِمةَ بالخِدمةِ الباطِنةِ، وإنَّما كانَ نِكاحُهم على المُتعارَفِ بينَهم مِنْ الإجمالِ وحُسنِ العِشرةِ، وأمَّا أنْ تُجبَرَ المرأةُ على شيءٍ مِنْ الخِدمةِ فليسَ لها أصلٌ في السنَّةِ، بلِ الإجماعُ مُنعقِدٌ على أنَّ على الزَّوجِ مَؤونةُ الزَّوجةِ كلُّها. وقالَ الطَّحاويُّ (١): لم يَختلِفوا أنَّ المرأةَ ليسَ عليها أنْ تَخدمَ نفْسَها، وأنَّ على الزَّوجِ أنْ يَكفيَها ذلكَ، وأنَّهُ لو كانَ معَها خادمٌ لم يكُنْ للزَّوجِ إخراجُ الخادمِ مِنْ بَيتهِ، فوجَبَ أنْ تَلزمَه نَفقةُ الخادمِ على حسبِ حاجتِها إليهِ. وذكَرَ ابنُ الحكَمِ عن مالِكٍ أنهُ ليسَ على المرأةِ خِدمةُ زوجِها. وقالَ الطَّبريُّ: في حَديثِ فاطمةَ الإبانةُ عن أنَّ كلَّ مَنْ كانَتْ به طاقةٌ مِنْ النِّساءِ على خِدمةِ نَفسِها في خَبْزٍ أو طَحينٍ وغَيرِ ذلكَ ممَّا تُعانيهِ المرأةُ في بيتِها أو لا يحتاجُ فيه إلى الخُروجِ أنَّ ذلكَ مَوضوعٌ عن زَوجِها إذا كانَ مَعروفًا لها أنَّ مثلَها تَلِي ذلكَ بنَفسِها، وأنَّ زوْجَها غيرُ مأخوذٍ بأنْ يكفِيَها

стр. 9849

ذلكَ كما هوَ مأخوذٌ في حالِ عَجزِها عنهُ إمَّا بمرَضٍ أو زَمانةٍ؛ وذلكَ أنَّ فاطِمةَ إذ شكَتْ ما تلقَى في يَدِها مِنْ الطَّحنِ والعَجينِ إلى أبيها، وسألَتْه خادِمًا لعَونِها على ذلكَ لم يأمُرْ زوْجَها عَليًّا بأنْ يَكفيَها ذلكَ، ولا ألزَمَه وضْعَ مَؤونةِ ذلكَ عنها إمَّا بإخدامِها أو باستِئجارِ مَنْ يَقومُ بذلكَ، بل قد رُويَ عنهُ ﵇ أنهُ قالَ لها: «يا بُنيَّةُ اصبِري، فإنَّ خيْرَ النِّساءَ الَّتس نفَعَتْ أهلَها»، وفي هذا القَولِ مِنْ النَّبيِّ ﵇ دليلٌ بيِّنٌ أنَّ فاطِمةَ معَ قيامِها بخِدمِة نَفسِها كانت تَكفِي عليًّا بعضَ مُؤَنِه مِنْ الخِدمةِ، ولو كانَتْ كفايةُ ذلكَ علَى عليٍّ لَكانَ قد تَقدَّمَ ﵇ إلى عليٍّ في كِفايتِها ذلكَ كما تَقدَّمَ إليهِ إذْ أرادَ الابتِناءَ بها أنْ يَسوقَ إليها صَداقَها حينَ قالَ لهُ: «أينَ دِرعُكَ الحُطميَّةُ؟»، وغيرُ جائزٍ أنْ يُعلِّمَ النبيُّ ﷺ أمَّتَه الجميلَ مِنْ مَحاسِنِ الأخلاقِ ويَتركَ تَعليمَهم الفُروضَ التي ألزَمَهُم اللهُ، ولا شَكَّ أنَّ سَوْقَ الصَّداقِ إلى المَرأةِ في حالِ إرادتِه الابتِناءَ بها غيرُ فَرضٍ إذا رَضِيَتْ بتأخيرِه عن زَوجِها. فإنْ قيلَ: فإنكَ تُلزِمُ الرَّجلَ إذا كانَ ذا سعَةٍ كفايةَ زوْجَتِه الخِدمةَ إذا كانَتِ المرأةُ ممَّن لا يخدمُ مِثلها. قيلَ: حُكمُ مَنْ كانَ كذلكَ مِنْ النِّساءِ حُكمُ ذواتِ الزَّمانةِ والعاهةِ مِنهنَّ اللواتي لا يَقدرْنَ على خِدمةٍ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ أنَّ على الرَّجلِ كفايةَ مَنْ كانَ مِنهنَّ كذلكَ، فلذلكَ ألزَمْنَا الرَّجلَ كفايةَ التي لا تَخدمُ نفْسَها مَئونةَ الخِدمةِ التي لا تَصلحُ لها، وألزَمْناهُ مَئونةَ خادِمٍ إذا كانَ في سَعةٍ،

стр. 9850

وبَنحوِ الذي قُلنا نزَلَ القُرآنُ، وذلكَ قولُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، وعَليهِ عُلماءُ الأمَّةِ مُجمِعةٌ. وقالَ غيرُه: وشَذَّ أهلُ الظَّاهرِ عنِ الجَماعةِ فقالُوا: ليسَ عليهِ أنْ يُخدِمَها إنْ كانَ مُوسِرًا أو كانَتْ ممَّن لا يَخدم مِثلها، وحُجَّةُ الجَماعةِ قولُه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وإذا احتاجَتْ إلى مَنْ يَخدمُها فلمْ يَفعلْ لم يُعاشِرْها بالمُعروفِ. وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسنِ: يفرضُ لها ولخادِمينِ إذا كانَتْ خطيرةً. وقالَ الكُوفيُّونَ والشَّافعيُّ: يفرضَ لها ولخادِمِها النَّفقة. وقولُه: «باب خادِم المَرأةِ» فإنَّ عامةَ الفُقهاءِ مُتفِقونَ أنَّ الرَّجلَ إذا أعسَرَ عن نَفقةِ الخادمِ أنهُ لا يُفرَّقُ بينَه وبينَ امرأتهِ وإنْ كانَتْ ذاتَ قَدرٍ؛ لأنَّ عليًّا لم يُلزِمْه النبيُّ ﵇ إخدامَ فاطِمةَ في عُسرِتِه، ولا أمَرَه أنْ يكفِيَها ما شكَتْ مِنْ الرَّحَى. قالَ المُهلَّبُ: وفي هذا الحَديثِ مِنْ الفِقهِ أنَّ المرأةَ الرَّفيعةَ القَدرِ يجملُ بها الامتِهانُ في المَشاقِ مِنْ خِدمةِ زَوجِها مثلَ الطَّحنِ وشبَهِه؛ لأنَّه لا أرفَعَ مَنزلةً مِنْ بنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولكنَّهم كانوا يُؤثِرونَ الآخِرةَ ولا يَترفَّهونَ عن خِدمتِهم احتِسابًا للهِ وتَواضعًا في عبادَتِه (١).

стр. 9851

فصل في النُّشوزِ تَعريفُ النُّشوزِ: النُّشوزُ في اللُّغةِ: مِنْ النَّشزِ، وهوَ الشَّيءُ المُرتَفِعُ نحو التّلِّ والعِرقِ، والجميعُ النُّشُوزُ والنّشَازُ وجَمعُه نِشازٌ، ونَشَزَتِ المرأةُ بزَوجِها تَنْشزُ نُشوزًا: استَعصَتْ عليهِ وأَبغضَتْهُ وخرَجَتْ عن طاعَتِه، كأنها فارَقَتِ الحالَ الَّتي يَنبغي أنْ تكونَ عَليها، فهيَ ناشِزٌ، ونَشَزَ بَعْلُها عَليها: ضرَبَها وجَفاها وأضَرَّ بها. والنُّشوزُ يكونُ مِنْ الزَّوجَينِ، وهو كراهَةُ كلِّ واحدٍ منهُما صاحِبَه، واشتِقاقُهُ مِنْ النَّشزِ، وهو ما ارتَفعَ مِنْ الأرضِ. ونشَزَتِ المرأةُ بزَوجِها على زَوجِها: ارتَفعَتْ عليهِ وأبغَضَتْه وخرَجَتْ عن طاعتِهِ وَفَرَكَتْهُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. فنُشوزُ المرأةِ: استِعصاؤُها على زَوجِها، ونشَزَ هو عَليها نُشوزًا كذلكَ، وضرَبَها وجفاها وأضَرَّ بها، ومنه قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] (١).

стр. 9852

تَعريفُ النُّشوزِ اصطِلاحًا: عرَّفَه الحنفيَّةُ بأنهُ: كراهَةُ كلِّ واحدٍ منهِما صاحِبَه (١). وقيلَ: الخارِجةُ مِنْ بَيتِ زَوجِها بغيرِ حقٍّ ومَنْعُها لهُ عنِ الدُّخولِ إلى بَيتِها مع إرادَتِها السُّكنَى فيهِ (٢). وقالَ المالكيَّةُ: النُّشوزُ هو الخُروجُ عنِ الطَّاعةِ الواجِبةِ للزَّوجِ (٣). وعبارَةُ الشَّافعيةِ: الخُروجُ عن طاعةِ الزَّوجِ (٤). وقيلَ: مَعصيةُ الزَّوجِ والامتِناعُ عن طاعَتهِ امتِناعًا خارِجًا عن حدِّ الدَّلالِ، وتَعصِي عليهِ بحيثُ يَحتاج في رَدِّها إلى الطَّاعةِ إلى تَعَبٍ (٥). وقالَ الحَنابلةُ: النُّشوزُ مَعصيتُها إيَّاهُ فيما يَجبُ عليها طاعَتُه فيهِ (٦). وقد صرَّحَ جَماعةٌ مِنْ الفُقهاءِ كالحنفيَّةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ أنَّ النُّشوزَ كما يكونُ مِنْ الزَّوجةِ يكونُ مِنْ الزَّوجِ. قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: النُّشوزُ يكونُ مِنْ الزَّوجينِ، وهو كراهَةُ كلِّ واحدٍ منهُما صاحِبهُ (٧).

стр. 9853

وقالَ الجَمَلُ في حاشِيتِه: النُّشوزُ شرعًا الخُروجُ عن طاعَةِ الزَّوجِ أو عكسُهُ (١). وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: النُّشوزُ هو كراهَةُ كلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ صاحبَه وسوءُ عِشرتِه، يُقالُ: نشَزَتِ المَرأةُ على زَوجِها فهي ناشِزةٌ وناشِزٌ، ونشَزَ عليها زَوجُها إذا جَفاها وأضَرَّ بها (٢). حُكمُ نُشوزِ المَرأةِ على زَوجِها: لا يَختلفُ العُلماءُ على أنهُ يَحرمُ على المَرأةِ أنْ تَعصيَ زوْجَها في حقٍّ مِنْ حقوقِه، وأنَّ هذا يُعتبَرُ نُشوزًا عليهِ وهو حَرامٌ، وأنهُ يَجبُ على الزَّوجةِ أنْ تُطيعَ زوْجَها في كلِّ ما لا مَعصيةَ فيهِ، ولا يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ مِنْ بَيتِها إلَّا بإذنِه، ويجبُ عليها إذا دَعاها للوَطءِ أنْ تُجيبَهُ، قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فالمَرأةُ عندَ زَوجِها تُشبِهُ الرَّقيقَ والأسيرَ، فليسَ لها أنْ تَخرجَ مِنْ منزِلِه إلَّا بإذنِه، سواءٌ أمَرَها أبوها أو أمُّها أو غيرُ أبوَيها باتَّفاقِ الأئمَّةِ، وإذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يَنتقلَ إلى مكانٍ آخَرَ معَ قيامِه بما يَجبُ عليهِ وحَفظَ حدودَ اللهِ فيها ونهاها أبوها عَنْ طاعتِه في ذلكَ فعلَيها أنْ تُطيعَ زوْجَها دونَ أبوَيها، فإنَّ الأبوَينِ هما ظالِمانِ، ليسَ لهُما أنْ يَنهيَاها عن طاعةِ مثلِ هذا الزَّوجِ (٣). وقد دلَّتِ الأحادِيثُ الكثيرةُ عنِ النَّبيِ ﷺ على وجوبِ طاعةِ

стр. 9854

الزَّوجةِ لزَوجِها في جَميعِ أُمورِ الحَياةِ ما لم يَكنْ مَعصيةً، ومِن هذهِ الأحاديثِ ما يَلي: ١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجدَ لأحَدٍ لَأمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها» (١). ٢ - وعن عبدِ اللَّهِ بنِ أَبي أَوفَى ﵁ قالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعاذٌ من الشَّامِ سجَدَ للنَّبيِّ ﷺ قالَ: ما هذا يا مُعاذُ؟ قالَ: أتَيْتُ الشَّامَ فوافَقتُهمْ يَسجدُونَ لأساقِفتِهمْ وبَطارِقتِهمْ، فوَدِدْتُ في نَفسِي أنْ نَفعلَ ذلك بكَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «فلا تَفعلُوا، فإنِّي لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجدَ لغَيرِ اللَّهِ لَأمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها، والَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِه لا تُؤدِّي المرأةُ حَقَّ رَبِّها حتَّى تُؤدِّيَ حَقَّ زَوجِها، ولو سَألَها نَفسَها وهي على قَتَبٍ لَم تَمنَعْه» (٢). ٣ - وعنْ جَابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلاثةٌ لا يَقبلُ اللَّهُ لهُم صَلاةً ولا يَرفعُ لهُم إلى السَّماءِ حَسنةً: العَبدُ الآبِقُ حتَّى يَرجعَ إلى مَوالِيهِ فيضَعَ يدَه في أيديهِم، والمرأةُ السَّاخِطُ عليها زَوجُها حتَّى يَرضَى، والسَّكرانُ حتَّى يَصحوَ» (٣).

стр. 9855

٤ - وعن أمِّ سلَمةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزَوجُها عنها راضٍ دخَلَتْ الجنَّةَ» (١). ٥ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ بابنةٍ لهُ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ هذهِ ابنَتي قد أبَتْ أنْ تَتزوَّجَ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : أطيعِي أباكِ، فقالَتْ: والَّذي بعَثَكَ بالحقِّ لا أتزَوَّجُ حتَّى تُخبرني ما حَقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : «حقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه أنْ لو كانَتْ قَرحةٌ فلَحَسَتْها ما أدَّتْ حقَّه» قالَتْ: والَّذي بعَثَكَ بالحَقِّ لا أتزَوَّجُ أبدًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : لا تَنكحُوهنَّ إلا بإذنِهنَّ» (٢). ٦ - وعنِ الحُصينِ بن مِحصنٍ أن عمَّةً له أتتِ النَّبيَّ ﷺ في حاجَةٍ ففرَغَتْ من حاجتِها فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ : «أذاتُ زَوجٍ أنتِ؟ قالَتْ: نعمْ، قالَ: كيفَ أنتِ له؟ قالَتْ: ما آلُوهُ إلَّا ما عجَزْتُ عنهُ، قالَ: فانظُرِي أينَ أنتِ منهُ؛ فإنَّما هو جنَّتُكِ ونارُكِ» (٣). ٧ - وعن أبي هُريرة ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دعَا الرَّجلُ امرأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ فلم تأتِهِ فباتَ غَضبانَ عليها لعَنَتْها الملائكةُ حتَّى تُصبِحَ» (٤).

стр. 9856

٨ - وعن طَلْقِ بنِ عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا الرَّجلُ دعَا زوْجتَه لحاجتِهِ فلْتأتِه وإنْ كانت على التّنُّورِ» (١). ٩ - وعن أَبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دعَا الرَّجلُ امرَأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ أنْ تَجيءَ لعَنَتْها الملائكةُ حتى تُصبِحَ» (٢). وفي رِوايةٍ: «إذا باتَتْ المرأةُ مُهاجِرةً فِراشَ زوْجِها لعَنَتْها الملائكةُ حتى تَرجعَ» (٣). وفي رِوايةٍ: «والَّذي نَفسِي بيدِه ما مِنْ رَجلٍ يَدعو امرَأتَهُ إلى فِراشِها فتأَبَى عليهِ إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخطًا عليها حتى يَرضَى عنها» (٤). وغيرُ ذلكَ مِنْ الأحادِيثِ الكثيرةِ الَّتي تُبيِّنُ وجوبَ طاعَةِ الزَّوجِ على زَوجتِهِ، وقد تقدَّمَ أنَّه يَجبُ عَليها أنْ تُطيعَهُ للفِراشِ إذا دَعاها، وإلَّا لعَنَتْها الملائكةُ، وأنَّه يَحرمُ عَليها صَومُ النَّافلةِ وهوَ شاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ، وكذا يَحرمُ

стр. 9857

عَليها الخُروجُ مِنْ بَيتهِ لغَيرِ ضَرورةٍ إلَّا بإذنِهِ بإجماعِ العُلماءِ، فإنْ فعَلَتْ شَيئًا مِنْ ذلكَ فهي ناشِزةٌ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَنْ رَجلٍ له زَوجةٌ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وكُلَّما دَعاها الرَّجلُ إلى فِراشِه تأبَى عليه، وتُقدِّمُ صلاةَ اللَّيلِ وصيامَ النِّهارِ على طاعةِ الزَّوجِ، فهل يَجوزُ ذلك؟ فأجابَ: لا يَحلُّ لها ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل يَجبُ عليها أنْ تُطيعَه إذا طَلبَها إلى الفِراشِ، وذلكَ فَرضٌ واجِبٌ عليها، وأمَّا قِيامُ اللَّيلِ وصيامُ النَّهارِ فتَطوُّعٌ، فكيفَ تُقدِّمُ مُؤمِنةٌ للنَّافلةِ على الفَريضةِ؟ حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الَّذِي رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَحلُّ للمرأةِ أنْ تَصومَ وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه ولا تأذَنُ في بَيتِه إلَّا بإذنِه»، ورَواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ وغَيرُهما ولَفظُهم: «لا تَصومُ امرأةٌ وزَوجُها شاهِدٌ يَومًا مِنْ غيرِ رَمضانَ إلَّا بإذنِه»، فإذا كانَ النَّبيُّ قد حَرَّمَ على المرأةِ أنْ تَصومَ تَطوُّعًا إذا كانَ زَوجُها شاهِدًا إلَّا بإذنِه فتَمنعَ بالصَّومِ بعضَ ما يَجبُ لهُ عليها، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طَلبَها فامتَنعَتْ؟ وفي الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا دَعَا الرَّجلُ المرأةَ إلى فِراشِهِ فأبَتْ لَعنَتْها المَلائكةُ حتَّى تُصبحَ»، وفي لَفظٍ: «إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطًا عليها حتَّى تُصبحَ»، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، فالمرأةُ الصَّالحةُ هي الَّتي تكونُ قانِتةً، أيْ

стр. 9858

مُداوِمةً على طاعةِ زَوجِها، فمَتى امتَنعَتْ عن إجابتِه إلى الفِراشِ كانَتْ عاصِيةً ناشِزةً، وكانَ ذلكَ يُبيحُ له ضرْبَها كما قالَ تَعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، وليسَ على المَرأةِ بعدَ حَقِّ اللهِ ورَسولِه أوجَبُ مِنْ حقِّ الزَّوجِ، حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَو كُنْتُ آمِرًا لأحَدٍ أنْ يَسجدَ لأحَدٍ لَأمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها لعِظمِ حَقِّه عليها»، وعنهُ: «أنَّ النِّساءَ قُلْنَ له: إنَّ الرِّجالَ يُجاهِدونَ ويَتصدَّقونَ ويَفعلونَ ونَحنُ لا نَفعلُ ذلكَ، فقالَ: «حُسنُ فِعلِ إحداكُنَّ يَعدِلُ ذلكَ» أي أنَّ المرأةَ إذا أحسنَتْ مُعاشَرةَ بَعلِها كانَ ذلكَ مُوجِبًا لرِضاءِ اللهِ وإكرامِه لها مِنْ غيرِ أنْ تَعملَ ما يَختصُّ بالرِّجالِ، واللهُ أعلمُ (١). ما يَكونُ بهِ نُشوزِ المَرأةِ: للعُلماءِ تَفصيلٌ فيما يَكونُ بهِ نُشوزُ المَرأةِ على زَوجِها، وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلكَ في حُقوقِ الزَّوجِ، فكلُّ حقٍّ للزَّوجِ وجَبَ على المرأةِ أنْ تطيعَهُ فيهِ وتُلبِّيهِ لهُ، فإنْ عصَتْهُ ولم تُلبَّيهِ لهُ فهي ناشِزةٌ تَسقطُ نَفقتُها عندَ جماهِيرِ العُلماءِ إلَّا بَعض المالكيَّةِ، قالوا: لا تَسقُطُ نَفقتُها كمَا لا يَسقطُ مَهرُها. أنواعُ النُّشوزِ: النُّشوزُ إمَّا أنْ يكونَ مِنْ الزَّوجةِ، وإمَّا أنْ يكونَ مِنْ الزَّوجِ، وإمَّا أنْ يكونَ مِنْ كلِّ واحدٍ مِنهُما.

стр. 9859

أولاً: نُشوزُ الزَّوجةِ وتأدِيبُها: المرأةُ لها أحوالٌ في تَعدِّيها ونُشوزِها، ولِكلِّ حالَةٍ لها مَرحلَةٌ مِنْ التَّأديبِ، ولا خِلافَ بَينَ الفُقهاءِ على أنَّ لِلزَّوجِ تأديبَ امرأتِه لِنشوزِها، وهذا التَّأديبُ يَكونُ بثلاثِ حالاتٍ: الوعظُ والهجْرُ في المَضجَعِ والضَّربُ، والدَّليلُ عَليهِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. الحالةُ الأُولى: الوَعظُ: الوَعظُ: هو التَّذكيرُ بما يُليِّنُ القَلبَ مِنْ الثَّوابِ والعِقابِ المُترتِّبَينِ على طاعتِهِ ومُخالَفتِه، فيَعِظُها ويُخوِّفها باللهِ تعالَى، ويَذكرُ ما أوجَبَ اللهُ لهُ عَليها مِنْ الحقِّ والطَّاعةِ، وما يلحَقُ مِنْ الإثمِ بالمُخالَفةِ والمَعصيةِ، وما يَسقطُ بذلكَ مِنْ حُقوقِها مِنْ النَّفقةِ والكسوَةِ، وما يُباحُ لهُ مِنْ ضَربِها وهَجرِها في المضجَعِ، ويقولُ لها: «ما منَعَكِ عمَّا كنتُ آلَفُه مِنْ بِرِّكِ؟ وما الَّذي غَيَّركِ؟ اتَّقي اللهَ وارجِعِي إلى طاعَتِي، فإنَّ حقِّي عليكِ واجِبٌ» وما أشبَهَ ذلكَ. ويَعظُها على الرِّفقِ واللِّينِ بأنْ يقولَ لها: «كُوني مِنْ الصَّالحاتِ القانِتاتِ الحافِظاتِ للغَيبِ، ولا تَكونِي مِنْ كذا وكذا»، فلَعلَّ تَقبلُ المَوعظةَ فتَتركَ النُّشوزَ. ولا خِلافَ بَينَ العُلماءِ على أنَّ للزَّوجِ أنْ يَعظَ امرأتَهُ إذا ظهَرَتْ علاماتُ نُشوزِها أو نشَزَتْ؛ لقَولهِ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].

стр. 9860

ونصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ يَعظُ زوْجتَهُ إذا ظهَرَتْ عَليها أماراتُ النُّشوزِ بقَولٍ أو فِعلٍ وإنْ لم تَنشزْ فِعلًا. ف (أمارتَهُ بالقَولِ): هو أنْ يَكونَ مِنْ عادَتِه إذا دَعاهَا .. أجابَتْهُ بالتَّلبيَةِ، وإذا خاطَبَها .. أجابَتْ خِطابَهُ بكَلامٍ جميلٍ حسَنٍ، ثمَّ صارَتْ بعدَ ذلكَ إذا دعاها .. لا تُجيبُ بالتَّلبيَةِ، وإذا خاطَبَها أو كلَّمَها .. لا تُجيبُه بكَلامٍ جَميلٍ. و (ظُهورُ أمارَتَه بالفِعلِ): هو أنْ يكونَ مِنْ عادتِه إذا دَعاها إلى الفِراشِ .. أجابَتِه باشَّةً طَلِقَةَ الوَجهِ، ثمَّ صارَتْ بعدَ ذلكَ تأتيهِ مُتكَرِّهةً، أو كانَ مِنْ عادَتِها إذا دَخلَ إليها .. قامَتْ لهُ وخدَمَتْه، ثمَّ صارَتْ لا تقوُمُ لهُ ولَا تَخدِمهُ. فإذا ظهَرَ له ذلكَ منها .. فإنَّه يَعِظُها، ولا يَهجُرُها ولا يَضرِبُها؛ لأنَّه يُحتمَلُ أنْ يكونَ هذا النُّشوزُ بِفِعلهِ فيما بعدُ، ويُحتَملُ أنْ يكونَ لِضيقِ صدرٍ مِنْ غيرِ جهةِ الزَّوجِ أو لِشُغلِ قلبٍ. ويُذكِّرُها بما رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دعَا الرَّجلُ امرأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ فلمْ تأتِهِ فباتَ غَضبانَ عليها لعَنَتْها الملائِكةُ حتَّى تُصبِحَ» (١). وعن طَلْقِ بنِ عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا الرَّجلُ دعَا زوْجتَه لحاجتِهِ فلْتأتِه وإنْ كانت على التّنُّورِ» (٢).

стр. 9861

وعن أَبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا دعَا الرَّجلُ امرَأتَهُ إلى فِراشِه فأبَتْ أنْ تَجيءَ لعَنَتْها الملائكةُ حتى تُصبِحَ» (١). وفي رِوايةٍ: «إذا باتَتْ المرأةُ مُهاجِرةً فِراشَ زوْجِها لعَنَتْها الملائكةُ حتى تَرجعَ» (٢). وفي رِوايةٍ: «والَّذي نَفسِي بيدِه ما مِنْ رَجلٍ يَدعو امرَأتَهُ إلى فِراشِها فتأَبَى عليهِ إلَّا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخطًا عليها حتى يَرضَى عنها» (٣) (٤). وأمَّا الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ فنَصُّوا على أنَّ الوعظَ إنِّما يكونُ للزَّوجةِ إذا نشَزَتْ فِعلًا (٥).

стр. 9862

الحالةُ الثَّانيةُ: الهَجرُ: الهَجرُ ضِدُّ الوَصلِ، والتَّهاجُرُ التَّقاطعُ. لا خِلافَ بَينَ الفُقهاءِ على أنهُ يَجوزُ للزَّوجِ إذا نشَزَتِ امرَأتُه أنْ يَهجُرُها؛ لِقَوله تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الهَجرِ المَشروعِ متَى يَكونُ؟ وما هوَ الغايةُ منه؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا نشَزَتْ ولم تُطِعْ زوْجَها فيما يلزَمُ طاعتُه فيَعظُها أوَّلًا على الرِّفقِ واللِّينِ، فإنْ نَجعَتْ فيها المَوعظةُ ورجَعَتْ إلى الفِراشِ وإلَّا هجَرَها (١). وذهَبَ الشَّافعيَّةُ والحَنابلةُ أنهُ إنْ تحقَّقَ نُشوزُها وأصَرَّتْ بعدَ وعظِها، بأنْ تَعصيَه وتَمتنِعَ مِنْ فِراشِه أو تَخرجَ مِنْ مَنزلِه بغيرِ إذنِه، ففِي هذهِ الحالَةِ يَعظُها ويَهجرُها؛ لظاهِرِ الآيةِ، ولأنَّ في الهَجرِ أثَرًا ظاهِرًا في تأديبِ النِّساءِ.

стр. 9863

قالَ الشَّافعيةُ في الأظهَرِ: وإنَّما لم يَضربْها في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الجنايةَ لم تتأكَّدْ، فقدْ يكونُ ما اتَّفقَ لها لعارِضٍ قَريبِ الزَّوالِ. قالَ النَّوويِّ ﵀: الأظهرُ: يَضربُ إنْ شاءَ، بشَرطِ أنْ يَعلمَ إفادةَ الضَّربِ كما هو ظاهِرُ القرآنِ (١). كَيفيةُ الهَجرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ اختِلافًا كَبيرًا في كيفيَّةِ الهَجرِ المذكورِ في قَولِه تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]: فالحنفيَّةُ اختَلفُوا في كيفيَّةِ الهَجرِ على أقوالٍ: قيلَ: يَهجرُها بأنْ لا يُجامِعَها ولا يُضاجِعَها على فِراشِه. وقيلَ: يَهجرُها بأنْ لا يُكلِّمَها في حالِ مُضاجَعتِه إيَّاها، لا أنْ يَتركَ جِماعَها ومُضاجَعتَها؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ مشتَرَكٌ بينَهُما، فيكونُ في ذلكَ عليهِ مِنْ الضَّررِ ما علَيها، فلا يؤدِّبُها بما يَضرُّ بنَفسِه ويُبطِلُ حقَّهُ. وقِيلَ: يَهجرُها بأنْ يُفارِقَها في المَضجعِ ويُضاجِعَ أخرَى في حقِّها

стр. 9864

وقَسْمِها؛ لأنَّ حقَّها عليهِ في القَسْمِ في حالِ المُوافَقةِ وحِفظِ حُدودِ اللهِ تعالَى، لا في حالِ التَّضييعِ وخَوفِ النُّشوزِ والتَّنازعِ. وقيلَ: يَهجرُها بتَركِ مُضاجَعتِها وجِماعِها لوَقتِ غَلبةِ شَهوتِها وحاجتِها، لا في وَقتِ حاجتِهِ إليها؛ لأنَّ هذا للتَّأديبِ والزَّجرِ، فيَنبغي أنْ يُؤدِّبَها لا أنْ يُؤدِّبَ نفْسَه بامتِناعِه عنِ المُضاجَعةِ في حالِ حاجتِه إليها (١). وكَيفيةُ الهَجرِ عندَ المالِكيةِ: أنْ يَتجنَّبَها في المَضجعِ، فلا يَنامُ معها في فِراشٍ؛ لَعلَّها أنْ تَرجعَ عمَّا هيَ عليهِ مِنْ المُخالَفةِ. وغايتُه شَهرٌ، ولا يَبلغُ بهِ الأربعةَ أشهرٍ الَّتي للمُولِي (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: المُرادُ أنْ يَهجرَ فِراشَها، فلا يُضاجِعَها في فِراشٍ واحِدٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقيلَ: هوَ تَركُ الوَطءِ. وقيلَ: هو أنْ يقولَ لها هَجرًا، أي: إغلاظًا في القَولِ. وقيلَ: هو أنْ يَربطَها بالهِجَارِ، وهوَ حبلٌ يُربَطُ فيه البَعيرُ الشَّاردُ. وأمَّا الهِجرانُ في الكَلامِ فلا يَجوزُ الهَجرُ بهِ، لا للزَّوجةِ ولا لغيرِها فَوقَ ثَلاثةِ أيامٍ، ويَجوزُ فيها؛ للحَديثِ الصَّحيحِ: «لا يَحلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ

стр. 9865

فَوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ» (١)، وفي لَفظٍ: «لا يَحلُّ لمُسلِمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثلاثٍ، فمَن هجَرَ فوقَ ثلاثٍ فماتَ دخَلَ النَّارَ» (٢). وهل هُجرانُها في الكَلامِ حَرامٌ أم مَكروهٌ؟ في وَجهانِ عنِ الإمامِ، قالَ الإمامُ: وعندي أنهُ لا يَحرمُ الامتناعُ مِنْ الكَلامِ أبدًا، نعمْ إذا كلَّمَ فعليهِ أنْ يُجيبَ كجَوابِ السَّلامِ وابتِدائِه، قالَ الرَّافعيُّ: ولمَن قالَ بالتَّحريمِ أنْ يَقولَ: لا منْعَ مِنْ تَركِ الكَلامِ بلا قَصدٍ، أمَّا إذا قصَدَ الهِجرانَ فحَرامٌ، كما أنَّ الطِّيبَ ونَحوَه إذا ترَكَه الإنسانُ بلا قَصدٍ لا يأثَمُ، ولو قصَدَ بتَركِه الإحدادَ أَثِمَ، وحُكِيَ عنِ الشَّافعيِّ أنهُ لو هجَرَها بالكَلامِ لم يَزِدْ على ثلاثةِ، فإنْ زادَ أَثِمَ، قالَ ابنُ الرِّفعةِ: ومَحلُّ الخِلافِ فَوقُ الثَّلاثِ، أمَّا الثَّلاثُ فلا يَحرمُ قَطعًا. قالَ النَّوويُّ: الصَّوابُ الجَزمُ بتَحريمِ الهِجرانِ فيما زادَ على ثلاثةِ أيامٍ، وعَدمُ التَّحريمِ في الثَّلاثِ؛ للحَديثِ الصَّحيحِ: «لا يَحِلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثَلاثٍ». وهذا في الهِجرانِ لغيرِ عُذرٍ شَرعيٍّ، فإنْ كانَ عُذرٌ بأنْ كانَ المَهجورُ مَذمومَ الحالِ لبِدعةٍ أو فِسقٍ أو نَحوِهما، أو كانَ فيهِ صَلاحٌ لدِينِ الهاجِرِ أو المَهجورِ فلا يَحرمُ، وعلى هذا يُحمَلُ ما ثبَتَ مِنْ هَجرِ النبيِّ ﷺ

стр. 9866

كَعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيهِ ونَهيه ﵊ الصَّحابةَ عن كَلامِهم، وكذا ما جاءَ مِنْ هُجرانِ السَّلفِ بعضَهم بعضًا. وهُجرانُ المُسلمِ حرامٌ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وهذا إذا كانَ الهَجرُ لحُظوظِ النَّفسِ وتَعقُّباتِ أهلِ الدُّنيا، فأما إذا كانَ المَهجورُ مُبتدِعًا أو مُتَجاهِرًا بالظُّلمِ أو الفِسقِ فلا تَحرمُ مُهاجَرتُه أبدًا، وكذا إذا كانَ في المُهاجَرةِ مَصلحةٌ دِينيةٌ (١). وقالَ الحَنابلةُ: الهَجرُ هو أنْ يَهجُرَها في فِراشِها، فلا يُضاجِعَها فيهِ ما شاءَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «لا تُضاجِعْها في فِراشِكَ» (٢)؛ لأنَّ القُرآنَ مُطلَقٌ، فلا يُقيَّدُ بغَيرِ دَليلٍ، وقد «هجَرَ النبيُّ ﷺ نِساءَه، فلَم يَدخلْ عَليهنَّ شَهرًا» (٣). فأمَّا الهِجرانُ في الكَلامِ فلا يَجوزُ أكثَرَ مِنْ ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لمَا روى أبو هُريرةَ قالَ: قالَ رُسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ» (٤).

стр. 9867

وقيلَ: يَهجُرُها في الفِراشِ، فإنْ أضافَ إليهِ الهَجرَ في الكَلامِ ودُخولَه وخُروجَه عليها جازَ معَ الكَراهةِ (١). الحالةُ الثَّالثةُ: الضَّربُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا نشَزَتْ وأصَرَّتْ على النُّشوزِ وكانَ زَوجُها قد وعَظَها وهجَرَها جازَ له أنْ يَضربَها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في الضَّربِ أنْ لا يَكونَ مُبرحًا ولا شائِنًا ولا كاسِرًا ولا خادِشًا؛ لقَولِه ﷺ : «فإنْ فعَلْنَ ذلكَ فاضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ» (٢). وفي رِوايةٍ: «فإنْ فعَلْنَ فاهجُرُوهنَّ في المَضاجِعِ واضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، فإنْ أطَعْنَكمْ فلا تَبغُوا عليهنَّ سَبيلًا» (٣).

стр. 9868

قالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِي ﵀: وقدْ أجمَعَ الجَميعُ على إباحةِ الضَّربِ الَّذي نصَّه اللهُ تعالَى في كتابِه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَضربَ زوْجتَه إنْ نشَزَتْ بعدَ أنْ يَعظَها ويَهجرَها في المَضجَعِ (٢). وأمَّا الضَّربُ المُبرحُ فهو الضَّربُ الشَّديدُ الشَّاقُ، ومعنَى الحديثِ: (اضرِبُوهنَّ ضَربًا ليسَ بشَديدٍ ولا شاقٍ)، والبَرْحُ المَشقَّةُ، والمُبَرِّحُ بضَمِّ الميمِ وفتحِ المُوحَّدةِ وكَسرِ الراءِ. وصرَّحَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إنْ غلَبَ على ظَنِّه أنها لا تَتركُ النُّشوزُ إلَّا بضَربٍ مَخُوفٍ مُبرحٍ لم يَجُزْ تَعزيرُها بهِ، زادَ المالِكيةُ أنَّه إنْ ضرَبَها ضَربًا مُبرحًا فلها التَّطليقُ عليهِ بالتَّعدِّي إذا ثبَتَ وإنْ لم يَتكرَّرِ التَّعدِّي منهُ عليها وإنْ كانَتْ صغيرَةً وسَفيهةً، ولا كَلامَ لوَليِّها في ذلكَ (٣). وقَد صرَّحَ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الأفضَلَ تَركُ الضَّربِ.

стр. 9869

إلَّا أنهُم اختَلفُوا هُنا في مَواضِعَ: ١ - صِفةُ الضَّربِ: قالَ الحَنفيةُ: الضَّربُ المَنهيُّ هو الضَّربُ المُبرحُ لا غيرُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «فإنْ فعَلْنَ ذلكَ فاضرِبُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ» (١)، فيَضربُها ضَربًا غيرَ مُبرحٍ ولا شائِنٍ، إلَّا أنَّه إنْ تَعدَّى ضَمنَ كما سَيأتي. وكذلكَ إذا ارتكَبَتْ مَحظورًا سِوى النُّشوزِ ليسَ فيهِ حَدٌّ مُقدَّرٌ فللزَّوجِ أنْ يُؤدِّبَها تَعزيرًا لها؛ لأنَّ للزَّوجِ أنْ يُعزِّرَ زوْجتَه كما للمَولَى أنْ يُعزِّرَ مَملوكَه (٢). وقالَ المالِكيةُ: صِفةُ الضَّربِ أنْ يكونَ غيرَ مُبرحٍ، وهو الَّذي لا يَكسرُ عَظمًا ولا يَشِينُ جارِحةً كاللَّكزةِ ونحوِها، فإنَّ المَقصودَ منهُ الصَّلاحُ لا غيرُ، وإذا أدَّى إلى الهَلاكِ وجَبَ الضَّمانُ. قالَ الحطَّابُ ﵀: وفي المَسائلِ المَلقوطةِ: مَنْ ضرَبَ امرَأتَه عمْدًا قَضَى عليهِ بما جَرَى مِنْ حقٍّ، وهو يَختلفُ باختِلافِ البُلدانِ. وسُئلَ أبو مُحمدٍ عمَّن ضرَبَ زوْجتَه ثمَّ اصطَلحَا بعَطاءٍ فهو لهُ لازِمٌ، فهذا يَدلُّ على أنَّ لها حَقًّا (٣).

стр. 9870

وقالَ الشَّافعيةُ: يُشترطُ أنْ لا يَضربَها ضَربًا مُبرحًا ولا مُدْمِيًا ولا مُزمِنًا، ويتَّقِي الوَجهَ. ف (المُبرحُ): الفادِحُ الَّذي يُخشَى تلَفُ النَّفسِ منهُ أو تَلفُ عُضوٍ. و (المُدمِي): الَّذي يَجرحُ فيَخرجُ الدَّمُ. و (المُزمنُ): أنْ يُوالي الضَّربَ على مَوضعٍ واحِدٍ؛ لأنَّ القَصدَ منهُ التَّأديبُ. ويَتوقَّى الوجهَ؛ لأنَّه مَوضعُ مَجمعِ المَحاسِنِ، ويَتوقَّى المَواضِعَ المَخوفةَ. ولا يَضربُ نحوَ نَحيفةٍ لا تُطيقُه وقد يُستغنَى عنهُ، ولا أنْ يَبلغَ ضرْبَ حرَّةٍ أربعِينَ، وغيْرَها عِشرينَ؛ لأنها كحَدِّ الخَمرِ أقَلِّ حُدودِ الحَدِّ. وقيلَ: الضَّربُ إنَّما يكونَ بِمنديلٍ مَلفوفٍ أو بيَدِه. فإنْ ضرَبَها الضَّربَ المأذونَ فيه فماتَتْ منهُ وجَبَتْ ديَتُها على عاقِلةِ الضَّاربِ ووجَبَتِ الكفَّارةُ في مالِهِ. وليسَ للزَّوجِ أنْ يَضربَ زوْجتَه على غيرِ النُّشوزِ، بقَذفِها له أو لغَيرِه؛ لأنَّ ذلكَ إلى الحاكِمِ، والفَرقُ بينَهُما أنَّ النُّشوزَ لا يُمكِنُه إقامَةُ البيِّنةِ عليهِ، بخِلافِ سائِرِ جِناياتِها (١).

стр. 9871

وقالَ الحَنابلةُ: يَضربُها ضَربًا غيرَ شَديدٍ بعَشرةِ أسواطٍ لا فَوقَها؛ لحَديثِ: «لا يَجلدُ أحَدُكم فَوقَ عَشرةِ أسواطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ تعالَى» (١). ويَجتَنبُ الوجهَ والمَواضِعَ المَخوفةَ والمُستحسَنةَ لئلَّا يُشوِّهَها؛ لأنَّ القَصدَ التَّأديبُ لا الإتلافُ، ولقَولِه ﷺ : «ولا تَضربِ الوجهَ، ولا تُقبِّحْ، ولا تَهجرْ إلَّا في البَيتِ» (٢). وقالَ أحمَدُ في الرَّجلِ يَضربُ امرأتَهُ: «لا يَنبغِي لأحَدٍ أنْ يَسألَه ولا أبَوها: لِمَ يَضربُها؟». وقيلَ: يَضربُها بدُرَّةٍ أو مِخراقٍ -وهوَ مَنديلٌ مَلفوفٌ- لا بسَوطٍ ولا بخشَبٍ؛ لأنَّ المَقصودَ التَّأديبُ وزَجرُها، فيَبدأَ فيهِ بالأسهَلِ فالأسهلِ، فإنْ تَلفَتْ مِنْ ذلكَ فلا ضَمانَ عليهِ؛ لأنهُ مأذونٌ فيهِ شَرعًا. ويُمنعُ مِنْ ضَربِها إنْ كانَ مانِعًا لحَقِّها حتَّى يُوفِّيَه؛ لأنَّه يكونُ ظالِمًا بطَلبِه حقَّه معَ مَنعِه حقَّها (٣). ٢ - عدمُ إفادَةِ الضَّربِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّه إذا لم يُفِدِ الضَّربُ وعَلِمَ الزَّوجُ أنَّه لا يُفيدُ فيَحرمُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها.

стр. 9872

قالَ الحَنفيةُ: إنْ نفَعَ الضَّربُ ضرَبَ، وإلَّا رفَعَ الأمرَ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمَينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، وسَبيلُ هذا سَبيلُ الأمرِ بالمَعروفِ والنِّهيِ عنِ المُنكَرِ في حَقِّ سائرِ النَّاسِ أنَّ الآمِرَ يَبدأُ بالمَوعِظةِ على الرِّفقِ واللِّينِ دُونَ التَّغليظِ في القَولِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا غلَّظَ القولَ بهِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا بسَطَ يَدَه فيهِ (١). وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ الضَّربُ إلَّا إذا ظَنَّ إفادَتَه، فإنْ ظَنَّ عدَمَ إفادَتَه فلا يَجوزُ له ضَربُها؛ لأنَّ الضَّربَ وسيلةٌ إلى صَلاحِ الحالِ، والوَسيلةُ عندَ عدمِ مَقصودِها غيرُ مَشروعةٍ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: إذا عَلِمَ أنَّ الضَّربَ لا يُفيدُ حَرُمَ الضَّربُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها (٣). ٣ - هلِ الأَولَى الضَّربُ أم عدَمُه؟ نَصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الأفضَلَ تَركُ الضَّربِ؛ إبقاءً للمَودَّةِ،

стр. 9873

ولِمَا رُويَ عَنْ إيَاس بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبِي ذبابٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَضرِبوا إمَاءَ اللهِ»، فَجاءَ عمَرُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: ذَئِرْنَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ، فرخَّصَ في ضَربِهنَّ، فأَطافَ بآلِ رَسولِ اللهِ ﷺ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لقدْ طافَ بآلِ مُحمدٍ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ ليسَ أُولئكَ بخِيارِكُمْ» (١)، وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على أنَّ الأَولى العَفوُ عنِ الضَّربِ، أو أنَّ الضَّربَ بغيرِ سَببٍ يَقتضيهِ لا على النَّسخِ؛ إذ لا يُصارُ إلى النَّسخِ إلَّا إنْ تعذَّرَ الجَمعُ وعَلِمْنا التَّاريخَ. قالَ العَمرانِيُّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الحَديثَ: فإذا قُلنا: يَجوزُ نَسخُ السُّنةِ بالكِتابِ .. فيَحتملُ أنْ يكونَ النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْ ضَربِهنَّ، ثمَّ نسَخَ الكِتابُ السُّنةَ بقَولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ثمَّ أَذِنَ رَسولُ اللهِ ﷺ في ضَربِهنِّ مُوافِقًا للكِتابِ، غيرَ أنَّه بيَّنَ أنْ ترْكَه أَولى بقَولِه: «ومَا تَجدُونَ أولئكَ بخِيارِكُم». وإنْ قُلنا: إنَّ نسْخَ السُّنةِ لا يَجوزُ بالكِتابِ .. احتَملَ أنْ يكونَ النَّهيُّ عَنْ ضَربِهنَّ مُتقدِّمًا، ثمَّ نسَخَه النَّبيُّ ﷺ وأَذِنَ في ضَربِهنَّ، ثمَّ ورَدَ الكِتابُ مُوافِقًا للسُّنةِ في ضَربِهنَّ. ومعنَى قولَهِ: «ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجِهِنَّ» أي: اجْتَرأْنَ على أزواجِهِنِ (٢).

стр. 9874

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀ بعد أنْ ذكَرَ الحديثَ: فإنْ قيلَ: «فكيفَ يَترتَّبُ هذانِ الخبَرانِ معَ الآيةِ، وليسَ بصَحيحٍ على مَذهبِ الشَّافعيِّ أنْ يَنسخَ القُرآنَ السُّنةُ» فلِأصحابِنا عن ذلكَ ثلاثةُ أجوِبةٍ: أحَدُها: أنَّ ما جاءَتْ بهِ الآيةُ والخبَرُ مِنْ إباحةِ الضَّربِ فوارِدٌ في النُّشوزِ، وما ورَدَ به الخبَرُ الآخَرُ مِنْ النَّهيِ عنِ الضَّربِ ففِي غيرِ النُّشوزِ، فأباحَ الضَّربَ مع وُجودِ سبَبِه ونهَى عنهُ مع ارتِفاعِ سبَبِه، وهذا مُتفِقٌ لا يُعارِضُ بَعضُه بعضًا. والثَّاني: أنَّه أباحَ الضَّربَ جَوازًا ونهَى عنهُ اختِيارًا، فيَكونُ الضَّربُ وإنْ كانَ مُباحًا بالإذنِ فيهِ فتَركُه أَولى؛ للنَّهيِ عنهُ، ولا يكونُ ذلكَ مُتنافِيًا ولا ناسِخًا ومَنسوخًا. والثَّالثُ: أنَّ خبَرَ النَّهيِ عنِ الضَّربِ مَنسوخٌ بخبَرِ عُمرَ الواردِ بإباحتِهِ، ثمَّ جاءَتِ الآيةُ مبيِّنةً لسبَبِ الإباحةِ، فكانَتِ السُّنةُ ناسِخةً للسُّنةِ، والكِتابُ مُبيِّنًا لم يَنسخِ الكِتابُ السُّنةَ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسي ﵀: نهَى النبيُّ ﷺ عن ضَربِ النِّساءِ وأمَرَ بضَربِهنَّ، ومُحالٌ أنْ يكونَ الضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ هو الَّذي أمَرَ

стр. 9875

به، فالضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ ما كانَ الضارِبُ فيهِ مُتعدِّيًا، والضَّربُ الَّذي أمَرَ بهِ تأدِيبُ الرَّجلِ أهلَه فيما يَجبُ له تأديبُها، وفيهِ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فأمَرَ بضَربِهنَّ إذا خِيفَ النُّشوزُ مِنهنَّ، ولم يَجعلْ لضَربِهنَّ حَدًّا لا تَجوزُ مُجاوَزتُه، ونهيُه عن ضَربِ النِّساءِ، وما رُويَ عنهُ مِنْ قَولِه: «ولا تَجدُونَ أولئِكُم خِيارَكم» نهيًا منهُ عن الضَّربِ الَّذي يكونُ به الضَّاربُ مُتعدِّيًا. وقدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَضربَ امرأتَه فيما ذكَرْنا، فدلَّ بذلكَ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنِ الضَّربِ الَّذي هذهِ صِفتُه (١). ٤ - هلْ يُشتَرطُ تَكرارُ نُشوزِ الزَّوجةِ حتَّى يُشرَعَ للزَّوجِ ضَربُ زوْجتِه؟ اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ لجوازِ ضَربِ المَرأةِ النَّاشِزةِ أنْ يتكرَّرَ منها النُّشوزُ؟ أم يَجوزُ الضَّربُ ولو نشَزَتْ مرَّةً واحدةً؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ وبعضُ الشافعيَّةِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يُشتَرطُ تَكرارُ نشوزِ المرأةِ حتَّى يَجوزَ ضربُها؛ لِقولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأنها صرَّحَتْ بالمَنعِ فكانَ لهُ ضربُها كما لو أصرَّتْ، ولأنَّ عقُوباتِ المَعاصِي لا تَختلفُ بالتَّكرارِ وعَدمِه كالحُدودِ. وذهَبَ الشافعيَّةُ في المَذهبِ والخِرَقيُّ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يُشترطُ تَكرارُ النُّشوزِ، فإنْ تحقَّقَ نُشوزُ الزَّوجةِ ولكنْ لم يَتكرَّرْ لم يَجُزْ لهُ ضربُها؛
следующие страницы →