وقالَ الحَنابلةُ: يَضربُها ضَربًا غيرَ شَديدٍ بعَشرةِ أسواطٍ لا فَوقَها؛ لحَديثِ: «لا يَجلدُ أحَدُكم فَوقَ عَشرةِ أسواطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ تعالَى» (١).
ويَجتَنبُ الوجهَ والمَواضِعَ المَخوفةَ والمُستحسَنةَ لئلَّا يُشوِّهَها؛ لأنَّ القَصدَ التَّأديبُ لا الإتلافُ، ولقَولِه ﷺ : «ولا تَضربِ الوجهَ، ولا تُقبِّحْ، ولا تَهجرْ إلَّا في البَيتِ» (٢).
وقالَ أحمَدُ في الرَّجلِ يَضربُ امرأتَهُ: «لا يَنبغِي لأحَدٍ أنْ يَسألَه ولا أبَوها: لِمَ يَضربُها؟».
وقيلَ: يَضربُها بدُرَّةٍ أو مِخراقٍ -وهوَ مَنديلٌ مَلفوفٌ- لا بسَوطٍ ولا بخشَبٍ؛ لأنَّ المَقصودَ التَّأديبُ وزَجرُها، فيَبدأَ فيهِ بالأسهَلِ فالأسهلِ، فإنْ تَلفَتْ مِنْ ذلكَ فلا ضَمانَ عليهِ؛ لأنهُ مأذونٌ فيهِ شَرعًا.
ويُمنعُ مِنْ ضَربِها إنْ كانَ مانِعًا لحَقِّها حتَّى يُوفِّيَه؛ لأنَّه يكونُ ظالِمًا بطَلبِه حقَّه معَ مَنعِه حقَّها (٣).
٢ - عدمُ إفادَةِ الضَّربِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّه إذا لم يُفِدِ الضَّربُ وعَلِمَ الزَّوجُ أنَّه لا يُفيدُ فيَحرمُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها.
стр. 9872
قالَ الحَنفيةُ: إنْ نفَعَ الضَّربُ ضرَبَ، وإلَّا رفَعَ الأمرَ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمَينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، وسَبيلُ هذا سَبيلُ الأمرِ بالمَعروفِ والنِّهيِ عنِ المُنكَرِ في حَقِّ سائرِ النَّاسِ أنَّ الآمِرَ يَبدأُ بالمَوعِظةِ على الرِّفقِ واللِّينِ دُونَ التَّغليظِ في القَولِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا غلَّظَ القولَ بهِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا بسَطَ يَدَه فيهِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ الضَّربُ إلَّا إذا ظَنَّ إفادَتَه، فإنْ ظَنَّ عدَمَ إفادَتَه فلا يَجوزُ له ضَربُها؛ لأنَّ الضَّربَ وسيلةٌ إلى صَلاحِ الحالِ، والوَسيلةُ عندَ عدمِ مَقصودِها غيرُ مَشروعةٍ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: إذا عَلِمَ أنَّ الضَّربَ لا يُفيدُ حَرُمَ الضَّربُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها (٣).
٣ - هلِ الأَولَى الضَّربُ أم عدَمُه؟
نَصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الأفضَلَ تَركُ الضَّربِ؛ إبقاءً للمَودَّةِ،
стр. 9873
ولِمَا رُويَ عَنْ إيَاس بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبِي ذبابٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَضرِبوا إمَاءَ اللهِ»، فَجاءَ عمَرُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: ذَئِرْنَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ، فرخَّصَ في ضَربِهنَّ، فأَطافَ بآلِ رَسولِ اللهِ ﷺ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لقدْ طافَ بآلِ مُحمدٍ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ ليسَ أُولئكَ بخِيارِكُمْ» (١)، وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على أنَّ الأَولى العَفوُ عنِ الضَّربِ، أو أنَّ الضَّربَ بغيرِ سَببٍ يَقتضيهِ لا على النَّسخِ؛ إذ لا يُصارُ إلى النَّسخِ إلَّا إنْ تعذَّرَ الجَمعُ وعَلِمْنا التَّاريخَ.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الحَديثَ: فإذا قُلنا: يَجوزُ نَسخُ السُّنةِ بالكِتابِ .. فيَحتملُ أنْ يكونَ النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْ ضَربِهنَّ، ثمَّ نسَخَ الكِتابُ السُّنةَ بقَولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ثمَّ أَذِنَ رَسولُ اللهِ ﷺ في ضَربِهنِّ مُوافِقًا للكِتابِ، غيرَ أنَّه بيَّنَ أنْ ترْكَه أَولى بقَولِه: «ومَا تَجدُونَ أولئكَ بخِيارِكُم».
وإنْ قُلنا: إنَّ نسْخَ السُّنةِ لا يَجوزُ بالكِتابِ .. احتَملَ أنْ يكونَ النَّهيُّ عَنْ ضَربِهنَّ مُتقدِّمًا، ثمَّ نسَخَه النَّبيُّ ﷺ وأَذِنَ في ضَربِهنَّ، ثمَّ ورَدَ الكِتابُ مُوافِقًا للسُّنةِ في ضَربِهنَّ.
ومعنَى قولَهِ: «ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجِهِنَّ» أي: اجْتَرأْنَ على أزواجِهِنِ (٢).
стр. 9874
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀ بعد أنْ ذكَرَ الحديثَ: فإنْ قيلَ: «فكيفَ يَترتَّبُ هذانِ الخبَرانِ معَ الآيةِ، وليسَ بصَحيحٍ على مَذهبِ الشَّافعيِّ أنْ يَنسخَ القُرآنَ السُّنةُ» فلِأصحابِنا عن ذلكَ ثلاثةُ أجوِبةٍ:
أحَدُها: أنَّ ما جاءَتْ بهِ الآيةُ والخبَرُ مِنْ إباحةِ الضَّربِ فوارِدٌ في النُّشوزِ، وما ورَدَ به الخبَرُ الآخَرُ مِنْ النَّهيِ عنِ الضَّربِ ففِي غيرِ النُّشوزِ، فأباحَ الضَّربَ مع وُجودِ سبَبِه ونهَى عنهُ مع ارتِفاعِ سبَبِه، وهذا مُتفِقٌ لا يُعارِضُ بَعضُه بعضًا.
والثَّاني: أنَّه أباحَ الضَّربَ جَوازًا ونهَى عنهُ اختِيارًا، فيَكونُ الضَّربُ وإنْ كانَ مُباحًا بالإذنِ فيهِ فتَركُه أَولى؛ للنَّهيِ عنهُ، ولا يكونُ ذلكَ مُتنافِيًا ولا ناسِخًا ومَنسوخًا.
والثَّالثُ: أنَّ خبَرَ النَّهيِ عنِ الضَّربِ مَنسوخٌ بخبَرِ عُمرَ الواردِ بإباحتِهِ، ثمَّ جاءَتِ الآيةُ مبيِّنةً لسبَبِ الإباحةِ، فكانَتِ السُّنةُ ناسِخةً للسُّنةِ، والكِتابُ مُبيِّنًا لم يَنسخِ الكِتابُ السُّنةَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسي ﵀: نهَى النبيُّ ﷺ عن ضَربِ النِّساءِ وأمَرَ بضَربِهنَّ، ومُحالٌ أنْ يكونَ الضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ هو الَّذي أمَرَ
стр. 9875
به، فالضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ ما كانَ الضارِبُ فيهِ مُتعدِّيًا، والضَّربُ الَّذي أمَرَ بهِ تأدِيبُ الرَّجلِ أهلَه فيما يَجبُ له تأديبُها، وفيهِ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فأمَرَ بضَربِهنَّ إذا خِيفَ النُّشوزُ مِنهنَّ، ولم يَجعلْ لضَربِهنَّ حَدًّا لا تَجوزُ مُجاوَزتُه، ونهيُه عن ضَربِ النِّساءِ، وما رُويَ عنهُ مِنْ قَولِه: «ولا تَجدُونَ أولئِكُم خِيارَكم» نهيًا منهُ عن الضَّربِ الَّذي يكونُ به الضَّاربُ مُتعدِّيًا.
وقدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَضربَ امرأتَه فيما ذكَرْنا، فدلَّ بذلكَ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنِ الضَّربِ الَّذي هذهِ صِفتُه (١).
٤ - هلْ يُشتَرطُ تَكرارُ نُشوزِ الزَّوجةِ حتَّى يُشرَعَ للزَّوجِ ضَربُ زوْجتِه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ لجوازِ ضَربِ المَرأةِ النَّاشِزةِ أنْ يتكرَّرَ منها النُّشوزُ؟ أم يَجوزُ الضَّربُ ولو نشَزَتْ مرَّةً واحدةً؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ وبعضُ الشافعيَّةِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يُشتَرطُ تَكرارُ نشوزِ المرأةِ حتَّى يَجوزَ ضربُها؛ لِقولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأنها صرَّحَتْ بالمَنعِ فكانَ لهُ ضربُها كما لو أصرَّتْ، ولأنَّ عقُوباتِ المَعاصِي لا تَختلفُ بالتَّكرارِ وعَدمِه كالحُدودِ.
وذهَبَ الشافعيَّةُ في المَذهبِ والخِرَقيُّ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يُشترطُ تَكرارُ النُّشوزِ، فإنْ تحقَّقَ نُشوزُ الزَّوجةِ ولكنْ لم يَتكرَّرْ لم يَجُزْ لهُ ضربُها؛
стр. 9876
لأنَّ المَقصودَ زجرُها عن المعصيةِ في المُستقبَلِ، وما هذا سَبيلهُ يُبدأُ فيه بالأسهلِ فالأسهلِ، كمَن هُجِمَ مَنزلُه فأرادَ إخراجَه (١).
٥ - التَّرتيبُ في التَّأديبِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشافعيَّةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّرتيبَ واجبٌ، فلا يَجوزُ للزَّوجِ إذا نشَزَتْ زوْجتُه أنْ يَضربَها قبلَ أنْ يَعظَها أو يَهجرَها قبلَ أنْ يَعظَها كما ورَدَ في قولَهِ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
فيَبدأُ بالوعظِ، فإنْ لم يَنفعِ انتقلَ إلى الهَجرِ، فإنْ لم يَنفعِ انتَقلَ إلى الضَّربِ إنْ نفَعَ، وإلَّا فلا.
وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ للزَّوجِ أنْ يُؤدِّبَ زوْجتَه بما يراهُ، فيَجوزُ له ضربُها قبلَ وَعظِها وهَجرِها، ويجوزُ لهُ هَجرُها قبْلَ وعظِها.
стр. 9877
قالَ الحنفيَّةُ: للزَّوجِ وِلايةُ تَأديبِ زوْجتِه إذا كانَتْ ناشِزةً إذا لم تُطِعْه فيما يَلزمُ طاعتُه، لكنْ على التَّرتيبِ، فيَعظُها أوَّلًا على الرِّفقِ واللِّينِ، فإنْ نجَعَتْ فيها المَوعظةُ ورجَعَتْ إلى الفِراشِ وإلَّا هجَرَها، فإذا هجَرَها فإنْ تركَتِ النُّشوزَ وإلَّا ضرَبَها عندَ ذلكَ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ ولا شائِنٍ، والأصلُ فيهِ قولُهُ : ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
فظاهِرُ الآيةِ وإنْ كانَ بحَرفِ الواوِ المَوضوعةِ للجَمعِ المُطلَقِ لكنَّ المُرادَ منهُ الجَمعُ على سبيلِ التَّرتيبِ، والواوُ تَحتملُ ذلكَ، فإنْ نفَعَ الضَّربُ وإلَّا رفَعَ الأمرَ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمَينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
وسبيلُ هذا سبيلُ الأمرِ بالمَعروفُ والنَّهيِ عن المُنكَرِ في حقِّ سائِرِ النَّاسِ، أنَّ الآمِرَ يَبدأُ بالمَوعظةِ على الرِّفقِ واللِّينِ دونَ التَّغليظِ في القَولِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا غلَّظَ القولَ بهِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا بسَطَ يدَه فيهِ.
وكذلكَ إذا ارتكَبَتْ مَحظورًا سِوى النُّشوزِ ليسَ فيهِ حدٌّ مقدَّرٌ فللزَّوجِ أنْ يُؤدِّبَها تَعزيرًا لها؛ لأنَّ للزَّوجِ أنْ يُعزِّرَ زوْجتَه كما للمَولَى أنْ يُعزِّرَ مَملوكَه (١).
стр. 9878
وقالَ المالكيَّةُ: المرأةُ إذا نشَزَتْ مِنْ زوْجِها فإنهُ يَعظُها بأنْ يذكِّرَها أمورَ الآخرةِ وما يَلزمُها مِنْ طاعتِه، فإنْ لم تَمتثلْ فإنهُ يَهجرُها في مَضجعِها بأنْ يَبعُدَ عنها في المَضجعِ، فإنْ لم تَمتثلْ فإنهُ يَضربُها ضَربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وهو الَّذي لا يَكسرُ عَظمًا ولا يَشينُ جارِحةً، فإنْ غلَبَ على ظنِّهِ أنها لا تَتركُ النُّشوزَ إلَّا بضَربٍ مَخُوفٍ لم يَجُزْ تَعزيرُها، ولا يَنتقلُ إلى حالةٍ حتَّى يَغلبَ على ظنِّهِ أنَّ الَّتي قبْلَها لا تُفيدِ كما أفادَه العَطفُ، ويَفعلُ ما عدا الضَّربِ ولو لم يَظنَّ إفادتَهُ لَعلَّه يُفيدُ، بخِلافِ الضَّربِ فلا يَفعلُه إلَّا إذا ظَنَّ إفادتَه لشدَّتِه (١).
وقالَ الشافعيَّةُ: لِلمرأةِ ثلاثُ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: إذا وجَدَ مِنْ المرأةِ عَلاماتِ النُّشوزِ قَولًا أو فِعلًا بأنْ تُجيبَهُ بكَلامٍ خَشنٍ بعدَ أنْ كانَ ليِّنًا، أو يَجدَ مِنها إعراضًا وعُبوسًا بعدَ طَلاقةٍ ولُطفٍ، ففي هذهِ المَرتبةِ يَعظُها ولا يَضربُها ولا يَهجرُها.
الحالةُ الثَّانيَةُ: أنْ يَتحقَّقَ نُشوزَها لكنْ لا يَتكرَّرُ ولا يَظهرُ إصرارُها عليهِ، فيَعظُها ويَهجرُها.
وفي جوازِ الضَّربِ قَولانِ: رجَّحَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والمحامليُّ المَنعَ، وصاحِبَا «المُهذَّب» و «الشَّامل» الجوازَ.
стр. 9879
قالَ النَّوويُّ: قلتُ: رجَّحَ الرَّافِعيُّ في «المُحرَّر» المَنعَ، والمُوافِقُ لظاهِرِ القُرآنِ الجَوازُ، وهوَ المُختارُ، واللهُ أَعلَمُ.
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَتكرَّرَ وتُصرَّ عليهِ، فلهُ الهِجرانُ والضَّربُ بلا خِلافٍ، هذهِ هي الطريقةُ المُعتمَدةُ في المراتِبِ الثَّلاثِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وحكَى ابنُ كَجٍّ قَولًا في جَوازَ الهِجرانِ والضَّربِ عندَ خوفِ النُّشوزِ؛ لِظاهِرِ الآيةِ.
وحكَى الحَنَّاطيُّ في حالةِ ظُهورِ النُّشوزِ ثلاثةَ أقوالٍ:
أحَدُها: لهُ الوَعظُ والهِجرانُ والضَّربُ.
والثَّاني: يَتخيَّرُ بينَها ولا يَجمعُ.
والثَّالثُ: يَعظُها، فإنْ لم تتَّعظْ هجَرَها، فإنْ لم تَنزجِرْ ضرَبَها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا ظهَرَ منها أماراتُ النُّشوزِ بأنْ تَتثاقَلَ إذا دَعاها، أو تَتدافَعَ إذا دَعاها إلى الاستِمتاعِ، أو تُجيبَه مُتبَرِّمةً مُتكرِّهةً ويَختلَّ أدبُها في حقِّهِ وعَظَها، فإنْ رجَعَتْ إلى الطَّاعةِ والأدَبِ حرُمَ الهَجرُ والضَّربُ؛ لزَوالِ مُبيحِه، وإنْ أصَرَّتْ على ما تقدَّمَ وأظهَرَتِ النُّشوزَ بأنْ عصَتْه وامتنَعَتْ مِنْ إجابتِه إلى الفِراشِ أو خرَجَتْ مِنْ بَيتِه بغيرِ إذنِه ونحوِ ذلكَ هجَرَها في المضجَعِ ما شاءَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، وهجَرَها في الكلامِ ثلاثَةَ أيَّامٍ لا فَوقَها، فإنْ أصرَّتْ ولمْ تَرتدعْ بالهَجرِ فلهُ
стр. 9880
أنْ يَضربَها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فيكونُ الضَّربُ بعدَ الهَجرِ في الفِراشِ وتَركِها مِنْ الكَلامِ ثلاثةَ أيَّامٍ (١).
وقالَ ابنُ قدامَةَ ﵀: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقيِّ أنَّه ليسَ لهُ ضربُها في النُّشوزِ في أوَّلِ مرَّةٍ، وقد رُويَ عن أحمَدَ: «إذا عصَتِ المرأةُ زوْجَها فلهُ ضربُها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ»، فظاهِرُ هذا إباحةُ ضَربِها بأوَّلِ مرَّةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأنها صرَّحَتْ بالمَنعِ فكانَ لهُ ضربُها كما لو أصرَّتْ، ولأنَّ عقوباتِ المعاصِي لا تَختلفُ بالتَّكرارِ وعدَمِه كالحُدودِ، ووجهُ قولِ الخرقيِّ المَقصودُ زجرُها عنِ المَعصيةِ في المُستقبَلِ، وما هذا سَبيلُه يُبدأُ فيهِ بالأسهَلِ فالأسهَلِ، كمَن هُجِمَ مَنزلُه فأرادَ إخراجَهُ.
وأمَّا قَولُه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] ففيها إضمارٌ تَقديرُه: (والَّلاتي تَخافُونَ نُشوزَهنَّ فعِظُوهنَّ فإنْ نشَزْنَ فاهجُروهنَّ في المَضاجِعِ فإنْ أصرَرْنَ فاضرِبُوهنَّ) كمَا قالَ سُبحانَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، والَّذي يَدلُ على هذا أنَّه رتَّبَ هذهِ العُقوباتِ على خوفِ النُّشوزِ، ولا خِلافَ في أنهُ لا يَضربُها لخَوفِ النُّشوزِ قبْلَ إظهارِه، وللشَّافِعيِّ قولانِ كهذَينِ، فإنْ لم تَرتدعْ
стр. 9881
بالوَعظِ والهَجرِ فلهُ ضربُها؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] (١).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: وتَقديرُ الآيةِ الكريمةِ على هذا التَّقريرِ عندَ أبي مُحمَّدٍ: (والَّلاتي تَخافُونَ نُشوزَهنَّ فعِظُوهنَّ فإنْ نشَزْنَ فاهجُروهنَّ في المَضاجِعِ فإنْ أصرَرْنَ فاضرِبُوهنَّ) كآيةِ المُحارَبةِ، وفيهِ تَعسُّفٌ، ومُقتَضى كلامِ أبي البَركاتِ وأبي الخطَّابِ أنَّ الوعظَ والهِجرانَ والضَّربَ على ظُهورِ أماراتِ النُّشوزِ، لكنْ على جِهةِ التَّرتيبِ، قالَ المجدُ: إذا بانَتْ أماراتُه زجَرَها بالقولِ، ثمَّ يَهجرُها في المَضجعِ والكَلامِ دونَ ثلاثٍ، ثمَّ يَضربُ غيرَ مُبَرِّحٍ، وهذا ظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ، غايتُه أنَّ الواوَ وقَعَتْ للتَّرتيبِ؛ إمَّا لأنَّ ذلكَ مِنْ مُقتضاهُ، أو لدَليلٍ مِنْ خارجٍ، وهو أنَّ المَقصودَ زوالُ المَفسدةِ، فيُدفعُ بالأسهلِ فالأسهلِ، فلهُ أنْ يَضربَها ضَربًا غيرَ مُبرحٍ، فأجازَ ضرْبَها بمُجرَّدِ العِصيانِ، وهوَ مُقتضَى الحديثِ السَّابِقِ، وقد قالَه النَّبيُّ في خُطبتِه بعَرفةَ، ولو تَرتَّبَ الضَّربُ على الهِجرانِ لبيَّنُه؛ لأنَّه وقتُ حاجةٍ؛ لتفرُّقِ النَّاسِ ورُجوعِهم إلى أوطانِهم، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنهُ يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَضربَ زوْجتَه إنْ نشَزَتْ بعدَ أنْ يَعظَها ويَهجرَها في المضجَعِ.
واختَلفُوا هل يَجوزُ له ضربُها في أوَّلِ النُّشوزِ؟ فقالُوا: لا يَجوزُ،
стр. 9882
إلَّا الشَّافعي في أحَدِ قَولَيهِ: أنهُ يَجوزُ لهُ أنْ يَضربَها في أوَّلِ النُّشوزِ (١).
٦ - الضَّمانُ بضَربِ التَّأديبِ المُعتادِ للزَّوجةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ضرَبَ الزَّوجُ زوْجتَه الضَّربَ المُعتادَ فأدَّى إلى تلَفِها أو تَلفِ عضوٍ مِنها، هل يَضمنُها الزَّوجُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا ضرَبَ زوْجتَه وأدَّبَها التَّأديبَ المُعتادَ فتَلفَتْ وماتَتْ أو تَلفَ عضوٌ منها ضَمنَ الزَّوجُ ولا يَكونُ دمُها هَدَرًا؛ لأنَّ الضَّربَ مُباحٌ وليسَ واجِبًا، ومَنفعةُ الضَّربِ تَرجعُ إليهِ؛ لأنهُ ضَربُ تأديبٍ وتَعزيرٍ، فيَنبغِي أنْ لا يُؤدِّيَ إلى التَّلفِ، فيَجبُ الغُرمُ؛ لأنهُ تَبيَّنَ أنه إتلافٌ لا إصلاحٌ، فيَضمنُ ما تَلفَ بالضَّربِ مِنْ نَفسٍ أو عضوٍ أو مَنفعةٍ؛ لأنَّ ضرْبَ التَّأديبِ مَشروطٌ بسَلامةِ العاقِبةِ.
قالَ الحنفيَّةُ: الزَّوجُ إذا عزَّرَ زوْجتَه بالضَّربِ فماتَتْ يَجبُ عليهِ ضمانُ الدِّيةِ، ولا يَكونُ دمُها هَدَرًا؛ لأنَّ الضَّربَ مُباحٌ ومَنفعتُه تَرجعُ إليهِ كما تَرجعُ إلى المرأةِ مِنْ وجهٍ، وهو استِقامتُها على ما أمَرَ اللهُ تعالَى بهِ.
وقد ظهَرَ بهذا أنَّ كلَّ ضَربٍ كانَ مأمورًا بهِ مِنْ جهةِ الشَّارِعِ فإنَّ الضَّاربَ لا ضَمانَ عليهِ بمَوتِه، وكلُّ ضَربٍ كانَ مأذونًا فيهِ بدُونِ الأمرِ فإنَّ الضَّاربَ يَضمنُه إذا ماتَ؛ لتَقييدِه بشَرطِ السَّلامةِ، كالمُرورِ في الطَّريقِ
стр. 9883
والاصطِيادِ؛ إذا أُتلِفَ مِنْ ذلكَ الوجهِ شيءٌ يَلزمُ الضَّمانُ بكَونِه مُقيَّدًا (١).
وقالَ المالكيَّةُ: إذا أدَّى الضَّربُ إلى الهَلاكِ وجَبَ الضَّمانُ.
قالَ الحَطَّابُ ﵀: وفي المَسائِلِ المَلقوطَةِ: مَنْ ضرَبَ امرأتَهُ عمْدًا قضَى عليهِ بما جَرى مِنْ حقٍّ، وهوَ يَختلفُ باختِلافِ البُلدانِ.
وسُئلَ أبو مُحمدٍ عمَّن ضرَبَ زوْجتَه ثمَّ اصطلَحَا بعَطاءٍ فهو لهُ لازِمٌ، فهذا يدلُّ على أنَّ لها حقًّا (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: وحيثُ جازَ لهُ الضَّربُ فهو ضربُ تأديبٍ وتَعزيرٍ، ويَنبغِي أنْ لا يَكونَ مُدْمِيًا ولا مُبرحًا ولا مُهلِكًا ولا على الوَجهِ، فإنْ فعَلَ وأدَّى إلى تلفٍ وجَبَ الغُرمُ؛ لأنهُ تَبيَّنَ أنه إتلافٌ لا إصلاحٌ، فيَضمنُ ما تَلفَ بالضَّربِ مِنْ نَفسٍ أو عضوٍ أو مَنفعةٍ؛ لأنَّ ضرْبَ التَّأديبِ مَشروطٌ بسَلامةِ العاقِبةِ، ووجبَتْ ديَّتُها على عاقِلةِ الضَّاربِ، ووجَبَتِ الكفَّارةُ في مالِهِ (٣).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا أدَّبَ زوْجتَه التَّأديبَ المُعتادَ فأفْضَى التَّأديبُ إلى تَلفِها مِنْ ذلكَ فلا ضَمانَ عليهِ؛ لأنهُ مَأذونٌ فيهِ شَرعًا.
стр. 9884
وإنْ أسرَفَ في التَّأديبِ بأنْ زادَ فوقَ المُعتادِ أو زادَ على ما يَحصلُ بهِ المَقصودُ ضَمنَ؛ لأنهُ غَيرُ مأذونٍ في ذلكَ شَرعًا (١).
ثانيًا: نُشوزُ الزَّوجِ:
النُّشوزُ كما يكونُ مِنْ الزَّوجةِ فهو أيضًا يكونُ مِنْ الزَّوجِ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، ونُشوزُه هو تَرفُّعُه عليها لبُغضِه إيَّاها، مأخوذٌ مِنْ نَشزِ الأرضِ وهي المُرتفِعةُ.
ونُشوزُ الرَّجلِ لهُ حالاتانِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يتعدَّى عليها ويَمنعَها حُقوقَها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنهُ يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَتعدَّى على زوْجتِه بضَربٍ أو أذيَّةٍ بغيرِ حقٍّ، ويَحقُّ للزَّوجةِ رَفعُ أمرِها للحاكمِ أو القاضي ليَكفَّهُ عن ظُلمِه لها، وللقاضي أو الحاكِمِ تَعزيرُه إنْ لم يَرتدعْ عن ذلكَ.
قالَ الحنفيَّةُ: النُّشوزُ أنْ يَتجافى عنها بأنْ يَمنعَها الرَّحمةَ الَّتي بينَ الرَّجلِ والمرأةِ، وأنْ يُؤذِيَها بسَبٍّ أو ضَربٍ، وإذا جارَ الزَّوجُ على زوْجتِه فرافعَتْه إلى القاضي أوجَعَه القاضي عُقوبةً؛ لارتِكابِه المَحظورَ.
ولو كانَتِ الزَّوجةُ في مَنزلِ الزَّوجِ وليسَ مَعها أحَدٌ يُساكِنُها فشَكَتْ إلى القاضي أنَّ الزَّوجَ يَضرِبُها ويُؤذيها سألَ القاضي جيرانَها، فإنْ أخبَرُوا بما
стр. 9885
قالَتْ وهُم قومٌ صالِحونَ فالقاضي يُؤدِّبُه ويَأمرُه بأنْ يُحسِنَ إليها، ويأمُرُ جيرانَه أنْ يَتفحَّصُوا عنها.
وإنْ لم يَكنِ الجِيرانُ قومًا صالحِينَ أمَرَه القاضي أنْ يُحوِّلَها إلى جيرانٍ صالِحينَ، فإنْ أخبَرُوا القاضي بخِلافِ ما قالَتْ أقَرَّها هناكَ ولَم يُحوِّلْها (١).
وقالَ المالكيَّةُ: إذا تَعدَّى الزَّوجُ على زوْجتِه بأنْ كانَ يُضارِرُها بالهَجرِ أو الضَّربِ أو الشَّتمِ وثبَتَ ذلكَ بالبيِّنةِ أو الإقرارِ فلها أنْ تَرفعَ أمْرَهُ إلى الحاكِمِ فيَزجُرَه عن ذلكَ ويَكُفَّه عنها، ويَتولَّى الحاكِمُ زجْرَه باجتِهادِه كما كانَ يَتولَّى الزَّوجُ زجْرَها حينَ كانَ الضَّررُ مِنها، فيَعظُه فإنْ لم يَنْتهِ ضرَبَه كما مرَّ في الزَّوجةِ إنْ جَزَمَ بالإفادةِ أو ظَنَّها.
وقيلَ: يَعظُه أوَّلًا، فإنْ لم يُفِدْ أمَرَها الحاكمُ بهَجرهِ، فإنْ لم يُفِدْ ضرَبَه، وهذا أَولَى؛ لأنَّ هجْرَها لهُ فيهِ مَشقَّةٌ عليهِ، بل رُبَّما كانَ أضرَّ عليهِ مِنْ الضَّربِ.
ومَحلُّ هذا حيثُ لم تُرِدِ التَّطليقَ، وإنَّما أرادَتْ زجْرَهُ وإبقاءَها معَه، وإلَّا فلها التَّطليقُ بالضَّررِ إنْ شَهدَتِ البَيِّنةُ بهِ، ولو لم تَشهدْ بتَكرُّرِه ولو كانَ الضَّررُ مرَّةً واحِدةً فالمَشهورُ أنهُ يَثبتُ للزَّوجةِ الخِيارُ، فإنْ شاءَتْ أقامَتْ على هذهِ الحالةِ، وإنْ شاءَتْ طلَّقَتْ نفْسَها بطَلقةٍ واحدةٍ بائِنةٍ؛ لخبَرِ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، فلو أوقَعَتْ أكثرَ مِنْ واحِدةٍ فإنَّ الزَّائدَ على الواحِدةِ لا
стр. 9886
يَلزمُ الزَّوجَ ولو كانَ مِنْ غيرِ شَرطٍ في عَقدِ النِّكاحِ، ومِن الضَّررِ قَطعُ كَلامِه عنها وتَحويلُ وَجهِه عنها وضَربُها ضَربًا مُؤلمًا وسَبُّها وسَبُّ أبيها نحوُ: «يا بنتَ الكَلبِ، يا بنتَ الكافرِ، يا بنتَ المَلعونِ» كما يقعُ كَثيرًا مِنْ رعاعِ النَّاسِ، ويُؤدَّبُ على ذلكَ زيادةً على التَّطليقِ، وكوَطئِها في دبُرِها، لا بمَنعِها الحمَّامَ أو تأديبِها على الصَّلاةِ والتَّسرِّي والتَّزوجِ عليها.
وهل يُطلِّقُ الحاكِمُ أو يأمُرُها بالطَّلاقِ ثمَّ يَحكمُ به؟ قولانِ، وقيلَ: يأمُرُه الحاكِمُ أوَّلًا بالطَّلاقِ، فإنِ امتَنعَ فإنَّه يَجرِي القَولانِ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إذا ظهَرَ مِنْ الزَّوجِ النُّشوزُ بأنْ منَعَها ما يجبُ لها مِنْ نَفقةٍ وكِسوةٍ وقَسْمٍ ألزَمَه القاضي تَوفيتَه إذا طلَبَتْه؛ لعَجزِها عنهُ، بخِلافِ نُشوزِها؛ فإنَّ له إجبارَها على إيفاءِ حَقِّه لقُدرتِه، فإنْ لم يكنِ الزَّوجُ مُكلَّفًا أو كانَ مَحجورًا عليهِ أُلزِمَ وليُّه تَوفيتَه بشَرطه، ويُسكِنُها القاضي إلى جَنبِ ثقةٍ عَدلٍ؛ ليَستوفي لها حَقَّها.
فإنْ أساءَ خلُقَه وآذاها بضَربٍ أو غيرِه بلا سَببٍ نهاه القاضي عن ذلكَ، ولا يُعزِّرُه، فإنْ عادَ إليه وطلَبَتْ تَعزيرَه مِنْ القاضي عزَّرَه بما يَليقُ بهِ؛ لتَعدِّيه عليها ولأنَّه حَقُّها.
وإنَّما لم يُعزِّرْه في المرَّةِ الأُولى -وإنْ كانَ القِياسُ جَوازَه إذا طلَبَتْه-؛
стр. 9887
لأنَّ إساءةَ الخلُقِ تَكثرُ بينَ الزَّوجينِ، والتَّعزيزُ عليها يُورثُ وَحشةً بينَهُما، فيَقتصرُ أوَّلًا على النَّهيِ؛ لَعلَّ الحالَ يَلتئمُ بينَهُما، فإنْ عادَ عزَّرَه وأسكَنَه بجَنبِ ثقةٍ يَمنعُ الزَّوجَ مِنْ التَّعدِّي عليها.
وهل يُحالُ بينَ الزَّوجينِ؟ قالَ الغَزاليُّ: يُحالُ بينَهُما حتَّى يعودَ إلى العَدلِ، ولا يُعتمَدُ قولُه في العَدلِ، وإنَّما يُعتمدُ قولُها وشَهادةُ القَرائنِ. اه.
وفصَّلَ الإمامُ فقالَ: إنْ ظَنَّ الحاكمُ تَعدِّيه ولم يَثبتْ عندَه لم يَحُلْ بينَهُما، وإنْ تَحقَّقَه أو ثبَتَ عندَه وخافَ أنْ يَضربَها ضَربًا مُبرحًا لكَونِه جَسورًا حالَ بينَهُما حتَّى يَظنَّ أنهُ عدَلَ؛ إذْ لو لم يَحُلْ بينَهُما واقتصَرَ على التَّعزيرِ لربَّما بلَغَ منها مَبلغًا لا يُستدرَكُ. اه.
قالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ ﵀: وهذا ظاهِرٌ، فمَن لم يَذكرِ الحَيلولةَ أرادَ الحالَ الأوَّلَ، ومَن ذكَرَها كالغَزاليِّ و «الحاوي الصِّغير» والمُصنِّفِ في تَنقيحِه أرادَ الثَّاني، والظَّاهرُ كما قالَ شَيخُنا أنَّ الحَيلولةَ بعدَ التَّعزيزِ والإسكانِ (١).
وقالَ الحنابلةُ: إذا وقَعَ بينَ الزَّوجينِ شِقاقٌ وبانَ أنَّه مِنْ الرَّجلِ أسكَنَهما الحاكمُ إلى جانبِ ثقةٍ يَمنعُه مِنْ الإضرارِ بها والتَّعدِّي عليها (٢).
стр. 9888
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ لا يَمنعَها حقَّها ولا يُؤذِيَها، ولكنْ يَكرهُ صُحبتَها:
وإذا خافَتِ المَرأةُ نُشوزَ زَوجِها وإعراضَه عنها لِرَغبتِه، أو ظهَرَتْ أماراتُ النُّشوزِ عنها إمَّا لمرَضٍ بها أو كِبَرٍ أو دَمامةٍ فلا بأسَ أنْ تضَعَ عنهُ بعضَ حُقوقِها مِنْ قَسْمٍ وغيرِه تَسترضيهِ بذلكَ؛ لِمَا رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عَنْ عائِشةَ ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قالَتْ: «هي المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجلِ لا يَستَكثِرُ منها فيُريدُ طَلاقَها ويَتزوَّجُ غيْرَها تقولُ له: «أمسِكنِي ولا تُطلِّقْنِي ثمَّ تَزوَّجْ غيرِي فأنتَ في حِلٍّ مِنْ النّفقةِ عليَّ والقِسمةِ لي» فذلكَ قَولُه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِ هذا الصُّلحِ، وكذلكَ فعَلَتْ سَودةُ بالنبيِّ ﷺ حينَ وهَبَتْ يومَها لعائِشةَ تبتغِي بذلكَ مَرضاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، رَوى عِكرمةُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَودةُ أنْ يُطلِّقَها النبيُّ ﵇ قالَتْ: لا تُطلِّقْنِي واحبِسنِي معَ نِسائِكَ ولا تَقسِمْ لي» (٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ رُفِعَ بإضمارِ فِعلٍ يُفسِّرُه ما بعدَهُ، و ﴿خَافَتْ﴾ بمَعنى تَوقَّعَتْ، وقولُ مَنْ قالَ: «خافَتْ: تَيقَّنَتْ» خطأٌ، قالَ الزجَّاجُ: المَعنى: وإنِ امرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعلِها دوامَ