← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

وقالَ الحَنابلةُ: يَضربُها ضَربًا غيرَ شَديدٍ بعَشرةِ أسواطٍ لا فَوقَها؛ لحَديثِ: «لا يَجلدُ أحَدُكم فَوقَ عَشرةِ أسواطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ تعالَى» (١). ويَجتَنبُ الوجهَ والمَواضِعَ المَخوفةَ والمُستحسَنةَ لئلَّا يُشوِّهَها؛ لأنَّ القَصدَ التَّأديبُ لا الإتلافُ، ولقَولِه ﷺ : «ولا تَضربِ الوجهَ، ولا تُقبِّحْ، ولا تَهجرْ إلَّا في البَيتِ» (٢). وقالَ أحمَدُ في الرَّجلِ يَضربُ امرأتَهُ: «لا يَنبغِي لأحَدٍ أنْ يَسألَه ولا أبَوها: لِمَ يَضربُها؟». وقيلَ: يَضربُها بدُرَّةٍ أو مِخراقٍ -وهوَ مَنديلٌ مَلفوفٌ- لا بسَوطٍ ولا بخشَبٍ؛ لأنَّ المَقصودَ التَّأديبُ وزَجرُها، فيَبدأَ فيهِ بالأسهَلِ فالأسهلِ، فإنْ تَلفَتْ مِنْ ذلكَ فلا ضَمانَ عليهِ؛ لأنهُ مأذونٌ فيهِ شَرعًا. ويُمنعُ مِنْ ضَربِها إنْ كانَ مانِعًا لحَقِّها حتَّى يُوفِّيَه؛ لأنَّه يكونُ ظالِمًا بطَلبِه حقَّه معَ مَنعِه حقَّها (٣). ٢ - عدمُ إفادَةِ الضَّربِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّه إذا لم يُفِدِ الضَّربُ وعَلِمَ الزَّوجُ أنَّه لا يُفيدُ فيَحرمُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها.

стр. 9872

قالَ الحَنفيةُ: إنْ نفَعَ الضَّربُ ضرَبَ، وإلَّا رفَعَ الأمرَ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمَينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، وسَبيلُ هذا سَبيلُ الأمرِ بالمَعروفِ والنِّهيِ عنِ المُنكَرِ في حَقِّ سائرِ النَّاسِ أنَّ الآمِرَ يَبدأُ بالمَوعِظةِ على الرِّفقِ واللِّينِ دُونَ التَّغليظِ في القَولِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا غلَّظَ القولَ بهِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا بسَطَ يَدَه فيهِ (١). وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ الضَّربُ إلَّا إذا ظَنَّ إفادَتَه، فإنْ ظَنَّ عدَمَ إفادَتَه فلا يَجوزُ له ضَربُها؛ لأنَّ الضَّربَ وسيلةٌ إلى صَلاحِ الحالِ، والوَسيلةُ عندَ عدمِ مَقصودِها غيرُ مَشروعةٍ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: إذا عَلِمَ أنَّ الضَّربَ لا يُفيدُ حَرُمَ الضَّربُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ مُستغنًى عنها (٣). ٣ - هلِ الأَولَى الضَّربُ أم عدَمُه؟ نَصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الأفضَلَ تَركُ الضَّربِ؛ إبقاءً للمَودَّةِ،

стр. 9873

ولِمَا رُويَ عَنْ إيَاس بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبِي ذبابٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَضرِبوا إمَاءَ اللهِ»، فَجاءَ عمَرُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: ذَئِرْنَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ، فرخَّصَ في ضَربِهنَّ، فأَطافَ بآلِ رَسولِ اللهِ ﷺ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لقدْ طافَ بآلِ مُحمدٍ نِساءٌ كَثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ ليسَ أُولئكَ بخِيارِكُمْ» (١)، وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على أنَّ الأَولى العَفوُ عنِ الضَّربِ، أو أنَّ الضَّربَ بغيرِ سَببٍ يَقتضيهِ لا على النَّسخِ؛ إذ لا يُصارُ إلى النَّسخِ إلَّا إنْ تعذَّرَ الجَمعُ وعَلِمْنا التَّاريخَ. قالَ العَمرانِيُّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الحَديثَ: فإذا قُلنا: يَجوزُ نَسخُ السُّنةِ بالكِتابِ .. فيَحتملُ أنْ يكونَ النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْ ضَربِهنَّ، ثمَّ نسَخَ الكِتابُ السُّنةَ بقَولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ثمَّ أَذِنَ رَسولُ اللهِ ﷺ في ضَربِهنِّ مُوافِقًا للكِتابِ، غيرَ أنَّه بيَّنَ أنْ ترْكَه أَولى بقَولِه: «ومَا تَجدُونَ أولئكَ بخِيارِكُم». وإنْ قُلنا: إنَّ نسْخَ السُّنةِ لا يَجوزُ بالكِتابِ .. احتَملَ أنْ يكونَ النَّهيُّ عَنْ ضَربِهنَّ مُتقدِّمًا، ثمَّ نسَخَه النَّبيُّ ﷺ وأَذِنَ في ضَربِهنَّ، ثمَّ ورَدَ الكِتابُ مُوافِقًا للسُّنةِ في ضَربِهنَّ. ومعنَى قولَهِ: «ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجِهِنَّ» أي: اجْتَرأْنَ على أزواجِهِنِ (٢).

стр. 9874

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀ بعد أنْ ذكَرَ الحديثَ: فإنْ قيلَ: «فكيفَ يَترتَّبُ هذانِ الخبَرانِ معَ الآيةِ، وليسَ بصَحيحٍ على مَذهبِ الشَّافعيِّ أنْ يَنسخَ القُرآنَ السُّنةُ» فلِأصحابِنا عن ذلكَ ثلاثةُ أجوِبةٍ: أحَدُها: أنَّ ما جاءَتْ بهِ الآيةُ والخبَرُ مِنْ إباحةِ الضَّربِ فوارِدٌ في النُّشوزِ، وما ورَدَ به الخبَرُ الآخَرُ مِنْ النَّهيِ عنِ الضَّربِ ففِي غيرِ النُّشوزِ، فأباحَ الضَّربَ مع وُجودِ سبَبِه ونهَى عنهُ مع ارتِفاعِ سبَبِه، وهذا مُتفِقٌ لا يُعارِضُ بَعضُه بعضًا. والثَّاني: أنَّه أباحَ الضَّربَ جَوازًا ونهَى عنهُ اختِيارًا، فيَكونُ الضَّربُ وإنْ كانَ مُباحًا بالإذنِ فيهِ فتَركُه أَولى؛ للنَّهيِ عنهُ، ولا يكونُ ذلكَ مُتنافِيًا ولا ناسِخًا ومَنسوخًا. والثَّالثُ: أنَّ خبَرَ النَّهيِ عنِ الضَّربِ مَنسوخٌ بخبَرِ عُمرَ الواردِ بإباحتِهِ، ثمَّ جاءَتِ الآيةُ مبيِّنةً لسبَبِ الإباحةِ، فكانَتِ السُّنةُ ناسِخةً للسُّنةِ، والكِتابُ مُبيِّنًا لم يَنسخِ الكِتابُ السُّنةَ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسي ﵀: نهَى النبيُّ ﷺ عن ضَربِ النِّساءِ وأمَرَ بضَربِهنَّ، ومُحالٌ أنْ يكونَ الضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ هو الَّذي أمَرَ

стр. 9875

به، فالضَّربُ الَّذي نهَى عنهُ ما كانَ الضارِبُ فيهِ مُتعدِّيًا، والضَّربُ الَّذي أمَرَ بهِ تأدِيبُ الرَّجلِ أهلَه فيما يَجبُ له تأديبُها، وفيهِ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فأمَرَ بضَربِهنَّ إذا خِيفَ النُّشوزُ مِنهنَّ، ولم يَجعلْ لضَربِهنَّ حَدًّا لا تَجوزُ مُجاوَزتُه، ونهيُه عن ضَربِ النِّساءِ، وما رُويَ عنهُ مِنْ قَولِه: «ولا تَجدُونَ أولئِكُم خِيارَكم» نهيًا منهُ عن الضَّربِ الَّذي يكونُ به الضَّاربُ مُتعدِّيًا. وقدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَضربَ امرأتَه فيما ذكَرْنا، فدلَّ بذلكَ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنِ الضَّربِ الَّذي هذهِ صِفتُه (١). ٤ - هلْ يُشتَرطُ تَكرارُ نُشوزِ الزَّوجةِ حتَّى يُشرَعَ للزَّوجِ ضَربُ زوْجتِه؟ اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ لجوازِ ضَربِ المَرأةِ النَّاشِزةِ أنْ يتكرَّرَ منها النُّشوزُ؟ أم يَجوزُ الضَّربُ ولو نشَزَتْ مرَّةً واحدةً؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ وبعضُ الشافعيَّةِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يُشتَرطُ تَكرارُ نشوزِ المرأةِ حتَّى يَجوزَ ضربُها؛ لِقولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأنها صرَّحَتْ بالمَنعِ فكانَ لهُ ضربُها كما لو أصرَّتْ، ولأنَّ عقُوباتِ المَعاصِي لا تَختلفُ بالتَّكرارِ وعَدمِه كالحُدودِ. وذهَبَ الشافعيَّةُ في المَذهبِ والخِرَقيُّ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يُشترطُ تَكرارُ النُّشوزِ، فإنْ تحقَّقَ نُشوزُ الزَّوجةِ ولكنْ لم يَتكرَّرْ لم يَجُزْ لهُ ضربُها؛

стр. 9876

لأنَّ المَقصودَ زجرُها عن المعصيةِ في المُستقبَلِ، وما هذا سَبيلهُ يُبدأُ فيه بالأسهلِ فالأسهلِ، كمَن هُجِمَ مَنزلُه فأرادَ إخراجَه (١). ٥ - التَّرتيبُ في التَّأديبِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشافعيَّةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّرتيبَ واجبٌ، فلا يَجوزُ للزَّوجِ إذا نشَزَتْ زوْجتُه أنْ يَضربَها قبلَ أنْ يَعظَها أو يَهجرَها قبلَ أنْ يَعظَها كما ورَدَ في قولَهِ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. فيَبدأُ بالوعظِ، فإنْ لم يَنفعِ انتقلَ إلى الهَجرِ، فإنْ لم يَنفعِ انتَقلَ إلى الضَّربِ إنْ نفَعَ، وإلَّا فلا. وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ للزَّوجِ أنْ يُؤدِّبَ زوْجتَه بما يراهُ، فيَجوزُ له ضربُها قبلَ وَعظِها وهَجرِها، ويجوزُ لهُ هَجرُها قبْلَ وعظِها.

стр. 9877

قالَ الحنفيَّةُ: للزَّوجِ وِلايةُ تَأديبِ زوْجتِه إذا كانَتْ ناشِزةً إذا لم تُطِعْه فيما يَلزمُ طاعتُه، لكنْ على التَّرتيبِ، فيَعظُها أوَّلًا على الرِّفقِ واللِّينِ، فإنْ نجَعَتْ فيها المَوعظةُ ورجَعَتْ إلى الفِراشِ وإلَّا هجَرَها، فإذا هجَرَها فإنْ تركَتِ النُّشوزَ وإلَّا ضرَبَها عندَ ذلكَ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ ولا شائِنٍ، والأصلُ فيهِ قولُهُ : ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. فظاهِرُ الآيةِ وإنْ كانَ بحَرفِ الواوِ المَوضوعةِ للجَمعِ المُطلَقِ لكنَّ المُرادَ منهُ الجَمعُ على سبيلِ التَّرتيبِ، والواوُ تَحتملُ ذلكَ، فإنْ نفَعَ الضَّربُ وإلَّا رفَعَ الأمرَ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمَينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. وسبيلُ هذا سبيلُ الأمرِ بالمَعروفُ والنَّهيِ عن المُنكَرِ في حقِّ سائِرِ النَّاسِ، أنَّ الآمِرَ يَبدأُ بالمَوعظةِ على الرِّفقِ واللِّينِ دونَ التَّغليظِ في القَولِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا غلَّظَ القولَ بهِ، فإنْ قَبلَتْ وإلَّا بسَطَ يدَه فيهِ. وكذلكَ إذا ارتكَبَتْ مَحظورًا سِوى النُّشوزِ ليسَ فيهِ حدٌّ مقدَّرٌ فللزَّوجِ أنْ يُؤدِّبَها تَعزيرًا لها؛ لأنَّ للزَّوجِ أنْ يُعزِّرَ زوْجتَه كما للمَولَى أنْ يُعزِّرَ مَملوكَه (١).

стр. 9878

وقالَ المالكيَّةُ: المرأةُ إذا نشَزَتْ مِنْ زوْجِها فإنهُ يَعظُها بأنْ يذكِّرَها أمورَ الآخرةِ وما يَلزمُها مِنْ طاعتِه، فإنْ لم تَمتثلْ فإنهُ يَهجرُها في مَضجعِها بأنْ يَبعُدَ عنها في المَضجعِ، فإنْ لم تَمتثلْ فإنهُ يَضربُها ضَربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وهو الَّذي لا يَكسرُ عَظمًا ولا يَشينُ جارِحةً، فإنْ غلَبَ على ظنِّهِ أنها لا تَتركُ النُّشوزَ إلَّا بضَربٍ مَخُوفٍ لم يَجُزْ تَعزيرُها، ولا يَنتقلُ إلى حالةٍ حتَّى يَغلبَ على ظنِّهِ أنَّ الَّتي قبْلَها لا تُفيدِ كما أفادَه العَطفُ، ويَفعلُ ما عدا الضَّربِ ولو لم يَظنَّ إفادتَهُ لَعلَّه يُفيدُ، بخِلافِ الضَّربِ فلا يَفعلُه إلَّا إذا ظَنَّ إفادتَه لشدَّتِه (١). وقالَ الشافعيَّةُ: لِلمرأةِ ثلاثُ حالاتٍ: الحالةُ الأُولى: إذا وجَدَ مِنْ المرأةِ عَلاماتِ النُّشوزِ قَولًا أو فِعلًا بأنْ تُجيبَهُ بكَلامٍ خَشنٍ بعدَ أنْ كانَ ليِّنًا، أو يَجدَ مِنها إعراضًا وعُبوسًا بعدَ طَلاقةٍ ولُطفٍ، ففي هذهِ المَرتبةِ يَعظُها ولا يَضربُها ولا يَهجرُها. الحالةُ الثَّانيَةُ: أنْ يَتحقَّقَ نُشوزَها لكنْ لا يَتكرَّرُ ولا يَظهرُ إصرارُها عليهِ، فيَعظُها ويَهجرُها. وفي جوازِ الضَّربِ قَولانِ: رجَّحَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والمحامليُّ المَنعَ، وصاحِبَا «المُهذَّب» و «الشَّامل» الجوازَ.

стр. 9879

قالَ النَّوويُّ: قلتُ: رجَّحَ الرَّافِعيُّ في «المُحرَّر» المَنعَ، والمُوافِقُ لظاهِرِ القُرآنِ الجَوازُ، وهوَ المُختارُ، واللهُ أَعلَمُ. الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَتكرَّرَ وتُصرَّ عليهِ، فلهُ الهِجرانُ والضَّربُ بلا خِلافٍ، هذهِ هي الطريقةُ المُعتمَدةُ في المراتِبِ الثَّلاثِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: وحكَى ابنُ كَجٍّ قَولًا في جَوازَ الهِجرانِ والضَّربِ عندَ خوفِ النُّشوزِ؛ لِظاهِرِ الآيةِ. وحكَى الحَنَّاطيُّ في حالةِ ظُهورِ النُّشوزِ ثلاثةَ أقوالٍ: أحَدُها: لهُ الوَعظُ والهِجرانُ والضَّربُ. والثَّاني: يَتخيَّرُ بينَها ولا يَجمعُ. والثَّالثُ: يَعظُها، فإنْ لم تتَّعظْ هجَرَها، فإنْ لم تَنزجِرْ ضرَبَها (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا ظهَرَ منها أماراتُ النُّشوزِ بأنْ تَتثاقَلَ إذا دَعاها، أو تَتدافَعَ إذا دَعاها إلى الاستِمتاعِ، أو تُجيبَه مُتبَرِّمةً مُتكرِّهةً ويَختلَّ أدبُها في حقِّهِ وعَظَها، فإنْ رجَعَتْ إلى الطَّاعةِ والأدَبِ حرُمَ الهَجرُ والضَّربُ؛ لزَوالِ مُبيحِه، وإنْ أصَرَّتْ على ما تقدَّمَ وأظهَرَتِ النُّشوزَ بأنْ عصَتْه وامتنَعَتْ مِنْ إجابتِه إلى الفِراشِ أو خرَجَتْ مِنْ بَيتِه بغيرِ إذنِه ونحوِ ذلكَ هجَرَها في المضجَعِ ما شاءَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، وهجَرَها في الكلامِ ثلاثَةَ أيَّامٍ لا فَوقَها، فإنْ أصرَّتْ ولمْ تَرتدعْ بالهَجرِ فلهُ

стр. 9880

أنْ يَضربَها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فيكونُ الضَّربُ بعدَ الهَجرِ في الفِراشِ وتَركِها مِنْ الكَلامِ ثلاثةَ أيَّامٍ (١). وقالَ ابنُ قدامَةَ ﵀: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقيِّ أنَّه ليسَ لهُ ضربُها في النُّشوزِ في أوَّلِ مرَّةٍ، وقد رُويَ عن أحمَدَ: «إذا عصَتِ المرأةُ زوْجَها فلهُ ضربُها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ»، فظاهِرُ هذا إباحةُ ضَربِها بأوَّلِ مرَّةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأنها صرَّحَتْ بالمَنعِ فكانَ لهُ ضربُها كما لو أصرَّتْ، ولأنَّ عقوباتِ المعاصِي لا تَختلفُ بالتَّكرارِ وعدَمِه كالحُدودِ، ووجهُ قولِ الخرقيِّ المَقصودُ زجرُها عنِ المَعصيةِ في المُستقبَلِ، وما هذا سَبيلُه يُبدأُ فيهِ بالأسهَلِ فالأسهَلِ، كمَن هُجِمَ مَنزلُه فأرادَ إخراجَهُ. وأمَّا قَولُه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] ففيها إضمارٌ تَقديرُه: (والَّلاتي تَخافُونَ نُشوزَهنَّ فعِظُوهنَّ فإنْ نشَزْنَ فاهجُروهنَّ في المَضاجِعِ فإنْ أصرَرْنَ فاضرِبُوهنَّ) كمَا قالَ سُبحانَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، والَّذي يَدلُ على هذا أنَّه رتَّبَ هذهِ العُقوباتِ على خوفِ النُّشوزِ، ولا خِلافَ في أنهُ لا يَضربُها لخَوفِ النُّشوزِ قبْلَ إظهارِه، وللشَّافِعيِّ قولانِ كهذَينِ، فإنْ لم تَرتدعْ

стр. 9881

بالوَعظِ والهَجرِ فلهُ ضربُها؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] (١). وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: وتَقديرُ الآيةِ الكريمةِ على هذا التَّقريرِ عندَ أبي مُحمَّدٍ: (والَّلاتي تَخافُونَ نُشوزَهنَّ فعِظُوهنَّ فإنْ نشَزْنَ فاهجُروهنَّ في المَضاجِعِ فإنْ أصرَرْنَ فاضرِبُوهنَّ) كآيةِ المُحارَبةِ، وفيهِ تَعسُّفٌ، ومُقتَضى كلامِ أبي البَركاتِ وأبي الخطَّابِ أنَّ الوعظَ والهِجرانَ والضَّربَ على ظُهورِ أماراتِ النُّشوزِ، لكنْ على جِهةِ التَّرتيبِ، قالَ المجدُ: إذا بانَتْ أماراتُه زجَرَها بالقولِ، ثمَّ يَهجرُها في المَضجعِ والكَلامِ دونَ ثلاثٍ، ثمَّ يَضربُ غيرَ مُبَرِّحٍ، وهذا ظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ، غايتُه أنَّ الواوَ وقَعَتْ للتَّرتيبِ؛ إمَّا لأنَّ ذلكَ مِنْ مُقتضاهُ، أو لدَليلٍ مِنْ خارجٍ، وهو أنَّ المَقصودَ زوالُ المَفسدةِ، فيُدفعُ بالأسهلِ فالأسهلِ، فلهُ أنْ يَضربَها ضَربًا غيرَ مُبرحٍ، فأجازَ ضرْبَها بمُجرَّدِ العِصيانِ، وهوَ مُقتضَى الحديثِ السَّابِقِ، وقد قالَه النَّبيُّ في خُطبتِه بعَرفةَ، ولو تَرتَّبَ الضَّربُ على الهِجرانِ لبيَّنُه؛ لأنَّه وقتُ حاجةٍ؛ لتفرُّقِ النَّاسِ ورُجوعِهم إلى أوطانِهم، واللهُ أعلَمُ (٢). وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنهُ يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَضربَ زوْجتَه إنْ نشَزَتْ بعدَ أنْ يَعظَها ويَهجرَها في المضجَعِ. واختَلفُوا هل يَجوزُ له ضربُها في أوَّلِ النُّشوزِ؟ فقالُوا: لا يَجوزُ،

стр. 9882

إلَّا الشَّافعي في أحَدِ قَولَيهِ: أنهُ يَجوزُ لهُ أنْ يَضربَها في أوَّلِ النُّشوزِ (١). ٦ - الضَّمانُ بضَربِ التَّأديبِ المُعتادِ للزَّوجةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ضرَبَ الزَّوجُ زوْجتَه الضَّربَ المُعتادَ فأدَّى إلى تلَفِها أو تَلفِ عضوٍ مِنها، هل يَضمنُها الزَّوجُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا ضرَبَ زوْجتَه وأدَّبَها التَّأديبَ المُعتادَ فتَلفَتْ وماتَتْ أو تَلفَ عضوٌ منها ضَمنَ الزَّوجُ ولا يَكونُ دمُها هَدَرًا؛ لأنَّ الضَّربَ مُباحٌ وليسَ واجِبًا، ومَنفعةُ الضَّربِ تَرجعُ إليهِ؛ لأنهُ ضَربُ تأديبٍ وتَعزيرٍ، فيَنبغِي أنْ لا يُؤدِّيَ إلى التَّلفِ، فيَجبُ الغُرمُ؛ لأنهُ تَبيَّنَ أنه إتلافٌ لا إصلاحٌ، فيَضمنُ ما تَلفَ بالضَّربِ مِنْ نَفسٍ أو عضوٍ أو مَنفعةٍ؛ لأنَّ ضرْبَ التَّأديبِ مَشروطٌ بسَلامةِ العاقِبةِ. قالَ الحنفيَّةُ: الزَّوجُ إذا عزَّرَ زوْجتَه بالضَّربِ فماتَتْ يَجبُ عليهِ ضمانُ الدِّيةِ، ولا يَكونُ دمُها هَدَرًا؛ لأنَّ الضَّربَ مُباحٌ ومَنفعتُه تَرجعُ إليهِ كما تَرجعُ إلى المرأةِ مِنْ وجهٍ، وهو استِقامتُها على ما أمَرَ اللهُ تعالَى بهِ. وقد ظهَرَ بهذا أنَّ كلَّ ضَربٍ كانَ مأمورًا بهِ مِنْ جهةِ الشَّارِعِ فإنَّ الضَّاربَ لا ضَمانَ عليهِ بمَوتِه، وكلُّ ضَربٍ كانَ مأذونًا فيهِ بدُونِ الأمرِ فإنَّ الضَّاربَ يَضمنُه إذا ماتَ؛ لتَقييدِه بشَرطِ السَّلامةِ، كالمُرورِ في الطَّريقِ

стр. 9883

والاصطِيادِ؛ إذا أُتلِفَ مِنْ ذلكَ الوجهِ شيءٌ يَلزمُ الضَّمانُ بكَونِه مُقيَّدًا (١). وقالَ المالكيَّةُ: إذا أدَّى الضَّربُ إلى الهَلاكِ وجَبَ الضَّمانُ. قالَ الحَطَّابُ ﵀: وفي المَسائِلِ المَلقوطَةِ: مَنْ ضرَبَ امرأتَهُ عمْدًا قضَى عليهِ بما جَرى مِنْ حقٍّ، وهوَ يَختلفُ باختِلافِ البُلدانِ. وسُئلَ أبو مُحمدٍ عمَّن ضرَبَ زوْجتَه ثمَّ اصطلَحَا بعَطاءٍ فهو لهُ لازِمٌ، فهذا يدلُّ على أنَّ لها حقًّا (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: وحيثُ جازَ لهُ الضَّربُ فهو ضربُ تأديبٍ وتَعزيرٍ، ويَنبغِي أنْ لا يَكونَ مُدْمِيًا ولا مُبرحًا ولا مُهلِكًا ولا على الوَجهِ، فإنْ فعَلَ وأدَّى إلى تلفٍ وجَبَ الغُرمُ؛ لأنهُ تَبيَّنَ أنه إتلافٌ لا إصلاحٌ، فيَضمنُ ما تَلفَ بالضَّربِ مِنْ نَفسٍ أو عضوٍ أو مَنفعةٍ؛ لأنَّ ضرْبَ التَّأديبِ مَشروطٌ بسَلامةِ العاقِبةِ، ووجبَتْ ديَّتُها على عاقِلةِ الضَّاربِ، ووجَبَتِ الكفَّارةُ في مالِهِ (٣). وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا أدَّبَ زوْجتَه التَّأديبَ المُعتادَ فأفْضَى التَّأديبُ إلى تَلفِها مِنْ ذلكَ فلا ضَمانَ عليهِ؛ لأنهُ مَأذونٌ فيهِ شَرعًا.

стр. 9884

وإنْ أسرَفَ في التَّأديبِ بأنْ زادَ فوقَ المُعتادِ أو زادَ على ما يَحصلُ بهِ المَقصودُ ضَمنَ؛ لأنهُ غَيرُ مأذونٍ في ذلكَ شَرعًا (١). ثانيًا: نُشوزُ الزَّوجِ: النُّشوزُ كما يكونُ مِنْ الزَّوجةِ فهو أيضًا يكونُ مِنْ الزَّوجِ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، ونُشوزُه هو تَرفُّعُه عليها لبُغضِه إيَّاها، مأخوذٌ مِنْ نَشزِ الأرضِ وهي المُرتفِعةُ. ونُشوزُ الرَّجلِ لهُ حالاتانِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يتعدَّى عليها ويَمنعَها حُقوقَها: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنهُ يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَتعدَّى على زوْجتِه بضَربٍ أو أذيَّةٍ بغيرِ حقٍّ، ويَحقُّ للزَّوجةِ رَفعُ أمرِها للحاكمِ أو القاضي ليَكفَّهُ عن ظُلمِه لها، وللقاضي أو الحاكِمِ تَعزيرُه إنْ لم يَرتدعْ عن ذلكَ. قالَ الحنفيَّةُ: النُّشوزُ أنْ يَتجافى عنها بأنْ يَمنعَها الرَّحمةَ الَّتي بينَ الرَّجلِ والمرأةِ، وأنْ يُؤذِيَها بسَبٍّ أو ضَربٍ، وإذا جارَ الزَّوجُ على زوْجتِه فرافعَتْه إلى القاضي أوجَعَه القاضي عُقوبةً؛ لارتِكابِه المَحظورَ. ولو كانَتِ الزَّوجةُ في مَنزلِ الزَّوجِ وليسَ مَعها أحَدٌ يُساكِنُها فشَكَتْ إلى القاضي أنَّ الزَّوجَ يَضرِبُها ويُؤذيها سألَ القاضي جيرانَها، فإنْ أخبَرُوا بما

стр. 9885

قالَتْ وهُم قومٌ صالِحونَ فالقاضي يُؤدِّبُه ويَأمرُه بأنْ يُحسِنَ إليها، ويأمُرُ جيرانَه أنْ يَتفحَّصُوا عنها. وإنْ لم يَكنِ الجِيرانُ قومًا صالحِينَ أمَرَه القاضي أنْ يُحوِّلَها إلى جيرانٍ صالِحينَ، فإنْ أخبَرُوا القاضي بخِلافِ ما قالَتْ أقَرَّها هناكَ ولَم يُحوِّلْها (١). وقالَ المالكيَّةُ: إذا تَعدَّى الزَّوجُ على زوْجتِه بأنْ كانَ يُضارِرُها بالهَجرِ أو الضَّربِ أو الشَّتمِ وثبَتَ ذلكَ بالبيِّنةِ أو الإقرارِ فلها أنْ تَرفعَ أمْرَهُ إلى الحاكِمِ فيَزجُرَه عن ذلكَ ويَكُفَّه عنها، ويَتولَّى الحاكِمُ زجْرَه باجتِهادِه كما كانَ يَتولَّى الزَّوجُ زجْرَها حينَ كانَ الضَّررُ مِنها، فيَعظُه فإنْ لم يَنْتهِ ضرَبَه كما مرَّ في الزَّوجةِ إنْ جَزَمَ بالإفادةِ أو ظَنَّها. وقيلَ: يَعظُه أوَّلًا، فإنْ لم يُفِدْ أمَرَها الحاكمُ بهَجرهِ، فإنْ لم يُفِدْ ضرَبَه، وهذا أَولَى؛ لأنَّ هجْرَها لهُ فيهِ مَشقَّةٌ عليهِ، بل رُبَّما كانَ أضرَّ عليهِ مِنْ الضَّربِ. ومَحلُّ هذا حيثُ لم تُرِدِ التَّطليقَ، وإنَّما أرادَتْ زجْرَهُ وإبقاءَها معَه، وإلَّا فلها التَّطليقُ بالضَّررِ إنْ شَهدَتِ البَيِّنةُ بهِ، ولو لم تَشهدْ بتَكرُّرِه ولو كانَ الضَّررُ مرَّةً واحِدةً فالمَشهورُ أنهُ يَثبتُ للزَّوجةِ الخِيارُ، فإنْ شاءَتْ أقامَتْ على هذهِ الحالةِ، وإنْ شاءَتْ طلَّقَتْ نفْسَها بطَلقةٍ واحدةٍ بائِنةٍ؛ لخبَرِ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، فلو أوقَعَتْ أكثرَ مِنْ واحِدةٍ فإنَّ الزَّائدَ على الواحِدةِ لا

стр. 9886

يَلزمُ الزَّوجَ ولو كانَ مِنْ غيرِ شَرطٍ في عَقدِ النِّكاحِ، ومِن الضَّررِ قَطعُ كَلامِه عنها وتَحويلُ وَجهِه عنها وضَربُها ضَربًا مُؤلمًا وسَبُّها وسَبُّ أبيها نحوُ: «يا بنتَ الكَلبِ، يا بنتَ الكافرِ، يا بنتَ المَلعونِ» كما يقعُ كَثيرًا مِنْ رعاعِ النَّاسِ، ويُؤدَّبُ على ذلكَ زيادةً على التَّطليقِ، وكوَطئِها في دبُرِها، لا بمَنعِها الحمَّامَ أو تأديبِها على الصَّلاةِ والتَّسرِّي والتَّزوجِ عليها. وهل يُطلِّقُ الحاكِمُ أو يأمُرُها بالطَّلاقِ ثمَّ يَحكمُ به؟ قولانِ، وقيلَ: يأمُرُه الحاكِمُ أوَّلًا بالطَّلاقِ، فإنِ امتَنعَ فإنَّه يَجرِي القَولانِ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إذا ظهَرَ مِنْ الزَّوجِ النُّشوزُ بأنْ منَعَها ما يجبُ لها مِنْ نَفقةٍ وكِسوةٍ وقَسْمٍ ألزَمَه القاضي تَوفيتَه إذا طلَبَتْه؛ لعَجزِها عنهُ، بخِلافِ نُشوزِها؛ فإنَّ له إجبارَها على إيفاءِ حَقِّه لقُدرتِه، فإنْ لم يكنِ الزَّوجُ مُكلَّفًا أو كانَ مَحجورًا عليهِ أُلزِمَ وليُّه تَوفيتَه بشَرطه، ويُسكِنُها القاضي إلى جَنبِ ثقةٍ عَدلٍ؛ ليَستوفي لها حَقَّها. فإنْ أساءَ خلُقَه وآذاها بضَربٍ أو غيرِه بلا سَببٍ نهاه القاضي عن ذلكَ، ولا يُعزِّرُه، فإنْ عادَ إليه وطلَبَتْ تَعزيرَه مِنْ القاضي عزَّرَه بما يَليقُ بهِ؛ لتَعدِّيه عليها ولأنَّه حَقُّها. وإنَّما لم يُعزِّرْه في المرَّةِ الأُولى -وإنْ كانَ القِياسُ جَوازَه إذا طلَبَتْه-؛

стр. 9887

لأنَّ إساءةَ الخلُقِ تَكثرُ بينَ الزَّوجينِ، والتَّعزيزُ عليها يُورثُ وَحشةً بينَهُما، فيَقتصرُ أوَّلًا على النَّهيِ؛ لَعلَّ الحالَ يَلتئمُ بينَهُما، فإنْ عادَ عزَّرَه وأسكَنَه بجَنبِ ثقةٍ يَمنعُ الزَّوجَ مِنْ التَّعدِّي عليها. وهل يُحالُ بينَ الزَّوجينِ؟ قالَ الغَزاليُّ: يُحالُ بينَهُما حتَّى يعودَ إلى العَدلِ، ولا يُعتمَدُ قولُه في العَدلِ، وإنَّما يُعتمدُ قولُها وشَهادةُ القَرائنِ. اه. وفصَّلَ الإمامُ فقالَ: إنْ ظَنَّ الحاكمُ تَعدِّيه ولم يَثبتْ عندَه لم يَحُلْ بينَهُما، وإنْ تَحقَّقَه أو ثبَتَ عندَه وخافَ أنْ يَضربَها ضَربًا مُبرحًا لكَونِه جَسورًا حالَ بينَهُما حتَّى يَظنَّ أنهُ عدَلَ؛ إذْ لو لم يَحُلْ بينَهُما واقتصَرَ على التَّعزيرِ لربَّما بلَغَ منها مَبلغًا لا يُستدرَكُ. اه. قالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ ﵀: وهذا ظاهِرٌ، فمَن لم يَذكرِ الحَيلولةَ أرادَ الحالَ الأوَّلَ، ومَن ذكَرَها كالغَزاليِّ و «الحاوي الصِّغير» والمُصنِّفِ في تَنقيحِه أرادَ الثَّاني، والظَّاهرُ كما قالَ شَيخُنا أنَّ الحَيلولةَ بعدَ التَّعزيزِ والإسكانِ (١). وقالَ الحنابلةُ: إذا وقَعَ بينَ الزَّوجينِ شِقاقٌ وبانَ أنَّه مِنْ الرَّجلِ أسكَنَهما الحاكمُ إلى جانبِ ثقةٍ يَمنعُه مِنْ الإضرارِ بها والتَّعدِّي عليها (٢).

стр. 9888

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ لا يَمنعَها حقَّها ولا يُؤذِيَها، ولكنْ يَكرهُ صُحبتَها: وإذا خافَتِ المَرأةُ نُشوزَ زَوجِها وإعراضَه عنها لِرَغبتِه، أو ظهَرَتْ أماراتُ النُّشوزِ عنها إمَّا لمرَضٍ بها أو كِبَرٍ أو دَمامةٍ فلا بأسَ أنْ تضَعَ عنهُ بعضَ حُقوقِها مِنْ قَسْمٍ وغيرِه تَسترضيهِ بذلكَ؛ لِمَا رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عَنْ عائِشةَ ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قالَتْ: «هي المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجلِ لا يَستَكثِرُ منها فيُريدُ طَلاقَها ويَتزوَّجُ غيْرَها تقولُ له: «أمسِكنِي ولا تُطلِّقْنِي ثمَّ تَزوَّجْ غيرِي فأنتَ في حِلٍّ مِنْ النّفقةِ عليَّ والقِسمةِ لي» فذلكَ قَولُه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]» (١). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِ هذا الصُّلحِ، وكذلكَ فعَلَتْ سَودةُ بالنبيِّ ﷺ حينَ وهَبَتْ يومَها لعائِشةَ تبتغِي بذلكَ مَرضاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، رَوى عِكرمةُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَودةُ أنْ يُطلِّقَها النبيُّ ﵇ قالَتْ: لا تُطلِّقْنِي واحبِسنِي معَ نِسائِكَ ولا تَقسِمْ لي» (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ رُفِعَ بإضمارِ فِعلٍ يُفسِّرُه ما بعدَهُ، و ﴿خَافَتْ﴾ بمَعنى تَوقَّعَتْ، وقولُ مَنْ قالَ: «خافَتْ: تَيقَّنَتْ» خطأٌ، قالَ الزجَّاجُ: المَعنى: وإنِ امرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعلِها دوامَ

стр. 9889

النُّشوزِ، قالَ النحَّاسُ: الفَرقُ بينَ النُّشوزِ والإعراضِ أنَّ النُّشوزَ التَّباعُدُ، والإعراضُ ألَّا يُكلِّمَها ولا يأنَسَ بها، ونزَلَتِ الآيَةُ بسَببِ سَودةَ بنتَ زَمعةَ، روى التِّرمذيُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَودةُ أنْ يُطلِّقَها رسولُ اللهِ ﷺ فقالَتْ: لا تُطلِّقْني وأمسِكْنِي وأجعَلُ يَومي مِنْكَ لعائِشةَ، ففعَلَ فنزَلَتْ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، فمَا اصطَلحَا عليهِ مِنْ شيءٍ فهوَ جائِزٌ»، قالَ: هذا حديثٌ حسَنٌ غريبٌ. وروَى ابنُ عُيينةَ عنِ الزُّهريِّ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ رافِعَ بنَ خديجٍ كانَتْ تحتَه خَولةُ ابنةُ مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ، فكَرهَ مِنْ أمرِها إمَّا كِبَرًا وإمَّا غيرَه، فأرادَ أنْ يُطلِّقَها فقالَتْ: لا تُطلِّقْني واقسِمْ لي ما شِئتَ، فجَرَتِ السُّنةُ بذلكَ ونزَلَتْ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. وروَى البُخاريُّ عَنْ عائِشةَ ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قالَتْ: «الرَّجلُ تكونُ عندَه المَرأةُ ليسَ بمُستكثِرٍ منها يُريدُ أنْ يُفارِقَها فتَقولُ: «أجعَلُكَ مِنْ شأني في حِلٍّ» فنزَلَتْ هذهِ الآيةُ» … في هذهِ الآيةِ مِنْ الفِقهِ الرَّدُّ على الرُّعنِ الجُهَّالِ الَّذينَ يرَونَ أنَّ الرَّجلَ إذا أخَذَ شَبابَ المرأةِ وأسَنَّتْ لا يَنبغِي أنْ يَتبدَّلَ بها، قالَ ابنُ أبي مُلَيكةَ: إنَّ سَودةَ بنتَ زَمعةَ لمَّا أسَنَّتْ أرادَ النبيُّ ﷺ أنْ يُطلِّقَها فآثَرَتِ الكَونَ معهُ فقالَتْ لهُ: أمسِكْنِي واجعَلْ يَومي لعائِشةَ، ففعَلَ ﷺ وماتَتْ وهيَ مِنْ أزواجِهِ.

стр. 9890

قلتُ: وكذلكَ فعَلَتْ بنتُ مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ، روَى مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن رافعِ بنِ خديجٍ «أنَّه تَزوَّجَ بنتَ مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ الأنصاريةَ فكانَتْ عندَه حتَّى كَبرتْ، فتَزوَّجَ عليها فتاةً شابَّةً فآثَرَ الشَّابةَ عليها، فناشَدَتْه الطَّلاقَ فطلَّقَها واحدةً، ثمَّ أهمَلَها حتَّى إذا كانَتْ تَحِلُّ راجَعَها، ثمَّ عادَ فآثَرَ الشَّابةَ عليها فناشَدَتْه الطَّلاقَ فطلَّقَها واحِدةً، ثمَّ راجَعَها فآثَرَ الشَّابةَ عليها فناشَدَتْه الطَّلاقَ فقالَ: ما شِئتِ، إنَّما بَقيَتْ واحِدةٌ، فإنْ شِئتِ استَقررْتِ على ما تَرَيْنَ مِنْ الأثَرَةِ، وإنْ شِئتِ فارَقْتُكِ، قالَتْ: بل أستَقرُّ على الأثرَةِ، فأمسَكَها على ذلكَ، ولم يَرَ رافعٌ عليهِ إثمًا حينَ قرَّتْ عندَه على الأثرَةِ» رواه مَعمرٌ عنِ الزُّهريِّ بلَفظِه ومَعناهُ وزادَ: فذلكَ الصُّلحُ الَّذي بلَغَنا أنَّه نزَلَ فيهِ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُه -والله أعلَمُ: (فآثَرَ الشَّابةَ عليها) يريدُ في المَيلِ بنَفسِه إليها والنَّشاطِ لها، لا أنَّه آثَرَها عليها في مَطعمٍ ومَلبسٍ ومَبيتٍ؛ لأنَّ هذا لا يَنبغِي أنْ يُظَنَّ بمِثلٍ رافعٍ، والله أعلَمُ. وذكَرَ أبو بَكر بنُ أبي شيبةَ قالَ: حدَّثَنا أبو الأحوَصِ عَنْ سِماكِ بنِ حَربٍ عن خالدِ ابن عَرعرةَ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ «أنَّ رَجلًا سألَهُ عن هذهِ الآيةِ فقالَ: هي المرأةُ تكونُ عندَ الرِّجلِ فتَنبُو عيناهُ عنها مِنْ دَمامتِها أو فَقرِها أو كِبَرِها أو سُوءِ خلُقِها وتَكرهُ فِراقَه، فإنْ وضَعَتْ له مِنْ مَهرِها شَيئًا حَلَّ له أنْ يأخُذَ، وإنْ جعَلَتْ له مِنْ أيَّامِها فلا حرَجَ».

стр. 9891

وقالَ الضحَّاكُ: لا بأسَ أنْ يَنقصَها مِنْ حَقِّها إذا تزوَّجَ مَنْ هي أشَبُّ منها وأعجَبُ إليهِ. وقالَ مقاتِلُ بنُ حيَّانَ: هو الرَّجلُ تكونُ تحتَه المرأةُ الكبيرةُ فيتزوَّجُ عليها الشابَّةَ فيَقولُ لهذهِ الكبيرةِ: «أُعطيكِ مِنْ مالي على أنْ أَقسِمَ لهذهِ الشابَّةِ أكثَرَ ممَّا أَقسِمُ لكِ مِنْ اللَّيلِ والنَّهارِ» فترضَى الأخرَى بما اصطَلحَا عليهِ، وإنْ أبَتْ ألَّا تَرضَى فعليهِ أنْ يَعدلَ بينَهُما في القَسْمِ. الثَّالثةُ: قالَ عُلماؤُنا: وفي هذا أنَّ أنواعَ الصُّلحِ كلَّها مُباحةٌ في هذهِ النازِلةِ، بأنْ يُعطي الزَّوجُ على أنْ تَصبِرَ هيَ أو تُعطي هيَ على أنْ يُؤثِرَ الزَّوجُ أو على أنْ يُؤثرَ ويَتمسَّكَ بالعِصمةِ، أو يقَعَ الصُّلحُ على الصَّبرِ والأثرَةِ مِنْ غيرِ عَطاءٍ، فهذا كلُّه مُباحٌ، وقد يَجوزُ أنْ تُصالِحَ إحداهُنَّ صاحبتَها عن يَومِها بشَيءٍ تُعطيها، كما فعَلَ أزواجُ النَّبيِّ ﷺ ، وذلكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ غَضِبَ على صَفيَّةِ فقالَتْ لعائِشةَ: «أصلحِي بيني وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ وقدْ وهَبْتُ يوميِ لكِ» ذكَرَه ابنُ خُويزِ مَنداد في أحكامِه عن عائشةَ قالَتْ: «وجَدَ رسولُ اللهِ ﷺ على صَفيةَ في شيءٍ فقالَتْ لي صَفيَّةُ: هل لكِ أنْ تُرضي رسولِ اللهِ ﷺ عنِّي ولكِ يَومِي؟ قالَتْ: فلَبسْتُ خِمارًا كانَ عندِي مَصبوغًا بزَعفرانٍ ونضَحْتُه ثم جِئتُ فجلَسْتُ إلى جَنبِ رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «إليكِ عنِّي، فإنَّه ليسَ بيَومِكِ» فقلتُ: ذلكَ فضلُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يشاءُ، وأخبَرْتُه الخبَرَ فرضِيَ عنها».

стр. 9892

وفيهِ أنْ ترْكَ التَّسويةِ بينَ النِّساءِ وتَفضيلَ بعضِهنَّ على بَعضٍ لا يجوزُ إلَّا بإذنِ المَفضولةِ ورِضاها (١). قالَ الحنفيَّةُ: إذا خافَتِ المَرأةُ مِنْ زَوجِها أنْ يَنفرَ عنها أو يُعرضَ عنها فلها أنْ تُسقِطَ عنهُ حقَّها أو بعضَه مِنْ نَفقةٍ أو كِسوةٍ أو مَبيتِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ حُقوقِها عليهِ، ولهُ أنْ يَقبلَ ذلكَ منها، فلا جُناحَ عليها في بَذلِها ذلكَ لهُ، ولا عليهِ في قبولِه منها، ولهذا قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، ثمَّ قالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: مِنْ الفِراقِ، وروَى أبو داودَ الطَّيالِسيُّ: حدَّثنا سُليمانُ بنُ مُعاذٍ عن سِماكِ بنِ حَربٍ عن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «خَشِيَتْ سَودةُ أنْ يُطلِّقَها رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ لا تُطلِّقْني واجعَلْ يَومِي لعائِشةَ، ففعَلَ ونزَلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] الآية»، ورواهُ التِّرمذيُّ عن مُحمدِ بنِ المُثنَّى عن أبي داودَ الطَّيالسيِّ وقالَ: حسَنٌ غريبٌ، وقيلَ: نزَلَتْ في رافعِ بنِ خديجٍ، طلَّقَ زوْجتَه واحِدةً وتزوَّجَ شابَّةً، فلمَّا قارَنَ انقِضاءَ العدَّةِ قالَتْ: أُصالِحُكَ على بعضِ الأيامِ، ثمَّ لم تَسمحْ، فطلَّقَها أُخرى، ثمَّ سألَتْه ذلكَ فراجَعَها، فنزَلَتْ هذهِ الآيةُ. ويَدخلُ في هذا المعنَى جَميعُ ما يقَعُ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ في مالٍ أو وَطءٍ أو غيرِ ذلكَ، وكلُّ ما تراضَيَا عليهِ مِنْ الصُّلحِ فهو حلالٌ للرَّجلِ مِنْ زوْجتِه للآيةِ المَذكورةِ.

стр. 9893

وإنْ رَضيَتْ إحدَى الزَّوجاتِ بتَركِ قَسْمِها لصاحبتِها جازَ هذا إذا لم يَكنْ بِرشوةٍ مِنْ الزَّوجِ، بأنْ زادَها في مَهرِها لتَفعلَ أو تزوَّجَها بشَرطِ أنْ يتزوَّجَ أخرَى فيُقيمُ عندَها يَومينِ وعندَ المُخاطبةِ يومًا، فإنَّ الشَّرطَ باطلٌ، ولا يَحِلُّ لها المالُ في الصُّورةِ الأُولى، فله أنْ يَرجعَ فيهِ، وأمَّا إذا دفَعَتْ إليهِ أو حطَّتْ عنهُ مالًا لِيَزيدِها فظاهِرٌ أنَّه لا يَلزمُ ولا يَحِلُّ لهُما، ولها أنْ تَرجعَ في مالها؛ لأنَّ ذلكَ أكلُ مالٍ بالباطِلٍ، أو ذلكَ حَقٌّ لا يَجوزُ أخذُ العِوضِ عنهُ؛ لأنَّه لا يَسقطُ مع وُجوبِ السَّببِ المُوجِبِ لهُ، وهو عَقدُ النِّكاحِ، ويُردُّ المالُ إلى صاحبِهِ؛ لأنَّه رِشوةٌ والرِّشوةُ حرامٌ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إذا ظهَرَتْ مِنْ الزَّوجِ أماراتُ النُّشوزِ، لكنَّه لا يَمنعُها حقَّها ولا يُؤذِيها بضَربٍ ونحوِه، إلَّا أنهُ يَكرهُ صُحبتَها لمَرضٍ أو كِبَرٍ ولا يَدعوها إلى فِراشِه، أو يَهُمُّ بطَلاقِها، أو يُكلِّمُها بكَلامٍ غيرِ ليِّنٍ فلا شيءَ عليهِ في هذا، ويُستحبُّ لها أنْ تَسترضِيَه بتَركِ بعضِ حقِّها مِنْ قَسْمٍ أو نَفقةٍ؛ لقَولِه : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، قالَتْ عائِشةُ ﵂: «أنزَلَ اللهُ هذهِ الآيةَ في المَرأةِ إذا دخَلَتْ في السِّنِّ، فتَجعلُ يومَها لامرأةٍ أخرَى» (٢).

стр. 9894

وقالَ الحَنابلةُ: إذا خافَتِ المَرأةُ نُشوزَ زَوجِها وإعراضَه عنها لرَغبتِه عنها إما لمَرضٍ بها أو كِبَرٍ أو دَمامةٍ فلا بأسَ أنْ تضَعَ عنهُ بعضَ حُقوقِها تَسترضِيه بذلكَ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، روَى البُخاريُّ عن عائِشةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] قالَتْ: «هيَ المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجلِ لا يَستكثرُ منها فيُريدُ طلاقَها ويتزوَّجُ عليها تقولُ له: أمسِكْني ولا تُطلِّقْني ثمَّ تزوَّجْ غيرِي فأنتَ في حِلٍّ مِنْ النَّفقةِ عليَّ والقِسمةِ لي». وعَن عائِشةَ ﵂ أنَّ سَودةَ بنتَ زَمعةَ حينَ أسَنَّتْ وفرَقَتْ أنْ يُفارِقَها رسولُ اللهِ ﷺ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ يومِي لعائِشةَ، فقَبِلَ ذلكَ رَسولُ اللهِ ﷺ منها، قالَتْ: «في ذلكَ أنزَلَ اللهُ جَلَّ ثناؤُه وفي أشباهِها أراهُ قالَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]» رواهُ أبو داودَ. ومتَى صالحَتْه على تَركِ شيءٍ مِنْ قَسْمِها أو نَفقتِها أو على ذلكَ كلِّه جازَ، فإنْ رجَعَتْ فلها ذلكَ، قالَ أحمَدُ في الرَّجلِ يَغيبُ عنِ امرأتِه فيَقولُ لها: «إنْ رَضيتِ على هذا وإلَّا فأنتِ أعلَمُ، فتقولُ: قد رَضيتُ» فهو جائزٌ، فإنْ شاءَتْ رجَعَتْ (١).

стр. 9895

ثالِثًا: أنْ يكونَ النُّشوزُ والشِّقاقُ مِنهما معًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ في الجملةِ على أنَّ الزَّوجَينِ إذا حصَلَ بينَهُما شِقاقٌ ونُشوزُ وادَّعى كلُّ واحدٍ منهُما على الآخرِ التَّعدِّي وأنَّه هوَ الَّذي ظلَمَه فإنَّه يُرفَعُ أمرُهُما للحاكمِ، على تَفصيلٍ بينَهم في ذلكَ. قالَ الحنفيَّةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ وادَّعى النُّشوزَ وادَّعتْ هيَ عليهِ ظُلمَه وتَقصيرَهُ في حُقوقِها حِينئذٍ بعَثَ الحاكمُ حكَمًا مِنْ أهلِهِ وحكَمًا مِنْ أهلِها لِيَتولَّيَا النَّظرَ فيما بينَهُما ويَرُدَّا إلى الحاكمِ ما يَقِفانِ عليه مِنْ أمرِهِما، وإنَّما يوجَّهُ الحكَمانِ ليَعظَا الظَّالمَ منهُما ويُنكِرَا عليهِ ظُلمَه، وإعلامُ الحاكمُ بذلكَ ليأخُذَ هو على يدَهِ، فإنْ كانَ الزَّوجُ هو الظَّالمُ أنكَرَا عليهِ ظُلمَه وقالَا: «لا يَحِلُّ لكَ أنْ تُؤذيَها لتَختلعَ مِنْكَ»، وإنْ كانَتْ هي الظَّالمةَ قالَا لها: «قد حَلَّتْ لكَ الفِديةُ»، وكانَ في أخذِها مَعذورًا؛ لِمَا ظهَرَ للحكَمَينِ مِنْ نُشوزِها (١). وقالَ المالكيَّةُ: إنْ أشكلَ الأمرُ فلم يُعلَمْ هل الضَّررُ مِنها أو منهُ؟ بأنْ ادَّعتِ الضَّررَ وتَكرَّرتْ شَكواها ولمْ تُثبِتْ ذلكَ، أو ادَّعى كلٌّ مِنهُما الضَّررَ وتَكرَّرتْ منهُ الشُّكوى ولم يَكنْ لهُ بينَةٌ أمَرَ الحاكمُ بسُكناها بينَ قَومٍ صالِحينَ إنْ لم تَكنْ بَينَهم؛ ليَظهرَ لهم الحالُ فيُخبِروا الحاكمَ بذي الضَّررِ، وإنْ كانَ ساكِنًا بها بَينَ قَومٍ صالِحينَ لم يُكلِّفْه نقْلَها عَنهم.

стр. 9896

ثمَّ إنِ استمرَّ الإشكالُ والنِّزاعُ بعَثَ الحاكمُ حكَمَينِ مِنْ أهلِهما، أي حكَمًا مِنْ أهلِهِ وحكَمًا مِنْ أهلِها إنْ أمكَنَ، فإنْ لم يُمكِنْ فأجنبيَّينِ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إنِ ادَّعى كلُّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ التَّعدِّي وسوءَ الخلُقِ وقبْحَ السَّيرة وأشكلَ الأمرُ بينَهَما ولم يَعرفِ الحاكمُ المُتعدِّي مِنهما تعرَّفَ القاضي الحالَ الواقعَ بينَهُما بثقةٍ واحدٍ يُخبِرُهما، ويَكونُ الثِّقةُ جارًا لهُما، فإنْ لم يَتيسَّرْ أسكَنَهُما في جَنبِ ثقةٍ يتعرَّفُ حالَهُما ثمَّ يُنهي إليهِ ما يَعرِفُه. وإذا تبيَّنَ له حالُهُما منَعَ الظالمَ مِنْ عَودِه لظُلمِه بنَهيِه لهُ أولَ مرَّةٍ بلا تَعزيرٍ، وثانيًا بالتَّعزيرِ؛ لأنهُ كالوليِّ في التَّأديبِ فيَحتاطُ لهُ، وفي الزَّوجةِ بالزَّجرِ والتَّأديبِ كَغيرِها. فإنِ اشتدَّ الشِّقاقُ بينَهُما وذلكَ بأنْ دامَ بينَهُما التَّسابُّ والتَّضاربُ وفَحشَ ذلكَ بعَثَ القاضي وُجوبًا حكَمًا مِنْ أهلِهِ وحكَمًا مِنْ أهلِها ليَنظرَا في أمرِهِما بعدَ اختلاءِ حكَمِه بهِ وحكَمِها بها ومَعرفةِ ما عندَهُما في ذلكَ، ولا يُخفي حكَمٌ عن حكَمٍ شيئًا إذا اجتَمَعا، ويُصلِحا بينَهُما أو يُفرِّقَا بطَلقةٍ إنْ عَسُرَ الإصلاحُ (٢).

стр. 9897

وقالَ الحَنابلةُ: إنِ ادَّعى كلٌّ مِنْ الزَّوجينِ ظلْمَ صاحِبِه أسكَنَهما الحاكمُ إلى جانِبِ ثقةٍ يُشرفُ عليهما ويَكشفُ حالَهُما ليَعلمَ الظَّالمَ مِنهما، ويُلزِمُهما الثِّقةُ الإنصافَ؛ لأنَّ ذلكَ طريقٌ إلى الإنصافِ، فتَعيَّنَ بالحكمِ كالحقِّ، ويَكونُ الإسكانُ المَذكورُ قبْلَ بعْثِ الحكَمَينِ؛ لأنَّهُ أَسهلُ. فإنْ تعذَّرَ إسكانُهُما قُربَ ثقةٍ يُشرفُ عليهما، أو تَعذَّرَ إلزامُهما الحقَّ وتَشاقَّا وخرَجَا إلى الشِّقاقِ والعَداوةِ وبلغَا إلى المشاتَمةِ ولم يُمكِنْ إنصافُ أحدِهِما مِنْ صاحبِه وخِيفَ الشِّقاقُ بينَهما بعَثَ الحاكِمُ حكَمَينِ (١). التَّحكيمُ عندَ الشِّقاقِ بيْنَ الزَّوجينِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ الزَّوجينِ إذا وَصلَا إلى حالةٍ مِنْ الشِّقاقِ والسِّبابِ والنُّفورِ واشتدَّ الخِلافُ بينَهُما وأشكَلَ أمرُهُما وخِيفَ مِنْ تعدِّيهِما إلى ما حرَّمَ اللهُ أنَّه يُبعثُ حكَمانِ حكَمٌ مِنْ أهلِه وحكَمٌ مِنْ أهلِها إنْ وُجِدَا، فيَنظرانِ بينَهُما ويَفعلانِ ما يَريانِ المَصلحةَ فيهِ لهُما مِنْ جَمعٍ أو تَفريقٍ؛ لقَولهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على جَوازِ بَعثِ الحكَمَينِ إذا وقَعَ التَّشاجرُ بينَ الزَّوجينِ وجُهلَتْ أحوالُهُما في التَّشاجُرِ، أعني المُحقُّ

стр. 9898

مِنْ المُبطلِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] الآية (١). إلَّا أنَّ للفُقهاءِ تَفصيلًا واختِلافًا في بَعضِ جُزئياتِ هذا الحَكَمِ، وبيانُ ذلكَ فيما يلي: ١ - مَنْ المُخاطَبُ ببَعثِ الحكَمينِ: ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ المُخاطَبَ ببَعثِ الحكَمَينِ في قولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] الحُكَّامُ والأُمراءُ، وقد نقَلَ ابنُ بطَّالٍ وابنُ عبدِ البَرِّ وغَيرُها الإجماعَ على ذلكَ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العلماءُ أنَّ المُخاطَبَ بقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] الحُكَّامُ والأُمراءُ، وأنَّ قولَه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] يَعني الحكَمَينِ (٢). وقالَ ابنُ عبدُ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَعنى قَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] أنَّ المُخاطَبَ بذلكَ الحُكَّامُ والأُمراءُ، وأنَّ الضَّميرَ في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ للزَّوجَينِ، فإنَّ قولَه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] في الحكَمَينِ في الشِّقاقِ (٣).

стр. 9899

وقيلَ: أنَّ المُخاطَبَ بذلكَ الزَّوجانِ، أي: إنْ يُرِدِ الزَّوجانِ إصلاحًا وصَدقَا فيما أخبَرَا بهِ الحكَمَينِ يُوفِّقِ اللهُ بَينَهما. وقيلَ: الخِطابُ للأولياءِ، يَقولُ: إنْ خِفتُم -أي عَلِمْتُم- خِلافًا بينَ الزَّوجينِ فابعَثُوا حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها (١). قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: الأَولى أنْ يكونَ خِطابًا للحاكمِ النَّاظِرِ بينَ الخَصمَينِ والمانعِ مِنْ التَّعدِّي والظُّلمِ؛ وذلكَ لأنَّه قدْ بيَّنَ أمْرَ الزَّوجِ وأمَرَهُ بوَعظِها وتَخويفِها باللهِ، ثمَّ بهِجرانِها في المَضجعِ إنْ لم تَنزجرْ، ثمَّ بضَربِها إنْ أقامَتْ على نُشوزِها، ثمَّ لم يَجعلْ بعدَ الضَّربِ للزَّوجِ إلَّا المُحاكَمةَ إلى مَنْ يُنصِفُ المَظلومَ منهُما مِنْ الظَّالمِ ويَتوجَّهُ حُكمُه عليهما (٢). ٢ - هل بَعثُ الحكَمينِ واجِبٌ أم مُستحَبٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجبُ بَعثُ الحَكمَينِ أم يُستَحبُّ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ -وهوَ نصُّ الشَّافعيِّ في «الأمِّ» - إلى أنَّ بعْثَ الحكمَينِ واجِبٌ على الحاكمِ أو القاضي؛ لأنَّ هذا مِنْ بابِ رَفعِ الظُّلماتِ، وهو مِنْ الفُروضِ العامَّةِ والمُتأكَّدةِ على القاضي.

стр. 9900

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: فإذا ارتَفعَ الزَّوجانِ المَخُوفُ شِقاقُهما إلى الحاكِمِ فحقٌّ عليهِ أنْ يَبعثَ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها مِنْ أهلِ القناعَةِ والعَقلِ، ليَكشِفَا أمرَهُما ويُصلِحا بَينَهما إنْ قدرَا (١). وقالَ المالكيَّةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ وخرَجَا إلى ما لا يحلُّ مِنْ المُشاتَمةِ والوثوبِ كانَ على السُّلطانِ أنْ يَبعثَ حكمَينِ يَنظرانِ في أمرِهِما وإنْ لم يَترافعَا ويَطلُبَا ذلكَ منهُ، ولا يَحلُّ له أنْ يَتركَهُما على ما هُما عليهِ مِنْ الإثمِ وفسادِ الدِّينِ (٢). وذهَبَ الرّويانِيُّ مِنْ الشَّافعيةِ إلى أنَّ بعْثَ الحكَمينِ مُستحَبٌّ (٣). ٣ - كونُ الحكَمينِ مِنْ أهلِ الزَّوجينِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الأصلَ في الحكَمينِ أنْ يكونَا مِنْ أهلِ الزَّوجينِ، أحدُهُما مِنْ أهلِ المرأةِ والآخَرُ مِنْ أهلِ الرَّجلِ؛ لظَاهرِ قولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، ولأنهُما أدرَى بحالِهما وأعلَمُ ببَواطنِ الأمورِ؛ لأنَّ الزَّوجينِ يُفشِيانِ لأقارِبِهما ما لا يُفشيانِ لغيرِهم.

стр. 9901

وكذلكَ اتَّفقُوا على أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ الحكَمانِ مِنْ غيرِهما إذا لم يكنْ مِنْ أهلِهما مَنْ يَصلحُ لذلكَ. إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا، هل يُشترطُ أنْ يكونَ الحكَمانِ مِنْ أهليهما عندَ وُجودِهما؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ مِنْ غيرِ أهليهما معَ وجودِ أهليهما؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ أنْ يكونَ الحَكمانِ مِنْ أهلِهما؛ لأنهُما إمَّا وَكيلانِ أو حكَمانِ، والقَرابةُ لا تُشترطُ في الحاكمِ ولا في الوكيلِ، وأنَّ الأمرَ الوارِدَ في ذلكَ في قولِه تعالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] هو أمرُ إرشادٍ واستِحبابٍ لا وُجوبٍ (١). وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ وُجوبًا كَونُ الحكَمينِ مِنْ أهلِ الزَّوجينِ، حكَمٌ مِنْ أهلِ الزَّوجِ وحكَمٌ مِنْ أهلِ الزَّوجةِ معَ الإمكانِ، ولا يجوزُ للحاكمِ أنْ يَبعثَ أجنَبيينِ معَ وجودِ الأهلِ ولو واحِدًا. وهل يُنتقضُ الحُكمُ إذا بعَثَ القاضي أجنَبيينِ مع وُجودِهما مِنْ أهلِهما أم لا؟ تَردَّدَ في ذلكَ اللَّخميُّ، قالَ في «التَّوضِيح»: ظاهِرُ الآيةِ أنَّ كَونَهما مِنْ الأهلينَ معَ الوِجدانِ واجِبٌ شَرطًا، وهوَ ما رجَّحَه الدُّسوقيُّ. واختارَ ابنُ شاسٍ أنَّ ذلكَ مِنْ شُروطِ الكمَالِ.

стр. 9902

واختُلفَ فيما لو لم يُمكِنْ كَونُهما مَعًا مِنْ الأهل، بل واحِدٌ فقطْ مِنْ أهلِ أحدِهما والثَّاني أجنبيٌّ؟ فقالَ اللَّخميُّ: يُضمُّ لأهلِ أحدِهما أجنبيٌّ. وقالَ ابنُ الحاجِبِ: يَتعيَّنُ كونُهما أجنَبيينِ، ويُتركُ القَريبُ؛ لئلَّا يَميلَ القَريبُ لقَريبهِ. ويُندبُ كَونُ الحكَمينِ جارَينِ في صُورةِ بَعثِ الأهلينَ إنْ أمكَنَ. ويُندبُ كَونُهما جارَينِ في صُورةِ بَعثِ الأجنَبيينِ إنْ لم يُمكِنْ بَعثُ الأهلينَ. وإذا لم يُوجَدْ في أهلِهما مَنْ يَصلحُ لذلكَ فيُرسلُ مِنْ غيرِهما مِنْ جيرانِهما، فإنْ لم يُمكِنْ فمِن غيرِ جيرانِهما. قالَ القُرطبيُّ ﵀: والحكَمانِ لا يكونانِ إلَّا مِنْ أهلِ الرَّجلِ والمرأةِ؛ إذْ هُما أقعَدُ بأحوالِ الزَّوجينِ، ويكونانِ مِنْ أهلِ العَدالةِ وحُسنِ النَّظرِ والبَصرِ بالفقهِ، فإنْ لم يُوجدْ مِنْ أهلِهما مَنْ يَصلحُ لذلكَ فيُرسِلُ مِنْ غيرِهما عَدلينِ عالِمَينِ (١). وأمَّا الحنفيَّةُ فلمْ أجِدْ لهُم نصًّا في اشتِراطِ أو عَدمِ اشتِراطِ أنْ يكونَ

стр. 9903

الحكَمينِ مِنْ أهلِهما، قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُّ ﵀: وإنَّما أمَرَ اللهُ تعالَى بأنْ يكونَ أحَدُ الحكَمينِ مِنْ أهلِها والآخَرُ مِنْ أهلِه؛ لئلَّا تَسبقَ الظِّنةُ إذا كانَا أجنَبيينِ بالمَيلِ إلى أحدِهما، فإنْ كانَ أحدُهما مِنْ قِبَلِه والآخَرُ مِنْ قِبلِها زالَتِ الظِّنةُ وتكلَّمَ كلُّ واحدٍ منهُما عمَّن هو مِنْ قِبَلِه (١). وكذا ذكَرَ الكاسانِيُّ ﵀ فقالَ: رُفِعَ الأمرُ إلى القاضي ليُوجِّهَ إليهما حكَمينِ حكَمًا مِنْ أهلِه وحكَمًا مِنْ أهلِها كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] (٢). ٤ - صفةُ الحكَمينِ وصَلاحيتُهما، وهل هُما حكَمانِ أم وكيلانِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُبعوثَينِ، هل هُما حكَمانِ يَفعلانِ ما يرَيانِ أنَّه المصلحةُ للزَّوجينِ مِنْ جَمعٍ أو تَفريقٍ بطَلاقٍ أو خُلعٍ؟ أم هُما وَكيلانِ عنِ الزَّوجينِ لا يُبعثانِ إلا برِضاهُما وتَوكيلِهما ولا يَملكانِ التَّفريقَ إلا بإذنِهما؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المبعوثَينِ وكيلانِ عنِ الزَّوجينِ لا يَملكانِ التَّفريقَ إلَّا بإذنِهما جَميعًا؛ لأنَّ البُضعَ حقُّه والمالَ حقُّها وهُما رشيدانِ، فلا يَجوزُ لغيرِهما التَّصرفُ فيه إلَّا بوَكالةٍ منهُما أو ولايةٍ علَيهما، ولأنَّ الطَّلاقَ لا يَدخلُ تحتَ الولايةِ إلَّا في المولَى، وهو خارِجٌ عنِ القِياسِ.

стр. 9904

وعلى هذا يُوكِّلُ الزَّوجُ حكَمَه في التَّطليقِ عليهِ وبقَبولِ العِوضِ في الخُلعِ، وتُوكِّلُ المرأةُ حكَمَها ببَذلِ العِوضِ وقَبولِ الطَّلاقِ. قالَ أبو بكرٍ الجَصاصُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: ليسَ للحكَمَينِ أنْ يُفرِّقَا إلَّا أنْ يرضَى الزَّوجُ؛ وذلكَ لأنَّه لا خِلافَ أنَّ الزَّوجَ لو أقَرَّ بالإساءةِ إليها لم يُفرِّقْ بينَهما ولم يُجبِرْه الحاكمُ على طلاقِها قبلَ تَحكيمِ الحكَمينِ، وكذلكَ لو أقَرَّتِ المرأةُ بالنُّشوزِ لم يُجبِرْها الحاكِمُ على خُلعٍ ولا على رَدِّ مهرِها، فإذا كانَ كذلكَ حكْمُها قبلَ بَعثِ الحكَمَينِ فكذلكَ بعدَ بَعثِهما، لا يجوزُ إيقاعُ الطَّلاقِ مِنْ جهتِهما مِنْ غيرِ رضَى الزَّوجِ وتوكيلِه، ولا إخراجُ المهرِ عَنْ مِلكِها مِنْ غيرِ رضاها، فلذلكَ قالَ أصحابُنا: إنهُما لا يجوزُ خلعُهما إلَّا برِضَى الزَّوجينِ، فقالَ أصحابُنا: ليسَ للحكَمَينِ أنْ يُفرِّقَا إلا برضَى الزَّوجينِ؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَملكُ ذلكَ، فكيفَ يَملكُه الحكَمانِ؟! وإنَّما الحكَمانِ وكيلانِ لهُما، أحَدُهما وَكيلُ المَرأةِ والآخرُ وكيلُ الزَّوجِ في الخُلعِ أو في التَّفريقِ بغيرِ جُعلٍ إنْ كانَ الزَّوجُ قد جُعِلَ إليهِ ذلكَ … والحكَمانِ في الشِّقاقِ إنَّما يتصرَّفانِ بوكالةٍ مَحضةٍ كسائرِ الوَكالاتِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ

стр. 9905

المبعوثَينِ حاكِمانِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى سمَّاهُما حكَمينِ، ولهُما أنْ يَفعَلا ما يرَيانِ مِنْ جَمعٍ أو تَفريقٍ بعِوضٍ وبغيرِ عِوضٍ، ولا يَحتاجانِ إلى تَوكيلِ الزَّوجينِ ولا رِضاهُما؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، فسمَّاهُما حكَمينِ، ولم يَعتبِرْ رضَا الزَّوجَينِ؛ لأنَّه قالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]، فخاطَبَ الحكَمينِ بذلكَ وليسَ الزَّوجينِ، ولأنَّ الخِطابَ الوارِدَ بالأحكامِ وتَنفيذِها يَنصرفُ إلى الأئمَّةِ والحُكَّامِ دونَ أهلِ الخُصوماتِ، ولأنَّ تَسميتَهُما بأنهُما حَكَمانِ يَنفي كونَهُما وَكيلَينِ، وقولُ عليٍّ ﵁ للحكَمينِ: «أتَدْرِيانِ ما عَليكُما، إنْ رأَيْتُما أنْ يُصلِحَا أصلَحْتُما، وإنْ رَأيتُما أنْ يُفرَّقَا فرَّقْتُما»، ولَم يَشتَرطْ رضَا الزَّوجينِ، ولأنَّ للحاكمَ مَدخلًا في إيقاعِ الفُرقةِ بينَ الزَّوجَينِ لإزالةِ الضَّررِ كالطَّلاقِ على المُولِي، والمُعسِرِ بالنَّفقةِ والمَهرِ، وغَيرِه، فإذا كانَ له ذلكَ في إزالةِ الضَّررِ عن أحَدِهما كانَ بأنْ يكونَ في حَقِّهما أَولى (١). وقالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] هذا نَصٌّ مِنْ اللهِ سُبحانَه في أنهُما قاضِيانِ لا وَكيلانِ، وللوكيلِ اسمٌ في الشَّريعةِ ومعنًى، وللحكَمِ اسمٌ في الشَّريعةِ ومَعنًى، فإذا بيَّنَ

стр. 9906

اللهُ سُبحانَه كلَّ واحِدٍ منهُما فلا ينبَغِي لشاذٍّ فكيفَ لِعالِمٍ أنْ يُركِّبَ مَعنَى أحَدِهما على الآخَرِ، فذلكَ تَلبيسٌ وإفسادٌ للأحكامِ، وإنَّما يَسيرانِ بإذنِ اللهِ ويُخلِصانِ النِّيةَ لوَجهِ اللهِ ويَنظُرانِ فيما عندَ الزَّوجَينِ بالتَّثبُّتِ، فإنْ رأَيَا للجَمعٍ وجْهًا جمَعَا، وإنْ وَجداهُما قد أنابَا ترَكاهُما، كما رُويَ «أنَّ عَقيلَ بنَ أبي طالِبٍ تزوَّجَ فاطمةَ بنتَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ فقالَتْ: اصبِرْ لي وأُنفِقُ عليكَ، وكانَ إذا دخَلَ عليها قالَتْ: يا بَنِي هاشِمٍ لا يُحبُّكم قلبِي أبَدًا، أينَ الَّذين أعناقُهُم كأبارِيقِ الفضَّةِ؟ تَرِدُ أنوفُهُم قبْلَ شِفاهِهم، أينَ عُتبةُ بنُ رَبيعةَ؟ أينَ شيبةُ بنُ رَبيعةَ؟ فيَسكتُ، حتَّى دخَلَ عليها يَومًا وهو بَرِمٌ فقالَتْ له: أينَ عُتبةُ بنُ رَبيعةَ؟ فقالَ: على يَسارِكِ في النَّارِ إذا دخَلْتِ، فنشَرَتْ عليها ثيابَها فجاءَتْ عُثمانَ فذكَرَتْ له ذلكَ، فأرسَلَ ابنَ عبَّاسٍ ومُعاوِيةَ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: لَأفرِقَنَّ بينَهُما، وقالَ مُعاويةُ: ما كُنْتُ لِأُفرِّقَ بينَ شَيخَينِ مِنْ بَنِي عبدِ مَنافٍ، فأتَياهُما فوَجداهُما قد سَدَّا عَليهما أبوابَهُما وأصلَحَا أمْرَهُما». وفي رِوايةٍ: «أنهُما لمَّا أتَيَا اشتَمَّا رائِحةً طيِّبةً وهُدُوًّا مِنْ الصَّوتِ، فقالَ لهُ مُعاوِيةُ: ارجِعْ، فإنِّي أرجُو أنْ يكونَا قدِ اصطَلحَا وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أفلَا نَمضيِ فنَنظُرَ أمْرَهُما؟ فقالَ مُعاويةُ: فنَفعلُ ماذَا؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أُقسِمُ باللهِ لَئِنْ دَخلْتُ عليهِما فرَأيتُ الَّذي أخافُ عَليهما منهُ لَأحكُمَنَّ عليهِما ثمَّ لَأفرِقَنَّ بينَهُما». فإنْ وَجداهُما قدِ اختَلفَا سعَيَا في الأُلفةِ وذكَّرَاهما باللهِ تَعالى وبالصُّحبةِ، فإنْ أنابَا وخافَا أنْ يَتمادَى ذلكَ في المُستقبَلِ بما ظهَرَ في

стр. 9907

الماضي فإنْ يكُنْ ما طلَعَا عليهِ في الماضي يُخافُ منهُ التَّمادِي في المُستقبَلِ فرَّقَا بينَهُما (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفُوا في الفُرقةِ بينَهُما هل تَحتاجُ إلى تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجِ أم لا؟ فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: يجوزُ قولُهُما في الفُرقةِ والاجتِماعِ بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ ولا إذنٍ منهُما في ذلكَ، وهو قولُ الشَّعبيِّ وأبي سلَمةَ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ وإبراهيمَ النَّخعيِّ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ، وبهِ قالَ إسحاقُ. ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ في الحكَمينِ: «إنِ اجتَمعَ أمرُهُما على أنْ يُفرِّقَا أو يَجمَعَا جازَ». وقالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهُما: ليسَ لهُما أنْ يُفرِّقَا، إلَّا أنْ يَجعلَ الزَّوجُ إلَيهما التَّفريقَ، وهو قولُ عَطاءٍ والحسَنِ. قالَ ابنُ جُريجٍ: سَمعتُ عطاءً يُسألُ: أيُفرِّقُ الحكَمانِ؟ قالَ: لا، إلَّا أنْ يَجعلَ ذلكَ في أيديهِما الزَّوجانِ. وقالَ الحسَنُ: يَحكمانِ في الاجتِماعِ، ولا يَحكمانِ في الفُرقةِ، وبهِ قالَ أبو ثَورٍ وأحمَدُ وداودُ. وكِلا الطَّائفتَينِ تَحتجُّ بقولِ عليٍّ ﵁، ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَني مَعمرٌ عن أيُّوبَ عن ابنِ سِيرينَ عن عَبيدةَ السَّلمانِيِّ قالَ: «شَهدْتُ

стр. 9908

عليَّ بنَ أبي طالِبٍ وجاءَتْه امرأةٌ معَ زَوجِها معَ كلِّ واحِدٍ منهُما فِئامٌ مِنْ الناسِ، فأخرَجَ هؤلاءِ حكَمًا وهؤلاءِ حكَمًا، فقالَ عليٌّ للحكَمَينِ: «أتَدْريانِ ما عَليكُما؟ إنَّ عَليكُما إنْ رأَيْتُما أنْ تُفرِّقَا فرَّقْتُما، وإنْ رأَيْتُما أنْ تَجمَعَا جَمعْتُما»، فقالَ الزَّوجُ: أمَّا الفُرقةُ فلا، فقالَ عليٌّ: كذَبْتَ واللهِ، لا تَبرحُ حتَّى تَرضَى بكِتابِ اللهِ لكَ وعليكَ، فقالَتِ المرأةُ: رَضيْتُ بكتابِ اللهِ لي وعلَيَّ». وروَى وَكيعٌ عن مُوسى عَنْ عُبيدةَ عن مُحمدِ بنِ كَعبٍ قالَ: قالَ عليٌّ: «الحَكَمانِ بهِما يَجمعُ اللهُ وبهِما يُفرِّقُ». ومِن حُجةِ مَنْ قالَ بقولِ الشَّافعيِّ وأبي حَنيفةَ قولُ عليٍّ ﵁ للزَّوجِ: «لا تَبرحُ حتَّى تَرضَى بما رَضِيَتْ بهِ»، فدَلَّ على أنَّ مَذهبَه أنَّهُما لا يُفرِّقانِ إلَّا برِضَا الزَّوجِ. والأصلُ المُجتمَعُ عليهِ أنَّ الطَّلاقَ بيَدِ الزَّوجِ أو بيَدِ مَنْ جعَلَ ذلكَ إلَيهِ. وجعَلَه مالِكٌ ومَن تابَعَه في بابِ طَلاقِ السُّلطانِ على المُولي والعِنِّينِ. واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في الحَكَمينِ يُطلِّقانِ ثَلاثًا: فقالَ ابنُ القاسِمِ: تَكونُ واحِدةً بائِنةً، ورُويَ نحوُ ذلكَ عن مالِكٍ. وقالَ المُغيرةُ وأشهَبُ: إنْ طلَّقَها ثَلاثًا فهيَ ثلاثٌ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).

стр. 9909

قالَ المالِكيةُ: المَشهورُ أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الوَكالةُ ولا الشهادَةُ ولو كانَا مِنْ جِهةِ الزَّوجينِ، فإذا حكَمَا بطَلاقٍ ولو خُلعًا نفَذَ، ولا يَحتاجُ إلى مُراجَعةِ حاكمِ البلدِ ولا إلى رضَا الزَّوجينِ. ومَحلُّ نُفوذِ طَلاقِهما إنْ لم يَزيدَا في حُكمِهما على طَلقةٍ واحِدةٍ، وإلَّا فلا يَنفذُ الزَّائدُ على الوَاحدةِ؛ لأنَّ الزَّائدَ خارِجٌ عن مَعنَى الإصلاحِ الَّذي بُعثَا إليهِ، وللزَّوجِ رَدُّ الزَّائدِ. وإذا اختَلفَا في العَددِ بأنْ حكَمَ أحَدُهما بواحدةٍ وحكَمَ الآخَرُ باثنتَينِ أو ثَلاثٍ أو بالبتَّةِ فلا يَلزمُ الزَّوجَ إلَّا واحِدةٌ؛ لاتِّفاقِهما عليها على المَشهُورِ. وقيلَ: لا يَلزمُ شَيءٌ؛ لاختِلافِهما. وكذا الحُكمُ لو قالَ أحَدُهما: «أوْقَعْنا معًا اثنتَينِ، أو ثَلاثًا» وقالَ الآخَرُ: «بل أوْقَعْنا معًا واحِدةً» فواحِدةٌ. وعلى الحَكَمينِ أنْ يُصلحَا بينَ الزَّوجينِ بكُلِّ وجهٍ أمكَنُهما للأُلفةِ وحُسنِ المُعاشَرةِ، بأنْ يَخلوَ كلُّ واحدٍ منهُما بقَريبِه ويَسألَه عمَّا كَرهَ مِنْ صاحبِه ويَقولَ لهُ: «إنْ كانَ لكَ حاجةٌ في صاحبِكِ ردَدْناهُ إلى ما تَختارُ معهُ»، فإنْ تعذَّرَ عليهِما ذلكَ نظَرَا؛ فإنْ كانَتِ الإساءةُ مِنْ الزَّوجِ طلَّقَا عليهِ بلا شَيءٍ يأخُذانِه منها لهُ مِنْ صَداقٍ ولا غيرِه، وإنْ كانَتِ الإساءةُ منها ائْتَمناهُ عليها، بمَعنَى أنهُما يَجعلانِه أمينًا عليها بالعَدلِ وحُسنِ العِشرةِ، وإنْ رأَيَا أنْ يأخُذَا له منها شَيئًا ويُوقِعَا الفِراقَ بينَهُما فَعَلا إنْ كانَ ذلكَ نظَرًا وسَدادًا، ولو كانَ ما أخَذاهُ منها لهُ أكثَرَ مِنْ صَداقِها إنْ أحَبَّ الزَّوجُ الفِراقَ أو عَلِمَا أنها لا تَستقيمُ معهُ.

стр. 9910

وإنْ كانَتِ الإساءةُ منهُما معًا ولو غلَبَتْ مِنْ أحَدِهما على الآخَرِ فهل يَتعيَّنُ عندَ العَجزِ عنِ الإصلاحِ الطَّلاقُ بلا عِوضٍ منها إنْ لم تَرْضَ بالمَقامِ معهُ؟ أو لهما أنْ يُخالِعَا بالنَّظرِ على شَيءٍ يَسيرٍ منها لهُ؟ وعلى الأوَّلِ أكثَرُ الأشياخِ. وإذا عَلِمْنا أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الشَّهادةُ ولا الوَكالةُ كما قِيلَ، فإذا حكَمَا بينَ الزَّوجينِ فإنهُما يأتِيانِ إنْ شاآ إلى الحاكِمِ الَّذي أرسَلَهما يُخبِرانِه بما حكَمَا بهِ، وعليهِ أنْ يُنفذَ حُكمَهما، ونفَذَ طَلاقُهما وإنْ لم يرْضَ الزَّوجانُ والحاكِمُ. وقيلَ: يَجبُ أنْ يَذهبَا إلى الحاكمِ الَّذي أرسَلَهما، فيُخبِراهُ بما فَعَلا لِيَحتاطَ عِلمُه بالقَضيةِ، فإذا أخبَراهُ وجَبَ عليهِ إمضاؤُه مِنْ غيرِ تَعقُّبٍ وإنْ خالَفَ مَذهبَه، بل يَحكمُ بما حكَمَا بهِ؛ ليَرفعَ حُكمُه الخِلافَ بينَ العُلماءِ؛ ليَصيرَ رَفعُ الخِلافِ متَّفَقًا عليهِ حِينئذٍ. ويَجوزُ للزَّوجينِ أنْ يُقيمَا واحِدًا يَحكمُ بينَهُما على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ مِنْ كَونِه عَدلًا عارِفًا بما يَحكمُ به في هذا البابِ، ولا يَجوزُ ذلكَ للحاكمِ ولا لوَليِّ الزَّوجينِ المَحجورَينِ؛ لأنَّ في ذلكَ إسقاطًا لحَقٍّ الزَّوجينِ، لكنْ إنْ نزَلَ لا يُنقضُ حُكمُه كما عليهِ الباجِي، وقالَ اللَّخميُّ: يَجوزُ للسُّلطانِ وللوَليينِ أنْ يُقيمَا رَجلًا أجنَبيًّا يَحكمُ بينَ الزَّوجينِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ حيثُ كانَ أجنَبيًّا مِنها، قال: لأنَّه إنَّما جُعلَ رَجلانِ إذا كانَا مِنْ الأهلِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يَستَنبطُ
следующие страницы →