قالَ المالِكيةُ: المَشهورُ أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الوَكالةُ ولا الشهادَةُ ولو كانَا مِنْ جِهةِ الزَّوجينِ، فإذا حكَمَا بطَلاقٍ ولو خُلعًا نفَذَ، ولا يَحتاجُ إلى مُراجَعةِ حاكمِ البلدِ ولا إلى رضَا الزَّوجينِ.
ومَحلُّ نُفوذِ طَلاقِهما إنْ لم يَزيدَا في حُكمِهما على طَلقةٍ واحِدةٍ، وإلَّا فلا يَنفذُ الزَّائدُ على الوَاحدةِ؛ لأنَّ الزَّائدَ خارِجٌ عن مَعنَى الإصلاحِ الَّذي بُعثَا إليهِ، وللزَّوجِ رَدُّ الزَّائدِ.
وإذا اختَلفَا في العَددِ بأنْ حكَمَ أحَدُهما بواحدةٍ وحكَمَ الآخَرُ باثنتَينِ أو ثَلاثٍ أو بالبتَّةِ فلا يَلزمُ الزَّوجَ إلَّا واحِدةٌ؛ لاتِّفاقِهما عليها على المَشهُورِ.
وقيلَ: لا يَلزمُ شَيءٌ؛ لاختِلافِهما.
وكذا الحُكمُ لو قالَ أحَدُهما: «أوْقَعْنا معًا اثنتَينِ، أو ثَلاثًا» وقالَ الآخَرُ: «بل أوْقَعْنا معًا واحِدةً» فواحِدةٌ.
وعلى الحَكَمينِ أنْ يُصلحَا بينَ الزَّوجينِ بكُلِّ وجهٍ أمكَنُهما للأُلفةِ وحُسنِ المُعاشَرةِ، بأنْ يَخلوَ كلُّ واحدٍ منهُما بقَريبِه ويَسألَه عمَّا كَرهَ مِنْ صاحبِه ويَقولَ لهُ: «إنْ كانَ لكَ حاجةٌ في صاحبِكِ ردَدْناهُ إلى ما تَختارُ معهُ»، فإنْ تعذَّرَ عليهِما ذلكَ نظَرَا؛ فإنْ كانَتِ الإساءةُ مِنْ الزَّوجِ طلَّقَا عليهِ بلا شَيءٍ يأخُذانِه منها لهُ مِنْ صَداقٍ ولا غيرِه، وإنْ كانَتِ الإساءةُ منها ائْتَمناهُ عليها، بمَعنَى أنهُما يَجعلانِه أمينًا عليها بالعَدلِ وحُسنِ العِشرةِ، وإنْ رأَيَا أنْ يأخُذَا له منها شَيئًا ويُوقِعَا الفِراقَ بينَهُما فَعَلا إنْ كانَ ذلكَ نظَرًا وسَدادًا، ولو كانَ ما أخَذاهُ منها لهُ أكثَرَ مِنْ صَداقِها إنْ أحَبَّ الزَّوجُ الفِراقَ أو عَلِمَا أنها لا تَستقيمُ معهُ.
стр. 9910
وإنْ كانَتِ الإساءةُ منهُما معًا ولو غلَبَتْ مِنْ أحَدِهما على الآخَرِ فهل يَتعيَّنُ عندَ العَجزِ عنِ الإصلاحِ الطَّلاقُ بلا عِوضٍ منها إنْ لم تَرْضَ بالمَقامِ معهُ؟ أو لهما أنْ يُخالِعَا بالنَّظرِ على شَيءٍ يَسيرٍ منها لهُ؟ وعلى الأوَّلِ أكثَرُ الأشياخِ.
وإذا عَلِمْنا أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الشَّهادةُ ولا الوَكالةُ كما قِيلَ، فإذا حكَمَا بينَ الزَّوجينِ فإنهُما يأتِيانِ إنْ شاآ إلى الحاكِمِ الَّذي أرسَلَهما يُخبِرانِه بما حكَمَا بهِ، وعليهِ أنْ يُنفذَ حُكمَهما، ونفَذَ طَلاقُهما وإنْ لم يرْضَ الزَّوجانُ والحاكِمُ.
وقيلَ: يَجبُ أنْ يَذهبَا إلى الحاكمِ الَّذي أرسَلَهما، فيُخبِراهُ بما فَعَلا لِيَحتاطَ عِلمُه بالقَضيةِ، فإذا أخبَراهُ وجَبَ عليهِ إمضاؤُه مِنْ غيرِ تَعقُّبٍ وإنْ خالَفَ مَذهبَه، بل يَحكمُ بما حكَمَا بهِ؛ ليَرفعَ حُكمُه الخِلافَ بينَ العُلماءِ؛ ليَصيرَ رَفعُ الخِلافِ متَّفَقًا عليهِ حِينئذٍ.
ويَجوزُ للزَّوجينِ أنْ يُقيمَا واحِدًا يَحكمُ بينَهُما على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ مِنْ كَونِه عَدلًا عارِفًا بما يَحكمُ به في هذا البابِ، ولا يَجوزُ ذلكَ للحاكمِ ولا لوَليِّ الزَّوجينِ المَحجورَينِ؛ لأنَّ في ذلكَ إسقاطًا لحَقٍّ الزَّوجينِ، لكنْ إنْ نزَلَ لا يُنقضُ حُكمُه كما عليهِ الباجِي، وقالَ اللَّخميُّ: يَجوزُ للسُّلطانِ وللوَليينِ أنْ يُقيمَا رَجلًا أجنَبيًّا يَحكمُ بينَ الزَّوجينِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ حيثُ كانَ أجنَبيًّا مِنها، قال: لأنَّه إنَّما جُعلَ رَجلانِ إذا كانَا مِنْ الأهلِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يَستَنبطُ
стр. 9911
عِلمَ مَنْ هو مِنْ قِبَلِه، فإذا خرَجَا عن أنْ يكونَا مِنْ الأهلِ أجزَأَ واحِدٌ.
ويَجوزُ للزَّوجينِ إذا أقامَا حكَمَينِ أنْ يَرجعَا عن ذلكَ ويَعزِلا الحَكَمينِ ما لم يَستوعِبَا الكَشفَ عن أمرِ الزَّوجينِ ويَعزِمَا على الحُكمِ بينَهُما، أمَّا إنِ استَوعَبَا الكَشفَ بينَ الزَّوجينِ وعَرفَا أمْرَهما وعزَمَا على الحُكمِ بينَهُما فإنهُ حينئذٍ لا عِبرةَ برُجوعِ مَنْ رجَعَ مِنْ الزَّوجينِ، ويَلزمُهُما ما يَحكمانِ به مِنْ أمرِهما، وسواءٌ رجَعَ أحَدُهما أو رجَعَا معًا، وظاهِرُه: ولو رَضيَا بالبقاءِ، وهو ظاهِرُ «الموازيَّة»، وقالَ ابنُ يُونسُ: لعلَّه يُريدُ: إذا رجَعَ أحَدُهما، أمَّا إذا رجَعَا ورَضيَا بالإصلاحِ والبقاءِ فيَنبغِي أنْ لا يُفرَّقَ بينَهُما.
وإذا اتَّفقَ الحَكمانِ على وُقوعِ الطَّلاقِ واختَلفَا في العِوضِ فقالَ أحَدُهما: «وقَعَ الطَّلاقُ بعِوضٍ» وقالَ الآخَرُ: «بلا عِوضٍ» فإنِ التزَمَتِ المرأةُ المالَ وقَعَ الطَّلاقُ وبانَتْ منهُ، وإلَّا فلا يقَعُ طَلاقٌ أصلًا وعادَ الحالُ كما كانَ؛ لأنَّ مَجموعَهُما قائمٌ مقامَ الحاكمِ الواحدِ، ولا وُجودَ للمَجموعِ عندَ انتفاءِ بعضِ أجزائِهِ، وهذا إنِ اختَلفَا في أصلهِ.
أمَّا لو اختَلفَا في قَدرِه لَوجَبَ له خُلعُ المِثلِ، وكذا في صِفتِه وجِنسِه كذا يَنبغي، ويَنبغي ما لم يَزِدْ خُلعُ المِثلِ على دَعواهُما جَميعًا أو يَنقصْ عَنْ دعوَى أقلِّهِما (١).
стр. 9912
٥ - الحُكمُ إذا اختَلفَ الحَكَمانِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ شَرطِ نُفوذِ حُكمِ الحَكَمينِ أنْ يتَّفقَا على الحُكمِ.
قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الحَكَمينِ إذا اختَلفَا لم يَنفذْ قَولُهما، وأنَّ قَولَهما نافِذٌ في الجَمعِ بينَهُما بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ (١).
وكذا قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀، حيثُ قالَ: وأجمَعُوا أنَّ الحَكَمينِ إذا اختَلفَا لم يَنفذْ قَولُهما، وأجمَعُوا أنَّ قَولَهما نافِذٌ في الجَمعِ بينَهُما بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الحَكَمينِ إذا اختَلفَا لم يَنفذْ قَولُهما، وأجمَعُوا على أنَّ قَولَهما في الجَمعِ بينَهُما نافِذٌ بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ (٣).
стр. 9913
كتاب الخلع
стр. 9914
كتاب الخلع
تعريفُ الخُلعِ:
الخَلعُ بالفَتحِ لُغةً: النَّزعُ، ومنهُ خالَعَتِ المرأةُ زَوْجَها إذا افتَدَتْ منهُ بمالٍ، وهو استِعارةٌ مِنْ خَلْعِ اللِّباسِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما لِباسٌ للآخَرِ ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فإذا فعَلَا ذلكَ فكأنَّ كلَّ واحِدٍ نزَعَ لِباسَه عنهُ.
والخُلعُ بالضَّمِّ: اسمٌ مِنْ الخلْعِ (١).
ويُسمَّى الافتِداءَ؛ لأنها تَفتَدي نفْسَها منهُ بما تَبذلُه مِنْ العِوضِ (٢).
стр. 9915
الخُلعُ شَرعًا:
تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الخُلعِ؛ تَبعًا لاختِلافِ مَذاهِبهِم في حَقيقتِه؛ هل هو طَلاقٌ أم فَسخٌ؟
فعرَّفَه الحنفيَّةُ بأنَّه: إزالةُ مِلكِ النِّكاحِ ببَدلٍ بلَفظِ الخُلعِ (١)، هكذا ذكَرَه ابنُ الهُمامِ.
لكنْ قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: الخُلعُ: إزالةُ مِلكِ النِّكاحِ المُتوقِّفةُ على قَبولِها بلَفظِ الخُلعِ أو ما في مَعناهُ.
ثمَّ قالَ: وقَولي أيضًا أَولَى ممَّا اختارَهُ في «فَتْح القَديرِ» مِنْ أنَّه: «إزالةُ مِلكِ النِّكاحِ ببَدلٍ بلَفظِ الخُلعِ»؛ لأنَّه يَرِدُ عليهِ ما إذا قالَ: «خالَعتُكِ» ولم يُسمِّ شَيئًا فقَبِلَتْ، فإنهُ خُلعٌ مُسقِطٌ للحُقوقِ كما في «الخُلاصَة»، إلَّا أنْ يُقالَ: مَهرُها الَّذي سقَطَ به بدلٌ، فلم يَعرَ عنِ البَدلِ.
فإنْ قُلتَ: لو كانَتْ قبَضَتْ جَميعَ المَهرِ ما حُكمُه؟
قُلتُ: ذكَرَ قاضي خان أنها تَرُدُّ عليهِ ما ساقَ إليها مِنْ الصَّداقِ كما ذكَرَهُ الحاكمُ الشَّهيدُ في «المُختصَر» وخُواهِر زادَه، وأخَذَ بهِ ابنُ الفَضلِ، قالَ القاضي: وهذا يُؤيِّدُ ما ذكَرْنا عَنْ أبي يُوسفَ أنَّ الخُلعَ لا يكونُ إلَّا بعِوضٍ (٢).
стр. 9916
وقالَ المالكيَّةُ: الخُلعُ: إزالةُ عِصمةِ الزَّوجِة بصَريحِ لَفظٍ أو كِنايةٍ ظاهِرةٍ أو بلَفظٍ ما معَ نيَّةٍ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: الخُلعُ: فُرقةٌ بيْنَ الزَّوجينِ بعِوضٍ مَقصودٍ راجِعٍ لجهَةِ الزَّوجِ بلَفظِ طلاقٍ أو خُلعٍ، كقولِه: «طلَّقْتُكِ، أو خالَعتُكِ على كذا» فتَقبَل (٢).
ويَحصلُ عِندَهم أيضًا بلَفظِ المُفاداةِ، وبصَرائِحِ الطَّلاقِ، وبلَفظِ الفَسخِ معَ النِّيةِ، وبكِناياتِ الطَّلاقِ معَ النِّيةِ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: الخُلعُ: هو فِراقُ زَوجٍ زوْجتَه بعِوضٍ يأخُذُه الزَّوجُ مِنها أو مِنْ غيرِها بألفاظٍ مَخصوصةٍ (٤).
ﷺ ثابِتًا فقالَ: خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها، فقالَ: ويَصلُحُ ذلكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنِّي أصدَقْتُها حَديقتَينِ وهُما بيَدِها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : خُذْهُما ففارِقْها، ففعَلَ» (١).
والَّذي عليهِ الجُمهورُ مِنْ الفُقهاءِ أنَّه يَجوزُ الخُلعُ مِنْ غيرِ اشتِكاءِ ضَررٍ كما دلَّ عليهِ حَديثُ البُخاريِّ وغيرُه، وأمَّا الآيةُ فلا حُجَّةَ فيها؛ لأنَّ اللهَ لم يَذكُرْها على جِهةِ الشَّرطِ، وإنَّما ذكَرَها لأنهُ الغالِبُ مِنْ أحوالِ الخُلعِ، فخرَجَ القَولُ على الغالِبِ، والَّذي يَقطعُ العُذرَ ويُوجِبُ العِلمَ قَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: القِسمُ الثَّاني مِنْ المُباحِ: أنْ تكونَ الحالُ مُستقيمةً بيْنَ الزَّوجَينِ ولا يَكرهُ أحَدُهما الآخَرَ فتَراضَيَا على الخُلعِ .. فيَصحُّ الخُلعُ، ويَحلُّ للزَّوجِ ما بذَلَتْ له، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ وأكثرُ أهلِ العِلمِ.
وقالَ النَّخَعيُّ والزُّهريُّ وعَطاءٌ وداودُ وأهلُ الظَّاهرِ: لا يَصحُّ الخُلعُ ولا يَحلُّ له ما بذَلَتْه، واختارَه ابنُ المُنذِرِ (٣).
إلَّا أنَّ الحَنابلةَ في المَذهبِ قالُوا بجَوازِه معَ الكَراهةِ؛ لحَديثِ: «أيُّما
стр. 9927
امرأةٍ سألَتْ زوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ ما بَأسٍ فحَرامٌ عليها رائِحةُ الجَنَّةِ» (١)، ولأنَّه عبَثٌ لا حاجةَ إليهِ (٢).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ اختارَها بعضُ أصحابِهِ كابنِ قُدامةَ وغيرِه وابنُ المُنذِرِ مِنْ الشَّافعيةِ وأهلُ الظَّاهِرِ إلى أنَّ الخُلعَ لا يَصحُّ إلَّا في حالةِ الشِّقاقِ والخَوفِ ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، وأمَّا في حالةِ الوِفاقِ فلا يَصحُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فدلَّ بمَفهومِه على أنَّ الجُناحَ لاحِقٌ بهما إذا افتَدَتْ مِنْ غَيرِ خَوفٍ، ثُمَّ غَلَّظَ بالوَعيدِ فقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وروَى ثَوبانُ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ سألَتْ زوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ ما بأسٍ فحَرامٌ عليها رائِحةُ الجَنَّةِ» (٣).
وعن أبي هُرَيرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «المُنْتَزِعاتُ والمُخْتلِعاتُ هنَّ المُنافِقاتُ» (٤)، وهذا يَدلُّ على تَحريمِ المُخالَعةِ لغيرِ
стр. 9928
حاجةٍ، ولأنَّه إضرارٌ بها وبزَوجِها وإزالةٌ لمَصالِحِ النِّكاحِ مِنْ غيرِ حاجَةٍ فحَرُمَ؛ لقَولِه ﵇: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ» (١).
القسمُ الثالثُ: وهوَ مُحرَّمٌ بالاتِّفاقِ: وهو أنْ يَضربَها أو يُخوِّفَها بالقَتلِ أو يُضيِّقَ عليها أو يَمنعَها نفَقتَها وكِسوَتَها ونحوَ ذلكَ لتُخالِعَه؛ فاتَّفقَ العُلماءُ على حُرمتِه وعلى أنَّ هذا مَحظورٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. والعَضْلُ: المَنْعُ.
إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا فيما لو خالَعَتْه في هذهِ الحالَةِ؛ هل يَبطلُ الخُلعُ ويُعتبَرُ طلاقًا ويَردُّ لها ما أخَذَه مِنها؟ أو يَصحُّ الخُلعُ والعِوضُ لازمٌ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها لو خالَعَتْه في هذهِ الحالَةِ لم يَصحَّ الخُلعُ ولا يَملكُ الزَّوجُ ما بذَلَتْه على ذلكَ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ أُكرهَتْ عليهِ بغيرِ حَقٍّ، فلم يَستحِقَّ فيهِ العِوضَ كالبيعِ.
قالَ المالِكيةُ: إنْ خالَعَتْه لخَوفِ ضَرَرِه أو لظُلمٍ ظلَمَها أو أضَرَّ بها نفَذَ الطَّلاقُ ورَدَّ ما أخَذَه منها، فأمَّا نُفوذُ الطَّلاقِ؛ فلأنَّه هو ألزَمَ نفْسَه فلا سَبيلَ
стр. 9929
إلى رَفعِه، وأمَّا وُجوبُ رَدِّ ما أخَذَه؛ فلأنَّه كانَ مُستحَقًّا عليهِ إزالةُ الضَّررِ عنها بغيرِ عِوضٍ، وما لَزمَ الإنسانَ إزالتُه بغيرِ عِوضٍ لم يَجُزْ له أخذُ العِوضِ عليهِ (١).
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ في المُفتدِيةِ الَّتي تَفتدِي مِنْ زَوجِها: أنَّه إذا عُلِمَ أنَّ زوْجَها أضَرَّ بها وضَيَّقَ عليها وعُلِمَ أنَّه ظالِمٌ لها حتَّى افتَدَتْ منهُ مضَى الطَّلاقُ ورُدَّ عليها مالُها، قالَ: فهذا الَّذي كُنْتُ أسمَعُ والَّذي عليهِ أمرُ النَّاسِ عندَنا (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ خالَعَتْه في هذهِ الحالةِ .. وقَعَ الطَّلاقُ ولا يَملِكُ الزَّوجُ ما بذَلَتْه على ذلكَ، فإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ .. كانَ رَجعيًّا ولهُ أنْ يُراجعَها؛ لأنَّ الرَّجعةَ إنَّما تَسقطُ بالعِوضِ، وقد سقَطَ العِوضُ، فتَثبتُ الرَّجعةُ فيه (٣).
إلَّا أنَّ الإمامَ النَّوويَّ ﵀ قالَ في «الرَّوضةِ»: وإذا أكرَهَها بالضَّربِ ونحوِه فاختلَعَتْ فقالَتْ مُبتدِئةً: «خالِعْنِي على كذا» ففعَلَ لم يَصحَّ الخُلعُ، ويَكونُ الطَّلاقُ رَجعيًّا إنْ لم يُسمِّ مالًا، وإنْ سمَّاهُ لمْ يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنها لم تَقبلْ مُختارةً.
стр. 9930
وفي «التَّتمَّة» وجهٌ: أنَّه لا يَقعُ الطَّلاقُ وإنْ لم يَسمِّ المالَ.
ولو ابتَدأَ وقالَ: «طلَّقتُكِ على كذا» وأكرَهَها بالضَّربِ على القَبولِ لم يقَعْ شيءٌ.
وإذا ادَّعتْ أنَّه أكرَهَها على بَذلِ مالٍ عِوضًا عنِ الطَّلاقِ وأقامَتِ البَّينةَ فالمالُ مَردودٌ إليها والطَّلاقُ واقعٌ وله الرَّجعَةُ، نَصَّ عليهِ.
قالَ الأصحابُ: مَوضِعُ الرَّجعةِ إذا لم يَعتَرفْ بالخُلعِ، بل أنكَرَ المالَ أو سكَتَ.
فأمَّا إنِ اعتَرفَ بالخُلعِ وأنكَرَ الإكراهَ فالطَّلاقُ بائِنٌ بقَولِه، ولا رَجعةَ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالُوا أنَّه لا يَملكُ العِوضَ في هذهِ الحالةِ، والخَلعُ باطِلٌ والعِوضُ مَردودٌ، والزَّوجيَّةُ بحالِها إنْ قُلنا هو فَسخٌ ولم يَنوِ به الطَّلاقَ لم يقَعْ شيءٌ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّ الخُلعَ بغيرِ عِوضٍ لا يقَعُ على إحدَى الرِّوايتَينِ.
وعلى الرِّوايةِ الأُخرى: إنَّما رَضيَ بالفَسخِ هاهُنا بالعِوضِ؛ فإذا لم يَحصُلْ لهُ العِوضُ لا يَحصلُ المُعوَّضُ.
وعلى القَولِ بأنَّ الخُلعَ طلاقٌ فيَقعُ الطَّلاقُ بغيرِ عِوضٍ، فإنْ كانَ أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ فله رَجعتُها؛ لأنَّ الرَّجعةَ إنَّما سقَطَتْ بالعِوضِ، فإذا سقَطَ العوضُ ثَبتتِ الرَّجعةُ.
стр. 9931
وأمَّا إذا طلَّقَها -بأنْ أجابَها بلَفظِ طلاقٍ أو بلَفظِ خُلعٍ معَ نيَّةِ الطَّلاقِ- فيَقعُ طلاقًا رَجعيًّا ولا تَبِينُ منه؛ لفِسادِ العِوضِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النُّشوزَ إذا كانَ مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ -أي: النَّفرةُ والجَفاءُ منهُ- صَحَّ الخُلعُ ووقَعَ طَلقةً رَجعيَّةً، ولكنْ يُكرهُ له أنْ يأخُذَ منها قَليلًا أو كَثيرًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، نهَى عن أخذِ شَيءٍ ممَّا آتاها مِنَ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقَولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠].
وقَولُه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضَيِّقُوا عليهنَّ لتَذهَبوا ببعضِ ما آتَيتُموهُنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي إلا أنْ يَنشُزْنَ، نهَى الأزواجَ عن أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهُنَّ واستَثنَى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستثنَى يُخالِفُ حُكمَ المُستثنَى منهُ، فيَقتضِي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهُنَّ عندَ عَدمِ النُّشوزِ منهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتى لا يَملكَ استِردادَه؛ لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ به، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ، والمَرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ (٢).