← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

اللهُ سُبحانَه كلَّ واحِدٍ منهُما فلا ينبَغِي لشاذٍّ فكيفَ لِعالِمٍ أنْ يُركِّبَ مَعنَى أحَدِهما على الآخَرِ، فذلكَ تَلبيسٌ وإفسادٌ للأحكامِ، وإنَّما يَسيرانِ بإذنِ اللهِ ويُخلِصانِ النِّيةَ لوَجهِ اللهِ ويَنظُرانِ فيما عندَ الزَّوجَينِ بالتَّثبُّتِ، فإنْ رأَيَا للجَمعٍ وجْهًا جمَعَا، وإنْ وَجداهُما قد أنابَا ترَكاهُما، كما رُويَ «أنَّ عَقيلَ بنَ أبي طالِبٍ تزوَّجَ فاطمةَ بنتَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ فقالَتْ: اصبِرْ لي وأُنفِقُ عليكَ، وكانَ إذا دخَلَ عليها قالَتْ: يا بَنِي هاشِمٍ لا يُحبُّكم قلبِي أبَدًا، أينَ الَّذين أعناقُهُم كأبارِيقِ الفضَّةِ؟ تَرِدُ أنوفُهُم قبْلَ شِفاهِهم، أينَ عُتبةُ بنُ رَبيعةَ؟ أينَ شيبةُ بنُ رَبيعةَ؟ فيَسكتُ، حتَّى دخَلَ عليها يَومًا وهو بَرِمٌ فقالَتْ له: أينَ عُتبةُ بنُ رَبيعةَ؟ فقالَ: على يَسارِكِ في النَّارِ إذا دخَلْتِ، فنشَرَتْ عليها ثيابَها فجاءَتْ عُثمانَ فذكَرَتْ له ذلكَ، فأرسَلَ ابنَ عبَّاسٍ ومُعاوِيةَ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: لَأفرِقَنَّ بينَهُما، وقالَ مُعاويةُ: ما كُنْتُ لِأُفرِّقَ بينَ شَيخَينِ مِنْ بَنِي عبدِ مَنافٍ، فأتَياهُما فوَجداهُما قد سَدَّا عَليهما أبوابَهُما وأصلَحَا أمْرَهُما». وفي رِوايةٍ: «أنهُما لمَّا أتَيَا اشتَمَّا رائِحةً طيِّبةً وهُدُوًّا مِنْ الصَّوتِ، فقالَ لهُ مُعاوِيةُ: ارجِعْ، فإنِّي أرجُو أنْ يكونَا قدِ اصطَلحَا وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أفلَا نَمضيِ فنَنظُرَ أمْرَهُما؟ فقالَ مُعاويةُ: فنَفعلُ ماذَا؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أُقسِمُ باللهِ لَئِنْ دَخلْتُ عليهِما فرَأيتُ الَّذي أخافُ عَليهما منهُ لَأحكُمَنَّ عليهِما ثمَّ لَأفرِقَنَّ بينَهُما». فإنْ وَجداهُما قدِ اختَلفَا سعَيَا في الأُلفةِ وذكَّرَاهما باللهِ تَعالى وبالصُّحبةِ، فإنْ أنابَا وخافَا أنْ يَتمادَى ذلكَ في المُستقبَلِ بما ظهَرَ في

стр. 9907

الماضي فإنْ يكُنْ ما طلَعَا عليهِ في الماضي يُخافُ منهُ التَّمادِي في المُستقبَلِ فرَّقَا بينَهُما (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفُوا في الفُرقةِ بينَهُما هل تَحتاجُ إلى تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجِ أم لا؟ فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: يجوزُ قولُهُما في الفُرقةِ والاجتِماعِ بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ ولا إذنٍ منهُما في ذلكَ، وهو قولُ الشَّعبيِّ وأبي سلَمةَ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ وإبراهيمَ النَّخعيِّ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ، وبهِ قالَ إسحاقُ. ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ في الحكَمينِ: «إنِ اجتَمعَ أمرُهُما على أنْ يُفرِّقَا أو يَجمَعَا جازَ». وقالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهُما: ليسَ لهُما أنْ يُفرِّقَا، إلَّا أنْ يَجعلَ الزَّوجُ إلَيهما التَّفريقَ، وهو قولُ عَطاءٍ والحسَنِ. قالَ ابنُ جُريجٍ: سَمعتُ عطاءً يُسألُ: أيُفرِّقُ الحكَمانِ؟ قالَ: لا، إلَّا أنْ يَجعلَ ذلكَ في أيديهِما الزَّوجانِ. وقالَ الحسَنُ: يَحكمانِ في الاجتِماعِ، ولا يَحكمانِ في الفُرقةِ، وبهِ قالَ أبو ثَورٍ وأحمَدُ وداودُ. وكِلا الطَّائفتَينِ تَحتجُّ بقولِ عليٍّ ﵁، ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَني مَعمرٌ عن أيُّوبَ عن ابنِ سِيرينَ عن عَبيدةَ السَّلمانِيِّ قالَ: «شَهدْتُ

стр. 9908

عليَّ بنَ أبي طالِبٍ وجاءَتْه امرأةٌ معَ زَوجِها معَ كلِّ واحِدٍ منهُما فِئامٌ مِنْ الناسِ، فأخرَجَ هؤلاءِ حكَمًا وهؤلاءِ حكَمًا، فقالَ عليٌّ للحكَمَينِ: «أتَدْريانِ ما عَليكُما؟ إنَّ عَليكُما إنْ رأَيْتُما أنْ تُفرِّقَا فرَّقْتُما، وإنْ رأَيْتُما أنْ تَجمَعَا جَمعْتُما»، فقالَ الزَّوجُ: أمَّا الفُرقةُ فلا، فقالَ عليٌّ: كذَبْتَ واللهِ، لا تَبرحُ حتَّى تَرضَى بكِتابِ اللهِ لكَ وعليكَ، فقالَتِ المرأةُ: رَضيْتُ بكتابِ اللهِ لي وعلَيَّ». وروَى وَكيعٌ عن مُوسى عَنْ عُبيدةَ عن مُحمدِ بنِ كَعبٍ قالَ: قالَ عليٌّ: «الحَكَمانِ بهِما يَجمعُ اللهُ وبهِما يُفرِّقُ». ومِن حُجةِ مَنْ قالَ بقولِ الشَّافعيِّ وأبي حَنيفةَ قولُ عليٍّ ﵁ للزَّوجِ: «لا تَبرحُ حتَّى تَرضَى بما رَضِيَتْ بهِ»، فدَلَّ على أنَّ مَذهبَه أنَّهُما لا يُفرِّقانِ إلَّا برِضَا الزَّوجِ. والأصلُ المُجتمَعُ عليهِ أنَّ الطَّلاقَ بيَدِ الزَّوجِ أو بيَدِ مَنْ جعَلَ ذلكَ إلَيهِ. وجعَلَه مالِكٌ ومَن تابَعَه في بابِ طَلاقِ السُّلطانِ على المُولي والعِنِّينِ. واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في الحَكَمينِ يُطلِّقانِ ثَلاثًا: فقالَ ابنُ القاسِمِ: تَكونُ واحِدةً بائِنةً، ورُويَ نحوُ ذلكَ عن مالِكٍ. وقالَ المُغيرةُ وأشهَبُ: إنْ طلَّقَها ثَلاثًا فهيَ ثلاثٌ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).

стр. 9909

قالَ المالِكيةُ: المَشهورُ أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الوَكالةُ ولا الشهادَةُ ولو كانَا مِنْ جِهةِ الزَّوجينِ، فإذا حكَمَا بطَلاقٍ ولو خُلعًا نفَذَ، ولا يَحتاجُ إلى مُراجَعةِ حاكمِ البلدِ ولا إلى رضَا الزَّوجينِ. ومَحلُّ نُفوذِ طَلاقِهما إنْ لم يَزيدَا في حُكمِهما على طَلقةٍ واحِدةٍ، وإلَّا فلا يَنفذُ الزَّائدُ على الوَاحدةِ؛ لأنَّ الزَّائدَ خارِجٌ عن مَعنَى الإصلاحِ الَّذي بُعثَا إليهِ، وللزَّوجِ رَدُّ الزَّائدِ. وإذا اختَلفَا في العَددِ بأنْ حكَمَ أحَدُهما بواحدةٍ وحكَمَ الآخَرُ باثنتَينِ أو ثَلاثٍ أو بالبتَّةِ فلا يَلزمُ الزَّوجَ إلَّا واحِدةٌ؛ لاتِّفاقِهما عليها على المَشهُورِ. وقيلَ: لا يَلزمُ شَيءٌ؛ لاختِلافِهما. وكذا الحُكمُ لو قالَ أحَدُهما: «أوْقَعْنا معًا اثنتَينِ، أو ثَلاثًا» وقالَ الآخَرُ: «بل أوْقَعْنا معًا واحِدةً» فواحِدةٌ. وعلى الحَكَمينِ أنْ يُصلحَا بينَ الزَّوجينِ بكُلِّ وجهٍ أمكَنُهما للأُلفةِ وحُسنِ المُعاشَرةِ، بأنْ يَخلوَ كلُّ واحدٍ منهُما بقَريبِه ويَسألَه عمَّا كَرهَ مِنْ صاحبِه ويَقولَ لهُ: «إنْ كانَ لكَ حاجةٌ في صاحبِكِ ردَدْناهُ إلى ما تَختارُ معهُ»، فإنْ تعذَّرَ عليهِما ذلكَ نظَرَا؛ فإنْ كانَتِ الإساءةُ مِنْ الزَّوجِ طلَّقَا عليهِ بلا شَيءٍ يأخُذانِه منها لهُ مِنْ صَداقٍ ولا غيرِه، وإنْ كانَتِ الإساءةُ منها ائْتَمناهُ عليها، بمَعنَى أنهُما يَجعلانِه أمينًا عليها بالعَدلِ وحُسنِ العِشرةِ، وإنْ رأَيَا أنْ يأخُذَا له منها شَيئًا ويُوقِعَا الفِراقَ بينَهُما فَعَلا إنْ كانَ ذلكَ نظَرًا وسَدادًا، ولو كانَ ما أخَذاهُ منها لهُ أكثَرَ مِنْ صَداقِها إنْ أحَبَّ الزَّوجُ الفِراقَ أو عَلِمَا أنها لا تَستقيمُ معهُ.

стр. 9910

وإنْ كانَتِ الإساءةُ منهُما معًا ولو غلَبَتْ مِنْ أحَدِهما على الآخَرِ فهل يَتعيَّنُ عندَ العَجزِ عنِ الإصلاحِ الطَّلاقُ بلا عِوضٍ منها إنْ لم تَرْضَ بالمَقامِ معهُ؟ أو لهما أنْ يُخالِعَا بالنَّظرِ على شَيءٍ يَسيرٍ منها لهُ؟ وعلى الأوَّلِ أكثَرُ الأشياخِ. وإذا عَلِمْنا أنَّ الحَكَمينِ طَريقُهما الحُكمُ لا الشَّهادةُ ولا الوَكالةُ كما قِيلَ، فإذا حكَمَا بينَ الزَّوجينِ فإنهُما يأتِيانِ إنْ شاآ إلى الحاكِمِ الَّذي أرسَلَهما يُخبِرانِه بما حكَمَا بهِ، وعليهِ أنْ يُنفذَ حُكمَهما، ونفَذَ طَلاقُهما وإنْ لم يرْضَ الزَّوجانُ والحاكِمُ. وقيلَ: يَجبُ أنْ يَذهبَا إلى الحاكمِ الَّذي أرسَلَهما، فيُخبِراهُ بما فَعَلا لِيَحتاطَ عِلمُه بالقَضيةِ، فإذا أخبَراهُ وجَبَ عليهِ إمضاؤُه مِنْ غيرِ تَعقُّبٍ وإنْ خالَفَ مَذهبَه، بل يَحكمُ بما حكَمَا بهِ؛ ليَرفعَ حُكمُه الخِلافَ بينَ العُلماءِ؛ ليَصيرَ رَفعُ الخِلافِ متَّفَقًا عليهِ حِينئذٍ. ويَجوزُ للزَّوجينِ أنْ يُقيمَا واحِدًا يَحكمُ بينَهُما على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ مِنْ كَونِه عَدلًا عارِفًا بما يَحكمُ به في هذا البابِ، ولا يَجوزُ ذلكَ للحاكمِ ولا لوَليِّ الزَّوجينِ المَحجورَينِ؛ لأنَّ في ذلكَ إسقاطًا لحَقٍّ الزَّوجينِ، لكنْ إنْ نزَلَ لا يُنقضُ حُكمُه كما عليهِ الباجِي، وقالَ اللَّخميُّ: يَجوزُ للسُّلطانِ وللوَليينِ أنْ يُقيمَا رَجلًا أجنَبيًّا يَحكمُ بينَ الزَّوجينِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ حيثُ كانَ أجنَبيًّا مِنها، قال: لأنَّه إنَّما جُعلَ رَجلانِ إذا كانَا مِنْ الأهلِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يَستَنبطُ

стр. 9911

عِلمَ مَنْ هو مِنْ قِبَلِه، فإذا خرَجَا عن أنْ يكونَا مِنْ الأهلِ أجزَأَ واحِدٌ. ويَجوزُ للزَّوجينِ إذا أقامَا حكَمَينِ أنْ يَرجعَا عن ذلكَ ويَعزِلا الحَكَمينِ ما لم يَستوعِبَا الكَشفَ عن أمرِ الزَّوجينِ ويَعزِمَا على الحُكمِ بينَهُما، أمَّا إنِ استَوعَبَا الكَشفَ بينَ الزَّوجينِ وعَرفَا أمْرَهما وعزَمَا على الحُكمِ بينَهُما فإنهُ حينئذٍ لا عِبرةَ برُجوعِ مَنْ رجَعَ مِنْ الزَّوجينِ، ويَلزمُهُما ما يَحكمانِ به مِنْ أمرِهما، وسواءٌ رجَعَ أحَدُهما أو رجَعَا معًا، وظاهِرُه: ولو رَضيَا بالبقاءِ، وهو ظاهِرُ «الموازيَّة»، وقالَ ابنُ يُونسُ: لعلَّه يُريدُ: إذا رجَعَ أحَدُهما، أمَّا إذا رجَعَا ورَضيَا بالإصلاحِ والبقاءِ فيَنبغِي أنْ لا يُفرَّقَ بينَهُما. وإذا اتَّفقَ الحَكمانِ على وُقوعِ الطَّلاقِ واختَلفَا في العِوضِ فقالَ أحَدُهما: «وقَعَ الطَّلاقُ بعِوضٍ» وقالَ الآخَرُ: «بلا عِوضٍ» فإنِ التزَمَتِ المرأةُ المالَ وقَعَ الطَّلاقُ وبانَتْ منهُ، وإلَّا فلا يقَعُ طَلاقٌ أصلًا وعادَ الحالُ كما كانَ؛ لأنَّ مَجموعَهُما قائمٌ مقامَ الحاكمِ الواحدِ، ولا وُجودَ للمَجموعِ عندَ انتفاءِ بعضِ أجزائِهِ، وهذا إنِ اختَلفَا في أصلهِ. أمَّا لو اختَلفَا في قَدرِه لَوجَبَ له خُلعُ المِثلِ، وكذا في صِفتِه وجِنسِه كذا يَنبغي، ويَنبغي ما لم يَزِدْ خُلعُ المِثلِ على دَعواهُما جَميعًا أو يَنقصْ عَنْ دعوَى أقلِّهِما (١).

стр. 9912

٥ - الحُكمُ إذا اختَلفَ الحَكَمانِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ شَرطِ نُفوذِ حُكمِ الحَكَمينِ أنْ يتَّفقَا على الحُكمِ. قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الحَكَمينِ إذا اختَلفَا لم يَنفذْ قَولُهما، وأنَّ قَولَهما نافِذٌ في الجَمعِ بينَهُما بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ (١). وكذا قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀، حيثُ قالَ: وأجمَعُوا أنَّ الحَكَمينِ إذا اختَلفَا لم يَنفذْ قَولُهما، وأجمَعُوا أنَّ قَولَهما نافِذٌ في الجَمعِ بينَهُما بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الحَكَمينِ إذا اختَلفَا لم يَنفذْ قَولُهما، وأجمَعُوا على أنَّ قَولَهما في الجَمعِ بينَهُما نافِذٌ بغيرِ تَوكيلٍ مِنْ الزَّوجينِ (٣).

стр. 9913

كتاب الخلع

стр. 9914

كتاب الخلع تعريفُ الخُلعِ: الخَلعُ بالفَتحِ لُغةً: النَّزعُ، ومنهُ خالَعَتِ المرأةُ زَوْجَها إذا افتَدَتْ منهُ بمالٍ، وهو استِعارةٌ مِنْ خَلْعِ اللِّباسِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما لِباسٌ للآخَرِ ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فإذا فعَلَا ذلكَ فكأنَّ كلَّ واحِدٍ نزَعَ لِباسَه عنهُ. والخُلعُ بالضَّمِّ: اسمٌ مِنْ الخلْعِ (١). ويُسمَّى الافتِداءَ؛ لأنها تَفتَدي نفْسَها منهُ بما تَبذلُه مِنْ العِوضِ (٢).

стр. 9915

الخُلعُ شَرعًا: تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الخُلعِ؛ تَبعًا لاختِلافِ مَذاهِبهِم في حَقيقتِه؛ هل هو طَلاقٌ أم فَسخٌ؟ فعرَّفَه الحنفيَّةُ بأنَّه: إزالةُ مِلكِ النِّكاحِ ببَدلٍ بلَفظِ الخُلعِ (١)، هكذا ذكَرَه ابنُ الهُمامِ. لكنْ قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: الخُلعُ: إزالةُ مِلكِ النِّكاحِ المُتوقِّفةُ على قَبولِها بلَفظِ الخُلعِ أو ما في مَعناهُ. ثمَّ قالَ: وقَولي أيضًا أَولَى ممَّا اختارَهُ في «فَتْح القَديرِ» مِنْ أنَّه: «إزالةُ مِلكِ النِّكاحِ ببَدلٍ بلَفظِ الخُلعِ»؛ لأنَّه يَرِدُ عليهِ ما إذا قالَ: «خالَعتُكِ» ولم يُسمِّ شَيئًا فقَبِلَتْ، فإنهُ خُلعٌ مُسقِطٌ للحُقوقِ كما في «الخُلاصَة»، إلَّا أنْ يُقالَ: مَهرُها الَّذي سقَطَ به بدلٌ، فلم يَعرَ عنِ البَدلِ. فإنْ قُلتَ: لو كانَتْ قبَضَتْ جَميعَ المَهرِ ما حُكمُه؟ قُلتُ: ذكَرَ قاضي خان أنها تَرُدُّ عليهِ ما ساقَ إليها مِنْ الصَّداقِ كما ذكَرَهُ الحاكمُ الشَّهيدُ في «المُختصَر» وخُواهِر زادَه، وأخَذَ بهِ ابنُ الفَضلِ، قالَ القاضي: وهذا يُؤيِّدُ ما ذكَرْنا عَنْ أبي يُوسفَ أنَّ الخُلعَ لا يكونُ إلَّا بعِوضٍ (٢).

стр. 9916

وقالَ المالكيَّةُ: الخُلعُ: إزالةُ عِصمةِ الزَّوجِة بصَريحِ لَفظٍ أو كِنايةٍ ظاهِرةٍ أو بلَفظٍ ما معَ نيَّةٍ (١). وقالَ الشَّافعيةُ: الخُلعُ: فُرقةٌ بيْنَ الزَّوجينِ بعِوضٍ مَقصودٍ راجِعٍ لجهَةِ الزَّوجِ بلَفظِ طلاقٍ أو خُلعٍ، كقولِه: «طلَّقْتُكِ، أو خالَعتُكِ على كذا» فتَقبَل (٢). ويَحصلُ عِندَهم أيضًا بلَفظِ المُفاداةِ، وبصَرائِحِ الطَّلاقِ، وبلَفظِ الفَسخِ معَ النِّيةِ، وبكِناياتِ الطَّلاقِ معَ النِّيةِ (٣). وقالَ الحَنابلةُ: الخُلعُ: هو فِراقُ زَوجٍ زوْجتَه بعِوضٍ يأخُذُه الزَّوجُ مِنها أو مِنْ غيرِها بألفاظٍ مَخصوصةٍ (٤).

стр. 9917

مَشروعيةُ الخُلعِ: الأصلُ في الخُلعِ أنَّه مَشروعٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والمَعقولِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤]. وأمَّا السُّنةُ: فعَن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ: أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، ثابِتُ بنُ قَيسٍ ما أَعتِبُ عليهِ في خُلُقٍ ولا دِينٍ، ولكنِّي أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نَعمْ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اقبَلِ الحَديقةَ وطلِّقْها تَطليقةً» (١)، وهو أوَّلُ خُلعٍ وقَعَ في الإسلامِ. وأمَّا الإجمَاعُ: فقدْ نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على مَشروعيَّةِ الخُلعِ، وأنَّ هذا الحُكمَ مُستمِرٌّ غيرُ مَنسوخٍ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأصلُ الخُلعِ مُجمَعٌ على جَوازِه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: جَوازُ الخُلعِ كما دلَّ عليهِ القُرآنُ … ومنَعَ الخُلعَ طائِفةٌ شاذَّةٌ مِنْ النَّاسِ خالفَتِ النَّصَّ والإجماعَ (٣). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على مَشروعيَّتِه، إلَّا بَكرَ

стр. 9918

بنَ عَبدِ اللهِ المُزَنِيَّ التَّابعيَّ المَشهورَ فإنهُ قالَ: لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يأخُذَ مِنْ امرَأتِه في مُقابلِ فِراقِها شَيئًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأورَدُوا عليهِ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فادَّعى نسْخَها بآيةِ النِّساءِ، أخرَجَه ابنُ أبِي شَيبةَ وغَيرُه عنهُ، وتُعُقِّبَ معَ شُذوذِه بقَولِه تعالَى في النِّساءِ أيضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] وبقَولِه فيها: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] الآيَة، وبالحَديثِ، وكأنَّه لم يَثبُتْ عندَه أو لم يَبلُغْه، وانعَقدَ الإجماعُ بعْدَه على اعتِبارِه، وأنَّ آيةَ النِّساءِ مَخصوصةٌ بآيةِ البَقرةِ وبآيَتيِ النِّساءِ الأُخرَتينِ (١). وقالَ الإمامُ الشَّوكانِيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على مَشروعيَّتهِ … (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ الجُمهورُ منهُم أنَّ الخُلعَ والفديَةَ والصُّلحَ جائزٌ بيْنَ الزَّوجَينِ في قَطعِ العِصمةِ بينَهُما، وأنَّ ما أعطَتْه على ذلكَ حَلالٌ إذا كانَ على مِقدارِ الصَّداقِ فما دُونَه، وكانَ مِنْ غَيرِ إضرارٍ منهُ بها ولا إساءَةٍ إلَيها، إلَّا بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزنِيَّ فإنهُ شَذَّ فقالَ: لا يَحلُّ له أن يأخُذَ منها شَيئًا على حالٍ مِنْ الأحوالِ، وزعَمَ أنَّ قولَه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مَنسوخٌ بقَولِه : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] إلى قَولِه: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].

стр. 9919

وهذا خِلافُ السُّنةِ الثَّابتةِ في أمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثابِتَ بنَ قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ أنْ يأخُذَ مِنْ زوْجتِه ما أعطاهَا ويُخلِّيَ سَبيلَها. ولا يَنبَغي لعالِمٍ أن يَجعلَ شَيئًا مِنَ القُرآنِ مَنسوخًا إلَّا بتَدافعٍ يَمنعُ مِنْ استِعمالِه وتَخصيصِه، وإذا جَهلَ قَولَه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أنْ يَرضَى منهَما وجعَلَ قَولَه : ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] على أنَّه بغيرِ رِضاها وعلى كُرهٍ مِنها وإضرارٍ بها صحَّ استِعمالُ الآيتَينِ. وقَد بيَّنَتِ السُّنةُ في ذلكَ قِصةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ وامرأتِه، وعليهِ جَماعةُ العُلماءِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عنهُم ممَّن هوَ مَحجوجٌ بهِم وهُم حُجَّةٌ عليهِ؛ لأنهُم لا يَجوزُ عليهمُ الإطباقُ والاجتِماعُ على تَحريفِ الكِتابِ وجَهلِ تأويلِه، ويَنفردُ بغيرِ ذلكَ واحدٌ غَيرُهم (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قالَ جَميعُ الفُقهاءِ بالحِجازِ والشَّامِ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَه إلَّا بكرَ بنَ عَبدِ اللهِ المُزَنِيِّ؛ فإنَّه لم يُجِزْه وزعَمَ أنَّ آيةَ الخُلعِ مَنسوخةٌ بقَولِه سُبحانَه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] الآيَة، ورُويَ عَنِ ابنِ سِيرينَ وأبي قلابَةَ أنَّه لا يَحِلُّ الخُلعُ حتَّى يَجدَ على بَطنِها رَجلًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ

стр. 9920

لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. ولنا: الآيةُ الَّتي تَلَوناها والخبَرُ، وأنَّه قَولُ عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وغَيرِهم مِنَ الصَّحابةِ لم نَعرِفْ لهُمْ في عَصرِهم مُخالِفًا فيكونُ إجماعًا، ودَعوَى النَّسخِ لا تُسمعُ حتَّى يَثبُتَ تَعذُّرُ الجَمعِ وأنَّ الآيةَ النَّاسخةَ مُتأخِّرةٌ، ولم يَثبتْ شيءٌ مِنْ ذلكَ (١). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على مَشروعيَّةِ الخُلعِ … (٢). وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّه لمَّا جازَ أنْ يَملكَ الزَّوجُ الانتِفاعَ بالبُضعِ بعِوضٍ جازَ أنْ يُزيلَ ذلكَ المِلكَ بعِوضٍ كالشِّراءِ والبَيعِ، فالنِّكاحُ كالشِّراءِ والخُلعُ كالبَيعِ، وأيضًا فيهِ دَفعُ الضَّررِ عنِ المَرأةِ غالبًا (٣).

стр. 9921

أقسامُ الخُلعِ: الخُلعُ له ثلاثةُ أقسامٍ: القِسمُ الأوَّلُ: مُباحٌ بلا خِلافٍ بيْنَ الفُقهاءِ، وهو إذا كَرهَتِ المَرأةُ خُلُقَ الزَّوجِ أو خِلقتَه أو دِينَه أو كِبَرَه أو ضَعْفَه أو نحوَ ذلكَ، وخافَتْ أنْ لا تُؤدِّيَ حَقَّه فبذَلَت لهُ عِوضًا ليُطلِّقَها .. جازَ ذلكَ وحَلَّ لهُ أخذُه بلا خِلافَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وعن حَبيبةَ بنتِ سَهلٍ الأنصاريَّةِ أنها كانَتْ تَحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى الصُّبحِ فوجَدَ حَبيبةَ بنتَ سَهلٍ عندَ بابهِ في الغَلَسِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ هذهِ؟» فقالَتْ: أنا حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، قالَ: «ما شأنُكِ؟» قالَتْ: لا أنا ولا ثابِتُ بنُ قَيسٍ -لزَوجِها، ومَعناهُ: لا أنا أُوافِقُه ولا هو يُوافِقُني- فلمَّا جاءَ ثابِتُ بنُ قَيسٍ قالَ لهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هذهِ حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ»، وذكَرَتْ ما شاءَ اللهُ أنْ تذكُرَ، وقالَتْ حَبيبةُ: يا رَسولَ اللهِ كلُّ ما أعطاني عِندِي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لثابِتِ بنِ قَيسٍ: «خُذْ منها، فأخَذَ منها وجلَسَتْ هي في بيتِ أهلِها» (١). وفي رِوايةٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ: أنَّ امرأةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ أتَتِ النَّبيَّ

стр. 9922

ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، ثابِتُ بنُ قَيسٍ ما أَعتِبُ عليه في خُلُقٍ ولا دِينٍ، ولكِنِّي أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه؟» قالَتْ: نعَمْ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اقبَلِ الحَديقةَ وطَلِّقْها تَطليقةً» (١)، ولأنَّ حاجتَها داعيَةٌ إلى فُرقتِه ولا تَصلُ إليها إلَّا ببَذلِ العِوضِ، فأُبيحَ لها ذلكَ كشِراءِ المَتاعِ؛ لأنها قد تَكرهُ زوْجَها معَ قِيامِه بحُقوقِها ولا يُمكِّنُها مِنْ مُطالَبتِه بالفُرقةِ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَلزمُه إلَّا برِضاهُ، فجازَ أنْ تَبذلَ لهُ عِوضًا على ذلكَ (٢). قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: إذا كَرهَتِ المرأةُ خلُقَ الزَّوجِ أو خِلقتَه أو دِينَه وخافَتْ أنْ لا تُؤدِّيَ حَقَّه فبذَلَتْ له عِوضًا ليُطلِّقَها .. جازَ ذلكَ وحَلَّ له أخذُه بلا خِلافٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَرأةُ إذا كَرهَتْ زوْجَها لخلُقِه أو خَلقِه

стр. 9923

أو دِينِه أو كِبَرِه أو ضَعفِه أو نحوِ ذلكَ وخَشيَتْ أنْ لا تُؤدِّيَ حَقَّ اللهِ في طاعتِه جازَ لها أنْ تُخالِعَه بعِوضٍ تَفتدَي بهِ نفْسَها منهُ … وبهذا قالَ جَميعُ الفُقهاءِ بالحِجازِ والشَّامِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إذا كانَتْ مُبغِضةً لهُ مُختارةً لفِراقِه فإنها تَفتدِي نفْسَها منهُ، فتَرُدُّ إليهِ ما أخَذَتْه مِنْ الصَّداقِ، وتُبرئُه ممَّا في ذمَّتِه ويَخلعُها، كما في الكِتابِ والسُّنَّة واتَّفقَ عليهِ الأئمَّةُ (٢). وقال الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: يُباحُ لسُوءِ عِشرةٍ بيْنَ الزَّوجَينِ، وتُستحَبُّ الإجابةُ إليهِ، واختَلفَ كَلامُ شَيخِنا في وُجوبِه، وألزَمَ به بَعضُ حُكَّامِ الشَّامِ المَقادِسةِ الفُضلاءِ، فقالَ أبو طالِبٍ: إذا كَرهَتْه حَلَّ أنْ يأخُذَ منها ما أعطاها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه» (٣). وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀: قَولُه: وإذا كانَتِ المَرأةُ مُبغِضةً للرَّجلِ وتَخشَى أنْ لا تُقيمَ حُدودَ اللهِ في حَقِّه فلا بَأسَ أنْ تَفتديَ نفْسَها منهُ، فيُباحُ للزَّوجةِ ذلكَ والحالَةُ هذهِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليهِ أكثَرُ الأصحابِ، وجَزَمَ الحلوانِيُّ بالاستِحبابِ. وأمَّا الزَّوجُ فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّه يُستَحبُّ لهُ الإجابةُ إليهِ، وعليهِ الأصحابُ.

стр. 9924

واختَلفَ كَلامُ الشَّيخِ تَقيِّ الدِّينِ ﵀ في وُجوبِ الإجابةِ إليهِ، وألزَمَ بهِ بعضُ حُكَّامِ الشَّامِ المقادِسةِ الفُضلاءِ (١). وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: واتَّفقَ الأئمَّةُ على أنَّ المَرأةَ إذا كَرهَتْ زوْجَها لقُبحِ مَنظَرٍ أو سُوءِ عِشرةٍ جازَ لها أنْ تُخالِعَه على عِوضٍ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: في هذهِ الحالَةِ يُسَنُّ إجابةُ الزَّوجةِ إذا سَألَتْه الخُلعَ على عِوضٍ حَيثُ أُبيحَ الخُلعُ؛ لأمرِه ﷺ لثابتِ بنِ قَيسِ بقَولِه: «اقبَلِ الحَديقةَ وطلِّقْها تَطليقةً»، إلَّا إذا كانَ الزَّوجُ يُحِبُّها ويَميلُ إليها فيُستَحبُّ صَبْرُها وعَدمُ افتدِائِها منهُ دفْعًا لضَررِه (٣). القِسمُ الثَّانِي: أنْ تَكونَ الحالةُ مُستقيمةً بيْنَ الزَّوجَينِ والأخلاقُ مُلتئِمةً بينَهُما ولا يَكرَهُ أحَدُهما الآخَرَ؛ فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ الخُلعِ في هذهِ الحالةِ، ويَحُلُّ للزَّوجِ ما بذَلَتْ لهُ المرأةُ في هذهِ الحالةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّ رفْعَ عَقدِ الزَّواجِ يَجوزُ عندَ خَوفِ الضَّررِ، فجازَ مِنْ غيرِ ضَررٍ، كالإقالةِ في البيعِ.

стр. 9925

ولأنَّ كُلَّ حالٍ جازَ أنْ يُطلِّقَ فيها بغيرِ عِوضٍ جازَ أنْ يُطلِّقَ فيها بعِوضٍ كحالِ السَّخطِ، ولأنَّ كلَّ طلاقٍ وقَعَ حالَ الغَضبِ وقَعَ حالَ الرِّضا، أصلُه الطَّلاقُ المُبتدَأُ بلا عِوضٍ، ولأنها مُعاوَضةٌ تَصحُّ حالَ الخُصومةِ فصَحَّتْ في غيرِها كالبيعِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرَةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّه يَصحُّ الخُلعُ معَ استِقامةِ الحالِ بيْنَ الزَّوجَينِ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: تَمسَّكَ بهذهِ الآيةِ ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩] مَنْ رَأى اختِصاصَ الخُلعِ بحالةِ الشِّقاقِ والضَّررِ وأنَّه شَرطٌ في الخُلعِ، وعضَّدَ هذا بما رَواهُ أبو داودَ عن عائِشةَ «أنَّ حَبيبةَ بنتَ سَهلٍ كانَتْ عندَ ثابتِ بنِ قيسِ بن شمَّاسٍ فضرَبَها فكسَرَ بعضَها، فأتَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الصُّبحِ فاشتَكَتْه إليهِ، فدَعَا النَّبيُّ

стр. 9926

ﷺ ثابِتًا فقالَ: خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها، فقالَ: ويَصلُحُ ذلكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنِّي أصدَقْتُها حَديقتَينِ وهُما بيَدِها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : خُذْهُما ففارِقْها، ففعَلَ» (١). والَّذي عليهِ الجُمهورُ مِنْ الفُقهاءِ أنَّه يَجوزُ الخُلعُ مِنْ غيرِ اشتِكاءِ ضَررٍ كما دلَّ عليهِ حَديثُ البُخاريِّ وغيرُه، وأمَّا الآيةُ فلا حُجَّةَ فيها؛ لأنَّ اللهَ لم يَذكُرْها على جِهةِ الشَّرطِ، وإنَّما ذكَرَها لأنهُ الغالِبُ مِنْ أحوالِ الخُلعِ، فخرَجَ القَولُ على الغالِبِ، والَّذي يَقطعُ العُذرَ ويُوجِبُ العِلمَ قَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] (٢). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: القِسمُ الثَّاني مِنْ المُباحِ: أنْ تكونَ الحالُ مُستقيمةً بيْنَ الزَّوجَينِ ولا يَكرهُ أحَدُهما الآخَرَ فتَراضَيَا على الخُلعِ .. فيَصحُّ الخُلعُ، ويَحلُّ للزَّوجِ ما بذَلَتْ له، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ وأكثرُ أهلِ العِلمِ. وقالَ النَّخَعيُّ والزُّهريُّ وعَطاءٌ وداودُ وأهلُ الظَّاهرِ: لا يَصحُّ الخُلعُ ولا يَحلُّ له ما بذَلَتْه، واختارَه ابنُ المُنذِرِ (٣). إلَّا أنَّ الحَنابلةَ في المَذهبِ قالُوا بجَوازِه معَ الكَراهةِ؛ لحَديثِ: «أيُّما

стр. 9927

امرأةٍ سألَتْ زوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ ما بَأسٍ فحَرامٌ عليها رائِحةُ الجَنَّةِ» (١)، ولأنَّه عبَثٌ لا حاجةَ إليهِ (٢). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ اختارَها بعضُ أصحابِهِ كابنِ قُدامةَ وغيرِه وابنُ المُنذِرِ مِنْ الشَّافعيةِ وأهلُ الظَّاهِرِ إلى أنَّ الخُلعَ لا يَصحُّ إلَّا في حالةِ الشِّقاقِ والخَوفِ ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، وأمَّا في حالةِ الوِفاقِ فلا يَصحُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فدلَّ بمَفهومِه على أنَّ الجُناحَ لاحِقٌ بهما إذا افتَدَتْ مِنْ غَيرِ خَوفٍ، ثُمَّ غَلَّظَ بالوَعيدِ فقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وروَى ثَوبانُ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ سألَتْ زوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ ما بأسٍ فحَرامٌ عليها رائِحةُ الجَنَّةِ» (٣). وعن أبي هُرَيرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «المُنْتَزِعاتُ والمُخْتلِعاتُ هنَّ المُنافِقاتُ» (٤)، وهذا يَدلُّ على تَحريمِ المُخالَعةِ لغيرِ

стр. 9928

حاجةٍ، ولأنَّه إضرارٌ بها وبزَوجِها وإزالةٌ لمَصالِحِ النِّكاحِ مِنْ غيرِ حاجَةٍ فحَرُمَ؛ لقَولِه ﵇: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ» (١). القسمُ الثالثُ: وهوَ مُحرَّمٌ بالاتِّفاقِ: وهو أنْ يَضربَها أو يُخوِّفَها بالقَتلِ أو يُضيِّقَ عليها أو يَمنعَها نفَقتَها وكِسوَتَها ونحوَ ذلكَ لتُخالِعَه؛ فاتَّفقَ العُلماءُ على حُرمتِه وعلى أنَّ هذا مَحظورٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. والعَضْلُ: المَنْعُ. إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا فيما لو خالَعَتْه في هذهِ الحالَةِ؛ هل يَبطلُ الخُلعُ ويُعتبَرُ طلاقًا ويَردُّ لها ما أخَذَه مِنها؟ أو يَصحُّ الخُلعُ والعِوضُ لازمٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها لو خالَعَتْه في هذهِ الحالَةِ لم يَصحَّ الخُلعُ ولا يَملكُ الزَّوجُ ما بذَلَتْه على ذلكَ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ أُكرهَتْ عليهِ بغيرِ حَقٍّ، فلم يَستحِقَّ فيهِ العِوضَ كالبيعِ. قالَ المالِكيةُ: إنْ خالَعَتْه لخَوفِ ضَرَرِه أو لظُلمٍ ظلَمَها أو أضَرَّ بها نفَذَ الطَّلاقُ ورَدَّ ما أخَذَه منها، فأمَّا نُفوذُ الطَّلاقِ؛ فلأنَّه هو ألزَمَ نفْسَه فلا سَبيلَ

стр. 9929

إلى رَفعِه، وأمَّا وُجوبُ رَدِّ ما أخَذَه؛ فلأنَّه كانَ مُستحَقًّا عليهِ إزالةُ الضَّررِ عنها بغيرِ عِوضٍ، وما لَزمَ الإنسانَ إزالتُه بغيرِ عِوضٍ لم يَجُزْ له أخذُ العِوضِ عليهِ (١). قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ في المُفتدِيةِ الَّتي تَفتدِي مِنْ زَوجِها: أنَّه إذا عُلِمَ أنَّ زوْجَها أضَرَّ بها وضَيَّقَ عليها وعُلِمَ أنَّه ظالِمٌ لها حتَّى افتَدَتْ منهُ مضَى الطَّلاقُ ورُدَّ عليها مالُها، قالَ: فهذا الَّذي كُنْتُ أسمَعُ والَّذي عليهِ أمرُ النَّاسِ عندَنا (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ خالَعَتْه في هذهِ الحالةِ .. وقَعَ الطَّلاقُ ولا يَملِكُ الزَّوجُ ما بذَلَتْه على ذلكَ، فإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ .. كانَ رَجعيًّا ولهُ أنْ يُراجعَها؛ لأنَّ الرَّجعةَ إنَّما تَسقطُ بالعِوضِ، وقد سقَطَ العِوضُ، فتَثبتُ الرَّجعةُ فيه (٣). إلَّا أنَّ الإمامَ النَّوويَّ ﵀ قالَ في «الرَّوضةِ»: وإذا أكرَهَها بالضَّربِ ونحوِه فاختلَعَتْ فقالَتْ مُبتدِئةً: «خالِعْنِي على كذا» ففعَلَ لم يَصحَّ الخُلعُ، ويَكونُ الطَّلاقُ رَجعيًّا إنْ لم يُسمِّ مالًا، وإنْ سمَّاهُ لمْ يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنها لم تَقبلْ مُختارةً.

стр. 9930

وفي «التَّتمَّة» وجهٌ: أنَّه لا يَقعُ الطَّلاقُ وإنْ لم يَسمِّ المالَ. ولو ابتَدأَ وقالَ: «طلَّقتُكِ على كذا» وأكرَهَها بالضَّربِ على القَبولِ لم يقَعْ شيءٌ. وإذا ادَّعتْ أنَّه أكرَهَها على بَذلِ مالٍ عِوضًا عنِ الطَّلاقِ وأقامَتِ البَّينةَ فالمالُ مَردودٌ إليها والطَّلاقُ واقعٌ وله الرَّجعَةُ، نَصَّ عليهِ. قالَ الأصحابُ: مَوضِعُ الرَّجعةِ إذا لم يَعتَرفْ بالخُلعِ، بل أنكَرَ المالَ أو سكَتَ. فأمَّا إنِ اعتَرفَ بالخُلعِ وأنكَرَ الإكراهَ فالطَّلاقُ بائِنٌ بقَولِه، ولا رَجعةَ (١). وأمَّا الحَنابلةُ فقالُوا أنَّه لا يَملكُ العِوضَ في هذهِ الحالةِ، والخَلعُ باطِلٌ والعِوضُ مَردودٌ، والزَّوجيَّةُ بحالِها إنْ قُلنا هو فَسخٌ ولم يَنوِ به الطَّلاقَ لم يقَعْ شيءٌ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّ الخُلعَ بغيرِ عِوضٍ لا يقَعُ على إحدَى الرِّوايتَينِ. وعلى الرِّوايةِ الأُخرى: إنَّما رَضيَ بالفَسخِ هاهُنا بالعِوضِ؛ فإذا لم يَحصُلْ لهُ العِوضُ لا يَحصلُ المُعوَّضُ. وعلى القَولِ بأنَّ الخُلعَ طلاقٌ فيَقعُ الطَّلاقُ بغيرِ عِوضٍ، فإنْ كانَ أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ فله رَجعتُها؛ لأنَّ الرَّجعةَ إنَّما سقَطَتْ بالعِوضِ، فإذا سقَطَ العوضُ ثَبتتِ الرَّجعةُ.

стр. 9931

وأمَّا إذا طلَّقَها -بأنْ أجابَها بلَفظِ طلاقٍ أو بلَفظِ خُلعٍ معَ نيَّةِ الطَّلاقِ- فيَقعُ طلاقًا رَجعيًّا ولا تَبِينُ منه؛ لفِسادِ العِوضِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النُّشوزَ إذا كانَ مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ -أي: النَّفرةُ والجَفاءُ منهُ- صَحَّ الخُلعُ ووقَعَ طَلقةً رَجعيَّةً، ولكنْ يُكرهُ له أنْ يأخُذَ منها قَليلًا أو كَثيرًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، نهَى عن أخذِ شَيءٍ ممَّا آتاها مِنَ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقَولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]. وقَولُه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضَيِّقُوا عليهنَّ لتَذهَبوا ببعضِ ما آتَيتُموهُنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي إلا أنْ يَنشُزْنَ، نهَى الأزواجَ عن أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهُنَّ واستَثنَى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستثنَى يُخالِفُ حُكمَ المُستثنَى منهُ، فيَقتضِي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهُنَّ عندَ عَدمِ النُّشوزِ منهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتى لا يَملكَ استِردادَه؛ لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ به، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ، والمَرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ (٢).

стр. 9932

بعضُ المسائلِ الَّتي تتَعلَّقُ بهذا الأمرِ: المسألةُ الأولى: إذا ضَرَبَها للتَّأديبِ للنُّشوزِ فخالَعَتْه عَقيبَ الضَّربِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ (وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ) على أنَّ الزَّوجَ إذا ضرَبَ زوْجتَه للنُّشوزِ فخالَعَتْه عَقِيبَ الضَّربِ صَحَّ الخُلعُ؛ لِمَا رَوى أبو داودَ عن عَمْرةَ عَنْ عائِشةَ ﵂ «أنَّ حَبيبةَ بنتَ سَهلٍ كانَتْ عندَ ثابِتِ بنِ قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ فضرَبَها فكسَرَ بعضَها، فأتَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الصُّبحِ فاشتَكَتْه إليهِ، فدَعَا الَّنبيُّ ﷺ ثابِتًا فقالَ: خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها، فقالَ: ويَصلحُ ذلكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنِّي أصدَقْتُها حَديقتَينِ وهُما بيَدِها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : خُذْهُما ففارِقْها، ففعَلَ» (١). ولأنَّ كلَّ عَقدٍ صحَّ قبلَ الضَّربِ صَحَّ بعدَه، كما لو حَدَّ الإمامُ رَجلًا ثمَّ اشتَرى منهُ شَيئًا عَقِيبَه. قالَ العَمرانِيُّ ﵀: قالَ الطبَريُّ: وهكذا لو ضَرَبها لتَفتديَ منهُ فافتَدَتْ نفْسَها منهُ عَقيبَه طائِعةً .. صَحَّ ذلكَ؛ لِمَا ذكَرْناه (٢). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ضرَبَها على نُشوزِها ومنَعَها حَقَّها مِنْ أجْلِه لم يَحرُمْ خلعُها لذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَمنعُهما أنْ يَخافَا أنْ لا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، وفي

стр. 9933

بَعضِ حَديثِ حَبيبةَ «أنها كانتْ تَحتَ ثابتِ بنِ قيسٍ فضرَبَها فكسَرَ ضِلعَها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فدَعَا النَّبيُّ ﷺ ثابتًا فقالَ: خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها، ففعَلَ». وهكذا لو ضرَبَها ظُلمًا لسُوءِ خلُقِه أو غيرِه لا يُريدُ بذلكَ أنْ تَفتديَ نفْسَها لم يَحرمْ عليهِ مُخالَعتُها؛ لأنه لم يَعضلْها ليَذهبَ ببعضِ ما آتاها، ولكنْ عليهِ إثمُ الظُّلمِ بلا رَيبٍ (١). المسألةُ الثانيةُ: إذا زنَتْ فمنَعَها حقَّها لتُخالِعَه فخالَعتْه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زَنَتِ المرأةُ فعَضَلَها ومنَعَها حقَّها لتُخالِعَه ففعَلَتْ، هل يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا أتَتْ بفاحِشةٍ فزنَتْ فعَضَلَها زَوجُها ومنَعَها حقَّها لتَفتدِيَ منهُ بمالٍ صحَّ الخُلعُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]-يَعني الزِّنا- فمنَعَه اللهُ تعالَى مِنْ العَضلِ لأجْلِ الفِديةِ إلَّا مع الزِّنَا، فكانَ الظَّاهرُ يَقتَضي جَوازَه بالعَضلِ معَ وُجودِ الزِّنَا؛ لأنَّ الاستِثناءَ مِنْ النَّهيِ إباحةٌ، ولأنها متى زَنَتْ لم يأمَنْ أن تُلحِقَ بهِ وَلدًا مِنْ غيرِه وتُفسِدَ فِراشَه فلا تُقيمَ حُدودَ اللهِ في حَقَّه، فتَدخلُ في قَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٢).

стр. 9934

وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ هذا العَضلَ حَرامٌ؛ لأنَّه خُلعٌ أُكرهَتْ عليهِ بمنعِ حقِّها، فهو كما لو أكرَهَها بذلكَ مِنْ غيرِ زِنًا، ولأنَّه قد يَقدِرُ بالطَّلاقِ على الفِراقِ، ولأنَّه لو جازَ بهذا المَعنَى أنْ يُسقِطَ حقَّها حتَّى تُخالِعَه لَجازَ لأجْلِه إسقاطُ حقِّها مِنْ النَّفقةِ لتُخالِعَه، فعلى هذا إذا كانَ ذلكَ بعدَ الدُّخولِ فله أنْ يُراجِعَها. فأمَّا الآيَةُ ففيها جَوابانِ: أحدُهُما: أنَّها مَنسوخةٌ حينَ نُسِخَ حَبسُ الزَّانيةِ في قَولِه تعالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، ثمَّ نُسخَ ذلكَ بالجَلدِ والرَّجمِ. والثَّاني: أنَّ الفاحِشةَ المبيِّنةَ هي النُّشوزُ في هذا المَوضعِ، قالَهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائِشةُ ﵄، ويَجوزُ لهُ معَ النُّشوزِ أنْ يَعضُلَها ويُخالِعَها (١). وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الإمامُ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: وسُئلَ مالِكٌ عن رَجلٍ اطَّلعَ على امرأتِه بزنًى هل لهُ أنْ يُضارَّها حتَّى تَفتديَ منهُ؟ قالَ: لا يَنبغِي لهُ ذلكَ، يُضارُّها إنْ أحدَثَتْ أنْ يَستحلَّ مالَها بذلكَ، يُضارُّها حتَّى تَفتديَ منهُ، ولا أرَى ذلكَ يَصلحُ لهُ.

стр. 9935

قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: لا يَحلُّ للرَّجلِ إذا كَرهَ المرأةَ أنْ يُمسكَها ويُضيِّقَ عليها حتَّى تَفتديَ منه وإنْ أتَتْ بفاحِشةٍ مِنْ زِنًى أو نُشوزٍ أو بِذاءٍ؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] إلى قولِه: ﴿غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] هذا مَذهبُ مالِكٍ وجَميعِ أصحابِه، لا اختِلافَ بَينَهم فيه. ومِن أهلِ العِلمِ مَنْ أباحَ للرَّجلِ إذا اطَّلعَ على زوْجتِه بزنًى أنْ يُمسِكَها ويُضيِّقَ عليها حتَّى تَفتديَ منهُ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] وتأوَّلَ أنَّ الفاحِشةَ المُبيِّنةَ هاهُنا الزِّنَى، وجعَلَ الاستِثناءَ مُتصِلًا. ومِنهم مَنْ تأوَّلَ أنَّ الفاحِشةَ المبيِّنةَ البُغضُ والنُّشوزُ والبِذاءُ باللِّسانِ، فأباحَ للزَّوجِ إذا أبغَضَتْه زوْجتُه ونشَزَتْ عنهُ وبَذَتْ بلِسانِها عليه أنْ يُمسكَها ويُضيِّقَ عليها حتَّى تَفتديَ منه. ومِنهم مَنْ حمَلَ الفاحِشةَ على العُمومِ، فأباحَ للزَّوجِ ذلكَ، كانَتِ الفاحِشةُ الَّتي أتَتْ بها زِنًى أو نُشوزًا أو بِذاءً باللِّسانِ أو ما كانَتْ. والصَّحيحُ ما ذهَبَ إليه مالكٌ ﵀؛ لأنهُ إذا ضيَّقَ عليها حتَّى تَفتديَ منهُ فقَدْ أخَذَ مالَها بغيرِ طِيبِ نَفسٍ منها، ولم يُبِحِ اللهُ ذلكَ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفسٍ منها؛ ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. والآيةُ الَّتي احتَجُّوا بها لا حُجَّةَ لهُم فيهَا؛ لأنَّ الفاحِشةَ المُبيِّنةَ فيها مِنْ جِهةِ النُّطقِ أنْ تَبذُوَ عليهِ وتَشتمَ عِرضَه وتُخالِفَ أمْرَه؛ لأنَّ كُلَّ فاحِشةٍ أتَتْ في القُرآنِ مَنعوتةً بمُبيِّنةٍ فهي مِنْ جِهةِ النُّطقِ، وكلُّ فاحِشةٍ أتَتْ فيهِ مُطلَقةً

стр. 9936

فهي زِنًا، والاستِثناءُ المَذكورُ فيها مُنفصِلٌ، فمَعنى الآيةِ: «لكنْ إنْ نشَزْنَ عَليكُم وخالَفْنَ أمْرَكُم حَلَّ لكُم ما ذَهبْتُم به مِنْ أموالِهنَّ» مَعناهُ: إذا كانَ عن طِيبِ أنفُسِهنَّ، ولا يكونُ ذلكَ عَنْ طيبِ أنفُسِهنَّ إلَّا إذا لم يكنْ مِنهم إليهنَّ ضَررٌ ولا تَضييقٌ، فعلى هذا التَّأويلِ تَتفِقُ آيُ القُرآنِ ولا تَتعارَضُ، وقد قيلَ في تأويلِ الآيةِ غيرُ هذا، وهذا أحسَنُ، واللهُ أعلَمُ (١). وقَالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: قالَ أبو قِلابةَ ومُحمدُ بنُ سِيرينَ: لا يَحلُّ للرَّجلِ الخُلعُ حتَّى يَجدَ على بَطنِها رَجلًا. وهذا عِندي ليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ الفاحِشةَ قد تكونُ في البِذاءِ والجَفاءِ، ومنهُ قيلَ للبَذيءِ فاحِشٌ ومُتفاحِشٌ، وعلى أنَّه لوِ اطَّلعَ مِنها على الفاحِشةِ كانَ لهُ لِعانُها وإنْ شاءَ طلَّقَها، وأمَّا أنْ يُضارَّ بها حتَّى تَفتديَ منهُ بمالِها فليسَ ذلكَ لهُ، وما أعلَمُ أحَدًا قالَ: «لهُ أنْ يُضارَّها ويُسيءَ إليها حتَّى تَختلِعَ منهُ إذا وجَدَها تَزنِي» غيرَ أبي قِلابةَ، واللهُ أعلَمُ (٢). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ اتَّهم زوْجتَه بفاحِشةٍ بحَيثُ إنَّه لم يَرَ عندَها ما يُنكِرُه الشَّرعُ، إلَّا أنَّه ادَّعى أنَّه أرسَلَها إلى عُرسٍ ثمَّ تَجسَّسَ عليها فلم يَجدْها في العُرسِ، فأنكَرَتْ ذلكَ، ثمَّ إنَّه أتَى إلى أوليائِها وذكَرَ لهُم الواقِعةَ، فاستَدعَوا بها لتُقابِلَ زوْجَها على ما ذُكِرَ، فامتَنعَتْ خَوفًا مِنْ الضَّربِ فخرَجَتْ إلى بيتِ خالِها، ثمَّ إنَّ الزَّوجَ بعدَ ذلكَ

стр. 9937

جعَلَ ذلكَ مُستنَدًا في إبطالِ حقِّها وادَّعى أنها خرَجَتْ بغيرِ إذنِه، فهل يكونُ ذلكَ مُبطِلًا لحَقِّها؟ والإنكارُ الَّذي أنكَرَتْه عليهِ يَستوجِبُ إنكارًا في الشَّرعِ؟ فأجابَ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، فلا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَعضُلَ المرأةَ بأنْ يمنَعَها ويُضيِّقَ عليها حتَّى تُعطيَه بعضَ الصَّداقِ، ولا أنْ يَضربَها لأجْلِ ذلكَ، لكنْ إذا أتَتْ بفاحِشةٍ مُبيِّنةٍ كانَ لهُ أنْ يَعضلَها لتَفتديَ منهُ ولهُ أنْ يَضربَها، هذا فيما بينَ الرَّجلِ وبينَ اللهِ، وأمَّا أهلُ المَرأةِ فيَكشفونَ الحقَّ مع مَنْ هو فيُعِينونَه عليهِ، فإنْ تَبيَّنَ لهُم أنها هي الَّتي تَعدَّتْ حُدودَ اللهِ وآذَتِ الزَّوجَ في فِراشِه فهي ظالِمةٌ مُتعدِّيةٌ فلْتَفتدِ منهُ، وإذا قالَ إنَّه أرسَلَها إلى عُرسٍ ولم تَذهَبْ إلى العُرسِ فلْيسألْ إلى أينَ ذهَبَتْ؟ فإنْ ذكرَ أنها ذهَبَتْ إلى قَومٍ لا رِيبةَ عندَهم وصدَّقَها أولئكَ القومُ أو قالُوا: «لم تَأتِ إلينا وإلى العُرسِ لم تَذهبْ» كانَ هذا رِيبةً، وبهذا يَقوَى قَولُ الزَّوجُ. وأمَّا الجِهازُ الَّذي جاءَتْ بهِ مِنْ بَيتِ أبيها فعليهِ أنْ يَردَّهُ عليها بكُلِّ حالٍ، وإنْ اصطَلحُوا فالصُّلحُ خَيرٌ، ومتَى تابَتِ المرأةُ جازَ لزَوجِها أنْ يُمسِكَها، ولا حرَجَ في ذلكَ، فإنَّ التَّائبَ مِنْ الذَّنبِ كمَن لا ذنْبَ لهُ، وإذا لم يتَّفقَا على رُجوعِها إليهِ فلْتُبرئْه مِنْ الصَّداقِ ولْيَخلعْها الزَّوجُ، فإنَّ الخُلعَ جائِزٌ بكِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولُه؛ كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 9938

حقيقةُ الخُلعِ: هل هو فَسخٌ أم طَلاقٌ بائِنٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حَقيقةِ الخُلعِ، هل هو فَسخٌ للنِّكاحِ، فإذا خالَعَ زوْجتَه ثمَّ تَزوَّجَها بعدَ ذلكَ عادَتْ بكامِلِ الطَّلقاتِ؟ أم هوَ طلاقٌ بائِنٌ، فإذا خالَعَها مرَّةً حُسبَتْ طَلقةً فيَنقصُ بها عَددُ طلاقِه، فإذا تَزوَّجَها بعدَ ذلكَ عادَتْ إليهِ بطَلقتَينِ، وإنْ خالَعَها ثلاثًا طَلُقَتْ ثلاثًا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الخُلعَ طلاقٌ بائِنٌ يَنقصُ بهِ العَددُ كلَفظِ الطَّلاقِ، فيكونُ تَطليقةً بائِنةً، إلَّا إذا سَمَّى ثلاثًا أو نَوَى الثَّلاثَ؛ لأنَّه لفظٌ لا يَملكُه غيرُ الزَّوجِ، فوجَبَ أنْ يكونَ طلاقًا، كما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ على ألفٍ»؛ ولأنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَه بينَ طلاقَينِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فلمَّا ذكَرَ الخُلعَ بيْنَ طلاقَينِ عُلِمَ أنَّه مُلحَقٌ بهما. ولأنَّ الفَسخَ ما كانَ عن سَببٍ مُتقدِّمٍ كالعُيوبِ، والخُلعُ يكونُ مُبتدَأً مِنْ غيرِ سَببٍ، فكانَ طلاقًا؛ لأنَّه يَكونُ مِنْ غَيرِ سَببٍ أَولَى مِنْ أنْ يكونَ فَسخًا لا يكونُ إلَّا عَنْ سَببٍ، ولأنَّ الفَسخ يُوجِبُ استِرجاعَ البَدلِ كالفَسخِ في البَيعِ، فلو كانَ الخُلعُ فسخًا لَمَا جازَ إلَّا بالصَّداقِ، وفي جَوازِه بالصَّداقِ وغيرِه دليلُ خُروجِه عنِ الفَسخِ ودُخولِه في الطَّلاقِ.

стр. 9939

ولحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ امرَأةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، ثابِتُ بنُ قَيسٍ ما أَعتِبُ عليه في خلُقٍ ولا دِينٍ، ولكنِّي أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عليه حَديقتَه؟» قالَتْ: نعَمْ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اقبَلِ الحَديقةَ وطلِّقْها تَطليقةً» (١). وفي بعضِ ألفاظِه: «خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها»، فقالَ: ويَصلُحُ ذلك يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: «نعَمْ»، قالَ: فإنِّي أصدَقْتُها حَديقتَينِ وهُما بيَدِها، فقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «خُذْهُما ففارِقْها، ففعَلَ» (٢)، ومعلومٌ أنَّ مَنْ قالَ لامرَأتِه: «قد فارَقْتُكِ، أو قد خَلَّيتُ سَبيلَكِ» ونيَّتهُ الفُرقةُ أنه يكونُ طلاقًا، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ خُلعَه إيَّاها بأمرِ الشَّارعِ كانَ طلاقًا، وأيضًا لا خِلافَ أنَّه لو قالَ لها: «قَدْ طلَّقْتُكِ على مالٍ، أو قد جعَلْتُ أمْرَكِ إليكِ بمالٍ» كانَ طلاقًا، وكذلكَ لو قالَ: «قد خلَعْتُكِ بغيرِ مالٍ» يُريدُ بهِ الفُرقةَ كانَ طلاقًا، كذلكَ إذا خلَعَها بمالٍ. وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ الخُلعَ تَطليقةً بائِنةً» (٣).

стр. 9940

وعنْ سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ الخُلعَ تَطليقةً» (١). ولِمَا رَواهُ مالِكٌ عَنْ هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيهِ عن جُمْهانَ مَولَى الأسلَميِّينَ عن أمِّ بكرٍ الأسلَميَّةِ «أنها اختلَعَتْ مِنْ زَوجِها عبدِ اللهِ بنِ أُسَيدٍ، ثمَّ نَدمَتْ ونَدمَ، ثمَّ أتَيَا عُثمانَ في ذلكَ، فقالَ: هي تَطليقةٌ، إلا أنْ تكونَ سَمَّيتَ شيئًا فهوَ ما سَمَّيتَ، فراجَعَها» (٢). ولأنَّ كلَّ فُرقةٍ تَعلَّقتْ بإرادةِ الزَّوجَينِ لا عَنْ غَلبةٍ فإنها لا تَكونُ فَسخًا، بل تكونُ طَلاقًا، أصلُه إذا تزوَّجَ عليها فطالَبَتْه بالفِراقِ، ولأنَّ الزَّوجةَ بذَلَتِ العِوضَ للزَّوجِ للفُرقةِ الَّتي يَملكُها الزَّوجُ، والفُرقةُ الَّتي يَملكُ الزَّوجُ إيقاعَها هي الطَّلاقُ دُونَ الفَسخِ؛ فوجَبَ أنْ يكونَ طلاقًا، ولأنه أتَى بكِنايةِ الطَّلاقِ قاصِدًا فِراقَها، فكانَ طلاقًا كغيرِ الخُلعِ. فإنْ قيلَ: إذا قالَ بلَفظِ الخُلعِ كانَ بمِنزلةِ الإقالَةِ في البَيعِ، فتكونُ فَسخًا لا بَيعًا مُبتدَأً. قيلَ لهُ: لا خِلافَ في جَوازِ الخُلعِ بغيرِ مالٍ وعلى أقلَّ مِنْ المَهرِ، والإقالَةُ لا تَجوزُ إلَّا بالثَّمنِ الَّذي كانَ في العَقدِ، ولو كانَ الخُلعُ فسخًا كالإقالَةِ لَمَا جازَ إلَّا بالمهرِ الَّذي تزوَّجَها عليهِ، وفي اتِّفاقِ الجَميعِ على جَوازِه بغيرِ مالٍ وبأقلَّ مِنْ المهرِ دَلالةٌ على أنَّه طَلاقٌ بمالٍ وأنَّه

стр. 9941

ليسَ بفَسخٍ، وأنَّه لا فرْقَ بيْنَه وبينَ قَولِه: «قد طلَّقتُكِ على هذا المالِ. وأمَّا الآيةُ فبالنَّظرِ إلى نَفسِ التَّركيبِ يُفيدُ بعدَ غايةِ التَّنزُّلِ أنَّ الافتِداءَ فُرقةٌ ليسَ غَير، فإنَّ حاصِلَ الثَّابتِ بهِ كَونُه تعالَى بعدَ ما أفادَ شَرعيَّةَ الثَّلاثِ وبيَّنَ ذلكَ نَصَّ على حُكمٍ آخَرَ هو جَوازُ دَفعِها البدلَ تخلُّصًا مِنْ قَيدِ النِّكاحِ وأخْذِه منها مِنْ غيرِ تَعرُّضٍ لكَونِه غيرَ طَلاقٍ أو طلاقًا، هو الثَّالِثةُ أو لا، فتَعيَّنَ أخذُها مِنْ خارِجٍ ألبتَّةَ، وهذا أوجَهُ مِنْ قَولِهم بَيَّنَ الثَّالثةَ بعُوضٍ وبغيرِه؛ لأنَّه لا يحتاجُ الجَواب إليهِ كما سَمِعت، ولأنَّه يَقتَضي أنْ لا يُشرَعَ الخُلعُ إلَّا بعدَ ثِنتينِ، بل إنَّما نَصَّ على شَرعيَّةِ الثَّلاثِ وبيَّنَ حُكمًا آخَرَ هو جَوازُ الافتِداءِ عن مِلكِ النِّكاحِ مِنْ غيرِ زِيادةٍ على ذلك (١).

стр. 9942

وذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ إلى أنَّ الخُلعَ فَسخٌ وليسَ بطلاقٍ، فإنْ عادَتْ إليهِ عادَتْ بثَلاثِ طلَقاتٍ أو ما بقيَ مِنْ طلاقٍ، إلَّا أنْ يَنويَ بهِ الطَّلاقَ فيكونُ طلاقًا على الصَّحيحِ (١). واحتَجُّوا على ذلكَ بما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «الخُلعُ فُرقةٌ وليسَ بطلاقٍ» (٢). وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ «أنَّ امرَأةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ اختلَعَتْ منهُ فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ عِدَّتَها حَيضةً» (٣). وعَن مُحمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ الرّبَيِّعَ بنتَ مُعَوِّذِ بنِ عَفراءَ أخبَرَتْه أنَّ ثابتَ بنَ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ ضرَبَ امرَأتَه فكسَرَ يدَها، وهي جَميلةُ بنتُ عبدِ اللهِ

стр. 9943

ابنِ أبيٍّ، فأتَى أخوها يَشتكيهِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابتٍ فقالَ لهُ: «خُذِ الَّذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعَمْ، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تترَبَّصَ حَيضةً واحدةً فتَلحقَ بأهلِها» (١). قالَ الخَطَّابيُّ ﵀: في هذا أقوَى دَليلٍ لمَن قالَ أنَّ الخُلعَ فسخٌ وليسَ بطَلاقٍ؛ إذ لو كانَ طلاقًا لم تَكتفِ بحَيضةٍ للعدَّةِ (٢). وَعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ إبراهيمَ بنَ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ سألَه فقالَ: رَجلٌ طلَّقَ امرَأتَه تَطليقتينِ ثمَّ اختَلعَتْ منه، أيَتزوَّجُها؟ قالَ: «نعَمْ ليَنكِحْها، ليسَ الخُلعُ بطلاقٍ، ذكَرَ اللهُ الطَّلاقَ في أوَّلِ الآيةِ وآخِرِها والخُلعَ فيما بينَ ذلكَ، فليسَ الخُلعُ بشَيءٍ، ثمَّ قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقرَأَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]» (٣). فذكَرَ تَطليقتَينِ والخُلعَ وتَطليقةً بعدَها، فلو جَعلْنَا الخُلعَ طلاقًا صارَتِ التَّطليقاتُ أربَعًا في سِياقِ هذهِ الآيةِ، ولا يكونُ الطَّلاقُ أكثَرَ مِنْ ثَلاثٍ، ولأنَّ النِّكاحَ عقدٌ مُحتمِلٌ للفَسخِ حتَّى يُفسَخُ بخِيارِ عدمِ الكفاءةِ وخيارِ العِتقِ وخيارِ البُلوغِ، فيَحتملُ الفَسخَ بالتَّراضي أيضًا وذلكَ بالخُلعِ، واعتبرَ هذهِ

стр. 9944

المعاوضة المُحتمِلة للفَسخِ بالبيعِ والشِّراءِ في جَوازِ فَسخِها بالتَّراضي، ولأنها فُرقةٌ خلَتْ عن صَريحِ الطَّلاقِ ونيَّتِه، فكانَتْ فسخًا كسائِرِ الفُسوخِ. وأمَّا حَديثُ: «اقبَلِ الحَديقةَ وطلِّقَها تَطليقةً» فهو مِنْ رِوايةِ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اقبَلِ الحَديقةَ وطلِّقْها تَطليقةً»، وقد ثبَتَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وعِكرمةَ وغيرِهما أنهم لم يكونُوا يَجعلونَ الخُلعَ مِنْ الطَّلاقاتِ الثَّلاثِ، قالَ أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: حدَّثَنا يَحيَى بنُ سَعيدٍ القَطَّان عن سُفيانَ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن طاووسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «الخُلعُ تَفريقٌ وليسَ بطلاقٍ»، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ: رَأيتُ أبِي يَذهبُ إلى قولِ ابنِ عبَّاسٍ، وهو قَولُ إسحاقَ وأبي ثَورٍ وداودَ وأصحابهِ غيرَ ابنَ حَزمٍ. ورَوى عبدُ الرَّزاقِ عنِ ابنِ جُريجٍ عنِ ابنِ طاوُوسٍ قالَ: كانَ أبِي لا يَرَى الفِداءَ طلاقًا ويُخيِّرُ لهُ بيْنَهما، وقالَ ابنُ جُريجٍ: أخبَرني عَمرُو بنُ دِينارٍ أنه سَمعَ عِكرمةَ سَمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: «كُلُّ شيءٍ أجازَهُ المالُ فليسَ بطلاقٍ -يَعني الخُلعَ-» (١). فهذا عِكرمةُ يَقولُ: «إنَّ كلَّ فُرقةٍ وقَعَتْ بمالٍ فليسَتْ مِنْ الطَّلاقِ الثَّلاثِ»، وذلكَ أنَّ هذا هو مَعنَى الفِديةِ المَذكورةِ في كِتابِ اللهِ، والفِديةُ ليسَتْ مِنْ الطَّلاقِ الثَّلاثِ كما بيَّنَه ابنُ عبَّاسٍ، مع أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وعِكرمةَ هُما اللَّذانِ رَوى البُخاريُّ مِنْ طَريقِهما حديثَ امرَأةِ ثابتِ بنِ قَيسٍ كما تقدَّمَ (٢).

стр. 9945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →