وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا نَوعُ الخُلعِ فجُمهورُ العُلماءِ على أنَّه طَلاقٌ، وبهِ قالَ مالِكٌ، وأبو حَنيفةَ سوَّى بيْنَ الطَّلاقِ والفَسخِ، وقالَ الشَّافعيُّ: هوَ فسخٌ، وبهِ قالَ أحمَدُ وداودُ، ومِنَ الصَّحابةِ ابنُ عبَّاسٍ.
وقد رُويَ عنِ الشَّافعيِّ أنَّه كِنايةٌ، فإنْ أرادَ بهِ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا، وإلَّا كانَ فسخًا، وقَد قيلَ عنهُ في قَولِه الجديدِ: إنَّه طَلاقٌ.
وفائِدةُ الفرْقِ: هل يُعتَدُّ به في التَّطليقاتِ أم لا؟
وجُمهورُ مَنْ رَأى أنَّه طَلاقٌ يَجعلُه بائِنًا؛ لأنَّه لو كانَ للزَّوجِ في العدَّةِ منهُ الرَّجعةُ عليها لم يَكنْ لافتِدائِها مَعنًى.
وقالَ أبو ثَورٍ: إنْ لم يَكنْ بلَفظِ الطَّلاقِ لم يَكنْ لهُ عليها رَجعةٌ، وإنْ كانَ بلَفظِ الطَّلاقِ كانَ لهُ عليها الرَّجعةُ.
стр. 9948
فاحتَجَّ مَنْ جعَلَه طَلاقًا بأنَّ الفُسوخَ إنَّما هي الَّتي تَقتضِي الفُرقةَ الغالِبةَ للزَّوجِ في الفِراقِ ممَّا ليسَ يَرجعُ إلى اختِيارِه، وهذا راجِعٌ إلى الاختِيارِ فليسَ بفَسخٍ.
واحتَجَّ مَنْ لم يرَه طلاقًا بأنَّ اللهَ ﵎ ذكَرَ في كتابِه الطَّلاقَ فقالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثمَّ ذكَرَ الافتِداءَ، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فلو كانَ الافتِداءُ طَلاقًا لَكانَ الطَّلاقُ الَّذي لا تَحلُّ له فيهِ إلَّا بعدَ زَوجٍ هو الطَّلاقُ الرَّابعُ، وعندَ هؤلاءِ أنَّ الفُسوخَ تقَعُ بالتَّراضِي قياسًا على فُسوخِ البَيعِ -أعنِي الإقالةَ-، وعندَ المُخالِفِ أنَّ الآيةَ إنَّما تَضمَّنتْ حُكمَ الافتِداءِ على أنه شَيءٌ يَلحقُ جميعَ أنواعِ الطَّلاقِ، لا أنَّه شيءٌ غيرُ الطَّلاقِ.
فسَببُ الخِلافِ: هلِ اقتِرانُ العِوضِ بهذهِ الفُرقةِ يُخرِجُها مِنْ نَوعِ فُرقةِ الطَّلاقِ إلى نوعِ فُرقةِ الفَسخِ أم ليسَ يُخرِجُها؟ (١).
فائِدةُ الخِلافِ على القَولِ بأنَّ الخُلعَ فَسخٌ أو بأنَّه طَلاقٌ:
وفائِدةُ الخِلافِ على القَولِ بأنَّه فسخٌ أنَّه لو نكَحَها بعدَ الفَسخِ (الخُلعِ) كانَتْ معَه على ثَلاثةٍ، ولَم تَحرُمْ عليهِ ولو خالَعَها مِائةَ مرَّةٍ، ولو كانَ قَدْ طلَّقَها طَلقتَينِ ثمَّ فسَخَ (خَلعَ) حَلَّتْ لهُ قبلَ زَوجٍ، ولو فسَخَ نِكاحَها في ثلاثةِ عُقودٍ حلَّتْ له قبلَ زَوجٍ.
стр. 9949
وعلى القَولِ أنَّه طَلاقٌ؛ فإنْ خالَعَها مرَّةً حُسِبَتْ طَلقةً، فيَنقصُ بهِ عَددِ طَلاقِه، فلو نكَحَها بعْدَ الخُلع كانَتْ معَه على اثَنتَينِ، ولو كانَ قَدْ طلَّقَها طَلقتَينِ ثمَّ فسَخَ (خلَعَ) لم تَحلَّ لهُ إلَّا بعدَ زَوجٍ، ولو خالَعَها في ثَلاثةِ عُقودٍ لم تَحلَّ لهُ إلَّا بعدَ زَوجٍ (١).
الحِيلةُ في الخُلعِ لعدَمِ وُقوعِ الطَّلاقِ:
تَظهرُ فائِدةُ الحِيلةِ في الخُلعِ لعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ في صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: فيما لو علَّقَ طَلاقَ زَوجتِه على فعلِ شيءٍ لا بُدَّ لهُ مِنْ فِعلِه، بأنْ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، أو يَحلفَ بما زادَ على واحِدةٍ، فيُخالِعُ ثمَّ يَفعلُ المَحلوفَ عليهِ، أو يَقولَ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، فيُخالِعُها قبلَ قُدومِ زَيدٍ.
وهذا على القَولِ أنَّ الخُلعَ طلاقٌ وليسَ فَسخًا، ولا يَنفعُ هذا إلَّا إذا حلَفَ بطَلقتَينِ أو ثَلاثٍ، أمَّا لو حلَفَ بواحِدةٍ فلا تَنفعُه على هذا القَولِ أنَّه لو قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فأنتِ طالِقٌ» فرَأى أنْ يَتخلَّصَ مِنْ الطَّلاقِ بالخُلعِ فلا يَنفعُه؛ لأنَّ الخُلعَ يُحسَبُ طَلقةً عِندَهم.
الصُّورةُ الثَّانيةُ: إذا حلَفَ على زَوجتِه بالطَّلاقِ فقالَ: «إنْ فَعلْت كذا فأنتِ طالِقٌ»، فخالَعَها قبلَ أنْ تَفعلَ أو يَفعلَ هو فلا يَقعُ الطَّلاقُ، وهذا على القَولِ أنَّ الخُلعَ فَسخٌ.
стр. 9950
وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ خُلعِ الحِيلةِ: هل هو جائِزٌ أم لا؟ وإذا لم يَجزْ هل يَكونُ حَرامًا مع الصِّحةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرمُ الخُلعُ حِيلةً لإسقاطِ يَمينِ طَلاقٍ أو لأجْلِ إسقاطِ تَعليقِ الطَّلاقِ؛ كما لو قالَ لها: «إذا قَدمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ» فخَلَعها قبلَ قُدومِه حِيلةً لإسقاطِ تَعليقِ الطلاق؛ فيَحرمُ كسائرِ الحِيلِ ولا يقَعُ الخُلعُ، قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: خُلعُ الحِيلةِ لا يَصحُّ على الأصحِّ كما لا يَصحُّ نكاحُ المحلِّلِ؛ لأنَّه ليسَ المَقصودُ منهُ الفُرقةُ، وإنَّما يُقصدُ منهُ بقاءُ المرأةِ معَ زوجِها كما في نكاحِ المحلِّلِ، والعَقدُ لا يُقصدُ به نَقيضُ مَقصودِه.
وذهَبَ بعضُ الحَنابلةِ كما في «الرِّعايتَين» و «الحاوِي» أنَّه يَحرمُ الخُلعُ حِيلةً ويقَعُ.
قالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀ في «الإنصاف»: قُلتُ: غالِبُ النَّاسِ واقِعٌ في هذهِ المَسألةِ ويَستعمِلُها في هذهِ الأزمِنةِ، ففي هذا القَولِ فرَجٌ لهُم.
وفي واضِحِ ابنِ عَقيلٍ: يُستحبُّ إعلامُ المُفتِي المُستفتِي -أي: طالِبَ الفُتيا- بمَذهبِ غيرِه -أي: غيرِ المُفتِي- إنْ كانَ المُستَفتي أهلًا للرُّخصةِ، كطالِبِ التَّخلصِ مِنْ الوُقوعِ في الرِّبا، ولم يَجدْ لهُ وجهًا في مَذهبِه؛ فيَدلُّه على مَنْ يَرى التَّحيُّلَ للخَلاصِ منهُ -أي: الرِّبا والخُلعِ-، فيُفتيه ذلكَ الغيرُ بصحَّةِ الخُلعِ وعدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ؛ لئلَّا يَضطرَّ فيقَعَ في المَحظورِ المَنهيِّ عنهُ؛ إذْ لا يَجبُ على الإنسانِ التِزامُ مَذهبٍ بعَينِه بحَيثُ إنَّه يَعتقدُ صوابَه
стр. 9951
وخطَأَ غيرِه، وإلَّا لَضاقَ الأمرُ على النَّاسِ، واللهُ لَم يُكلِّفْ عِبادَه ما لا يُطيقونَه، وإنَّما جعَلَ اختِلافَ المَذاهبِ رَحمةً لهذهِ الأمَّةِ.
وممَّا يُؤيِّدُ ذلكَ ما نقَلَه القاضي أبو الحُسينِ في فُروعِه: أنَّ أُناسًا جاؤُوا الإمامَ أحمَدَ بفَتوًى سألُوه عنها، فلَم تَكنْ على مَذهبِه فقالَ: عَليكُم بحَلقةِ المَدنيِّينَ، ففي هذا دَليلٌ على أنَّ المُفتِي إذا جاءَهُ المُستفتِي ولم يَكنْ عِندَه رُخصةً يَدلُّه عَلى مَذهبٍ لهُ فيهِ رُخصةٌ. انتهى.
قالَ الرُّحيبانِيُّ ﵀: تَتمَّةٌ: قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: لوِ اعتَقدَ الرَّجلُ البَينونةَ بخُلعِ الحِيلةِ ثمَّ فعَلَ ما حلَفَ عليهِ فحُكمُه كما لو قالَ لِمَنْ ظَنَّها أجنبيَّةً: «أنتِ طالِقٌ» فبانَتْ أنها امرَأتُه؛ فتَبِينُ امرأتُه بذلكَ، ولو خالَعَ حِيلةً وفعَلَ المَحلوفَ عليهِ مُعتقدًا زوالَ النِّكاحِ ولم يَكنِ الأمرُ كذلكَ؛ لعَدمِ صحَّةِ الخُلعِ حِيلةً؛ فهو كما لو حلَفَ على شيءٍ يَظنُّه فبانَ بخِلافِ ظنِّه، فيَحنثُ بطَلاقٍ وعِتاقٍ.
قالَ في «التَّفتيح»: وغالِبُ النَّاسِ واقِعٌ في ذلكَ -أي: في الخُلعِ لإسقاطِ يَمينِ الطَّلاقِ-.
قالَ في «شَرح الإقناعِ»: قلتُ: ويُشبِهُه مَنْ يَخلعُ الأختَ ثمَّ يتزوَّجُ أختَها، ثمَّ يَخلعُ الثَّانيةَ ويُعيدُ الأُولَى وهَلُمَّ جَرًّا، وهو داخِلٌ في قَولِ الشَّيخِ: خُلعُ الحِيلةِ لا يَصحُّ، وقَولِهم: والحِيَلُ كلُّها غيرُ جائِزةٍ في شيءٍ مِنْ أُمورِ الدِّينِ (١).
стр. 9952
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ خُلعَ الحِيلةِ جائزٌ مِنْ غيرِ كَراهةٍ.
قالُوا: إذا حلَفَ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ على فِعلِ شيءٍ لا بُدَّ لهُ منهُ فيُخالِعُ ثمَّ يَفعلُ المَحلوفَ عليه؛ لأنَّه وَسيلةٌ إلى التَّخلصِ مِنْ وُقوعِ الثَّلاثِ.
قالَ الإمامُ الدَّمِيريُّ ﵀: قالَ الشَّيخُ: دَخلْتُ يَومًا على ابنِ الرِّفعةِ فقالَ: جاءَتني فُتيا في رَجلٍ حلَفَ لا بدَّ أنْ يَفعلَ كذا في هذا الشَّهرِ، ثمَّ خالَعَ قبلَ فَراغِه .. فكَتبت عليها: أنَّه يتخلَّصُ، ثمَّ تَبيَّنَ لي أنَّه خطَأٌ، ودخَلَ البَكرِيُّ فوافَقَ على التَّخلصُ، فبيَّنتُ له أنَّه خطَأٌ، ودخَلَ القموليُّ فوافَقَ على التَّخلصِ فبيَّنتُ لهُ أنَّه خطَأٌ.
قالَ: وأخذْتُ أنا أبحَثُ معهُ في ذلكَ وأجنَحُ إلى التَّخلصِ، وهو لا يلوِي إلَّا على كَونِه خَطأً وأنَّ الصَّوابَ أنَّه ينتظرُ، فإنْ لم يَفعلْ حتَّى انقضَى الشَّهرُ .. تَبيَّنَ وُقوعَ الطَّلاقِ المَحلوفِ بهِ قبلَ الخُلعِ وبُطلانَ الخُلعِ، ثمَّ سألْتُ الباجيَّ عن ذلكَ ولم أذكُرْ لهُ ما قالَه ابنُ الرِّفعةِ فقالَ: لا يُخلِّصُه الخُلعُ؛ لأنَّه تَمكَّنَ مِنْ فِعلِ المَحلوفِ عليهِ ولم يَفعلْ.
ثمَّ رأيْتُ في (الرَّافعيِّ) في آخرِ (الطَّلاقِ): أنَّه لو قالَ: «إنْ لَم تَخرُجِي اللَّيلةَ مِنْ هذهِ الدَّارِ فأنتِ طالِقٌ» فخالَعَ مع أجنبيٍّ مِنْ اللَّيلِ وجدَّدَ النِّكاحَ ولم تَخرُجْ .. لم يقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ اللَّيلَ كلَّه مَحلُّ اليَمينِ، ولم يَمضِ اللِّيلُ،
стр. 9953
وهي زَوجةٌ لهُ حتَّى يقَعَ الطَّلاقُ، وأنَّه لو كانَ بينَ يَديهِ تُفاحتانِ فقالَ لزَوجتِه: «إنْ لم تَأكُلي هذه التُّفاحةَ اليومَ .. فأنتِ طالِقٌ» ولأمَتِه: «إنْ لم تَأكُلي هذه الأُخرَى اليومَ .. فأنتِ حُرَّةً»، فاشتَبهَتْ تُفاحةُ الطَّلاقِ وتُفاحةُ العِتقِ .. فذكَرَ طَريقَينِ عن بعضِ الأصحابِ في الخَلاصِ، ثمَّ قالَ: فلو خالَعَ زَوجتَه ذلكَ اليومَ وباعَ الأمَةَ ثمَّ جدَّدَ النِّكاحَ واشتَرى الأمَةَ خلَصَ.
وظاهِرُ هذينِ الفرعَينِ مُخالِفٌ لِما قالَه ابنُ الرِّفعةِ والباجيُّ (١).
وقالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ ﵀: الخُلعُ مَكرُوهٌ … قالَ في «التَّنبيهِ»: إلَّا في حالتَينِ:
إحداهُما: أنْ يَخافا أو أحَدُهما أنْ لا يُقيمَا حُدودَ اللهِ …
الحالَةُ الثَّانيةُ: أنْ يَحلفَ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ على فعلِ شيءٍ لا بُدَّ لهُ منهُ -أي كالأكلِ والشُّربِ وقَضاءِ الحاجَةِ- فيَخلعُها ثمَّ يَفعلُ الأمرَ المَحلوفَ عليهِ ثمَّ يَتزوَّجُها، فلا يَحنَثُ؛ لانحِلالِ اليَمينِ بالفِعلةِ الأُولَى؛ إذْ لا يَتناولُ إلَّا الفِعلةَ الأُولَى وقد حصَلَتْ.
فإنْ خالَعَها ولم يَفعلِ المَحلوفَ عليهِ فيهِ قَولانِ: أصَحُّهما: أنَّه يَتخلصُّ مِنْ الحِنثِ، فإذا فعَلَ المَحلوفَ عليهِ بعدَ النِّكاحِ لم يَحنثْ؛ لأنَّه تَعليقٌ سبَقَ هذا النِّكاحَ فلم يُؤثِّرْ فيهِ، كما إذا علَّقَ الطَّلاقَ قبلَ النِّكاحِ فوُجدَتِ الصِّفةُ بعدَ النِّكاحِ.
стр. 9954
تَنبيهٌ: ظاهِرُ كلامِهِم حُصولُ الخَلاصِ بالخُلعِ ولو كانَ المَحلوفُ على فِعلِه مُقيَّدًا بمُدَّةٍ، وهو كذلكَ، وخالَفَ في ذلكَ بعضُ المُتأخِّرينَ، قالَ السُّبكيُّ: دَخلْتُ عَلى ابنِ الرِّفعةِ فقالَ لي: استُفتيتُ عمَّن حلَفَ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ لا بُدَّ أنْ يَفعلَ كذا في هذا الشَّهرِ فخالَعَ في الشَّهرِ، فأفتَيتُ بتَخلُّصِه مِنْ الحِنثِ، ثمَّ ظهَرَ لي أنَّه خطَأٌ، ووافَقَني البَكريُّ على التَّخلصِ فبَيَّنتُ له أنَّه خطأٌ.
قالَ السُّبكيُّ: ثمَّ سألتُ الباجيَّ ولم أذكُرْ لهُ كلامَ ابنِ الرِّفعةِ فوافَقَه.
قالَ: ثمَّ رأيْتُ في الرَّافعيِّ في آخرِ الطَّلاقِ أنَّه لو قالَ: «إنْ لَم تَخرُجِي في هذهِ اللَّيلةِ مِنْ هذهِ الدَّارِ فأنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فخالَعَ معَ أجنبيٍّ مِنْ اللَّيلِ وجدَّدَ النِّكاحِ ولم تَخرجْ لم يقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ اللَّيلَ كلَّه مَحلُّ اليَمينِ ولم يَمضِ اللَّيلِ، وهي زَوجةٌ لهُ حتَّى يقَعَ الطَّلاقُ، وأنَّه لو كانَ بيْنَ يَديهِ تُفاحتانِ فقالَ لزَوجتِه: «إنْ لم تَأكلي هذهِ التُّفاحةَ اليومَ فأنتِ طالِقٌ ثلاثًا» ولأمَتِه: «إنْ لم تَأكُلي هذه الأُخرَى اليومَ فأنتِ حُرَّةٌ»، فاشتَبهَتْ تُفاحةُ الطَّلاقِ وتُفاحةُ العِتقِ؛ فذكَرَ طَريقَينِ عن بعضِ الأصحابِ في الخَلاصِ.
ثمَّ قالَ: فلو خالَعَ زوْجتَه ذلكَ اليَومَ وباعَ الأمَةَ ثمَّ جدَّدَ النِّكاحَ واشتَرى الأمَةَ خلَصَ، وظاهِرُ هذَينِ الفَرعينِ مُخالِفٌ لِما قالَه ابنُ الرِّفعةِ والباجيُّ. اه.
стр. 9955
وهو كما قالَ، فالمُعتمَدُ إطلاقُ كلامِ الأصحابِ (١).
وذهَبَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀ إلى نُصرَةِ القولِ بجَوازِ خُلعِ الحِيلةِ مِنْ عَشَرةٍ أَوجُهٍ.
قالَ ﵀: المَخرَجُ الحادي عشَرَ: خُلعُ اليَمينِ عندَ مَنْ يُجوِّزُه كأصحابِ الشَّافعيِّ وغيرِهم، وهذا وإنْ كانَ غيرَ جائِزٍ على قَولِ أهلِ المَدينةِ وقَولِ الإمامِ أحمَدَ وأصحابهِ كلِّهم، فإذا دعَتِ الحاجةُ إليهِ أو إلى التَّحليلِ كانَ أَولَى مِنْ التَّحليلِ مِنْ وُجوهٍ عديدةٍ:
أحَدُها: أنَّ اللهَ تعالَى شرَعَ الخُلعَ رَفعًا لمَفسدةِ المشاقَّةِ الواقِعةِ بيْنَ الزَّوجَينِ، وتَخلُّصِ كلٍّ مِنهُما مِنْ صاحِبِه؛ فإذا شرَعَ الخُلعَ رَفعًا لهذهِ المَفسدةِ الَّتي هي بالنِّسبةِ إلى مَفسدةِ التَّحليلِ كتَفلةٍ في بَحرٍ، فتَسويغُه لدَفعِ مَفسدةِ التَّحليلِ أَولَى.
يُوضِّحُه الوَجهُ الثَّاني: أنَّ الحِيَلَ المُحرَّمةَ إنَّما مُنعَ منها لِمَا تَتضمَّنُه مِنْ الفَسادِ الَّذي اشتَملَتْ عليهِ تلكَ المُحرَّماتُ الَّتي يُتحيَّلُ عليها بهذهِ الحيَلِ، وأمَّا حِيلةٌ تَرفعُ مَفسدةً هي مِنْ أعظَمِ المَفاسدِ فإنَّ الشَّارعَ لا يُحرِّمها.
يُوضِّحُه الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ هذهِ الحِيلةَ تتضمَّنُ مَصلحةَ بَقاءِ النِّكاحِ المَطلوبِ للشَّارعِ بَقاؤُه، ودفْعَ مَفسدةِ التَّحليلِ الَّتي بالَغَ الشَّارعُ كلَّ المُبالَغةِ في دَفعِه والمَنعِ منهُ ولعْنِ أصحابِه؛ فحِيلةٌ تُحصِّلُ المَصلحةَ المَطلوبَ إيجادُها وتَدفعُ المَفسدةَ المَطلوبَ إعدامُها لا يَكونُ مَمنوعًا منها.
стр. 9956
الوَجهُ الرَّابعُ: أنَّ ما حرَّمَه الشَّارعُ فإنَّما حرَّمَه لِمَا يتضمَّنُه مِنْ المَفسدةِ الخالِصةِ أو الرَّاجحةِ، فإذا كانَتْ مَصلحةً خاصَّةً أو راجِحةً لم يُحرِّمهُ ألبتَّةَ، وهذا الخُلعُ مَصلحتُه أرجَحُ مِنْ مَفسدتِه.
الوجهُ الخامِسُ: أنَّ غايةَ ما في هذا الخُلعِ اتِّفاقُ الزَّوجَينِ ورضاهُما بفَسخِ النِّكاحِ بغيرِ شِقاقٍ واقِعٍ بينَهُما، وإذا وقَعَ الخُلعُ مِنْ غيرِ شقاقٍ صحَّ وكانَ غايَتُه الكَراهيَةَ؛ لِمَا فيهِ مِنْ مَفسدةِ المُفارَقةِ، وهذا الخُلعُ أُريدَ لهُ لمُّ شَعْثِ النِّكاحِ بحُصولِ عَقدٍ بعدَه يَتمكَّنُ الزَّوجانِ فيهِ مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ، وبدونِه لا يَتمكَّنانِ مِنْ ذلك، بل إمَّا خَرابُ البَيتِ وفِراقُ الأهلِ، وإمَّا التَّعرُّضُ للَعْنةِ مَنْ لا يَقومُ للَعنتِه شيءٌ، وإمَّا التِزامُ ما حلَفَ عليهِ وإنْ كانَ فيهِ فسادُ دُنياهُ وأُخراهُ؛ كما إذا حلَفَ لَيَقتلنَّ ولَدَه اليومَ، أو لَيشرَبنَّ هذا الخَمرَ، أو لَيطَأنَّ هذا الفَرْجَ الحرامَ، أو حلَفَ أنه لا يَأكلُ ولا يَشربُ ولا يَستظِلُّ بسَقفٍ ولا يُعطي فُلانًا حقَّه، ونحوَ ذلكَ، فإذا دارَ الأمرُ بيْنَ مَفسدةِ التِزامِ المَحلوفِ عليه أو مَفسدةِ الطَّلاقِ وخَرابِ البَيتِ وشَتاتِ الشَّملِ أو مَفسدةِ التِزامِ لَعنةِ اللهِ بارتِكابِ التَّحليلِ وبينَ ارتِكابِ الخُلعِ المُخلِّصِ مِنْ ذلكَ جَميعِه لَم يَخْفَ على العاقِلِ أيُّ ذلك أَولى.
الوجهُ السادِسُ: أنَّهما لوِ اتَّفقَا على أنْ يُطلِّقَها مِنْ غيرِ شقاقٍ بينَهما، بلْ لِيأخذَ غيرَها لم يُمنعْ مِنْ ذلكَ، فإذا اتَّفقَا على الخُلعِ ليكونَ سَببًا إلى دَوامِ اتِّصالِهما كانَ أَولى وأَحرى.
ويُوضِّحُه الوجهُ السَّابعُ: أنَّ الخُلعَ إنْ قيلَ «إنَّه طلاقٌ» فقدِ اتَّفقَا على
стр. 9957
الطَّلاقِ بعِوضٍ لمَصلحةٍ لهُما في ذلكَ، فما الَّذي يُحرِّمُه؟ وإنْ قيلَ «إنَّه فَسخٌ» فلا رَيبَ أنَّ النِّكاحَ مِنْ العُقودِ اللَّازمةِ، والعَقدُ اللَّازمُ إذا اتَّفقَ المُتعاقدانِ على فَسخِه ورَفعِه لم يُمنعَا مِنْ ذلكَ، إلَّا أنْ يكونَ العَقدُ حقًّا للهِ، والنِّكاحُ مَحضُ حقِّهما، فلا يُمنعانِ مِنْ الاتِّفاقِ على فَسخِه.
الوجهُ الثَّامنُ: أنَّ الآيةَ اقتَضَتْ جَوازَ الخُلعِ إذا خافَ الزَّوجانِ ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، فكانَ الخُلعُ طَريقًا إلى تمكُّنِهما مِنْ إقامَةِ حُدودِ اللهِ، وهيَ حُقوقُه الواجِبةُ عليهما في النِّكاحِ، فإذا كانَ الخُلعُ معَ استقامةِ الحالِ طريقًا إلى تمكُّنِهما مِنْ إقامَةِ حُدودِه الَّتي تعطَّلُ ولا بُدَّ بُدونِ الخُلعِ؛ تعيَّنَ الخُلعُ حِينئذٍ طَريقًا إلى إقامَتِها.
فإنْ قيلَ: لا يَتعيَّنُ الخُلعُ طريقًا، بل هاهُنا طَريقانِ آخَرانِ: أحدُهُما: مُفارَقتُهما، والثَّاني: عَدمُ إلزامِ الطَّلاقِ بالحِنثِ إذا أخرَجَه مَخرجَ اليَمينِ إمَّا بكفَّارةٍ أو بدُونها، كما هي ثلاثةُ أقوالٍ للسَّلفِ مَعروفةٍ صرَّحَ بها أبو مُحمدٍ ابنُ حَزمٍ وغيرُه.
قيلَ: نعَمْ هذانِ طريقانِ، ولكنْ إذا أُحكِمَ سَدُّهما غايةَ الإحكامِ لَم يُمكنْه سُلوكُ أحدِهما، وأيَّهما سلَكَ ترتَّبَ عليهِ غايةُ الضَّررِ في دِينِه ودُنياهِ لَم يَحرُمْ عَليهِ -والحالةُ هذهِ- سُلوكُ طريقِ الخُلعِ، وتعيَّنَ في حقِّه طَريقانِ: إمَّا طريقُ الخُلعِ، وإمَّا سُلوكُ طريقِ أربابِ اللَّعنةِ.
وهذهِ المواضِعُ وأمثالُها لا تَحتملُها إلَّا العُقولُ الواسِعةُ الَّتي لها إشرافٌ على أسرارِ الشَّريعةِ ومقاصِدِها وحِكَمِها، وأمَّا عَقلٌ لا يتَّسِعُ
стр. 9958
لِغيرِ تقليدِ مَنِ اتَّفقَ لهُ تقليدُه وتَركِ جَميعِ أقوالِ أهلِ العلمِ لقَولِه فليسَ الكَلامُ معهُ.
الوجهُ التَّاسعُ: أنَّ غايَةَ ما منَعَ المانِعونَ مِنْ صحَّةِ هذا الخُلعِ أنَّه حِيلةٌ والحِيَلُ باطِلةٌ؛ ومُنازِعُوهم يُنازِعونَهم في كِلتَا المُقدمتَينِ، فيَقولونَ: الاعتِبارُ في العُقودِ بصُورِها دونَ نيَّاتِها ومَقاصِدِها، فليسَ لنا أنْ نَسألَ الزَّوجَ إذا أرادَ خُلعَ امرأتِه: ما أردْتَ بالخُلعِ؟ وما السَّببُ الَّذي حمَلَكَ عليهِ؟ هل هو المشاقَّةُ أو التَّخلُّصُ مِنَ اليَمينِ؟ بل نُجري حُكمَ التَّخالعِ على ظاهرِه، ونَكِلُ سَرائرَ الزَّوجَينِ إلى اللهِ.
قالُوا: ولو ظهَرَ لنا قصدُ الحِيلةِ فالشَّأنُ في المُقدِّمةِ الثَّانيةِ فليسَ كلُّ حِيلةٍ باطلة محرَّمةً، وهل هذا الفَصلُ الطَّويلُ الَّذي نحنُ فيهِ إلَّا في أقسامِ الحِيَلِ؟ والحيلةُ المحرَّمةُ الباطلةُ هيَ الَّتي تتضمَّنُ تَحليلَ ما حرَّمَه اللهُ أو تَحريمَ ما أحَلَّه اللهُ أو إسقاطَ ما أوجَبَه، وأمَّا حِيلةٌ تتضمَّنُ الخَلاصَ مِنْ الآصارِ والأغلالِ والتَّخلصَ مِنْ لَعنةِ الكَبيرِ المُتعالِ فأهلًا بها مِنْ حِيلةٍ وبأمثالِها، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] والمَقصودُ تَنفيذُ أمرِ اللهِ ورَسولِه بحسَبِ الإمكانِ، واللهُ المُستعانُ.
الوجهُ العاشِرُ: أنَّه ليسَ القولُ ببُطلانِ خُلعِ اليَمينِ أَولى مِنَ القَولِ بلُزومِ الطَّلاقِ للحالفِ به غَيرِ القاصِدِ لهُ، فهَلُمَّ نُحاكِمْكم إلى كتابِ اللهِ وسنَّةِ رَسولِه وأقوالِ الصَّحابةِ ﵃ وقَواعدِ الشريعةِ المُطهَّرةِ، وإذا وقَعَ التَّحاكمُ تبيَّنَ أنَّ القَولَ بعَدمِ لُزومِ الطَّلاقِ للحالفِ به أَقوى أدلَّةً وأصَحُّ
عاقِلًا مُختارًا (١)؛ لأنَّ الخُلعَ طلاقٌ عندَ الجُمهورِ، فلا يصحُّ الخُلعُ مِنْ صبيٍّ ومَجنونٍ ومُكرَهٍ كطلاقِهم عندَ الجُمهورِ.
واختلفُوا في الصَّبيِّ المُميِّزِ العاقلِ؛ فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَصحُّ خُلعُه.
وذهَبَ الحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ خُلعُه، والخِلافُ عندَ الحنابلةِ هُنا كالخلافِ في طلاقِه هل يَصحُّ أم لا؟
وخُلعُ المَحجُورِ بالفَلسِ والسَّفَهِ صَحيحٌ عندَ الجُمهورِ، سَواءٌ أَذِنَ الوَليُّ أم لا؛ لأنَّ طلاقَهُ يَنفذُ مِنْ غيرِ مالٍ، فهوَ معَ المالِ أَولَى، ولا حجْرَ عَليهم في مِقدارِ العِوضِ وإنْ نَقَصَ عَنْ مَهرِ المِثلِ؛ إذْ يَنفذُ طلاقُهم مَجَّانًا، إلَّا أنَّ المُختلِعةَ مِنْ السَّفيهِ لا تَبرأُ عَنِ العِوضِ إلَّا بالتَّسليمِ إلى الوَليِّ كسائرِ حُقوقِه، فإنْ سلَّمَتْ إلى السَّفيهِ لم تَبرأْ عِنْدَ الشَّافعيةِ والحنابلَةِ في المذهَبِ، وقال القاضِي: يَصحُّ قبضُ السَّفيهِ والمُفلسِ؛ لأنَّه صحَّ خُلعُهما فصَحَّ قَبضُهما كالمُفلسِ (٢).
стр. 9967
خُلعُ الأبِ عنِ ابنِه الصَّغيرِ أو المجنُونِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَحقُّ للأبِ أنْ يخالِعَ عَنِ ابنِه الصَّغيرِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ- وقيلَ: هو المذهَبُ- إلى أنَّه لا يَجوزُ للأبِ أنْ يَخلعَ امرَأةَ ابنِه الصَّغيرِ أو المَجنونِ -كما يَقولُ الشَّافعيةُ بعِوضٍ ولا بغَيرِ عوضٍ-؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ «الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بالسَّاقِ» (١). ولأنَّ في ذلكَ إسقاطَ حقِّه مِنْ النِّكاحِ، فلم يَصحَّ مِنَ الأبِ كالإبراءِ عَنْ دَينِه (٢).
стр. 9968
وذهَبَ المالكيَّةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ خُلعُ وَليُّ الصَّغيرِ؛ لأنَّه إخرَاجُ مِلكٍ عنهُ بالعِوضِ فجازَ إذا كانَ فيهِ الحَظُّ كالبيعِ، ولأنَّه لمَّا مَلَكَ إنكاحَه ابتِداءً مَلَكَ إزالةَ النكاحِ عنهُ بعِوضٍ كالبيعِ، ولأنَّ المَصلحةَ قد تَكونُ له في ذلكَ والأبُ غَيرُ مُتَّهَمٍ عليهِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: خلعُ الأبِ على ابنِه وابنتِه: (قلتُ): ما حُجَّةُ مالكٍ حينَ قالَ: يجوزُ خُلعُ الأبِ والوَصيِّ على الصَّبيِّ ويكونُ ذلكَ تَطليقةً؟ (قالَ): جوَّزَ مالِكٌ ذلكَ مِنْ وَجهِ النَّظرِ للصَّبيِّ، ألَا ترَى أنَّ إنكاحَهُما إيَّاهُ عليهِ جائزٌ؟ فكذلكَ خُلعُهما عليهِ - (قالَ سُحنونُ): قالَ عبدُ الرَّحمنِ وغيرُه عَنْ مالكٍ وبَعضُهم يزيدُ عَلى بعضٍ في اللَّفظُ والمَعنَى واحِدٌ: وأنَّه ممَّن لَو طلَّقَ لم يَجُزْ طلاقُه، فلمَّا لَم يَجُزْ طَلاقُه كانَ النَّظرُ في ذلكَ بيَدِ غَيرِه، وإنَّما أُدخلَ جوازُ طَلاقِ الأبِ والوَصيِّ بالخُلعِ عَلى الصَّبيِّ حتَّى صارَا عَليهِ مُطلِّقينِ، وهوَ لا يقَعُ عَلى الصَّبيِّ أنَّه يَكون ممَّن يَكرهُ لشَيءٍ ولا يَحبُ لهُ ما رَأى لهُ الأبُ أو الوَصيُّ مِنْ الحظِّ في أخْذِ المالِ لهُ، كما يَعقدانِ عليهِ وهو ممَّن لم يَرغَبْ ولَم يُكرَه؛ لِمَا يَريانِ له فيهِ مِنْ الحظِّ مِنْ النِّكاحِ في المالِ مِنْ المرأةِ المُوسِرةِ والَّذي له في نِكاحِها مِنْ الرَّغبةِ، فيُنكِحانِه وهو كارِهٌ لِمَا دخَلَ ذلك مِنْ سَببِ المالِ، فكذلكَ يُطلِّقانِ عليهِ بالمالِ وسَببِه.
(قلتُ): فإنْ كَبِرَ اليَتيمُ واحتَلمَ وهو سفيهٌ، أو كانَ عبدًا بالِغًا زوَّجَه سيِّدُه بغيرِ أمرِه وذلكَ جائِزٌ عليهِ، أو بلَغَ الابنُ المُزوَّجُ وهو صَغيرٌ
стр. 9969
بلَغَ الحُلمَ وهو سَفيهٍ، أو زوَّجَ الوَصيُّ اليَتيمَ وهو بالغٌ سفيهٌ بأمرِه؟
(قالَ): إنْ كانَ بالِغًا كانَ عَبدًا أو يَتيمًا أو ابنًا يأبَى الطَّلاقَ ويَكرهُه ويَكونُ ممَّن لو طلَّقَ ووليُّه أو سيِّدُه أو أبوه كارِهٌ يَمضي طلاقُه ويَلزمُه فِعلُه فيهِ لَم يكُنْ للسَّيدِ في العَبدِ ولا للأبِ في الابنِ ولا للوصيِّ في اليَتيمِ أنْ يُخالعَ عنهُ؛ لأنَّ الخُلعَ لا يكونُ إلَّا بطلاقٍ، وهو ليسَ إليهِ الطَّلاقُ.
(ابنُ وَهبٍ): وقَد قالَ مالِكٌ في الرَّجلِ يُزوِّجُ يَتيمَهُ وهوَ في حِجرِه فإنَّهُ يَجوزُ لهُ أنْ يُبارِئَ عليهِ ما لَم يَبلغِ الحلُمَ إنْ رَأى ذلكَ خيرًا؛ لأنَّ الوَصيَّ يَنظرُ ليَتيمِه ويَجوزُ أمرُه عَليهِ، وإنَّما ذلكَ ضَيعةٌ لليَتيمِ ونظَرٌ لهُ، (قالَ سُحنونٌ): ألَا تَرى أنَّ مالِكًا قال: لمَّا صارَ الطَّلاقُ بيَدِ اليَتيمِ لم يُجزْ صُلحَه عنه، كما أنَّ الطَّلاقَ بيَدِ العَبدِ ليسَ بيَدِ السَّيدِ وإنْ كانَ قد كانَ جائزًا للسَّيدِ أنْ يُزوِّجَه بلا مُؤامرةٍ مُبارأةٍ، فكلُّ مَنْ ليسَ بيَدِه طلاقٌ فنَظرُ وليُّه له نَظرٌ، ويجُوزُ فعلُه عليهِ؛ لِمَا يرَى لهُ مِنْ الغِبطةِ في المالِ.
(قلتُ): فعَبدُه الصَّغيرُ هل يُزوِّجُه؟ (قالَ): ليسَ لهُ إذنٌ ولهُ أنْ يُزوِّجَه، فإذا زوَّجَه لم يَكنْ لهُ أنْ يُطلِّقَ عليهِ إلَّا بشيءٍ يأخذُه، ألَا تَرَى أنَّ مالِكًا قالَ: لا يَجوزُ للأبِ أنْ يُطلِّقَ على ابنِه الصَّغيرِ، وإنَّما يَجوزُ له أنْ يُصالِحَ عنهُ، ويكونُ تَطليقةً بائِنةً، وإنَّما لم يَجُزْ طَلاقُه لأنه ليسَ بموضِعِ نظَرٍ لهُ في أخذِ شيءٍ، وقَد يُزوِّجُ الابنَ بالتَّفويضِ فلا يكونُ عليهِ شيءٌ، وإنَّما يَدخلُ الطَّلاقُ بالمَعنى الَّذي دخَلَ منهُ النِّكاحُ للغِبطةِ فيما يَصيرُ إليهِ ويَصيرُ له (١).
стр. 9970
التَّوكيلُ في الخُلعِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الخُلعِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].
فللحَكَمينِ أنْ يُخالِعا، فدلَّ ذلكَ على جَوازِ التَّوكيلِ في الخُلعِ، ولأنَّ عقْدَ الخُلعِ جامِعٌ بينَ الطَّلاقِ والبَيعِ، والتَّوكيلُ جائزٌ في كلِّ واحدٍ مِنهُما، فجازَ فيما جمَعَهُما، ولأنَّ عقْدَ النِّكاحِ أغلَظُ مِنْ رَفعِه بالخُلعِ، والتَّوكيلُ في النِّكاحُ جائِزٌ، فأَولى أنْ يَجوزَ في الخُلعِ، وإذا كانَ ذلكَ جائِزًا جازَ أنْ توكِّلَ الزَّوجةُ دونَ الزَّوجِ، وأنْ يوكِّلَ الزَّوجُ دونَ الزَّوجةِ؛ لأنَّ الزَّوجةَ في الخُلعِ بمَنزلةِ المُشتِري في البيعِ، والزَّوجُ بمَنزلةِ البائعِ، ويَجوزُ في البَيعِ أنْ يوكِّلَ المُشتِري دُونَ البائعِ ويوكِّلَ البائعُ دونَ المُشتِري (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ التَّوكيلُ في الخُلعِ مِنْ كلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ ومِن أحدِهِما مُنفرِدًا، وكلُّ مَنْ صحَّ أنْ يَتصرَّفَ بالخُلعِ لنَفسِه جازَ تَوكيلُه ووكالَتُه، حرًّا كانَ أو عبدًا، ذكَرًا أو أنثى، مُسلِمًا أو كافرًا، مَحجورًا عليه أو رَشيدًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهم يَجوزُ أنْ يُوجِبَ الخُلعَ، فصحَّ أنْ يَكونَ
стр. 9971
وكيلًا ومَوكِّلًا فيهِ كالحُرِّ الرَّشيدِ، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ، ولا أعلَمُ فيه خِلافًا.
ويكونُ تَوكيلُ المرأةِ في ثلاثةِ أشياءَ: استِدعاءُ الخُلعِ أو الطَّلاقِ، وتَقديرُ العوضِ، وتَسليمُه.
وتَوكيلُ الرَّجلِ في ثَلاثةِ أشياءَ: شَرطُ العوضِ، وقَبضُه، وإيقاعُ الطَّلاقِ أو الخُلعِ.
ويجوزُ التَّوكيلُ معَ تَقديرِ العوضِ ومِن غَيرِ تَقديرٍ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ فصحَّ كذلكَ كالبيعِ والنِّكاحِ، والمُستحبُّ التَّقديرُ؛ لأنَّه أسلَمُ مِنْ الغرَرِ وأسهلُ على الوَكيلِ لاستِغنائِه عَنْ الاجتِهادِ.
فإنْ وكَّلَ الزَّوجُ لم يَخْلُ مِنْ حالَينِ:
الحالُ الأولُ: أنْ يُقدِّرَ لهُ العِوضَ فخالَعَ بهِ أو بما زادَ صحَّ ولزِمَ المُسمَّى؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمرَ بهِ، وإنْ خالَعَ بأقَلَّ منهُ ففيهِ وجهانِ:
أحدُهُما: لا يصحُّ الخُلعُ، وهذا اختِيارُ ابنِ حامِدٍ ومذهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه خالَفَ مُوكِّلَه فلم يَصحَّ تصرُّفُه، كما لو وَكلَّه في خُلعِ امرَأةٍ فخالَعَ أُخرَى، ولأنَّه لم يأذَنْ له في الخُلعِ بهذا العِوضِ، فلَم يَصحَّ منهُ كالأجنَبيِّ.
والثَّاني: يَصحُّ ويَرجعُ على الوَكيلِ بالنَّقصِ، وهذا قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ المُخالَفةَ في قَدرِ العِوضِ لا تُبطلُ الخُلعَ كحالَةِ الإطلاقِ، والأوَّلُ أَولَى.
وأمَّا إنْ خالَفَ في الجِنسِ مثلَ أنْ يأمُرَه بالخُلعِ على دَراهمَ فخالَعَ
стр. 9972
على عَبدٍ أو بالعَكسِ، أو يأمُرَه بالخُلعِ حالًّا فخالَعَ بعِوضٍ نَسيئةً؛ فالقِياسُ أنَّه لا يَصحُّ؛ لأنه مخالِفٌ لمُوكِّلِه في جِنسِ العِوضِ، فلم يَصحَّ تصرُّفُه كالوكيلِ في البَيعِ، ولأنَّ ما خالَعَ بهِ لا يَملِكُه المُوكِّلُ؛ لكَونِه لم يأذَنْ فيهِ، ولا الوَكيلُ؛ لأنَّه لم يُوجدِ السَّببُ بالنِّسبةِ إليهِ، وفارَقَ المُخالَفةَ في القَدرِ؛ لأنَّه أمكَنَ جبْرُه بالرُّجوعِ بالنَّقصِ على الوكيلِ، وقالَ القاضي: القياسُ أنْ يلزَمَ الوَكيلَ القَدرُ الَّذي أُذِنَ فيهِ، ويكونَ لهُ ما خالَعَ قياسًا على المُخالَفةِ في القَدرِ، وهذا يَبطلُ بالوَكيلِ في البيعِ، ولأنَّ هذا خُلعٌ لم يأذَنْ فيهِ الزَّوجُ، فلم يَصحَّ كما لو لم يُوكِّلْه في شيءٍ، ولأنَّه يُفضي إلى أنْ يَملكَ عِوضًا ما ملَّكَتْه إيَّاهُ المرأةُ ولا قصَدَ هو تملُّكَه، وتَنخلعُ المَرأةُ مِنْ زوْجِها بغيرِ عِوضٍ لزِمَها لهُ بغيرِ إذنِه.
وأمَّا المُخالَفةُ في القَدرِ فلا يَلزمُ فيها ذلكَ، مع أنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يَصحُّ الخُلعُ فيها أيضًا؛ لِمَا قدَّمْناهُ.
والحالُ الثَّاني: إذا أطلَقَ الوكالَةَ فإنَّه يَقتضِي الخُلعَ بمَهرِها المُسمَّى حالًّا مِنْ جنسِ نَقدِ البَلدِ، فإنْ خالَعَ بذلكَ فما زادَ صحَّ؛ لأنَّه زادَهُ خيرًا، وإنْ خالَعَ بدُونِه ففيهِ الوَجهانِ المَذكورانِ فيما إذا قدَّرَ لهُ العِوضَ فخالَعَ بدونِه.
وذكَرَ القاضِي احتَمالَينِ آخرَينِ: أحَدُهما: أنْ يَسقُطَ المُسمَّى ويجبَ مهرُ المِثلِ؛ لأنَّه خالَعَ بما لم يُؤذَنْ له فيهِ.