ولِكُلٍّ: فَسخُهَا (١)، ما لم يَظهَرِ الفَضْلُ لِصَاحِبِهِ (٢).
(١) قوله: (ولكُلٍّ فسخُها) أي: ولكلٍّ من المتَسَابِقَين فسخُ المُسابقَةِ، كسَائر الجَعَالات؛ لأنها عقدٌ جائز.
(٢) قوله: (ما لم يَظهَرِ الفَضلُ لصَاحِبه) فيمتنع الفَسخُ على المفضُول دون الفاضل؛ بأن يسبقَه في بعض المسافة [¬١]، أو أصاب أكثرَ منه في أثناءِ الرمي؛ لئلا يفوت غرض المسابقة بفسخ من ظهر له فضل صاحبه. وأما الفاضل، فله الفسخ. ع ب وإيضاح [¬٢].
стр. 1122
كِتَابُ العَارِيَّةِ
وهي: مُستَحَبَّةٌ (١).
كِتَابُ العَاريَّةِ
العارية، بتخفيف الياء وتشديدها، من العري، وهو: التجرُّد. سُمِّيت عاريةً؛ لتجرُّدِها من العِوض.
وهي: العينُ المأخوذَةُ من مالِكها ولو لنفعِها، أو وكيلِه؛ للانتفاع بها مُطلقًا، أو زمنًا معلومًا، بلا عِوض. والإعارةُ: إباحةُ نفعِها، أي: رفعُ الحَرج عن تناولها. لا تمليك، فلا يعتبر. بلا عِوضٍ من مُستَعيرٍ أو غَيرِه. وأركانُها أربعة: المعيرُ، والمستَعير، والمستعَار، وما يدل على الرِّضا من قَولٍ، أو فعل. ح ف.
(١) قوله: (وهي مُستحبة) لأنها من البر والمعروف، فلا تجب، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المَائدة: ٢]. وقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [المَاعون: ٧]. قال ابن عباس وابن مسعود: هي العواري [¬١]. وقوله ﵇: «العاريةُ مؤدَّاة» [¬٢]. والمعنى: شاهِدٌ بذلك، فهي كَهبة
стр. 1123
مُنعَقِدَةٌ: بِكُلِّ قَولٍ أو فِعْلٍ يَدُلُّ علَيهَا (١)، بشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ (٢): كَونُ العَينِ مُنتَفَعًا بها (٣) مَعَ بَقَائِهَا. وكَونُ النَّفعِ مُبَاحًا (٤).
الأعيان. ع ب [¬١].
(١) قوله: (منعِقدَةٌ بكلِّ قولٍ أو فِعلٍ يدلُّ عليها) أي: العارية، كأعرتُك هذه الدابة. أو: اركبها إلى مَحلِّ كذا أو: استَرح عليها. أو: خُذها تحتَك. ونحوه، وكدفعه دابة لرفيقه عندَ تعبه، وتغطيتِه بكِسائه؛ لبَردِه، كدفعِ الصَّدقة. فإذا ركب الدابة، أو استبقَى الكِسَاء عليه، كان قبولًا. ع ب مختصرًا [¬٢].
(٢) قوله: (بشُروط ثَلاثَةٍ) متعلق بقوله: «مستحبة».
(٣) قوله: (كَونُ العَينِ) أحدُ الشروط: كونُ العَين (منتفعًا بها) كدَوابَّ، ورَقيق، ودُور، ولباس، وأوانٍ. بخلاف ما لا يُنتفَع به إلَّا مع تلَف عينه، كأطعمة وأشربة. فإن أعطاها بلفظِ إعارة، فقال ابن عقيل: يُحتمل أن تكونَ إباحةُ الانتفاعِ على وجهِ الإتلاف. نقله المجدُ في «شرحه» واقتصر عليه. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (وكونُ النَّفعِ مُباحًا). هذا هو الشرط الثاني: أن يكونَ النفعُ مباحًا لمُستَعير؛ لأن الإعارة لا تُبيح له إلا ما أباحَه الشَّرع. فلا تصِحُّ إعارةٌ لِغناءٍ أو زَمْرٍ، ونحوه، ولا إناءٍ من أحدِ النقدين، ولا حُليٍّ محرَّم، أو نحوه، ولا أمةٍ
стр. 1124
وكَونُ المُعِيرِ أهْلًا للتَّبَرُّعِ (١).
وللمُعِيرِ: الرُّجُوعُ في عَارِيَّتِهِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ (٢)، ما لَم يَضُرَّ بالمُستَعِيرِ (٣).
فمن أعَارَ سَفِينَةً لِحَمْلٍ، أوْ أرضًا لِدَفْنٍ أو زَرْعٍ (٤): لم يَرجِعْ (٥)
ليطأها، أو يُقبِّلها، ونحوه. م ص [¬١].
(١) قوله: (وكونُ المُعيرِ أهلًا للتبرُّع) أي: والشرط الثالث لجَوازِ العَاريَّة: كونُ المُعير والمستعيرِ أهلًا للتبرُّع شَرعًا؛ لأنها نوعُ تبرُّعٍ، إذ هي إباحةُ منفَعة. فلا تَصِحُّ من صغير، ومَجنون، وسَفيه، ومُفلسٍ، وقِنٍّ، ووليِّ يتيم من مالِه، ولا مِنْ مُكاتبٍ، وناظِرِ وقفٍ. وذكَرَ بعضُهم شَرطًا رابعًا وهو: كونُ المُستعير أهلًا للتبرُّع له، فلا تصِحُّ إعارةُ عبدٍ مُسلمٍ لكَافِرٍ؛ لخدمَته. ش ع [¬٢] وزيادة.
(٢) قوله: (أيَّ وقتٍ شَاء) أي: في أيِّ وقتٍ شاء، فهو منصوبٌ بنَزعِ الخَافِض. مُطلَقةً كانت أو مُؤقَّتةً.
(٣) قوله: (ما لم يُضِرَّ) الرجوعُ (بالمُستَعير).
(٤) قوله: (فمن أعارَ سَفينةً لحَملٍ … إلخ) مثالٌ لما يَستَضِرُّ المُستعيُر برجُوعه.
(٥) قوله: (لم يرجِع) المعيرُ في الإعارة. هذا لفٌّ ونشرٌ مرتَّب، الأول للأول، والثاني للثاني.
стр. 1125
حَتَّى تُرْسَى (١) السَّفِينَةُ، ويَبْلَى المَيِّتُ، ويُحْصَدَ الزَّرعُ (٢). ولا أُجرَةَ مُنْذُ رَجَعَ، إلَّا في الزَّرْعِ (٣).
(١) قوله: (حَتَّى تُرسَى) هو بالبناء للمفعول، من أَرسَيتُ السَّفينةَ: حَبستُها بالمَرسَاةِ. وأما المجرَّد، فليس مُضارِعه مكسورَ العين؛ لأنه واويُّ اللَّامِ مفتوحُ العَين في الماضي، تقول: رسَا الشيء، يرسُو رسْوًا ورسُّوًا: ثبتَ، فهو راسٍ. وجبالٌ راسِية وراسياتٌ ورواسٍ. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (ويُحصَدَ الزَّرعُ) عند أوانه. وليس لمعير تملك زرعه بقيمته، نصًا. لأن له وقتًا ينتهي إليه.
(٣) قوله: (ولا أُجرَةَ) على مُستعيرٍ لمُعير (منذُ رجعَ إلَّا في الزَّرع) لأن بقاءَه بحُكم العارية، فوجَب كونُه بلا أُجرة، بخلافِ من أعار أرضًا لزرعٍ، ثم رجَع، فيبقَى الزرعُ بأُجَرة مثلٍ لحصَاده؛ جمعًا بين الحَقَّين. عثمان [¬٢].
стр. 1126
فَصْلٌ
والمُستَعِيرُ في استِيفَاءِ النَّفْعِ (١): كالمُستَأجِرِ (٢)، إلَّا أنَّهُ (٣) لا يُعِيرُ (٤)، ولا يُؤَجِّرُ (٥)، إلَّا بإذنِ المَالِكِ (٦).
فَصْلٌ
(١) قوله: (والمُستعيرُ) مبتدأ (في استيفاءِ النَّفع) من عَينٍ مُعَارَةٍ.
(٢) قوله: (كالمُستأجِر) خبر. أي: مثلُ مستأجرٍ، فله أن ينتفِعَ بنفسِه وبمن يقومُ مقامَه؛ لملكِه التَّصرُّف فيها بإذن مالِكها. ولا يُشتَرطُ تعييُن نوعِ الانتفاع، فينصرِفُ إلى المعروف. فإذا أعارَه أرضًا لغَرسٍ أو بناء، فله أن يَزرع فيها ما شاءَ. وصححَّ الحارثي: إذا أعارَه للبناء، لا يزرَعُ. وإن استعارها لزَرعٍ، لم يَغرِس ولم يَبنِ. ولغرسٍ، لا يبَني. ولبناءٍ، لا يَغرِس؛ لأن ضرَرَهُما مُختَلِف. ولا إن استعارَها مدَّةً لزرعٍ، أن يزَرعَ أكثرَ منها، ولا إن استعارَها لزرعِ شَعيرٍ، أن يزرعَها حِنطةً. عثمان وزيادة [¬١].
(٣) قوله: (إلَّا أنه). أي المُستَعيرَ. استدراكٌ على الخَبر.
(٤) قوله: (لا يُعيرُ) ما استَعاره.
(٥) قوله: (ولا يؤجِّر [¬٢]) لعدَم مِلكه منافِعَه، بخِلافِ المُستأجِر.
(٦) قوله: (إلا بإذن المَالِك) وهو المُعير، فإن أذِنَ، جازَ. ولا يضمنُ مُستأجِرٌ
стр. 1127
وإذا قَبَضَ المُستَعِيرُ العَارِيَّةَ: فَهِيَ مَضمُونَةٌ علَيهِ، بِمِثلِ مِثْلِيٍّ (١)، وقِيمَةِ مُتقَوَّمٍ يَومَ تَلَفٍ، فَرَّطَ أوْ لا (٢).
لكِنْ لا ضَمَان (٣) في أربعِ مَسَائل إلَّا بالتَّفرِيطِ (٤): فيمَا إذَا كانَت العَارِيَّةُ وَقْفًا، كَكُتُبِ عِلْمٍ، وسِلاحٍ. وفِيمَا إذا أعَارَهَا المُستَأجِرُ (٥).
مِنْ مُستَعيرٍ، وعكسُه، تَلَفَ عينٍ عندَه بلا تعدٍّ ولا تفرِيط. ع ب [¬١].
(١) قوله: (بمِثلِ مِثليٍّ) كصَنجَةٍ من نُحاسٍ لا صِنَاعةَ بها؛ ليزِن بها، فتَلِفت، فعليه مثلُ وزنِها من نَوعِها. ويلغُو شَرطُ عدَمِ ضَمانِها، أي: العارية. فيلغو الشَّرط؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ اقتضَى الضَّمان، لم يُغيِّره الشَّرط. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (فَرَّطَ) في حِفظِها أو لم يُفرِّط. ومن ذلِك لو أبَقَ العبدُ، أو شَرَدت الدابَّةُ. ح ف.
(٣) قوله: (لكِن لا ضَمَان) استدراكٌ على التَّعميم.
(٤) قوله: (إلَّا بالتفريط) أو التعدِّي، ككُتب عِلم، وسِلاح، كدُروعٍ موقُوفَةٍ على غُزاة، فلا تُضمَن بلا تَفريط، كسَرقَةٍ من حِرز مثلِها؛ لأن قابِضَها قَبِضَها باستحقَاقِه، فليست عاريةً محضَةً، وأمَّا الوقفُ على مُعيَّن، فكالطِّلْق، فيُضمن. الوالد.
(٥) قوله: (وفيمَا إذا أعارَهَا المستَأجِرُ) والمسألة الثانية: فيما إذا أعَارها المُستأجِر، فتلِفَت عنَده بلا تَفريطٍ، فلا ضَمان؛ لقيامِه مَقام المُستأجِر في استيفاءِ المَنفَعة. فحُكمُه حُكمُه في عَدمِ الضَّمان. ع ب [¬٣].
стр. 1128
أو بَلِيَت فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ (١). أو أركَبَ دَابَّتَهُ (٢) مُنقَطِعًا للَّهِ تَعالى، فتَلِفَت تَحْتَهُ (٣).
ومَنْ استَعَارَ لِيَرْهَنَ (٤): فالمُرتَهِنُ أمِينٌ (٥)، ويَضمَنُ المُستَعِيرُ (٦).
ومَنْ سَلَّمَ لِشَرِيكِهِ الدَّابَّةَ (٧)،
(١) قوله: (أو بَلِيَت فيما أُعِيرَت له). والمسألةُ الثالِثة: إذا بَليت العَينُ المُستعَارةُ، أو جُزؤُها في انتفَاعٍ بمَعرُوفٍ، لم تُضمن؛ لأنَّ الإذنَ في الاستعمالِ تَضَمَّن الإذنَ في الإتلاف. وما أُذِنَ في إتلافِه غيرُ مضمون. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (أو أركَبَ دابَّته) شَخصًا. هذه المسألةُ الرابعَةُ.
(٣) قوله: (فتَلِفَت) الدابةُ (تَحتَه). أي: تحتَ المُنقَطع، لم يضمَنها؛ لأنها غيرُ مقبوضَةٍ؛ لأنها بيدِ صَاحِبها، وراكِبُها لم ينفَرد بحفظِها، أشبهَ ما لو غطَّى ضيفَه بلحاف، فتَلِفَ عليه، لم يضمَنه. ولا يَضمَنُ أيضًا رَديفُ ربِّ الدَّابة؛ بأن أركَبَ ربُّ الدَّابَة معَه آخرَ، فتَلِفَت تحتَهما، فلا ضَمان؛ لأنها غيرُ مقبوضَةٍ .... إلخ. وتقدم. وفُهِمَ منه: أنه لو انفرَد الراكِبُ بحفظِها عن مالِكها فتلِفَت، ضَمِنها. عثمان [¬١].
(٤) قوله: (ومن استَعَارَ ليرَهَنَ) بإذن ربِّه، صحَّ الرَّهنُ إذَن.
(٥) قوله: (فالمُرتَهِنُ أمينٌ) لا ضمانَ عليه، بلا تفريط.
(٦) قوله: (ويضمَنُ المُستَعِيرُ) لأن العاريَّة مضمونةٌ مُطلَقًا.
(٧) قوله: (ومن سَلَّم لشَريكِه الدابَّة) المُشتَركَةَ؛ ليحفَظها.
стр. 1129
ولم يَستَعْمِلْها، أو استَعمَلَها في مُقابَلَةِ عَلَفِهَا بإذْنِ شَرِيكِهِ (١)، وتَلِفَت بِلا تَفرِيطٍ: لم يَضمَن (٢).
(١) قوله: (ولم يستعمِلْها، أو استعمَلَها … إلخ) ولو بإذن ربِّها في الاستِعمال، فكعارية، إلَّا أنْ يكونَ استعمالُه لها في مقابلة عَلَفِها، أو تَناوبِه معه. وإن استعملَها بغير إذنه، فغصبٌ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وتَلِفَت بلا تَفرِيطٍ) أو تعدٍّ (لم يضمَن)؛ لأنها أمانةٌ بيده، كما لو سُرِقَت من حرزِ مِثلِها. أمَّا لو وضعَها في غيرِ حِرز مِثلِها، أو تعدَّى فيها؛ بأن ساقَها فوقَ العادةِ، أو ضربَها فوقَ العادِة، فإنه يضمنُها، وسواءٌ تسلَّمها أمانةً، أو بإجارَةٍ صَحيحَةٍ أو فاسِدَةٍ، كأن أذِنَ له أن يَركَبها بعَلفِها. أما إن أذِنَ له في الرُّكوب مجانًا، فإنه يضمن مُطلقًا. وكذا لو وضَع يَده عليها بغيرِ إذنِ شَريكِه. ع ب [¬٢].
стр. 1130
كِتَابُ الغَصْبِ
وهُو: الاستِيلاءُ (١) عُرْفًا (٢)
كِتَابُ الغَصبِ
مصدر غَصَبَ الشيءَ يغصِبُه بكسر الصاد غَصْبًا، واغتصَبه يغتَصِبُه اغتصَابًا، والشيءُ مغصُوبٌ.
وهو لغة: أخذُ الشيءِ ظُلمًا. واصطلاحًا ما ذكره المصنف بقوله: «وهو الاستيلاءُ» بفعلٍ يُعدُّ استيلاءً، وهو التغلُّبُ على الشيء. وخرجَ به: استيلاءُ الحربيِّين على أموالِ المسلمين، فإنه ليس من الغَصب، فإنه لا خِلافَ في أنه لا يُضمَن بالتَّلف ولا بالإتلَاف، وإنَّما الخِلاف في وجوب ردِّ عينِه إذا قدِرنا على أخذِه، ومذهَبُنا: لا يجبُ الردُّ.
والغَصبُ حَرام إجماعًا بالكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البَقَرَة: ١٨٨]. وقوله ﵇: «لا يحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِم إلَّا عن طِيبِ نفسِه». رواه ابن ماجه، والدارقطني [¬١]. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (وهو الاستيلاءُ) الصَّادِرُ من غيرِ الحربيِّ؛ إذ الاستيلاءُ الصَّادِرُ من الحربيِّ على مالِنا ليسَ غَصبًا؛ لأنه يَملِكُه بذلك، كما تقدَّم في الغَنيمة.
(٢) قوله: (عرفًا) أي: فعل يُعدُّ استيلاءً في العُرف.
стр. 1131
على حَقِّ الغَيرِ (١) عُدْوَانًا (٢).
ويَلزَم الغَاصِبَ: رَدُّ ما غَصَبَهُ بِنَمَائِهِ (٣)، ولو غَرِمَ على رَدِّهِ (٤)(١) قوله: (على حقِّ الغَيرِ) متعلق ب «الاستيلاء» مالًا كان أو اختِصَاصًا؛ إذ حقُّ الغَير شامِلٌ للمِلك والاختِصَاص، وهو ما يَستَحِقُّ مَنْ يدُه عَليه الانتِفَاعَ به، ولا يَملِكُ أحدٌ مزاحمتَه فيه، مع عَدم قبولِه للتموُّل والمُعاوَضَة. عثمان [¬١] وإيضاح.
(٢) قوله: (عُدْوانًا) أي: قَهرًا، حالٌ من «الاستيلاء» أي: استيلاءُ غيرِ الحَربيٍّ في العُرفِ حالَ كونِه قَهرًا. وخَرجَ به: الاختلاسُ، والنَّهبُ، والسَّرِقةُ؛ لعدَمِ القَهرِ فيها. وخرجَ به: استيلاءُ الوليِّ على مالِ موليه، فإنه بحَقٍّ، والحَاكِمِ على مالِ المُفلِس، والمرتَهِنِ على الرَّهن، والمُستَأجِرِ على العَين المؤجَّرة، والمُسلمين على مالِ أهلِ الحَرب. لا يقال: قَيَّدَ «عدوانًا» مستدرِكًا في التَّعريف لاستغنائه عنه بالاستيلاء؛ لأنا نقولُ: لا يستلِزمُه؛ لاستيلاء الحَاكِم … إلخ. ح ف وإيضاح.
(٣) قوله: (ردُّ ما غَصَبه) إن كان باقيًا، وقَدَرَ عليه. وإن نمَى ردَّه (بنمائِه) المتَّصلِ، كقِصَارةِ ثَوب، وسِمَنِ حَيوانٍ، وتعلُّم قنٍّ صَنعَةً. والمُنفَصِلِ، كولدِ بَهيمَةٍ، وكَذَا ولدُ أمَةٍ، حيثُ لا يُحكَم بحريته. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (ولو غَرِمَ) على ردِّ المغصُوب.
стр. 1132
أضعَافَ قِيمَتِهِ (١).
وإنْ سَمَرَ (٢) بالمَسَامِيرِ بَابًا: قَلَعَهَا، وَرَدَّهَا (٣).
وإن زَرَعَ (٤) الأَرضَ: فَلَيسَ لِرَبِّها (٥) بَعدَ حَصْدِهِ (٦) إلَّا الأُجرَةُ (٧).
(١) قوله: (أضعافَ قيمَته) أي: المغصُوبِ؛ لأنه هو المُتعدِّي؛ لكونه بُني عليه، أو بُعِّدَ، ونحوه، كما لو خُلِطَ بمتميِّز، كسِمْسمٍ ببرٍّ أو شعير، وانفلات حيوانٍ غُصِبَ بموضِعٍ يعسُر مَسكُه، ويحتاج فيه إلى أجرة، فعلى غاصِبه؛ لقوله ﵇: «على اليدِ ما أخذَت حتَّى تؤدِّيه». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وحسنه الترمذي [¬١]. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (وإن سَمَرَ) مخففًا بوزن ضَرَبَ: شدَّ بها بابًا. «مطلع» [¬٣].
(٣) قوله: (قلعها) وجوبًا، (وردَّها) لربِّها؛ للخبر المتقدم. ولا أثرَ لضَررِه؛ لأنه بتعدِّيه، كما لو غَصَب فَصيلًا وأدخلَه دارَه، فكَبُر وصَارَ لا يُمكن إخراجُه؛ لضيقِ بابها عليه، فإنه يُنقَضُ مَجَّانًا، ويُخرَجُ الفصيلُ. ع ب [¬٤].
(٤) قوله: (وإن زَرَعَ) الغاصِبُ (الأرضَ).
(٥) قوله: (فليسَ لربها) أي: الأرضِ إذا رُدَّت.
(٦) قوله: (بعدَ حَصدِه) أي: الزَّرع.
(٧) قوله: (إلَّا الأُجرَةُ) أي: أجرةُ المِثَل، مِنْ وضَع يدِه على الأَرض إلى رَدِّها،
стр. 1133
وقَبلَ الحَصْدِ: يُخَيَّرُ (١) بَينَ تَرْكِهِ (٢) بأُجرَتِهِ (٣)، أو: تَمَلُّكِهِ (٤) بِنَفَقَتِه، وهِيَ مِثلُ البَذْرِ، وعِوَضِ لَوَاحِقِهِ (٥).
وإنْ غَرَسَ (٦) أو بَنَى في الأَرْضِ: أُلزِمَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وبِنَائِهِ (٧)، حتَّى (٨)
وليسَ له تملُّكُ الزَّرع بعدَ حصَادِه؛ لأنه انفصَل عن مِلكِه. ع ب [¬١].
(١) قوله: (وقبلَ الحَصدِ يُخيَّرُ) ربُّ أرضٍ قَدَرَ عليها من غَاصِبٍ.
(٢) قوله: (بين تَركِه) أي: الزرعِ في أرضِه إلى الحَصادِ.
(٣) قوله: (بأُجرَتِه) أي: أُجرَةِ مثلِه.
(٤) قوله: (أو تَملُّكِهِ) أي: الزرع (بنفقَتِه، وهَي مِثلُ البَذْر).
(٥) قوله: (وعِوضِ لواحِقِه) من حَرثٍ، وسَقيٍ، ونحوِهما.
(٦) قوله: (وإن غَرَسَ) غاصِبٌ.
(٧) قوله: (أُلزِمَ بقَلعِ غَرسِه وبنائِه) لحديث: «ليسَ لعرقٍ ظَالمٍ حقٌّ». رواه الترمذي وحسنه [¬٢]. أي: لذِي عِرقٍ على حَدِّ قوله تعالى: ﴿عيشة راضية﴾ [الحَاقَّة: ٢١]، ولزِمه أَرشُ نقصِها، وتسويةُ الأرض، وأجرتُها إلى تسليمها؛ لتلَف منافِعِها تحتَ يده العادية، وكذا لو لم ينتَفعْ بها، لزِمَه أجرتُها، وأرشُ نقصها إن نقَصَت بتَركِ زَرعِها ذلك العام. ع ب بإيضاح [¬٣].
(٨) قوله: (حتَّى) غايةٌ لقوله: «ألزِمَ … إلخ».
فَصْلٌ
وعلى الغَاصِب: أَرْشُ نَقْصِ المَغصُوبِ (١)، وأُجرَتُهُ، مُدَّةَ مَقَامِهِ بِيَدِهِ (٢).
فإن تَلِفَ (٣): ضَمِنَ المِثْليَّ (٤):
فَصْلٌ
(١) قوله: (وعلى الغَاصِبِ أرشُ نَقصِ المَغصُوبِ) أي: ويجبُ على الغَاصِب أرشُ نقصِ المغصُوب، ف «أرش» فاعل «يجب» المقدَّرة في نَظم الكلام. لحصُوله بتعدِّيه على مِلكِ غَيرِه.
(٢) قوله: (وأجرتُه) أي: أجرةُ مثلِ المَغصُوب (مدَّةَ مَقَامِه بَيدهِ) إلى وَقتِ التَّسليم، فتضمن منافعه بالفوات والتفويت، سواء استوفى المنافع، أو تركَها تذهَب. انتهى. الوالد.
(٣) قوله: (فإن تَلِفَ) مغصوبٌ، كحَيوانٍ قتَله غاصِبٌ أو غَيرُه، أو ماتَ حتفَ أنفِه، ولو غَصَبه مَريضًا، فمات من مَرضِه، وكثَوبٍ أحرقَه شخصٌ، أو احترقَ بصاعِقَةٍ ونحوه. ع ب [¬١].
(٤) قوله: (ضُمِنَ) بالبناء للمفعول، و (المِثليُّ) نائب فاعل، وهو كلُّ مكيلٍ من حَبٍّ وتمرٍ ومائعٍ وغيرِها، أو موزونٍ كحَديدٍ ونُحاسٍ ورصَاصٍ وذَهبٍ وفضَّة ونحوِها، لا صناعةَ فيه، أي: المَكيلِ، بخلافِ نحوِ الهَريسَةٍ. أو
стр. 1136
بمِثلِهِ (١)،
المَوزُونِ، بخِلافِ الحُليِّ والأسطَال، مباحةٌ. خرجَ أواني الذهب والفضة، فتُضمَن بوزنِها؛ لتحريمِ صِناعَتِها. عثمان [¬١].
(١) قوله: (بمثلِه) متعلق ب «ضُمِنَ» ممَّا يصحُّ السَّلمُ فيه، بخلافِ نحوِ جَوهَرٍ ولُؤلؤٍ. يُضمَن بمثلِه؛ لأنه لمَّا تعذَّر ردُّ العين، لزِمَ ردُّ ما يقومُ مقامَها، والمِثلُ أقربُ إليه من القَيمَةِ؛ لمماثلته [¬٢] له من طريقِ الصُّورة والمُشاهدَة [¬٣] والمَعنَى، بخلافِ القِيمَةِ فإنها تماثِلُ من طريق الظنِّ والاجتهاد.
وسواءٌ تماثَلَت أجزاءُ المِثليِّ، أو تفاوتَت، كالأثمان، ولو دَراهِمَ مغشُوشَةً رائِجَةً، والحبوبِ والأدهَانِ، ونحوِها. وفي رُطَبٍ صارَ تمرًا، وسِمْسِمٍ صارَ شَيْرجًا، يخيَّر مالِكُه، فيُضَمِّنه أيَّ المِثلَين، بحَسَب ما اختار.
وأما مُباحُ الصناعة، كمَعمُولِ حَديدٍ ونُحاسٍ وصُوفٍ وشَعرٍ مغزُولٍ، فيُضمَنُ بقيمته؛ لتأثيرِ صِنَاعَته في قيمته، وهي مختَلِفة، والقيمةُ فيه أحصَرُ.
وينَبغي أن يُستثنَى منه الماءُ في المَفازَة، فإنه يُضمَن بقيمَتِه في مكَانِه. ذكره في «المبدع».
فإن أعوزَ المثليُّ؛ لعدمٍ أو بُعدٍ أو غَلاءٍ، فالواجِبُ قيمةُ مثله يومَ إعوازِه، أي: المثلي؛ لوجوب القيمة في الذمة حينَ انقطاع المِثل، كوقَتِ تَلَفِ المُتقوَّم. ودليلُ وجوبِها إذن، أنه يستحقُّ طلبَها، ويجِبُ على الغَاصِب أداؤها، ولا يبقَى وجوبُ المِثل؛ للعَجزِ عنه، ولأنه لا يستحقُّ طلبَه ولا استيفاءَه.
стр. 1137
والمُتَقَوَّمَ (١): بِقِيمَتِهِ يَومَ تَلَفِهِ (٢) في بَلَدِ غَصْبهِ (٣).
ويَضمَنُ مُصَاغًا مُبَاحًا (٤)، مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ (٥):
فإن قَدَرَ مَنْ وجَبَ عليه المِثلُ قبلَ دَفعِ القِيمة، لا بعدَ أخذِها، وجبَ المِثلُ؛ لأنه الأصل، وقد قَدَرَ عليه قبلَ ردِّ البَدل، ولو بعدَ الحُكمِ عليه بالقيمَة، كمَن عَدِمَ الماء، ثم قَدَرَ عليه قبلَ انقِضَاء الصَّلاة، فلو أخذَ المِالِكُ القِيمةَ عنه، استقرَّ حكمُها، ولم تردَّ، ولا طَلَبَ بالمِثل إذَن؛ لحصولِ البراءةِ بأخذِها. ع ب وإيضاح [¬١].
(١) قوله: (والمتَقوَّمُ) أي: ويُضمن المتقوَّمُ، وهو غيرُ المِثليِّ إذا تَلِفَ، أو أُتلِفَ. قال في «المصباح»: قَوَّمتُ المتاع، إذا جعلتُ له قِيمةً معلومةً فتقوَّم هو، وشيءٌ متقوم، أي: له قِيمة، وهو مِنْ: قَوَّمتُ الشيء: عدلتُه. انتهى. بمعناه. فمقتضاه أن المتقوِّم بكسرِ الواو المشدَّدة اسمُ فاعِل. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (بقيمته يومَ تَلفه) ولو زادت قِيمتُه بعدَه. والمرادُ باليوم هنا: الوقتُ ليلًا كان أو نهارًا فيما يظهر. عثمان [¬٣].
(٣) قوله: (في بَلَدِ غَصبهِ) من نقدِه، أو غالِبه. ظاهِرُه: ولو كانت قيمتُه في بلَد التَّلف أكثرَ. عثمان [¬٤]
(٤) قوله: (ويَضمَنُ مُصَاغًا مُباحًا) أي: فيه صِناعةٌ مُباحَة.
(٥) قوله: (من ذَهبٍ أو فِضَّة) أي: كمعمولٍ من ذهب أو فضة، من أساوِرَ،
стр. 1138
بالأكثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ أو وَزْنِهِ (١)، والمُحَرَّمَ (٢): بِوَزْنِهِ (٣).
ويُقبَلُ: قَولُ الغَاصِبِ (٤) في قِيمَةِ المَغصُوبِ (٥)،
وخَلاخِيلَ، ودمَالِج [¬١]، ونحوها.
(١) قوله: (بالأكثَرِ من قِيمَتِه أو وَزنِه) فإن كان المَصوغُ من أحدِ النقدين، قُوِّم بالآخر؛ لئلا يؤدِّي إلى الرِّبا، فيقوَّم حليُّ الذهب بالفضة، وحُليُّ الفضة بالذهب. أو كان المغصوبُ محلَّىً بأحدِهما، قَوَّمه بغيرِ جنسه. وإن كان المغصُوب مُحلّىً بهما معًا، قوَّمَ بما شاء منهما؛ للحاجَة إلى التقويمِ بأحدِهما؛ لأنهما قِيَمُ المُتلَفاتِ، وليس أحدهما أولى من الآخر. ع ب [¬٢].
(٢) قوله: (والمُحرَّم) الصِّناعة، كأواني ذهب وفضة، وحُليِّ رجالٍ محرم. انتهى. الوالد.
(٣) قوله: (بوزنِه) متعلق ب «يضمن» أي: ويَضمَنُ المحرَّمَ الصِّناعة بوزنِه من جنسِه فقط؛ لأن الصناعة المحرَّمة لا قيمةَ لها شَرعًا.
وفي «الانتصار» «والمفردات»: لو حكَم حاكِمٌ بغيرِ المِثلِ في المِثليِّ، وبغيرِ القيمة في المتقوَّم، لم ينفذ حُكمُه، ولم يلزَم قَبولُهُ. واقتصَرَ عليه في «المبدع» وغيره. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (ويُقبَلُ قولُ الغَاصِب) بأن اختلفَ المالِكُ والغَاصِبُ.
(٥) قوله: (في قيمَةِ المغصُوبِ) التالف؛ لأنه غارِم. الوالد.
стр. 1139
وفي قَدْرِهِ (١).
ويَضمَنُ جِنَايَتَهُ وإتْلافَهُ (٢): بالأَقَلِّ مِنْ الأَرْشِ (٣) أو قِيمَتِهِ (٤).
وإن أطعَمَ الغَاصِبُ ما غَصَبَهُ، حَتَّى ولو لِمَالِكِهِ، ولم يَعلَم (٥):
(١) قوله: (وفي قَدرِه) وفي حُدوثِ عيبهِ، وفي صِناعَةٍ فيه؛ بأن قالَ مالِكُه: كان كَاتبًا. وأنكره غاصِبٌ. أو اختلفا في قَدرِه، كأن قال: غصبتَ منِّي عَبدين. فقال: بل عَبدًا. أو اختلفا في مِلكِ ثوبٍ على مغصُوب، أو اختلَفا في مِلك سَرْجٍ عليه، فالقولُ قول الغاصِب بيمينه، حيث لا بينةَ للمالِك؛ لأنه مُنكِر، والأصلُ براءتُه من الزائد، وعدمُ الصناعة فيه، وعدمُ مِلك الثَّوب، أو السَّرْج عليه.
وإن اختلفا في ردِّه، أو في وجودِ عيبٍ فيه؛ بأن قال الغاصِبُ: كان العبدُ أعورَ، أو أعرجَ، أو يبولُ في فِراشِه، ونحوه، فقول مالِكٍ بيمينه على نفي ذلك؛ لأن الأصلَ عدمُ الردِّ والعيبِ. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (ويضمَنُ جنايَتَه) أي: جنايةَ المغصُوبِ، أو إتلافَ المغصُوب.
(٣) قوله: (بالأقلِّ من الأَرشِ) أي: أرشِ النَّقصِ.
(٤) قوله: (أو قيمَتِه) أي: التالف.
(٥) قوله: (وإن أطعَم الغاصِبُ ما غَصبَه) لغير مالِكٍ. وقوله: (حتى ولو لمالِكه) أي: ولو كان أطعَمَ الغاصِبُ ما غصَبه لمالِكه (ولم يعلَم) الغيرُ والمَالِكُ بغَصبِه، بل أكلَ ظانًا أنه طعامُ الغاصِب، فقرارُ ضَمانِه على غَاصِبٍ، ولو لم يقل لآكلٍ: إنه طعامُه؛ لأن الظاهر أن الإنسانَ إنما يتصرَّفُ
стр. 1140
لَم يَبْرَأ الغَاصِبُ (١).
وإنْ عَلِمَ الآكِلُ (٢) حَقِيقَةَ الحَالِ (٣): استَقَرَّ الضَّمَانُ علَيهِ (٤).
ومن اشتَرَى أرْضًا (٥)،
فيما يملِك، وقد أكلَه على أنه لا يضمَنه، فاستقرَّ الضمانُ على الغاصِب؛ لتغريرِه. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (لم يبرأ الغاصِبُ) من عُهدَتِهِ واستقرَّ الضَّمان عليه. وقال جماعة: وكَذَا إذا أطعمَه لعبدِ المالِك أو دابَّتِهِ، غيرَ عَالِم به. ع ب [¬٢].
(٢) قوله: (وإن عَلِمَ الآكِلُ) من مالِكٍ وغيرِه.
(٣) قوله: (حقيقَةَ الحَالِ) بأنه مغصُوبٌ.
(٤) (استقرَّ الضَّمانُ عليه)؛ لأنه أتلفَ مالَ غيرِه بغيرِ إذنه عالمًا من غيرِ تغرِيرٍ، وللمالِك تضمينُ الغَاصِب؛ لأنه حالَ بينَه وبينَ مالِه، والآكِل؛ لأن التلفَ حصَل في يده. فإن ضَمِنَ الغاصِبُ، رجعَ على الآكِل غيرِ المالِك، وإن كان الآكِلُ المالِكَ، وهو عالِمٌ بالحال، فهدر. قاله في «المبدع». ع ب [¬٣].
(٥) قوله: (ومن اشتَرى أرضًا .. إلخ) وللمالِك تضمينُ من شاءَ من الغَاصِب والمُشتَري أجرةَ مِثلِها، وأرشَ ما نقصَها الغِراسُ. فإن ضَمِن الغاصِبُ، لم يرجِع به على المُشتري، وإن ضَمِنه المشتري [¬٤]، رجعَ به على الغَاصِب،
стр. 1141
فَغَرَسَ أو بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَت مُستَحَقَّةً لِلغَيرِ (١)، وقُلِعَ غَرْسُهُ وبِنَاؤُهُ (٢): رَجَعَ على البَائِعِ بِجَميعِ ما غَرِمَه (٣).
ويرجعُ عليه أيضًا بقيمَةِ الغِراسِ إن تَلِفَ بالقَلع. ولا يرجعُ مشترٍ بما أنفقَ على العَبدِ والحَيوانِ، ولا بخراجِ الأرضِ إذا اشتَرى أرضًا خراجيَّةً، وغَرِمَ خراجَها، ثم ظهرت مُستحقَّةً، فلا يَرجِعَ المشتري بذلِك على البائع؛ لأنه دخَل في الشِّراء ملتَزِمًا ضَمان ذلك؛ لأنَّ عقدَ البيع يقتَضي النفقةَ على المَبيعِ ودفعَ خراجِه. قلتُ: قياس ذلِك أنَّ الزوجَ لا يرجِع على الغاصِب بما أنفقَه على الزوجةِ إذا خَرجت مغصُوبةً، كما أنه لا يرجِعُ على الحرَّةِ في النكاح الفاسِد. ش ع [¬١].
(١) قوله: (فخرجَت مستحقَّة للغَيرِ) أي: لغيرِ بائعِها، وقد غَرسَها مشترٍ أو بناها. ثم إنَّ «مستحقَّةً» منصوبٌ على أنه حال من فاعِل «خَرجَت» أي: خَرجَت الأرضُ حالَ كونها مُستحقَّةً.
(٢) قوله: (وقُلِعَ غَرسُه وبناؤُه) أي: المشتري؛ لأنه وُضِعَ بغيرِ حقٍّ.
(٣) قوله: (رجَعَ) مشترٍ (على البائِعِ [¬٢] بجميعِ ما غَرِمَه) من ثمنٍ أقبضَه، وأجرةِ غَارِسٍ، وبانٍ، وثمنِ مُؤَنٍ مستهلَكَةٍ، وأرشِ نقصٍ بقَلعٍ، وأجرةٍ، ونحوه؛ لأنه غرَّه ببيعِه، وأوهمَه أنها مِلكُه، وذلك سببُ غرسِه.
وعلم منه: أن لمُستَحقِّ الأرضِ قَلعُ الغِراسِ والبناءِ بلا ضَمانِ نقصٍ؛ لوضعِه في مِلكِه بغيرِ إذنه، كالغَاصِب. ع ب [¬٣].
стр. 1142
فَصْلٌ
ومَنْ أتلَفَ (١) - ولَو سَهوًا (٢) - مالًا (٣) لِغَيرِهِ (٤): ضَمِنَه (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ومَنْ أتلَفَ) من مكلَّف أو غيرِه، إن لم يدفعْهُ ربُّه له.
(٢) قوله: (ولو سَهوًا) أي: ولو كان الإتلافُ سهوًا.
(٣) قوله: (مالًا) مفعول «أتلَفَ»، مُحتَرمًا.
(٤) قوله: (لغيرِه) بلا إذنه، ومثلُه يضمنُه.
(٥) قوله: (ضَمِنَه) أي: ما أتلفه؛ لأنه فوَّته عليه، فوجبَ عليه الضَّمان، كما لو غَصَبه، فتلِفَ عندَه. وخرجَ بالمال: نحوُ سِرْجِينٍ نَجِسٍ، وكلبٍ، ونحوِهما. وبالمُحتَرم: نحوُ صَنَم وصَليبٍ، وآلاتِ لهو. وبقولِه: لغيرِه: مالُ نفسِه. وبلا إذنه: عمَّا لو أذِنَ مالِكُه المُطلقُ التصرُّف في إتلافه، فإن المتلِفَ حينئذٍ يكونُ وكيلًا عن مالِكِه في الإتلاف. وبقوله: ومثلُه يضمنُه: ما يتلِفُه أهلُ العَدل من مالِ أهلِ البَغي، وعكسُه، حالَ الحَرب، وعما يتلِفُ المُسلمُ من مال الحَربي، والحَربيُّ من مالِ المسلم، وعمَّا يُتلِفُه الصغيرُ والمجنونُ من مالٍ دفعَه إليهِما مالِكُه، وعمَّا يتلِفُ الأبُ من مالِ ولدِه، وعمَّا يتلِفُه دَفعًا عن نفسِه، كما لو صالَ عليه رقيقٌ أو بهيمةٌ لمعصُوم. ع ب [¬١].
стр. 1143
وإن أُكرِهَ على الإتْلافِ (١): ضَمِنَ مَنْ أكرَهَهُ (٢).
وإنْ فَتَحَ قَفَصًا (٣) عن طائِرٍ. أو: حَلَّ قِنًّا أو أسِيرًا أو حَيوانًا مَربُوطًا (٤)، فذَهَبَ. أو: حَلَّ وِكَاءَ زِقٍّ (٥) فِيهِ مَائِعٌ (٦) فاندَفَقَ: ضَمِنَهُ.
(١) قوله: (وإن أُكرِه على الإتلَافِ) أي: وإن أُكرِه إنسانٌ على إتلاف مالِ غيرِه المضمُونِ.
(٢) قوله: (ضَمِنَ من أكرَهَه) ولو على إتلافِ مالِ نفسِه.
(٣) قوله: (وإن فَتَحَ قفَصًا عن طائِرٍ) فطارَ، ضَمِنه، أو فتحَ بابًا، فضَاعَ ما كان مُغلَقًا عليه بسبَبه، ضَمِنَه. انتهى. الوالد.
(٤) قول: (أو حَلَّ قِنًّا أو أسِيرًا أو حَيوانًا مربُوطًا) أي: أو حلَّ قيدَ قِنٍّ «مربوطًا» أو حلَّ قيدَ أسيرِ «مربوطًا» أو حلَّ قيدَ حيوانٍ «مربوطًا» عن نحوِ فَرسٍ. ففي كلام المصنف حذفٌ.
(٥) قوله: (أو حَلَّ وِكاءَ) بكسر الواو، وهو الحَبلُ الذي يُربطُ به القِربَة (زِقِّ) دُهْنٍ بكسر الزاي أي: ظَرف [¬١]، فالتنوين في «زِقٍّ» عِوضٌ عن المُضاف إليه.
(٦) قوله: (فيه مائِعٌ) أو جامِدٌ، فأذابته الشمس، أو ألقته ريحٌ، بخلاف ما أذابته نارٌ قرَّبها إليه غيرُه، فإنَّ قياس المذهب: يضمنُ مُقرِّبُها، كالدافِع مع الحَافِر. ذكره المجدُ.
ولو فتَحَ بَثْقًا، وهو الجَسرُ الذي يَحبِسُ الماءَ، فأفسدَ الماءُ زرعًا، أو غيرَه، ضَمِنَ. قال م ص: قلت: وعلى قياسِه لو فاتَ به ريُّ شيء من الأراضِي التي
стр. 1144
ولو بَقِيَ الحَيَوانُ (١)، أو الطَّائِرُ (٢) حَتَّى نَفَّرَهُ آخَرُ (٣): ضَمِنَ المُنَفِّرُ (٤).
ومَنْ أوقَفَ دَابَّةً بطَريقٍ (٥) - ولو واسِعًا-
كانت تُروى بسبب سَدِّه، فيضمَنُ فاتِحُه خراجَه. وعلى قياسِه لو فرَّط من يَلي سَدَّ البَثْقِ فيه، فأزالَه الماءُ عندَ علوه، فأتلَف شيئًا، أو فاتَ به ريُّ شيء من الأراضِي. عثمان [¬١].
(١) قوله: (ولو بَقِيَ الحيوانُ) الذي حَلَّ قيدَه.
(٢) قوله: (أو الطائِرُ) الذي فتحَ قفصَه.
(٣) قوله: (حتَّى نفَّره آخَرُ) بعدَ ذلك، فذهَبا.
(٤) قوله: (ضَمِنَ المُنفِّرُ) وحدَه؛ لأن سببَه أخصُّ، فاختصَّ الضمانُ به، كدافعِ واقعٍ في بئرٍ مع حافِرها، وكذا لو حَلَّ حيوانًا، وحرَّضه آخرُ، فجنَى، فضمانُ جنايتِه على المُحرِّض. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (ومن أوقفَ دابَّةً) له، أو لغيرِه (بطَريقٍ) ويدُه عليها؛ بأن كانَ راكبًا أو نحوه، فأتلَف شيئًا، أو جَنت بيدٍ، أو رِجل، ضَمِنَ مُوقِفُها ورابطُها. قاله في «الإقناع». قال في «شرحه» [¬٣]: وظاهره: لا يضمنُ جنايةَ ذَنَبِها.
وعُلم منه: أنه لو أوقفَها أو ربطَها بمِلكه أو مواتٍ أنه لا ضَمان، وهو كذلك. ذكره الحارثي. ح ف وزيادة.
стр. 1145
أو تَرَكَ بها (١) نَحْوَ طِينٍ (٢) أو خَشَبَةٍ (٣): ضَمِنَ ما تَلِفَ بذلِكَ (٤). لكِنْ (٥): لو كانَتِ الدَّابَّةُ بطَرِيقٍ واسِعٍ فَضَرَبَها، فرَفَسَتْهُ: فلا ضَمَانَ (٦).
ومَن اقتَنَى كَلْبًا عَقُورًا (٧)،
(١) قوله: (أو تَرَكَ بها) أي: الطريقِ، ولو واسِعًا.
(٢) قوله: (نحوَ طِينٍ) كحجَرٍ، أو قِشْرِ بِطِّيخ، أو رَشَّ فيه فَزلَق إنسانٌ، ضَمِنَه، لا إن كان الرشُّ لتسكينِ الغُبار على الوجهِ المُعتاد، فلا ضَمان في ذلك. عثمان [¬١].
(٣) قوله: (أو خَشَبةٍ) بأن أسندَ خَشبةً إلى حائط.
(٤) قوله: (ضَمِنَ ما تلِفَ بذلك) الباء للسببية، أي: ضمن ما تلف بسبب ذلك الفعل لتعدِّيه به؛ لأنه ليس له في الطَّريق حقٌّ، وطَبْعُ الدَّابةِ الجِنايَةُ بفَمِها، أو رِجلِها، فإيقافُها في الطريق، كوضَعِ الحَجرِ، ونَصبِ السِّكين. ع ب [¬٢].
(٥) قوله: (لكِنْ) استدراك على قولِه: «ضَمِنَ ما تلِفَ».
(٦) قوله: (فضَرَبَها، فرفَسَتهُ فلا ضَمَان) لعدَمِ حاجَتهِ إلى ضَربِها، فهو الجاني على نفسِه. الوالد.
(٧) قوله: (ومن اقتنَى كَلبًا عَقُورًا) بأن يكون له عادة بالعقر. فُهِمَ منه: أنه لو حصَل شيء من ذلك في بيتِه من غيرِ اقتنائِه ولا اختيارِه، فأفسدَ شيئًا، لم يضمنه. وصرَّح به في «شرح المنتهى» [¬٣] و «الإقناع» [¬٤].
стр. 1146
أو أسوَدَ بَهِيمًا، أو أسَدًا، أو ذِئبًا، أو جَارِحًا (١)، فأَتلَفَ شَيئًا: ضَمِنَهُ (٢)، لا: إنْ دَخَلَ دَارَ رَبِّهِ بِلا إذْنِهِ.
ومَن أجَّجَ نَارًا بمِلْكِهِ (٣)، فَتَعَدَّت (٤) إلى مِلْكِ غَيرِهِ (٥) بِتَفرِيطِه (٦):
(١) قوله: (أو أسَدًا أو ذئبًا أو جَارِحًا) أي: أو اقتنَى أسدًا، أو كَبشًا معلَّمًا النِّطَاحَ، أو اقتنَى هرًّا تأكلُ الطيورَ، وتقلِبُ القُدور، مع عِلمِه بحالِها؛ بأن تقدَّم للهر عادةٌ بذلك ويجوز قتلُه حينئذ أو نحو قِردٍ، وصَقرٍ، وبَازٍ. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (ضَمِنَه) مقتنيها إن دخَل بإذنِه ولم ينبِّهه عَلى الكَلبِ أو عَقرِه. أو خَرَقَ ثوبَه خارِجَ منزِله، فيضمنُ مُقتَنيه، بخلافِ بولِه، وولوغِه في إناءِ الغَير، فإنه لا يضمَنُ مُقتني ذلِك ما أفسدَت بذلك؛ لأن هذا لا يختصُّ بالكلب العَقور. ولا فرقَ في ضمانِ إتلاف ما لا يجوز اقتناؤه ممَّا تقدَّم، بين الإتلافِ في اللَّيل أو النَّهار، بخلاف البهائم، كما سيجيء. عثمان [¬٢].
(٣) قوله: (ومن أجَّج نارًا بمِلكِه) بأن أوقدَ النار حتَّى صَارت تلتَهبُ في دارِه، أو على سطحِه، أو سَقَى أرضَه لشجرٍ أو زَرعٍ بها، أو ليزرَعها.
(٤) قوله: (فتعدَّت) ما ذُكِرَ، من النار والماء.
(٥) قوله: (إلى مِلكِ غَيرِه) أي: غيرِ الفاعِل، فأتلَف شيئًا. ع ب [¬٣].
(٦) قوله: (بتفريطه) بأن تركَ النار مؤجَّجة، والماءَ مفتُوحًا، ونامَ ونحوه؛ لتعدِّيه أو تقصِيره، كما لو باشر إتلافه. ع ب [¬٤].
стр. 1147
ضَمِنَ (١)، لا: إنْ طَرَأَتْ رِيْحٌ (٢).
ومَن اضطَجَعَ في مَسجِدٍ (٣)، أو في طَريقٍ، أو وَضَعَ حَجَرًا بِطِينٍ في الطَّرِيقِ؛ لِيَطَأَ علَيهِ النَّاسُ: لم يَضمَن (٤).
(١) قوله: (ضَمِنَ) ما أتلَفته. قال في «الرعاية»: قلت: وإن كان المكانُ مغصُوبًا، ضَمِنَ مُطلقًا، يعني: سواء فرَّط، أو أسرَف، أو لا. وجزمَ بمعناه في «الإقناع» [¬١].
(٢) قوله: (لا إن طرأت ريحٌ) قال في «عيون المسائل»: لو أجَّجها على سَطحِ دارِه، فهبَّت الريحُ، فأطارت الشَّرر، لم يضمن؛ لأنه في مِلكه، ولم يفرِّط، وهبوبُ الريح ليس من فعله. قال المجد: أو أوقدَ نارَ الخُبزِ ونحوه في السفينة، فظاهرُ روايةِ ابن هانئ وحَربٍ: لا ضمانَ عليه؛ لأنه لا بدَّ له منه. انتهى. قال م ص: فيؤخذ منه الضمان لو أوقدَها لتناوُل التِّتن المشهُور في مِصْرَ بالدُّخان؛ لأنه غيرُ ضروري. انتهى.
(٣) قوله: (ومَن اضطَجَع في مَسجِدٍ) وعثَر فيه أحدٌ، فانكسَرت رجلُه، فلا ضمان؛ لأن لكلٍّ فيهِ حقًّا.
(٤) قوله: (ليطأ عليه النَّاسُ، لم يَضمَن) لأن فيه نَفعًا للمُسلمين، كإصلاحِها، وإزالة الطِّين والمَاءِ منها، وحَفرِ هُدْفَةٍ فيها، وقَلعِ حَجرٍ يضرُّ بالمارة. وإن أحدَثَ بِركَةً للماء، أو كَنيفًا، أو مُستَحمًّا، فنزَّ إلى جدارِ جارِه، فأوهَاه وهدمَه، ضَمِنَه؛ لأن هذه الأسباب تتعدَّى. ذكره في «الفصول»، و «التلخيص»، قالا: وللجارِ منعُه من ذلِك، إلا أن يبَني حَاجِزًا مُحكمًا يمنع
стр. 1148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّزَّ. زاد ابن عقيل: أو يبعُدُ بحيثُ لا يتعدَّى النَّزُّ إلى جدارِ جاره. وقال أيضًا: الدَّق الذي يهدُّ الجدار مضمون السراية؛ لأنه عدوان محض [¬١].
стр. 1149
فَصْلٌ
ولا يَضمَنُ رَبُّ بَهيمَةٍ غَيرِ ضَارِيَةٍ (١): ما أتلَفَتهُ نَهارًا (٢) مِنْ الأَموَالِ والأبدَانِ (٣). ويَضمَنُ: رَاكِبٌ وسَائِقٌ وقَائِدٌ (٤)
فَصْلٌ
(١) قوله: (غَيرِ ضَارِيَةٍ) أي: معروفَةٍ بالصَّول.
(٢) قوله: (نَهارًا) أي: في النَّهار. فهو منصوبٌ بنزع الخَافِض.
(٣) قوله: (من الأموالِ والأبدَان) بيان ل «ما» إن لم تكن يدُه عليها، ولو كان المتلَفُ صيدًا بالحرم؛ لحديث: «العجمَاءُ جُرْحُها جُبَارٌ». متفق عليه [¬١]. يعني: هدرًا. فإن كانت ضَاريِةً، أو من الجَوارحِ وشِبهِها، ضَمِنَ. قال الشيخ تقي الدين، فيمن أمرَ رجُلًا بإمساكِها، أي: الضَّارِيةِ: ضَمِنَه إن لم يُعلِمْه بها. وفي «الانتصار»: البهيمة الصَّائلةُ يلزمُ مالِكَها وغيرَه إتلافُها. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (ويضمَنُ راكِبٌ وسائِقٌ وقائِدٌ) سواءٌ كان مالِكَها، أو أجيرًا، أو مُستأجِرًا، أو مُستعِيرًا، أو غاصِبًا، أو موصًى له بنفعِها، أو راعيًا لها، ما لم تتفلَّت من يدِ أحدِهم. وكذا لا يضمَنُ لو أمسَكَ الراكِبُ اللِّجامَ فغلبت بقوَّةِ رأسِها؛ لأنها خارِجةٌ عن اختيارِه وضَبطِه. عثمان باختصار.
стр. 1150
قادِرٌ علَى التَصَرُّفِ فِيها (١). وإن تَعَدَّدَ رَاكِبٌ (٢): ضَمِنَ الأوَّلُ (٣)، أو مَنْ خَلْفَهُ، إن انفَرَدَ بِتَدبِيرِهَا (٤). وإن اشتَرَكَا في تَدبِيرِها (٥)،
(١) قوله: (قادِرٌ على التصرُّفِ) أي: ويضمَن راكِبٌ قادِرٌ على التصرُّف … إلخ. ف «قادر»: صفة للفاعِل في الجَميع (فيها) جنايةَ يدِها، وفَمِها، وولَدِها، ووطئِها برجلها، لا ما نفَحَت برجلِها، أو ذنَبِها؛ لأنه لا يُمكن التحفُّظ منه؛ ولحديث أبي هريرة: «رِجلُ العَجمَاءِ جُبار». وعُلِم منه: أن المريضَ والصَّغيرَ والأعمى، فلا ضمانَ على واحدٍ منهم. ويُضمن مع سَببٍ، كنخسٍ وتنفيرٍ، فاعلُه.
وقوله: «رِجْلُ العجماء» هو بكسر الراء. أي: جنايةُ رِجل البَهيمةِ إذا نَفحتْ [¬١] بها بلا سبب، جُبارٌ بضم الجيم أي: هدر. «مصباح»، عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (وإن تعدَّد راكِبٌ) أي: وإن تعدَّد راكبُ دابَّةٍ. فالتنوين عِوضٌ عن المضاف إليه؛ بأن كان عليها اثنان فأكثر.
(٣) قوله: (ضَمِنَ الأول) ما يضمنه المُنفَرِدُ؛ لأنه المتصرِّف فيها، والقادِرُ على كفِّها.
(٤) قوله: (أو من خَلفَه) أي: أو يضمنُ مَنْ خَلفه (إن انفرَدَ بتدبِيرِها) لصَغرِ الأول، أو مرضِه، أو عَماه.
(٥) قوله: (وإن اشتَركَا) الراكبان (في تَدبِيرِها).
стр. 1151
أو: لم يَكُنْ إلَّا قائِدٌ وسَائِقٌ: اشتَرَكَا في الضَّمَانِ (١).
ويَضمَنُ ربُّها (٢): ما أتلَفَتهُ (٣) لَيلًا (٤)، إنْ كانَ بِتَفرِيطِهِ (٥). وكَذَا: مُستَعِيرُهَا، ومُستَأجِرُهَا، ومَنْ يَحفَظُها (٦).
(١) قوله: (اشتَركَا في الضَّمان)؛ لأنَّ كلًّا مِنهُما، لو انفَرد لضَمِن، فإذا اجتمعا، ضمنا. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (ويضمن ربُّها) أي: مالِكُ الدَّابة.
(٣) قوله: (ما أتلفَته) من زَرعٍ، وشَجرٍ، وثوبٍ خَرقَته، أو مَضغَته، أو وَطِئت عليه.
(٤) قوله: (ليلًا) فقط، نصًّا. ع ب [¬٢].
(٥) قوله: (إن كان بتفريطِه) في حفظِها؛ بأن لم يَضمَّها [¬٣]، بحيثُ لا يُمكِنها الخُروجُ. فإن ضَمَّها، فأخرجَها غيرُه بغيرِ إذنه، أو فتحَ عليها بابًا، فالضمان على مُخرِجٍ وفاتِحٍ دونَ مالِكِها؛ لتسببه. ولا يضمن ما أفسَدت نهارًا إلا غاصِبُها، فيضْمَن ما أفسَدت نهارًا أيضًا؛ لتعدِّيه بإمسَاكِها. ع ب [¬٤].
(٦) قوله: (وكَذَا مستعيرُها) أي: ويضمنُ مستعيرُها (ومستأجِرُها، ومَنْ يحفَظُها) كمودَعٍ، ومُرتَهن، وأجيرٍ لحفظِها، ومُوصى له بنفعِها. انتهى. الوالد. إن فرَّط كلٌّ منهم، كما يُؤخذُ من صَنيعِه.
стр. 1152
ومَنْ قَتلَ (١) صَائِلًا (٢) عليِه، ولَو آدَمِيًّا (٣)؛ دَفْعًا عن نَفسِهِ أو مالِهِ (٤). أو: أتلَفَ (٥) مِزْمَارًا (٦)،
(١) قوله: (ومن قَتلَ) حيوانًا.
(٢) قوله: (صَائِلًا) أي: واثبًا.
(٣) قوله: (عليه، ولو آدميًّا) أي: ولو كان الصائلُ آدميًّا، صَغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، أو غيرَه من البهائِم والطَّيور. ع ب [¬١].
(٤) قوله: (دفعًا عن نفسِه أو مالِه) «دفعًا» مفعول لأجلِه ل «قَتَلَ»، يعني: إن لم يندفِع إلا بالقَتل، فلو دفعَه عن غيرِه، ضَمِنَ الدافعُ الصائلَ، إلَّا إن كان الصائِلُ ولدَه، فلا يضمنه أبوه الدَّافع، ولو كان الصَّائلُ امرأةَ الدَّافِع، كزوجةٍ، أو أمٍ، وأختٍ، وخالة، فلا يضمَنُ دافِعٌ. كما جَزمَ به في «الإقناع». وفي «الفتاوى الرَّجبيَّات» عن ابن عقيل وابن الزاغوني: لا ضمانَ على الدَّافع عن غيرِه مُطلقًا. وفي «القواعد» عن القاضي: الضمانُ مطلَقًا، كما هو مفهومُ كلامِ المصنف. فصاحب «الإقناع» قد توسط بين القولين. عثمان [¬٢].
(٥) قوله: (أو أتلَفَ) بكَسرٍ، أو خَرقٍ، أو غَيرِهما.
(٦) قوله: (مِزمارًا) هو بكسر الميم، والزَمَّارةُ، بفتح الزاي وتشديد الميم. قال ابن سيده: وهو ما يُزمَّر به. قال الحارثي: وهذا أعمُّ من كونِه قَصَبًا، أو نُحَاسًا، أو حَديدًا. قال: وقال ابن سيده: زمَّر يزمِّر، إذ غنَّى في القَصب.
стр. 1153
أو آلَةَ لَهْوٍ (١). أو: كَسَرَ إنَاءَ فِضَّةٍ (٢) أو ذَهَبٍ، أو فيهِ خَمرٌ (٣) مأمُورٌ بإرَاقَتِهَا. أو: كَسَرَ حُلِيًّا مُحَرَّمًا (٤). أو: أتلَفَ آلَةَ سِحْرٍ أو تَعزِيمٍ (٥)
فقوله: في القَصَبِ. ظاهرٌ في تخصيصِ المِزمارِ به. ح ف.
(١) قوله: (أو آلةَ لَهوٍ) أي: أو أتلَفَ آلةَ لهوٍ؛ كطُنبوُرٍ، أو عُودٍ، أو طَبلٍ، أو دُفٍّ بصُنُوجٍ أو حِلَقٍ، أو نَردٍ، أو شِطْرَنج، أو أتلَفَ صَليبًا. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (أو كَسَر إناءَ فِضَّةٍ): عطف على «أتلف» خاصٌّ على عامٍّ.
(٣) قوله: (أو فيهِ خَمرٌ) أي: أو كَسَر، أو شَقَّ إناءً فيه خَمرٌ، مأمورٌ بإراقَتِها، وهي ما عَدَا خَمرِ الخلَّال والذميِّ المُستَتِرِ بها، فلا يضمنُ إناءَها؛ تبعًا لها. عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (أو كَسَر حُلِيًا مُحرَّمًا) على ذَكرٍ، لم يستعمِله. أي: يتَّخذه، يصلحُ للنِّساء، لم يضمنه؛ لعدَم احتِرامه. وأما إذا أتلَفه، فقد تقدَّم أن محرَّمَ الصناعِة يُضمَنُ بمثلِهِ وزنًا، وتُلغَى صناعتُه.
قال في «الآداب الكبرى»: ولا يجوزُ تخريقُ الثياب التي عليها الصُّور، ولا الرُّقوم التي تصلُح بُسُطًا، ومضَارِجَ [¬٣]، وتُداسُ، ولا كَسرُ الحُلِيِّ المُحرَّمِ على الرجال إن صلُح للنَّساء. وقال في موضعٍ آخر: ولم يستعمِلْه الرِّجال. ع ب [¬٤].
(٥) قوله: (أو أتلَفَ آلةَ سِحرٍ) أو آلةَ (تَعزِيمٍ … إلخ).
стр. 1154
أو تَنجِيمٍ، أو صُوَرَ خَيَالٍ. أو: أتلَفَ كُتُبَ مُبتَدِعَةٍ مُضِلَّةً. أو: أتلَفَ كِتَابًا فيهِ أحَادِيثُ رَدِيئَةٌ (١): لم يَضمَن في الجَمِيعِ (٢).
(١) قوله: (أو أتلفَ كِتابًا فيه أحاديثُ رَديئةٌ) أي: موضُوعةٌ. قال في «شرح المنتهى» [¬١]: وظاهره: ولو كان معَها غيرُها. انتهى.
أو أتلفَ كتبَ أكاذِيبٍ، أو سخائِفَ لأهلِ الخلاعَةِ والبطالَة، أو أتلَفَ كُتبَ كُفرٍ، أو أحرقَ مخزنَ خَمر. قال في «الهدي»: يجوز تحريقُ أماكنِ المعاصي وهدمُها؛ كما أحرقَ ﵊ مسجِدَ الضِّرار، وأمر بهدمِه [¬٢]. ع ب [¬٣].
(٢) قوله: (لم يضمَن في الجَميع) جوابُ الشرط أعني قولَه: «ومن قتل … إلخ» ولا فرقَ بين كونِ المُتلِفِ لما تقدَّم مُسلمًا أو كافرًا.
«فرع»: قال الشيخ: للمظلوم الدعاء على ظالِمه [¬٤] بقدر ما يُوجِبُ ألمَ ظُلمه، لا على من شَتَمه. ولو كذَب عليه، لم يفتَرِ عليه، بل يدعو عليه نظيره، وكذا إن أفسدَ عليه دينَه. قال الإمام أحمد: الدُّعاءُ قِصاصٌ، ومن دعا على من ظلَمه فما صَبرَ. يريدُ أنه انتصَرَ. ع ب [¬٥].
стр. 1155
بابُ الشُّفْعَةِ
لا شُفْعَةَ: لِكَافِرٍ (١) علَى مُسلِمٍ (٢).
بابُ الشُّفَعَة
بضم الشين وإسكان الفاء من الشَّفع، وهو: الزوجُ؛ لأن الشفيعَ يضمُّ بالشُّفعة المبيعَ إلى مِلكِه الذي كانَ مُنَفرِدًا.
وهي شرعًا: استحقاقُ شريكٍ انتزاعَ شِقْصِ [¬١] شريكِه، ممَّن انتقلَ إليه بعوضٍ ماليٍّ، بثمنه الذي استقرَّ عليه العقدُ.
وأركانُها: البائعُ، والمُشتري، والشَّفيعُ، والمشفُوعُ؛ وهو الشِّقصُ المَبيع. والشُّفعةُ تتعلَّق بهذه الأشياء تعلقًا لا يوجد بدونِها. وشُرِعَت لدَفعِ ضَررِ الشَّريك؛ لأن أحدَ الشريكينِ في العقار ونحوِه إذا باعَ نصيَبه، ففي دخولِ الأجنبي على شَريكِه إضرارٌ به؛ لتفاوُتِ الناس في الأخلاقِ والمُعاشرة. وأعقبَ المصنِّفُ الشُّفعةَ للغصب؛ لأنها تؤخذُ قَهرًا، فكأنها مُستثناة من تحريمِ أخذِ مالِ الغَيرِ قَهرًا. ح ف.
(١) قوله: (لا شُفعَةَ لكافِرِ) حالَ بيعٍ، أسلمَ بعدُ، أو لَا، ولو كانَ كُفْرُهُ بِبِدْعَةٍ، كالدُّعاة بخَلق القُرآن، والغُلاةِ، كمعتَقِدٍ غلَطَ جبريلَ في الرسالة، فلا شُفعة لهم. ع ب [¬٢].
(٢) قوله: (على مُسلِم) نصًّا؛ لقوله ﵇: «لا شُفعَةَ لنصراني». رواه
стр. 1156
وتَثبُتُ للشَّريكِ فيما انتقَلَ عنهُ مِلْكُ شَريكِه (١)، بشُرُوطٍ خَمسَةٍ (٢):
أحَدُها: كَونُهُ (٣) مَبِيعًا (٤). فلا شُفعَةَ: فِيمَا (٥) انتَقَلَ مِلكُهُ عَنهُ بِغَيرِ بَيعٍ (٦).
الدارقطني [¬١]. قال المصنف في «غايته» [¬٢]: ويتجه ثبوتها لمجوسي على كتابي. والكفرُ هُنا ملةٌ.
(١) قوله: (فيما انتقل عنه مِلكُ شَريكِه) من أرضٍ تُقسم إجبارًا، بيعت، أي: بيعَ شقصٌ منها بثمنه الذي استقرَّ عليه العقد. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (بشروطٍ خَمسةٍ) متعلق بقوله: «وتثبت للشريك».
(٣) قوله: (كونه) أي: الشِّقصِ المُنتقلِ عن الشَّريك.
(٤) قوله: (مبيعًا) صَريحًا، أو في معناه، كصُلحٍ عن إقرارٍ بمال، أو عن جنَايةٍ توجِبه، وهبةٍ بعوضٍ معلوم؛ لأنه بيع في الحقيقَةِ؛ لأن الشفيعَ يأخذُ بمثل عِوضِه الذي انتقلَ إليه به، ولا يُمكن هذا في غير المَبيع. ع ب [¬٣] [¬٤].
(٥) قوله: (فلا شُفعَة فيما) أي: في شقصٍ. مفرَّع على الشرط الأول.
(٦) قوله: (انتقلَ مِلكُه عنه بغيرِ بيع) بأن انتقل نصيبُ الشريك بغيرِ عِوض، كالإرثِ والهبة، ولا فيما عوضُه غيرُ مالٍ، كصداق، وعِوضِ خُلع، وصُلحٍ عن قَوَدٍ.
ولا شفعةَ أيضًا فيما أخذَه المنتقِلُ إليه أجرةً، أو جَعالةً، أو ثَمنًا في سَلَمٍ، إن
стр. 1157
الثَّانِي: كَونُهُ (١) مُشَاعًا (٢) مِنْ عَقَارٍ (٣). فلا شُفعَةَ: للجَارِ (٤)، ولا: فِيمَا لَيسَ بعَقَارٍ (٥)،
صحَّ جعلُ العَقارِ رأسَ مالِ السَّلم، أو عوضًا في كتابة؛ لأنه لا يُمكن الأخذُ بقيمة الشقص؛ لأنها ليست بعوضِه؛ لأن الخبر إنما وردَ في البيع، وليست هذه في معناه. ع ب [¬١].
(١) قوله: (الثاني: كونه) أي: الشقصِ المَبيعِ.
(٢) قوله: (مشاعًا) أي: غيرَ مفروز.
(٣) قوله: (من عَقَارٍ) بفتح العين، ينقسِمُ إجبارًا.
(٤) قوله: (فلا شُفعةَ للجار) مفرع على قوله: «مشاعًا» في مقسوم محدود. ولو رَفَعَ مشترٍ دارًا لا يَرى شُفعةَ الجِوار كحنبليٍّ إلى حاكمٍ يراها، وهو الحنفي، فادُّعي على الجار عندَه، فأنكر أن تكونَ الشُّفعةُ للجار، فقال الإمام أحمد: لا يحلِف على ذلك. قال القاضي: لأن يمينه على القَطع، ومسائلُ الاجتهاد ظَنيَّة، فلا يُقطَع ببُطلان مذهب المُخالف. وحمَلَ الموفَّق قولَ الإمام أحمد: لا يعجبني أن يحلف. على أمرٍ يُختَلفُ فيه: على الوَرع، لا على التحريم. ومعنى القطع: أن يحلِف أن لا شفعة له عندي، لا على نَفي العِلم. ولو حكم حَنفيٌّ لشافعيٍّ بشُفعة الجِوار، فله الأخذُ عند ابن عقيل. ومنَعه القاضي. ح ف.
(٥) قوله: (ولا فِيما ليسَ بعَقَار) أي: ولا شفعةَ فيما ليس بعَقَار بفتح العين المراد به: الأرض، كما في «المغني»؛ لأنها التي تَبقَى، ويدومُ ضررُها. قال ابن
стр. 1158
كشَجَرٍ وبِنَاءٍ مُفْرَدٍ (١). ويُؤخَذُ الغِرَاسُ والبِنَاءُ تَبَعًا للأَرضِ (٢).
الثَّالِثُ: طَلَبُ الشُّفْعَةِ سَاعَةَ يَعْلَمُ (٣). فإن أخَّرَ الطَّلَبَ لِغَيرِ عُذْرٍ (٤):
قندس: ظاهرُ كلامِ أئمةِ المَذهب أو صريحُه: أن العَقَار هو الأرض فقط، وأن الغِراسَ والبِناءَ ليس بعَقَار؛ لقولهم: إن الغِراسَ والبناء لا شُفعَة فيه إلَّا إذا كان تَبعًا. وظاهرُ كلامِ أهل اللُّغة أو صريحُه: أن النَّخلَ عَقار. وعندَ الفُقهاء: لا شفعةَ في النَّخل المُفردِ، وإنْ سُمِّي عَقَارًا عندَ أهل اللغة. ح ف.
(١) قوله: (كشَجَرٍ وبناءٍ مُفرد) كل منهما. مِثالٌ لما ليس بَعقار؛ بأن بيعَا مفرَدين عن الأرض، أو أحدُهما دونَ الأرض، أو بيعَ شِقصٌ منهما أو مِنْ أحدِهما دونَها. فعلى هذا لا شُفعة في البناء القائمِ على الأرض المُحتكَرة، وكذا لا شفعةَ في شقصٍ من حيوانٍ، وجوهَر، وسَفينةٍ، وزرعٍ، وثَمر، وكلِّ منقُولٍ؛ لأنه لا يبقى على الدَّوام، ولا يدومُ ضررُه، بخلافِ الأرض. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (تبعًا للأرض) إذا بيعا معَها. قال في «المغني»: بغير خلافٍ في المَذهب. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (ساعةَ يعلَمُ) بالبيع إن لم يكن عذر، وإلَّا بطَلت. فإن لم يعلَم بالبيع، فهو على شُفعته، ولو مَضَى سُنون. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (فإن أخَّر الطَّلبَ لغيرِ عُذرٍ) أما إذا كان لعُذر، كشدِّة جوع، أو عَطشٍ به، حتى يأكلَ ويشربَ، أو أخَّره للحَدثِ لطهارةٍ، أو حاقِنٌ، أو
стр. 1159
سَقَطَتْ (١).
والجَهْلُ بالحُكمِ: عُذْرٌ (٢).
حَاقِبٌ ليَقضِي حاجتَه، أو مؤذِّنٌ ليؤذِّنَ أو يُقيمَ الصَّلاة، أو لصلاةِ جَماعةٍ يخاف فَوتَها، أو أخَّر من عَلِمَ ليلًا حتَّى يُصبح، معَ غيبةِ مشترٍ في جميعِ هذه الصُّور؛ لأنه مع حضوره يمكنُه مطالبتُه بلا اشتغال عن أشغاله. ع ب [¬١].
(١) قوله: (سَقَطَت) أي: بطَلَت؛ لقوله ﷺ : «الشفعةُ لمن واثبَها» [¬٢]. أي: بادَر إليها، وسارعَ في طَلبِها. وفي رواية: «الشفعةُ كَحَلِّ العِقَال» [¬٣]. وفي لفظ: «الشفعةُ كنَشْطِ العِقَال، إن قُيدِت، ثبَتَت، وإن تُرِكَت، فاللَّوم على من تركها» [¬٤]. م ص [¬٥].
(٢) قوله: (والجَهلُ بالحُكمِ عُذرٌ) أي: بأن أخَّر الطَّلب جَهلًا بأنَّ التَّأخِيرَ مُسقِطٌ للشُّفعَة، ومثلُه يجهلُه، لم تسقُط؛ لأن الجَهل مما يُعذر به، أشبَه ما لو تركَها لعدَم علمه بها، بخلافِ ما لو تركَها جهلًا باستحقاقهم لها، أو نِسيانًا للطَّلب [¬٦] أو للبيع. فإن لم يكن مثلُه يجهلُه، سقَطَت شفعتُه. م ص [¬٧].
стр. 1160
الرَّابِعُ: أخذُ جَمِيعِ المَبيعِ (١). فإن طَلَبَ أَخْذَ البَعضِ (٢) مَعَ بَقَاءِ الكُلِّ (٣): سَقَطَت (٤). والشُّفعَةُ بَينَ الشُّفَعَاءِ: علَى قَدْرِ أملاكِهم (٥).
الخامِسُ: سَبْقُ مِلْكِ الشَّفِيعِ لِرَقَبَةِ العَقَارِ (٦). فلا شُفعَةَ (٧):
(١) قوله: (أخذُ جميعِ) الشقص (المَبيعِ) دفعًا لضَررِ المُشتري بتبَعيضِ الصَّفقَةِ في حقِّه؛ بأخذ بعضِ المبيع، مع أن الشُّفعة على خلافِ الأصل؛ دفعًا لضررِ الشَّركة. فإذا أخَذَ البَعضَ، لم يندَفِع الضَّرر. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (فإن طَلبَ) الشفيعُ (أخذَ البَعضِ) أي: بعضِ المَبيع.
(٣) قوله: (معَ بقاءِ الكُلِّ) أي: كلِّ المَبيع.
(٤) قوله: (سَقَطَت) شفعتُه.
(٥) قوله: (والشُّفعةُ بينَ الشُّفعَاءِ على قَدرِ أملاكِهم) فيما مِنه الشِّقصُ المَبيع؛ لأنها حقٌّ يُستفادُ بسببِ المِلك، فكانت قدرَ الأملاك، كالغَلَّة. فدارٌ بينَ ثلاثَةٍ: لواحدٍ نِصفٌ، وللآخَرِ ثُلُثٌ، ولآخَرَ سُدُسٌ، فباعَ صاحبُ الثُّلثِ نصيبَه، فأصلُ المسألةِ من ستة، مَخرجِ الكُسورِ، والثُّلثُ يقسَمُ بين صاحبِ النصف والسدس على أربعة، بسْطُ النِّصفِ ثلاثة، وبسطُ السدس واحِد، فلصاحبِ النصف ثلاثةُ أرباعِها، ولرب السدس ربُعها. ع ب بإيضاح [¬٢].
(٦) قوله: (سَبقُ مِلكِ الشَّفيعِ لرَقبةِ العَقَارِ) أي: لجزءٍ من رَقَبةِ ما مِنُه الشِّقصُ المبيعُ. الوالد.
(٧) قوله: (فلا شُفعَةَ) مفرع على «سبق الملك»