← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30066

فتح وهاب المآرب على دليل الطالب - ت الجماز

ابن عوض

Полный текст (2 241 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وتَثبُتُ للشَّريكِ فيما انتقَلَ عنهُ مِلْكُ شَريكِه (١)، بشُرُوطٍ خَمسَةٍ (٢): أحَدُها: كَونُهُ (٣) مَبِيعًا (٤). فلا شُفعَةَ: فِيمَا (٥) انتَقَلَ مِلكُهُ عَنهُ بِغَيرِ بَيعٍ (٦). الدارقطني [¬١]. قال المصنف في «غايته» [¬٢]: ويتجه ثبوتها لمجوسي على كتابي. والكفرُ هُنا ملةٌ. (١) قوله: (فيما انتقل عنه مِلكُ شَريكِه) من أرضٍ تُقسم إجبارًا، بيعت، أي: بيعَ شقصٌ منها بثمنه الذي استقرَّ عليه العقد. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (بشروطٍ خَمسةٍ) متعلق بقوله: «وتثبت للشريك». (٣) قوله: (كونه) أي: الشِّقصِ المُنتقلِ عن الشَّريك. (٤) قوله: (مبيعًا) صَريحًا، أو في معناه، كصُلحٍ عن إقرارٍ بمال، أو عن جنَايةٍ توجِبه، وهبةٍ بعوضٍ معلوم؛ لأنه بيع في الحقيقَةِ؛ لأن الشفيعَ يأخذُ بمثل عِوضِه الذي انتقلَ إليه به، ولا يُمكن هذا في غير المَبيع. ع ب [¬٣] [¬٤]. (٥) قوله: (فلا شُفعَة فيما) أي: في شقصٍ. مفرَّع على الشرط الأول. (٦) قوله: (انتقلَ مِلكُه عنه بغيرِ بيع) بأن انتقل نصيبُ الشريك بغيرِ عِوض، كالإرثِ والهبة، ولا فيما عوضُه غيرُ مالٍ، كصداق، وعِوضِ خُلع، وصُلحٍ عن قَوَدٍ. ولا شفعةَ أيضًا فيما أخذَه المنتقِلُ إليه أجرةً، أو جَعالةً، أو ثَمنًا في سَلَمٍ، إن

стр. 1157

الثَّانِي: كَونُهُ (١) مُشَاعًا (٢) مِنْ عَقَارٍ (٣). فلا شُفعَةَ: للجَارِ (٤)، ولا: فِيمَا لَيسَ بعَقَارٍ (٥)، صحَّ جعلُ العَقارِ رأسَ مالِ السَّلم، أو عوضًا في كتابة؛ لأنه لا يُمكن الأخذُ بقيمة الشقص؛ لأنها ليست بعوضِه؛ لأن الخبر إنما وردَ في البيع، وليست هذه في معناه. ع ب [¬١]. (١) قوله: (الثاني: كونه) أي: الشقصِ المَبيعِ. (٢) قوله: (مشاعًا) أي: غيرَ مفروز. (٣) قوله: (من عَقَارٍ) بفتح العين، ينقسِمُ إجبارًا. (٤) قوله: (فلا شُفعةَ للجار) مفرع على قوله: «مشاعًا» في مقسوم محدود. ولو رَفَعَ مشترٍ دارًا لا يَرى شُفعةَ الجِوار كحنبليٍّ إلى حاكمٍ يراها، وهو الحنفي، فادُّعي على الجار عندَه، فأنكر أن تكونَ الشُّفعةُ للجار، فقال الإمام أحمد: لا يحلِف على ذلك. قال القاضي: لأن يمينه على القَطع، ومسائلُ الاجتهاد ظَنيَّة، فلا يُقطَع ببُطلان مذهب المُخالف. وحمَلَ الموفَّق قولَ الإمام أحمد: لا يعجبني أن يحلف. على أمرٍ يُختَلفُ فيه: على الوَرع، لا على التحريم. ومعنى القطع: أن يحلِف أن لا شفعة له عندي، لا على نَفي العِلم. ولو حكم حَنفيٌّ لشافعيٍّ بشُفعة الجِوار، فله الأخذُ عند ابن عقيل. ومنَعه القاضي. ح ف. (٥) قوله: (ولا فِيما ليسَ بعَقَار) أي: ولا شفعةَ فيما ليس بعَقَار بفتح العين المراد به: الأرض، كما في «المغني»؛ لأنها التي تَبقَى، ويدومُ ضررُها. قال ابن

стр. 1158

كشَجَرٍ وبِنَاءٍ مُفْرَدٍ (١). ويُؤخَذُ الغِرَاسُ والبِنَاءُ تَبَعًا للأَرضِ (٢). الثَّالِثُ: طَلَبُ الشُّفْعَةِ سَاعَةَ يَعْلَمُ (٣). فإن أخَّرَ الطَّلَبَ لِغَيرِ عُذْرٍ (٤): قندس: ظاهرُ كلامِ أئمةِ المَذهب أو صريحُه: أن العَقَار هو الأرض فقط، وأن الغِراسَ والبِناءَ ليس بعَقَار؛ لقولهم: إن الغِراسَ والبناء لا شُفعَة فيه إلَّا إذا كان تَبعًا. وظاهرُ كلامِ أهل اللُّغة أو صريحُه: أن النَّخلَ عَقار. وعندَ الفُقهاء: لا شفعةَ في النَّخل المُفردِ، وإنْ سُمِّي عَقَارًا عندَ أهل اللغة. ح ف. (١) قوله: (كشَجَرٍ وبناءٍ مُفرد) كل منهما. مِثالٌ لما ليس بَعقار؛ بأن بيعَا مفرَدين عن الأرض، أو أحدُهما دونَ الأرض، أو بيعَ شِقصٌ منهما أو مِنْ أحدِهما دونَها. فعلى هذا لا شُفعة في البناء القائمِ على الأرض المُحتكَرة، وكذا لا شفعةَ في شقصٍ من حيوانٍ، وجوهَر، وسَفينةٍ، وزرعٍ، وثَمر، وكلِّ منقُولٍ؛ لأنه لا يبقى على الدَّوام، ولا يدومُ ضررُه، بخلافِ الأرض. ح ف وزيادة. (٢) قوله: (تبعًا للأرض) إذا بيعا معَها. قال في «المغني»: بغير خلافٍ في المَذهب. ع ب [¬١]. (٣) قوله: (ساعةَ يعلَمُ) بالبيع إن لم يكن عذر، وإلَّا بطَلت. فإن لم يعلَم بالبيع، فهو على شُفعته، ولو مَضَى سُنون. ع ب [¬٢]. (٤) قوله: (فإن أخَّر الطَّلبَ لغيرِ عُذرٍ) أما إذا كان لعُذر، كشدِّة جوع، أو عَطشٍ به، حتى يأكلَ ويشربَ، أو أخَّره للحَدثِ لطهارةٍ، أو حاقِنٌ، أو

стр. 1159

سَقَطَتْ (١). والجَهْلُ بالحُكمِ: عُذْرٌ (٢). حَاقِبٌ ليَقضِي حاجتَه، أو مؤذِّنٌ ليؤذِّنَ أو يُقيمَ الصَّلاة، أو لصلاةِ جَماعةٍ يخاف فَوتَها، أو أخَّر من عَلِمَ ليلًا حتَّى يُصبح، معَ غيبةِ مشترٍ في جميعِ هذه الصُّور؛ لأنه مع حضوره يمكنُه مطالبتُه بلا اشتغال عن أشغاله. ع ب [¬١]. (١) قوله: (سَقَطَت) أي: بطَلَت؛ لقوله ﷺ : «الشفعةُ لمن واثبَها» [¬٢]. أي: بادَر إليها، وسارعَ في طَلبِها. وفي رواية: «الشفعةُ كَحَلِّ العِقَال» [¬٣]. وفي لفظ: «الشفعةُ كنَشْطِ العِقَال، إن قُيدِت، ثبَتَت، وإن تُرِكَت، فاللَّوم على من تركها» [¬٤]. م ص [¬٥]. (٢) قوله: (والجَهلُ بالحُكمِ عُذرٌ) أي: بأن أخَّر الطَّلب جَهلًا بأنَّ التَّأخِيرَ مُسقِطٌ للشُّفعَة، ومثلُه يجهلُه، لم تسقُط؛ لأن الجَهل مما يُعذر به، أشبَه ما لو تركَها لعدَم علمه بها، بخلافِ ما لو تركَها جهلًا باستحقاقهم لها، أو نِسيانًا للطَّلب [¬٦] أو للبيع. فإن لم يكن مثلُه يجهلُه، سقَطَت شفعتُه. م ص [¬٧].

стр. 1160

الرَّابِعُ: أخذُ جَمِيعِ المَبيعِ (١). فإن طَلَبَ أَخْذَ البَعضِ (٢) مَعَ بَقَاءِ الكُلِّ (٣): سَقَطَت (٤). والشُّفعَةُ بَينَ الشُّفَعَاءِ: علَى قَدْرِ أملاكِهم (٥). الخامِسُ: سَبْقُ مِلْكِ الشَّفِيعِ لِرَقَبَةِ العَقَارِ (٦). فلا شُفعَةَ (٧): (١) قوله: (أخذُ جميعِ) الشقص (المَبيعِ) دفعًا لضَررِ المُشتري بتبَعيضِ الصَّفقَةِ في حقِّه؛ بأخذ بعضِ المبيع، مع أن الشُّفعة على خلافِ الأصل؛ دفعًا لضررِ الشَّركة. فإذا أخَذَ البَعضَ، لم يندَفِع الضَّرر. ع ب [¬١]. (٢) قوله: (فإن طَلبَ) الشفيعُ (أخذَ البَعضِ) أي: بعضِ المَبيع. (٣) قوله: (معَ بقاءِ الكُلِّ) أي: كلِّ المَبيع. (٤) قوله: (سَقَطَت) شفعتُه. (٥) قوله: (والشُّفعةُ بينَ الشُّفعَاءِ على قَدرِ أملاكِهم) فيما مِنه الشِّقصُ المَبيع؛ لأنها حقٌّ يُستفادُ بسببِ المِلك، فكانت قدرَ الأملاك، كالغَلَّة. فدارٌ بينَ ثلاثَةٍ: لواحدٍ نِصفٌ، وللآخَرِ ثُلُثٌ، ولآخَرَ سُدُسٌ، فباعَ صاحبُ الثُّلثِ نصيبَه، فأصلُ المسألةِ من ستة، مَخرجِ الكُسورِ، والثُّلثُ يقسَمُ بين صاحبِ النصف والسدس على أربعة، بسْطُ النِّصفِ ثلاثة، وبسطُ السدس واحِد، فلصاحبِ النصف ثلاثةُ أرباعِها، ولرب السدس ربُعها. ع ب بإيضاح [¬٢]. (٦) قوله: (سَبقُ مِلكِ الشَّفيعِ لرَقبةِ العَقَارِ) أي: لجزءٍ من رَقَبةِ ما مِنُه الشِّقصُ المبيعُ. الوالد. (٧) قوله: (فلا شُفعَةَ) مفرع على «سبق الملك»

стр. 1161

لأَحَدِ اثنَينِ اشتَرَيَا عَقَارًا مَعًا (١). وتَصرُّفُ المُشتَرِي (٢) بَعدَ أخْذِ الشَّفِيعِ بالشُّفعَةِ: باطِلٌ (٣). وقَبلَهُ: صَحيحٌ (٤). (١) قوله: (لأحدِ اثنَين اشتَريا عَقَارًا معًا)، أي: صفقةً واحِدة، كأن اشتَرى اثنان من آخر نصفَ دارِه، فلا شُفعة لأحدِهما على الآخر؛ لأنه لا مزيةَ لأحدِهما على الآخر؛ لاستوائهما في البيع في زمن واحد. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (وتَصرُّفُ المُشتَرِي) مبتدأ، وهو مصدَر مضافٌ لفاعِله، في شِقصٍ مَشفُوعٍ. (٣) قوله: (باطل) خبر. أي: ويحرمُ تصرُّف مشترٍ بعدَه؛ لانتقال المِلكِ إلى الشفيع بالطلب في الأصح، أو الحجر عليه به لحقِّ الشفيع على مقابلِهِ، فإن نَهَى الشفيعُ المشتريَ عن التصرُّف ولم يطالبه بها، لم يصِر المُشتري ممنوعًا، بل تسقُط الشُّفعةُ على قولِنا بالفوريَّة، كما هو الصَّحيح. عثمان [¬١]. (٤) قوله: (وقبلَه صَحيحٌ) أي: وتصرُّف المُشتري قبلَ الطَّلب بالشُّفعة بوَقفٍ على معيِّن، أو هبةٍ، أو صَدقَةٍ، أو جعلِه عِوضًا في عِتقٍ، أو طَلاقٍ، أو خُلعٍ، أو صُلحٍ عن دم عَمدٍ، ونحوهِ مما لا شُفعة فيه ابتداءً، صحيحٌ، وتسقُط الشفعُة لما فيه [¬٢] من الإضرار بالموقُوف والموهُوبِ له ونحوِ ذلك؛ لأنه ملكُه بغيرِ عِوضٍ؛ لأنَّ الثمن إنما يأخذُه المُشتري، والضَّرر لا يُزال بالضَّرر. ع ب [¬٣].

стр. 1162

ويَلزَمُ الشَّفِيعَ (١): أن يَدفَعَ للمُشتَرِي الثَّمَنَ الذي وَقَعَ علَيهِ العَقدُ. فإنْ كانَ مِثلِيًّا (٢): فَمِثلُهُ، أو مُتَقَوَّمًا: فَقِيمَتُهُ (٣). فإن جُهِلَ الثَّمَنُ (٤)، ولا حِيلَةَ (٥): (١) قوله: (ويلزمُ الشَّفيعَ … إلخ) هذا مع استيفاءِ الشُّروط. (٢) قوله: (فإن كان مِثليًّا .. إلخ) هذا تفصيلٌ في الثَّمن، أي: فإن كان الثَّمنُ الذي وقَعَ عليه العقدُ مثليًا، كدراهمَ ودنانيرَ، وحُبوبٍ، وأدهانٍ من جنسه؛ لأنه مِثلُه مِنْ طريقِ الصُّورة والقِيمَة، فهو أولى به ممَّا سِواه، ولأن الواجِبَ بذلُ الثمن مكانَ مثلِه، كبذلِ قرضٍ ومُتلَفٍ. ع ب بإيضاح [¬١]. (٣) قوله: (أو مُتقوَّمًا فقيمتُه) من حيوانٍ أو ثياب ونحوِها؛ لأنها بدلُه في الإتلاف، وتُعتبرُ وقتَ الشراء؛ لأنه وقتُ استحقاق الأخذ، سواء زادت أو نقصت بعدُ، وإن كان ثمَّ خيار، اعتُبِرت عندَ لزومِه؛ لأنه وقتُ استحقاقِ الأخذ. ع ب [¬٢]. (٤) قوله: (فإن جُهِل الثمن) أي: قدرُه، كصُبرة تلِفت أو اختلَطت بما لا تتميَّز منه. ع ب [¬٣]. (٥) قوله: (ولا حِيلَةَ) في ذلك على إسقاطِ الشُّفعة. والحيلَةُ في إسقاط الشفعة: أن يُظهِرَ المتعاقِدان في البيعِ شيئًا لا يُؤخذ بالشُّفعة معه، ويَتَواطآ في البيع على خلافِه، كإظهار التواهُب، أو زيادةِ الثمن، أو نحوه، فيحرُم الاحتيال

стр. 1163

سَقَطَت الشُّفعَةُ (١). وكَذَا: إن عَجَزَ الشَّفِيعُ (٢)، ولو عن بَعضِ الثَّمَنِ (٣)، وانتُظِرَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ (٤) على إسقاطِها، ولا تسقُط بالاحتيال على إسقاطِها؛ لأن الشفعة إنما شُرعت لدفع الضرر، فلو سقَطَت بالاحتيال؛ للَحِقَ الضَّرر. «فائدة»: لا شفعةَ بشركَة وقفٍ؛ لأنه لا يؤخذُ بالشُّفعة، فلا تجب به، ولأنَّ مُستَحِقَّه غَيرُ تامِّ المِلكِ، لكن لو حكَم حاكمٌ بثبوت الشُّفعة فيه، لا يُنقض حكمُه، كالوقف على النَّفس، وإجارة المُشاع؛ لعدم مُخالفتِه لنصِّ إمامه، بخلاف ما لو حَكَم بعدَم وقوعِ الثَّلاث المجموعَةِ؛ لمخالفته لنص إمامه. هذا معنى ما أفتَى به صاحبُ «المنتهى»، قال: وسواء كان حاكِمُه يصلُح للقَضاء أو لا يصلُح، على ما اختاره الموفَّق، والشيخُ تقي الدين، وجماعة. قال في «الإنصاف» عن هذا القول: وهو الصواب، وعليه عملُ الناس من مُدَدٍ، ولا يَسعُ الناسَ غيُره، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك. عثمان [¬١]. (١) قوله: (سقَطَت الشُّفعَةُ) لأنها لا تُستحقُّ بغير بدَلٍ، ولا يُمكِن أن يُدفَع إليه ما لا يدَّعيه، وكما لو عُلِمَ قدرُ الثَّمن عندَ الشراء، ثم نُسي. (٢) قوله: (وكذا إن عَجَزَ الشَّفيعُ) أي: وكذا تسقُط الشُّفعةُ إن عَجَزَ الشَّفيعُ عن ثمن شِقصِ مشفُوعٍ. ع ب [¬٢]. (٣) قوله: (ولو عن بعضِ الثَّمَنِ) أي: ولو كان عجُزه عن بعضِ … إلخ. (٤) قوله: (وانتُظِرَ ثلاثةَ أيامٍ) من حين أَخْذِه بالشُّفعة حتى يتبيَّن عجزُه، نصًّا.

стр. 1164

ولَم يأَتِ بهِ (١). ولأنه قد يكون معه نقدٌ، فيُمهل بقدرِ ما يُعِدُّه فيه، والثلاثة يمكن الإعدادُ فيها غالبًا. ع ب [¬١]. (١) قوله: (ولم يأتِ به) سقَطَت الشُّفعةُ. فلو أتى الشفيعُ برهنٍ، أو ضَمينٍ، لم يلزم المشتري قبولُهما، ولو كان الرَّهنُ مُحرَزًا، والضمينُ مَليئًا؛ لما على المشتري من الضرر بتأخيرِ الثمن، والشفعةُ شُرعت لدفع الضرر، فلا تثبتُ معه، أو بذَلَ الشفيعُ عوضًا عن الثمن؛ بأن كان نقدًا فدفَعَ عنه عَرْضًا، لم يلزم المشتري قبولُه. والأخذُ بالشفعة نوعُ بيعٍ، لكن لا خِيارَ فيه، أي: في الأخذِ بالشفعة؛ لأنه قهريٌّ. ع ب [¬٢].

стр. 1165

بابُ الوَدِيعَةِ يُشتَرَطُ لِصِحَّتِها: كَونُهَا مِنْ جائزِ التَّصرُّفِ لِمِثلِهِ (١). بابُ الودِيعَةِ وهي فَعيلَةٌ، من وَدَعَ الشيءَ، إذا تركَه عندَ المودَع، وتُطلَق على العينِ والعَقدِ. قال الأزهري: سُمِّيت وديعةً بالهاء؛ لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة. والإيداعُ: توكيلٌ في الحِفظ، فتصِحُّ بكلِّ قول دالٍّ على إيداعٍ شَرعًا. وأجمَعوا على جواز الإيداع؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]. وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنَك، ولا تَخُن من خانَك». رواه أبو داود، والترمذي وحسنه [¬١]؛ ولحاجة الناس إليها. وشرعًا: المال المدفوع إلى من يحفَظه بلا عِوض. ويُستحبُّ قبولُها لمن عَلِمَ أنه ثقةٌ قادرٌ على حِفظِها، ويُكره لغيرِه، أي: لمن لم يعلَم من نفسِه ذلك، إلا بِرضا ربِّها. قال م ص [¬٢]: قلت: ولعلَّ المُراد بعدَ إعِلامِه بذلك إن كان لا يعلمُه؛ لئلا يغرَّه. انتهى. ويَكِفي القبضُ قَبولًا. (١) قوله: (من جائزِ التَّصرُّف لمثله) وهو البالِغُ العاقِلُ الرشيدُ. ويُعتبر لها ما يُعتبر في وكالَةٍ مِنْ البلوغ لكلٍّ منهما، والعقل والرُّشدِ، وتعيينِ وَديعٍ، والأرَكانِ.

стр. 1166

فلو أودَعَ (١) مالَهُ لِصَغِيرٍ (٢)، أو مَجنُونٍ، أو سَفيهٍ، فأتلَفَهُ: فَلا ضَمَانَ (٣). وإن أودَعَهُ أحَدُهُم (٤): صارَ ضامِنًا (٥)، ولَم يَبْرَأْ إلَّا بِرَدِّهِ لِوَلِيِّهِ (٦). ويَلزَمُ المُودَعَ: حِفْظُ الوَدِيعَةِ في حِرْزِ مِثْلِهَا (٧)، فأركانُها: المودِع، والمودَع، والوديَعة. فتبطلُ بما تبطل به الوكالة، إلا إذا عزلَه ولم يعلم بعَزلِه. وإن عزلَ نفسَه، فهي أمانةٌ بيدِه، كثوب أطارتْهُ الريحُ إلى دارِه، يَجبُ ردُّه إلى مالكه. عثمان [¬١]. (١) قوله: (فلو أودَعَ) جائزُ التصرف. مفرَّع على «جائز التصرف لمثله». (٢) قوله: (مالَه لصَغيرٍ) وديعةً. (٣) قوله: (فلا ضَمان) بتلَفِه في يدِ قابِضه، ولو بتفريطٍ؛ لتفريطِ مالِكه بدفعِه إلى أحدِ هؤلاء. انتهى. الوالد. (٤) قوله: (وإن أودَعَهُ أحدُهُم) أي: الصغير وما عطف عليه. (٥) قوله: (صارَ ضامِنًا) للوديعة. (٦) قوله: (ولم يبرأْ إلا بردِّه لوليِّه) في مالِه، كدينِه الذي هو عليه، ويضمنُها قابضُها من الصغير إن تلِفَت؛ لتَعدِّيه بأخذِها، ما لم يكن الصَّغيرُ مأذونًا له في الإيداع، أو يخَف قابضُها من الصَّغير هلاكَها معه إن تركَها، كضائعٍ في مَهلَكةٍ، فلا ضَمانَ عليه بأخذِه؛ لقصدِه به التَّخليص من الهلاك، فالحظ فيه لمالكه. ع ب [¬٢]. (٧) قوله: (في حِرزِ مِثِلها) عُرفًا، كما يحفَظُ مالَه.

стр. 1167

بِنَفسِهِ، أو بِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، كزَوجَتِهِ وعَبْدِهِ (١). وإن دَفَعَها- لعُذرٍ (٢) - إلى أَجنَبِيٍّ (٣): لم يَضْمَن (٤). وإنْ نهَاهُ مالِكُها عن إخرَاجِهَا (٥) مِنْ الحِرْزِ (٦)، فأخرَجَها (٧)؛ لِطَرَيَانِ (٨) شَيءٍ الغَالِبُ مِنهُ الهَلاكُ (٩): لَم يَضمَن (١٠). (١) قوله: (كزوجَتِه وعَبدِه) وخازِنه. مثالٌ لمن يقومُ مقامَه. (٢) قوله: (وإن دفَعَها لعُذرٍ) أي: وإن دفعَ الوديعُ الوديعةَ لعُذرٍ، كمَن حضَره المَوتُ، أو أرادَ سَفرًا، وليس أحفظ لها. (٣) قوله: (إلى أجنبي) ثقة، أو حاكمٍ كذلِكَ. (٤) قوله: (لم يضمَن) إن تلِفَت، أو ضاعت؛ لأنه لم يُقصِّر ولم يفرِّط. وإن لم يكن له عذرٌ حينَ دفعها إلى الأجنبي، ضمِنَ لتعدِّيه؛ لأنه ليس له أن يودِع بلا عُذرٍ. ع ب وزيادة [¬١]. (٥) قوله: (عن إخراجِهَا) من مكانٍ عَيَّنه لحفظِها. (٦) قوله: (من الحِرزِ) أي: في كلِّ مالٍ بحَسَبِه. (٧) قوله: (فأخرجَها) وَديعٌ منه. (٨) قوله: (لطَرَيَانِ) أي: وجُودِ. (٩) قوله: (شيءٍ الغَالِبُ منهُ الهلاكُ) كحَريقٍ ونَهبٍ، فتَلِفَت. (١٠) قوله: (لم يضمَن) جوابُ الشرط، ما تلِفَ بنقلِها إن وضعَها في حِرزِ مثلِها أو فَوقَه. فإن تعذَّر عليه مثلُ حِرزِها الأوَّل أو فوقَه، فأحرزَها في دُونِه في الحفظ، فتَلِفَت، لم يضمَن. انتهى. الوالد.

стр. 1168

وإن تَرَكَها ولَم يُخرِجْها (١)، أو أخْرَجَهَا (٢) لِغَيرِ خَوْفٍ (٣): ضَمِنَ (٤). فإن قَالَ لَهُ: لا تُخْرِجْهَا ولَو خِفْتَ علَيهَا. فحَصَلَ خَوفٌ وأخرَجَها (٥)، أو لا (٦): لَم يَضْمَن (٧). (١) قوله: (وإن تركَها ولم يُخرِجْها) إذَنْ بمكانِها مع طَرَيانِ ما الغَالبُ معه الهَلاكُ. هذا محتَرزُ قولِه: «فأخرجها لطريان … إلخ» فتلِفَت، ضَمِنَ؛ لتفريطِه، ويَحرُمُ. الوالد. (٢) قوله: (أو أخرجَهَا) من حِرزٍ نهاهُ مالِكُها عن إخراجِها منه. (٣) قوله: (لغير خَوفٍ) فتلِفَت بالأمر المَخوفِ، أو غيره. (٤) قوله: (ضَمِنَ) سواءٌ أخرجَها إلى مثله، أو أحرزَ منه؛ لمخالَفةِ ربِّها بلا حاجة. ع ب [¬١]. (٥) قوله: (فحصل خوفٌ وأخرجَها) خوفًا عليها. (٦) قوله: (أوْ لَا) أي: أو لم يُخرِجْها مع الخَوف، فتلِفَت مع إخراجِها، أو تركِه. ع ب [¬٢]. (٧) قوله: (لم يضمَن) جوابُ الشرط؛ لأنه إن تركَها، فهو ممتثلٌ أمرَ صاحِبها؛ لنهيه عن إخراجِها مع الخَوف، كما لو أَمَر بإتلافِها. وإن أخرَجَها، فقد زادَه خَيرًا وحِفظًا، كما لو قال له: أتلِفها، فلم يُتلِفها حتَّى تَلِفَت. والحكمُ في إخراجِها من الخَريطَةِ، أو الصُّندُوقِ كالحُكمِ في إخراجِها من البيتِ فيمَا تقدَّم تفصيلُه. ش ع [¬٣].

стр. 1169

وإن ألقَاهَا (١) عِنْدَ هُجُومِ ناهِبٍ ونَحوِهِ (٢)؛ إخفَاءً لَهَا (٣): لم يَضمَن (٤). وإن لم يَعلِفِ البَهيمَةَ (٥) حَتَّى ماتَت (٦): ضمِنَها (٧). (١) قوله: (وإن ألقَاهَا) وديعٌ. (٢) قوله: (ونحوُه) كقاطِع طريقٍ. (٣) قوله: (إخفاءً لها) أي: ولم يُخرجْها مع الخَوف. (٤) قوله: (لم يضمن) لأنه عادةُ النَّاس في حِفظ أموالِهم، فهو أحرزُ لها. وظاهِره: ولو ألقَاها وحدَها من بين مالِه. وهل إذا لم يُلقِها، فأُخِذَت، يضمَنْ أوْ لَا؟ عثمان [¬١]. (٥) قوله: (وإن لم يَعلِفِ) وديعٌ (البهيمةَ) أو يَسقِها. (٦) قوله: (حتى ماتَت) جُوعًا، أو عَطشًا. (٧) قوله: (ضمِنَها) لأنَّ علَفَها وسَقيَها من كَمالِ الحِفظِ الذي التزمَه بالاستيدَاع، بل هو الحفظُ بعينِه؛ إذ الحيوانُ لا يبَقى عادةً بدونِهما، ويَلزَمانِه. وإن نهاهُ مالكٌ عن عَلفِها وسَقيِها، لم يضمَن، لكن يأثم؛ لحُرمة الحَيوان. عثمان [¬٢].

стр. 1170

فَصْلٌ وإن أرادَ المُودَعُ السَّفَرَ: رَدَّ الوَدِيعَةَ إلى مالِكِها (١)، أو إلَى مَنْ يَحفَظُ مالَهُ عادَةً (٢). فإنْ تَعَذَّرَ (٣)، ولم يَخَفْ علَيهَا مَعَهُ في السَّفَرِ (٤): سافرَ بها (٥)، فَصْلٌ (١) قوله: (ردَّ الوديعَةَ إلى مالِكِها) أو لم يُرِدْ سَفرًا، بل خافَ عليها عندَه من نَهبٍ، أو غَرقٍ، ونحوِهما، ردَّها إلى مالِكها. ع ب [¬١]. (٢) قوله: (أو إلَى من يَحفَظُ مالَه عادَةً) أي: أو رَدَّ الوديَعَةَ إلى من يحفَظ مالَ مالِكِها عادةً، كزوجَتهِ، وعبدِه، أو إلى وكيلِه في قَبضِها، إن كانَ. ع ب [¬٢]. (٣) قوله: (فإن تعذَّر) الردُّ؛ بأن لم يجِد مالِكَها، ولا وكيلَه، ولا مَنْ يحفظ مالَه عادةً. انتهى. الوالد. (٤) قوله: (ولم يَخَفْ عليهَا معهُ في السَّفر) بأن كان السَّفرُ أحفظَ لها، ولم ينَههُ ربُّها عن السَّفر بها. ع ب [¬٣]. (٥) قوله: (سافرَ بها) أي: بالوديعَةِ.

стр. 1171

ولا ضَمَان (١). فإن خَافَ عَلَيهَا (٢): دفعَها إلى الحَاكِمِ (٣). فإن تعذَّرَ: فَلِثِقَةٍ (٤). ولا يَضْمَنُ: مُسافِرٌ أُودِعَ (٥) (١) قوله: (ولا ضَمَان) على المُستَودَع إذا سافر بها مع كونِه أحفظَ، ولم ينهَهُ. ع ب [¬١] (٢) قوله: (فإن خافَ عليها) أي: خافَ المستودَعُ على الوديَعة إذا سَافَر بها، ولم يجِدْ المستودَعُ مالكَها، ولا مَنْ يحفظُ مالَه عادةً، ولا وكيلَه في قَبضِها. (٣) قوله: (دفعَها إلى الحَاكِم) أي: دفعَها المُستودَعُ إلى الحَاكم المأمُون؛ لأنَّ في السفر بها غَررًا؛ لأنه عُرضَةٌ للنَّهبِ وغَيرِه، ولأن الحاكِم يقومُ مقامَ صاحِبها عندَ غيبته. فإن أودعَها مع قُدرتِه على الحَاكِم، ضَمِنَها؛ لأنه لا ولايةَ له. (فإن تعذَّر) حاكِمٌ أهل. عثمان [¬٢]. (٤) قوله: (فَلِثِقَةٍ) لفعله ﵇ لمَّا أرادَ أن يُهاجرَ أودَع الودَائِعَ التي كانت عندَه لأُمِّ أَيمَنَ رضي اللَّه تعالى عنها، وأمَرَ عليًّا ﵁ أن يردَّها إلى أهلِها [¬٣]. ع ب [¬٤]. (٥) قوله: (ولا يضمنُ مسافِرٌ أُودِعَ) وديعَةً في سَفرِه.

стр. 1172

فَسَافَرَ بها (١)، فتَلِفَت بالسَّفَرِ (٢). وإنْ تعَدَّى المُودَعُ (٣) في الوَدِيعَةِ؛ بأنْ رَكِبَها (٤) لا لِسَقيِهَا (٥). أو: لَبِسَهَا (٦) لا لِخَوفٍ مِنْ عُثٍّ (٧). أو: أخرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنِفقَها، أو لِيَنظُرَ إليهَا، ثُمَّ رَدَّهَا (٨). أو: حَلَّ كِيسَها فَقَط (٩): حَرُمَ عليه، وصَارَ (١) قوله: (فسافَر بها) أي: سارَ بها في سَفرِه ودَامَ. (٢) قوله: (فتَلِفَت بالسَّفر) لأن إيدَاعه في هذِه الحالِ، يقتَضِي الإذنَ في السَّفرِ بها. (٣) قوله: (وإن تعدَّى المُودَعُ) كأَنْ كانَت دابَّةً. (٤) قوله: (بأن رَكِبَها) تصويرٌ للتَّعدِّي. (٥) قوله: (لا لِسَقيِهَا) أو علفِها، وله الاستَعانَةُ بالأجانِب في ذلِك، وفي الحَمْلِ والنَّقلِ. (٦) قوله: (أو لَبِسَها) أي: الوديعَةَ، إن كانَت ممَّا يُلبَس. (٧) قوله: (لا لِخَوفٍ من عُثٍّ) بضم العين المُهمَلَة، جمعُ عُثَّةٍ: سُوسَةٌ تلحَسُ الصُّوفَ. وعُلِمَ منه: أنه إذا لَبِسَها خَوفًا عليها من نحوِ العُّثِّ، لا ضَمان. قال حفيد «المنتهى»: والظاهر أن محلَّه إذا استعملَ ذلك بقدرِ الحاجة، وإلَّا ضَمِنَ؛ لأنه استعمالٌ للوديعةِ من غَير حَاجةٍ، فكان تَعدِّيًا. انتهى. (٨) قوله: (أو أخرَجَ الدَّراهِمَ) أو الدَّنانيرَ المودَعةَ عندَه (ليُنِفقَها، أو لينظُرَ إليها، ثمَّ ردَّها) إلى وعَائِها، ولو بنيَّة الأمانةِ، وكذلِك إن لم يردَّها؛ من باب أولى. ح ف. (٩) قوله: (أو حَلَّ كيسَها فقط) بلا إخراجٍ، ضمِنَها؛ لهتكِه [¬١] الحِرزَ بتعدِّيه. أو

стр. 1173

ضامِنًا (١)، وَوَجَبَ علَيهِ رَدُّها (٢) فَوْرًا (٣). ولا تَعُودُ أمانَةً (٤): بِغَيرِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ (٥). وصَحَّ: كُلَّما خُنْتَ، ثُمَّ عُدْتَ إلى الأمانَةِ، فأَنتَ أمِينٌ (٦). كسَرَ ختْمَها، أو كانت مشدُودَةً فحلَّ الوديعُ الشَّدَّ، أو كانَت مَصرُورةً في خِرقَةٍ ففتَح الوديعُ الصُّرة. ع ب [¬١]. (١) قوله: (وصارَ ضامِنًا) لما فيه من هَتكِ الحِرزِ. (٢) قوله: (ووجَبَ عليه ردُّها) أي: الوديعة؛ حيثُ بطَلَت. (٣) قوله: (فورًا) لأنها أمانةٌ محضَةٌ، وقد زالَت بالتَّعدِّي. ع ب [¬٢]. (٤) قوله: (ولا تعودُ) الوديَعةُ (أمانةً). (٥) قوله: (بغير عقد مُتجدِّد) لبُطلانِ الائتمَانِ بالعُدوانِ. (٦) قوله: (وصحَّ) قولُ مالكٍ لمُودَعٍ. (كلما خُنتَ … إلخ) لصحةِ تعليقِ الإيدَاعِ على الشَّرطِ، كالوَكالَةِ.

стр. 1174

فَصْلٌ والمُودَعُ: أَمِينٌ (١). لا يضمَنُ: إلَّا إنْ تَعَدَّى، أو فَرَّطَ، أو خَانَ (٢). ويُقبَلُ: قَولُهُ (٣) بِيَمِينِهِ في عَدَمِ ذلِكَ (٤)، وفي أنَّها تَلِفَت (٥)، فَصْلٌ (١) قوله: (والمودَعُ أمينٌ)؛ لأن اللَّه تعالى سمَّاها أمانةً بقولِه تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النِّساء: ٥٨]. أي: الودائِعَ. وحينئذٍ يُصَدَّقُ بيمينه في ردِّ الودَيعة إلى مالِكها، أو من يحفظ مالَه، أو غيرِه، بإذنه؛ بأن قال: دفعتُها لفُلانٍ بإذنِك. فأنكرَ مالِكُها الإذنَ أو الدَّفعَ، فقولُ وديعٍ، لا إنْ ادَّعى ردَّها لحاكِمٍ، أو ورَثَةِ مالِكٍ، فلا يُقبلُ قولُه إلا ببيِّنة؛ لأنهم لم يأتمِنُوه. عثمان [¬١] وزيادة. (٢) قوله: (أو خَانَ) في الوديعَةِ. (٣) قوله: (ويُقبَلُ قولُه) أي: قولُ المُودَعِ. (٤) قوله: (في عَدَم ذلك) أي: التعدِّي والتفريطِ والخِيانَة؛ لأنه أمينٌ، والأصلُ براءتُه. انتهى. الوالد. (٥) قوله: (وفي أنَّها تَلِفَت) أي: ويقبلُ قولُه بيمينِه في أنَّها تلِفَت؛ لأنه أمينٌ. لكن إن ادَّعى التَّلف بظاهِر، كُلِّف به بينة، ثم قُبِلَ قولُه في التَّلفِ بسببٍ ظَاهِرٍ، كحريقٍ ونَهبٍ. قال في «الإقناع»: ويَكفي في ثُبوتِه أي: السببِ

стр. 1175

أو: أنَّكَ أَذِنْتَ لِي في دَفْعِها لفُلانٍ، وفَعَلْتُ (١). وإن ادَّعَى الرَّدَّ بَعدَ مَطْلِهِ (٢) بِلا عُذْرٍ (٣)، الظَّاهرِ الاستفاضَةُ. قال م ص في «شرحه» عليه: فعلى هذا: إذا عَلِمَه القَاضِي بالاستفاضَة، قُبلَ قَولُ الوديعِ بيمينِه، ولم يكلَّف بينة تشهدُ بالسَّبب، ولا يكونُ من القَضاءِ بالعِلْمِ، كما ذكره ابن القيم في «الطرق الحكمية» في الاستفاضَة، لا في خُصوصِ هذه. انتهى. عثمان [¬١]. (١) قوله: (أو: أنَّك أذِنتَ لي في دَفْعِها لفُلانٍ، وفَعلتُ) عطف على قوله: «في عَدمِ ذلِك» أي: ويُقبلُ قولُه بيمينه في: أنك أذِنتَ لي في دَفْعِها لفلانٍ، وفعلتُ. أي: دفعتُها له، مع إنكار مالِكِها الإذنَ، نصًّا. لأنه ادَّعى دفعًا يبرأُ به من ردِّ الوديعَةِ، أشبهَ ما لو ادَّعى الردَّ إلى مالِكها. ولا يلزمُ المُدَّعى عليه للمالِك غيرُ اليمين، ما لم يُقرَّ بالقَبض. وكذا إن اعتَرفَ المالِكُ بالإذن في الدَّفع له، وأنكَر أن يكونَ دَفَعَ له إن كان المدفوعُ إليه ودِيعًا، وإن كان دائنًا، فقد تقدَّم في الضَّمان ما فيه. وذكر الأزجيُّ: إن ردَّ إلى رَسولِ مُوَكِّلٍ، ومُودِعٍ، فأنكر الموكِّلُ، ضَمِنَ؛ لتعلُّق الدَّفع بثالِثٍ، ويحتمل: لا. ع ب بإيضاح [¬٢]. (٢) قوله: (وإن ادَّعى الردَّ بعدَ مَطلِه) أي: وإن ادَّعى المُودَعُ الردَّ بعدَ تأخيرِ دفعِها إلى مستحقه. (٣) قوله: (بلا عُذرٍ) في تأخيرٍ.

стр. 1176

أو: ادَّعَى وَرَثَتُهُ (١) الرَّدَّ (٢): لم يُقبَل إلَّا بِبَيِّنَةٍ (٣). وكَذَا: كُلُّ أمِينٍ (٤). وحَيثُ أخَّرَ رَدَّها بَعدَ طَلَبٍ، بِلا عُذْرٍ (٥)، ولَم يَكُنْ لِحَملِها مُؤْنَةٌ (٦): ضَمِنَ (٧). وإنْ أُكِرهَ علَى دَفعِها لِغَيرِ رَبِّها: لم يَضمَن (٨). (١) قوله: (أو ادَّعى ورَثتُه) أي: ورثةُ مودَع. (٢) قوله: (الردَّ) منهم، أو من مورثهم. (٣) قوله: (لم يُقبل إلَّا ببيِّنةٍ) لأنهم غيرُ مؤتَمنين عليها من قِبَلِ مالِكِها. (٤) قوله: (وكذا كلُّ أمينٍ) أي: من يُقبل قولُه بيمينِه إذا ادَّعى ورثتُه الردَّ، لم يُقبل قولُهم إلا ببيِّنة؛ لأنهم غيرُ مؤتَمنين على ذلك من قِبلِ مالِكِها. (٥) قوله: (وحَيثُ أخَّر ردَّها بعدَ طَلَبٍ بلا عُذرٍ) في تأخيرٍ، من نحو أكلٍ، ونومٍ، وهضم طعامٍ، وصلاةٍ، وطهارةٍ، ومَطرٍ كثيرٍ. ع ب [¬١]. (٦) قوله: (ولم يَكُنْ لحَملِها مَؤُنَةٌ) أو في وقتٍ لا يُمكِن دفُعها إليه؛ لبُعدِها، أو لمخَافَةٍ في طريقِها، أو للعَجزِ عن حَملِها، أو غيرِ ذلك، لم يكُن متعديًا بترك تسليمِها، ولم يضمنها؛ لعدمِ عدوانِه. (٧) قوله: (ضَمِنَ) أي: وإن كان بخلافِ ما ذُكر، ضَمِنَ ما تلف مِنها؛ لأنه فَعَلَ مُحرَّمًا بإمساكِه مالَ غيرِه بلا إذنه، أشبهَ الغاصِبَ. الوالد. (٨) قوله: (وإن أُكِرهَ على دفعِها) أي: وإن أُكرِه مودَعٌ على دَفعِ الودَيَعةِ. (لغير ربِّها، لم يضمَن) كما لو أخذَها منه قَهرًا؛ لأن الإكراهَ عذرٌ يبيحُ له دفعها. وإن صادَرَه سُلطانٌ، لم يضمَن. قاله أبو الخطاب. وضمَّنه أبو الوفاء إن فرَّط. انتهى. الوالد.

стр. 1177

وإن قالَ: لَهُ (١) عِنْدِي ألْفٌ وَدِيعَةً. ثُمَّ قالَ: قَبَضَهَا (٢)، أو: تَلِفَت قَبلَ ذلِكَ (٣)، أو: ظَنَنتُها باقِيَةً (٤) ثُمَّ عَلِمتُ تَلَفَها (٥): صُدِّقَ (٦) بيَمِينِهِ، ولا ضَمَانَ (٧). وإن قالَ (٨): قَبَضْتُ مِنهُ ألفًا وَدِيْعَةً، فَتَلِفَت. فَقَالَ: بَلْ غَصْبًا (٩)، أو: عَارِيَّةً: ضَمِنَ (١٠). (١) قوله: (وإن قال: له) أي: وإن قال وديعُ لِمودِعٍ. (٢) قوله: (ثم قال) الوديعُ: (قبضَها) المودِعُ. (٣) قوله: (أو تلِفَت قبلَ ذلك) أي: أو قال الوديعُ: تلِفت قبل قبضِها. (٤) قوله: (أو ظَننتُها باقيةً) أي: أو قال الوديعُ للمودِع: ظننتُها باقيةً من غيرِ تَلفٍ. (٥) قوله: (ثم علِمتُ تلفَها) أي: الوديعة. (٦) قوله: (صُدِّقَ) جواب قوله: «وإن قال له: عندي .. إلخ». (٧) قوله: (ولا ضمانَ) خلافًا ل «الإقناع» وقال القاضي: يُقبل وهذا ما عليه المصنف هنا، وفي «الغاية» [¬١] ع ب [¬٢]. (٨) قوله: (وإن قال) وديع. (٩) قوله: (فقال) المُودِعُ: (بل غَصبًا) إضراب إبطالي. (١٠) قوله: (أو عاريةً، ضَمِنَ) أو خلطَها بغير مُتميِّز، كدرَاهمَ بدَرَاهِمَ، وزيتٍ بزيتٍ، في ماله أو غيره، فضاعَ الكُلُّ، ضَمِنَ الوديعةَ؛ لتعدِّيه. وإن ضاعَ

стр. 1178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البَعضُ، ولم يَدرِ أيَّهُما ضاعَ، ضمن أيضًا. وإن أخذ درهمًا من غير حِرزِه، ثم ردَّه، فضَاع الكلُّ، ضمِنَه وحدَه، وإن ردَّ بدلَه غير متميِّزٍ [¬١]، ضمِنَ الجَميعَ. ع ب [¬٢].

стр. 1179

بابُ إحيَاءِ المَوَاتِ بابُ إحياءِ المَواتِ بفتح الميم كسَحابٍ، وضمِّها كغُراب، من المَوت، وهو عدَمُ الحياة. واصطلاحًا: الأرضُ المنفكَّة عن الاختصاصَات وملِكِ معصومٍ من مُسلِمٍ أو كافر. خرجَ به المتَحجَّرُ قبلَ تمامِ إحيائِه. واستعمالُ الحياة والمَوتِ وما تصرَّفَ منهما في الأرض مَجازٌ، وحقيقتُها إنما هي في الحَيوان، غيرَ أن أُنْسَ الأبدَانِ لمَّا كان بالحياة، ووحشتَها بالمَوت، وكانتِ الأرضُ آنسةً بالعِمارة، موحِشَةً بعدمِها، أُطلِقَ عليها لفظُ الحياة والموت بجامِع هذا المَعنى. ح ف وزيادة. قوله: «الأرضُ المنفكَّة عن الاختصاصات» الاختصاصَات: منها مَواتُ الحَرم وعرفَات، والمواتُ المتحجَّر والمُقطَع، والحِمَى التي حَمَاها النبيُّ ﷺ ، والتي يحميها الإمامُ لدوابِّ بيت المال من نَعَمِ الصَّدقة، والجِزية، وخيلِ الغُزاة، وضَوالِّ المسلمين، وما قرُبَ من العامِر وتعلَّق بمصالِحه، كطُرقِه، وفنائِه، ومَسيلِ مائِه، ومرعاه، ومُحتطَبِه، ومُرتَكَضِ الخَيل، ومدفَنِ الأمواتِ، ومَناخِ الإبل، والمنازلِ المعتادةِ للمُسافرين حولَ المياه، والبِقاعِ المُرصَدةِ لصلاةِ العيدِ والجنائزِ والاستسقَاء، ونحو ذلك. ح ف. وقوله: ومِلك مَعصومٍ وهو المُسلِمُ، والذِّميُّ، والمُستأمَن. واحترز به عن الحربيِّ، فإن أرضَه الدارِسَةَ مواتٌ. ح ف.

стр. 1180

وهِيَ: الأَرضُ الخَرَابُ الدَّارِسَةُ (١)، التِي لَم يَجْرِ عَلَيهَا مِلكٌ لأحَدٍ (٢)، ولَم يُوجَد فِيهَا أَثرُ عِمَارَةٍ (٣). أو: وُجِدَ بِهَا (٤) أثَرُ مِلْكٍ (٥)، وعِمَارَةٍ- كالخِرَبِ (٦) التِي ذَهَبَت أنهَارُهَا، واندَرَسَت آثَارُهَا- ولَم يُعلَم لَهَا مالِكٌ (٧). (١) قوله: (وهي الأرضُ … إلخ) أي: والموات اصطلاحًا: هي الأرض (الخرابُ الدارِسَةُ). هذا التعريف مشَى عليه في «المغني»، وخالف «المنتهى» و «الإقناع» في ذلك، ولعلَّه يرجِع إلى تعريفِهما. وأنَّث الضميرَ باعتبارِ الخَبر، أعني: الأرض. (٢) قوله: (التي لم يَجر عَليهَا مِلكٌ لأحَدٍ) أي: التي [¬١] لم يجرِ عليها مِلكٌ لمَعصومٍ، وهذا معنى قوله: «المنفكة عن الاختِصَاص». (٣) قوله: (ولم يُوجَد فيهَا أثرُ عِمَارةٍ) أي: ولم يكن أيضًا من الاختِصاص. ح ف. (٤) قوله: (أو وُجِدَ بها) أي: بالأرض. (٥) قوله: (أثرُ مِلكٍ) غيرِ جاهِلي. (٦) قوله: (كالخِرَبِ) بفتح الخاء وكسر الراء، والعكس، وكلاهما جمعُ خَرِبَة بكسر الراء وهي ما تَهدَّم من البنيان. وفي «المصباح»: الخُرَب، بضم الخاء وفتح الراء. انتهى. عثمان. (٧) قوله: (ولم يُعلَم لها مَالِكٌ) الآن، مُلِك بالإحياء، سواء كانت بدارِ الإسلامِ أو الحرب. وصحَّح الحارِثي، وتبعَه في «الإنصاف» التَفرِقَةَ بينهما،

стр. 1181

فمَنْ أحيَا شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، ولَو كانَ ذِميًّا (١)، أو بِلا إذْنِ الإمَامِ: ملكَهُ (٢) بمَا فيهِ مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ (٣)، وتبعَهُما في «الإقناع». م ص [¬١]. (١) قوله: (فمنَ أحيَا شيئًا من ذَلِكَ) أي: ممَّا يجوزُ إحياؤه. فهو مفرَّع على ما قبلَه (ولو كان ذِميًّا)، أي: ولو كان ما أحياه في دار الإسلام ذميًّا، فهو خبر «كان» المحذوف اسمها. لا إن أحيا الحَربيُّ في دارِنا، على المَذهب. ح ف. (٢) قوله: (مَلَكَهُ) محييه. جواب «مَنْ». أما كونُ الإحياءِ لا يفتَقِر إلى إذن الإمام، فلعموم الحديث [¬٢]، ولأن المَواتَ عينٌ مباحة، فلم يفتَقر تَملُّكُهَا إلى إذنِ الإمام، كأخذِ المُباح. وأمَّا كونُ الذِّمي فيه كالمُسلم، فلعموم الخبر، ولأنه من أهل دار الإسلام، فمَلَك بالإحياء، كالشراء، حيثُ لم تتعلَّق بمصالِح العَامِر، فإن تعلَّقت الأرضُ بمصالِح العامِر كمقْبرتِه، ومَطْرَحِ كِنَاسَتِه، ونحوِه، لم تُملَك بالإحياء. وكذا مَواتُ الحَرَم وعرفَات، لا يُملكُ بالإحياء؛ لما فيه من التضييقِ على الحاج، واختصاصُه بما يستوي فيه الناس. وسواء كان المَواتُ من عَنوةٍ كأرض مِصرَ والشَّام والعراق، أو غيرِها مما أسلَم أهلُه عليه، أو صُولِحُوا عليه. عثمان [¬٣]. (٣) قوله: (من مَعدنٍ جَامِدٍ) بيان «لما» لحديثِ جابرٍ يرفعه: «من أحيَا أرضًا

стр. 1182

كَذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وحَدِيدٍ (١)، وكُحْلٍ، ولا خَرَاجَ علَيهِ (٢)، إلَّا إنْ كانَ ذِميًّا (٣). لا: ما فِيهِ مِنْ مَعْدِنٍ جَارٍ (٤)، ميتةً، فهي له». رواه أحمد، والترمذي وصححه [¬١]. عثمان [¬٢]. (١) قوله: (وحَديدٍ) ونُحاسٍ، ورَصَاصٍ. (٢) قوله: (ولا خراجَ عليه) أي: على من أحيا مَواتًا. (٣) قوله: (إلَّا إن كانَ ذِميًّا) فعليه الخراجُ؛ لأن الأرضَ للمسلمين، فلا تُقرُّ في يدِ غيرِهم بدونِ خَراج. وهل يملِكُه مع ذلك أو لا؟ الأقرب أنه لا يملِكُه كما هو صريحُ «الإنصاف» ثانيًا. انتهى. الوالد. قوله: «لا يملكه» أي: لا يملك رقبةَ الأرض، بل يملِكُ المنفَعة، فحصلَ الجَمعُ بين كلامِ المصنف و «الإنصاف». (٤) قوله: (لا ما فيه) عطف على «بما فيه» بإسقاطِ حرفِ العَطف. والمعنى: ملكَه بما فيه … إلخ. ولا يملِك ما فيه، بيَّنه بقوله: «من معدِن جارٍ» أي: كلَّما أُخِذَ منه شيءٌ، خلَفه غيرُه، فهو أحقُّ به؛ لحديث: «من سَبَقَ إلى ما لم يَسبِق إليه أحَدٌ، فهو له» [¬٣]. ولا يملِكُه؛ لحديث: «الناس شُركاءُ في ثَلاث .. » [¬٤]. ع ب وإيضاح [¬٥].

стр. 1183

كَنِفْطٍ وَقَارٍ (١). ومَن حَفَرَ بِئْرًا (٢) بالسَّابِلَةِ؛ ليرتَفِقَ بِها كالسِّفَارَةِ (٣)؛ لِشُربِهم ودَوَابِّهم (٤): فَهُمْ (٥) أحَقُّ بمَائِها (٦) ما أقَامُوا (٧). (١) قوله: (كنِفْطٍ وقَارٍ) مثالٌ للمَعدِنِ الجَاري، مثلُ الزِّئبَقِ يتعاطونَه المَراياتيةُ [¬١] أو ظهَر فيه كَلأ، أو شجرٌ، فهو أحقُّ به، ولا يملِكُه. ع ب [¬٢]. (٢) قوله: (ومن حَفَرَ بئرًا .. إلخ) اعلم: أن البئرَ المحفُورةَ في المَواتِ ثلاثةُ أقسَام؛ لأنها إما أن تُحفَر لنفعٍ عامٍّ أو خَاصٍّ. فالأول؛ حافِرٌ فيها كغيرِه، والثاني وهو الخاص إما أن يكونَ موسَّعًا أو مضيَّقًا، فالأول؛ كالآبارِ التي يحفِرُها المسافِرون؛ لشُربِهم ودوابِّهم، فهذا يختص به الحافِرُ ما دام مُقيمًا. والثاني وهو الخاص المضيَّق هو القاصِدُ بحَفرِه التملُّكَ، فهذه مِلكٌ لحافِرِها. فتدبر. عثمان [¬٣]. (٣) قوله: (كالسَّفَّارةِ) والمُنتَجعينَ يَحفِرون بئرًا. (٤) قوله: (ودوابِّهم) أي: وشُرب دوابِّهم. (٥) قوله: (فهم) أي: الحافِرون لها. (٦) قوله: (أحقُّ بمائها) أي: البئر التي حفروها. (٧) قوله: (ما أقاموا [¬٤]) عليها. مصدرية ظرفية، أي: مدَّة قيامِهم عليها. ولا يملِكُونها؛ لجَزمهم بانتقالِهم عنها وتركِها لمن ينزِلُ منزِلَهم، بخلافِ

стр. 1184

وبَعدَ رَحِيلِهم (١): تَكُونُ سَبِيلًا للمُسلِمِينَ (٢). فإن عَادُوا (٣): كانُوا أحَقَّ بِهَا (٤). المتملِّك. ع ب وإيضاح [¬١]. (١) قوله: (وبعدَ رحيلِهم) أي: الحافِرين لها. (٢) قوله: (تكون سبيلًا للمُسلِمين) لعدم أولويَّة أحدٍ من غيرِ الحَافرِين على غيرِه. ع ب [¬٢]. (٣) قوله: (فإن عادُوا) أي: الحافِرون لها. (٤) قوله: (كانوا أحقَّ بها) من غيرهم؛ لأنهم إنَّما حفرُوها لأنفُسِهم، ومَنْ عادتُهم الرحيلُ والرُّجوعُ، فلا تزولُ أحقيَّتُهم [¬٣] به. ع ب [¬٤].

стр. 1185

فَصْلٌ ويَحصُلُ إحيَاءُ الأَرضِ المَوَاتِ: إمَّا بحَائِطٍ مَنيعٍ (١). أو: إجرَاءِ مَاءٍ (٢) لا تُزْرَعُ إلَّا بهِ (٣). أو: غَرسِ شَجَرٍ (٤). أو: حَفْرِ بِئْرٍ فِيها (٥). فَصْلٌ (١) قوله: (إما بحائِطٍ مَنيعٍ) أدارَه حولَها بما جَرت عادةُ البلَد بالبناء به من لَبِنٍ أو غَيرِه. ولا يُعتبرُ تسقيفٌ ولا نَصبُ بابٍ. وسواءٌ أرادَها للبناءِ أو غَيرِه. ولا يحصُل الإحياءُ بحرثٍ أو زَرعٍ، بل بتَحجيرٍ. وقوله: «منيع» أي: يمنعُ مَنْ وراءَه. م ص [¬١]. (٢) قوله: (أو إجراءِ ماءٍ) أي: ويحصُل إحياؤها بإجراءِ ماءٍ؛ بأن ساقَه إليها من نَهر أو بئر. (٣) قوله: (لا تُزرَعُ إلا به) أي: بالماءِ المَسوقِ إليها، إذا كانت لا تُزرعُ إلا به لتزرع، فقد أحياه؛ لأنَّ نفعَ الأرضِ أكثرُ من الحَائطِ. انتهى. الوالد. (٤) قوله: (أو غَرسِ شَجَر) أي: ويحصُل إحياءُ الأرض المَواتِ بغرس شَجر؛ بأن كانت لا تصلُح لغَرسٍ؛ لكثَرةِ أحجَارِها ونحوِها، فيُنقِّيها ويَغرِسُها؛ لأنه يرادُ للبقاءِ، كبناءِ الحَائط. م ص [¬٢]. (٥) قوله: (أو حَفْرِ بئرًا فيها) أي: ويحصُل إحياؤها بحَفرِ «بئرًا» في الموات. ف «حفر» مصدر، و «بئرًا» مفعولُه.

стр. 1186

فإنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا (١)؛ بأنْ أدارَ حَولَهُ أَحجَارًا (٢). أو: حَفَرَ بِئرًا لَم يَصِل مَاءَها (٣). أو: سَقَى (٤) شَجَرًا مُبَاحًا، كَزَيتُونٍ ونَحوِهِ (٥)، أو: أصلَحَهُ ولَم يُرَكِّبْهُ (٦): لم يملِكْهُ. لَكِنَّهُ: أحَقُّ بهِ (٧) (١) قوله: (فإن تحَجَّر مَواتًا .. إلخ) هذا شروعٌ في مُحتَرزِ القُيودِ الذي يحصُل بها الإحياء. (٢) قوله: (بأن أدارَ حولَه أحجارًا) أو تُرابًا، أو شَوكًا، أو حائِطًا غيرَ منيعٍ، لم يملِكه. فهذا تَصويرٌ للتَّحجِير. (٣) قوله: (لم يصِل ماءَها) أي: لم يُحَصِّل الحَافِرُ ماءَها، لم يملِكها. (٤) قوله: (أو سَقَى .. إلخ) قال في «حاشية التنقيح»: الصواب شفَّى، بالشين المعجمة وتشديد الفاء، أي: قَطَعَ الأغصَانَ الرَّديئةَ لتخلفها أغصَانٌ جيِّدةٌ. م ص [¬١]. (٥) قوله: (ونحوه) كالخَرنُوبِ. (٦) قوله: (ولم يُرَكِّبَه) أي: يطعِّمه، لم يملِكْه، فإن طعَّمه، ملَكَه بذلك. ع ب [¬٢]. (٧) قوله: (لكنه أحقُّ به) أي: مَنْ تحجَّر المَواتَ، أو حفَر البِئَر، ولم يَصِل ماءَها، أو سَقَى الشَّجَر المُباحَ ولم يركبه أحق به من غيره لحديث: «مَنْ سَبقَ إلى ما لم يَسبِق إليهِ مُسلِمٌ [¬٣]، فهو له» [¬٤]. ع ب [¬٥].

стр. 1187

مِنْ غَيرِهِ، وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ (١). فإن أعطَاهُ لأَحَدٍ: كانَ لَهُ (٢). ومن سَبَقَ إلى مُبَاحٍ: فَهُوَ لَهُ، كصَيدٍ، وعَنْبَرٍ، ولُؤْلُؤٍ، ومَرجَانٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ، ومَنبُوذٍ (٣) (١) قوله: (ووارِثُه بعدَه) أحقُّ به. (٢) قوله: (فإن أعطَاه لأحَدٍ، كان له) أي: أحقُّ به ممَّن سواه؛ لأنه أقامَه مقامَه فيه. وليس للمتحجِّر أو وارِثه ومن انتقَلَ إليه بَيعُهُ؛ لأنه لا يملِكُه، وشَرطُ المبيعِ أن يكونَ مملُوكًا. «فائدة»: ومن نزل عن وظيفةٍ من إمامَةٍ، أو خَطابَةٍ، أو تدريسٍ، ونَحوِه، لزيدٍ، وهو لها أهلٌ، لم يتقرَّر غيرُه فيها. فإن قُرِّر هو، أي: قَرَّره من له الولاية كالنَّاظِر، تمَّ الأمرُ له، وإلَّا؛ بأن لم يُقرِّره من له ولاية [¬١] التَّقرير، فهي أي: الوظيفةُ للنَّازل؛ لأنه لم يحصُل له رغبةٌ مُطلَقَةٌ عن وَظيفَتِه. وقال الشيخ: لا يتعيَّن المَنزُولُ له، ويولِّي مَنْ له الولايُة من يستحِقُّها شَرعًا. وقال المُوضِّح: ملخَّص كلامِ الأصحَاب: يستحِقُّها منزولٌ له إن كانَ أهلًا، وإلَّا فلناظِرٍ توليةُ مُستحقِّها شَرعًا. وممَّا يُشبِه النُّزولَ عن الوظائِفِ النُّزولُ عن الإقطَاع، فإنه نزولٌ عن استحقَاقٍ يختصُّ به؛ لتخصِيص الإمام له استقلالَه، أشبهَ مُستَحِق الوَظيفة، وأخذُ العِوضِ من ذلِك قريبٌ من الخُلع، كما قاله ابن نصر اللَّه وغيره. قلت: وإن لم يتمَّ النُّزولُ، فله الرُّجوعُ بما بذَله مِنْ العِوض؛ لأن البدَل لم يُسلَّم لَه. أفاده م ص على «الإقناع» [¬٢]. (٣) قوله: (ومَنبوذٍ) أي: مَطرُوح.

стр. 1188

رَغبَةً عنهُ (١). والمِلْكُ مقصُورٌ فيه (٢): علَى القَدْرِ المَأخُوذِ (٣). (١) قوله: (رغبةً عنه) كالنِّثار في الأعراس، ونحوِها، وما يتركُه حَصَّاد، ونحوُه، من زرعٍ وثَمرٍ رغبةً عنه، وكِسْرةٍ ولَحْمٍ على شيءٍ من عَظمٍ، فيملِكُه بأخذِه، مُسلِمًا كان أو ذميًّا. ويُقسَمُ بين عَددٍ بالسَّوية؛ لاستوائهم في السبب، وإمكانِ القِسمة. ع ب [¬١]. (٢) قوله: (والمِلكُ مقصُورٌ فيه) أي: من قوله: «فإن تحجَّر مواتًا … إلخ». (٣) قوله: (على القَدْرِ المَأخُوذ) فلا يملِكُ ما لم يَحُزْهُ، ولا يمنعُ غيرَه منه. «فرع»: ومن جلس في نحوِ جَامعٍ لفَتوى أو إقراءٍ، فهو أحقُّ بمكانِه ما دَام، أو غابَ لعُذرٍ وعادَ قَريبًا. ومن سَبَقَ إلى رِباطٍ، أو نَزلَ فقيهٌ بمدرَسَةٍ، أو صُوفيُّ بخَانَقَاهُ [¬٢]، لم يبطُل حَقُّه بخُروجِه منه لحَاجَةٍ. ع ب [¬٣].

стр. 1189

بَابُ الجَعَالَةِ وهِيَ: جَعْلُ مالٍ مَعلُومٍ (١) لِمَنْ يَعمَلُ لَهُ عَمَلًا مُبَاحًا (٢)، بابُ الجَعَالَةِ بتثليث الجيم. ذكره ابن مالك. مُشتقٌّ من الجَعْل، بمعنى التَّسمِيَة؛ لأن الجاعِلَ يسمِّي الجُعلَ للعامِل، أو من الجَعْل، بمعنى الإيجَابِ، يقال: جَعَلتُ له كذا، أي: أوجَبتُ، ويُسمَّى ما يُعطاه الإنسانُ على أمرٍ يفعله: جعلًا وجَعَالَةً وجَعيلةً. قاله ابن فارس. وأركانُها أربعة: الصِّيغةُ، والعاقِدان، والعَملُ، والعِوضُ. ويدلُّ لمشروعيتها قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يُوسُف: ٧٢]. ع ب وزيادة [¬١]. (١) قوله: (وهي جَعلُ مالٍ مَعلُومٍ) يعني: والجَعالَةُ شرعًا: تسميةُ مالٍ معلوم. فلا يصح: مَنْ ردَّ عبدي، فله نِصفُه. ونحوه. ف «جَعْلُ» مصدر مضاف لمفعُوله. (٢) قوله: (لمن يعمَلُ) متعلِّق ب «جَعلُ»، واللام للتعليق بعدَ سبكِ مدخُولِها بمصدَر. والمعنى: تسميةُ الجَاعِل مالًا معلُومًا؛ لأجلِ العَمل له عملًا مباحًا، بخلافِ نحوِ زَمرٍ وزنًى؛ لأنها عقدٌ جائز، فجازَ أن يكونَ العملُ والمدَّةُ مجهولَين.

стр. 1190

ولو مَجْهُولًا (١)، كقَولِه: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي (٢)، أو: بَنَى لِي هَذَا الحَائِطَ، أو: أذَّنَ بهذَا المَسجِدِ شَهْرًا، فَلَهُ كَذَا (٣). فَمَنْ فَعَلَ العَمَلَ بَعدَ أن بَلَغَهُ الجُعْلُ (٤): واعلم أن الجَعالَة تُخالِف الإجارَةَ في سِتَّةِ أمور، منها: أنه لا يُشتَرطُ في الجَعالَةِ العلمُ بالعَمَل ولا المُدَّة. ومنها: أنه لا يُشترطُ فيها تعيينُ العَامِل للحَاجَة. ومنها: أنَّ العملَ فيها قائِمٌ مقَامَ القَبولِ؛ لأنه يدلُّ عليه، كالوكالة. ومنها: أنَّ العامِلَ لا يلتَزم العمَلَ. ومنها: أنه يجوزُ الجمعُ فيها بينَ تقديرِ المُدَّةِ والعَمل. ومنها: أنها جائِزةٌ، بخلافِ الإجارَة في ذلك كلِّه. ح ف وإيضاح. (١) قوله: (ولو مَجهُولًا) أي: ولو كان العملُ مجهولًا، كمَنْ خاطَ لي [¬١] هذا الثَّوبَ ونحوه، فله كذا. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (كقولِه: من رَدَّ … إلخ) مثالٌ للعَمل المُباحِ المَجهول. أو: أقرَضَني زيدٌ بجاهِه ألفًا، فله كذا. ويؤخذُ من قوله: أو أقرَضَني زيد … إلخ. أنه يصح أخذُ الجُعْلِ على الجَاه، وهو كذلِك. ح ف وإيضاح. (٣) قوله: (أو أذَّنَ بهذا المَسجِدِ شَهرًا) مثالٌ للجَمع بين تَقديرِ المُدَّة والعَمَل. (٤) قوله: (فمن فَعَلَ العَملَ بعدَ أن بلَغَه الجُعْلُ) يعني: أنَّ من عَمِلَ العَمل المُسمَّى عليه الجُعلُ بعدَ أن وصَلَ إلى عِلمِه [¬٢] جعلُ الجُعلِ قبلَ فِعلِ المُجَاعَلِ عليه. ويؤخذُ منه: أنه لا يُشترطُ قبولُ العامِل لَفظًا، وإن كان

стр. 1191

استحقَّهُ كُلَّهُ (١). وإن بَلَغَهُ في أثنَاءِ العَمَلِ: استَحَقَّ حِصَّةَ تَمَامِهِ (٢). وبَعدَ فَرَاغِ العَمَلِ: لَم يَستَحِقَّ شَيئًا (٣). وإنْ فَسَخَ الجَاعِلُ (٤) مُعيَّنًا، بل يَكِفي العَملُ، كالوَكيلِ. ح ف وإيضاح. (١) قوله: (استحقَّه كلَّه) جوابُ الشَّرط؛ لأن العقدَ استقرَّ بتمامِ العَمل، فاستحقَّ ما جُعِلَ له، كالرِّبح في المُضَاربة. قال حفيد «المنتهى»: لعله: إن فعله بنيِّة الجُعلِ. ومتَى تلِفَ الجُعلُ بيدِ الجَاعِل كان للعامِل مثله إن كان مِثليًا، وإلَّا فقيمته. قال الشهاب والد صاحب «المنتهى»: لو اختلف المالِكُ والعامِلُ، فقال: عملتُه بعدَ أن بلغني الجُعْل. وقال المالِك: بل قبلَه. فالظاهر أنَّ القول قولُ العامِل؛ لأنه لا يُعلَم إلَّا من جهتِه، ولم أر من صرَّح بذلك. (٢) قوله: (وإن بلغَه في أثناءِ العَمل، استحقَّ حِصَّةَ تمامِه) أي: وإن بلغَ العامِلَ الجُعْلُ في أثناء العَمل، استحقَّ من الجُعلِ حِصَّةَ تَمامِه، أي: بقسِط ما عَمِلَه بعدَ بُلوغِه. وتَقسِمُ الجَماعَةُ العامِلون بينهم. ع ب [¬١] وزيادة [¬٢]. (٣) قوله: (وبعدَ فراغِ العَملِ، لم يستَحِقَّ شيئًا) أي: ومن بلَغه الجُعْلُ بعد تَمام العَمل، لم يستحقَّ شيئًا من الجُعلِ؛ لأنه متبرِّعٌ بعملِه، وحَرُمَ عليه أخذُه، إلَّا إن تبرَّع له بِهِ ربُّهُ بعد إعلامِه بالحَال. انتهى. الوالد. (٤) قوله: (وإن فَسَخَ الجَاعِلُ … إلخ) بعد شُروعِ عامِلٍ في عَمَلٍ.

стр. 1192

قَبْلَ تَمَامِ العَمَلِ: لَزِمَهُ أُجرَةُ المِثْلِ (١). وإنْ فَسَخَ العَامِلُ (٢): فَلا شَيءَ لَهُ (٣). ومَن عَمِلَ لِغَيرِهِ عَمَلًا بإذنِهِ، مِنْ غَيرِ أُجرَةٍ (٤) وجَعَالَةٍ: فَلَهُ أُجرَةُ المِثْلِ (٥). وبغَيرِ إذنِهِ (٦): فَلا شَيءَ لَهُ (٧)، (١) قوله: (لزِمَه أجرةُ المِثل) جواب الشرط. أي: لزِمَه أجرةُ المِثل قبلَ العَملِ لا بعدَه؛ لأنه عملٌ بِعوَضٍ لم يُسلَّم له. وإن فسخَها قبلَ شُروعٍ في عَملٍ، فلا شيء للعَامِل. وإن اختلفَ المالِكُ والعامِلُ في أصلِ جُعلٍ؛ بأن قالَ العامِلُ: جَعلتَ لي على هذا العَملِ كذا. وأنكر المَالِكُ، فقولُه. أو اختلفا في قَدرِه، أي: الجُعل، كأن قالَ العامِلُ: جعلتَ لي عشَرَةَ دراهِمَ. فقولُ جاعِلٍ: إنه خَمسةٌ مَثَلًا؛ لأنه مُنكِرٌ، والأصلُ براءةُ ذِمَّته. عثمان [¬١]. (٢) قوله: (وإن فَسَخَ العَامِلُ) قبل تَمامِ العَملِ. (٣) قوله: (فلا شيء له) من العِوضِ؛ لإسقاطِه حقَّ نفسِه، حيثُ لم يُوفِّ ما شُرِطَ عليه. ع ب [¬٢]. (٤) قوله: (من غيرِ أُجرَةٍ) أي: من غيرِ تعيينِ جُعْلٍ. (٥) قوله: (فله أجرةُ المِثلِ) لدلالة العُرفِ على ذلك. (٦) قوله: (وبغيرِ إذنه) أو بغيرِ جُعلٍ ممَّن عَمِل له. (٧) قوله: (فلا شيء له) لتبرُّعه بعملِه، حيثُ بذلَه بلا عِوض، ولو المُعَدُّ لأخذِ الأُجرَة، كملَّاح، وجمَّال، وحجَّام، وخيَّاط، ولئلا يلزم الإنسانُ ما لم

стр. 1193

إلَّا في مَسأَلَتَين (١): إحدَاهُما: أن يُخَلِّصَ مَتَاعَ غَيرِهِ مِنْ مَهلَكَةٍ (٢)، فَلَهُ أُجرَةُ مِثلِهِ (٣). الثَّانِيَةُ (٤): أن يَرُدَّ رَقِيقًا (٥) آبِقًا لِسَيِّدِه (٦)، يلتزِمْه. عثمان [¬١]. (١) قوله: (إلا في مسألتين) مُستثنى من قوله: «وبغير إذنه، فلا شيء له». (٢) قوله: (إحداهُما: أن يُخلِّصَ متاعَ غيرِه من مَهلَكَةٍ) كمِنْ بَحرٍ، أو فَمِ سَبُعٍ، أو فَلاةٍ يُظَنُّ هلاكُه في تَركِه، كما لو انكَسَرتِ السَّفينةُ، فأخرَجَ قومٌ متاعَها من البَحرِ، فتجبُ لهم الأجرةُ على المِلَّاكِ؛ لأنَّ فيه حَثًّا وترغِيبًا في إنقاذِ الأموالِ من المَهلَكَةِ. ع ب [¬٢]. (٣) قوله: (فلهُ أجرةُ مِثله) إن نوى الرُّجوَع، وإن لم يأذن له ربُّه؛ لأنه يُخشَى هلاكُه وتلفُه على مالِكه. (٤) قوله: (الثانيةُ) أي: والمسألة الثانية. ف «الثانية» صِفةٌ لموصُوفٍ محذوفٍ. والمسألُة مبتدأ، وجملة: «أن يَرُدَّ رقيقًا» خبر. (٥) قوله: (أن يَرُدَّ رقيقًا) من قِنٍّ، ومُدبَّرٍ، وأمِّ ولد، إذا لم يكُن الرادُّ الإمامَ أو نائبَه. سواء ردَّه من المِصر أو خارجِه، قَرُبتِ المسافَةُ أو بَعُدَت. وقلنا: إن لم يكن الراد الإمام؛ لانتصَابه للمصَالِح، وله حقٌّ في بيتِ المَال على ذلك. عثمان [¬٣]. (٦) قوله: (آبقًا لسيِّدهِ) ما لم يَمُت سَيِّدُ مُدَبَّرٍ خرجَ من الثُّلث، أو أمِّ ولدٍ قبلَ

стр. 1194

فلَهُ ما قَدَّرَهُ الشَّارِعُ (١)، وهُو: دِينَارٌ، أو اثنَا عشَرَ دِرْهَمًا (٢). وصُولٍ، فيعتُقَا، ولا شيءَ له؛ إذ العتيقُ لم يُسمَّ آبقًا، أو يهرُب الآبِقُ من واجِده قبلَ وصولِه؛ لأنه لم يرُدَّ شيئًا. يقال: أبَق العبدُ، إذا هَرَبَ من سيِّدهِ، بفتح الباء، يأبِق، بكسرها وضمها، فهو آبق. وقال الثعالبي في «سر اللغة»: لا يقالُ للعبدِ آبق إلَّا إذا كان ذهابُه من غيرِ خَوفٍ، ولا كَدٍّ في العَملِ، وإلَّا فهو هَارِبٌ. ع ب بتقديم [¬١]. (١) قوله: (فله ما قدَّره الشَّارِع) ولو كان الرادُّ زوجًا للرَّقيق، أو ذَا رَحِمٍ في عِيالِ المالِك. وسواء كان الآبِقُ يساوي المِقدَارَ الذي قدَّره الشَّارِع، أم لا. ع ب [¬٢]. (٢) قوله: (وهو دِينَارٌ) أي: والذي قدَّره الشارِع دينارًا (أو اثنا عشر درهمًا)، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃ [¬٣]. ولمِنَ ردَّ الآبِقَ أيضًا ما أنفقَه على الآبِقِ، يَرجِعُ به؛ لأنه مأذونٌ فيه شرعًا لحُرمَةِ النَّفسِ، ومحلُّه: إن نَوى الرُّجوعَ. عثمان [¬٤].

стр. 1195

بَابُ اللُّقَطَةِ وهِيَ ثَلاثَةُ أقسَامٍ (١): أحَدُهَا: ما لا تَتبَعُهُ هِمَّةُ أوسَاطِ النَّاسِ (٢)، كسَوطٍ (٣)، بَابُ اللُّقطةِ اللُّقطةُ، بضم اللام مع فتح القَاف وسكونِها، وبفتحِهما، ولُقَاطَةٌ. وعُرفًا: مالٌ كنَقدٍ ومَتاعٍ، أو مُختَصٌّ كخَمرٍ خَلَّالٍ، ضائعٌ كسَاقِطٍ بلا عِلمٍ، أو ما في مَعنَى الضَّائِع، كمترُوكٍ قَصْدًا لمعنًى يقتَضيه، كمُلقَىً عندَ هُجومِ ناهِبٍ، ونحوه، كمدفُونٍ مَنسِيٍّ، لغيرِ حَربيٍّ، فإن كان لحَربيٍّ، فلآخذِه، كما لو ضَلَّ الحَربيُّ الطَّريقَ، فلآخِذِه هو وما مَعَه. وأركانُها ثلاثةٌ: الضَّائِعُ، والالتِقَاطُ، والمُلتَقِطُ. ح ف وزيادة. (١) قوله: (وهي ثَلاثةُ أقسَامٍ) بالاختصار، وأمَّا بطَريقِ البَسطِ، فهي سِتةُ أقسَامٍ بالاستِقراء. تَعريفٌ بالعَدِّ دونَ الحَدِّ؛ لعلَّه لترجُّحه عندَ المصنف؛ لأنه أضبَطُ لها. (٢) قوله: (أحدُها: ما لا تتبعُه هِمَّةُ أوسَاطِ النَّاسِ) أي: لا يهتمُّون في طَلَبه إذا ضَاع، ولا يطلُبونه. (٣) قوله: (كسَوطٍ) ما يُضربُ به. وفي «شرح المهذب»: هو فوقَ القَضيبِ ودونَ العَصا. ع ب [¬١].
следующие страницы →