لكِنَّ مِلكَهُ: غَيرُ تَامٍّ (١). فلا يَملِكُ: أنْ يُكَفِّرَ بِمَالٍ (٢)، أو يُسَافِرَ لِجِهَادٍ (٣)، أو يَتَزَوَّجَ (٤)،
لأن النفقةَ تابعةٌ للكَسبِ، وكَسبُ من ذُكِرَ كلُّه للمُكَاتَبِ. فإن لم يكُنْ ولدُه تابعًا له؛ بأن كانَ من زَوجَةٍ، لم تلزَمه نفقتُه. م ص [¬١].
(١) قوله: (لكِنَّ مِلكَهُ غَيرُ تَامٍّ): استدراكٌ على قولِه: «ويملِكُ المُكاتَبُ [¬٢] كسبَهُ … إلخ».
(٢) قوله: (فلا يَملِكُ أنْ يكفِّرَ بِمَالٍ): مفرَّع على الاستِدراكِ، فلا يكفِّرُ بعتقٍ، ولا إطعَامٍ، ولا كِسوَةٍ، بل الصَّومِ. فلو أذِنَ له سيدُه في التكفيرِ بالمَالِ، جَازَ، ولم يلزَمِ المُكاتَبَ؛ لأنه في حُكمِ المُعسِرِ؛ لأنه لا يلزمُه زكاةٌ، ولا نفقَةُ قَريبٍ حُرٍّ، ويُباحُ له الأخذُ من الزكاةِ. ح ف وزيادة.
(٣) قوله: (أو يُسَافِرَ لجِهَادٍ): أي: ولا أن يُسافِرَ المُكاتَبُ لِجهَادٍ؛ لتفَويتِ حَقِّ سيِّدِه، معَ عَدمِ وُجوبِه عَليهِ، إلاَّ بإذنِ سيدِهِ. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (أو يتزوَّجَ): أي: ولا أن يتزوجَ إلا بإذنِ سيدِه؛ لأنه عبدٌ، فيدخُلُ في عُموم حديث: «أيُّما عَبدٍ نكَحَ بغَيرِ إذنِ مَوالِيهِ، فهو عَاهِرٌ» [¬٤]. ولأنَّ على السيِّدِ ضَررًا؛ لاحتياجِه لأداءِ المَهرِ والنفقَةِ من كَسبِه، وربَّما عَجَزَ ورقَّ، فَيرجعُ ناقِصَ القِيمَةِ. ع ب [¬٥].
стр. 1472
أو يتَسَرَّى (١)، أو يَتَبَرَّعَ (٢)، أو يُقرِضَ (٣)، أو يُحَابِيَ (٤)، أو يَرهَنَ (٥)، أو يُضَارِبَ (٦)، أو يَبِيعَ مُؤَجَّلًا (٧)،
(١) قوله: (أو يتَسرَّى): أي: ولا أن يتسرَّى إلاَّ بإذنِ سيدِه؛ لأنَّ مِلكَه غيرُ تامٍّ، وفيه ضررٌ على السيِّدِ، وربَّما أحبَلَها، فتتلَفُ أو تَصيرُ أمَّ ولَدٍ، فيمتنعُ عليه بيعُها. م ص [¬١].
(٢) قوله: (أو يتبرَّعَ): أي: ولا أن يتبرَّعَ إلاَّ بإذنِ سيدِهِ؛ لتعلُّق حقِّ سيدهِ بمالِه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (أو يُقرِضَ): أي: ولا أن يُقرِضَ إلاَّ بإذنِ سيدِه؛ لأنَّه قد لا يَرجِع إليه، فربَّما أفلَسَ المُقتَرضُ، أو ماتَ ولم يترُك شيئًا، أو هَرَبَ. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (أو يُحابِي): أي: ولا أن يُحابِيَ إلا بإذنِ سيدهِ؛ لأنَّ المُحاباةَ في معنى التبرُّعِ. ع ب [¬٤].
(٥) قوله: (أو يَرهَنَ): لأنه إخراجٌ لمالِه من غَيرِ عِوضٍ. ح ف.
(٦) قوله: (أو يُضَارِبَ): أي: ولا أن يُضارِبَ؛ بأن يدفَع مالَه مضاربةً؛ لأنه مُخاطَرةٌ بالمَالِ؛ لأنه ربَّما خَسِرَ. أمَّا أخذُ المَالِ مضاربةً، فجائزٌ؛ لأنه من أنواعِ الكَسبِ. ح ف.
(٧) قوله: (أو يَبيعَ مُؤجَّلاً): ولو برهنٍ. أي: فلا يصح؛ لأنه مُخاطَرةٌ بالمَالِ، وربَّما تَلِفَ الرهنُ. أما لو باعَ بزيادةٍ على القِيمةِ، وكانتِ القِيمَةُ حالةً
стр. 1473
أو يُزَوِّجَ رَقِيقَهُ (١)، أو يَحُدَّهُ (٢)، أو يُعتِقَهُ (٣)، أو يُكَاتِبَهُ، إلَّا بإذنِ سَيِّدِهِ (٤)، والوَلاءُ (٥) للسَّيِّدِ (٦).
ووَلَدُ المُكاتَبَةِ إذا وَضَعَتْهُ بَعدَهَا (٧):
والزيادةُ مؤجَّلةً، جازَ. وله أن يَشتريَ بثَمنٍ نَسيئةً. ح ف.
(١) قوله: (أو يُزوِّجَ رقيقَهُ): أي: ولا أن يزوِّجَ رقيقَه، عبدًا كان أو أمةً؛ لأنه إنْ زوَّجَ العبدَ: لزِمتهُ نفقةُ امرأتِه ومهرُها، وشغلَه بحُقوقِ النكاحِ، ونَقَصَ قِيمَتَهُ. وإن زوَّج الأمةَ: ملَكَ الزوجُ بعضَهَا، ونَقَصَ قِيمتَها، وقلَّت الرَّغبَاتُ فيها، ورُبَّما امتنعَ بيعُها بالكُلِّية، وليسَ ذلِكَ من جهاتِ المَكاسِبِ، فربَّما أعجَزَه ذلِكَ عن أداءِ نُجومِ الكِتَابةِ. ح ف باختصار.
(٢) قوله: (أو يَحُدَّهُ): لأنَّ ذلِكَ للحَاكِم. ح ف.
(٣) قوله: (أو يُعتِقَهُ): أي: ولا أن يُعتِقَ المُكاتَبُ رقيقَه، فلا يَصحُّ العِتقُ ولا الكِتَابةُ. ح ف.
(٤) قوله: (إلاَّ بإذْنِ سيِّدِهِ): في الكلِّ. قال في «الكافي»: فعلى هذا: لو وَهَبَ المولَى، أو أقرَضَه، أو حَاباهُ، أو فَدَى جِنايتَه بأكثرَ مِنْ إرثِها، جَازَ؛ لاتفاقِهما عليه. ح ف.
(٥) قوله: (والوَلاءُ): على مَنْ أعتَقَهُ المُكاتَبُ أو كاتَبهُ بإذنِ السيِّدِ، فأدَّى ما عليه. الوالد.
(٦) قوله: (للسيِّد): لأنَّ المُكاتَبَ كوكِيلهِ في ذلِكَ. الوالد.
(٧) قوله: (إذا وضَعَتْهُ بعدَها): أي: بعدَ كتابتِها لا قَبلَها، وسواءٌ كانت حَامِلاً به وقتَ الكِتَابةِ أو بعدَه. عثمان [¬١].
стр. 1474
يَتبَعُهَا (١) في العِتْقِ بالأدَاءِ (٢)، والإبرَاءِ (٣). لا: بإعتَاقِهَا (٤)، ولا: إنْ مَاتَتْ (٥).
ويَصِحُّ: شَرْطُ وَطْءِ مُكَاتَبَتِهِ (٦). فإنْ وَطِئَها (٧) بلا شَرطٍ: عُزِّرَ (٨)، ولَزِمَهُ المَهْرُ (٩)،
(١) قوله: (يتبَعُهَا): أي: يتبعُ الأمةَ المُكاتَبةَ.
(٢) قوله: (في العِتقِ بالأداءِ): أي: بأداءِ مالِ الكِتَابةِ لسيِّدِها.
(٣) قوله: (والإبرَاءِ): من الكِتَابة، ولا يتبعُها ما ولدَتهُ قبلَ الكِتَابةِ، كأمِّ الولَدِ والمُدبَّرةِ.
(٤) قوله: (لا بإعتَاقِها): أي: ولا يتبعُ أمَّه في العِتقِ بإعتَاقِها بدُونِ أداءٍ أو إبراءٍ كَغيرِ المُكاتَبةِ.
(٥) قوله: (ولا إنْ ماتَتْ): أي: ولا يَعتِقُ ولدُ مكاتَبةٍ إن ماتَتْ قبلَ أداءِ مالِ الكِتَابةِ أو إبراءٍ منه؛ لبُطلانِ الكِتَابةِ بمَوتِها، وكغَيرِ المُكاتَبةِ. م ص [¬١].
(٦) قوله: (ويَصِحُّ شَرطُ وَطءِ مُكاتَبتِهِ): أي: ويصحُّ في عَقدِ كِتَابةٍ شَرطُ وَطءِ مُكَاتَبتِه في مُدَّةِ الكِتَابَةِ، فإن وَطِئَها به فِيها، جَازَ ولا مَهرَ، وولدُه حُرٌّ، وتصيرُ أمَّ ولدِه، ويلحَقُه نسبُه، ولا يلزمُه قيمتُه، ولا تبطُل كتابتُها. ح ف بإيضاح.
(٧) قوله: (فإنْ وَطِئَها): أي: مُكاتَبتَهُ.
(٨) قوله: (بِلَا شَرطٍ، عُزِّر): إن عَلِمَ التَّحريمَ؛ لفعلِه ما لا يُجوزُ. الوالد.
(٩) قوله: (ولَزِمَه المَهرُ): لمكاتَبتهِ.
стр. 1475
ولو مُطَاوِعَةً (١). وتَصيرُ (٢) إنْ ولَدَتْ (٣): أُمَّ وَلَدٍ (٤). ثُمَّ إنْ أدَّتْ (٥): عَتَقَتْ (٦)، وإلَّا: فَبِمَوتِهِ (٧).
(١) قوله: (ولو مُطاوِعَةً): أي: ولو كانت المَوطُوءةُ مُطاوِعةً؛ لأنَّ عدَمَ منعِها مِنْ وطئِه ليسَ إذنًا فيه.
قال شيخُ الوالِد، الشيخُ عُثمَان [¬١]: سيأتي أنَّ الزانية المُطاوِعَةَ لا مَهرَ لها. ويُمكِنُ الجوابُ؛ بأنَّ المُكاتَبَةَ وإنْ ملكَتْ منافِعَها، غيرَ أنَّها يُغلَّب فيها جَانِبُ الماليَّةِ، وهي رَقيقَةٌ ما بَقِيَ عليها دِرهَمٌ. فلِهذا كانت مُطاوَعتُها كمُطاوَعَةِ الأمةِ، لا كمُطَاوعَةِ الحرَّةِ. ويدلُّك على تَغليبِ جانبِ المَاليَّةِ فيها قولُ شارِح «المنتهى»: لأنَّ عدَمَ منعِها من وطئِه ليسَ إذنًا فيه؛ ولهذا لو رَأى مالِكُ مالٍ مَنْ يتلِفُه، فلَمْ يمنَعهُ، لم يسقُط عنهُ الضَّمانُ.
(٢) قوله: (وتَصيرُ): مُكاتبتُه.
(٣) قوله: (إنْ ولَدَتْ): من سيدِها، سواءٌ شَرَطَ وطءَ مُكاتَبتِه أم لا. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (أُمَّ ولَدٍ): لأنها أمتُه ما بَقِيَ عليهَا دِرهمٌ.
(٥) قوله: (ثمَّ إنْ أدَّتْ): مكاتبتُه التي أولَدَهَا. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (عَتَقَتْ): أي: إذا أدَّت المكاتبةُ بعدَ ولادَتِها مِنْ سيِّدِها، عَتَقَتْ بالكِتَابةِ، وبَطَلَ حكمُ الاستيلادِ. وما فَضَلَ مِنْ كَسبِها، فهوَ لَها. ح ف.
(٧) قوله: (وإلاَّ فبِمَوتِه): أي: وإنْ لم تؤدِّ شَيئًا مِنْ مَالِ الكِتَابةِ، أو بَقِيَ عليها
стр. 1476
ويَصِحُّ: نَقْلُ المِلكِ فِي المُكَاتَبِ (١). ولمُشتَرٍ (٢) جَهِلَ الكِتَابَةَ: الرَّدُّ، أو الأَرشُ (٣). وهُو (٤): كالبَائِعِ، في أنَّهُ إذا أدَّى ما عَلَيهِ يَعتِقُ (٥). وله: الوَلاءُ (٦).
شَيءٌ من كِتابتِها، سَقَطَ، وعَتَقَت بالمَوتِ؛ لكونِها أمَّ ولَدٍ. وما بيدِها لورثَةِ سيدِها، كما لو أعتَقها قبلَ موتِه، ولو لم تَعجِزْ؛ لأنها عَتَقَت بغيرِ أداءٍ. وكذا لو أعتَقَ سيدٌ مُكاتَبَهُ، فله كلُّ ما بيَدِه. وعِتقُه فسخٌ للكِتَابةِ؛ لفَواتِ محلِّها بصَيرورَتِه حُرًّا «منتهى وشرحه». م ص [¬١].
(١) قوله: (ويَصحُّ نقلُ المِلكِ فِي المُكَاتَبِ): ذكرًا كان أو أُنثى، بالبَيعِ والهِبَةِ وغَيرِهما. ولا تنفَسِخُ الكِتَابةُ بذلِكَ. ح ف.
(٢) قوله: (ولمُشتَرٍ): مُكاتبًا.
(٣) قوله: (جَهِلَ الكِتَابةَ الردُّ، أو الأرشُ): لأنها عيبٌ في الرقيقِ؛ لنَقصِ قيمتِه بملكِه نفعَه وكسبَه. والأرشُ هو بينَ قيمتِه مُكاتَبًا وغيرَ مُكاتَبٍ، منسوبًا إلى الثمنِ، فلو قيلَ: قيمتُه مُكاتبًا أربعُونَ، وغيرَ مكاتَبٍ ستُّونَ، والثمنُ تِسعُونَ، فقَد نقصتُه الكِتابةُ ثلثَ قيمتِه، فيرجِعُ بثلُثِ ثمنِه، وهو عشرون. ح ف.
(٤) قوله: (وهو): أي: المشتَري إن أمسَكَ.
(٥) قوله: (كالبَائِعِ في أنَّه إذا أدَّى ما عليهِ): أي: إذا أدَّى المُكاتَبُ سيدَه مِنْ مُشتَرٍ (يَعتِقُ)؛ للزومِ الكِتابةِ، فلا تنفَسخُ بنقلِ المِلكِ فيه. م ص [¬٢].
(٦) قوله: (وله الوَلاءُ): أي: للمُشتَري الولاءُ على المُكاتَبِ إذا أدَّى إليه،
стр. 1477
ويَصِحُّ: وَقفُهُ. فإذا أدَّى (١): بَطَلَ الوَقْفُ (٢).
وعَتَقَ؛ لعتقِه عَليهِ في مِلكِه. م ص [¬١].
(١) قوله: (فإذا أدَّى): ما عليه من مالِ الكتابةِ.
(٢) قوله: (بَطَلَ الوقفُ): لأنه عَتَقَ بمجرَّد الأداءِ. ع ب [¬٢].
стр. 1478
فَصْلٌ
والكِتَابَةُ (١): عَقْدٌ لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَينِ (٢). لا يَدخُلُهَا خِيَارٌ مُطلَقًا (٣). ولا تَنفَسِخُ بِمَوتِ السَّيِّدِ، وجُنُونِهِ، ولا بِحَجْرٍ عَلَيهِ (٤). ويَعتِقُ: بالأَدَاءِ (٥) إلى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (٦).
فَصْلٌ
(١) قوله: (والكِتَابةُ): أي: الصحيحَةُ.
(٢) قوله: (لازِمٌ مِنَ الطرَفَين): لأنها بيعٌ، وهو من العُقودِ اللازِمَةِ.
(٣) قوله: (لا يدخلها خيارٌ [¬١] مُطلَقًا): أي: لا خِيارَ مَجلسٍ، ولا شَرطٍ، ولا غَيرِهِما؛ لأنَّ الخيارَ شُرِعَ لدَفعِ الغَبنِ عن المَالِ، والسيدُ يدخُلُ على بَصيرَةٍ أنَّ الحَظَّ لعَبدِه، فلا مَعنى لثُبوتِ الخِيَارِ. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (ولا بِحَجرٍ عَليهِ): لسَفهٍ أو فَلَسٍ، كبقيَّةِ العقودِ اللازِمَةِ.
(٥) قوله: (ويَعتِقُ بالأدَاءِ): أي: ويَعتِقُ المُكاتَبُ بالأدَاءِ إلى سَيدِهِ، مَعَ أهليتِهِ للقَبضِ، وبالأداءِ … ع ب [¬٣].
(٦) قوله: (إلى مَنْ يقُومُ مَقَامَه): أي: السَّيدِ، مِنْ وليِّه ووكيلِه، أو الحَاكِم مَعَ غَيبةِ سيدِه. أو بأداءٍ إلى ورثَةِ السيدِ إن مَاتَ؛ لأنه انتقَلَ إليهم مَعَ بقاءِ الكِتَابةِ، فهو كالأداءِ إلى مُورِّثهم. وإلى مَنْ يقَومُ مقامَه مِنْ غَيرِهم، كوليِّه إن
стр. 1479
وإنْ حَلَّ نَجْمٌ (١) فَلَمْ يُؤَدِّهِ (٢): فَلِسَيِّدِهِ الفَسْخُ (٣). ويَلزَمُ: إنظَارُهُ (٤) ثَلاثًا (٥)؛ لِبَيعِ عَرْضٍ (٦)، ولِمَالٍ غَائِبٍ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ يَرجُو قُدُومَهُ (٧).
ويَجِبُ على السيِّدِ: أنْ يَدفَعَ لِلمُكَاتَبِ رُبُعَ مَالِ الكِتَابَةِ (٨).
جُنَّ أو حُجِرَ عليه، ووكيلِه لِقيامِه مقامَ السيد، أشبَه ما لو دُفِعَ إليه نَفسِه. ع ب [¬١].
(١) قوله: (وإن حَلَّ): على مُكاتَبِهِ (نَجْمٌ) من كِتَابتِهِ. كالمُستثنَى من قوله: «عقدٌ لازِمٌ من الطرفَين».
(٢) قوله: (فَلَمْ يؤدِّه): المُكاتَبُ لسيدِهِ.
(٣) قوله: (فلِسَيدِهِ الفَسخُ): أي: فسخُ الكِتابةِ، كسَائِر العُقودِ اللازمَةِ، ولأنَّ مالَ الكتابةِ حَقٌّ للسيدِ، فكان له الفسخُ بالعَجزِ عنه، كما لو أعسَرَ المُشتَرِى ببعضِ ثمنِ المَبيعِ قَبلَ قَبضِه. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (ويلزَمُ إنظَارُه): أي: يلزمُ سيدًا إنظارُه، أي: المُكاتَبِ قبلَ فَسخِ كِتابتِهِ.
(٥) قوله: (ثَلاثًا): أي: ثلاثَ ليالٍ بأيامِها، إن استنظَرَهُ المُكاتبُ. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (لبَيعِ عَرَضٍ): يُوفيهِ من ثمنِه.
(٧) قوله: (ولِمَالٍ غَائِبٍ … إلخ): أي: فلا يُنظَر إن كانَ لا يُرجَى قُدومُ مالِه، أو كانَ غائبًا مَسافَةَ قَصرٍ فأكثَرَ. ح ف.
(٨) قوله: (ويجبُ على السيِّدِ أنْ يدفَعَ للمُكاتَبِ … إلخ): أي: يَلزمُه ذلِكَ
стр. 1480
وللسَّيِّدِ: الفَسْخُ بِعَجْزِهِ عَنْ رُبُعِهَا (١). وللمُكَاتَبِ، ولَو قَادِرًا على التَّكَسُّبِ: تَعجِيزُ نَفسِهِ (٢). ويَصِحُّ: فَسخُ الكِتَابَةِ باتِّفَاقِهِمَا (٣).
بعدَ قبضِ جَميعِ مالِها، لا أنْ يتركَ له الربعَ. ح ف.
(١) قوله: (وللسيدِ الفَسخُ … إلخ): أي: بأن أدَّاهُ المكاتَبُ الثلاثَةَ أرباعٍ، وعَجَزَ عن الربعِ، ولا يَعتِقُ بالعَجزِ عنه. ح ف.
(٢) قوله: (تَعجيزُ نفسِهِ): بتركِ التكسُّبِ؛ لأنَّ دينَ الكتابةِ غيرُ مُستقرٍّ عليه، ومُعظَمُ القَصدِ بالكتابةِ تخليصُه مِنَ الرقِّ، فإن لم يُرِدْ تخليصَه من الرقِّ، لم يُجبَر عليه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (ويَصِحُّ فسخُ الكِتَابَةِ باتِّفاقِهِمَا): أي: المكاتبِ وسيدِه، فيصح أن يتَقَايلا أحكَامَها؛ قياسًا على البَيعِ. قاله في «الكافي». وفي «الفروع» [¬٢]: ويتوجه: أن لا يجوز؛ لحق اللَّه تعالى. قال. م ص في «شرح الإقناع» [¬٣]: ويؤيدُهُ ما فيها منْ معنَى التعليقِ.
стр. 1481
فَصْلٌ
وإنْ اختَلَفَا (١) فِي الكِتَابَةِ (٢): فَقُولُ المُنْكِرِ (٣). وفي قَدرِ عِوَضِهَا (٤)، أو جِنسِهِ (٥)، أو أجَلِهَا (٦)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (وإنْ اختَلَفَا): أي: السيدُ ورقيقُه، ولا بيِّنة.
(٢) قوله: (في الكِتَابَةِ): كأن ادَّعَى العبدُ أن سيدَه كاتبهُ على كَذَا، فأنكرهُ سيدُه، أو ادَّعى السيدُ ذلِكَ على عَبدِه فأنكَرهُ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (فقَولُ المُنكِرِ): بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُها.
(٤) قوله: (وفي قَدرِ عِوَضِها): أي: عِوضِ الكِتابةِ، كقولِ السيدِ: كاتبتُك على ألفٍ. فيقولُ المُكاتَبُ: بل علي ستمائة، فقولُ سيدٍ بيمينِه، نصًّا. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (أو جنسِهِ): أي: وإن اتفقَا على الكِتَابةِ، واختلَفَا في جِنسِ عِوضِ الكِتَابةِ؛ بأن قال السيدُ: كاتبتُكَ على مائة دِرهَمٍ. فقالَ المُكاتَبُ: بل على عَشَرَةِ دنانيرَ. فقولُ السيدِ؛ لما تقدَّم. ع ب [¬٣].
(٦) قوله: (أو أجَلِهَا): أي: أو اختلفَا في قَدرِ أجلِها؛ بأن قال السيدُ: كاتبتُكَ على ألفين إلى شَهرين، كلُّ شَهرٍ ألفٌ. وقال العبدُ: بل إلى سَنتَين، كلُّ سنةٍ
стр. 1482
أو وَفَاءِ مَالِهَا (١): فَقُولُ السيِّدِ (٢).
والكِتَابَةُ الفَاسِدَةُ (٣): كعَلَى خَمْرٍ، أو خِنْزِيرٍ (٤)، أو مَجهُولٍ (٥). يُغلَّبُ فِيهَا: حُكْمُ الصِّفَةِ (٦)،
ألفٌ. م ص [¬١].
(١) قوله: (أو وَفَاءِ مَالِهَا): بأن قال العبدُ: وفَّيتُكَ كِتابَتي فَعتقْتُ. وأنكَرَ السيدُ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (فقَولُ السيِّدِ): بيَمينِه، وكذا لو ادَّعَى المُكاتَبُ أن سيدَهُ أبرأهُ منها، فأنكَرَه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ ذلِكَ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (والكِتَابَةُ الفَاسِدَةُ): كمَا إذا فُقِدَ [¬٤] شَرطٌ من شُروطِ صِحَّتِها؛ بأنْ كان العِوضُ فيها حَرامًا، ونحو ذلك.
(٤) قوله: (كَعَلَى خَمْرٍ أو خِنزِيرٍ): أي: كالكِتَابةِ على خَمرٍ، أو على خِنزيرٍ.
(٥) قوله: (أو مَجهُولٍ): أي: أو الكِتَابةِ على شَيءٍ مجهُولٍ، كثَوبٍ، أو حِمَارٍ.
(٦) قوله: (يُغلَّبُ فيها حُكمُ الصِّفَةِ): المرادُ بالصفَةِ: التعليقُ للعتقِ على أداءِ المَالِ بقوله: إن أدَّيتَ إليَّ كَذَا، فأنتَ حُرٌّ. وحكمُها: هو العتقُ بالأداءِ. ومعنَى تَغليبِ حُكمِهَا: أن يقدَّرَ وجودُها، وإن لم يُصرِّح به، فكأنه قال: إن أدَّيتَ إليَّ كذا، فأنتَ حُرٌّ. فيكونُ العتقُ في الفاسِدَةِ بالأداءِ لا بالكِتَابةِ. ح ف.
стр. 1483
فِي أنَّه (١) إذا أدَّى (٢) عَتَقَ (٣)، لا إنْ أُبرِئَ (٤)، ولِكُلٍّ فَسْخُها (٥).
(١) قوله: (في أنَّه): أي: المُكاتَبَ.
(٢) قوله: (إذا أدَّى): ما كُوتِبَ عليه، ولو الخَمرَ أو الخِنزيرَ. وأما إذا كان على مالٍ، فواضِحٌ؛ لأنَّ العتقَ يتشوَّفُ له الشَّارِعُ ﷺ . هذا معنى حُكمِ الصِّفةِ.
(٣) قوله: (عَتَقَ): لأن مُقتضَى عَقدِ الكِتَابةِ أنه مَتَى أدَّى، عَتَقَ، فيصيرُ كالمُصرَّحِ به، فيعتِقُ بوجُودِه، كالكِتابةِ الصَّحيحَةِ. ع ب [¬١].
(٤) قوله: (لا إنْ أُبرِئَ): أي: لا يَعتِقُ بالكِتَابةِ الفَاسِدَةِ إن أُبرِئَ ممَّا كُوتِبَ عليه، أو أدَّاه لغَيرِ السيدِ؛ لأنَّ الصفةَ لم تُوجَد، والعقدُ الفاسِدُ لا أثَرَ له، فلم يثبُت في الذمَّةِ شَيءٌ تَقَعُ البراءةُ مِنه. ع ب [¬٢].
(٥) قوله: (ولِكُلٍّ فَسخُها): أي: ولِكلٍّ مِنْ سَيدٍ ورَقيقِهِ فَسخُها؛ لأنها عَقدٌ جَائِزٌ، لأنَّ الفاسِدَ لا يلزَمُ حُكمُه، وسواءٌ كانَ ثَمَّ صِفَةٌ أو لم تكُن؛ لأنها مبنيةٌ على المُعاوَضَةِ، وتابعةٌ لها. والمعاوضةُ هي المقصودُ، فإذا بطَلتِ المُعاوضَةُ، بَطَلَت الصِّفَةُ المبنيَّةُ عليها، بخلافِ الصفَةِ المجرَّدَةِ، ويملِكُ المُكَاتَبُ في الفَاسِدَةِ التصرُّفَ في كَسبِه، وأخْذَ الزكوات والصَّدقَاتِ، كالصحيحَةِ. وإذا كانتِ الكِتَابَةُ الفاسِدَةُ على عَدَدٍ، فإذا أدَّى إليه أحدُهُم، عتَقَ كالصَّحيحَةِ. ولا يلزمُ السيِّدَ في الفاسِدَةِ أداءُ ربعِ الكِتَابَةِ، ولا شيءٍ منها؛ لأن العِتقَ هنا بالصِّفةِ، أشبهَ ما لو قَالَ: إذا أدَّيتَ إليَّ، فأنتَ حُرٌّ. م ص [¬٣].
стр. 1484
وتَنفَسِخُ (١): بِمَوتِ السيِّدِ. وجُنُونِه. والحَجْرِ عَلَيهِ (٢).
(١) قوله: (وتنفسِخُ): الكِتابةُ الفَاسِدةُ.
(٢) قوله: (بمَوتِ السيِّدِ، وجُنُونِه، والحَجرِ [¬١] عليهِ): لسَفَهٍ؛ لأنها عَقدٌ جَائِزٌ من الطرفين، فلا يؤولُ إلى اللُّزومِ، وأيضًا فالمغلَّبُ فيها حكمُ الصفةِ المجرَّدَةِ، وهي تبطُلُ بالمَوتِ. ويملِكُ السيدُ أخذَ ما بيدِ المُكاتَبِ في الفَاسِدَةِ دونَ الصحيحَةِ. م ص [¬٢].
стр. 1485
بَابُ أحكَامِ أُمِّ الوَلَدِ
بَابُ أحكَامِ أمِّ الوَلَدِ
الأحكَامُ جَمعُ حُكمٍ، وهو في اللُّغَةِ: القَضَاءُ والحِكمَةُ. وفي الاصطلاح: خِطَابُ اللَّه المُفيدُ فائِدَةً شَرعيَّةً. ويُحمَلُ هنا على خِطَابِ التَّكلِيفِ، كما يُعلَمُ ممَّا يأتي من جواز الانتفَاعِ بِهنَّ، وتَزويجِهنَّ، وتَحريمِ بيعِهِنَّ، ونحوِه ممَّا ستقفُ عليه. واعلَم: أن حُكمَ المُستَولَدَةِ لا يخرُجُ عن أربَعةِ أقسَامٍ:
قسمٌ هِيَ فيهِ كالأمَةِ وفاقًا، وذلِكَ كمِلكِ السَّيدِ أكسَابَها، ووجُوبِ مُؤُنَتِها وزَكاتِها عَلَيه، وشهَادَتِها، واستِبَاحةِ وَطئِها ومقدِّماتِه، واستخدامِها، وإعارَتِها، وإيدَاعِها، وإجَارَتِها، والجِنَايةِ عَليها.
وقسمٌ فيه الخِلافُ، وذلِكَ تزويجُها بغيرِ رِضَاهَا، والأصحُّ أنه للسِّيدِ، كالقِنَّةِ.
وقِسمٌ تُخَالِفُ فيها الحُرَّةَ والأمَةَ وفاقًا، وذلِكَ جناياتُها خَطأً، فإنها على سَيدِها، وجنايةُ الحرَّةِ على عاقِلَتِها، والأمةِ في رَقَبَتِهَا.
وقِسمٌ فيه كالحرَّةِ، وذلِكَ كالبيعِ، والرَّهنِ، والوَقفِ، والهِبَةِ، والوصيَّةِ. فاحفَظْ ذلِكَ. ولمَّا كانَ حُكمُها متنوعًا جمَعَه فعبَّرَ بالأحكَامِ.
قوله: (أمِّ الوَلَدِ) أصلُّ أمِّ: أمهةٌ، ولذلِكَ جُمِعت على: أمَّهات، باعتبارِ الأصل، وعلى: أُمَّات باعتبارِ اللَّفظ. قال الرَّضيُّ وغيرُه: والأوَّلُ مِنَ النَّاسِ أكثَرُ من الثاني، وفي غَيرِهم بالعَكس. والهاءُ في أمهةٍ زائدةٌ عندَ الجمهور. فعلى هذا وزنُ أمهة: فعلَهَةٌ. قال بعضُهم: هذا هو الأوجَهُ في حَذفِها؛ لأنَّ
стр. 1486
وهِيَ (١): مَنْ وَلَدَتْ مِنَ المَالِكِ (٢) ما فِيهِ صُورَةٌ (٣)،
ما زيد في الكلام أضعافُ ما حُذِفَ منه، ولأن الزيادةَ عندَهم أولَى من الحَذفِ. هذا خُلاصَةُ ما نقلَه شيخُ الوالد، الشيخ عثمان النجدي، عن الشيخ عميرة الشافعي في هذا المحل في بعضِ تعاليقِه. وانظر العبارةَ برمَّتها على «شرح المنتهى» [¬١] في هذا المحل.
(١) قوله: (وهي): أي: أمُّ الولَد.
(٢) قوله: (مَنْ ولَدَتْ مِنَ المَالِكِ): لها، ولو لبَعضِها، ولو جُزءًا يَسيرًا، ولو كانت الأمةُ محرَّمةً على مالِكها، كأُخْتِه من رَضَاعٍ، ومَجوسيَّةٍ، ووثنيَّةٍ، وكوطئِها في حَيضٍ.
واحترِز به عن الزَّوجِ، فإنها لا تَصيرُ أمَّ ولَدٍ إذا ولَدَت منه، وعَنِ الأجنبيِّ، وعمَّا لو أولَدَها ثمَّ ظهرَت مستحقَّةً. ح ف وزيادة.
(٣) قوله: (ما فِيهِ صُورَةٌ): ولو بشَهادةِ امرأةٍ ثقةٍ؛ بأن ولَدَت ما فيه صَورةُ أدميٍّ، ولو بعضُ صُورتِه مِنْ رأسٍ، أو يدٍ، أو رِجلٍ، أو تَخطيطٍ، سواءٌ ولَدَتْه حيًّا أو ميتًا، وسواء أسقَطَته أو كانَ تامًّا، وبطريقِ الأولى: لو وضَعَت إنسانًا. لكنْ إن وضَعَت ولدًا تامًّا، فلا بدَّ فيه مِنْ إمكانِ كَونِه مِنَ الواطِئ، وإلاَّ لم تَصِرْ به أمَّ ولَدٍ، على ما يأتي في لُحوقِ النَّسَبِ. واحترز به عمَّا لو ألقَت مُضغَةً، أو جِسْمًا بلا تَخطيطٍ. قال في «المغني»: وكلُّ موضِعٍ لَحِقَهُ الولدُ من أمةٍ إذا حَمَلَت به في مِلكِه، فالولَدُ حُرُّ الأصلِ، لا ولاءَ عليهِ، وتصيرُ به أمَّ ولدٍ.
ولو تبيَّنَ حملُها في بَطنِها بقَولِ القَوابِل ولم تَضَعْ، لم تَصِر به أمَّ ولد، على
стр. 1487
ولو خَفِيَّةً (١). وتَعتِقُ: بِمَوتِهِ (٢)، وإنْ لم يَملِك غَيرَهَا (٣).
ومَنْ مَلَكَ حَامِلًا (٤)، فَوَطِئَها: حَرُمَ بَيعُ ذلِكَ الوَلَدِ (٥)،
المذهب، كما هو مَفهُومُ المتن. وفي «الفروع»: إن لم تضَعْ وتبيَّن حَملُها في بَطنِها، عَتَقَت، وأنه يُمنَعُ مِنْ نَقلِ المِلكِ لما في بطنها حتَّى يُعلَمَ. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (ولَو خَفيَّةً): قال الزركشي: وشَمِلَ يعني: كلامَ الخِرقي ما إذا وضَعَت جِسمًا لا تَخطيطَ فيه، فَشهِدَت القوابلُ أنَّ فيه صورةً خفيَّةً، وهو كذلِكَ؛ لأنه قد تبيَّن فيه خلقُ الإنسَانِ بشَهادتِهنَّ. ح ف.
(٢) قوله: (وتَعتِقُ بمَوتِهِ): أي: تعتقُ أمُّ الولَدِ من حيثُ هِيَ. وما في يدِهَا لورثَةِ سيدِها، إلا ثيابَ اللُّبسِ المُعتَادِ. ح ف.
(٣) قوله: (وإنْ لم يَملِك غَيرَها): لحديث ابن عباس، قال: ذُكِرَت أمُّ إبراهيمَ عندَ رسول اللَّه ﷺ فقال: «أعتَقَهَا ولدُها». رواه ابن ماجه، والدارقطني [¬١]. ولأنَّ الاستيلادَ إتلافٌ حَصَلَ بسبَبِ حاجةٍ أصليَّةٍ، وهيَ الوَطءُ، فكانَ من رأسِ المالِ، كالأكلِ ونحوه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (ومَنْ مَلَكَ حَامِلاً): مِنْ غَيرِهِ بزَوجيَّةٍ، أو شُبهَةٍ.
(٥) قوله: (فَوَطِئَها، حَرُمَ بيعُ ذلِكَ الوَلَدِ): ظاهِرهُ: أنه لا يصح البيعُ، وأنه يُجبَرُ على عِتقِه. وفي «الإنصاف»: يعتِقُ عليه. وصرَّح في «الكافي» عن القاضي بأنه إنْ وَطِئَها بعدَ أن كَمُلَ للولَدِ خَمسَةُ أشهرٍ؛ لم تَصِر أمَّ ولدٍ، وإن وَطِئَها
стр. 1488
ويَلْزَمُهُ عِتْقُهُ (١).
ومَنْ قالَ لأمتِهِ: أنتِ أُمُّ وَلَدِي، أو: يَدُكِ أمُّ ولَدِي: صَارَتْ أمَّ ولَدٍ (٢). وكَذَا: لو قَالَ لابنِهَا: أنتَ ابنِي، أو: يَدُكَ ابنِي (٣). ويَثبُتُ: النَّسَبُ (٤).
في ابتداءِ حَملِها، أو بوَسَطِه، صَارَتْ أمَّ ولَدٍ؛ لأن الماءَ يزيدُ في سَمعِه وبَصرِه. ح ف.
(١) قوله: (ويلزمه عِتقُه): لأنه قد شَرَكَ فيه؛ لأنَّ الماءَ يزيدُ في الولَد. نقله صالح وغيره. م ص [¬١].
(٢) قوله: (صَارَت أمَّ ولَدٍ): لأن إقرارَه بأنَّ جُزءًا مِنها مُستَولَدٌ، يُلزِمُهُ الإقرارَ [¬٢] باستيلادِها. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وكَذَا لو قَالَ لابنِها: أنتَ ابنِي … إلخ): قال الحفيدُ: ويَعتِقُ بذلِكَ، ويلحقُه نسبُه. قال م ص [¬٤]: فهو إقرارٌ بأنه ابنُه، كقوله: أنتَ ابني. وإن لم يقُلْ: ولَدَتْهُ في مِلكِي، لم تَصِر أمَّ ولَدٍ له، إلاَّ أن تدلَّ قرينَةٌ على وِلادتِها له في مِلكِه. ويأتي في الإقرار.
(٤) قوله: (ويثبُتُ النَّسَبُ): ويَعتِقُ بذلِكَ.
стр. 1489
فإنْ ماتَ ولَمْ يُبِّين: هلْ حَمَلَتْ بهِ في مِلْكِهِ أو غَيرِهِ؟ لَم تَصِرْ أُمَّ ولَدٍ، إلَّا بقَرينَةٍ (١).
ولا يَبطُلُ الإيلادُ بحَالٍ، ولو بِقَتلِهَا لِسَيِّدِهَا (٢). وولَدُهَا (٣) الحَادِثُ (٤) بَعدَ إيلادِهَا (٥): كَهِيَ (٦).
(١) قوله: (لم تَصِرْ أمَّ ولَدٍ إلاَّ بقَرينَةٍ): بأن كانَت فِراشًا له، أو يقول: ولَدَته في مِلكِي. ع ب وزيادة [¬١].
(٢) قوله: (ولو بقَتلِهَا لسيِّدِهَا): سواءٌ قتَلَتهُ عَمدًا أو خطأً، وللوَرَثَةِ القِصَاصُ في العَمدِ، إن لم يكُن لها ولَدٌ منه حِينَ القَتلِ، أو كانَ وقامَ به مانِعٌ من الإرثِ، فإن كانَ ولا مَانِعَ، سَقَطَ القِصَاصُ، وعليها قيمةُ نفسِها.
فإن قِيل: ينبغي أن لا تَعتِقَ كما لا يَرِثُ القَاتِلُ، وكالمدبَّر. أُجيب: بأنها إن لم تَعتِقْ بذلِكَ، لزِمَ جوازُ نقلِ المِلكِ فيها، ولا سَبيلَ إليه. ولأنَّ الحُريَّةَ لله، والاستيلادُ أقوى مِنَ التدبير.
(٣) قوله: (وولَدُها): أي: أمِّ الولَد.
(٤) قوله: (الحَادِثُ): مِنْ غَيرِ سيِّدِها.
(٥) قوله: (بَعدَ إيلادِهَا): من سيدِها. قال الحفيد: أمَّا الموجُودُ قبلَ إيلادِها، فليسَ هو بمنزِلَتها إذا كانَ من غَيرِ سيِّدها.
(٦) قوله: (كَهِيَ): أي: في عَدمِ صحةِ التصرُّفِ فيه، وفي أنه يَعتِقُ بمَوتِ السيِّدِ، وليس تابعًا محْضًا، بحيثُ إنه إذا ماتَت أمُّه قبلَ مَوتِ السيدِ يعودُ إلى الرقِّ، بل بمنزِلَةِ ولَدِ المدبَّرَةِ الذي قُلنا: إنه مُدبَّر بنفسِه. سواءٌ كانَ الولدُ
стр. 1490
لكِنْ (١) لا يَعتِقُ بإعتَاقِهَا (٢)، أو مَوتِهَا قبلَ السيِّدِ (٣)، بل بِمَوتِهِ (٤).
وإنْ ماتَ سَيِّدُهَا وهِيَ حَامِلٌ: فنَفَقَتُها مُدَّةَ حَملِهَا مِنْ مَالِهِ (٥)،
التي أتَتْ به مِنْ غيرِ السيدِ مِنْ نِكاحٍ صَحيحٍ، أو زِنًى، أو شُبهَةٍ، إن لم تَشتَبه عليه بمَنْ ولَدُه منها حُرٌّ، وسواءٌ عَتَقَت بمَوتِ سيدِها أو ماتَت قبلَه. فيجوزُ فيه من التصرُّفاتِ ما يجوزُ في أمِّ الولد مِنْ إجارةٍ، واستخدَامٍ، وإعارةٍ، وإيدَاعٍ، ونحو ذلك. ويَمتنِعُ فيه ما يَمتنعُ فيها من التدبيرِ، والبيعِ، والهبةِ، والوصية، والوقفِ. م خ وزيادة [¬١].
(١) قوله: (لكِنْ): استدراكٌ على قوله: «كَهِيَ».
(٢) قوله: (لا يَعتِقُ بإعتَاقِها): لأنها عَتَقَت بغيرِ السَّببِ الذي تَبِعَها فيه، ويبقَى عِتقُه مَوقُوفًا على مَوتِ سيدِه، وكذا لو عَتَقَ ولدُها، لم تَعتِق بذلِكَ، بل بمَوتِ سيدِها. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (أو مَوتِها): أي: ولا يَعتِقُ ولدُها بمَوتِها قبلَ سَيدِها، ويبقَى عِتقُه مَوقُوفًا على مَوتِ سيدِها؛ لبقَاءِ التبعيَّةِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (بل بمَوتِه): أي: السيد. إضرابٌ إبطالِيٌّ.
(٥) قوله: (مِنْ مَالِه): أي: مالِ الحَملِ، أي: نَصيبِه الذي وُقِفَ له؛ لمِلكِه لَهُ. م ص [¬٤].
стр. 1491
إنْ كَانَ (١)، وإلَّا: فَعَلَى وارِثِهِ (٢).
وكُلَّمَا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ (٣): لَزِمَ السيِّدَ فِدَاؤُهَا (٤) بالأَقَلِّ مِنَ الأَرْشِ (٥)، أو قِيمَتِهَا يَومَ الفِدَاءِ (٦).
ناقَشَه البُهوتيُّ بقوله: هذا مبنيٌّ على أنَّ الحَملَ يرِثُ بمجرَّدِ الحَملِ، والاستِهلالُ شَرطٌ. والصحيحُ أنه لا يَرِثُ إلا بالاستِهلال، أي: مِنْ حِينِه.
(١) قوله: (إنْ كانَ): أي: إن كانَ له مالٌ.
(٢) قوله: (وإلاَّ فَعَلَى وارِثِه): أي: بأن لم يكن للحمل مالٌ [¬١] بأنْ لم يُخلِّف السيدُ ما يَرِثُ منه الحَملُ، فنفقَةُ أمِّ الحَملِ على وَارِثه؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وكُلَّمَا جَنَتْ أمُّ الولَدِ [¬٣]) على غَير سَيدِها، تعلَّق أرشُ جِنايَتِها برَقَبتِها. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (لَزِمَ السيِّدَ فِداؤُها بالأقلِّ … إلخ): فلو نَقَصَت قِيمتُها أو زادَت يَومَ الفِدَاء، فدَاهَا بقيمَتِها يومَ ذَاكَ، إن كانَت أقلَّ من الأرشِ، ويَفدِيها بقِيمَتِها أمَّ ولَدٍ؛ لأنَّ الاستيلادَ يَنقُصُها، ولو ماتَت قبلَ الفِدَاءِ، فلا شَيءَ على سيدِها، إلاَّ أن يكونَ هو الذي أتلَفَها، فيكونُ عليهِ قيمتُها. ح ف.
(٥) قوله: (بالأقلِّ مِنَ الأرشِ): أي: أرشِ الجِنَايةِ.
(٦) قوله: (أو قيمَتِهَا يَومَ الفِدَاءِ): أي: أو الأقلِّ من قِيمَتِها يومَ الفِدَاء.
стр. 1492
وإن اجتَمَعَتْ أُرُوشٌ (١) قَبلَ إعطَاءِ شَيءٍ مِنهَا: تعلَّقَ الجَمَيعُ (٢) بِرَقَبَتِهَا، ولمْ يَكُنْ على السيِّدِ (٣) إلَّا الأقَلُّ (٤) مِنْ أرشِ الجَمِيعِ، أو قِيمَتِهَا (٥). ويَتَحَاصُّونَ: بِقَدرِ حُقُوقِهِم (٦).
وإنْ أسلَمَت أمُّ وَلَدٍ لِكَافِرٍ (٧): مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا، وحِيلَ بينَهُ وبَينَهَا (٨)،
(١) قوله: (وإنْ اجتَمَعَتْ أُروشٌ): بجنَاياتِها.
(٢) قوله: (تعلَّقَ الجَميعُ): مِنَ الأُروشِ.
(٣) قوله: (ولم يَكُنْ علَى السيِّدِ): فيها كلِّها.
(٤) قوله: (إلاَّ الأقَلُّ): يصح في «أقلّ» الرفعُ على البَدَلِيَّةِ من اسم «يكُن» أو النصبُ على الاستثناءِ؛ لأنه تقدَّم الكلامَ نفيٌ.
(٥) قوله: (أو قِيمَتِهَا): أي: أو من قِيمَتِها، يَشتَرِكُ فيها أربابُ الجِنَايَاتِ. فإن لم يَفِ ما وجَبَ على السيدِ مِنْ الفِدَاءِ بأربابِ الجِناياتِ، تَحَاصُّوا. فلو أبرأَ بعضُهم من حقِّه، توفَّر الواجِبُ على الباقِين إن كانت كلُّها قبلَ الفِداءِ، وإن كانَ المعفوُ عنها بعدَ فدَائِها، توفَّر أرشُها على السَّيِّدِ. ح ف.
(٦) قوله: (ويتَحَاصُّونَ): أي: وإن لم يَفِ بأربابِ الجِنَاياتِ، يتحاصُّونَ فيه. (بقَدرِ حُقُوقِهِم) لأن السيد لا يلزمُه أكثرُ منه، كالجِنَاياتِ على شَخصٍ واحدٍ.
(٧) قوله: (وإنْ أسلَمَتْ أمُّ وَلَدٍ): وكذا إذا أسلَمَت مُدبَّرةُ الكَافِرِ؛ لقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [المُمتَحنَة: ١٠] ح ف.
(٨) قوله: (مُنِعَ مِنْ غَشَيَانِهَا): أي: وطئِها والتلذُّذِ بها؛ لتحَريمِها عليه بإسلامِها. (وحِيلَ بينَهُ وبينَها) لئلا يغشَاهَا، ولا تَعتِقُ بإسلامِها، بل يَبقَى
стр. 1493
وأُجبِرَ على نَفَقَتِهَا (١) إن عُدِمَ كَسبُهَا (٢).
فإنْ أسلَمَ: حَلَّتْ لَهُ (٣). وإنْ مَاتَ كافِرًا: عَتَقَتْ (٤).
مِلكُه عليها على ما كانَ قبلَ إسلامِها، إلاَّ أنَّها تُسلَّمُ إلى امرأةٍ ثقةٍ تكونُ عندَها، وتقومُ بأمرِها، فإن احتاجَت المَرأةُ إلى أُجرَةٍ، أو احتيجَ إلى أُجرَةِ مَنزِلٍ، فَعَلَى سَيدِّها. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (وأُجبِرَ على نَفَقَتِها … إلخ): فإن كانَ لها كَسبٌ لا يَفِي ببَعضِها، فَعَلَى سيدِّها تَمامُها. ح ف.
(٢) قوله: (إنْ عُدِمَ كسبُهَا): لوجُوبِها عليه؛ لأنه مَالِكُها، ونفقَةُ المملُوكِ على سيِّدِه. فإن كانَ لها كَسبٌ، فنفقَتُها فيه؛ لئلا يَبقَى له وِلايةٌ عليها بأخذِ كَسبِها. م ص [¬١].
(٣) قوله: (فإنْ أسلَمَ، حَلَّتْ له): أي: فإن أسلم سيِّدُها، حلَّت له؛ لِزَوالِ المَانِع، وهو الكُفر.
(٤) قوله: (وإنْ ماتَ): سيدُها (كافِرًا، عَتَقَتْ) بمَوتِه، كسائِر أمَّهاتِ الأولادِ، ولِعُمومِ الأخبار. م ص [¬٢] وزيادة.
* * *
стр. 1494
كِتابُ النِّكَاحِ
يُسنُّ: لِذِي شَهْوَةٍ (١) لا يَخَافُ الزِّنَى. ويَجِبُ: عَلَى مَنْ يَخَافُه (٢).
كِتَابُ النِّكَاحِ
هو لغةً: الوطءُ، والجَمعُ بينَ الشيئَينِ. وقد يُطلَقُ على العَقدِ، فإذا قالُوا: نَكَحَ فَلانَةَ، أو: بِنتَ فُلانٍ، أرادُوا: تزوَّجَها وعَقَدَ عَليها، وإذا قالوا: نَكَحَ امرأتَه، لم يريدُوا إلاَّ المُجامَعةَ؛ لقَرينَةِ ذكرِ امرأتِه أو زَوجَتِه.
وشرعًا: عَقدٌ يُعتبرُ فيه لَفظُ نِكاحٍ وتَزويجٍ في الجُملَةِ، والمَعقُودُ عليه مَنفَعةُ الاستِمتَاع. عثمان [¬١].
(١) قوله: (يُسنُّ لِذي شَهْوَةٍ): أي: يُسنُّ النِّكاحُ لِصَاحِب شَهوةٍ إنْ وَجَدَ الطَّولَ، وإن كانَ غَيرَ قادِرٍ على الإنفَاقِ. ح ف.
(٢) قوله: (ويَجبُ علَى مَنْ يخَافُهُ): أي: يجبُ النكاحُ على من يخافُ زِنًى بتَركِه، ولو ظَنًّا، رجُلاً كانَ أو امرأةً؛ لأنه طريقُ إعفَافِ نفسِه وصَونِها عن الحَرامِ، ولا فَرقَ بينَ القَادِر على الإنفَاقِ والعَاجزِ عنه. ولا يُكْتَفَى بمرَّةٍ، بل يكونُ في مَجمُوعِ العُمُرِ. وعِبارةُ «المقنع» بدلَ الزِّنى: المَحْظُورُ. وهو أعمُّ، إذ يشمَلُ حتَّى الاستِمناءِ باليد. عثمان [¬٢].
стр. 1495
ويُبَاحُ: لِمَنْ لا شَهْوَةَ لَهُ (١). ويَحرُمُ: بدَارِ الحَربِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ (٢).
ويُسَنُّ: نِكَاحُ ذَاتِ الدِّينِ (٣)،
(١) قوله: (ويُباحُ لِمَنْ لا شَهوةَ لَه): أصلاً، كَعنِّين، أو ذَهَبتْ شَهوتُه لِعَارِضٍ، كَمَرضٍ وكِبَرٍ؛ لأنَّ المقصُودَ منَ النكَاحِ التَّحصِينُ، والولَدُ، وتكثيرُ النسلِ، وهو غَيرُ موجُودٍ فيمَن لا شَهوةَ له، فلا ينصَرِفُ الخِطَابُ به إلى من لا شَهَوةَ له، إلاَّ أنه يكونُ مُباحًا في حقِّه كَسائِرِ المُباحَاتِ؛ لعَدم مَنعِ الشَّرعِ منه، فَتَخلِّيهِ لنَوافِلِ العِبَادَةِ أفضلُ في حَقِّه. م ص [¬١] بإيضاح.
(٢) قوله: (ويَحرُمُ): النكاحُ (بِدَارِ الحَربِ لِغَيرِ ضَرورَةٍ) وهي غَلبةُ الشَّهوَةِ، ولو مُسلِمَةً؛ نصًّا. ولا يَطأُ زوجَتَه إن كانت معَهُ، نصًّا. قاله [¬٢] الزركشي. والأسيرُ ليسَ له التزوُّجُ ما دَامَ أسيرًا. وأمَّا إن كانَت ضَرورَةً، فله التَزويجُ والتسرِّي بدارِ الحَرب. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (ويُسنُّ نِكَاحُ ذَاتِ الدِّينِ): لحَديث: «تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ؛ لِمَالِها، ولِحَسَبِها، وجَمالِها، ولدِينِها، فاظفَرْ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يداكَ» متفق عليه [¬٤]. قوله: «لمَالِها». قدَّم الغنيَّةَ؛ لأنَّ صاحِبَةَ المَالِ قَنوعةٌ، وهي رأسُ الأُمورِ. وقوله: «فاظفَر» أي: تمسَّك. وقوله: «تَرِبَتْ يدَاكَ». أي: افتَقَرَت إنْ لم تَفعَل، واستَغنَيتَ إن فَعَلْتَ. وفسَّره في «المصباح» بقوله: لَصِقَت يَدُه بالتراب إنْ لَم يفعَل.
стр. 1496
الوَلُودِ (١)، البِكْرِ (٢)،
ولا يزيدُ على نِكَاح واحِدَةٍ؛ لأنَّ الزيادَةَ عليها تُعرِّضُ للمُحرَّمِ. وأرادَ الإمامُ أحمد أن يتزوَّج أو يتسرَّى، فقالَ: يكونُ لهُما لَحمٌ. يريدُ: كونَهُما سَمينَتَينِ. وكان يُقَالُ: من تزوَّجَ امرأةً فليسْتَجِدْ شَعرَها [¬١]، فإنَّ الشعرَ وَجهٌ، فتخيَّروا أحَدَ الوَجهَينِ. وينبغي أن تكونَ المرأةُ مِنْ بيتٍ معروفٍ بالدِّينِ والقَناعَةِ، وأن تكونَ ذاتَ عَقلٍ لا حَمقاءَ، وأن يمنَعَ زوجَتَه مِنْ مُخالَطَةِ النساءِ، فإنِّهنَّ يُفسِدنَها عليه.
والأولى أن لا يسكُن بها عِنْدَ أهلِها، وأن لا يُدخِل بيتَه مُراهِقًا، ولا يأذَن لها في الخُروجِ. وأحسَنُ النساءِ التركياتُ، وأصلحهُنَّ الجلَبُ التي لم تَعرِفْ أحدًا.
وليحذَرِ العَاقِلُ إطلاقَ البَصَرِ، فإنَّ العينَ ترَى غَيرَ المقدُورِ عليه على غَيرِ ما هُو عليه، وربَّما وقَعَ مِنْ ذلِكَ العِشقُ، فيهلِكُ البدنُ والدِّينُ، فمَن ابتُلِي بشَيءٍ من ذلِك، فليُفكِّر في عُيوبِ النساءِ.
(١) قوله: (الوَلُودِ): بأن تكونَ من نِسَاءٍ يُعرَفنَ بكَثرَةِ الأولادِ. يقال: ولَدَت فَهِيَ والِدٌ. فإذا أرادُوا التَّكثِيرَ قالوا: ولُودٌ. فَهِي صِيغَةُ مُبالَغةٍ «مطلع» [¬٢] بإيضاح.
(٢) قوله: (البِكرِ): لأمرِه ﵇ جابرًا: «فهلاَّ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُك». متفق عليه [¬٣].
стр. 1497
الحَسِيبَةِ (١)، الأَجنَبيَّةِ (٢).
ويَجِبُ: غَضُّ البَصَرِ (٣) عَنْ كُلِّ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالَى، فلا يَنْظُرُ إلَّا ما وَرَدَ الشَّرعُ بِجَوَازِهِ.
والنَّظَرُ ثمانِيةُ أقسَامٍ:
الأوَّلُ: نَظَرُ الرَّجُلِ البَالِغِ- ولو مَجبُوبًا (٤) -
(١) قوله: (الحَسِيبَةِ): هي الطيِّبةُ الأصلِ. وأصلُ الحَسَبِ: الشَّرفُ بالآباءِ، وما يعدُّه الإنسانُ من مَفاخِرِهم؛ ولِنَجَابةِ ولَدِها، فإنه ربَّما أشبهَ أهلَها ونَزَعَ إليهم. فلا يُسنُّ التزوُّجُ بمَن أصلُها رَديءٌ، كبِنتِ اليَهوديِّ، والقَمَّامِ والزبَّالِ ونَحوِ ذلك، وبنتِ الزِّنَى، واللَّقيطَةِ، ومن لا يُعرف أبوها. ح ف.
(٢) قوله: (الأجنبيَّةِ): لأنَّ وَلدَها أنجَبُ، ولأنه لا يأمنُ الفِراقَ، فيُفضِي معَ القَرابَةِ إلى قَطيعُةِ الرَّحمِ. ويسنُّ أيضًا تخيُّر الجميلةِ؛ لأنه أسكنُ لنَفسِهِ، وأغضُّ لبصَرِه، وأكملُ لمودَّتِه، ولذلك شُرِعَ النظرُ قبلَ النكاحِ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيلَ: يا رسولَ الله، أيُّ النساءِ خَيرٌ؟ قال: «التي تسُرُّه إذا نَظَرَ، وتُطيعُه إذا أمَرَ، ولا تُخالِفُه في نفسِها ولا في مَالِه بما يَكرهُ». رواه أحمد، والنسائي [¬١]. ع ب [¬٢].
(٣) قوله: (ويَجِبُ غَضُّ البَصَرِ … إلخ): هذه مقدِّمةٌ يوضِّحُ بها الأقسَامَ الثمانيةَ.
(٤) قوله: (الأوَّلُ: نَظرُ الرَّجُلِ البَالِغِ، ولو مَجبُوبًا): أي: مقطوعَ الذَّكَر. ويَحرُم نَظَرُ الخَصِيِّ، أي: مَقطوعِ الخُصيَتَينِ، والمَمْسُوحِ، أي: مَقطُوعِ
стр. 1498
للحُرَّةِ البَالِغَةِ الأجنبيَّةِ (١)، لِغَيرِ حاجَةٍ. فلا يَجُوزُ له نَظَرُ شَيءٍ مِنهَا، حتَّى شَعْرِهَا المُتَّصِلِ (٢).
الثَّانِي: نَظَرُهُ لِمَنْ لا تُشتَهَى، كعَجُوزٍ (٣)، وقَبيحَةٍ (٤). فَيجُوزُ: لِوجهِهَا خَاصَّةً (٥).
الذَّكَرِ والخُصيَتَين. ع ب [¬١].
(١) قوله: (للحُرَّةِ البَالِغَةِ الأجنبيَّةِ): نصًّا. قال الأثرمُ: استعظمَ الإمام أحمد إدخَالَ الخِصيَانِ على النساءِ؛ لأن العُضوَ وإن تعطَّلَ، أو عُدِمَ، فشهوةُ الرجالِ لا تزولُ من قلوبِهم، ولا يُؤمنُ التمتُّعُ بالقُبلَةِ وغَيرِها. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (حتَّى شَعرِهَا): حتى: حرفُ عطف. ف «شعرها» بالجرِّ، عطفٌ على «شيء» من عَطفِ البعضِ على الكُلِّ. والمَعنى: فلا يجوزُ النظرُ إلى شيءٍ منها حتى النظر إلى شَعرِها. و (المتَّصِلِ) صفة لشَعْرٍ. وأما إذا كانَت حاجةٌ داعيةٌ للنظرِ، فسيأتِي فِي كلامِ المصنفِ مَفصَّلاً.
(٣) قوله: (الثانِي: نَظَرُه): أي: الرجُلِ البَالِغ (لِمَنْ لا تُشتَهى) لأن النصَّ ورَدَ في العَجوزِ بقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا﴾ [النُّور: ٦٠] الآية. وأُلحِقَ بها ما فِي معنَاها ممَّا ذُكِرَ. ح ف.
(٤) قوله: (وقبيحَة): المَنظَرِ، ومَريضَةٍ لا تُشتَهَى، إلى غَيرِ عَورَةِ صَلاةٍ. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (لِوجهِهَا خاصَّةً): دونَ بقيةِ أعضائِها.
стр. 1499
الثَّالِثُ: نَظَرُهُ (١) للشَّهَادَةِ عَلَيهَا، أو لِمُعَامَلَتِهَا (٢). فَيجُوزُ: لِوَجهِهَا (٣). وكذا: كَفَّيهَا لِحَاجَةٍ (٤).
الرَّابِعُ: نَظَرُهُ (٥) لِحُرَّةٍ بالِغَةٍ يَخْطُبُهَا (٦). فَيجُوزُ: للوَجهِ، والرَّقَبَةِ، واليَدِ، والقَدَمِ (٧).
(١) قوله: (الثَّالِثُ: نَظَرُه): الثالِثُ من الأقسامِ: نظرُ الرجُلِ البالِغِ.
(٢) قوله: (أو لِمُعَامَلَتِها): في بَيعٍ وإجَارةٍ وغَيرِهما.
(٣) قوله: (فيجوزُ لوجهِهَا): ليعرِفَهَا بعَينِها؛ لتجوزَ الشهادةُ عليها، أو يرجِعَ عليها بالدَّرَكِ، أي: على البَائِعَةِ [¬١] بالعُهدَةِ، وعلى المُشتَرِيةِ بالثَمنِ. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (وكذا [¬٣] كفَّيهَا لِحَاجَةٍ): وكذا يجوزُ لمُعامِلٍ نَظرٌ إلى كَفَّيها. نقلَ حربٌ ومُحمَّد بن أبي حَرب، في البائِعِ ينظُرُ كفَّيها ووجهَهَا: إن كانَت عَجُوزًا رَجوتُ، وإنْ كانَت شابَّةً تُشتَهَى أكرَهُ ذلِك. م ص [¬٤].
(٥) قوله: (الرابعُ: نَظَرهُ): الرابعُ من الأقسَامِ: نَظَرُ الزوجِ.
(٦) قوله: (لِحُرَّةٍ بالِغَةٍ يخْطُبُهَا): وغَلَبَ على ظنِّه إجابتُه، نَظَرُ ما يَظهَرُ منها غالبًا.
(٧) قوله: (فيجُوزُ للوَجهِ … إلخ): لحديث: «إذ خَطَبَ أحدُكم المرأةَ، فَقَدَرَ أن يَرى مِنها بعضَ ما يدعُوه إلى نِكاحِها، فليفَعل». رواه أحمد، وأبو داود [¬٥].
стр. 1500
الخَامِسُ: نَظَرُهُ (١) إلى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ (٢). أو: لِبِنْتِ تِسْعٍ (٣). أو: أمَةٍ لا يَملِكُهَا (٤)،
(١) قوله: (الخَامِسُ: نَظَرُهُ): الخامِسُ من الأقسَامِ: نَظَرُ الرجُلِ البالِغِ.
(٢) قوله: (إلى ذَواتِ محَارِمِه): وهي مَنْ تحرُمُ أبدًا بنَسَبٍ، كأمِّه، وأُختهِ، أو بسَببٍ مُباحٍ، كرَضاعٍ، ومُصَاهَرةٍ، كأُختِه مِنْ رَضَاعٍ، وزَوجَةِ أبيهِ وابنِه، وأمِّ زوجَتِه، بخِلافِ أُختِها ونَحوِها؛ لأنَّ تحريمَها إلى أمَدٍ، وبخِلافِ أمِّ المَزنيِّ بها، وبنتِها، وأمِّ المَوطُوءَةِ بشُبهَةٍ وبنتِها؛ لأن السببَ ليس مباحًا. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (أو لبنتِ تِسعٍ): أي: أو نَظَرُهِ لبنتِ تسعٍ مِنْ رجُلٍ، كمَحرَمٍ؛ لأنَّ عورتَها مخالِفةٌ لعورَةِ البالغةِ؛ بدليل قوله ﷺ : «لا يقبلُ اللَّه صلاةَ حائضٍ إلاَّ بخِمَارٍ» [¬٢]. فدلَّ على صحةِ صلاةِ من لم تَحِضْ مكشوفةَ الرأسِ، [فيكونُ حكمُها مع الرجالِ كذَواتِ المحارِمِ، وكالغُلامِ المراهِقِ مع النساءِ. م ص] [¬٣]، [¬٤].
(٤) قوله: (أو أمَةٍ لا يَملِكُهَا): ولو غَيرَ مُستَامَةٍ، كما في «الإقناع» [¬٥].
стр. 1501
أو يَملِكُ بَعضَهَا (١). أو: كَانَ لا شَهوَةَ لَهُ، كَعِنِّينٍ وَكَبيرٍ (٢). أو: كَانَ مُمَيِّزًا، ولَهُ شَهوَةٌ (٣). أو: رَقِيقًا (٤) - غَيرَ مُبَعَّضٍ ومُشتَرَكٍ- ونَظَرَ لِسَيِّدَتِهِ (٥). فيجُوزُ: للوَجهِ (٦)، والرَّقَبَةِ، واليَدِ (٧)،
(١) قوله: (أو يَملِكُ بعضَهَا): أي: أو نظَرُهُ لأمةٍ لا يَملِكُها، أو يملِكُ بعضَها، فيحرُم الاستمتاعُ؛ لأنَّ ما حرَّم الوطءَ حرَّمَ دواعِيَه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (أو كَانَ لا شَهوةَ لهُ كَعِنِّينٍ وكَبيرٍ): ومُخنَّثٍ، أي: شديد التأنيث في الخِلقَةِ حتَّى يُشبِه المرأةَ في اللِّينِ، والكَلامِ، والنغمَةِ، والنظَرِ، والعَقلِ. فإن كانَ كذلِك، لم يكُن له في النساءِ إربٌ؛ لأنه لا تقومُ له آلة. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (أو كانَ مُميِّزًا ولهُ شَهوةٌ): أي: أو كانَ الناظِرُ للمَرأةِ مميزًا وله شَهوَةٌ، كمَحرَمٍ؛ لأن اللَّه تعالى فرَّقَ بين البالِغِ وغيرِه بقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا﴾ [النُّور: ٥٩]، ولو لم يكُن له النظرُ لمَا كانَ بينهما فَرقٌ. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (أو رَقيقًا): أي: أو كانَ الناظِرُ رَقيقًا … إلخ.
(٥) قوله: (ونَظَرَ لسيِّدَتِهِ): أي: مالكَتِه كُلِّه.
(٦) قوله: (فيجُوزُ للوَجهِ … إلخ): هذا راجِعٌ للقِسم الخَامِس كُلِّه.
(٧) قوله: (واليَدِ): ذكر القاضي أنَّ المُرادَ باليدين في ذاتِ المَحرَمِ والأمَةِ المُستَامَةِ للبيعِ يُريدُ شِراءَهَا: إلى المِرفَقِ. ح ف.
стр. 1502
والقَدَمِ، والرَّأسِ، والسَّاقِ.
السَّادِسُ: نَظَرُهُ (١) للمُدَاوَاةِ (٢). فيَجُوزُ (٣): للمَواضِعِ التِي يَحتَاجُ إليهَا (٤).
السَّابِعُ: نَظَرُهُ (٥) لأَمَتِهِ المُحَرَّمَةِ (٦).
(١) قوله: (السَّادِسُ: نظَرُهُ): أي: السادِسُ من الأقسامِ: نَظَرُ الرجُلِ البَالِغِ الطَبيبِ.
(٢) قوله: (للمُدَاوَاةِ): وكذا مَنْ يَلي خِدمَةَ مَريضٍ، ولو أُنثَى، في وُضُوءٍ واستنجَاءٍ وغيرِهما، كتَقليبِ المَريضِ ونحوِه، نَظَرُ ومَسُّ ما دَعَت إليه حَاجةٌ، وكذا لو حَلَقَ عانَةَ من لا يُحسِنُه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (فيجُوزُ): للطَّبيبِ، وظاهِرُه: ولو ذِميًّا.
(٤) قوله: (للمَواضِعِ التي يَحتَاجُ إليهَا): أي: ويجوزُ أن ينظُرَ الرجلُ البالغُ الطبيبُ للمواضِع التي يَحتَاج إليها، حتَّى فَرجِها وباطِنِه. وليكُن ذلكَ معَ حُضورِ مَحرَمٍ أو زَوجٍ، ويُستَرُ منها ما عَدَا مَواضع الحَاجةِ. وكذا تَخليصُها مِنَ الغَرقِ والحَرَقِ ونحوِهما. وكذا لو حَلَقَ عانةَ من لا يُحسِنُ حلقَ عانتِه. وكذا مَعرِفَةُ بَكارةٍ وثيوبَةٍ وبُلوغٍ. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (السابِعُ: نَظَرُهُ): أي: السابِعُ من الأقسَامِ: نَظرُ الرجُلِ البَالِغِ.
(٦) قوله: (لأمتِه المُحرَّمَةِ): أي: غَيرِ المُباحَةِ، كالمزوَّجةِ، والمَجوسيَّةُ والوثنيَّةُ في مَعنى المزوَّجَةِ بجَامِعِ الحُرمَةِ. م ص [¬٣].
стр. 1503
ولِحُرَّةٍ مُمَيِّزَةٍ دُونَ تِسْعٍ (١). ونَظَرُ المَرأَةِ لِلمَرأَةِ (٢)، وللرَّجُلِ الأَجنَبِيِّ (٣). ونَظَرُ المُمَيِّزِ الذي لا شَهوَةَ لَهُ للمَرأَةِ (٤). ونَظَرُ الرَّجُلِ للرَّجُلِ، ولو أمْرَدَ (٥).
(١) قوله: (ولِحُرَّةٍ مُميِّزَةٍ دُونَ تِسعٍ): أي: وينظُرُ لِحرَّةٍ مميِّزَةٍ دونَ تِسعِ سنين. فالتنوينُ عوضٌ عن المضافِ إليه.
(٢) قوله: (ونَظَرُ المرأةِ للمَرأةِ): أي: ويُباح نَظَرُ المرأةِ للمرأةِ، ولو كافِرَةً مع مسلمَةٍ.
(٣) قوله: (وللرَّجُلِ الأجنبيِّ): أي: ويُباحُ نظرُ المرأةِ للرجُلِ الأجنبيِّ غَيرِ الزوجِ والسيِّدِ.
(٤) قوله: (ونَظَرُ المميِّزِ): أي: ويُباحُ نظرُ المميِّزِ، أي: الصبي (الذي لا شَهوةَ له للمَرأةِ) كامرأةٍ معَ امرأةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا كما استئذن الذين من قبلهم﴾ [النُّور: ٥٩]. فدلَّ على التفريقِ بينَ البالِغ وغَيرِه.
(٥) قوله: (ونَظَرُ الرجُلِ للرَّجُلِ، ولو أمرَدَ): بمنع الصرف؛ للوصَف ووَزنِ الفِعلِ، كأحمَرَ. لكن إن كانَ الأمردُ جَميلاً يُخافُ الفِتنةُ بالنَّظرِ إليه، لم يَجُز تعمُّدُ النظرِ إليه. وروى الشعبيُّ، قال: «قدِمَ وفدُ عبدِ القيسِ على النبي ﷺ ، وفيهم غُلامٌ أمرَدُ، ظاهرُ الوضَاءَةِ، فأجلَسه النبيُّ ﷺ وراءَ ظَهرِه» [¬١]. رواه أبو حفص. م ص [¬٢].
стр. 1504
فَيَجُوزُ: إلى ما عَدَا ما بَينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ (١).
الثَّامِنُ: نَظَرُهُ لِزَوجَتِهِ، وأمتِهِ المُبَاحَةِ لَهُ (٢)،
(١) قوله: (فيجُوزُ إلى ما عَدَا ما بَينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ): أي: فيجوزُ في جَميعِ ما تقدَّم أن ينظُرَ إلى ما عَدَا … إلخ.
والخُنثَى المُشكِلُ في النظَرِ إليه كامرأةٍ. قال المنقِّح ﵀: ونظرُه إلى رجلٍ، كنَظرِ امرأةٍ إليه، وإلى امرأةٍ، كنَظرِ رَجلٍ إليها؛ تغليبًا لجانِبِ الحَظْرِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (الثَّامِنُ: نَظَرُهُ لِزوجَتِه): أي: الثامِنُ من الأقسَامِ: نظرُ الرجلِ البَالِغ لزوجَتِه (وأمتِه المُباحَةِ له) فلكُلِّ واحدٍ من الزوجينِ نَظرُ جَميعِ بَدنِ الآخرِ ولَمسُهُ بلا كَراهَةٍ، حتَّى الفَرجِ؛ لأن الفرجَ مَحلُّ الاستمتاعِ، فجازَ النظرُ إليه، كبقيَّةِ البَدنِ.
والسنةُ: لا ينظُرُ كلٌّ منهُما إلى فَرجِ الآخرِ، قالت عائشةُ: ما رأيتُ فرجَ رسولِ اللَّه ﷺ قط. رواه ابن ماجه [¬٢]. وفي لفظٍ قالت: ما رأيتُه من النبي ﷺ ، ولا رآه منِّي [¬٣]. وكذا سيِّدٌ مع أمتِه المُباحَةِ له. واحترز بقوله: «المباحة». عن المشتَرَكَةِ، والمزوَّجَةِ، والوثنيَّةِ، ونحوِها ممَّن لا تَحِلُّ له. ع ب [¬٤].
стр. 1505
ولو لِشَهوَةٍ (١). ونَظَرُ مَنْ دَونَ سَبْعٍ (٢). فيَجُوزُ لِكُلٍّ: نَظَرُ جَميعِ بَدَنِ الآخَرِ (٣).
(١) قوله: (ولو لشَهْوَةٍ): أي: ولو كان النظرُ لزوجَتِه وأمتِه المُباحَةِ لِشَهوَةٍ؛ بأن يتلذَّذَ بالنظَر والمَسِّ.
(٢) قوله: (ونَظَرُ مَنْ دُونَ سَبعٍ): أي: لا يحرُم النظرُ إلى عَورَةِ الطفلِ والطفلَةِ قَبلَ السَّبعِ، ولا لَمسُها، نصًّا. ولا يجبُ سترُها مع أمنِ الشَّهوَةِ؛ لأنَّ إبراهيمَ ابنَ النبي ﷺ غَسَّلَه النساءُ [¬١]. ولا يجب الاستتار منه في شيء من الأمور. ع ب [¬٢].
(٣) قوله: (فيجُوزُ لِكُلٍّ): من طِفلٍ وطِفلَةٍ (نَظَرُ جَميعِ بَدَنِ الآخَرِ) لأنه لا حُكمَ لعَوَرتِهمَا.
стр. 1506
فَصْلٌ
ويَحرُمُ: النَّظَرُ لِشَهوَةٍ (١)، أو: مَعَ خَوفِ ثَوَرَانِهَا، إلى أحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا (٢). ولَمْسٌ: كنَظَرٍ، وأوْلَى (٣).
ويحرُمُ: التَّلَذُّذُ بِصَوتِ الأَجنَبيَّةِ (٤)، ولو بقِرَاءَةٍ (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ويَحرُمُ النظَرُ لِشَهوَةٍ): بأنْ يتلذَّذ بالنَّظرِ إلى أحَدٍ ممَّن جَوَّزنا له النَّظَر إلى مَنْ تقدمَ ذِكرُه. ح ف وإيضاح.
(٢) قوله: (إلى أحَدٍ ممَّنْ ذَكَرنَا): من ذكرٍ وأُنثى وخُنثى، غيرِ زوجتِه أو سُريَّتِه.
(٣) قوله: (ولَمْسٌ كنَظَرٍ وأولَى): أي: ما حَرُمَ النظَرُ له فلَمسُهُ أشَدُّ تَحريمًا، بل ليسَ كُلُّ ما أبيحَ نظرُه لمُقتَضى شَرعيٍّ يُباحُ لَمسُهُ؛ لأنَّ الأصلَ المَنعُ في النظَرِ واللَّمْسِ. أبيحَ النظرُ بالأدلةِ، فبَقِيَ ما عداهُ على أصلِ المَنعِ. ح ف.
(٤) قوله: (ويحرُمُ التلذُّذُ بصَوتِ الأجنبيَّةِ): وليسَ صوتُها بعَورَةٍ. غيرِ زوجتِه وسُرِّيتهِ.
(٥) قوله: (ولو بِقرَاءَةٍ): أي: ولو كانَ صَوتُها بقِراءَةٍ؛ لأنه يَدعُو إلى الفِتنَةِ، وحينئذٍ تُسِرُّ بالقِرَاءَةِ إذا سَمِعَها أجنبيٌّ. وقال في رِواية مُهنَّا: ينبَغِي للمَرأةِ أن تَخفِضَ مِنْ صَوتِها إذا كَانَتْ فِي قِراءَتِها، إذا قَرأت في اللَّيلِ. م ص [¬١].
стр. 1507
وتَحرُمُ: خَلوَةُ رَجُلٍ غَيرِ مَحْرَمٍ بالنِّسَاءِ (١). وعَكسُهُ (٢).
ويَحرُمُ: التَّصرِيحُ (٣) بِخِطبَةِ المُعتَدَّةِ البَائِنِ (٤)،
(١) قوله: (وتَحرُمُ خَلوَةُ رَجُلٍ غَيرِ مَحرَمٍ بالنِّسَاءِ): أي: يحرُمُ على جَميعِ مَنْ تقدَّمَ ذكِرُه، وكذا على غَيرِهم مِنْ بَابِ أولَى. وينبغِي استثناءُ خَلوَةِ المَرأةِ بالمَرأةِ، والرجلِ بالرَّجُلِ. والدليلُ على تحريمِ الخَلوةِ: قوله ﷺ : «لا يَخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلاَّ كانَ الشيطانُ ثالثَهُمَا» [¬١]. ولأنه مَطيَّةُ مُواقَعَةِ المَحظُورِ. ح ف.
(٢) قوله: (وعَكسُهُ): بأن يَخلُو عَددٌ مِنْ رِجَالٍ بامَرأةٍ واحِدَةٍ، ولم يكنْ معهُم مَحرَمٌ لها ولا زَوجٌ. قال في «الفروع» [¬٢]: ولو بحيوانٍ يشتَهي المَرأةَ وتَشتَهيهِ، كالقِردِ. ذكره ابنُ عقيل، وابنُ الجَوزي، وشيخُنا، وقال: الخَلوَةُ بأمردَ ومُضَاجعتُه كامرَأةٍ، ولو لمصلَحَةِ تَعليمٍ وتَأدِيبٍ، والمُقِرُّ مُوَلَّاهُ بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام، وهو المُولَّى على الصَّغير من أبٍ أو غَيرِه كذلِكَ، أي: مَعَ الخَلوةِ والمُضَاجَعةِ عِنْدَ مَنْ يُعاشِرُه كَذلِكَ، ملعُونٌ ديُّوثٌ، ومن عُرِفَ بمَحبَّتِهم، أو بمُعاشَرةٍ بينَهم، مُنِعَ من تَعليمِهم؛ سدًّا للباب.
(٣) قوله: (ويَحرُمُ التَّصرِيحُ): وهو: ما لا يَحتِمَلُ غَيرَ النِّكاحِ.
(٤) قوله: (بخِطبَةِ المُعتدَّةِ البَائِنِ): كقوله: أريدُ أن أتزوَّجَكِ. أو: إذا انقَضَتْ عِدَّتُكِ تَزوَّجتُكِ. أو: زَوِّجِينِي نفسَكِ. وسندُه: قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥] إذ تخصيصُ
стр. 1508
لا: التَّعرِيضُ، إلَّا بخِطبَةِ الرَّجْعِيَّةِ (١). وتَحرُمُ: خِطْبَةٌ عَلى خِطبَةِ مُسلِمٍ أُجِيبَ (٢).
التَّعريضِ بنَفي الحَرجِ يَدلُّ على عَدَمِ جَوازِ التصريحِ. فدلَّ منطوقُه على جَوازِ التَّعريضِ، ودلَّ مفهومُه على حُرمَةِ التَّصريحِ، ولأنه لا يُؤمَنُ أن يَحمِلَها الحِرصُ على النكاحِ على الإخبَارِ بانقِضَاءِ عِدَّتِها قبلَ انقِضَائِها. والخِطبَةُ، بكسر الخاء: التِمَاسُ النكاحِ. وبالضمِّ: الكلامُ المُشتَمِلُ على الوَعظِ والأذكَارِ. كِلاهُما راجعٌ إلى الخِطَابِ الذي هو الكَلام. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (لا التَّعرِيضُ): أي: لا يحرُمُ التعريضُ لِمُبانَةٍ، وهو ما يُفهَمُ مِنه النكاحُ مَعَ احتمَالِ غَيرِه، ولا مِنْ خَاطِبٍ؛ بأن يقولَ: إنِّي في مِثلِكِ لراغِبٌ. و: لا تَفوتينِي بنفسِك. و: إنْ انقَضَت عِدَّتُكِ فأعلِميني. وما أشبهَ ذلِكَ ممَّا يدلُّ على رَغبَتِه فيها.
قال في «المنتهى وشرحه الصغير» [¬٢]: والمرأةُ في جَوابِ خَاطِبٍ كالخَاطِبِ فيما يَحلُّ ويحرُمُ مِنْ تَصريحٍ وتَعريضٍ، فيجوزُ للبائِنِ التعريضُ في عِدَّتِها دونَ التصريحِ لِغَيرِ مَنْ تَحلُّ له إذن، ويَحرُمُ على الرجعيَّةِ التعريضُ والتصريحُ في الجوابِ ما دامت في العدَّة، ولذلِكَ استثناهَا المصنف بقوله: (إلاَّ بخِطبَةِ الرَّجعيَّةِ) لأنها في حُكم الزَّوجَات.
(٢) قوله: (وتحرُمُ خِطبةٌ على خِطبَةِ مُسلِمٍ أُجيبَ): أي: أجابه وليُّ مُجبرَةٍ، أو أجابت غيرُ المُجبَرةِ، ولو تَعريضًا بلا إذنِ الأول، سواء أجيبَ الأول تصريحًا أو تعريضًا. ولا تحرمُ الخِطبةُ إن رُدَّ الخَاطِبُ الأولُ، أو أذِنَ، أو تَركَ، أو
стр. 1509
ويَصِحُّ: العَقْدُ (١).
استأذنه الثاني فَسَكَتَ، أو جُهِلَ الحَالُ؛ بأنْ لم يَعلَم الثاني إجابةَ الأولِ، فتجوزُ الخِطبةُ في هذه الصُّور.
وسُنَّ عَقدٌ مساءَ يومِ الجُمعَةِ؛ لأن في يومِ الجُمعةِ ساعةَ الإجَابةِ، وأرجَاها [¬١] آخرُ ساعةٍ، وأن يكونَ بمَسجدٍ.
وسُنَّ أن يخطُبَ قبلَه بخُطبَةِ ابن مَسعود [¬٢] ﵁، وهي: إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينُه، ونستغفِرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللَّه من شُرورِ أنفسِنا ومِن سَيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هَادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسُوله.
ويُسنُّ أن يُقالَ لمُتزَوجٍ: باركَ اللَّه لَكُما وعَليكُما، وجَمَعَ بينَكُما في خَيرٍ وعَافيةٍ [¬٣]. فإذا زُفَّتْ إليه قال: اللهم إني أسألُك خيرَها، وخيرَ ما جَبلتَها عليهِ، وأعوذُ بكَ من شرِّها، وشرِّ ما جَبلتَها عليه [¬٤]. عثمان [¬٥].
(١) قوله: (ويَصحُّ العَقدُ): أي: كخِطبَةِ المعتدَّةِ تَصرِيحًا، أو الرَّجعيةِ، ولو تَعريضًا، أو على خِطبَةِ مسلمٍ أُجيبَ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيه تقدُّمُ حَظرٍ على العَقدِ، أشبهَ ما لو قدَّم عليه تَصريحًا أو تَعريضًا مُحرَّمًا. م ص [¬٦] وزيادة.
стр. 1510
بَابُ رُكْنَي النِّكَاحِ، وشُرُوطِهِ
رُكنَاهُ (١): الإيجَابُ (٢)، والقَبولُ (٣)؛ مُرَتَّبَينِ.
بَابُ رُكنَي النِّكَاحِ وشُرُوطِهِ
ركنُ الشيءِ: جُزءُ ماهيَّتِهِ. وهي لا تتمُّ بدُونِ جُزئِها، فكَذَا الشيءُ لا يتمُّ بدُونِ رُكنِه. وتقدَّم مَعنى الرُّكنِ والشَّرطِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (رُكنَاهُ): أي: النكاح، وهو هُنا بمعنَى العَقدِ. م خ [¬٢].
(٢) قوله: (الإيجَابُ [¬٣]): وهو: اللَّفظُ الصادِرُ من الوليِّ أو مَنْ يقومُ مَقَامَه، بلَفظِ إنكاحٍ، أو بِلَفظِ تَزويجٍ؛ بأنْ يقولَ: أنكحتُكَ فلانَةَ. أو: زوَّجتُكَهَا. قال الحفيدُ: وأما المصدَرُالذي هو إنكاحٌ أو تَزويجٌ، فلا يحصُلُ به إيجَابٌ ولا قَبولٌ.
وعُلِمَ منه: أنه لا يصحُّ النكاحُ بما يُؤدِّي مَعنى الإيجابِ والقَبولِ، إلا مِنْ عاجِزٍ عن الإتيانِ بهِمَا بالعَربيَّةِ، كما سيأتي، ولأنه لا يَصِحُّ بالمُعاطَاةِ، ولا بِلَفظِ الهبةِ، والتَّمليكِ، والإجَارَةِ، والإعَارَةِ، والإحلالِ، ونحوِها، كما صرَّحُوا بذلِكَ.
(٣) قوله: (والقَبولُ): وهو اللفظ الخاصُّ الصَّادِرُ من الزوجِ، أو مَنْ يَقومُ مقامَه. وهو الركنُ الثاني. قال ابن قندس في «حاشية الفروع»: ظاهِرهُ: ولو وقَعَ