فَصْلٌ
ويَحرُمُ: النَّظَرُ لِشَهوَةٍ (١)، أو: مَعَ خَوفِ ثَوَرَانِهَا، إلى أحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا (٢). ولَمْسٌ: كنَظَرٍ، وأوْلَى (٣).
ويحرُمُ: التَّلَذُّذُ بِصَوتِ الأَجنَبيَّةِ (٤)، ولو بقِرَاءَةٍ (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ويَحرُمُ النظَرُ لِشَهوَةٍ): بأنْ يتلذَّذ بالنَّظرِ إلى أحَدٍ ممَّن جَوَّزنا له النَّظَر إلى مَنْ تقدمَ ذِكرُه. ح ف وإيضاح.
(٢) قوله: (إلى أحَدٍ ممَّنْ ذَكَرنَا): من ذكرٍ وأُنثى وخُنثى، غيرِ زوجتِه أو سُريَّتِه.
(٣) قوله: (ولَمْسٌ كنَظَرٍ وأولَى): أي: ما حَرُمَ النظَرُ له فلَمسُهُ أشَدُّ تَحريمًا، بل ليسَ كُلُّ ما أبيحَ نظرُه لمُقتَضى شَرعيٍّ يُباحُ لَمسُهُ؛ لأنَّ الأصلَ المَنعُ في النظَرِ واللَّمْسِ. أبيحَ النظرُ بالأدلةِ، فبَقِيَ ما عداهُ على أصلِ المَنعِ. ح ف.
(٤) قوله: (ويحرُمُ التلذُّذُ بصَوتِ الأجنبيَّةِ): وليسَ صوتُها بعَورَةٍ. غيرِ زوجتِه وسُرِّيتهِ.
(٥) قوله: (ولو بِقرَاءَةٍ): أي: ولو كانَ صَوتُها بقِراءَةٍ؛ لأنه يَدعُو إلى الفِتنَةِ، وحينئذٍ تُسِرُّ بالقِرَاءَةِ إذا سَمِعَها أجنبيٌّ. وقال في رِواية مُهنَّا: ينبَغِي للمَرأةِ أن تَخفِضَ مِنْ صَوتِها إذا كَانَتْ فِي قِراءَتِها، إذا قَرأت في اللَّيلِ. م ص [¬١].
стр. 1507
وتَحرُمُ: خَلوَةُ رَجُلٍ غَيرِ مَحْرَمٍ بالنِّسَاءِ (١). وعَكسُهُ (٢).
ويَحرُمُ: التَّصرِيحُ (٣) بِخِطبَةِ المُعتَدَّةِ البَائِنِ (٤)،
(١) قوله: (وتَحرُمُ خَلوَةُ رَجُلٍ غَيرِ مَحرَمٍ بالنِّسَاءِ): أي: يحرُمُ على جَميعِ مَنْ تقدَّمَ ذكِرُه، وكذا على غَيرِهم مِنْ بَابِ أولَى. وينبغِي استثناءُ خَلوَةِ المَرأةِ بالمَرأةِ، والرجلِ بالرَّجُلِ. والدليلُ على تحريمِ الخَلوةِ: قوله ﷺ : «لا يَخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلاَّ كانَ الشيطانُ ثالثَهُمَا» [¬١]. ولأنه مَطيَّةُ مُواقَعَةِ المَحظُورِ. ح ف.
(٢) قوله: (وعَكسُهُ): بأن يَخلُو عَددٌ مِنْ رِجَالٍ بامَرأةٍ واحِدَةٍ، ولم يكنْ معهُم مَحرَمٌ لها ولا زَوجٌ. قال في «الفروع» [¬٢]: ولو بحيوانٍ يشتَهي المَرأةَ وتَشتَهيهِ، كالقِردِ. ذكره ابنُ عقيل، وابنُ الجَوزي، وشيخُنا، وقال: الخَلوَةُ بأمردَ ومُضَاجعتُه كامرَأةٍ، ولو لمصلَحَةِ تَعليمٍ وتَأدِيبٍ، والمُقِرُّ مُوَلَّاهُ بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام، وهو المُولَّى على الصَّغير من أبٍ أو غَيرِه كذلِكَ، أي: مَعَ الخَلوةِ والمُضَاجَعةِ عِنْدَ مَنْ يُعاشِرُه كَذلِكَ، ملعُونٌ ديُّوثٌ، ومن عُرِفَ بمَحبَّتِهم، أو بمُعاشَرةٍ بينَهم، مُنِعَ من تَعليمِهم؛ سدًّا للباب.
(٣) قوله: (ويَحرُمُ التَّصرِيحُ): وهو: ما لا يَحتِمَلُ غَيرَ النِّكاحِ.
(٤) قوله: (بخِطبَةِ المُعتدَّةِ البَائِنِ): كقوله: أريدُ أن أتزوَّجَكِ. أو: إذا انقَضَتْ عِدَّتُكِ تَزوَّجتُكِ. أو: زَوِّجِينِي نفسَكِ. وسندُه: قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥] إذ تخصيصُ
стр. 1508
لا: التَّعرِيضُ، إلَّا بخِطبَةِ الرَّجْعِيَّةِ (١). وتَحرُمُ: خِطْبَةٌ عَلى خِطبَةِ مُسلِمٍ أُجِيبَ (٢).
التَّعريضِ بنَفي الحَرجِ يَدلُّ على عَدَمِ جَوازِ التصريحِ. فدلَّ منطوقُه على جَوازِ التَّعريضِ، ودلَّ مفهومُه على حُرمَةِ التَّصريحِ، ولأنه لا يُؤمَنُ أن يَحمِلَها الحِرصُ على النكاحِ على الإخبَارِ بانقِضَاءِ عِدَّتِها قبلَ انقِضَائِها. والخِطبَةُ، بكسر الخاء: التِمَاسُ النكاحِ. وبالضمِّ: الكلامُ المُشتَمِلُ على الوَعظِ والأذكَارِ. كِلاهُما راجعٌ إلى الخِطَابِ الذي هو الكَلام. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (لا التَّعرِيضُ): أي: لا يحرُمُ التعريضُ لِمُبانَةٍ، وهو ما يُفهَمُ مِنه النكاحُ مَعَ احتمَالِ غَيرِه، ولا مِنْ خَاطِبٍ؛ بأن يقولَ: إنِّي في مِثلِكِ لراغِبٌ. و: لا تَفوتينِي بنفسِك. و: إنْ انقَضَت عِدَّتُكِ فأعلِميني. وما أشبهَ ذلِكَ ممَّا يدلُّ على رَغبَتِه فيها.
قال في «المنتهى وشرحه الصغير» [¬٢]: والمرأةُ في جَوابِ خَاطِبٍ كالخَاطِبِ فيما يَحلُّ ويحرُمُ مِنْ تَصريحٍ وتَعريضٍ، فيجوزُ للبائِنِ التعريضُ في عِدَّتِها دونَ التصريحِ لِغَيرِ مَنْ تَحلُّ له إذن، ويَحرُمُ على الرجعيَّةِ التعريضُ والتصريحُ في الجوابِ ما دامت في العدَّة، ولذلِكَ استثناهَا المصنف بقوله: (إلاَّ بخِطبَةِ الرَّجعيَّةِ) لأنها في حُكم الزَّوجَات.
(٢) قوله: (وتحرُمُ خِطبةٌ على خِطبَةِ مُسلِمٍ أُجيبَ): أي: أجابه وليُّ مُجبرَةٍ، أو أجابت غيرُ المُجبَرةِ، ولو تَعريضًا بلا إذنِ الأول، سواء أجيبَ الأول تصريحًا أو تعريضًا. ولا تحرمُ الخِطبةُ إن رُدَّ الخَاطِبُ الأولُ، أو أذِنَ، أو تَركَ، أو
стр. 1509
ويَصِحُّ: العَقْدُ (١).
استأذنه الثاني فَسَكَتَ، أو جُهِلَ الحَالُ؛ بأنْ لم يَعلَم الثاني إجابةَ الأولِ، فتجوزُ الخِطبةُ في هذه الصُّور.
وسُنَّ عَقدٌ مساءَ يومِ الجُمعَةِ؛ لأن في يومِ الجُمعةِ ساعةَ الإجَابةِ، وأرجَاها [¬١] آخرُ ساعةٍ، وأن يكونَ بمَسجدٍ.
وسُنَّ أن يخطُبَ قبلَه بخُطبَةِ ابن مَسعود [¬٢] ﵁، وهي: إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينُه، ونستغفِرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللَّه من شُرورِ أنفسِنا ومِن سَيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هَادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسُوله.
ويُسنُّ أن يُقالَ لمُتزَوجٍ: باركَ اللَّه لَكُما وعَليكُما، وجَمَعَ بينَكُما في خَيرٍ وعَافيةٍ [¬٣]. فإذا زُفَّتْ إليه قال: اللهم إني أسألُك خيرَها، وخيرَ ما جَبلتَها عليهِ، وأعوذُ بكَ من شرِّها، وشرِّ ما جَبلتَها عليه [¬٤]. عثمان [¬٥].
(١) قوله: (ويَصحُّ العَقدُ): أي: كخِطبَةِ المعتدَّةِ تَصرِيحًا، أو الرَّجعيةِ، ولو تَعريضًا، أو على خِطبَةِ مسلمٍ أُجيبَ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيه تقدُّمُ حَظرٍ على العَقدِ، أشبهَ ما لو قدَّم عليه تَصريحًا أو تَعريضًا مُحرَّمًا. م ص [¬٦] وزيادة.
стр. 1510
بَابُ رُكْنَي النِّكَاحِ، وشُرُوطِهِ
رُكنَاهُ (١): الإيجَابُ (٢)، والقَبولُ (٣)؛ مُرَتَّبَينِ.
بَابُ رُكنَي النِّكَاحِ وشُرُوطِهِ
ركنُ الشيءِ: جُزءُ ماهيَّتِهِ. وهي لا تتمُّ بدُونِ جُزئِها، فكَذَا الشيءُ لا يتمُّ بدُونِ رُكنِه. وتقدَّم مَعنى الرُّكنِ والشَّرطِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (رُكنَاهُ): أي: النكاح، وهو هُنا بمعنَى العَقدِ. م خ [¬٢].
(٢) قوله: (الإيجَابُ [¬٣]): وهو: اللَّفظُ الصادِرُ من الوليِّ أو مَنْ يقومُ مَقَامَه، بلَفظِ إنكاحٍ، أو بِلَفظِ تَزويجٍ؛ بأنْ يقولَ: أنكحتُكَ فلانَةَ. أو: زوَّجتُكَهَا. قال الحفيدُ: وأما المصدَرُالذي هو إنكاحٌ أو تَزويجٌ، فلا يحصُلُ به إيجَابٌ ولا قَبولٌ.
وعُلِمَ منه: أنه لا يصحُّ النكاحُ بما يُؤدِّي مَعنى الإيجابِ والقَبولِ، إلا مِنْ عاجِزٍ عن الإتيانِ بهِمَا بالعَربيَّةِ، كما سيأتي، ولأنه لا يَصِحُّ بالمُعاطَاةِ، ولا بِلَفظِ الهبةِ، والتَّمليكِ، والإجَارَةِ، والإعَارَةِ، والإحلالِ، ونحوِها، كما صرَّحُوا بذلِكَ.
(٣) قوله: (والقَبولُ): وهو اللفظ الخاصُّ الصَّادِرُ من الزوجِ، أو مَنْ يَقومُ مقامَه. وهو الركنُ الثاني. قال ابن قندس في «حاشية الفروع»: ظاهِرهُ: ولو وقَعَ
стр. 1511
ويَصِحُّ: النِّكَاحُ هَزْلًا (١)، وبِكُلِّ لِسَانٍ (٢) مِنْ عَاجِزٍ عَنْ عَربِيٍّ (٣).
بلَفظِ المضارعِ فقالَ: أُزوِّجُكَ. أو قال في القَبول: أقبَلُ. لا يصِحُّ. والمسألةُ أصلُها مذكورٌ في أول كتَابِ البَيع، فإنه قالَ: لو قالَ: بِعتُكَ بكذا. فقال: أنا آخذُهُ. لم يَصِح، بل: أخذتُه. نقلَه مُهنَّا. وكذلِكَ تكلَّموا على المَسألة في الطَّلاق والعِتقِ فيما إذا قال لزوجَته: أُطلِّقُكِ. أو لعَبدِه: أُعتِقُكَ. هل تَطلُقُ بذلِكَ، أو يَعتِقُ العبدُ؟ فيُنظَرُ كلامُهم في ذلِكَ. ح ف.
(١) قوله: (ويَصِحُّ النِّكاحُ هَزْلاً): لحديث: «ثلاثٌ هزلُهُنَّ جِدٌّ، وجِدُّهُنَّ جِدٌّ: الطلاقُ، والنِّكاحُ، والرَّجعَةُ». رواه الترمذي [¬١]. وتلجئةً وهي: أن يُظهِرَا إيجابًا وقَبولاً، ولم يقصُدَا معناهُ، بل دَفْعَ مَنْ يُخشَى خِطبَتُهُ، أو نحو ذلِك. ابن نصر اللَّه.
(٢) قوله: (وبكُلِّ لِسَانٍ): أي: ويصح الإيجابُ والقبولُ بأيِّ لفظٍ يؤدِّي معناهُما الخاصَّ بكُلِّ لسَانٍ، أي: لَغَةٍ «منتهى وشرحه الصغير» [¬٢].
(٣) قوله: (مِنْ عَاجِزٍ عَنْ عَرَبيٍّ): أي: مِنْ عَاجِزٍ عَنهُما بالعربيَّةِ؛ لأنَّ ذلك في لُغتِهِ نَظيرُ الإنكَاحِ والتزويجِ، ولا يكلفُ اللَّه نَفسًا إلاَّ وسعَهَا. ولا يَصحَّانِ بما لا يُؤدِّي معناهُما الخَاصَّ، كالعَربي إذا عَدَلَ عن: نَكَحْتُ، أو: زَوَّجتُ. إلى غَيرِهِما. ولا يلزمُ العَاجِزَ عنهما بالعربيةِ تَعلُّمُ أركانِه بالعَربيَّةِ؛ لأنه عَقدُ مُعاوَضَةٍ، كالبَيعِ، بخِلافِ تَكبيرِ الصَّلاةِ، ولأنَّ القَصْدَ هنا المَعنَى دونَ اللَّفظِ المَعجُوزِ عنه، بخِلافِ القِراءَةِ. وإنْ أحَسَنَ أحدُهما العربيةَ
стр. 1512
لا: بالكِتَابَةِ، والإشَارَةِ (١)، إلَّا مِنْ أخْرَسَ (٢).
وشُروطُهُ خَمسَةٌ:
تَعيينُ الزَّوجَينِ (٣). فلا يَصِحُّ: زَوَّجتُكَ بِنْتِي، ولَهُ غَيرُها. ولا: قَبِلتُ
وحدَه، أتى بِها، والآخَرُ بلُغتِهِ، وترجَمَ بينَهُما ثِقَةٌ، إنْ لم يُحسِنْ أحدُهُما لِسَانَ الآخَرِ. ولا بدَّ مِنْ مَعرِفَةِ الشَّاهِدَينِ لَفظَ العَاقِدَينِ؛ بأنْ يعرِفَا الشَّاهِدَان اللُّغتَينِ المَعقُودَ بِهمَا، ولا يَكفِي مَعرِفَةُ الشاهِدَين اللُّغتَينِ بالتُّرجُمَانِ، بل لا بدَّ من مَعرِفَتِهما اللُّغتَين. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (لا بالكِتَابَةِ والإشَارَةِ): أي: لا يصِحُّ إيجَابٌ ولا قَبولٌ بالكِتَابَةِ والإشَارَةِ، ولو مفهُومَةً. م ص [¬١].
(٢) قوله: (إلاَّ مِنْ أخرَسَ): فيصِحَّانِ منه بالكِتَابَةِ والإشَارَةِ المَفهُومَةِ التي يفهمُها صاحِبُه والشُّهودُ، فإن لم تُفهَم إشارتُه لم يَصِحَّ، كغَيرِهِ من التصرُّفَاتِ الشرعيَّةِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (تَعيينُ الزَّوجَينِ): أي: في العَقدِ، كما في «المحرر» [¬٣] فلا يكفي تعيينُهما قبلَه. وعلى ما ذَكَرَ في المَرأة: لو قالَ وليُّ الزَّوجِ: قَبلتُ النكاحَ لولَدي. وله أولادٌ، ولم يُسمِّهِ أو يميِّزهُ، أو سمَّاه ولم يَقُل: ابني. أو قالَ مَنْ لَه ولَدَان؛ محمدٌ وعليٌّ: قبَلتُه لولَدِي مُحمَّدٍ. ونَوَيا عَليًّا، لا يَصِحُّ أيضًا هنا. ولم أره صَريحًا، لكنه يُؤخَذُ من اشتِراطِ تَعيينِ الزَّوجَينِ؛ لأنهم فَرَّعوا عليه هذه المسألةَ في المَرأة، فكذا يفرَّعُ عليه في الزَّوج.
стр. 1513
نِكَاحَها لابنِي، ولَهُ غَيرُهُ، حتَّى يُمَيَّزَ كُلٌّ مِنهُمَا باسمِهِ، أو صِفَتِهِ (١).
الثَّانِي: رِضَا زَوجٍ مُكلَّفٍ، ولَو رَقِيقًا (٢). فيُجبِرُ الأبُ (٣)،
واعلم أنه لا يُشتَرطُ رؤيةُ الزَّوجَينِ، ولا إمكانُ التسليمِ، فيصِحُّ تَزويجُ الأمةِ المغصُوبَةِ، ومَنْ أبَقَتْ. انتهى. ح ف.
(١) قوله: (حتى يُميَّزُ كُلٌّ منهُمَا باسمِه، أو صِفَتِه): فلا يصح النكاحُ إن قالَ الوليُّ: زوَّجتُكَ بنتي. وله بنتٌ غَيرُها، حتَّى يُميِّزَهَا باسمِها، كفَاطِمَةَ، أو صِفَةٍ لا يُشارِكُها فيها غيرُها من أخواتِها، كالكُبرَى، أو الطَّويلَةِ، أو يُشيرَ إليها إنْ كانت حاضِرَةً، كهذه. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (الثاني رِضَا زَوجٍ مُكلَّفٍ، ولَو رَقيقًا): الشرطُ الثاني: رِضَا زَوجٍ مُكلَّفٍ، أي: بالغٍ عَاقِلٍ، ولو كانَ المُكلَّفُ رَقيقًا، نصًّا. فليسَ لسيدِه إجبارُه؛ لأنه يَملِكُ الطلاقَ، فلا يُجبَرُ على النكاحِ، كالحُرِّ، ولأنه خَالِصُ حَقِّهِ، ونفعُه له، فلا يُجبَرُ عليه، كالحُرِّ. والأمرُ بإنكاحِه في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النُّور: ٣٢] مُختَصٌّ بحالِ طَلَبِهِ؛ بدليلِ عَطفِهِ على الأيامَى، وإنما يزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلبِ. م ص [¬٢] باختصار.
(٣) قوله: (فيُجِبرُ الأبُ): وكذا وصيُّ الأبِ في النكاحِ، لا الجَدُّ، ولا بَقيَّةُ العَصَبَاتِ. واختُصَّ بذلِكَ الأبُّ؛ لِكمَالِ الشفقَةِ. ووصيَّهُ قائِمٌ مقامَه. ح ف.
стр. 1514
لا الجَدُّ (١): غَيرَ المُكَلَّفِ (٢). فإنْ لَم يَكُنْ: فَوَصِيُّهُ (٣).
فإنْ لَم يَكُنْ: فالحَاكِمُ لِحَاجَةٍ (٤). ولا يَصِحُّ مِنْ غَيرِهِم: أنْ يُزَوِّجَ غَيرَ المُكَلَّفِ، ولو رَضِيَ (٥).
ورِضَا زَوجَةٍ (٦) حُرَّةٍ عَاقِلَةٍ ثَيِّبٍ
(١) قوله: (لا الجَدُّ): أي: لا يُجبِرُ الجَدُّ غَيرَ المُكلَّفِ، بل الأبُ ووصيُّه مُجبِرَانِ دونَ الجَدِّ عندَ الإمامِ أحمد ﵁.
(٢) قوله: (غَيرَ المكلَّفِ [¬١]) مفعول «يُجبِرُ»، من ابنٍ صَغيرٍ غَيرِ بَالغٍ، أو مَجنونٍ، ولو كان المجنونُ بالِغًا. ولا خِيارَ لهُما إذَا بَلَغَا. الوالد.
(٣) قوله: (فإنْ لمْ يكن): أب زوَّجَ الصغيرَ والبالِغَ المَجنُونَ وَصِيُّ الأبِ في النكاحِ. الوالد.
(٤) قوله: (فإن لم يَكُنْ): أبٌ، ولا وَصِيُّه. (فالحَاكِمُ) أي: يُزوِّجُ الحَاكِمُ الصَّغيرَ والمَجنُونَ (لِحَاجَةٍ) إلى نِكاحِهِمَا؛ لأنه ينظُرُ في مَصَالِحِهِمَا بعدَ الأبِ ووَصِيِّهِ. الوالد.
(٥) قوله: (ولا يَصِحُّ مِنْ غَيرِهِم): أي: مِنْ غَيرِ الأبِ ووَصِيَّه والحَاكِم. وقوله (أنْ) بفتح الهمزة، مفعول:: «يصح». وقوله: (غيرَ المُكلَّفِ) مِنْ صَغيرٍ ومَجنونٍ (وَلَوْ) كانَ ذلِكَ الغَيرُ (رَضِيَ) ولذلِكَ أفردَ الفِعلَ. وغَيرُ بالنصبِ، مفعول: «يزوج» ذلِك الغَيرَ. والمَعنى: ولا يصحُّ تزويجُ الصغيرِ والمَجنونِ لغَيرِ الأبِ وما عُطِفَ عليه، ولو رَضِيا.
(٦) قوله: (وَرِضَا زَوجَةٍ): أعادَ العَامِلَ؛ إشارةً إلى أنه مَعطوفٌ على «زوج»، إلاَّ
стр. 1515
تَمَّ لهَا تِسعُ سِنينَ (١).
فَيُجبِرُ الأَبُ: ثَيِّبًا دُونَ ذلِكَ (٢)، وبِكرًا ولو بَالِغَةً (٣).
أن تكونَ سَفيهَةً، وثَمَّ مصلَحَةً، فيزوِّجُها جَبرًا عليها وليُّها.
وعُلِمَ من المَتنِ: أنه لو تزوَّجَ الأجنبيُّ لِغَيرِه بغَيرِ إذنِه، أو زَوَّجَ الوليُّ موليتَه التي يُعتَبرُ إذنُها، لم يصح، ولو أخبَرَ بَعدُ، وهو نِكاحُ الفُضُوليِّ، فلو وَطِءَ الزوجُ في هذا النكاح، فلا حَدَّ. ح ف.
(١) قوله: (تَمَّ لهَا تِسعُ سِنينَ): ولها إذنٌ معتبرٌ صحيحٌ، يُشتَرطُ مَعَ ثُيوبَتِها، ويُسَنُّ معَ بَكارَتِها؛ لحديثِ أبي هريرة مرفوعًا: «لا تُنكح الأيِّمُ حتَّى تُستَأمَر، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ». قالوا: يا رسولَ اللَّه وكيفَ إذنُها؟ قال: «أن تسكُتَ». متفق عليه [¬١]، م ص [¬٢].
(٢) قوله: (فيُجبِرُ الأبُ ثِيبًا دَونَ ذلِكَ): أي: تِسعِ سِنينَ؛ لأنه لا إذنَ لها مُعتَبرٌ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وبِكرًا، ولَو بالِغَةً): أي: ويجبِرُ الأبُ البكرَ، ولو كانت بالِغةً؛ لحديث ابن عباس، مرفوعًا: «الأيِّمُ أحقُّ بنفسِهَا من وليِّها، والبِكرُ تُستَأمرُ، وإذنُها صُمَاتُها». رواه أبو داود [¬٤]. فقسَّمَ النِّساءَ قِسمَين، وأثبتَ الحقَّ لأحدِهِمَا، فدلَّ على نَفيهِ عن الآخرَ، وهِيَ البِكرُ، فيكونُ وليُّها أحقَّ منها بِها. ودلَّ الحديثُ على أنَّ الاستئمَارَ هنا، والاستئذَانَ في الحَديثِ السابقِ،
стр. 1516
ولِكُلِّ وليٍّ: تَزويجُ يَتِيمَةٍ (١) بَلَغَتْ تِسعًا بِإذنِهَا (٢)، لا مَنْ دُونَهَا بِحَالٍ، إلَّا وصِيُّ أبِيهَا (٣).
وإذِنُ الثَيِّبِ (٤): الكَلامُ. وإذنُ البِكرِ (٥): الصُّمَاتُ (٦).
مُستحَبٌ غيرُ واجبٍ. م ص [¬١].
(١) قوله: (ولكُلِّ وَليٍّ تَزويجُ يَتيمَةٍ … إلخ): منَ الأبِ، ووصيِّهِ، وبقيَّةِ العَصَباتِ، والحَاكِمِ. وحيثُ وُجِدَ مِنها الإذنُ لواحِدِ مِنهُم، جازَ له تَزويجُها، وإن كانَ تزويجُ الأبِ والوَصيِّ لا يتوقَّفُ على الإذن. الوالد.
(٢) قوله: (بَلَغَتْ تِسعًا بإذنِهَا): لأنه مُعتَبرٌ.
(٣) قوله: (لا مَنْ دُونَهَا بحَالٍ): أي: وليسَ لباقِي الأولياءِ كالجَدِّ، والأخِ، والعَمِّ، تزويجُ صَغيرَةٍ دُونَ تِسعِ سِنينَ بحَالٍ، بكرًا كانَت أو ثيبًا، بَلْ لبَعضِ الأولياءِ تزويجُها، وهو الأبُ المُجبِرُ، ووصيُّه فقَط، دونَ الحاكِمِ وباقِي الأولياءِ، فليسَ لهم تزويجُ من دَونَ تِسعِ سِنين. عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (وإذْنُ الثيِّبِ): وهي من زالَتْ بكارَتُها بوَطءٍ في قُبلٍ، ولو كانَ الوطءُ زِنًى، أو معَ عَودِ بَكارَةٍ بعدَ وَطئِهَا. الوالد.
(٥) قوله: (وإذنُ البِكرِ): ولو وُطِئَتْ في الدُّبُرِ.
(٦) قوله: (الصُّمَاتُ): ولو ضَحِكَت أو بَكَتْ كانَ إذنًا. ونُطقُهَا أبلَغُ من صُماتِها؛ لأنه الأصلُ في الإذْنِ، واكتُفِي عنه بصُمَاتِ البِكرِ؛ لاستحيَائِها. م ص [¬٣].
стр. 1517
وشُرِطَ في استئذَانِهَا (١): تَسمِيَةُ الزَّوجِ لَهَا عَلَى وَجهٍ تَقَعُ به المَعرِفَةُ (٢).
ويُجْبِرُ السيِّدُ، ولَو فاسِقًا: عَبدَهُ غَيرَ المُكَلَّفِ (٣)، وأمَتَهُ، ولو مُكلَّفَةً (٤).
الثَّالِثُ: الوَلِيُّ (٥).
(١) قوله: (في استئذَانِهَا): أي: مَنْ يُشتَرطُ إذنُها.
(٢) قوله: (على وَجهٍ تَقَعُ به المَعرِفَةُ): بأنْ يُذكَرَ لها نَسبُه ومَنصِبُه ونَحوُه ممَّا يتَّصِفُ به؛ لِتكُونَ على بَصيرَةٍ في إذنِها في تَزويجِه، ولا يُعتبرُ تَسميةُ المَهْرِ، على الصحيح. نَقَله الزركشي. م ص [¬١].
(٣) قوله: (ولو فَاسِقًا عَبدَهُ غَيرَ المُكلَّفِ): كالصغيرِ والمجنونِ، كابنهِ وأولَى؛ لِتمَامِ مِلكِه وولايتِه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (وأمتَهُ): بالنصب على المَفعوليَّةِ؛ عطفًا على: «عبدَه» أي: ويُجبِرُ السيدُ أمتَه (ولو) كانت الأمةُ (مكلفَةً) أي: كبيرةً كانت أو صَغيرَةً، بكرًا أو ثيبًا، قِنًا أو مُدبَّرةً أو أمَّ ولَدٍ؛ لأنَّ منافِعَها مَملوكَةٌ له، والنكاحُ عَقدٌ على مَنفعَتِها، أشبهَ عَقدَ الإجارَةِ؛ ولذلِكَ ملَكَ السيدُ الاستمتَاعَ بها. وبهذا فارَقَتِ الأمةُ العبدَ. م ص [¬٣] بإيضاح.
(٥) قوله: (الثَّالِثُ: الوَليُّ): أي: الشرطُ الثالِثُ من شُروطِ النِّكاحِ: الوليُّ؛ لأنَّ المرأةَ لمَّا كانت غيرَ مأمونَةٍ على البُضْعِ؛ لنَقصِ عَقلِهَا، وميلِها إلى الرِّجَال،
стр. 1518
وشُرِطَ فيهِ: ذُكُورِيَّةٌ (١)، وعَقْلٌ (٢)، وبُلُوغٌ (٣)،
وسُرعَةِ انخِدَاعِها، فأشبَهَت الصغيرَ، فلم يَجُز تَفويضُ النكاحِ إليها، فاعتبرَ الشارِعُ لها الوليَّ؛ لينظُرَ في الكُفؤ ومَصالِح نكاحِها، ويصونَها عن مُباشَرةِ ما يُشعِرُ بوقاحَتِها، إلاَّ على النبيِّ ﷺ . فلا يَصحُّ أن تُزوِّجَ امرأةٌ نفسَهَا، ولا غيرَهَا كأمَتِها أو بنتِها، ولا أن تُوكِّلَ في نكاحِ أمَتِها، لكنْ متَى حَكَمَ حاكِمٌ بصحَّةِ شَيءٍ مِنْ ذلِك، أو كانَ المُتَوليِّ لعَقدِه حَاكِمًا يراه، لم يُنقَضْ. وكذا سَائِرُ الأنكِحَةِ الفاسِدَةِ، إذا حَكَمَ بها مَنْ يراهَا، لم يُنقَضْ؛ لأنه يَسوغُ فيها الاجتهادُ، فلم يَجُز نقضُ الحُكمِ بها. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (وشُرِطَ فيه ذُكُوريَّةٌ): أي: وشُرِطَ في وَليٍّ سَبعةُ شُروطٍ: الأولُ: ذُكُوريَّةٌ؛ لأنَّ المرأةَ لا يثبُتُ لها وِلايةٌ على نَفسِهَا، فعلَى غَيرِها أولَى. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وعَقْلٌ): أي: والثاني: عَقلٌ، فلا وِلايةَ لمَجنُونٍ مُطبِقٍ، فإنْ جُنَّ أحيانًا، أو أُغمِيَ عليه، أو نَقَصَ عقلُه لنَحو مَرضٍ، أو إحرَامٍ، انتُظِرَ، ولا ينعَزِلُ وكيلُه بطَريَان ذلِك. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وبُلُوغٌ): أي: والثالِثُ: بلوغٌ؛ لأنَّ الوِلايَةَ يُعتَبرُ لها كَمَالُ الحَالِ؛ لأنَّها تنفيذُ تَصرُّفٍ في حقِّ غَيرِهِ، وغَيرُ المُكلَّفِ مُولًّى عليه؛ لِقُصُورِ نَظرِهِ، فلا تثبتُ له وِلايةٌ، كالمَرأةِ. م ص [¬٤].
стр. 1519
وحُرِّيَّةٌ (١)، واتِّفَاقُ دِيْنٍ (٢)، وعَدَالَةٌ، ولو ظَاهِرَةً (٣)،
(١) قوله: (وحُرِّيَّةٌ): أي: والرابِعُ: كَمالُ حُريَّةٍ؛ لأن العبدَ والمُبَعَّضَ لا يَستقلاَّنِ بالوِلايةِ على أنفُسِهِما، فأولَى على غَيرِهِما، إلاَّ مُكاتبًا يزوِّجُ أمتَهُ، فيصِحُّ، وتقدَّمَ. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (واتِّفَاقُ دِينٍ): والخامِسُ: اتِّفاقُ دِينِ الوَليِّ والمُولَى عَليها، فَلا وِلايَةَ لكافِرٍ على مُسلِمَةٍ، ولا لنصرانيٍّ على مَجُوسيَّةٍ ونَحوِه؛ لأنه لا تَوارُثَ بينهما بالنسبِ، إلاَّ أمَّ ولَدٍ لِكافِرٍ أسلَمَتْ، فيزوِّجُها سَيدُها الكَافِرُ لِمُسلِمٍ؛ لأنها مملوكتُه، ولأن التزويجَ عقدٌ عليها فَيَلِيهِ سيِّدُها الكَافِرُ، كإجارَتِها، ويباشِرُه [¬٢]؛ لأنه تصرُّفٌ في مِلكِه. ومِثلُها المُكاتَبةُ والمُدبَّرةُ إذا أسْلَمَا، لكنَّه في المُكاتَبَةِ والمُدبَّرةِ مبنيٌّ على أنه لا يُجبَرُ على بَيعِهما أو نحوِه. والمذهبُ: أنهما لا يَبقَيَان بمِلكِه؛ لصحَّةِ بَيعِهِمَا، بخلافِ أمِّ الولَدِ؛ ولذلِكَ اقتصرَ في «المنتهى» عليها. ش ع [¬٣] بإيضاح.
(٣) قوله: (ولو ظَاهِرَةً): تفسيرٌ للعدَالَةِ، وتمييزٌ له، فإنَّ العَدلَ على قِسمَين: مَستورٍ، وغيرِ مَستُورٍ. والمستورُ: هو كلُّ مسلمٍ لا تظهَرُ منه رِيبَةٌ، وإذا اشترطنَا كَونَ الوليِّ عَدلاً، فيَكفِي في عَدالَتِه كَونُه مستورًا، ولا يُشتَرطُ كونُها باطِنَةً. وأطلَقَ العَدالَة في «المقنع» و «الهداية» و «المغني» وذكَرَ ابنُ أبي موسى في المستور منعًا، وتَسليمًا. ابن نصر اللَّه ﵀. إلا في سُلطَانٍ، فلا يُشتَرطُ في تَزويجِه بالوِلايَةِ العامَّةِ العَدَالةُ؛ للحَاجَةِ، ولا فِي سَيِّدِ
стр. 1520
ورُشْدٌ، وهُو (١): مَعرِفَةُ الكُفْؤِ، ومَصَالِحِ النِّكَاحِ (٢).
والأحقُّ بتَزويجِ الحُرَّةِ: أبُوهَا (٣) وإنْ عَلَا (٤)، فابنُهَا (٥) وإنْ نَزَلَ (٦)،
أمةٍ؛ لأنه يتصرَّفُ في مِلكِه، كمَا لو أجَّرَها.
(١) قوله: (وهُو): أي: الرُّشدُ هُنا.
(٢) قوله: (مَعرِفَةُ الكُفؤ ومصَالِحِ النِّكاحِ): وليسَ هو حِفظُ المَالِ، فإنَّ رُشدَ كُلِّ مَقَامٍ بحسَبِهِ. وعُلِمَ مما سبقَ: أنه لا يُشتَرطُ كونُ الوليِّ بَصيرًا، ولا كَونُه مُتكلِّمًا إذا فُهِمَت إشارتُه؛ لقِيامِهَا مقَامَ نطُقِه في جَميعِ العُقودِ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (والأحقُّ بتَزويجِ الحُرَّةِ): مِنْ أولياءٍ (أبُوهَا) لأن الولَدَ موهُوبٌ لأبيه، قال تعالى: ﴿ووهبنا له يحيى﴾ [الأنبيَاء: ٩٠] وإثباتُ وِلايةِ [¬٢] المَوهُوبِ لَهُ على المَوهُوبِ أولَى مِنَ العَكسِ؛ ولأنَّ الأبَ أكملُ نَظَرًا وأشدُّ شَفَقَةً.
(٤) قوله: (وإنْ عَلَا): أي: الجَدُّ للأبِ، وإن عَلا، فيُقدَّمُ على الابنِ وابنِه؛ لأنَّ له إيلادًا وتَعصِيبًا، فقُدِّمَ عليهِما كالأبِ، فإن اجتمَعَ أجدادٌ، فأولاهُم أقربُهم، كالجَدِّ مع الأب. ع ب [¬٣].
(٥) قوله: (فابنُها): أي: المَرأةِ الحُرَّةِ.
(٦) قوله: (وإن نَزَلَ): أي: فابنُها وإن نَزَلَ، يقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ.
стр. 1521
فَالأَخُ الشَّقِيقُ، فالأَخُ للأَبِ (١). ثمَّ الأقرَبُ فالأَقرَبُ (٢)، كالإرْثِ (٣). ثمَّ السُّلطَانُ، أو نائِبُه (٤). فإنْ عُدِمَ الكُلُّ (٥): زَوَّجَهَا ذُو سُلطَانٍ في مَكَانِهَا. فإن تَعذَّرَ (٦): وَكَّلَت (٧)(١) قوله: (فالأخُ الشَّقيقُ، فالأخُ للأبِ): لأن وِلايةَ النِّكاحِ حَقٌّ يُستَفَادُ بالتَّعصِيبِ، فُقدِّمَ فيه الأخُ مِنَ الأبوين، كالمِيرَاثِ، وكاستِحقَاقِ المِيرَاثِ بالولاءِ. فابنُ أخٍ لأبوين، فابنُ أخٍ لأبٍ [¬١]، وإنْ سَفَلا. ع ب [¬٢].
(٢) قوله: (ثم الأقرَبُ فالأقرَبُ): فعَمٌّ لأبوَينِ؛ فعمُّ لأبٍ، ثمَّ بنوهُمَا.
(٣) قوله: (كالإرثِ): أي: تَرتيبُ الوِلايَةِ بعدَ الإخوَةِ على تَرتيبِ المِيرَاثِ بالتعصيبِ، فأحقُّهم بالمِيرَاثِ أحقُّهم بالوِلايَةِ، فلا يَلِي بَنو أبٍ أعلَى مَعَ بَني أبٍ أقربَ مِنهُ، وإن نَزَلَت درجَتُهم. ع ب باختصار [¬٣].
(٤) قوله: (ثُمَّ السُّلطَانُ): أي: ثمَّ عِنْدَ عَدمِ عَصَبةِ النَّسَبِ والوَلاءِ يَلي نكاحَ حُرَّةٍ السُّلطانُ، وهو الإمامُ الأعظَمُ (أو نائبُه) قال الإمام أحمد: والقاضِي أحبُّ إليَّ من الأميرِ في هَذا.
(٥) قوله: (فإن عُدِمَ الكُلُّ): أي: عَصبةُ النسَبِ، والوَلاءُ، والسُّلطَانُ ونائبُه، مِنَ المَحلِّ الذي به الحُرَّةُ. ع ب [¬٤].
(٦) قوله: (فإن تعذَّرَ): ذو سُلطانٍ في مكَانِها.
(٧) قوله: (وكَّلَتْ): عَدلاً في ذلِكَ المَكانِ.
стр. 1522
مَنْ يُزَوِّجُهَا (١).
فلو زَوَّجَ الحَاكِمُ (٢)، أو الوَلِيُّ الأبعَدُ (٣)، بِلَا عُذرٍ للأَقرَبِ (٤): لم يَصِحَّ (٥).
ومِنَ العُذرِ: غَيبَةُ الوَلِيِّ فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ (٦).
(١) قوله: (مَنْ يُزوِّجُهَا): قال الإمام أحمد في دِهْقانِ قَريةٍ [¬١]: يزوِّجُ من لا وليَّ لها إذا احتَاطَ لها في الكُفؤ والمَهرِ، إذا لم يَكُنْ في الرُّستَاقِ [¬٢] قاضٍ. لأن اشتراطَ الوليِّ في هَذه الحَالِ يَمنَعُ النكاحَ بالكليَّةِ. ع ب [¬٣].
(٢) قوله: (فلو زَوَّجَ الحَاكِمُ): معَ وجُودِ وليِّها الأقرَبِ، لم يصح. مفرَّعٌ على قوله: «فإن تعذَّرَ».
(٣) قوله: (أو الوليُّ الأبعَدُ … إلخ): أو زوَّجَ الوليُّ … إلخ.
(٤) قوله: (للأقرَبِ): إليها مِنهُ.
(٥) قوله: (لم يَصِحَّ): النكاحُ إلاَّ بإذنِ الأقرَبِ؛ إذ لا وِلايةَ للحَاكِم والأبعدِ مَعَ مَنْ هو أحقُّ منهُما، أشبهَا الأجنبيَّ. ع ب وإيضاح [¬٤].
(٦) قوله: (ومِنَ العُذْرِ): جار ومجرور متعلِّقٌ بمحذُوفٍ تقديرُه: ومن العُذرِ المُبيحِ لزواجِ الوليِّ الأبعَدِ مَعَ وجُودِ الأقرَبِ: (غَيبَةُ .. ) ف «أل» للعهد الذكري، خبر مقدم، و «غيبة» مبتدأ مؤخر. أي: غيبةُ الوليِّ الأقرَبِ غيبةً
стр. 1523
أو تُجهَلُ المَسَافَةُ (١). أو يُجهَلُ مَكانُهُ (٢) مَعَ قُربِهِ (٣). أو يَمنَعُ مَنْ بَلَغَتْ تِسْعًا كُفُؤًا رَضِيَتهُ (٤).
منقَطِعَةً، وهي التي لا تُقطَعُ إلاَّ بكُلفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وتكونُ فوقَ مسَافَةِ قَصرٍ؛ لأن ما دَونَ ذلك في حُكمِ الحَاضِرِ. الوالد.
(١) قوله: (أو تُجهَلَ المَسَافَةُ): يعني: أقريبٌ هو، أم بَعيدٌ؟ فزوَّجَ الأبعَدُ، صَحَّ.
(٢) قوله: (أو يُجهَلَ مَكانُهُ): أي: أو كانَ يُجهَلُ مكانُه؛ بأن لم يُعلَم هل هو قَريبٌ أو بَعيدٌ، أو عُلِمَ أنه قَريبٌ، ولم يُعلَم عَينُ مَكانِهِ. ح ف.
(٣) قوله: (مَعَ قُربِهِ): أي: دونَ مسافَةِ قَصرٍ، فزوَّجَ الأبعدُ، صَحَّ؛ لتعذُّرِ مُراجَعَتِهِ. ع ب [¬١].
(٤) قوله: (أو يَمنَعَ): الوليُّ الأقربُ (مَنْ بَلَغَتْ تِسعًا كُفؤًا رَضِيَتهُ) ورَغِبَ بما صَحَّ مهرًا، ولو دُونَ مَهرِ المِثلِ. ويُفَسَّقُ به أي: بالمَنعِ إن تكرَّرَ منه، أي: تكررَ منه ثلاثًا، كما قالَ ابن عقيل. وهذا أحدُ أقوالٍ ثلاثَةٍ فيمَنْ أتى صَغيرَةً، هل يَفسُقُ بإدمَانِها؟ وهو المذهبُ، كما يأتي في الشَّهادَاتِ، أو بتَكرَارِها ثلاثًا؟ عثمان [¬٢].
стр. 1524
فَصْلٌ
وَوَكِيلُ الوَلِيِّ (١): يَقُومُ مَقَامَهُ (٢). ولَه (٣): أن يُوَكِّلَ بِدُونِ إذنِهَا (٤)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (ووَكِيلُ الوَليِّ): ممَّن تقدَّمَ؛ منَ المُجبِرِ وغَيرِه.
(٢) قوله: (يَقومُ مقَامَهُ): غائِبًا كانَ أو حَاضِرًا، مُجبِرًا كانَ أو غَيرَه، بشَرطِ إذنِها للوَكيلِ بَعْدَ توكيل الوَليِّ لَهُ، إن لم تكُنْ مُجبَرةً؛ لأنه عَقدُ مُعاوَضَةٍ، فجَازَ التوكيلُ فيه، كالبَيع؛ وقياسًا على توكيلِ الزوجِ؛ لأنه رُوي أنه ﵇ وكَّلَ أبا رافِعٍ في تزويجِه مَيمُونَةَ [¬١]. ووكَّلَ عَمرو بنَ أميَّةَ الضَّمريَّ في تَزويجِه أمَّ حَبيبةَ [¬٢]. م ص [¬٣] وزيادة.
(٣) قوله: (ولَهُ): أي: الوَليِّ غَيرِ المُجبِرِ.
(٤) قوله: (أن يُوكِّلَ بدُونِ إذنِهَا): أي: وللوليِّ أن يُوكِّلَ في التزويجِ قَبلَ إذنِها في التوكيلِ، ولو لم تَكُنْ مُجبَرَةً، وبدُونِه؛ لأنه إذنٌ مِنَ الوليِّ في التَّزويجِ، فلا يَفتِقرُ إلى إذنِ المَرأةِ، ولا الإشهَادِ على التَّوكيلِ، كإذنِ الحَاكِم، ولأن الوليَّ ليسَ وَكيلاً للمَرأة، بدليلِ أنها لا تَملِكُ عزلَه مِنْ الوِلايَةِ. م ص [¬٤] بإيضاح.
стр. 1525
لكِنْ (١): لا بُدَّ مِنْ إذْنِ غَيرِ المُجبَرَةِ للوَكِيلِ (٢) بَعدَ تَوكِيلِهِ (٣).
ويُشتَرَطُ في وَكِيلِ الوَلِيِّ: ما يُشتَرَطُ فِيهِ (٤).
ويَصِحُّ: تَوكِيلُ الفَاسِقِ (٥)(١) قوله: (لكِنْ): استدرَاكٌ على قوله: «بدُونِ إذنِها».
(٢) قوله: (لابُدَّ مِنْ أذنِ غَيرِ المُجبَرَةِ للوَكيلِ): أي: لابدَّ مِنْ إذنِ غَيرِ المُجبَرَةِ لوكيلِ وليِّها في التَّزويجِ؛ لأنه نائبٌ عن غَيرِ مُجبِرٍ، فيثبُتُ له ما ثبتَ لِمَنْ ينوبُ عنه. الوالد.
(٣) قوله: (بعدَ تَوكِيلِهِ): الظرف متعلِّقٌ بقوله: «لابدَّ من إذن … إلخ». لأنَّ الذي يُعتَبرُ إذنُها فيهِ للوكيلِ هو غيرُ ما يُوكِّلُ فيه المُوكَّلُ، فهو كالموكِّلِ في ذلِكَ، ولا أثرَ لإذنِها له قَبلَ أن يوكِّلَه الوليُّ؛ لأنه أجنبيٌّ إذن، وأما بعدَه فكوليٍّ [¬١]. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (ويُشتَرطُ في وَكيلِ الوَليِّ [¬٣] … إلخ): أي: الوليِّ مِنْ ذُكورَةٍ، وبُلوغٍ، وغيرِهِما من باقِي شُروطِ الوَليِّ؛ لأنها وِلايَةٌ فلا يَصِحُّ أن يُباشِرَها غيرُ أهلِها، ولأنه إذا لَمْ يَملِك تَزويجَ مَولِيَّتِهِ أصالَةً، فلأنْ لا يملِكُ تزويجَ مَوليَّةِ غَيرِهِ بالتَّوكِيلِ أولَى. م ص [¬٤].
(٥) قوله: (ويَصِحُّ توكيلُ الفَاسِقِ): فلا يُشتَرطُ في وَكيلِ الزَّوجِ عَدالتُه. وتُشتَرطُ العَدالةُ في وَكيلِ المَرأةِ، فلا يَصحُّ توكيلُ المَرأةِ فَاسِقًا في النكاح. الوالد.
стр. 1526
فِي القَبُولِ (١).
ويَصِحُّ: التَّوكِيلُ مُطلَقًا، ك: زَوِّجْ مَنْ شِئتَ. ويَتَقيَّدُ: بالكُفْؤ (٢). ومُقَيَّدًا (٣)، ك: زَوِّجْ زَيدًا (٤).
ويُشتَرَطُ (٥): قَولُ الوَلِيِّ (٦)، أو وَكِيلِهِ (٧): زَوَّجتُ فَلانَةَ فُلانًا (٨)، أو: لِفُلانٍ (٩).
(١) قوله: (في القَبولِ): أي: في قَبولِ نِكاحٍ؛ لأنه يَصِحُّ قبولُه لِنفسِهِ النكاحَ، فصَحَّ لغَيرِهِ، كيَهودِيٍّ، وكَّلَه مُسلِمٌ في قَبولِ نَكَاحِ يَهوديَّةٍ لَهُ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ويَتقَيَّدُ): الإذنُ المُطلَقُ للوَكيلِ، أو الوليِّ (بالكُفؤ) إن اشتَرَطَ، كَمَا في «المبدع» ح ف.
(٣) قوله: (ومُقيَّدًا): أي: ويصحُّ توكيلُه مُقيَّدًا.
(٤) قوله: (كزوِّج زَيدًا): أو: زوِّج هَذَا، فلا يَصحُّ مِنْ غَيرِهِ.
(٥) قوله: (ويُشتَرطُ): لصحَّةِ النكاحِ.
(٦) قوله: (قَولُ الوَليِّ): لوَكيلِ زَوجٍ.
(٧) قوله: (أو وَكيلِهِ): أي: أو قَولُ وَكيلِ الوَليِّ لوكيلِ زَوجٍ.
(٨) قوله: (زوَّجْتُ فُلانَةَ): بنتَ فُلانٍ (فُلانًا) ويَصِفُه بمَا يتميَّزُ به.
(٩) قوله: (أو لِفُلانٍ): أي: أو زوَّجتُ فَلانةَ بنتَ فُلانٍ لفُلانِ ابنِ فُلانٍ. أو يقولُ وليٌّ، أو وكيلُه: زوَّجتُ مُوكِّلَكَ فُلانًا فُلانةَ بنتَ فُلانٍ. ولا يقولُ: زوَّجتُكَهَا ونحوه. ع ب [¬٢].
стр. 1527
وقَولُ وَكِيلِ الزَّوجِ: قَبِلتُهُ لِمُوَكِّلِي فُلانٍ، أو: لِفُلانٍ (١).
وَوَصِيُّ الوَلِيِّ (٢) فِي النِّكَاحِ: بِمَنزِلَتِهِ (٣)، فيُجبِرُ (٤) مَنْ يُجبِرُهُ (٥)؛ مِنْ ذَكَرٍ وأُنثَى (٦).
وإن استَوَى وَلِيَّانِ (٧)(١) قوله: (وقَولُ وَكيلِ الزَّوجِ: قَبِلُته): أي: ويُشتَرطُ قَولُ وَكيلِ الزَّوجِ: قَبِلتُ النكاحَ (لمُوَكِّلِي فُلانٍ أو) قَبِلتُه (لفُلانِ) ابنِ فُلانٍ.
(٢) قوله: (ووَصيُّ الوليِّ): كأبٍ وغَيرِه مِنَ الأولياءِ.
(٣) قوله: (في النِّكاحِ بمَنزِلَتِهِ): أي: الوليِّ، إذا نصَّ لهُ عليهِ.
(٤) قوله: (فيُجبِرُ): وصيٌّ. مفرَّع على «ووصيُّ الوليِّ».
(٥) قوله: (مَنْ يُجبِرُه): مُوصٍ لو كانَ حَيًّا.
(٦) قوله: (مِنْ ذَكرٍ وأُنثَى): لقيامِه مَقَامَ المُوصِي، سواءٌ عيَّنَ له الزَّوجَ أو لَا؛ لأنَّ مَنْ مَلَكَ التَّزويجَ، إذا عُيِّنَ له الزَّوجُ، ملكَه مَعَ الإطلاقِ. ولا خيارَ لمَن زوَّجَه وَصيٌّ صغيرًا من ذكرٍ وأُنثى ببلُوغٍ؛ لقِيامِ الوَصيِّ مَقامَ المُوصِي، فلم يثبُت له في تَزويجِه خِيَارٌ، كالوَكيلِ. ع ب [¬١].
(٧) قوله: (وإن استَوَى وَليَّانِ): كإخوَةٍ كُلُّهم لأبوينِ، أو لأبٍ. قال ابن نصر الله: يُؤخَذُ من عُمومِه: أنه لو اتَّفَقَ الأولياءُ المُستَوُونَ وزوَّجُوا كُلُّهم، أو وكَّلوا كُلُّهم عن جَميعِهم وَكيلاً يزوِّج عَنهم، صَحَّ؛ لأنَّ لفظَةَ «أي» تصلُح لذلِكَ، ولا مَانِعَ منه مَعَ إمكانِه. انتهى.
وكذا يتبع مثله في عِبارة المصنف؛ لأنَّ كلاًّ من «أي» و «كل» من ألفَاظِ العُموم.
стр. 1528
فأكثَرُ (١) فِي دَرَجَةٍ (٢): صَحَّ التَّزوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ (٣)، إنْ أذِنَتْ لَهُمْ (٤).
وقال أيضًا: لو كانت المَرأةُ مُلحَقَةً بأبوين، أو أكثَر، فهل كلُّ واحدٍ منهُمَا وليُّ بانفِرادِه، أو يُشتَرطُ اجتماعُهُما؟ لم أجد به نقلاً. والقياسُ يقتَضِي اشترَاطَ اجتماعِهِما؛ لأنَّ ميراثَهُما مِنهُما مِيراثُ أبٍ واحِدٍ، فدلَّ ذلِكَ على أنَّ الأبوَّةَ شائِعةٌ بينَهُما. ح ف.
(١) قوله: (فأكثَرُ): لامرأةٍ.
(٢) قوله: (في دَرَجَةٍ): كإخوةٍ كلُّهم لأبوينِ، أو لأبٍ، أو بَني إخوَةٍ كذلِكَ، أو أعمَامٍ، أو بَنيهم كذلِكَ.
(٣) قوله: (صَحَّ التزويجُ مِنْ كُلِّ واحِدٍ): منهم؛ لوُجُودِ [¬١] سَببِ الوِلايَةِ في كلٍّ منهم. والأولَى تقديمُ أفضَلِ المُستَويَيْنِ في الدَّرجَةِ عِلمًا ودِينًا ليزوِّجَ. فإن استَووا في الفَضل، فأسنَّ؛ لأنه ﵇ قدَّمَ الأكبرَ في حَديثِ مُحَيِّصَة، وحُوَيِّصَة [¬٢]؛ لأنه أحوطُ للعَقدِ في اجتمَاعِ شُروطِه، والنَّظرِ في الحَظِّ.
وإن تَشَاحُّوا الأولياءُ المُستَوونَ في الدرجةِ فطَلَبَ كلٌّ منهم أن يزوِّجَ، أُقرِعَ بينهم؛ لتسَاويهِم في الحقِّ، وتَعذُّرِ الجَمعِ بينَهم. فإن سَبَقَ غَيرُ مَنْ خَرَجَت له القُرعَةُ، فزوَّجَ، صَحَّ. «منتهى وشرحه الصغير» [¬٣].
(٤) قوله: (إن أذِنَتْ لَهُمْ) أي: لكلِّ واحدٍ منهم، صَحَّ التَّزويجُ؛ لصُدُورِه من وَليٍّ كامِلِ الوِلَايةِ، بإذنِ مُولِّيتِهِ، أشبهَ ما لو انفَرَدَ بالوِلايَةِ. ع ب [¬٤].
стр. 1529
فَإِنْ أذِنَت لأَحَدِهِمْ (١): تَعَيَّنَ (٢)، ولَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ غَيْرِهِ (٣).
ومَنْ زوَّجَ- بِحَضْرَةِ شاهِدَيْنِ- عَبْدَهُ الصَّغِيرَ بأَمَتِهِ (٤). أو: زَوَّجَ ابْنَه بِنَحْوِ بِنْتِ أخِيهِ (٥). أو: وَكَّل الزَّوْجُ الوَلِيَّ (٦)، أو عَكْسَهُ (٧).
(١) قوله: (فإنْ أذِنَتْ لأحَدِهِم) أي: لواحِدٍ منهُم.
(٢) قوله: (تعيَّنَ) مَنْ أذِنَت لهُ، فيزوِّجُها دون غيره، إن لم يَكُونُوا مُجبِرينَ، كأوصِياءِ بِكرٍ، جعلَ أبوها لكلٍّ منهم أن يَنفَرِدَ، فأيُّهم عَقَدَهُ، صَحَّ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (ولَم يَصِحَّ نِكَاحُ غَيرِهِ) أي: غَيرِ مَنْ أذِنَت لهُ.
(٤) قوله: (عبدَهُ الصَّغيرَ بأمَتِهِ) صَغيرَةً كانت أو كبيرةً، صحَّ أن يتولَّى طَرفَي العَقدِ بلا نِزاعٍ؛ ولأنه عَقدٌ بحُكم المِلْكِ لا بِحُكمِ الإذنِ فيه.
إنَّ المصنفَ قَيَّدَ في جَانبِ العَبدِ بالصِّغَرِ، وأطلَقَ في جانبِ الأمَةِ؛ لأنَّ العبدَ البالغَ لا يُجبِرُه سيدُه في النكاح، والأمةَ ولو بالِغةً يُجبِرُها سيدُها، كما تقدَّمَ؛ ولذلِك أُهمِلَ في جانبِها.
(٥) قوله: (أو زوَّجَ ابنَه بنَحوِ بِنتِ أخيهِ) أي: أو زوَّجَ شَخصٌ ابنَه الصَّغيرَ، أو المجنونَ، أو السفيهَ، بنَحوِ بنتِ أخيهِ، صحَّ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ.
(٦) قوله: (أو وَكَّلَ الزَّوجُ الوليَّ) أي: وليَّ المخطُوبَةِ في قَبولِ نِكاحِ تلكَ المخطُوبةِ، صحَّ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ.
(٧) قوله: (أو عَكسُهُ) بأن وكَّلَ الوليُّ الزَّوجَ في إيجابِ النكاحِ لنَفسِهِ، فيجُوزُ للزَّوجِ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ. ع ب [¬٢].
стр. 1530
أو: وَكَّلا واحِدًا (١): صَحَّ أن يَتَوَلَّى طرفَيِ العَقْدِ (٢).
ويَكفِي: زَوَّجْتُ فُلانًا (٣) فُلانَةَ، أو: تَزوَّجتُها (٤)، إنْ كانَ هُو الزَّوْجُ (٥).
(١) قوله: (أو وكَّلا واحِدًا) أي: وكَّلَ الزوجُ والوليُّ واحدًا؛ بأن وكَّلَه الوليُّ في الإيجَابِ، والزوجُ في القَبولِ.
(٢) قوله: (صَحَّ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ) أي: صَحَّ النكاحُ، وأن يتولَّى طَرَفَي عقدِ النكاحِ في نحوِ ما تقدَّمَ من الصُّورِ.
قال الشارح: ونحو النكاحِ من العُقودِ، كما لو وكَّلَ البائعُ والمُشتري واحِدًا، أو المؤجِّر والمستأجِرُ واحدًا فإنه يصحُّ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (وَيكفِي: زوَّجتُ فُلانًا فُلانَةَ) أي: ولا يُشترطُ في تولِّي طَرَفَي العقد الجَمعُ بين الإيجابِ والقَبولِ، بل يَكفي: زوَّجتُ فُلانًا، ويَنسِبُه بما يتميَّز به، وإن لم يقُل: وقَبِلتُ له نِكاحَها؛ فلانةَ بِنتَ فُلانٍ. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (أو تَزوَّجتُهَا) أي: أو يقول: تَزوَّجتُ فلانةَ بنتَ فلانٍ.
(٥) قوله: (إن كانَ هو الزَّوجُ) بأن كان ابنَ عمِّها، وإن لم يقُل: وقَبلتُ نكاحَها لنَفسِي. أو كانَ وكيلُه، أي: الزَّوجِ، فيقولُ: تزوَّجتُها لموَكِّلي فُلانٍ. أو: لفُلانِ ابن فُلانٍ، وإن لم يقُل: وقَبلتُ له نِكاحَها. م ص [¬٣].
стр. 1531
ومَن قالَ لأَمَتِهِ (١): أعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ: عَتَقَتْ (٢)، وصَارَتْ زَوْجَةً لَهُ (٣)، إنْ تَوفَّرَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ (٤).
(١) قوله: (ومن قالَ لأمتِه) التي يَحلُّ له نِكاحُها وقتَ القَولِ لو كانت حرَّةً؛ لتدخلَ الكِتابيةُ، وتخرجَ المجوسيَّةُ، والوثنيَّةُ، والمعتدَّةُ؛ لعدَمِ حِلِّ كُلٍّ منهنَّ، من قنٍّ، أو مُدبَّرة، أو مُكاتبةٍ، أو مُعلَّقٍ عِتقُها بصفَةٍ، أو أمِّ ولدِه: (أعتقتُكِ .. إلخ).
(٢) قوله: (عَتَقَتْ) جوابُ الشرط.
(٣) قوله: (وصَارَتْ زوجَةً) وإن لم يقُل: وتزوَّجتُك، أو لم يقل: وتزوَّجتُها؛ لِتَضمُّن قولِه: وجعلت عتقها ونحوه صداقَها ذلك. الوالد.
(٤) قوله: (إن توفَّرَت شُرُوطُ النِّكَاحِ) شرطٌ لقوله: «عَتَقَت، وصَارت زَوجَةً». وكان الكلامُ متَّصِلًا، ولو حُكمًا، فلا يَضرُّ قطعُه بسُعَالٍ أو تنفُّسٍ، وكان بحضرَةِ شاهدَينِ عَدلَينِ. فإن قال: أعتقتُكِ. وسكَتَ سُكوتًا يُمكِنُه الكلامُ فيه، أو تكلَّم بأجنَبيٍّ، ثم قال: وجعلتُ عِتقَكِ صَداقَكِ، ونحوه، لم يَصِحَّ النكاحُ؛ لصيرُورَتِها بالعِتقِ حُرَّةً، فيحتاج أن يتزوَّجَها بِرضَاها بصَداقٍ جَديدٍ، وكذا إن كان لا بِحَضرَةِ شَاهِدَين؛ لقوله ﵇: «لا نِكاحَ إلَّا بوليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ». ذكره أحمد في رواية ابنه عبد الله [¬١]. م ص [¬٢] وإيضاح.
стр. 1532
الرَّابِعُ (١): الشَّهادةُ (٢). فَلا يَنْعَقِدُ (٣): إلَّا بشَهَادَةِ ذَكَرَيْنِ، مُكَلَّفَيْنِ (٤)، ولَوْ رَقِيقَيْنِ (٥)، مُتَكَلِّمَيْنِ (٦)، سَمِيعَيْنِ (٧)، مُسْلِمَيْنِ (٨)، عَدْلَيْنِ، ولو ظَاهِرًا (٩)،
(١) قوله: (الرَّابِعُ) من شُرُوطِ النكاح.
(٢) قوله: (الشَّهادَةُ) على النكاح؛ احتياطًا للنَّسبِ خَوفَ الإنكَارِ؛ لحَديثِ عائشةَ مرفوعًا: «لا بدَّ في النكاحِ من حُضورِ أربعةٍ: الوليُّ، والزوجُ، والشَّاهِدَان». رواه الدارقطني [¬١].
(٣) قوله: (فلا يَنعَقِدُ) النكاحُ. مفرَّعٌ على ما قَبلَه.
(٤) قوله: (مكلَّفَينِ) أي: عاقِلَين بالِغَين.
(٥) قوله: (ولو رَقِيقَينِ) أي: ولو كانا الذَّكرانِ رقيقَينِ، كسَائرِ الشَّهادَاتِ.
(٦) قوله: (مُتكلِّمَينِ) لأن الأخرَسَ لا يتمكَّنُ من أداءِ الشَّهادةِ.
(٧) قوله: (سَميعَينِ) لأنَّ الأصمَّ لا يَسمعُ العقدَ فيشهدُ به.
(٨) قوله: (مُسلِمَينِ) لقوله ﵇: «لا نِكاحَ إلا بوليٍّ، وشاهِدَي عَدلٍ» [¬٢]. رواه الخلال.
(٩) قوله: (عَدلَين ولو ظَاهِرًا) أي: فينعقدُ بمستُورِ الحَالِ؛ بأن يكُونا عَدلَينِ ظَاهِرًا، وجُهِلَ حالُهما باطنًا. قال القاضي: يحتاج أن تثبتَ عندَ الحاكِمِ عَدالةُ الشاهِدَين في الباطِنِ عندَ الحُكمِ بشَهادَتِهما، لا حالَ عقدِ النكاحِ.
ولو تابَ الفاسِقُ بمَجلسِ العقدِ، وشَهِدَ به، صَحَّ، ولو بان الوليُّ فاسِقًا؛ لأنَّ
стр. 1533
مِنْ غَيْرِ أصْلَيِ الزَّوجَيْنِ، وفَرْعَيْهِمَا (١).
الخامِسُ (٢): خُلُوُّ الزَّوْجيْنِ مِنْ المَوَانِعِ (٣)؛ بِأَنْ لا يَكونَ بِهِمَا (٤)، أو بِأَحَدِهِمَا مَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ، مِنْ نَسَبٍ، أو سَبَبٍ (٥).
شَرطَ العدالَةِ ظَاهِرًا، وهو أن لا يكونَ ظاهِرَ الفِسق، وقد تحقَّقَ ذلك، أي: وُجِدَ. وقد نَظَمَ بعضُهم هذه الشروطَ، فقال:
سبعُ صِفَاتٍ في الشُّهودِ تُعتَبَرْ … العقلُ والسَّمعُ، وإن فاتَ البَصرْ
والنُّطقُ والبُلوغُ والإسلامُ … والذَّكَرُ العَدلُ به التَّمامُ
نقلَه مُحرِّرُ حَاشيةِ ابنِ نصر اللَّه على «الكافي».
(١) قوله: (من غَيرِ أصلَي الزَّوجَين وفَرعَيهِمَا) فلا تصح شهادةُ أَبي الزَّوجَةِ أو جدَّها، ولا ابنِها وابنِه فيه، وكذا أبو الزوجِ وجَدُّهُ، وابنُه وابنُ ابنِه، وإن نزل؛ للتُّهمَةِ. وكذا أبو الوليِّ وابنُه. ولا يُشتَرطُ كونُ الشاهدَين بَصيرَين؛ لأنها شَهادةٌ على قَولٍ، أشبَهت الاستفاضَةَ. ويُعتبرُ أن يَتيقَّنَ الصَّوتَ بحيثُ لا يَشُكُّ في العاقِدَين، كما يعلَمُه مَنْ رآهُما. ولو أقرَّ رجلٌ وامرأةٌ أنهما نَكَحَا بوليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ، قُبِلَ مِنهُما، وثَبَتَ النكاحُ بإقرارِهِما. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (الخَامسُ) مِنْ شُروطِ النكاحِ.
(٣) قوله: (خُلوُّ الزَّوجَينِ مِنَ المَوانِعِ) الآتيةِ في بابِ المُحرَّمَاتِ.
(٤) قوله: (بأنْ لا يَكُونَ بِهمَا) أي: بالزَّوجَينِ.
(٥) قوله: (من نَسَبٍ أو سَبَبٍ) بيان ل «ما»، كرضَاعٍ، ومُصَاهَرةٍ، أو اختلافِ
стр. 1534
والكَفَاءَةُ (١): لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ (٢). لكِنْ (٣): لِمَنْ زُوِّجَتْ
دِينٍ؛ بأن يكونَ مُسلمًا وهي مجوسيَّةً، ونحوِه ممَّا يأتي، أو كونُها في عِدَّةٍ، ونَحوِ ذلِكَ. ع ب [¬١].
(١) قوله: (والكَفَاءَةُ) أي: كفاءةُ زَوجٍ، بالمدِّ والفَتحِ في الأصلِ، مصدَرٌ بمعنى: المُساوَاةِ والتَّعادُلِ، والمُرادُ بها هنا: أن يكون الرجلُ مُساويًا للمرأةِ في الأمورِ الخمسَةِ الآتية. وهذا هو الجَامِعُ بينَ المعنَى اللُّغَوي والاصطِلاحي. وهو دِينٌ، أي: أداءُ الفَرائِضِ، واجتنابُ النَّواهِي. ح ف.
(٢) قوله: (لَيسَت شَرطًا لصحَّةِ النكاح) بل شَرطٌ للزُومِ النكاح. فيصحُّ النكاحُ مَعَ فَقدِها. هذا المذهبُ عندَ أكثرِ المتأخِّرين. قال في «المقنع» و «الشرح» [¬٢]: وهي أصحُّ، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأنه ﷺ أمرَ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أن تَنْكِحَ أُسامَةَ بنَ زيدٍ، فَنكَحَها بأمرِه. متفق عليه [¬٣]. ولأن الكَفاءَةَ حقٌ لا يَخرُجُ عن المرأةِ وأوليائِها، فإذا رَضُوا به، صَحَّ؛ لأنه إسقاطٌ لحقِّهم، ولا حجر [¬٤] فيه عليهم. قال ح ف: فعلَى هذا تكون شروطُ صِحةِ النكاحِ أربعةً، لكن ينبغي أن يُزَادَ: خلوُّها مِنَ المَوانِعِ، فتكونُ خَمسَةً؛ لأنه مرادُ من لم يذكُرْه. انتهى. ولذلك ذكر المصنف الخامس.
(٣) قوله: (لكِنْ) استدراكٌ على قوله: «ليسَت شَرطًا».
стр. 1535
بِغَيْرِ كُفْؤٍ (١) أن تَفْسَخَ نِكَاحَهَا (٢) - ولو مُتَرَاخِيًا (٣) - ما لَمْ تَرْضَ بقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ (٤). وكذَا: لأَوْلِيائِهَا (٥)،
(١) قوله: (لِمَنْ زُوِّجَت بغَيرِ كُفؤ) لها، كَعفيفَةٍ بفَاجِرٍ، وعَربيَّةٍ بعَجَميٍّ، وحُرَّةٍ بعَبدٍ؛ لعَدَمِ لُزومِ النكاحِ لفَقدِ الكَفَاءةِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (أن تَفسَخَ نِكاحَهَا) لِمَنْ لم يرَضَ بالنكاحِ من المَرأةِ والأولياءِ جَميعهم، القَريبِ والبَعيدِ، حتى من يحدُثُ منهم بعدَ العقدِ؛ لتَسَاويهِم في لُحوقِ العَارِ بفَقدِ الكفاءَةِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (ولو مُترَاخِيًا) أي: ولو كانَ الفسخُ مُتراخيًا أو فورًا؛ لأنه خِيارٌ لِنَقصٍ في المعقُودِ عليه، أشبَه خِيارَ العَيبِ. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (بقَولٍ أو فِعلٍ) بأن مكَّنته من نَفسِها عَالِمةً بأنه غَيرُ كُفؤ. ويحرمُ تَزويجُ امرأةٍ بَغيرِ كُفؤ بلا رِضَاها، ويَفسُقُ به الوليُّ. قاله في «الإقناع». قال. م ص في «شرحه» [¬٤]: قلت: إن تعمَّدَه. وأمَّا الأولياء، فلا يثبتُ رِضَاهُم إلَّا بالقَولِ، لا بالفعلِ، كالسُّكوت. عثمان [¬٥].
(٥) قوله: (وكَذَا لأوليائِهَا) الفسخُ لِمنْ لم يَرضَ بالنكاحِ منهم، فَورًا أو مُتراخِيًا. فلو زوَّجَ الأبُ بنتَه بغيرِ كُفؤ، برضَاها، فللإخوَةِ الفسخُ، نصًا؛ لأنَّ العَارَ في تَزويجِ مَنْ لَيسَ بكُفؤ عليهم أجمَعين. ع ب [¬٦].
стр. 1536
ولَو رَضِيَتْ (١)، أو رَضِيَ بَعْضُهُم (٢)، فلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الفَسْخُ (٣). ولَوْ زَالَتِ الكَفَاءَةُ بَعْدَ العَقْدِ: فلَهَا فَقَطْ (٤) الفَسْخُ (٥).
والكَفَاءةُ مُعْتَبَرَةٌ في خَمْسةِ أشياءٍ (٦):
(١) قوله: (ولو رَضِيَت) المَرأةُ. غايةٌ لقوله: «لأوليائِهَا».
(٢) قوله: (أو رَضِيَ بعضُهُم) أي: بعضُ الأولياءِ، فلا يثبتُ رِضاهُم إلَّا بالقَولِ؛ بأن يقولُوا: أسقَطنا الكَفَاءةَ، أو: رَضيَنا به غيرَ كُفؤ، ونَحوِه. وأما سُكُوتُهم، فليسَ رضًا. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (فلِمَن لَم يَرضَ) من الأولياء (الفَسخُ) فَورًا أو مُتراخِيًا بعدَ العقدِ؛ بأن كانَ كُفؤًا وقتَ العَقدِ.
(٤) قوله: (فلَها) أي: الزوجَةِ (فَقَط) دونَ الأولياءِ، كَعتقها تَحتَ عَبدٍ؛ ولأن حَقَّ الأولياءِ في ابتِداءِ العَقدِ لا فِي استِدَامَتِه.
(٥) قوله: (الفَسخُ) فَورًا أو مُتراخيًا.
(٦) قوله: (والكَفَاءَةُ) لغةً: المُساوَاةُ والمُماثَلَةُ. ومنه قوله ﷺ : «المسلِمونَ تتكَافَأُ دِماؤُهم» [¬٢]. أي: تَتَساوى. فَدَمُ الوَضيعِ مِنهُم كَدَمِ الرَّفيعِ.
وشَرعًا: دِينٌ، أي: أداءُ الفَرائِض واجتِنابُ النواهِي. وهي مُبتدأ، وقوله: (مُعتَبَرةٌ) خَبرٌ، أي: تُوجَدُ، وتتحقَّق (فِي خَمسَةِ أشياءٍ) لا يُقالُ: الكفاءةُ هي الخَمسةُ أشياء، ففيه ظَرفيَّةُ الشَّيءِ في نَفسِه؛ لأنا نَقولُ: الظرفيَّةُ مَجَازيَّةٌ، أو أنها على سَبيلِ الشَرطيَّةِ، والشَّرطُ غَيرُ المَشرُوطِ، أي: الكَفاءةُ
стр. 1537
الدِّيانَةِ (١). والصِّنَاعَةِ (٢). والمَيسَرَةِ (٣). والحُرِّيَّةِ (٤). والنَّسَبِ (٥).
مَشروطَةٌ بخَمسَةِ أشياء. و «في» بمَعنى «الباء»؛ لأنَّ حُروفَ الجرِّ تنوبُ عَنْ بعضِها في المَذهَبِ الكُوفيِّ.
(١) قوله: (الدِّيانَةِ) فلا تُزَوَّجُ عَفيفَةٌ عن زِنًى بفَاجرٍ، أي: فاسِقٍ بقَولٍ، أو فِعلٍ، أو اعتقَادٍ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (والصِّناعَةِ) بكسرِ الصادِ وفَتحِها: حِرفَةٌ الصَّانِعِ، غَيرُ زَريَّةٍ، أي: دَنيئَةٍ، فلا تُزوَّجُ بنتُ بزَّازٍ تاجرٍ في البزِّ، وهو القُمَاش بحجَّام.
(٣) قوله: (والميسَرَةِ) بحَسَبِ ما يَجبُ لها، فلا تزوَّجُ مُوسِرَةٌ بِمُعسِرٍ. الوالد.
(٤) قوله: (والحُرِّيِّةِ) فلا تُزوَّجُ حُرَّةٌ، ولو عَتَقَت، بعَبدٍ، ولو بمُبعَّضٍ. الوالد.
(٥) قوله: (والنَّسّبِ) فلا تزوَّجُ عَربيةٌ مِنْ ولَدِ إسماعِيلَ بعَجَمِيٍّ، ولا بولَدِ زِنًى.
وقد نَظَمَ بعضُهم شروطَ الكَفَاءةِ فقال:
شُروطُ الكَفاءَةِ سِتَّةٌ قد قُرِّرَتْ … يُنبيكَ عنها بيتُ شِعرٍ مُفرَدِ
نَسَبٌ ودِينٌ عِفَّةٌ حُرِّيةٌ … فَقدُ العُيوبِ وفي اليسَارِ تَردُّدِ
وأبناء زمانِنا تَركوا الخمسَةَ المتَّفقَ عليها، وتَبِعُوا السَّادِسَ المتردَّدَ فيه.
وقد نظمَ بعضُهم ذلك فقال:
قالوا الكفاءَةُ سِتَّةٌ فأجبتُهم … قد كانَ ذلِكَ في الزمانِ الأقدمِ
أما بنُو هذا الزَّمانِ فإنَّهم … لا يَعرِفُون سِوى يَسَارِ الدِّرهَمِ
نقل ذلك الشيخ ع ب [¬٢].
стр. 1538
بَابُ المُحَرَّماتِ في النِّكَاحِ
تَحْرُمُ أبَدًا: الأُمُّ، والجَدَّةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ (١)، والبِنْتُ (٢) ولَوْ مِنْ زِنًى (٣)،
بَابُ المُحرَّمَاتِ في النِّكَاحِ
شَرَعَ المصنفُ في بيانِ مَوانِعِ النكاحِ، وهُنَّ ضَربانِ.
ضَربٌ يَحرُمُ على الأبدِ، وهنَّ أقسامٌ خمسةٌ: قسم يَحرُمنَ بالنسبِ، وهنَّ سَبعٌ. وقد ذَكرهُم المصنف بقوله: «تحرم أبدًا .. إلخ».
(١) قوله: (تَحرُمُ أبدًا: الأُمُّ، والجدَّةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) أي: سواء كانت من جهَةِ الأبِ، أو الأُمِّ، وإن عَلَت؛ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النِّساء: ٢٣] والأمُّ: كُلُّ من انتسَبْتَ إليها بِوِلادَةٍ، سواءٌ وقعَ عليها اسمُ الأمِّ حقيقةً، وهي التي ولَدتْكَ، أو مَجَازًا، وهي التي ولَدَتْ مَنْ ولدَكَ وإن عَلَتْ، وارثةً كانت أو غيرَ وارثَةٍ. ذكر أبو هريرة هاجَرَ أمَّ إسماعيلَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : «تِلكَ أمُّكُم يا بَني ماءِ السَّماءِ» [¬١]. وهم طائِفةٌ من العرب. م ص [¬٢] بإيضاح.
(٢) قوله: (والبِنتُ) مِنْ زَوجةٍ، أو سُرِّية.
(٣) قوله: (ولو مِنْ زِنى) أو مِنْ شُبهةٍ، أو مَنفيةً بلِعَانِ، أي: فتحرم عليه بنتُه
стр. 1539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَنفيَّةُ باللِّعانِ وبنتُها وبنتُ ابنِها، وكذا أختُه وعمَّتُه وخالتُه المنفيَّات، وبنتُ أخيهِ وأُختِه وابنِه، وكذا حُكمُ الزِّنى والوَطءِ بالشُّبهَةِ، قال الشيخ تقي الدين في «شرح المحرر»: ويَكفي في التَّحريمِ أن يعلَمَ أنها بنتُه ظاهِرًا، وإن كانَ النسبُ لغيرهِ، وظاهِرُ كلامِ الإمام: أنَّ الشبهَ يكفِي في ذلك؛ لأنه قال: أليسَ قد أمَرَ النبيُّ ﷺ سَودَةَ أن تَحتَجِبَ من ابن أمَةِ زَمعَةَ [¬١]. وقال: إنَّما حَجَبَها للشَّبهِ الذي رأى بعُتبَةَ.
والدليل على تحريم البنتِ من الزنى: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ [النِّساء: ٢٣]. وهذه بنتُه، ولأنها مَخلوقَةٌ من مائِه. وهذه حقيقةٌ لا تختَلِفُ بالحِلِّ والحُرمةِ، ويَدُلُّ على ذلِك قولُه ﷺ في امرأةِ هِلالِ بن أُميَّةَ: «أنظِروه يَعني ولدَها فإن جاءتْ به على صِفةِ كذا، فهو لشَرِيكِ بن سَحمَاءَ» [¬٢]. يعني الزاني، ولأنها مخلوقةٌ من مائِه، فأشبَهت المَخلوقَةَ من وَطء الشُّبهَةِ، ولأنها بِضعَةٌ منه، وتَخلُّفُ بعضِ الأحكامِ لا يَنفي كَونَها بنتًا، كما لو تخلَّف لِرقٍّ، أو اختلافِ دِينٍ.
إذا ثبت هذا فلا فَرقَ بينَ علمهِ بكونِها منهُ، مثلُ أن يَطأَ امرأةً في طهرٍ لم يُصبها فيه غيرُه، ثم يحفَظُها حتَّى تَضَعَ. أو شَكٍّ؛ بأن يَشتَرِكَ جماعةٌ في وَطءِ امرأةٍ، فتأتي بوَلدٍ، لا يَعلَمُ هل هو منهُ أو مِنْ غَيرِه، فإنها تَحرُمُ على جَميعِهم، وعلى أولادِهم؛ لأنها أختُ بعضِهم غَيرِ مَعلومٍ. فلو كان الوطءُ
стр. 1540
وبِنْتُ الوَلَدِ (١)، والأُخْتُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ (٢)، وبِنْتُ وَلَدِهَا (٣)، وبِنْتُ كُلِّ أَخٍ (٤)، وبِنْتُ وَلَدِهَا (٥)، والعَمَّةُ (٦)، والخَالَةُ (٧).
لشُبهَةٍ، فألحقتُه القافةُ بأحدِ الواطئينَ، حلَّتْ لأولادِ الباقين، ولم تَحلَّ لأحدٍ ممَّن وَطئَ أمَّها؛ لأنها في معنى رَبيبَتِه، كما أشار إلى ذلك في «المغني». ح ف.
(١) قوله: (وبنتُ الوَلَدِ) ذكرًا وأُنثى، وإن سَفَلَ، وارِثَاتٍ كنَّ أو غيرَ وارِثَاتٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾. م ص [¬١].
(٢) قوله: (والأُختُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) أي: من الجِهَاتِ الثلاث وهي: الأختُ لأبوين، والأختُ لأبٍ، والأختُ لأمٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وأخواتكم﴾. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (وبنتُ ولَدِهَا) أي: ابنِ الأُختِ، ذَكرًا كان أو أُنثى، وإن نَزلَت بِنتُ ولدِها مُطلقًا.
(٤) قوله: (وبنتُ كُلِّ أخٍ) شَقيقٍ، أو لأبٍ، أو لأُمٍّ.
(٥) قوله: (وبنتُ ولَدِهَا) وإن نَزلنَ كُلُّهنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخ﴾.
(٦) قوله: (والعَمَّةُ) من كلِّ جهَةٍ.
(٧) قوله: (والخَالةُ) من كلِّ جهَةٍ، وإن عَلَتا، كعمَّةِ أبيهِ، وعمَّةِ أمِّهِ، وعَمَّةِ العم لأب؛ لأنها عَمَّةُ أبيه. ولا تحرمُ عمَّةُ العمِّ لأمٍّ؛ بأن يكونَ للعمِّ أخي أبيهِ لأمِّه عَمَّةٌ، فلا تحرُمُ على ابنِ أخيهِ؛ لأنها أجنبيَّةٌ منه. وكعمَّةِ الخَالَةِ لأبٍ،
стр. 1541
ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ: ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ (١). إلَّا: أُمَّ أخِيهِ، وأُخْتَ ابنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (٢)،
فتحرُمُ؛ لأنها عَمَّةُ الأم. ولا تَحرُمُ عمَّةُ الخالَةِ لأمٍّ؛ لأنها أجنبيةٌ منه.
فتحرم كلُّ نسيبةٍ، أي: قَريبةٍ، سوى بنتِ عمٍّ، وبنتِ عمَّةٍ، وبنتِ خَالٍ، وبنتِ خالَةٍ، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وبنات عمك﴾ [الأحزَاب: ٥٠] الآية. ع ب [¬١].
(١) قوله: (ويحرُمُ بالرَّضَاعِ ما يحرُمُ بالنَّسَبِ) القسمُ الثاني من المُحرَّماتِ على الأبدِ: المحرماتُ بالرَّضَاعِ، ولو كان الإرضَاعُ مُحرَّمًا، كمَن أكرَهَ امرأةً على إرضَاعِ طفلٍ فأرضَعته، فتحرُم عليه؛ لوجُودِ سَببِ التَّحريمِ، وهو الرَّضاعُ، ولا يُشتَرطُ في سَببِ التَّحريمِ كُونُه مُباحًا، بدَليلِ ثُبوتِ تَحريمِ المُصَاهَرةِ بالزِّنَى، وكذا لو غصَبَ لبنَ امرأةٍ، وسقَاهُ طِفلًا سَقيًا مُحرِّمًا.
فكلُّ امرأةٍ حَرُمَت بالنَّسب حَرُمَ مِثلُها من الرَّضَاعِ. وضَابِطُ ذلِكَ: أنه يحرُم على الشخصِ أصلُه وإن عَلَا، وفرعُه وإن نَزَلَ، وفرعُ أصلِه الأدنى وإن نَزَلَ، وفرعُ أصولِه البَعيدَةِ فقط، أي: دونَ فُروعِ فروعِ [¬٢] أصولِه البعيدة. ع ب [¬٣].
(٢) قوله: (إلَّا أمَّ أخيه، وأُختَ ابنِه مِنَ الرَّضَاعِ) أي: ولا تَحرمُ على رَجُلٍ أمُّ أخيهِ من رَضَاعٍ، ولا أختُ ابنِه من الرَّضَاعِ، أي: فتحلُّ مُرضِعَتُه وبنتُها لأبي مُرتَضِعٍ وأخيهِ من نَسَبٍ، وتَحلُّ أمُّ مُرتَضِعٍ وأُختُه من نَسبٍ لأبيهِ وأخيهِ من
стр. 1542
فتَحِلُّ كَبِنْتِ عَمَّتِهِ (١) وعَمِّهِ، وبِنتِ خالَتِهِ وخَالِهِ.
ويَحْرُمُ أبَدًا بالمُصَاهَرَةِ (٢) أرْبَعٌ: ثَلاثٌ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ (٣): زَوجَةُ أبِيهِ وإنْ عَلا (٤). وزَوْجَةُ ابنِهِ وإنْ سَفَلَ (٥).
رَضَاعٍ؛ لأنهنَّ في مُقابَلةِ مَنْ يَحرُمُ بالمُصاهَرةِ، لا في مُقابَلَةِ من يَحرُمُ مِنَ النسبِ، والشارِعُ إنِّما حرَّم من الرضاعِ ما حرَّم من النسبِ لا ما يحرُم بالمُصاهَرةِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (فتَحِلُّ، كبنتِ عَمَّتِه) أي: فلا تحرمُ المُرضِعَةُ ولا بنتُها على أبي المُرتَضِعِ وأخيه من نَسبٍ، ولا أمُّ المرتَضعِ وأختُه من نَسبٍ على أبي المُرتَضعِ وأخيه من الرضَاعِ؛ لأنهنَّ في مُقابلَةِ من يحرُم بالمصاهَرةِ، لا بالنسَبِ.
(٢) قوله: (ويَحرُمُ أبدًا بالمُصَاهَرَةِ) مصدر صَاهَرَ القَومَ: تزوَّجَ منهم.
القسمُ الثالثُ: المُحرَّماتُ بالمُصاهَرةِ.
(٣) قوله: (ثلاثٌ بمجرَّدِ العَقدِ) الصحيح، وإن لم يَحصُل دخولٌ ولا خَلوةٌ. الوالد.
(٤) قوله: (زوجَةُ أبيهِ وإنْ عَلَا) إحداهُنَّ: زوجَةُ أبيه وإن عَلا [¬٢]، ولو مِنْ رَضَاعٍ، أي: وزوجَةُ أجدَادِه لأبيهِ أو أمِّه، وإن عَلا الجَدُّ، من نَسبٍ أو رَضَاعٍ. ع ب [¬٣].
(٥) قوله: (وزوجَةُ ابنِه وإنْ سَفَلَ) والثانيةُ: زوجَةُ ابنِه وإن سَفَلَ، ولو مِنْ
стр. 1543
وأمُّ زَوجَتِه. فإنْ وَطِئَها: حَرُمَتْ علَيْه أيضًا: بِنْتُها، وبِنتُ ابنِهَا (١).
وبغَيْرِ العَقْدِ (٢): لا حُرْمَةَ إلَّا بالوَطْءِ في قُبُلٍ (٣)
رَضَاعٍ، من بنيهِ وبَني أولادِه وإن نَزلُوا، من أولادِ البَنينَ أو البناتِ، مِنْ نَسبٍ أو رَضَاعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النِّساء: ٢٣] مع ما تقدَّم من قولِه ﵇: «يحرُم من الرَّضاعِ ما يحرُمُ من النَّسبِ» [¬١]. وحلائِلُهم: زوجاتُهم. سُمِّيت امرأةُ الرجُلِ حَليلةً؛ لأنها تَحِلُّ إزارَ زَوجِها، وهي محلَّلةٌ له. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وأمُّ زَوجَتِه) والثالثةُ: أمُّ زوجَتِه وجدَّاتُها، وإن عَلونَ، ولو من رضَاعٍ. ف «أم زوجَتِه» معطوفٌ على: «زوجةُ أبيه» وهو فاعل «يَحرُمُ» والمعطوف على الفاعل فاعل، فحينئذٍ تحرُم أمُّ زوجَتِه بمجرَّدِ العَقدِ على بنتِها. فإن وَطِئَ زوجَتَه هذه حَرُمَ عليه أيضًا بنتُها، كما حَرُمَت عليه أمُّها بمجرَّدِ العَقدِ، وبنتُ ابنِ زوجَتهِ؛ أخذًا من قاعِدَة: العقدُ على البَناتِ يُحرِّمُ الأمَّهاتِ، والدُّخولُ بالأمهاتِ يُحرِّمُ البنَات.
(٢) قوله: (وبغَيرِ العَقدِ) عطف على قوله: «بمجرَّدِ العَقدِ». وهو الرابع.
(٣) قوله: (لا حُرمَةَ إلَّا بالوَطءِ) أي: لا حُرمَةَ على الأبدِ إلا بالوَطءِ. أي: لا يُحَرِّم بتشديد الراء وطءٌ في مصاهَرةٍ إلَّا بتغييبِ حَشفَةٍ أصليَّةٍ دونَ العقدِ، والخلوَةِ، والمُباشَرةِ دَون الفَرجِ (في قُبُلٍ) أصليٍّ. ظاهِره: ولو بحَائِلٍ. م ص [¬٣].
стр. 1544
أو دُبُرٍ (١)، إنْ كانَ ابنَ عَشْرٍ في بِنْتِ تِسْعٍ (٢)، وكانَا حَيَّيْنِ (٣).
ويَحْرُمُ بوَطْءِ الذَّكَرِ: ما يَحْرُمُ بوَطْءِ الأُنْثَى (٤).
(١) قوله: (أو دُبُرٍ) لأنه فَرجٌ يتعلَّقُ به التحريمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجةِ، فكذا في الزِّنى، ولو كانَ الوطءُ شُبهةً أو زِنًى. قال في «شرح الإقناع» [¬١]: وظاهرُ كلامِه كالخِرَقي: أنَّ وطءَ الشُّبهَةِ ليسَ بحلالٍ ولا حَرامٍ، وصرَّحَ القاضي في «تعليقه» أنه حرام. ذكره في «الإنصاف».
(٢) قوله: (إنْ كانَ ابنَ عَشْرٍ في بنتِ تِسعٍ) أي: إن كانَ الواطئُ ابنَ عَشرٍ .. إلخ. فلو أولَجَ ابنٌ دُونَ عَشرِ سنين حَشَفَتَهُ في فَرجِ امرأةٍ، أو أولَجَ ابنُ عشرٍ فأكثَرَ حشَفَتهُ في فرجِ بنتٍ دُونَ تِسعٍ، لم يؤثِّر ذلِكَ في تحريمِ المُصاهرةِ. وكذا تغييبُ بَعضِ الحَشَفَةِ، واللَّمْسُ، والقُبلةُ، فلا يؤثِّر في تَحريمِ المُصاهرة. ومقتضَاه أيضًا أي: تغييبِ الحَشَفَةِ: أنَّ تحمُّل ماءِ الأجنبيِّ لا يؤثِّرُ في تَحريمِ المُصاهرةِ. وجزم به في «الإقناع» [¬٢]. الوالد.
(٣) قوله: (وكَانَا حَيَّين) أي: الواطئُ والموطُوءةُ حيَّين، فلو أولَجَ ذكرَه في فَرجِ امرأةٍ ميتةٍ، أو أدخَلت امرأةٌ حشفةَ ميِّتٍ في فَرجِها، لم يؤثِّر في تحريمِ المصاهَرةِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (ويحرُمُ بِوطءِ الذَّكَرِ ما يَحرُمُ بوَطءِ الأُنثَى) فلا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْ لائِطٍ ومَلوطٍ به أمُّ الآخَرِ، وبنتُه؛ لأنه وطءٌ في فرجٍ، فنشَرَ الحُرمةَ. قال ح ف: ولأنَّ أمَّ الملوطِ به وبنتَه كأمِّ الزَّوجَةِ وبنتِها، وأمَّ اللائِطِ وبنتَه كأبي الزوجِ
стр. 1545
ولا تَحْرُمُ: أُمُّ ولا بِنتُ زَوْجَةِ أبِيهِ وابنِهِ (١).
وبنتِه، فهو حينئذٍ ينشرُ الحُرمةَ؛ لأنه وَطءٌ في فَرجٍ.
قال. م خ [¬١]: لكِنْ قال شيخُنا في «شرحه للمنتهى» بعد حكايةِ المتنِ، وتعليلِه لنَشرِ الحُرمَةِ بأنَّهُ وَطءٌ في فَرجٍ ما نصُّه: قال في «الشرح» يعني: الكبير .. إلخ.
فلعلَّ حكايةَ ما في الشَّرحِ وعَدمَ تعقُّبِ الشيخِ وتلميذِه له، دليلٌ على صحَّتِه، وضَعفِ ما في المتن. يعني: «المنتهى». والمصنف تَبِعهُ في ذلك.
(١) قوله: (ولا تَحرُمُ أمُّ) زَوجَةِ والِدِ المَلوطِ به على اللَّائِطِ، ولا أمُّ زوجَةِ ابنه، (ولا) تحرُم (بنتُ زَوجَةِ أبيهِ) ولا بِنتُ زوجَةِ (ابنِه) على اللَّائِطِ. فكلامُ المصنفِ على اللَّفِّ والنَّشرِ المُرتَّبِ. والمعنى: لا تحرُمُ أمُّ زوجَةِ أبي المَلوطِ به، ولا تحرُم أمُّ زوجَةِ ابنِ المَلوطِ به، ولا تحرُم بنتُ زوجَةِ أبي المَلوطِ به على اللائط، ولا تحرُم بنتُ ابنِ الملوطِ به على اللَّائطِ.
والحاصل: أن اللائطَ تَحِلُّ له ربيبةُ والِدِ المَلوطِ به وولَدِه، وأمُّ زوجَةِ والِد الملوط به وولدِه؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. م ص وإيضاح.