ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ: ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ (١). إلَّا: أُمَّ أخِيهِ، وأُخْتَ ابنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (٢)،
فتحرُمُ؛ لأنها عَمَّةُ الأم. ولا تَحرُمُ عمَّةُ الخالَةِ لأمٍّ؛ لأنها أجنبيةٌ منه.
فتحرم كلُّ نسيبةٍ، أي: قَريبةٍ، سوى بنتِ عمٍّ، وبنتِ عمَّةٍ، وبنتِ خَالٍ، وبنتِ خالَةٍ، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وبنات عمك﴾ [الأحزَاب: ٥٠] الآية. ع ب [¬١].
(١) قوله: (ويحرُمُ بالرَّضَاعِ ما يحرُمُ بالنَّسَبِ) القسمُ الثاني من المُحرَّماتِ على الأبدِ: المحرماتُ بالرَّضَاعِ، ولو كان الإرضَاعُ مُحرَّمًا، كمَن أكرَهَ امرأةً على إرضَاعِ طفلٍ فأرضَعته، فتحرُم عليه؛ لوجُودِ سَببِ التَّحريمِ، وهو الرَّضاعُ، ولا يُشتَرطُ في سَببِ التَّحريمِ كُونُه مُباحًا، بدَليلِ ثُبوتِ تَحريمِ المُصَاهَرةِ بالزِّنَى، وكذا لو غصَبَ لبنَ امرأةٍ، وسقَاهُ طِفلًا سَقيًا مُحرِّمًا.
فكلُّ امرأةٍ حَرُمَت بالنَّسب حَرُمَ مِثلُها من الرَّضَاعِ. وضَابِطُ ذلِكَ: أنه يحرُم على الشخصِ أصلُه وإن عَلَا، وفرعُه وإن نَزَلَ، وفرعُ أصلِه الأدنى وإن نَزَلَ، وفرعُ أصولِه البَعيدَةِ فقط، أي: دونَ فُروعِ فروعِ [¬٢] أصولِه البعيدة. ع ب [¬٣].
(٢) قوله: (إلَّا أمَّ أخيه، وأُختَ ابنِه مِنَ الرَّضَاعِ) أي: ولا تَحرمُ على رَجُلٍ أمُّ أخيهِ من رَضَاعٍ، ولا أختُ ابنِه من الرَّضَاعِ، أي: فتحلُّ مُرضِعَتُه وبنتُها لأبي مُرتَضِعٍ وأخيهِ من نَسَبٍ، وتَحلُّ أمُّ مُرتَضِعٍ وأُختُه من نَسبٍ لأبيهِ وأخيهِ من
стр. 1542
فتَحِلُّ كَبِنْتِ عَمَّتِهِ (١) وعَمِّهِ، وبِنتِ خالَتِهِ وخَالِهِ.
ويَحْرُمُ أبَدًا بالمُصَاهَرَةِ (٢) أرْبَعٌ: ثَلاثٌ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ (٣): زَوجَةُ أبِيهِ وإنْ عَلا (٤). وزَوْجَةُ ابنِهِ وإنْ سَفَلَ (٥).
رَضَاعٍ؛ لأنهنَّ في مُقابَلةِ مَنْ يَحرُمُ بالمُصاهَرةِ، لا في مُقابَلَةِ من يَحرُمُ مِنَ النسبِ، والشارِعُ إنِّما حرَّم من الرضاعِ ما حرَّم من النسبِ لا ما يحرُم بالمُصاهَرةِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (فتَحِلُّ، كبنتِ عَمَّتِه) أي: فلا تحرمُ المُرضِعَةُ ولا بنتُها على أبي المُرتَضِعِ وأخيه من نَسبٍ، ولا أمُّ المرتَضعِ وأختُه من نَسبٍ على أبي المُرتَضعِ وأخيه من الرضَاعِ؛ لأنهنَّ في مُقابلَةِ من يحرُم بالمصاهَرةِ، لا بالنسَبِ.
(٢) قوله: (ويَحرُمُ أبدًا بالمُصَاهَرَةِ) مصدر صَاهَرَ القَومَ: تزوَّجَ منهم.
القسمُ الثالثُ: المُحرَّماتُ بالمُصاهَرةِ.
(٣) قوله: (ثلاثٌ بمجرَّدِ العَقدِ) الصحيح، وإن لم يَحصُل دخولٌ ولا خَلوةٌ. الوالد.
(٤) قوله: (زوجَةُ أبيهِ وإنْ عَلَا) إحداهُنَّ: زوجَةُ أبيه وإن عَلا [¬٢]، ولو مِنْ رَضَاعٍ، أي: وزوجَةُ أجدَادِه لأبيهِ أو أمِّه، وإن عَلا الجَدُّ، من نَسبٍ أو رَضَاعٍ. ع ب [¬٣].
(٥) قوله: (وزوجَةُ ابنِه وإنْ سَفَلَ) والثانيةُ: زوجَةُ ابنِه وإن سَفَلَ، ولو مِنْ
стр. 1543
وأمُّ زَوجَتِه. فإنْ وَطِئَها: حَرُمَتْ علَيْه أيضًا: بِنْتُها، وبِنتُ ابنِهَا (١).
وبغَيْرِ العَقْدِ (٢): لا حُرْمَةَ إلَّا بالوَطْءِ في قُبُلٍ (٣)
رَضَاعٍ، من بنيهِ وبَني أولادِه وإن نَزلُوا، من أولادِ البَنينَ أو البناتِ، مِنْ نَسبٍ أو رَضَاعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النِّساء: ٢٣] مع ما تقدَّم من قولِه ﵇: «يحرُم من الرَّضاعِ ما يحرُمُ من النَّسبِ» [¬١]. وحلائِلُهم: زوجاتُهم. سُمِّيت امرأةُ الرجُلِ حَليلةً؛ لأنها تَحِلُّ إزارَ زَوجِها، وهي محلَّلةٌ له. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وأمُّ زَوجَتِه) والثالثةُ: أمُّ زوجَتِه وجدَّاتُها، وإن عَلونَ، ولو من رضَاعٍ. ف «أم زوجَتِه» معطوفٌ على: «زوجةُ أبيه» وهو فاعل «يَحرُمُ» والمعطوف على الفاعل فاعل، فحينئذٍ تحرُم أمُّ زوجَتِه بمجرَّدِ العَقدِ على بنتِها. فإن وَطِئَ زوجَتَه هذه حَرُمَ عليه أيضًا بنتُها، كما حَرُمَت عليه أمُّها بمجرَّدِ العَقدِ، وبنتُ ابنِ زوجَتهِ؛ أخذًا من قاعِدَة: العقدُ على البَناتِ يُحرِّمُ الأمَّهاتِ، والدُّخولُ بالأمهاتِ يُحرِّمُ البنَات.
(٢) قوله: (وبغَيرِ العَقدِ) عطف على قوله: «بمجرَّدِ العَقدِ». وهو الرابع.
(٣) قوله: (لا حُرمَةَ إلَّا بالوَطءِ) أي: لا حُرمَةَ على الأبدِ إلا بالوَطءِ. أي: لا يُحَرِّم بتشديد الراء وطءٌ في مصاهَرةٍ إلَّا بتغييبِ حَشفَةٍ أصليَّةٍ دونَ العقدِ، والخلوَةِ، والمُباشَرةِ دَون الفَرجِ (في قُبُلٍ) أصليٍّ. ظاهِره: ولو بحَائِلٍ. م ص [¬٣].
стр. 1544
أو دُبُرٍ (١)، إنْ كانَ ابنَ عَشْرٍ في بِنْتِ تِسْعٍ (٢)، وكانَا حَيَّيْنِ (٣).
ويَحْرُمُ بوَطْءِ الذَّكَرِ: ما يَحْرُمُ بوَطْءِ الأُنْثَى (٤).
(١) قوله: (أو دُبُرٍ) لأنه فَرجٌ يتعلَّقُ به التحريمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجةِ، فكذا في الزِّنى، ولو كانَ الوطءُ شُبهةً أو زِنًى. قال في «شرح الإقناع» [¬١]: وظاهرُ كلامِه كالخِرَقي: أنَّ وطءَ الشُّبهَةِ ليسَ بحلالٍ ولا حَرامٍ، وصرَّحَ القاضي في «تعليقه» أنه حرام. ذكره في «الإنصاف».
(٢) قوله: (إنْ كانَ ابنَ عَشْرٍ في بنتِ تِسعٍ) أي: إن كانَ الواطئُ ابنَ عَشرٍ .. إلخ. فلو أولَجَ ابنٌ دُونَ عَشرِ سنين حَشَفَتَهُ في فَرجِ امرأةٍ، أو أولَجَ ابنُ عشرٍ فأكثَرَ حشَفَتهُ في فرجِ بنتٍ دُونَ تِسعٍ، لم يؤثِّر ذلِكَ في تحريمِ المُصاهرةِ. وكذا تغييبُ بَعضِ الحَشَفَةِ، واللَّمْسُ، والقُبلةُ، فلا يؤثِّر في تَحريمِ المُصاهرة. ومقتضَاه أيضًا أي: تغييبِ الحَشَفَةِ: أنَّ تحمُّل ماءِ الأجنبيِّ لا يؤثِّرُ في تَحريمِ المُصاهرةِ. وجزم به في «الإقناع» [¬٢]. الوالد.
(٣) قوله: (وكَانَا حَيَّين) أي: الواطئُ والموطُوءةُ حيَّين، فلو أولَجَ ذكرَه في فَرجِ امرأةٍ ميتةٍ، أو أدخَلت امرأةٌ حشفةَ ميِّتٍ في فَرجِها، لم يؤثِّر في تحريمِ المصاهَرةِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (ويحرُمُ بِوطءِ الذَّكَرِ ما يَحرُمُ بوَطءِ الأُنثَى) فلا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْ لائِطٍ ومَلوطٍ به أمُّ الآخَرِ، وبنتُه؛ لأنه وطءٌ في فرجٍ، فنشَرَ الحُرمةَ. قال ح ف: ولأنَّ أمَّ الملوطِ به وبنتَه كأمِّ الزَّوجَةِ وبنتِها، وأمَّ اللائِطِ وبنتَه كأبي الزوجِ
стр. 1545
ولا تَحْرُمُ: أُمُّ ولا بِنتُ زَوْجَةِ أبِيهِ وابنِهِ (١).
وبنتِه، فهو حينئذٍ ينشرُ الحُرمةَ؛ لأنه وَطءٌ في فَرجٍ.
قال. م خ [¬١]: لكِنْ قال شيخُنا في «شرحه للمنتهى» بعد حكايةِ المتنِ، وتعليلِه لنَشرِ الحُرمَةِ بأنَّهُ وَطءٌ في فَرجٍ ما نصُّه: قال في «الشرح» يعني: الكبير .. إلخ.
فلعلَّ حكايةَ ما في الشَّرحِ وعَدمَ تعقُّبِ الشيخِ وتلميذِه له، دليلٌ على صحَّتِه، وضَعفِ ما في المتن. يعني: «المنتهى». والمصنف تَبِعهُ في ذلك.
(١) قوله: (ولا تَحرُمُ أمُّ) زَوجَةِ والِدِ المَلوطِ به على اللَّائِطِ، ولا أمُّ زوجَةِ ابنه، (ولا) تحرُم (بنتُ زَوجَةِ أبيهِ) ولا بِنتُ زوجَةِ (ابنِه) على اللَّائِطِ. فكلامُ المصنفِ على اللَّفِّ والنَّشرِ المُرتَّبِ. والمعنى: لا تحرُمُ أمُّ زوجَةِ أبي المَلوطِ به، ولا تحرُم أمُّ زوجَةِ ابنِ المَلوطِ به، ولا تحرُم بنتُ زوجَةِ أبي المَلوطِ به على اللائط، ولا تحرُم بنتُ ابنِ الملوطِ به على اللَّائطِ.
والحاصل: أن اللائطَ تَحِلُّ له ربيبةُ والِدِ المَلوطِ به وولَدِه، وأمُّ زوجَةِ والِد الملوط به وولدِه؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. م ص وإيضاح.
стр. 1546
فَصْلٌ
ويَحْرُمُ: الجَمْعُ بيْنَ الأُخْتَيْنِ (١)، وبَيْنَ المَرْأَةِ وعَمَّتِها، أو خَالَتِها (٢). فمَنْ تزَوَّجَ نَحْوَ أُخْتَيْنِ (٣) فِي عَقْدٍ، أوْ عَقْدَيْنِ، مَعًا: لَمْ يَصِحَّ (٤). فإنْ جُهِلَ: فسَخَهُما حاكِمٌ (٥)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (ويَحرُمُ الجَمعُ بينَ الأُختَينِ) الضربُ الثاني من المُحرَّمَات في النكاحِ: المحرَّماتُ إلى أمدٍ، وهنَّ نوعَان: نوعٌ منها يَحرُمُ لأجلِ الجَمعِ. وذكرهُ بقوله: «ويَحرُمُ الجَمعُ بينَ الأُختَينِ». من نَسبٍ أو رَضَاعٍ، حُرَّتَينِ كانتا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأمةً، وسواءٌ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النِّساء: ٢٣] م ص [¬١].
(٢) قوله: (أو خَالَتِها) وإن عَلَتا من كُلِّ جهَةٍ، من نَسبٍ أو رَضَاعٍ.
(٣) قوله: (فمَنْ تزوَّجَ نحوَ أُختَينِ) أو بِنتَينِ، كما لو قالَ له شَخصٌ له بنتَان أو أُختان: زوَّجتُكَهُما. فيقولُ: قَبلتُ. لم يَصِحَّ.
(٤) قوله: (في عَقدٍ) واحِدٍ (أو) في (عَقدَينِ مَعًا) في وقتٍ واحِدٍ (لم يَصِحَّ) العقدان؛ لأنه لا يُمكِنُ تَصحيحُهُما، ولا مَزيَّةَ لإحداهُما على الأُخرَى، فيبطُلُ فيهما. وصُورةُ العقدَين: كما لو زوَّجَ كلَّ واحدَةٍ من امرأةٍ ونَحوِ عمَّتِها وليُّها، فَقبلَهُما. الوالد.
(٥) قوله: (فانْ جُهِلَ فَسَخَهُما حَاكِمٌ) أي: جُهِلَ أسبقُ العقدَينِ، فسخَهُما
стр. 1547
ولإحْدَاهُمَا (١) نِصْفُ مَهْرِهَا بقُرْعَةٍ (٢). وإنْ وَقَعَ العَقْدُ مُرَتَّبًا: صَحَّ الأَوَّلُ فَقَطْ (٣).
ومَنْ مَلَكَ أُختَيْنِ (٤)،
الحاكِمُ؛ لبُطلانِ النكاحِ في إحداهُما، وتحريمِها عليه. وإن أحبَّ أن يُفارِقَ إحداهُما، ثم يجدِّدَ عَقدَ الأخرى ويُمسِكَها، فلا بأسَ، وسواءٌ فعلَ ذلِكَ بقُرعةٍ أو غيرِها. ع ب [¬١].
(١) قوله: (ولإحدَاهُما) أي: إحدَى مَنْ يحرُمُ الجَمعُ بينَهُما، إذا عَقَد عليهما في زمَنين، وجُهِلَ أسبقُهما، وطلَّقهُما، أو فَسخَ نكاحَهما قبلَ الدُّخولِ.
(٢) قوله: (نِصفُ مَهرِهَا بِقُرعَةٍ) بينَ المرأتين، فيأخُذَه من تَخرُج لها القُرعَةُ، وله العقدُ على إحداهُما في الحَالِ إذن، وإن أصابَ إحداهُما، أُقرِعَ بينهُما، فإن خرجت للمُصَابةِ، فلها ما سُمِّي لها، ولا شيءَ للأُخرى، وإن وقعت لغَيرِ المُصَابةِ، فلها نصفُ ما سُمِّي لها، وللمُصَابةِ مَهرُ مثلِها بما استحلَّ من فَرجِها، وله نكاحُ المُصابةِ في الحَالِ لا الأُخرَى حتَّى تنقضيَ عِدَّةُ المُصابةِ. وإن أصابَهُما، فلإحداهُما المُسمَّى، وللأُخرَى مهرُ المثلِ يقترعانِ عليهما، ولا يَنْكِحُ إحداهُما حتَّى تنقضيَ عِدَّةُ الأُخرى. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (وإنْ وَقَعَ العقدُ مُرتَّبًا، صَحَّ) العقد (الأوَّلُ فَقَط) وبطَلَ المتأخِّرُ؛ لأنَّ الجمَعَ حَصَلَ به.
(٤) قوله: (ومَنْ مَلَكَ أُختين .. إلخ) هذه أحدُ المَسائِلِ التي تَجبُ العِدَّةُ فيها
стр. 1548
أو نَحْوَهُمَا (١): صَحَّ (٢). ولَهُ: أن يَطَأَ أيَّهُمَا شَاءَ (٣). وتَحْرُمُ الأُخْرَى (٤)
على الرجُلِ. م خ [¬١].
(١) قوله: (أو نَحوِهِمَا) كامرأةٍ وعمَّتِها أو خَالتِها، في عَقدٍ واحدٍ.
(٢) قوله: (صَحَّ) العقدُ. قال في «شرح المقنع»: ولا نعلمُ خلافًا في ذلكَ. انتهى. وكذا لو اشتَرى جَاريةً، ووَطئَها، حلَّ له شِراءُ أُختِها وعمَّتها وخَالتِها، كشراءِ المعتدَّةِ من غَيرِه، والمزوَّجةِ، مَعَ أنهما لا يَحلَّان. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وله أنْ يطأَ أيُّهُما شَاءَ) القياسُ: أيتُهُما. لأنَّ الأُخرى لم تَصِر فِراشًا، كما لو مَلَكَ إحداهُما وحدَها. وله الاستمتاعُ بهِما بمقدِّماتِ الوَطءِ مَعَ الكراهَةِ، وليسَ له الجمعُ بينَهُما في الوَطءِ. ح ف.
(٤) قوله: (وتَحرُم الأُخرَى) أي: وتحرُم بوطءِ إحداهُما الأُخرَى، نصًّا. ودواعِي الوَطءِ كالوَطءِ؛ لعمُومِ قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النِّساء: ٢٣] فإنه يعمُّ الوَطءَ والعقدَ جميعًا، كسائرِ المَذكُورَاتِ في الآيةِ. يَحرُم وطؤُهنَّ والعقدُ عليهنَّ، ولأنَّها امرأةٌ صارت فراشًا، فحرُمت أختُها، كالزَّوجةِ. م ص [¬٣].
وناقشَهُ البُهوتيُّ في دَواعِي الوَطءِ بقوله [¬٤]: على ما قالَ عنه في «الإنصاف» إنه الصحيحُ من المَذهبِ، وقال ابن عقيل: إنه يُكرَهُ فقَط. واقتصَرَ عليه
стр. 1549
حتَّى يُحَرِّمَ المَوْطُوءَةَ (١)؛ بإخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِه (٢)، أو تَزْوِيجٍ، بَعْدَ الاسْتِبْرَاءِ (٣).
في «الإقناع» تدبر. وعلى ما في «الإقناع» اقتصر حفيد «المنتهى» كما رأيت.
(١) قوله: (حتَّى يُحَرِّمَ المَوطُوءَةَ) منهُما. «حتَّى» هنا غايةٌ لمقدَّرٍ في نَظمِ الكلام، يعنى: أنه إذا أرادَ السيدُ أن ينكِحَ أختَ مَوطُوءَتِه، لا يَحلُّ له ذلك حتَّى يُحرِّمَ الموطوءَةَ بما ذُكِرَ. قال في «المنتهى» [¬١]: ولا يَكفِي في حِلِّ وَطءِ الأُخرَى، مجرَّدُ تحريمِ المَوطُوءَةِ، أو كِتابتُها، أو رَهنُها، أو بيعُها بشَرطِ خِيارٍ له. فلو خالَفَ، ووَطِئَ الأخرى قبلَ إخراجِ المَوطوءَةِ أولًا، أو بَعضِها عن مِلكِه، لزِمَه أن يُمسِكَ عنهُما حتَّى يُحرِّمَ إحداهُما بإخراجٍ لها أو لبعضِها عن مِلكِه، كما تقدَّم.
(٢) قوله: (بإخراجٍ) لها أو بعضِها (عن مِلكِه) ولو ببَيعٍ للحَاجَةِ إلى التفريقِ، أو هبةٍ مقبوضَةٍ لغيرِ ولدِه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (أو تَزويجٍ بعدَ الاستِبرَاءِ) ليعلَمَ أنها ليسَت حامِلًا. الظرفُ قيدٌ في التزويجِ، فلا يصحُّ قبلَه، بخلافِ البيعِ والهبةِ، فإنَّهما يصحَّانِ قبلَ الاستبراءِ، لكِنَّ الحِلَّ يتوقَّفُ على الاستبراءِ. فهو قيدٌ في الجَميعِ بهذا الاعتبارِ. عثمان [¬٣].
стр. 1550
ومَن وَطِئَ امرَأَةً بشُبْهَةٍ (١)، أو زِنًى، حَرُمَ في زَمَنِ عِدَّتِها: نِكَاحُ أُخْتِها (٢)، وَوَطْؤُهَا (٣) إنْ كانَتْ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً. وحَرُمَ: أن يَزِيدَ على ثَلاثٍ غَيْرِها (٤) بِعَقْدٍ (٥) أو وَطْءٍ (٦).
ولَيْسَ لِحُرٍّ: جَمْعُ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعٍ (٧).
(١) قوله: (ومَنْ وَطِئَ امرأةً بشُبهَةٍ .. إلخ) هذه من المسائلِ التي تَجِبُ العِدَّةُ فيها على الرجُلِ، فلو كانتِ الموطوءةُ بالشبهَةِ أو الزنى أمةً، حَرُمَ في زَمنِ استبرائِها نِكاحُ أُختِها، ووطؤُها، إن كانت زوجةً أو أمةً. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (نِكاحُ أُختِها) أو عمَّتِها، أو خالَتها، ونحوِهما.
(٣) قوله: (ووَطؤُها) أي: أختِ موطوءَتِه بشبهةٍ أو زِنًى، وعمَّتِها، ونحوِها.
(٤) قوله: (وحَرُمَ أن يَزيدَ على ثَلاثٍ غَيرِهَا) أي: غيرِ المَوطوءةِ بشُبهةٍ أو زنى.
(٥) قوله: (بعَقدٍ) فإن كان معهُ ثلاثُ زوجَاتٍ، لم يحلَّ له نكاحُ رابعةٍ حتَّى تنقَضيَ عِدَّةُ موطُوءَةٍ بشُبهةٍ أو زِنًى. الوالد.
(٦) قوله: (أو وَطءٍ) أي: لو كان له أربعُ زوجَاتٍ، ووَطِئَ امرأةً بشُبهةٍ أو زِنًى، لم يحلَّ له أن يَطَأَ منهنَّ أكثرَ من ثلاثٍ حتَّى تنقضيَ عِدَّةُ موطُوءَةٍ بشُبهةٍ أو زِنًى؛ لئلا يُجمَعَ ماؤهُ في أكثَرَ من أربعِ نسوَةٍ. م ص [¬١].
(٧) قوله: (وليسَ لحُرٍّ جَمعُ أكثَرَ مِنْ أربَعٍ .. إلخ) إلَّا النبيَّ ﷺ فكانَ له أن يتزوَّجَ بأيِّ عَدَدٍ شَاءَ؛ تكرِمَةً له مِنَ اللهِ تعالى. وماتَ عن تسعٍ، وقد نظمَهُنَّ الحَافِظُ ابن حَجر العسقلاني رحمه اللَّه تعالى فقالَ:
تُوفِّي رَسولُ اللَّه عن تِسعِ نِسوَةٍ … إليهنَّ تُعزَى المَكرُماتُ وتُنسَبُ
стр. 1551
ولا لِعَبْدٍ: جَمْعُ أكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ (١). ولِمَن نِصْفُهُ حُرٌّ فأكْثَرُ: جَمْعُ ثَلاثٍ (٢).
فعائِشةٌ مَيمُونَةٌ وصفيَّةٌ … وحَفصَةُ تتلوهنَّ هِندٌ وزينَبُ
جُويريةٌ مع رَملَةٍ ثمَّ سَوَدةٌ … ثلاثٌ وسِتٌ نظمهُنَّ مهذَّبُ
نقله الشهاب في «شرح الشفا».
(١) قوله: (من ثِنتَينِ) أي: زَوجَتين.
(٢) قوله: (ولِمَن نِصفُه حُرٌّ فأكثَرُ، جَمعُ ثَلاثِ) زَوجَاتٍ، ثنتَينِ بنصفِه الحُرِّ، وواحدَةٍ بنصفِه الرَّقيقِ. فإن كانَ دونَ نصفِه حُرٌّ، فله نِكاحُ ثنتَين فقط. فإن مَلكَ المبعَّضُ بجُزئِه الحُرِّ جاريةً، فمِلكُه تامٌّ، وله الوطءُ بغير إذنِ سيدهِ؛ لقوله تعالى ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النِّساء: ٣]. ذكرَه في «الكافي».
وفي «الفنون»: قال فقيهٌ: شَهوةُ المرأةِ فوقَ شهوةِ الرجلِ تسعةَ أجزاءٍ. فقال حَنبليٌّ: لو كان هذا، ما كان له أن يتزوَّجَ بأربعٍ وينكِحَ من الإماءِ ما شَاء، ولا تزيدُ امرأةٌ على رَجُلٍ، ولها من القَسمِ الربعُ، وحاشَا حكمتُه أن يُضيَّقَ على الأحوج!.
وذكر ابنُ عبد البر عن أبي هريرة وبعضُهم يرفعه [¬١]: «فُضِّلَت المَرأةُ على الرجُلِ بتسعَةٍ وتسعينِ جُزءًا من الَّلذَّةِ أو قال: من الشهوةِ ولكنَّ اللهَ ألقى عليهنَّ الحياء». ش ع [¬٢].
стр. 1552
ومَنْ طَلَّقَ واحِدَةً مِنْ نِهايَةِ جَمْعِهِ (١): حَرُمَ نِكَاحُهُ بَدَلَهَا، حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (٢). وإنْ ماتَتْ: فَلا (٣).
(١) قوله: (ومَنْ طَلَّقَ واحِدَةً مِنْ نِهايَةِ جَمعِهِ) كحُرٍّ طَلَّقَ واحِدةً من أربعِ، أو عَبدٍ طَلَّقَ واحدِةً من ثنتَينِ.
(٢) قوله: (حتَّى تنقَضِيَ عِدَّتُها) نصًا؛ لأنَّ المعتدَّةَ في حكمِ الزوجةِ؛ لأن العِدَّةَ أثرُ النكاحِ، وهو باقٍ، فلو جازَ له أن يتزوَّجَ غيرَها، لكان جامِعًا بينَ أكثرِ ممَّن يُباح له. ع ب [¬١]
(٣) قوله: (وإنْ ماتَت فلا) أي: فلا يحرُم عليه نِكاحُ غيرِها، يعني: إذا ماتَت واحدةٌ من نهايةِ جَمعِهِ، فله نكاحُ غيرِها في الحَالِ، نصًّا؛ لأنه لم يبقَ لنكاحِها أثرٌ. م ص [¬٢].
стр. 1553
فَصْلٌ
وتَحَرُمُ: الزَّانِيَةُ، علَى الزَّانِي وغَيْرِهِ، حَتَّى تَتُوبَ (١)، وتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (٢).
وتَحرُمُ: مُطَلَّقَتُه ثَلاثًا، حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (٣). والمُحْرِمَةُ (٤)، حتَّى تَحِلَّ مِنْ إحْرَامِهَا (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (حتَّى تَتُوبَ) وتوبةُ الزانيةِ؛ بأن تُراودَ على الزِّنى، فتمتَنِعَ. أي: يراودُها عَدلٌ على الزنى فتأبى؛ إذ غيرُ العدلِ لا يُقبلُ خبرُه. وعُلِمَ منه: أن المُراودَةَ جائزةٌ للحَاجةِ. وهل يَكفِي واحدٌ أو لا؟
ولابدَّ من انقضاءِ عدَّةِ الزاني، ولو كان الزوجُ هو صاحبَ العدَّةِ؛ لأنَّ ولدَ الزنى لا يُلحَق، فيُفضِي نكاحُه في العدَّةِ إلى اشتباه من يُلحَقُ بمَن لا يُلحَقُ. ح ف.
(٢) قوله: (وتنقَضِيَ عدَّتُها) ولعل عدَّتَها من آخرِ واطئ. عثمان [¬١].
(٣) قوله: (حتَّى تنكِحَ زَوجًا غَيرَهُ) ولو كافِرًا في كِتابيةٍ. والمرادُ بالنكاحِ هذا الوطءُ. الوالد.
(٤) قوله: (والمُحرِمَةُ) عطف على «الزانية» أي: وتحرُم المُحرِمةُ.
(٥) قوله: (حتَّى تَحِلَّ من إحرامِها) لحديث عثمان مرفوعًا: «لا يَنْكِحُ المحرِمُ،
стр. 1554
والمُسْلِمَةُ علَى الكَافِرِ (١). والكافِرَةُ- غَيْرُ الكِتَابِيَّةِ- عَلى المُسْلِمِ (٢).
ولا يَحِلُّ لِحُرٍّ كامِلِ الحُرِّيَّةِ: نِكَاحُ أَمَةٍ، ولَوْ مُبَعَّضَةً،
ولا يُنكِحُ، ولا يَخطُب» رواه الجماعة إلا البخاري [¬١]. ع ب [¬٢].
(١) قوله: (والمُسلمَةُ على الكَافِرِ) أي: وتحرُمُ المسلمةُ على الكافرِ؛ لقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]
(٢) قوله: (والكَافِرةُ غَيرَ الكتابيَّةِ على المُسلمِ) التي أبواهَا كتابيان. بنصب «غير» على الحال من فاعِل «يحرم»؛ لأنها إذا وقَعت بعدَ معرفةٍ نُصِبَت على الحَالِ؛ لتوغُّلِها في الإبهَامِ، كاسم الفاعل. وعُلِمَ منه: أنها لو تَولَّدَت بين كتابي وغَيرِه، لم تَحِلَّ، وكذا لو كان أبواها غيرَ كتابيِّين، واختارت دينَ أهل الكتاب. قال في «الإنصاف» و «المبدع»: وهو المذهب. وقيل: تَحِلُّ. وقطَعَ به في «الإقناع» في أواخر الذمَّة، ومَشَى هنا على ما ذَكَرَ المصنفُ، أعني: صاحبَ «المنتهى». فظاهره: الحُرمةُ. وأهلُ الكتاب: من دانَ بالتوراةِ والإنجيلِ خاصةً، كاليهودِ، والسَّامِرَةُ منهم، والنصارى، ومن وافقَهم من الإفرَنجِ والأرمَنِ وغيرهم. فأما المتمسِّكُ من الكفار بصُحُفِ إبراهيمَ وشِيث، وزَبورِ داودَ، فليسوا بأهلِ كتابٍ، لا تحلُّ مناكحتُهم ولا ذبائحُهم، كالمَجوس، وأهلِ الأوثانِ، وكذا الدروزُ ونحوُهُم، كالنُّصيريَّةِ والتيامِنَةِ. عثمان [¬٣].
стр. 1555
إلَّا: إنْ عَدِمَ الطَّولَ (١)، وخَافَ العَنَتَ (٢).
(١) قوله: (إلَّا إنْ عَدِمَ الطَّولَ) مستثنى من قوله: «ولا يَحلُّ لحرٍّ كاملِ الحريةِ .. إلخ» والطَّولُ: المَهرُ، من مالٍ حاضرٍ يَكفِي لنكاحِ حُرَّةٍ، ولو كانت الحرةُ كتابيةً، فتحلُّ له الأمةُ حينئذٍ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فيمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾. إلى قوله: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النِّساء: ٢٥] هذا إن لم تجبْ نفقتُه على غَيرِه، فإن وجبَت، لم يجُزْ له أن يتزوَّجَ أمةً؛ لأنَّ المنفِقَ يَتحمَّلُ ذلِك عنه بحرةٍ تعفُّهُ.
وإن قَدَرَ على ثمنِ أمةٍ، لم يتزوَّج أمةً، قاله كثيرٌ من الأصحابِ. وظاهرُ كلامِ الخِرَقي: عدمُ اشتراطِه، وهو ظاهرُ إطلاقِ القاضي في «تعليقه»، وطائفةٍ من الأصحاب، وقدَّمه في «الفروع»، قاله في «الإنصاف». وقدم الثاني في «التنقيح»، وقطع به في «المنتهى»، وهو ظاهر الآية. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (وخَافَ العَنَتَ) أي: عنتَ العُزوبيَّةِ، أي: خافَ التلذُّذَ، أي: خافَ ضررَها؛ ولهذا قال المبردُ: العنتُ الهلاكُ. وبخطِّ ابنِ عادلٍ فيما كتبه على «المحرر»: أصلُه المشقَّةُ الشديدَةُ، يعنى: خافَ عنتَ العزوبيَّةِ؛ لحاجةِ مُتعةٍ، أو خِدمةِ امرأةٍ له؛ لكِبَرٍ، أو مرضٍ، أو غيرِهما، نصًّا. وأدخلَ القاضي وأبو الخطاب في «خلافيهما» الخصيَّ والمجبُوبَ إذا كان له شَهوةٌ يخافُ معها التلَّذذَ بالمُباشرةِ حَرامًا، وهو عادمٌ الطَّولَ.
والقولُ قولُه في خشيَةِ العنتِ، وعَدمِ الطَّولِ. والصبرُ عنها معَ ذلِك خيرٌ
стр. 1556
ولا يَكُونُ وَلَدُ الأَمَةِ حُرًّا: إلَّا: باشتِرَاطِ الحُرِّيَّةِ (١)، أو: الغُرُورِ (٢).
وإنْ مَلَكَ أحَدُ الزَّوجَيْنِ الآخَرَ، أو بَعْضَهُ (٣): انفَسَخَ النِّكَاحُ (٤).
ومَن جَمَعَ في عَقْدٍ بَينَ مُبَاحَةٍ ومُحَرَّمَةٍ: صَحَّ في المباحَةِ (٥).
وأفضلُ؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ [النِّساء: ٢٥].
ولا يبطلُ نكاحُها إنْ أيسرَ. قال الحفيد: ومن فسَّرَ العنتَ بالزنى فلا يوافِقُ قولَهم: لحَاجةِ مُتعَةٍ أو خدمَةٍ.
(١) قوله: (ولا يكونُ ولَدُ الأمَةِ) من زَوجِها (حُرًّا إلَّا باشتِراطِ) الزوجِ (الحريَّة) لولَدِه على مالِكِها، فيكونُ ولدُه حرًّا، قاله في «الروضة»، وابن القيم.
وفي قول «شرح المنتهى» لمؤلفه: على مالِكِها. إيماءٌ إلى أنَّ ناظرَ الوقفِ، ووليَّ اليتيمِ، ليسَ للزوجِ اشتراطُ حريَّةِ الولَدِ عليه؛ لأنه ليس بمالِكٍ، وإنما يتصرَّفُ للغيرِ بما فيه حَظٌّ، وليس ذلك من مُقتضَى العقدِ، فلا أثَرَ لاشتراطِه الحريَّةَ. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (أو الغُرُورِ) بأن غرَّهُ إنسانٌ فتزوجَ بها، فولدُه حُرٌّ، وإن لم يشتَرطْ.
(٣) قوله: (وإن مَلَكَ أحدُ الزوجَينِ) الزوجَ (الآخَرَ، أو بعضَهُ) بشراءٍ، أو إرثٍ، أو هبةٍ، ونحوِها.
(٤) قوله: (انفسَخَ النكاحُ) لتنافِي أحكامِ المِلكِ والنكاحِ، كما تقدَّم.
(٥) قوله: (ومن جَمَعَ في عقدٍ بينَ مباحَةٍ ومُحرَّمَةٍ) كأيّمٍ ومزوَّجةٍ، صحَّ في الأيّمِ؛ لأنها محلٌّ قابلٌ للنكاحِ أضيفَ إليها عقدٌ مِنْ أهلِهِ، لم يجتَمع معَها فيه مِثلُها، فصحَّ، كما لو انفردَت به. م ص [¬٢].
стр. 1557
ومَن حَرُمَ نِكَاحُهَا (١): حَرُمَ وَطْؤُهَا بالمِلْكِ (٢)، إلَّا: الأَمَةَ الكِتَابِيَّةَ (٣).
(١) قوله: (ومَنْ حَرُمَ نِكاحُها) كمعتدَّةٍ، وزانيةٍ، ومطلَّقةٍ ثلاثًا.
(٢) قوله: (حَرُمَ وطؤُها بالمِلكِ) أي: ملكِ اليمينِ؛ لأنه إذا حَرُمَ النكاحُ لكَونِه طريقًا إلى الوطءِ، فهو نفسُه أولَى بالتحريم إذا كانت أمته فاشتراها مطلِّقُها، فلا تحلُّ له؛ ولهذا قال أبو الوفاء ابن عقيل: حِلُّها بعيدٌ في مَذهبِنا؛ لأن الحِلَّ يتوقفُ على زوجٍ وإصابَةٍ. قال: متَى زوَّجَها، مع ما ظَهرَ من تأسُّفِهِ عليها، لم يكُن قصدُه بالنكاحِ إلا التحليلَ، والقصدُ عندَنا يؤثرُ في النكاحِ. الوالد.
(٣) قوله: (إلَّا الأمةَ الكِتابيَّةَ) فيحرُمُ نكاحُها لا وطؤها بمِلكٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النِّساء: ٣] ولأن نكاحَ الأمةِ الكتابيةِ إنَّما حَرُمَ لأجلِ إرقاقِ الولد، وبقائِهِ مع الكافرةِ، وهذا معدومٌ في مِلكِ اليمين. انتهى ع ب [¬١].
стр. 1558
باب الشُّرُوطِ في النِّكَاحِ
وهِي (١) قِسْمانِ: صَحِيحٌ (٢)، لازِمٌ للزَّوْجِ (٣)،
بابُ الشُّروطِ في النكاحِ
أي: ما يَشتَرطُ أحدُ الزوجين على الآخَرِ، مما له فيه غرضٌ.
ومحلُّ المعتبرِ منها هو الصحيحُ اللازمُ في صُلبِ العقدِ، أي: حالةِ العقدِ. وعُلِمَ منه: أن الشروطَ إنما تلزمُ في النكاحِ، وغيرِه من العقودِ كُلِّها: الذي وُجدَت في عقدِه، أو اتفقَا عليها قبلَه، فلو أُبينَت ثمَّ عقدَ عليها ثانيًا، لم تُعَدِ الشروطُ.
ولا يلزمُ الشرطُ بعدَ العقدِ ولُزومِهِ، لكن يأتي في آخرِ النشُوزِ: أنَّ اشتراطَ الحَكَمَينِ ما لا يُنافي النكاحَ لازِمٌ، إلَّا أن يُقالَ: نزِّلت هذه الحالةُ منزِلةَ العقدِ؛ قطعًا للشقاقِ والمُنازَعَةِ. قاله في «الإقناع» وشرحه. عثمان [¬١].
(١) قوله: (وهي) أي: الشروطُ في النكاحِ.
(٢) قوله: (قِسمَان) أحدهُما: (صَحيحٌ) وهو ما لا يُنافي مُقتضَى العقدِ.
(٣) قوله: (لازِمٌ للزوجِ) بمعنى ثُبوتِ الخيارِ لها بعَدَمِهِ. قاله في «الإقناع». أي: لا بمعنَى أنه يأثمُ بتركِه، ولهذا قال في «المنتهى»: ويسنُّ الوفاءُ به؛ لأنه لو وجبَ لأُجبرَ الزوجُ عليه. ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوبِ الوفاءِ. م ص [¬٢].
стр. 1559
فَلَيْسَ لَهُ فَكُّهُ (١)، كَ: زِيادةِ مَهْرٍ (٢)، أو نَقْدٍ مُعَيَّنٍ (٣)، أو: لا يُخرِجَهَا مِنْ دَارِهَا (٤) أو بَلَدِهَا، أو: لا يَتزوَّجَ عَلَيْهَا (٥)، أو: لا يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وبَينَ أَبَوَيْهَا أو أَوْلادِهَا (٦)، أو: أنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا، أو: يُطلِّقَ ضَرَّتَهَا (٧).
فمتَى لم يَفِ (٨) بِمَا شرَطَ: كانَ لَهَا الفَسْخُ علَى التَّراخِي (٩).
(١) قوله: (فليسَ له فَكُّهُ) بدون إبانتِها. أي: بينونتِها. ويُسنُّ وفاؤه به.
(٢) قوله: (كزِيادَةِ مَهرٍ) قَدْرًا مُعينًا.
(٣) قوله: (أو نَقدٍ معيَّنٍ) فيتعينُ [¬١]، كثمنِ مبيعٍ.
(٤) قوله: (أو لا يُخرِجَها من دَارِها .. إلخ) أي: أو اشترطَ أن لا يُخرِجَها. فالمضارعُ منصوبٌ بأنْ مقدَّرة.
(٥) قوله: (أو لا يتزوَّجَ علَيها) عطف على قوله: «أو لا يخرجَها». أي: أو اشتراطِ أن لا يتزوَّج عليها.
(٦) قوله: (أو أولادِها) أي: أو اشتراطِ أن لا يفرِّقَ بينها وبين أولادِها.
(٧) قوله: (أو يُطلِّقَ ضَرَّتَها) أي: أو اشتراطِ أن يطلِّقَ ضرَّتَها، أو أن يبيعَ أمتَه؛ لأنَّ لها قَصدًا صَحيحًا.
(٨) قوله: (فمتَى لم يَفِ) زوجٌ لها.
(٩) قوله: (كانَ لها الفَسخُ على التَّراخِي) ما لم يُوجد منها دَليلُ رِضًا. ولا يَجبُ الوفاءُ به، أي: بالشرطِ الصحيحِ، بل يسنُّ الوفاءُ به. ع ب [¬٢].
стр. 1560
ولا يَسْقُطُ (١): إلَّا بِمَا يَدُلُّ علَى رِضَاهَا مِنْ قَوْلٍ، أو تَمْكِينٍ (٢) مَعَ العِلْمِ (٣).
والقِسْمُ الفَاسِدُ (٤) نَوْعَانِ:
نَوْعٌ يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وهُوَ: أن يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ (٥) بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ وَلِيَّتَه، ولا مَهْرَ بَيْنَهُمَا (٦).
(١) قوله: (ولا يسقُطُ) الخيارُ.
(٢) قوله: (من قَولٍ أو تَمكينٍ) بيان ل «ما»
(٣) قوله: (مَعَ العِلمِ) متعلق بقوله: «ولا يسقطُ إلا بما يدلُّ … إلخ»؛ مع علمِها بعَدمِ وفائِه لها بما شَرَطَت أن لا يفعلَه [¬١]، فإن مكَّنتهُ قبل العلمِ، لم يسقُط فسخُها؛ لأنه لا يدلُّ على رضاها بتَركِ الوفاءِ، فلا أثرَ له، كإسقاطِ الشُّفعةِ قبلَ البيعِ.
(٤) قوله: (والقِسمُ الفَاسِدُ) أي: والقسمُ الثاني من شُروطِ النكاحِ الفَاسِدُ.
(٥) قوله: (نوعٌ يُبطِلُ النكَاحَ) من أصلِه، وهو ثلاثةُ أنواعٍ، أشار إلى الأول بقولِه: (وهو أن يزوِّجَه وليَّتهُ) «وهو» أي: نكاحُ الشِّغَارِ بكسر الشين وهو «أن يزوِّجَه وليَّته» أي: بنتَه، أو أُختَه، ونحوَهُما. ع ب [¬٢].
(٦) قوله: (ولا مَهرَ بينَهُمَا) وإن سُمِّي لكُلِّ واحدةٍ منهُما مَهرٌ مستقلٌّ غَيرُ قليلٍ؛ حيلةً، صَحَّ النكاحُ، ولو كانَ المُسمَّى دونَ مهرِ المثلِ كأن يقولَ: زوَّجتُكَ ابنتي على أن تزوِّجني ابنتَك، ومهرُ كلِّ واحدةٍ مائةٌ، أو مهرُ ابنتي مائةٌ،
стр. 1561
أو يَجْعَلَ بُضْعَ كُلِّ واحِدَةٍ مَعَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ مَهرًا للأُخْرَى (١). أو يَتَزوَّجَ (٢)
ومهرُ ابنتِك خمسونَ، أو أقلُّ أو أكثَرُ، صحَّ بالمُسمَّى، نصًّا.
وقوله: غيرُ قليلٍ حِيلةً. هذه عبارةُ «الإقناع». قال م ص في «شرحه» [¬١]: سواء كان مهرَ المِثلِ أو أقلَّ، فإن كان قليلًا؛ حيلةً، لم يصحَّ. وظاهِرُه: إن كان كثيرًا، صحَّ، ولو حيلةً. وعبارةُ «المنتهى» تبعًا ل «التنقيح» تقتضي فَسادَه.
ومعنى الحيلَةِ: أن يُسمِّيا مَهرًا، وشَرَطا إسقَاطَه عنهُما، سواءٌ شَرَطَا ذلِكَ في العقدِ أو قبلَه، أو هبتَه، ونحو ذلك. واعترضه صاحِبُ «الإقناع» في حاشية «التنقيح» كما أوضحتُه في «حاشية المنتهى». م ص [¬٢]. والمعتمدُ ما في «المنتهى» أخذًا من قاعدةِ أنَّ الحيلَ باطلةٌ في المَذهبِ.
(١) قوله: (مَهرًا للأُخرَى) فلا يصحُّ؛ لما تقدَّم من توقُّفِه على شَرطٍ فاسدٍ. وإن سُمِّيَ مهرٌ لإحداهُما دونَ الأخرى، صحَّ نكاحُ من سُمِّيَ المهرُ لها، فقط؛ لأنَّ فيه تسميةً وشرطًا، أشبهَ ما لو سُمِّيَ لكلِّ واحدةٍ منهما مهرٌ دونَ مَنْ لَم يُسمَّ لها؛ لأنه جَعلَ نصفَها في مقابلَةِ بُضْعِ الثانيةِ فقط، فبطلَ؛ لأنه شِغارٌ. م ص [¬٣] وزيادة.
(٢) قوله: (أو يتزوَّجَ بشَرطِ .. إلخ) عطف على قوله: «أن يزوِّجَه … إلخ». أي: أو أن يتزوَّج المطلقةَ ثلاثًا بشرطِ .. إلخ. هذا هو الموضِعُ الثاني من
стр. 1562
بشَرْطِ أنَّه إذَا أحَلَّها (١)، طَلَّقَها، أو يَنْوِيَهُ بِقَلْبِه (٢)، أوْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ (٣) قَبْلَ العَقْدِ (٤). أو يَتَزَوَّجَهَا (٥)
الثلاثةِ أشياءٍ، وهو نِكاحُ المُحلِّلِ، وهو حرامٌ غيرُ صَحيحٍ. ويلحَقُ فيه النسبُ. وسمِّيَ نكاحَ المحلِّلِ؛ لقصدِ الزوجِ الحلَّ في موضعٍ لا يحصُلُ فيه الحِلُّ. عثمان [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (بشَرطِ أنَّه إذا أحلَّهَا) لمطلِّقِهَا ثلاثًا، أي: وطأَها، (طلَّقَها).
(٢) قوله: (أو يَنوِيَهُ) أي: ينويَ الزوجُ التحليلَ (بقلبِه) ولم يُذكَر الشرطُ في العقدِ.
(٣) قوله: (أو يتَّفِقَا) الزوجان (عليهِ) أي على أنه نِكاحُ محلِّلٍ.
(٤) قوله: (قبلَ العَقدِ) ولم يُذكر في العقدِ، فلا يصحُّ إن لم يَرجِع عنه، ويَنوي حالَ العقدِ أنه نكاحُ رغبةٍ، فإن حصَلَ ذلك، صحَّ لخلوِّه عن نيَّةِ التحليلِ وشَرطِه. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (أو يتزوَّجَهَا) الثالِثُ من الثلاثَةِ أشياءٍ أشارَ إليه بِقولِه: «أو يتزوَّجَها .. إلخ». فهو معطوفٌ على ما قبلَه، ويسمَّى: نكاحَ المُتعَةِ، فيُبطِلُ النكاحَ، ويَلحَقُ فيه النسبُ، اعتقدَه نِكاحًا أو لا. سُمِّي بذلِك؛ لأنه يتزوَّجُها ليتمتَّعَ بها إلى أمَدٍ.
ومن تعاطاه عالِمًا تحريمَه، عُزِّرَ؛ لارتكابِه معصيةً لا حدَّ فيها ولا كفَّارةَ.
ومثلُه إن تزوَّجها بغيرِ وليٍّ ولا شُهودٍ، واعتقدَه نكاحًا جائزًا، أو لم يعتقدْهُ، فالوطءُ فيه وطءُ شُبهةٍ، يَلحقُ الولدُ فيه. ويستحقَّانِ العقوبةَ على مثلِ هذا
стр. 1563
إلَى مُدَّةٍ. أو بشَرطِ طَلاقِها في العَقْدِ بوَقْتِ كَذَا (١)، أو يَنْوِيَه بِقَلْبِهِ (٢). أو يَتَزَوَّجَ الغَرِيبُ بِنِيَّةِ طَلاقِهَا إذَا خَرَجَ (٣). أوْ يُعَلِّقَ نِكَاحَهَا (٤)، ك: زَوَّجْتُكَ إذا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ، أو: إنْ رَضِيَتْ أُمُّها، أو: إنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي ابنَةً، فقَدْ زَوَّجْتُكَهَا (٥).
العقدِ؛ لتعاطيهمَا عقدًا فاسِدًا. «إقناع مع شرحه» [¬١].
(١) قوله: (إلى مدَّةٍ أو بشرِطِ طلاقِها في العقدِ بوقت) كزوَّجتُك ابنتي شهرًا، أو سنةً، أو إلى انقضاءِ الموسمِ، أو إلى قُدومِ الحاجِّ ونحوه، فيبطلُ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (أو يَنويَه بقلبِه) أي: ينويَ الزوجُ طلاقَها بوقتٍ، «بقَلبِه».
(٣) قوله: (أو يتزوَّجَ الغَريبُ بنيَّةِ طلاقِهَا إذا خَرجَ) ليعودَ إلى وَطنِه؛ لأنه شَبيهٌ بالمُتعَةِ.
(٤) قوله: (أو يُعَلِّقَ نِكَاحَهَا) بشرطٍ مستقبَلٍ غَيرِ: زوَّجتُ، وقَبِلتُ إنْ شاءَ اللهُ.
(٥) قوله: (فقد زوَّجتُكَهَا) لأنه عقدُ معاوضةٍ، فلا يصحُّ تعليقُه على شرطٍ مستقبلٍ، كالبيعِ.
ويصح تعليقُ نكاحٍ على شرطٍ ماضٍ، وعلى شَرطٍ حاضرٍ، فالماضِي كقوله: زوَّجتُ فلانةَ، إن كانت بنتي، أو زوجتُكَهَا إن كنتُ وليُّها، أو انقضَتْ عِدَّتُها، والعاقِدان يعلمَانِ أنها ابنتُه، وأنه وليُّها، وأنَّ عدَّتَها انقضَتْ. والشرطُ الحاضرُ كقوله: زوجتُكَها إن شئتَ. فقال: شِئتُ، وقَبلتُ،
стр. 1564
الثانِي (١): لا يُبْطِلُه. كأنْ يَشْرِطَ: أنْ لا مَهْرَ لَهَا. أو: لا نَفَقةَ. أو: أن يَقْسِمَ لَهَا أكْثَرَ مِنْ ضَرَّتِهَا، أو أقَلَّ. أو: إنْ فارَقَها، رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أنْفَقَ: فيَصِحُّ النِّكَاحُ، دُونَ الشَّرْطِ (٢).
ونحوَه، فَيصحُّ النكاحُ؛ لأنه ليسَ بتعليقٍ حقيقَةً، بل توكيدٌ وتقويةٌ. م ص [¬١].
(١) قوله: (الثَّانِي) أي: والنوعُ الثاني من الشروطِ الفاسدةِ، وهو ما يصحُّ معهُ النكاحُ.
(٢) قوله: (فَيصِحُّ النكَاحُ دُونَ الشَّرطِ) في هذه الصور كلِّها؛ لمُنافاتِه مُقتضَى العقدِ. ومَنْ طلَّقَ بشرطِ خيارٍ، وقعَ طلاقُه، ولغَا الشرطُ. ع ب [¬٢].
стр. 1565
فَصْلٌ
وإنْ شَرَطَهَا مُسْلِمَةً (١)، فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً (٢)، أو شَرَطَهَا بِكْرًا (٣)، أو جَمِيلَةً، أو نَسيبَةً (٤)، أو شَرَطَ نَفْيَ عَيْبٍ (٥)، فبَانَتْ بِخَلافِهِ: فلَهُ الخِيَارُ (٦).
فَصْلٌ
(١) قوله: (وإنْ شَرَطَهَا مُسلِمَةً) أو قال وليُّها: زوَّجتُكَ هذه المسلمةَ. أو ظنَّها مُسلِمةً، ولم تُعرَفْ بتقدُّمِ كفرٍ، فلهُ الخيارُ، فإن عُرِفَت قَبلُ بكُفرٍ، فلا؛ لتفريطِهِ. الوالد.
(٢) قوله: (فَبانَت كتابيَّةً) فله الخيارُ؛ لفواتِ شَرطِه.
(٣) قوله: (أو شَرَطَهَا بِكرًا) فبانَت ثيبًّا، فلهُ الخيارُ.
(٤) قوله: (أو نَسيبةً) أي: ذاتَ نسبٍ صَحيحٍ شريفٍ يُرغَبُ في مثلِه شَرعًا، مثل كونها من أولادِ العُلماءِ أو الصُّلحاءِ. «مطلع» [¬١].
(٥) قوله: (أو شَرَطَ نفيَ عَيبٍ) لا يُفسَخُ به النكاحُ، نحو عَوَرٍ وطَرَشٍ.
(٦) قوله: (فلهُ الخِيارُ) لأنه شَرَطَ صفةً مقصودةً، ففاتت. ولا شيءَ عليه إن فَسَخَ قبل الدخولِ، وبعدَه يَرجِعُ بالمهرِ على الغَارِّ، وكذا لو شَرَطَها حسناءَ فبانَت شوهاءَ، أو بيضاءَ فبانت سَوداء، أو طويلةً فبانت قصيرةً، أو ذات نسبٍ فبانت دونَه، لا إن ظَنَّ ذلك ولم يشترِطهُ.
стр. 1566
لا: إنْ شَرَطَهَا أدْنَى، فَبَانَتْ أعْلَى (١).
ومَنْ تَزوَّجَتْ رَجُلًا علَى أنَّه حُرٌّ، فبَانَ عَبدًا: فلَهَا الخِيارُ (٢). وإنْ شرَطَت فيهِ صِفَةً (٣)، فبَانَ أقَلَّ (٤): فلا فَسْخَ لَهَا (٥).
وتَمْلِكُ الفَسْخَ: مَنْ عَتَقَتْ كُلُّها (٦) تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ،
قال في «الإقناع»: ولا يصحُّ فسخٌ في خيارِ الشرطِ إلا بحُكمِ حَاكمٍ، غيرَ مَنْ شَرَطَت، أو ظنَّت حُريَّةَ زوجِها، فبانَ عبدًا، فلها الفسخُ بلا حاكمٍ، كما لو عَتقَت تحتَه. انتهى بمعناه. عثمان [¬١].
(١) قوله: (فبانَت أعلَى) منها. أي: مِنْ الصفةِ التي شَرَطَها، فلا خيارَ له.
(٢) قوله: (على أنَّه حرٌّ) أو تَظنُّه حُرًّا، (فبانَ عبدًا، فلها الخيار) إن صحَّ النكاحُ؛ بأن كَمُلَت شُروطُه، وكان بإذنِ سيِّدِه، وقلنا إنَّ الكفاءةَ شرطٌ للُّزومِ. الوالد.
(٣) قوله: (وإن شَرَطَت فيه صِفَةً) يعني: أن الزوجَة شَرَطَت في زوجِها صفةً، ككونِه نسيبًا، أو عَفيفًا، أو جَميلًا، ونحوَه. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (فبانَ أقلَّ) ممَّا شرطَتهُ.
(٥) قوله: (فلا فَسخَ لها) لأنه ليسَ بمُعتبرٍ في صحةِ النكاحِ، أشبهَ شرطَها طولَه أو قصرَه. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (وتَملِكُ الفسخَ مَنْ عَتقَتْ … إلخ) فتقولُ: فسختُ نِكاحِي، أو
стр. 1567
بِغَيْرِ حُكْمِ الحَاكِمِ (١). فإنْ أمْكَنَتْه مِنْ وَطْئِهَا، أو مُباشَرَتِهَا، أو قُبْلَتِهَا- ولَوْ جَهِلَتْ عِتْقَهَا، أو مِلْكَ الفَسْخِ-: بطَل خِيارُهَا (٢).
اخترتُ نَفسي، أو اخترتُ فِراقَه، ولو مُتراخيًا، ما لم يوجدْ منها دليلُ رضًا، كأنْ تمكِّنَه من نَفسِها من وطءٍ ودَواعيه، ولو جاهِلةً عتقَها أو مِلكَها الفسخَ، فيسقُط خيارُها. عثمان [¬١].
(١) قوله: (بغَيرِ حُكمِ الحاكِمِ) كالرَّدِ بالعَيبِ، بخلافِ خيارِ العيبِ في النكاح. فإذا قالت: اختَرتُ نَفسِي، أو قالَت: فَسَختُ النِّكَاحَ، انفَسَخَ. فإن عَتَقَ زوجُها قبلَ فَسخِها، بطلَ خيارُها؛ لأنَّ الخيارَ لدَفعِ الضررِ بالرقِّ، وقد زالَ بالعِتقِ، فسقطَ الخيارُ، كالمبيعِ إذا زالَ عيبُه سَريعًا. أو رضيَتِ العتِيقَةُ بالمقَامِ معه رَقيقًا، فلا خيار لها؛ لأنَّ الحقَّ لها، وقد أسقطتهُ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (بطَلَ خيارُهَا) جوابُ الشرطِ، أعني: «فإن أمكَنتُه»؛ لِمَا روى مالِكٌ، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ لها الخيارَ ما لم يمسَّها [¬٣]. ويجوزُ لزَوجِها وطؤُها بعَد عِتقِها، مع عدَمِ عِلمِها به. ع ب [¬٤].
стр. 1568
بابُ حُكْمِ العُيُوبِ في النِّكَاحِ
وأقْسَامُها (١) المُثْبِتَةُ لِلخِيارِ ثَلاثَةٌ:
قِسْمٌ يَخْتَصُّ بالرَّجُلِ: وهُوَ (٢): كَوْنُه قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ (٣)، أو خُصْيَتَاهُ (٤)، أو أشَلَّ (٥): فلَها الفَسْخُ في الحَالِ (٦).
بابُ حُكمِ العُيوبِ في النِّكَاحِ
أي: بيان ما يثبتُ به الخيارُ منها، وما لا خيارَ به.
(١) قوله: (وأقسَامُها) أي: العُيوبِ.
(٢) قوله: (وهو) أي: القِسمُ المختصُّ بالرَّجلِ، ثلاثةُ أشياءٍ.
(٣) قوله: (كَونُه) أحدُها: كونُه (قد قُطِعَ ذَكَرُه) كلُّه، أو قُطِعَ بعضُه، ولم يبقَ منه ما يمكنُ جِماعٌ به. ويُقبلُ قولُها بيمينِها في عدمِ إمكانِه بالباقي؛ لأنه يضعُفُ بالقطع، والأصلُ عدمُ الوَطءِ. ش ع [¬١].
(٤) قوله: (أو خُصيَتَاهُ) الشيءُ الثاني، ذكَرهُ بقوله: «أو خُصيتَاه» أي: أو قُطِعَ خُصيتَاه، أو رُضَّ بيضتَاه، أو سُلَّا، أي: بيضتَاه. هذا معنى الخَصيِّ، وهو بالمدِّ مصدرُ خصيت الفحلَ خِصاءً، إذا سَللتَ أُنثييهِ، أو قطعتَهما، أو قطعتَ ذكَرَه. «مطلع» [¬٢] وزيادة.
(٥) قوله: (أو أشلَّ) الشيءُ الثالِثُ، أشار إليه بقوله: «أو أشلَّ» الذَّكَر.
(٦) قوله: (فلَها الفَسخُ فى الحَالِ) ويُروى ثبوتُ الخيارِ لكلٍّ من الزوجَينِ إذا
стр. 1569
وإنْ كَانَ عِنِّينًا (١) بإقْرَارِهِ (٢)، أو بِبَيِّنَةٍ (٣)، أو طَلَبَتْ يَمِينَهُ (٤)، فَنَكَلَ، ولم يَدَّعِ وَطْأً: أُجِّلَ سَنَةً هِلالِيَّةً (٥)
وَجَدَ بالآخر عَيبًا في الجُملة، أي: في بعض الصورِ دونَ بعضٍ؛ لإخراجِ العَمى والعَورِ والزَّمانَةِ ونحوِها، فلا يمنعُ المقصودَ بالنكاحِ، وهو الوطءُ، بخلافِ الجُذامِ، والبرَصِ، والجنونِ، ونحوِها، فإنها تُوجبُ نفرةً تمنعُ من قربانِه بالكليَّةِ، ويُخافُ منه التعدِّي إلى نفسِه ونَسلِه، والمجنونُ يُخافُ منه الجِنايةُ، فهو كالمانِع الحسي. م ص [¬١] بإيضاح.
(١) قوله: (وإن كانَ عِنِّينًا) أي: وإن كان الرجلُ عِنينًا، مأخوذٌ من: عَنَّ يَعُنُّ، إذا اعترضَ؛ لأن ذكرَه يَعُنُّ إذا أرادَ أن يولِجَه، أي: يعَترِض.
(٢) قوله: (بإقرارِه) أي: وإن ادَّعت امرأةٌ عُنَّةَ زَوجِها بإقرارِه.
(٣) قوله: (أو ببيِّنَةٍ) أي: أو ثبتت عُنَّته ببيِّنةٍ؛ إن أمكَن بإطلاعِ أحدٍ من أهلِ الخِبرةِ والثقةِ، أو تشهَد على إقرارِه بها. ح ف وزيادة.
(٤) قوله: (أو طَلَبَت يمينَه) أي: أو عُدِمَ الإقرارُ والبيِّنةُ، طَلَبَت يمينَه، يعني: أنه إذا أنكرَ العُنَّة ولا بينةَ لها، فقولُه بيَمينِه. فإن حلفَ لم يؤجَّل، وإن نكَلَ، ولم يدَّعِ وطأً، أُجِّلَ. ح ف.
(٥) قوله: (فنكَلَ) عن اليَمينِ (ولم يدَّعِ وِطَأً) قبلَ دعواها، (أُجِّلَ سنةً هِلاليَّةً) أي: أجله الحَاكِمُ.
قال الزركشي: والسَنَةُ المُعتبرةُ هي الهلاليةُ. هذا المفهومُ من كلامِ العلماء، وتعليلُهم بالفُصولِ ربَّما أوهمَ خِلافَ ذلك، لكن ما بينهُما متقارِبٌ. من خطِّ صاحب «المنتهى».
стр. 1570
مُنذُ تَرَافُعِهِ إلى الحاكِمِ (١). فإنْ مَضَتْ (٢) ولم يَطَأْهَا: فلَهَا الفَسْخُ (٣).
وقِسْمٌ يَخْتَصُّ بالأُنْثَى: وهُو: كَوْنُ فَرْجِهَا مَسْدُودًا لا يَسْلُكُهُ ذَكَرٌ (٤).
(١) قوله: (منذُ ترافُعِهِ إلى الحَاكِمِ) فيضرِبُ له المدَّةَ، ولا يَضرِبها غَيرُهُ. ولا تُعتبرُ عُنتهُ إلَّا بَعدَ بلوغِه. فيُضربُ له سنةٌ؛ لتمرَّ به الفُصولُ الأربعة، فإن كانَ من يَبَسٍ، زالَ في فصلِ الرطوبةِ، وبالعَكسِ، وإن كانَ من برودةٍ، زالَ في فصلِ الحرارةِ. وإن كان من احتراقِ مزاجٍ، زال في فصلِ الاعتدالِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فإن مَضَتْ) الفصولُ الأربعةُ ولم يزُلْ، عُلِم أنه خِلقَةٌ.
(٣) قوله: (ولم يَطأها، فلها الفَسخُ) ولا يُحسَب عليه من السنَةِ ما اعتزلَتهُ فَقَط، أي: بنَحوِ نُشوزٍ. وقوله: فَقَط. لا ما اعتزلَه زوجٌ بنَحو سَفرٍ، فيُحسَبُ عليه. فإن قيل: إنَّ الوطءَ حقٌّ للرجلِ دونَ المرأةِ. قيلَ: بل حقٌّ لهُما؛ بدليلِ قوله : ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨] وله عليها الاستمتاعُ، كذلِكَ هي لها عليه ذلِكَ. وقوله سبحانه ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ومن الإمساكِ بالمعروفِ: الجِماعُ. عثمان [¬٢] وزيادة.
(٤) قوله: (وهو كَونُ فَرجِهَا مسدُودًا لا يسلُكُه ذَكَرٌ) فإن كانَ بأصلِ الخِلقَةِ، فرتقَاءُ، بالمدِّ، فالرَّتقُ: تلاحُمُ الشَّفرينِ خِلقةً، وإلَّا يكُن ذلِكَ بأصلِ الخِلقَةِ، فهي قَرناءُ وعَفْلاءُ، والقَرَنُ: لحمٌ زائدٌ ينبتُ في الفرجِ فيسدُّه.
стр. 1571
أوْ: بِهِ بَخَرٌ (١)، أو قُرُوحٌ سَيَّالَةٌ (٢). أو: كَوْنُهَا فَتْقَاءَ (٣)؛
والعَفَلُ: ورمٌ في اللُّحمَةِ التي بين مسلكَي المَرأةِ، فيضيقُ فرجُها، فلا يسلُكُ فيه ذَكَرٌ. الوالد.
(١) قوله: (أو به بَخَرٌ) أي: أو بالفَرجِ بَخَرٌ، أي: نَتَنٌ يثورُ عند الوطءِ. وبَخَرُ الفَمِ، أي: نتنُه. قال بعض أصحابنا: يَستعمِل له السِّواكَ، ويأخذُ كلَّ يومٍ ورقةَ آسٍ مع زبيبٍ منزوعِ العَجَمِ [¬١] بقَدرِ الجَوزةِ، واستعمالُ الكَرفَسِ، ومَضغُ النَّعناعِ جَيِّدٌ فيه. قال بعضُهم: والدواءُ القويُّ لعلاجِه: أن يتغرغَرَ بالصَّبِرِ [¬٢] ثلاثةَ أيامٍ على الريقِ، ووسَطَ النهارِ، وعندَ النومِ، ويتمضمَضُ بالخَردَلِ بعد ثلاثةِ أيامٍ أُخر، يفعلُ ذلِكَ في كلِّ ما يتغيَّر فيه فمُه إلى أن يَبرأ، أو إمساكُ الذهبِ في الفَمِ، يُزيلُ البَخَرَ. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (أو قُروحٌ سيَّالَةٌ) أي: أو بالفَرجِ قُروحٌ سيَّالهٌ. القروحُ معروفةٌ، واحدُها: قَرحٌ، وقُرحٌ [¬٤]، بفتحِ القافِ وضمِّها، كالضَّعْفِ والضُعْفِ. «مطلع» [¬٥].
(٣) قوله: (أو كَونُها فَتقَاءَ) قال الجوهري [¬٦]: الفَتَقُ بالتحريك مصدرُ قولِكَ: امرأةٌ فتقَاءُ: وهي المنفَتِقةُ الفَرجِ، خِلافُ الرَّتقَاءِ. والفتقُ: الصُّبحُ، والفتقُ: الخِصْبُ.
стр. 1572
بانْخِرَاقِ مَا بَيْنَ سَبِيلَيْهَا (١). أو: كَوْنُهَا مُسْتَحَاضَةً (٢).
وقِسْمٌ مُشْتَرَكٌ (٣): وهُوَ: الجُنُونُ (٤)، ولَوْ أحْيَانًا (٥)، والجُذَامُ (٦)،
(١) قوله: (بانخِراقِ ما بينَ سَبيلَيهَا) أو ما بينَ مَخرجِ بَولٍ ومنيٍّ.
(٢) قوله: (أو كونُها مُستحَاضَةً) فيثبتُ للزَّوجِ الخيارُ بكلٍّ من هذه.
(٣) قوله: (وقِسمٌ مُشتَركٌ) بينَ الرجُلِ والمَرأةِ، وهو القِسمُ الثالثُ من العُيوبِ المثبتةِ للخِيارِ.
(٤) قوله: (وهو الجُنونُ) ولو ساعةً. ويتَّجهُ: ومنه الصَّرعُ. مصنف [¬١].
(٥) قوله: (ولو أحيانًا) أي: ولو كانَ يُخنَقُ أحيانًا، وإن زالَ العقلُ بمرضٍ كالإغمَاءِ، لا خِيارَ به. ع ب [¬٢].
(٦) قوله: (والجُذَامُ) وهو داءٌ معروفٌ، تتهافتُ منه الأطرافُ، ويتناثرُ منه اللَّحمُ.
فإن اختلَفَا في بياضٍ بجَسدِهِ، هل هو بَهَقٌ أو بَرصٌ؟ أو في علاماتِ الجُذامِ، مِنْ ذهابِ شَعَرِ الحَاجبينِ، هل هو جُذامٌ؟ فإن كان للمدَّعِي بينةٌ من أهلِ الثِّقَةِ والخِبرةِ تشهدُ بما قالَ، ثبتَ قولُه، وإلا حلَفَ المُنكِرُ. وإن اختلَفا في عُيوبِ النساءِ تحتَ الثيابِ، أُريَت النساءَ الثِّقاتِ، ويُقبلُ قولُ امرأةٍ واحدةٍ عَدلٍ. فإن شهدَت بما قالَ الزوجُ، عُمِلَ بشهادتِها، وإلَّا فالقَولُ قولُ المرأةِ في عدمِ العَيبِ؛ لأنَّ الأصلَ السلامةُ. قال م ص: قلتُ: في معنى ذلِكَ: لو ادَّعى الزوجُ بعدَ الوطءِ أنه وجَدَ الزوجةَ ثيبًا، وقالت: بل كُنْتُ بِكرًا،
стр. 1573
والبَرَصُ (١)، وبَخَرُ الفَمِ، والبَاسُورُ، والنَّاصُورُ (٢)، واستِطْلاقُ البَوْلِ أو الغَائِطِ (٣).
فيُفْسَخُ: بِكُلِّ عَيْبٍ تَقَدَّم (٤).
فالظاهِرُ أنَّ القولَ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ السلامةُ، بخِلافِ ما تقدَّمَ في البيعِ إذا اختلفَ البائِعُ والمُشتَري في ذلِكَ؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ المُشتَري من الثمنِ. «إقناع مع شرحه» [¬١].
(١) قوله: (والبرَصُ) قال في «القاموس»: البَرَصُ، محرَّكة: بياضٌ يظهرُ في البدَنِ؛ لفسادِ مِزاجٍ. والبرصُ، بفتح الباء والراء مصدر: بَرِصَ، بكسر الراء: ابيضَّ جِلدُه أو اسودَّ بعلَّةٍ، وعلامتُه: أن يُعصَرَ فلا يحمرَّ. وقيلَ: إنَّ اللَّحمَ يموتُ، فيبيضَّ موضِعُه؛ ولهذا لا دَواءَ له. ح ف.
(٢) قوله: (والباسُورُ، والنَّاصُورُ) داءان بالمقْعَدَةِ معروفان. فالباسُورُ: منه ما هُو ناتِئٌ، كالعَدَسِ، أو الحِمَّصِ، أو العِنَبِ، أو التوتِ. ومنه ما هو غائرٌ داخلَ المقعَدَةِ، وكلٌّ من ذلك إما سائلٌ أو غيرُ سائلٍ. والناصُورُ: قروحٌ غائِرةٌ تحدُثُ في المقعَدَةِ يسيلُ منها صديدٌ، وينقسمُ إلى نافذةٍ وغيرِ نافذةٍ، وعلامةُ النافذَةِ أن يخرجَ الريحُ أو النَّجوُ [¬٢] بلا إرادَةٍ، وإذا أدخَلَ في الناصُورِ مِيلًا، وأدخلَ الإصبعَ في المقعدةِ، فإن التَقيا، فالناصُورُ نافِذٌ. ش ع [¬٣].
(٣) قوله: (واستِطلاقُ البَولِ أو) استطلاقُ (الغَائطِ) كالسلَسِ.
(٤) قوله: (فيُفسَخُ بكُلِّ عيبٍ تقدَّمَ) لما فيه من النَّفرَةِ، أو النَّقصِ، أو خوفِ
стр. 1574
لا: بِغَيْرِهِ (١)، كعَوَرٍ (٢)، وعَرَجٍ، وقَطْعِ يَدٍ ورِجْلٍ، وعَمًى، وخَرَسٍ، وطَرَشٍ.
تَعدِّي أذاه، أو تعدِّي نجاستِه، ولو حدثَ ذلكَ بعدَ دخولٍ؛ لأنه عيبٌ في النكاحِ يثبتُ به الخيارُ، ولو كانَ بالفاسِخِ عَيبٌ مثلُه، أو مغايرٌ له؛ لأنَّ الإنسانَ يأنفُ من عيبِ غيرِه، ولا يأنفُ من عَيبِ نفسِه. م ص [¬١].
(١) قوله: (لا بِغَيرِه) أي: لا يثبتُ خيارٌ لأحَدِ الزوجَينِ بِغَيرِ ما ذُكِرَ من العُيوبِ.
(٢) قوله: (كَعَورٍ … إلخ) وقَرَعٍ لا ريحَ له، وكَونِ أحدِهِما عَقيمًا، أو نضوًا، أي: نَحيفًا جدًّا، ونحوَه، كسَمين جدًّا، وكسِيحٍ؛ لأنَّ ذلك كلَّه لا يمنعُ الاستمتاعَ، ولا يُخشى تعدِّيه.
стр. 1575
فَصْلٌ
ولا يَثْبُتُ الخِيَارُ: في عَيْبٍ زَالَ بَعْدَ العَقْدِ (١). ولا لعالِمٍ بِهِ (٢) وقْتَ العَقْدِ (٣).
والفَسْخُ: علَى التَّرَاخِي (٤). لا يَسْقُطُ في العُنَّةِ، إلَّا بِقَولِهَا: رَضِيتُ (٥)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (زالَ بعدَ العَقدِ) لزوالِ سببِه.
(٢) قوله: (ولا لِعَالِمٍ به) أي: ولا يثبتُ الخيارُ لعِالِمٍ بالعَيبِ وقتَه. فلو ادَّعى عَدَمَ العلمِ ولا بينةَ، فقَولُه بيمينِه. ح ف.
(٣) قوله: (وقتَ العَقدِ) لدُخولِه على بَصيرَةٍ.
(٤) قوله: (والفَسخُ على التَّرَاخِي) أي: الفسخُ في العَيبِ على التراخِي؛ لأنه لِدَفعِ ضَررٍ متحقَّقٍ [¬١]، أشبَه خيارَ القِصَاصِ. م ص [¬٢]. «والفسخُ» مبتدأٌ. وجملةُ قولِه: «لا يسقطُ في العُنَّةِ … إلخ» خبرٌ.
(٥) قوله: (لا يَسقُطُ في العُنَّةِ إلَّا بقَولِها: رَضِيتُ) أي: ولا يسقُطُ الفسخُ في العُنَّةِ إلَّا بقَولِ زَوجَةِ العِنِّينِ له: رضيتُ، أو أسقطتُ حَقِّي من الخيارِ لعنَّتِهِ ونحوه؛ لأنَّ العِلمَ [¬٣] بعَدمِ قدرتِه على الوَطءِ لا يكونُ بدُونِ [¬٤] التمكينِ،
стр. 1576
أو باعتِرَافِهَا بِوَطْئِهِ في قُبُلِها (١). ويَسْقُطُ في غَيْرِ العُنَّةِ: بالقَوْلِ (٢)، وبِمَا يَدُلُّ على الرِّضَا (٣)، مِنْ وَطْءٍ (٤)، أو تَمْكِينٍ (٥) مَعَ العِلْمِ (٦).
فلم يكنْ التمكينُ دليلَ الرِّضَا، فلم يبقَ إلَّا القولُ. م ص [¬١].
(١) قوله: (أو باعتِرَافِها بوَطئِهِ في قُبلِهَا) لا في دُبُرِها؛ لأنه ليسَ محلَ الوَطءِ. ع ب [¬٢].
(٢) قوله: (ويَسقُطُ) خيارٌ (في غَيرِ العُنَّةِ بالقَولِ) نحو: أسقطتُ خِياري، كمُشتري المَعيبِ يَسقُطُ خيارُه بالقَولِ، وبما يدلُّ على رِضاهُ بالعَيبِ.
(٣) (وبمَا يدلُّ على الرِّضَا) بالعَيبِ؛ بأن يأتي بصَريحِ الرضا بقولِه: رَضيتُ بالعَيبِ. ش ع [¬٣].
(٤) قوله: (مِنْ وَطءٍ .. إلخ) بيان ل «ما» أي: وطءِ الرجُلِ، وكذا مُباشرتُه وتَقبيلُه؛ ولهذا عَبَّرَ في «المغني» و «المحرر» بالاستمتاعِ إذا كانَ الخيارُ للزَّوجِ؛ لأنه يدلُّ على رَغبتِه فيها. ح ف وزيادة.
(٥) قوله: (أو تَمكِينٍ) أي: تمكينِ المرأةِ الرجُلَ من وَطئِها، أو مُباشَرتِها، أو تَقبيلِها، وكذا لو قبَّلتهُ هي إذا كانَ الخيارُ لهَا؛ لأنه دَليلُ رغبتِها فيهِ. ح ف وزيادة.
(٦) قوله: (مَعَ العِلمِ) بالعَيبِ. الجار والمجرور متعلِّقٌ بقوله: «ويسقُطُ … إلخ».
стр. 1577
ولا يَصِحُّ الفَسْخُ هُنَا (١) - وفي خِيارِ الشَّرْطِ (٢) - بلا حاكِمٍ (٣).
فإنْ فُسِخَ قَبلَ الدُّخُولِ: فَلا مَهْرَ (٤). وبَعْدَ الدُّخُولِ، أو الخَلْوَةِ (٥):
(١) قوله: (ولا يَصِحُّ الفَسخُ هُنا) أي: في عيوبِ النكاحِ.
(٢) قوله: (وفي خِيارِ الشَّرطِ) وفي خيارِ العَيبِ.
(٣) قوله: (بلا) حُكمِ (حَاكِمٍ) لأنه فَسخٌ مُجتَهَدٌ فيه، أشبَه الفسخَ للإعسَارِ بالنفقَةِ، بخلافِ خِيارِ المُعتَقَةِ تحتَ عبدٍ؛ لأنه متفقٌ عليه، فيفسَخُ النكاحَ الحاكِمُ بطلَبِ مَنْ له الخِيارُ، أو يردُّه إلى مَنْ له الخِيارُ فيفسخُه، ويكونُ كحُكمِه.
ويصحُّ فسخٌ لعيبٍ [¬١] ولو مَعَ غيبةِ زَوجٍ، وليسَ هذا الفَسخُ بطلاقٍ، وإذا اتَّفقا على الرجعَةِ بعدَ ذلِك فلهما ذلِكَ بنكاحٍ جديدٍ، وتكونُ عندَه على طلاقٍ ثلاثٍ، حيثُ لم يَسبق له طلاقٌ، وكذا الفُسوخُ، كالفسخِ لإعسارٍ بالصَّداقِ أو بالنفقةِ، وفسخِ الحاكِمِ على المُولي بشَرطِه، ولا سُكنى ولا نفقةَ لِمنْ فُسخَ نكاحُها، ما لم تكنْ حامِلًا. ح ف.
(٤) قوله: (فإن فُسِخَ قبلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ) لها، سواءٌ كان الفَسخُ منه أو منها؛ لأنَّ الفسخَ إن كانَ منها، فقد جاءت الفُرقَةُ من قِبَلِها، وإن كان منه، فإنَّما فَسَخَ لعيبِها الذي دلَّستهُ عليه، فكأنَّه مِنها. عثمان [¬٢].
(٥) قوله: (وبعدَ الدخولِ أو الخَلوةِ) أي: وإن فُسِخَ النكاحُ لعيبِ زَوجِها، أو لعيبها، بعدَ الدخولِ والخَلوةِ، ونحوِهما ممَّا يقرِّر المهرَ، كلَمسٍ لشهوةٍ،
стр. 1578
يَستَقِرُّ المُسَمَّى، ويَرْجِعُ بِهِ (١) علَى المُغِرِّ (٢).
وإنْ حَصَلَتِ الفُرْقَةُ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ؛ بِمَوتٍ، أوْ طَلاقٍ (٣): فلا رُجُوعَ.
ولَيسَ لِوَلِيِّ صَغِيرٍ (٤)،
وتقبيلِها بحَضرةِ الناس. وسيأتي توضيحُ ذلك في: «فصل فيما يُسقِطُ الصَّداقَ .. إلخ».
(١) قوله: (ويَرجِعُ به) أي: ويرجعُ الزوجُ بالمهرِ الذي وجبَ عليه.
(٢) قوله: (على المُغِرِّ) له، من زوجَةٍ عاقلةٍ، ووليٍّ، ووكيلٍ. ويُقبلُ قولُ وليٍّ، ولو مَحرَمًا كأبيها وأخيها وعمِّها، وكذا وكيلٌ في عَدمِ عِلمِه بالعَيب حيثُ لا بيِّنةَ بعلمِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. فلو وُجدَ التغريرُ من زوجَةٍ ووليٍّ، فالضَّمانُ عليه؛ لأنه المباشِرُ، ومِنَ المرأةِ والوكيلِ، فالضمانُ بينَهما نِصفَين. قاله الموفَّقُ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (بمَوتٍ أو طَلاقٍ) متعلقٌ بقوله: «وإن حَصَلَت الفُرقَةُ … إلخ». بمَوتٍ أو طلاقٍ قبلَ دخولٍ بها، وقبلَ العلمِ بالعَيبِ، فعليه نِصفُ الصَّداقِ، ولا يَرجِعُ به على أحَدٍ؛ لأنه قد رَضيَ بالتِزامِه بطَلاقِه. وكذا لا رُجوعَ بمَوتِ أحدِهِما قبلَ العلمِ بالعَيبِ بالصَّداقِ المُستقرِّ بالمَوتِ على أحدٍ؛ لأنَّ سببَ الرجوعِ الفسخُ، ولم يُوجَد. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (وليسَ لوليِّ صَغيرٍ) أو صَغيرةٍ تزويجُهُما بمَعيبٍ، ولو معَ رِضاهُم؛ لأنَّ رِضاهُم غَيرُ مُعتبرٍ. ح ف.
стр. 1579
أوْ مَجْنُونٍ (١)، أو رَقِيقٍ (٢): تَزْوِيجُهُ (٣) بِمَعِيبٍ (٤). فلَوْ فَعَل (٥): لَمْ يَصِحَّ (٦) إنْ عَلِمَ (٧)، وإلَّا صَحَّ (٨)، ولَزِمَه الفَسْخُ (٩) إذا عَلِمَ.
(١) قوله: (أو مَجنُونٍ) أي: وليس لوليِّ مَجنونٍ أو مجنونَةٍ تزويجُهُما بمَعيبٍ.
(٢) قوله: (أو رَقيقٍ) أي: وليسَ لسيِّدِ أمةٍ أو عَبدٍ تزويجُهُما بمَعيبٍ، ولها إن زوَّجَها سيدُها به الفَسخُ. ح ف.
(٣) قوله: (تَزويجُهُ) بإفرادِ الضميرِ على التَّوزيعِ.
(٤) قوله: (بمَعيبٍ) عيبًا يُردُّ به في النكاح؛ لوجوبِ نظرِه لهم بما فيهِ الحَظُّ والمصلحَةُ، وانتفاءِ ذلِكَ في هذا العَقدِ. م ص [¬١].
(٥) قوله: (فلو فَعَلَ) وليُّ غَيرِ المكلَّفِ والمكلَّفةِ، أو سيِّدُ الأمَةِ، أو وليُّ المكلَّفةِ بلا رِضَاها؛ بأنْ زوّجَ مَنْ ذُكِرَ بمَعيبٍ يُردُّ به. م ص [¬٢] بإيضاح.
(٦) قوله: (لم يَصحَّ) النكاحُ في الجَميعِ.
(٧) قوله: (إن عَلِمَ) الوليُّ بالعَيبِ؛ لأنه عقَدَ لهم عَقدًا لا يَجوزُ عقدُه، كما لو باعَ عقارًا لمَنْ في حِجْرِه لغيرِ مَصلحَةٍ.
(٨) قوله: (وإلَّا، صَحَّ) أي: وإلَّا يعلم الوليُّ أنه معيبٌ، صَحَّ العقدُ.
(٩) قوله: (ولَزِمَهُ الفَسخُ) أي: لَزِمَ الوليَّ وجوبًا كما في «الإقناع» الفسخُ في الجَميعِ أيضًا، إلَّا أن تكونَ حرةً مكلفةً، فيجوزُ له الفسخُ إذا زوَّجَها بمعيبٍ بغيرِ رِضاها، ولا يجبُ عليه. أمَّا غيرُ الوليِّ العاقِدِ فلا يجوزُ له الفسخُ مطلقًا، وكذا الوليُّ العاقِدُ في غيرِ هذِه، إلَّا في مَسألةِ عدَمِ الكفاءةِ، فيجوزُ لكلِّ
стр. 1580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وليٍّ، كما تقدَّم. قال في «المحرر»: وأيُّ زوجَةٍ ثبتَ لها الفسخُ بعيبٍ أو شَرطٍ أو عِتقٍ، فلا حُكمَ لوليِّها فيهِ بحَالٍ، وإن كانت صغيرةً أو مجنونةً. ح ف.