وتَنْقَضِي العِدَّةُ (١): بِمُضِيِّ الزَّمَانِ (٢) حَيْثُ كانَتْ (٣).
لتتمَّ عدتُها، تداركًا للواجب. م ص [¬١].
(١) قوله: (وتَنقَضِي العِدَّةُ) للوفَاةِ.
(٢) قوله: (بمُضِيِّ الزمَانِ) أي: زمانِ العدَّةِ؛ لأنَّ الإحدادَ ليسَ شَرطًا في انقِضَاءِ العدَّة.
وللمتوفَّى عنها زوجُها زمنَ العدَّةِ الخروجُ نهارًا لحاجتِها فقط، لا لغيرِ حاجةٍ [¬٢]، ولو وجَدَت من يَقضِيها. قال ابن نصر الله: لو كانَت لا قُوتَ لها إلَّا من كَسبِها بضاعةً تعملها خارجَ بيتِها، فهل لها ذلِكَ؟ لم يصرِّحوا به، وهذا المفهومُ يشعرُ بجوازِ ذلك. قاله في حاشية «المغني». ح ف.
(٣) قوله: (حيثُ كانَت) ظرفٌ لقوله: «وتنقَضِي العدَّةُ»؛ لأن المَكَانَ ليسَ شَرطًا لصحَّةِ الاعتدَاد. م ص [¬٣]. رحمه اللَّه تعالى.
стр. 1787
بابُ اسْتِبْرَاءِ الإمَاءِ
وهُو (١) واجِبٌ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ (٢):
أحَدُهَا: إذَا مَلَكَ الرَّجُلُ، ولَوْ طِفْلًا (٣)، أَمَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا (٤). حَتَّى: ولَوْ مَلَكَهَا مِنْ أُنْثَى (٥). أوْ: كانَ بائِعُها قَدِ اسْتَبْرَأَهَا. أو: بَاعَ أوْ وَهَبَ أَمَتَهُ، ثُمَّ عادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أوْ غَيْرِه.
بابُ اسِتبرَاءِ الإمَاءِ
مأخوذٌ من البراءةِ. وهي التمييزُ والقَطعُ. يقال: بَرِئَ اللحمُ من العَظمِ، إذا قُطِعَ عنه وفُصِلَ. وشرعا: تربُّصٌ يُقصدُ به العلمُ ببراءةِ رَحِمِ ملِكِ يَمينٍ، أي: عند حدوثِ ملكٍ بشراءٍ أو هبةٍ أو إرثٍ، من قِنٍّ، ومكاتَبةٍ، ومدبَّرة، وأمِّ ولدٍ، ومعلقٍ عتقُها بصفَةٍ. م ص [¬١].
(١) قوله: (وهو) الاستبراءُ.
(٢) قوله: (في ثلاثَةِ مَواضِعَ) فقط بالاستِقراء.
(٣) قوله: (ولو طِفلًا) أي: ولو كانَ المالِكُ طِفلًا؛ بأنْ مَلَكَها بإرثٍ أو شِراءٍ ونحوِه.
(٤) قوله: (يُوطأُ مِثلُها) بأن كانَت بنتَ تسعٍ، بكرًا كانت أو ثيبًا.
(٥) قوله: (ولو مَلَكَهَا من أُنثى) أو مِنْ طفلٍ ومَجبُوبٍ، أو من رَجلٍ استبرأَهَا، ولم يطأها بعدَه. ولم يذكروا المَمسُوحَ. والظاهرُ أنَّ الحكمَ كذلِكَ،
стр. 1788
وحَيْثُ انتَقَلَ المِلْكُ: لَمْ يَحِلَّ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا- ولَوْ بالقُبْلَةِ- حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا (١).
الثانِي: إذَا مَلَكَ أَمَةً وَوَطِئَهَا (٢)، ثُمَّ أرَادَ أنْ يُزَوِّجَهَا أوْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ: فيَحْرُمُ (٣). فلَوْ خالَفَ: صَحَّ البَيْعُ دُونَ النِّكاحِ (٤).
والاستبراءُ في هاتين لمجرَّدِ التعبُّدِ لا لِمعنًى. ح ف وزيادة، ﵀.
(١) قوله: (ولو بالقُبلَةِ حتَّى يستَبرِئَهَا) لِمَا تقدَّم، وكالعِدَّةِ، ولأنها لا يُؤمنُ كونُها حامِلًا من بائِعها، فهي أمُّ ولَدِه، فلا يصحُّ بيعُها، فيكون مستمتعًا بأمِّ ولدِ غَيرِه.
فإن عَتَقَت قبَل الاستِبراءِ، لم يَجُز أن ينكِحَها، ولم يصحَّ نكاحُها منه إن تزوَّجها حتَّى يستبرئَها، كسيِّدِها، لأنه يحرمُ عَليه وطؤُها قبلَ استبرائِها قبلَ العتق، فحرمُ تزويجُها بعدَه، كالمعتدَّة، فإن عَتقَت بعدَ الاستبراءِ، وأرادَ أن يتزوَّجَها، فلا استبراءَ عليها؛ لأنها لم تنتَقِل إلى فِراشِ غَيرِه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وَوطِئَها) أي: الأمةَ التي يُوطأ مثلُها. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (فيحرُمُ) التزويجُ والبيعُ قبلَ الاستبراءِ. فهم منه. أنه لو لم يَطأْ، أو كانَت آيسةً، لم يلزمهُ استبراؤُها إذا باعَها، لكِن يُستحبُّ. عثمان [¬٣].
(٤) قوله: (دُونَ النكَاح) فلا يصحُّ، كتزويجِ المعتدَّةِ. م ص [¬٤].
стр. 1789
وإنْ لَمْ يَطَأْ: جَازَ.
الثالِثُ: إذا أعْتَقَ أَمَتَهُ (١)، أوْ أُمَّ وَلَدِهِ، أوْ مَاتَ عَنْهَا (٢): لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا (٣)، إنْ لَمْ تُسْتَبْرَأْ قَبْلُ (٤).
(١) قوله: (إذا أعتَقَ أمتَهُ) أي: سُرِّيتَهُ، وهي الأمةُ التي اتخذَها لوَطئِه، من السرِّ، وهو الجماع؛ لأنه لا يكونُ إلا سِرًّا. قال الأزهري: خَصُّوا الأمةَ بهذا الاسمِ فَرقًا بينَ المرأةِ التي تنكَحُ والأمةِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (أو ماتَ عَنها) أي: عن أمِّ الولد أو السريةِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (لَزِمَها استبراءُ نَفسِهَا) لأنها فِراشٌ لسيدِهَا، فلا تنتقِلُ إلى فراشِ غَيرِه قَبلَ الاستبراءِ. عثمان [¬٣].
(٤) قوله: (إن لَمْ تُستَبَرأُ قَبلُ) أي: لا يلزمُها استبراءٌ إن كانَ استبراؤها قبلَ عِتقِها، لحصُولِ العلمِ ببراءةِ الرَّحمِ، أو أرادَ بعدَ عِتقِها تَزويجَها، فلا استبراءَ؛ لأنها لم تنتقِل إلى فِراشِ غَيرِه. م ص [¬٤].
стр. 1790
فَصْلٌ
واسْتِبْرَاءُ الحامِلِ: بِوَضْعِ الحَمْلِ (١). ومَن تَحِيضُ: بِحَيْضَةٍ (٢). والآيِسَةِ (٣)، والصَّغِيرَةِ، والبَالِغَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ حَيْضًا: بشَهْرٍ (٤).
فَصْلٌ
(١) قوله: (بوَضعِ الحَملِ) كُلِّه، أو الأَخيرِ من عَددٍ إن كانَت حامِلًا بعَددٍ. وظاهِرُه: ولو ماتَ ببطنِها، ولا تنقَضِي عدَّةُ حامِلٍ إلَّا بوَضعِ ما تَصيرُ به أمةٌ أمَّ ولدٍ، وهو ما تبيَّن فيه خلقُ الإنسانِ، ولو خَفيًا، كما تقدَّم.
(٢) قوله: (ومَنْ تَحيضُ بحَيضَةٍ) أي: واستبراءُ مَنْ تحيضُ بحَيضَةٍ تامَّةٍ. ولا يحصُل استبراءٌ ببقيَّةِ الحَيضَةِ إذا ملكَها حائضًا؛ لحَديث: «لا توطأ حامِلٌ حتَّى تضَعَ، ولا غيرُ حاملٍ حتَّى تَحيضَ حَيضًةً» [¬١]. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (والآيَسةِ .. إلخ) أي: واستبراءُ آيَسةٍ وصَغيرةٍ وبالغَةٍ لَمْ تَحِضْ بشَهرٍ؛ لإقامتِه مَقامَ حيضَةٍ، ولذلِكَ اختلفت الشهورُ باختلافِ الحِيَضِ، أي: شُهورُ الحائضِ؛ لأن المرادَ بشهرِ الحَائضِ على ما تقدَّم: ما يجتمِعُ لها فيه حَيضٌ وطُهرٌ صَحيحَان، سواءٌ زادَ عن الشهرِ الهلاليِّ أو نَقَصَ. م ص [¬٣] وزيادة.
(٤) قوله: (بشَهرٍ) متعلق ب «استبراء».
стр. 1791
والمُرْتَفِعِ حَيْضُهَا ولَمْ تَعلَم ما رَفَعَهُ: بعَشَرَةِ أشْهُرٍ (١). والعالِمَةِ مَا رَفَعَهُ (٢): بِخَمْسِينَ سَنَةً، وشَهْرٍ.
ولا يَكونُ الاسْتِبْرَاءُ: إلَّا بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِ الأَمَةِ كُلِّهَا، ولَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا.
وإنْ مَلَكَهَا حَائِضًا: لَمْ يَكْتَفِ بتِلْكَ الحَيْضَةِ. وإنْ مَلَكَ مَنْ تَلْزَمُهَا عِدَّةٌ (٣): اكْتُفِيَ بِهَا.
وإنْ ادَّعَتِ الأَمَةُ المَوْرُوثَةُ تَحْرِيمَهَا علَى الوَارِثِ بِوَطْءِ مُوَرِّثِهِ (٤)،
(١) قوله: (والمُرتَفِعِ حَيضُهَا .. إلخ) أي: استبراءُ المرتَفعِ حَيضُها (ولم تعلم [¬١] ما رفَعهُ بعَشَرَةِ أشهُرٍ) متعلق ب «استبراء»: تسعةٌ للحَمْلِ، وشَهرٌ للاستبراءِ؛ لما تقدَّم.
(٢) قوله: (والعَالِمَةِ ما رَفَعَه) بأن عَلِمَت ما رفعَه من مَرضٍ، أو رَضَاعٍ، أو غيرِه، فلا تزالُ في استبراءٍ حتى يعودَ الحيضُ، فتُستبرأ بحيضَةٍ، أو تَصيرَ آيسةً فتُستبرأ بشهرٍ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وإن مَلَكَ مَنْ تلزمُهَا عِدَّةٌ) من غَيرِه، أو مزوَّجةً فطلَّقها زوجُها بعدَ دخولٍ بها، أو ماتَ زوجُها، أو زوَّج سيدٌ أمةً، ثم طُلِّقت بعدَ دخُولِه. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (بوَطءِ مُورِّثِه) كأبيهِ وابنِه، ولعلَّه ما لَم تُمكِّنهُ قبلُ. م ص [¬٤].
стр. 1792
أوِ ادَّعَتِ المُشْتَرَاةُ (١) أنَّ لَهَا زَوْجًا: صُدِّقَتْ (٢).
(١) قوله: (أو ادَّعَتِ المُشتراةُ) أي: الأمةُ المشتراةُ.
(٢) قوله: (صُدِّقَتْ) فيه؛ لأنه لا يُعرفُ إلَّا من جهَتِهَا. م ص [¬١].
стр. 1793
كِتَابُ الرَّضَاعِ
يُكْرَهُ: اسْتِرْضَاعُ الفَاجِرَةِ (١)، والكَافِرَةِ، وسَيِّئَةِ الخُلُقِ،
كِتَابُ الرَّضَاعِ
الرَّضَاعُ بفَتحِ الراءِ، وقد تُكسَر، وهو لغةً: مَصُّ لَبَنٍ من ثَدْيٍ.
وشرعًا: مَصُّ مَنْ دُونَ حَولَينِ لَبنَ ثَديِ امرأةٍ ثابَ عَنْ حَملٍ، أو شُربُه ونَحوُه، كأكلِه بعدَ تَجْبِينِهِ، وسَعُوطٍ بهِ، ووَجُورٍ. ويُحَرِّمُ رَضَاعٌ كَنَسبٍ.
قوله: وشرعًا .. إلخ. أي: مصُّه من لبنٍ رجعَ من حَملٍ، ولو في المَاضِي، أي: كأن حَمَلَت به وهي صَغيرةٌ، ثم رجَعَ إليها اللَّبَنُ وهي بنتُ ستِّينَ سنةً مَثَلًا.
وقوله: ثَديِ امرأةٍ. قال في «القاموس»: الثَّديُ، ويكسر، كالثَّرى، خاصٌّ بالمرأةِ، أو عامٌّ ويؤنَّث.
وقوله: أو شربُه. عطف على مص.
وقوله: ويُحرِّمُ. هو بتشديدِ الراء، أي: يُحرِّم الرضاعُ النكاحَ. ح ف.
(١) قوله: (يكرَهُ اسِترضَاعُ الفَاجِرَة .. إلخ) وكذا زنجيةٌ، لأنَّ الرضاعَ يُنبتُ الَّلحمَ وينشُرُ العظمَ، فربَّما اكتَسَبَ شيئًا من خِصالِهنَّ القبيحَةِ، ولقوله ﵇: «لا تَستَرضِعوا الحَمقَاءَ، فإنَّ لبنَها يغيِّرُ الطِّباعَ» [¬١]. وقال القاضي في «المجرَّد»: من ارتَضَعَ من امرأةٍ حَمقَاءَ خرجَ أحمق، ومن
стр. 1794
والجَذْمَاءِ، والبَرْصَاءِ (١).
وَإذَا أرْضَعَتِ المَرْأَةُ (٢) طِفْلًا (٣) بِلَبَنِ (٤) حَمْلٍ لاحِقٍ بالوَاطِئِ (٥): صارَ ذلِكَ الطِّفْلُ: وَلَدَهُمَا (٦)، وأَوْلادُهُ (٧) وإنْ سَفَلُوا: أوْلادَ وَلَدِهِمَا (٨)،
ارتضَعَ من سيئةِ الخُلُقِ تَعدَّى إليه، ومن ارتضعَ من بهيمةٍ كان فيه بلدُ البَهيمةِ. ح ف.
(١) قوله: (والجَذمَاءِ والبَرصَاءِ) أي: ويكرهُ استرضَاعُ الجذمَاءِ. قال م ص [¬١]:
قلتُ: ونحوِهما ممَّا يُخافُ تعدِّيه. وفي «الترغيب»: وعَمياءَ. انتهى.
(٢) قوله: (وإذا أرضَعَتِ المَرأةُ) ولو مُكرهَةً على إرضاعِهَا، إرضَاعًا مُحرِّمًا. ح ف وزيادة.
(٣) قوله: (طفلًا) مفعول «أرضَعَت» في الحَولَينِ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى [¬٢].
(٤) قوله: (بلَبنٍ) متعلق ب «أرضَعَت».
(٥) قوله: (لاحِقٍ بالوَاطِئِ) شَمِلَ ذلِكَ الزوجَ، والواطِئَ بمِلكِ اليَمين، أو بشُبهةٍ، أو نِكاحٍ فاسِدٍ. ح ف.
(٦) قوله: (صَارَ ذلِكَ الطِّفلُ ولدَهُمَا) أي: المُرضعَةِ والوَاطِئ اللَّاحِقِ به الحَملُ.
(٧) قوله: (وأولادُه) أي: وصارَ أولادُ الطفلِ. م ص [¬٣].
(٨) قوله: (وإن سَفَلُوا، أولادَ ولَدِهِمَا) وهو الطفل.
стр. 1795
وأوْلادُ كُلٍّ مِنْهُمَا (١) مِنْ الآخَرِ، أوْ غَيْرِه: إخْوَتَهُ وأَخَوَاتِهِ (٢). وقِسْ عَلَى ذَلِكَ (٣).
(١) قوله: (وأولادُ كُلٍّ مِنهُمَا) أي: وصارَ أولادُ كُلٍّ منهُما، أي: المُرضِعَةِ والواطِئ المَذكُورِ.
(٢) قوله: (مِنَ الآخَرِ، أو) من (غَيرِه .. إلخ) كأنْ تزوَّجَت المُرضِعَةُ بغَيرِه، فصَارَ لها منه أولادٌ، أو تزوَّجَ الواطِئُ بغيَرِها، وصارَ له منها أولادٌ، فالذكورُ منهم يصيرُون إخوتَه، والبنَاتُ أخواتِه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (وقِسْ على ذَلِكَ) أي: ويصيرُ آباءُ المُرضِعَةِ والوَاطِئِ أجدادَه، أي: الطفل. وأمهاتُهما جَدَّاتِه، وصارَ إخوةُ المرضِعَةِ وأخواتُها، وإخوةُ الواطِئ وأخواتُه، أعمامَه وعمَّاتِه، وأخوالَه، وخالاتِه؛ لأنَّ ذلك فرعُ ثُبوتِ الأمومةِ والأبوَّةِ.
ولا تَنتشِرُ حرمةُ رضاعٍ [إلى مَنْ بدرجَةِ مُرتَضِعٍ أو فَوقَه، مِنْ أخٍ وأُختٍ، وأبٍ وأمٍّ، وعمٍّ] [¬٢] وعمَّةٍ، وخالٍ وخالَةٍ. [فتَحِلُّ مرضِعةٌ لأبي مُرتَضِعٍ، وأخيهِ من نَسبٍ] [¬٣]، وتحلُّ أمُّ المرتضِعِ وأُختُه من نَسبٍ لأبيهِ وأخيهِ من رَضَاعٍ، إجماعًا، كما يحلُّ لأخيهِ من أبيهِ من نَسبٍ، أختُه من أمِّه مِنْ نَسبٍ، إجماعًا. انتهى «منتهى وشرحه». م ص [¬٤].
стр. 1796
وتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ، في النِّكاحِ، وثُبُوتِ المَحرَمِيَّةِ: كالنَّسَبِ (١). بِشَرْطِ (٢): أنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (٣) في العامَيْنِ (٤). فلَو ارتَضَعَ بَقِيَّةَ الخَمْسِ بَعدَ العَامَيْنِ بلَحْظَةٍ: لَمْ تَثْبُتِ الحُرْمَةُ (٥).
(١) قوله: (كالنَّسَبِ) في ثُبوتِ محرميَّةٍ، وتحريمِ نكاحٍ، وإباحةِ نَظَرٍ، وإباحةِ خَلوةٍ، لا في بقيةِ أحكامِ النسبِ من النفقَةِ، والإرثِ، والعتقِ، وردِّ الشَّهادةِ، وولايةِ النكاحِ؛ إذ المُشبَّهُ لا يُعطَى حكم المشبَّهِ بهِ من كلِّ وجهٍ. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (بشَرطِ) متعلق بقوله: «وتحريمُ الرضَاع .. إلخ». بدليلِ قولِ «المنتهى» [¬١]: وللحُرمةِ بالرَّضَاعِ شَرطان.
(٣) قوله: (أن يَرتَضِعَ خمسَ رَضَعَاتٍ) الشرطُ الأول: أن يرتَضِعَ الطفلُ خَمسَ رضَعَاتٍ فأكثَر، مُتفرِّقاتٍ، وإن لم تكُن مُشِبعَاتٍ أو في خَمْسَةِ أوقَاتٍ. ح ف وإيضاح.
(٤) قوله: (في العَامَينِ) الشرطُ الثاني: أن يرتَضعَ الطفلُ في العَامينِ، ولو كانَ قد فُطمَ قبلَ الرَّضاعِ. عثمان [¬٢] وإيضاح.
(٥) قوله: (فلو ارتَضَعَ بقيَّةَ الخَمسِ .. إلخ) ولو قَبلَ فِطامِه، أو ارتضَعَ الخَامسةَ كلَّها بعدَهُما، بخلافِ ما لو شَرَعَ في الخَامسةِ، فحالَ الحولُ قبلَ كمالِها، فإنه يُكتَفَى منها بما وُجِدَ في الحَولين. قال ابن نصر الله: فعلى هذا: أنَّ الحولَينِ تحديدًا، لا تَقرِيبًا. انتهى «شرح الإقناع» [¬٣] وزيادة.
стр. 1797
ومَتَى امتَصَّ الثَّدْيَ ثُمَّ قَطَعَهُ، ولَوْ قَهْرًا، ثُمَّ امْتَصَّ ثانِيًا: فَرَضْعَةٌ ثَانِيَةٌ (١).
والسَّعُوطُ في الأَنْفِ، والوَجُورُ في الفَمِ (٢)، وأكْلُ ما جُبِّنَ (٣)، أو
(١) قوله: (ومَتَى امتَصَّ الثَّديَ ثمَّ قطَعَهُ .. إلخ) أي: ومتَى امتصَّ طِفلٌ ثَديًا، ثم قطَعَ المَصَّ، ولو كانَ قطعُه له قَهرًا، أو كانَ قطعُه له لتنفُّسٍ، أو كانَ قطعُه له لِمُلْهٍ عن المَصِّ، أو كانَ قطعُه له لانتِقَالٍ من ثَديٍ إلى ثَديٍ آخَرَ، أو مِنْ مُرضِعَةٍ إلى مرضعةٍ أُخرى، فذلِكَ رضْعَةٌ، تُحسَبُ من الخَمسِ؛ لأنها مرةٌ من الرَّضَاعِ، ثمَّ إن عادَ الطفلُ ولو قَريبًا، بأن قَرُبَ الزمنُ بينَ المصَّةِ الأُولى والعَودِ، فهُما رضعَتَانِ ثِنتَانِ؛ لأن المصَّةَ الأُولَى زالَ حُكمُها بتركِ الارتضَاعِ، فإذا عادَ فامتصَّ، فَهي غَيرُ الأُولى. انتهى «منتهى وشرحه الصغير» [¬١].
(٢) قوله: (والسَّعُوطُ) بأل، فالفَتحُ: ما يُصبُّ (في الأَنفِ، والوَجُورُ) هو بالفَتح: ما يُصبُّ في الحَلقِ من غَيرِ الثديِ، من الَّلبَنِ وغيرِه. وأما بالضمِّ فيهما، فهو نَفسُ الفِعلِ، وهو المرادُ هُنا. انتهى ابن نصر اللَّه على «المحرر».
(٣) قوله: (وأَكلُ ما جُبِّنَ) من لبنٍ ثابَ عن حَملٍ، ثم أَطعِمَ للطِّفل؛ لأنه واصِلٌ من حَلقٍ، يحصُلُ به انتشارُ العَظمِ، وإنباتُ الَّلحمِ، فحصَلَ به التحريمُ، كما لو شُرِبَ. م ص [¬٢]. وناقَشهُ م خ بقوله: والظاهِرُ أنَّ العددَ مُعتبرٌ، فلا يُحَرِّمُ إلَّا خَمسُ لُقَمٍ. فليحرَّر.
стр. 1798
خُلِطَ بالمَاءِ، وصِفَاتُه باقِيَةٌ (١): كالرَّضَاعِ في الحُرْمَةِ (٢).
وإنْ شُكَّ في الرَّضَاعِ (٣)، أوْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ: بُنِيَ عَلَى اليَقِينِ (٤).
(١) قوله: (وصِفَاتُه باقِيَةٌ) أي: طعمُه، ولونُه، وريحُه. قال الشهاب الفُتوحِي: وإنما يُحرِّمُ إذا شَرِبَ الماءَ كلَّه، ولو في دَفَعَاتٍ، ويكونُ رضعةً واحدةً. ذكره القاضي في «خلافه» وعُلمَ منه: أنه لو صُبَّ لبنٌ في ماءٍ كثيرٍ لا يتغيَّر به، لم يثبت التَّحريمُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بمَشُوبٍ، ولا يحصُلُ به التَّغذِّي، ولا إنباتُ الَّلحمِ، ولا انتشارُ العَظمِ. ح ف.
(٢) قوله: (كالرَّضَاعِ في الحُرمَةِ) خبر عن قوله: «والسَّعوط .. إلخ». فيحرِّم كالخَالِص؛ لأن الحكمَ للأغلَبِ، ولبقاءِ اسمِه ومَعناه، ولوصُولِ الَّلبنِ بذلِك إلى جَوفِه، كوصُولِه بالارتضَاعِ، وحُصولِ إنباتِ الَّلحمِ، وانتشارِ العَظمِ به، كما يحصُل بالرَّضاعِ، والأنفُ سبيلٌ لفِطرِ الصَّائِم، فكانَ سبيلًا للتَّحريمِ، كالرَّضاعِ بالفَمِ. م ص [¬١] وإيضاح.
(٣) قوله: (وإن شُكَّ في الرَّضَاعِ) أي: وإنْ شُكَّ في وجُودِ الرَّضَاعِ، بُنِيَ على اليَقينِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (أو عَدَدِ الرَّضَعَاتِ .. إلخ) أي: أو شُكَّ في عددِ الرَّضعاتِ (بُنَي علَى اليَقينِ)؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الحِلِّ؛ كما لو شُكَّ: هو خمسُ رضَعَاتٍ أو أربعُ؟ واليقينُ جعلُها أربعًا. وكذا لو شُكَّ في وُقوعِه في العامَين. م ص [¬٣] بإيضاح.
стр. 1799
وإنْ شَهِدَتْ بِهِ مَرْضْيَّةٌ (١): ثَبَتَ التَّحْريمُ (٢).
ومَن حَرُمَتْ عَلَيْه بِنْتُ امْرَأةٍ (٣)، كأُمِّهِ، وجَدَّتِهِ، وأُخْتِه (٤)، إذَا أرْضَعَتْ (٥) طِفْلةً: حَرَّمَتْها علَيْهِ أَبَدًا (٦).
(١) قوله: (وإنْ شَهِدَت به) أي: بالرَّضاعِ المُحرِّم، امرأةٌ (مَرضيَّةٌ) أي: ثقةٌ.
(٢) قوله: (ثَبَتَ التحريمُ) بشَهادَتِها، متبرعةً بالرضاعِ كانت أو بأُجرةٍ. وسواءٌ شهِدَت على فِعلِ نَفسِها، أو على فِعلِ غَيرِها. والرجلُ وحدَه في ذلِك أولَى، كما في «الإقناع». ولا يَمينَ منه، ولا مَعَ المَرأةِ. واعلَم: أن الاكتِفَاءَ بشهادةِ المرأةِ الواحِدَةِ في الرَّضَاعِ، وكذا الرجلُ الواِحدُ، خاصٌّ بالشهادةِ على الفِعلِ. أما لو ادَّعَى أحدُ الزَّوجَينِ على الآخَر أنه أقرَّ أنه أخو صاحِبِه من الرَّضَاع، وأنكَرَ، لم يُقبل في ذلِكَ شَهادةُ النساءِ المُنفَرِدَات؛ لأنها شَهادةٌ على الإقرار. وكذا لا يُقبلُ فيه شَهادةُ النساءِ المُنفَرِدَات؛ لأنها شَهادةٌ على الإقرارِ. وكذا لا يُقبلُ فيه شَهادةُ الرَّجُلِ وحدَه. ح ف.
(٣) قوله: (ومَنْ حَرُمَتْ عليهِ بنتُ امرأةٍ) من نسبٍ، ومثلُها من رَضاعٍ.
(٤) قوله: (كأُمِّهِ، وجَدَّتِهِ، وأُختِهِ) مثالٌ للمَرأةِ. وبنتُ أخيهِ، وبنتُ أخته، أو بمُصَاهَرةٍ.
(٥) قوله: (إذا أرضَعَتْ) تلكَ المرأةُ التي حَرُمَتْ عليه بنَسبٍ أو رَضاعٍ أو مُصَاهَرةٍ.
(٦) قوله: (طِفلةً، حرَّمَتْهَا عَليهِ أبدًا) لأنها صارَت بنتَ من تَحرمُ بنتُه عليه. عثمان [¬١].
стр. 1800
ومَن حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ رَجُلٍ، كأَبِيهِ، وجَدِّهِ، وأَخِيهِ، وابْنِهِ، إذَا أرْضَعَتْ زَوْجَتُه (١) بِلَبَنِهِ (٢) طِفْلَةً: حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ أبَدًا.
(١) قوله: (إذا أرضَعَتْ زوجَتُه) المراد بها: صاحِبةُ لَبنِه، زوجةً كانت، أو أمَّ ولدِه، أو موطوءةً بشُبهةٍ، فهو من قَبيلِ المَجاز. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (بلَبنِهِ) أو لَبنٍ لهُ فيه شِرْكٌ.
تنبيه: ومَنْ قالَ لزوجَتِه: أنتِ أُختِي لرضَاعٍ، بطَلَ النكاحُ حُكمًا؛ لأنه أقرَّ بما يوجِبُ فَسخَ النكاحِ بينَهُما، فلَزِمَه ذلِكَ. فإنْ كان إقرارُه قبلَ الدُّخُولِ، وصَدَّقَتهُ أنها أختُه، فلا مَهرَ لها؛ لأنَّهما اتَّفقَا على أنَّ النكاحَ باطِلٌ من أَصلِه. وإن كذَّبتهُ في قولِه: إنَّها أُخْتُه، قَبلَ الدُّخولِ، فلها نِصفُ المَهرِ؛ لأنَّ قولَه غيرُ مقبُولٍ عليها في إسقاطٍ حَقِّها. ويَجبُ المَهرُ كلُّه إذا كانَ إقرارُه بعدَ الدُّخولِ، ولو صدَّقتهُ، ما لم تَكُنْ مكَّنت من نفسِهَا مُطاوِعَةً.
وإن قالَت هي ذلِكَ، بأن قالَت لزَوجِها: أنتَ أخي من الرضاعِ، وأكذَبَها، فهي زوجتُه حُكمًا. أي ظاهرًا؛ لأن قولَها لا يُقبلُ عليه في فسخِ النكاحِ؛ لأنه حقهُ، وأما باطِنًا فإن كانت صادقةً، فلا نكاح، وإلَّا فهيَ زوجتُه أيضًا. م ص [¬٢].
стр. 1801
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ: مَا لا غِنَى لِزَوْجَتِهِ عَنهُ (١)،
كِتَابُ النَّفقَاتِ
جمعُ نفقةٍ، وهي لغةً: الدراهمُ ونحوُها، مأخوذة من النافِقَاءِ: موضعٌ يجعلُه اليربوعُ في مؤخرِ الجُحْرِ رَقيقًا، يعدُّه للخُروجِ، إذا أُتِيَ من بابِ الجُحرِ، دفعهُ وخرجَ منه. ومنه سُمي النفاقُ؛ لخروجِ الإيمانِ من القلبِ بسَببهِ.
وشَرعًا: كفايةُ مَنْ يمونُه خُبزًا وأُدمًا، وكِسوةً ومَسكنًا، وتوابعَها، كماء شُربٍ وطهارةٍ، وإعفافِ من يَجبُ إعفافُه ممَّن تَجبُ نفقتُه. والقصدُ هنا بيانُ ما يجبُ على الإنسانِ من النفقَةِ بالنكاحِ والقَرابةِ والملكِ وما يتعلَّق بذلك. وقد بدأَ بالأول، فقال: «يجبُ على الزوج .. إلخ» م ص [¬١].
(١) قوله: (يَجِبُ على الزَّوجِ ما لا غِنَى لزوجَتِه عنه) لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطّلَاق: ٧] الآية. وهي في سياقِ أحكامِ الزوجَاتِ، فأوجبَ النفقةَ على المُوسِعِ وعلى من قُدِرَ عليه رزقُه، أي: ضُيِّقَ، بقدرِ ما يجبُ. وأجمعوا على وجوبِ نفقةِ الزوجةِ على الزوجِ إذا كانا بالِغَين، ولم تكُن ناشِزةً. ذكره ابن المنذر، وغيرُه. ولأنَّ الزوجةَ محبوسةٌ لحقِّ الزوجِ، فيمنعها ذلِكَ عن التصرُّفِ والكَسبِ، فتجب نفقتُها عليه. م ص [¬٢] باختصار.
стр. 1802
مِنْ مَأكَلٍ ومَشْرَبٍ (١) ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ، بالمَعْرُوفِ (٢). ويَعتَبِرُ الحَاكِمُ ذلِكَ (٣)، إنْ تَنازَعَا (٤): بِحَالِهِمَا (٥).
وعَلَيْهِ: مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا (٦)، مِنْ دُهْنٍ وسِدْرٍ، وثَمَنِ مَاءِ الشُّرْبِ (٧)،
(١) قوله: (من مأكَلٍ ومَشرَبٍ .. إلخ) بيان لِمَا لا غِنَى لها عنه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (بالمَعرُوفِ) وهو أن يكونَ بقَدرِ الكِفَايةِ. ح ف.
(٣) قوله: (ويَعتَبِرُ الحَاكِمُ) تقديرَ (ذلِكَ).
(٤) قوله: (إنْ تنازَعا) أي: الزَّوجَانِ في قَدرِه وصفتِه.
(٥) قوله: (بحَالِهِمَا) فيفرضُ حاكِمٌ لموسِرَةٍ تحتَ موسِرٍ قدرَ كِفَايتِهَا من أرفعِ خُبزِ البلدِ وأُدْمِه، ولحمًا عادةَ المُوسرين بمحلِّهما، وما يَلبَسُ مثلُها من حريرٍ وغيرِه، وللنَّومِ فراشٌ ولِحَافٌ وإزارٌ ومخدَّهٌ، وللجلوسِ حَصيرٌ جيِّدٌ، أو بِساطٌ. ولفقيرَةٍ تحتَ فقيرٍ من أدنى خُبزِ البلَدِ، ومن أُدْمٍ يلائمُه، وما يَلبَسُ مثلُها، ويجلِسُ، وينامُ عليه. ولمتوسطةٍ معَ متوسِّطٍ، وغنيةٍ مع فقيرٍ، وعكسِها، ما بينَ ذلِكَ. وأما القَهْوَةُ، فقالَ م ص: ينبغي وجوبُها لمن اعتادَتها؛ لعدمِ غِناها عنها عادةً، وعملًا بالعُرفِ. عثمان [¬٢].
(٦) قوله: (وعليه مُؤْنَةُ نظافَتِها) أي: نظافةِ بدنٍ، وثوبٍ، وبُقعةٍ، على ما جَرت به العادةُ. عثمان [¬٣].
(٧) قوله: (وثَمَنِ مَاءِ الشُّربِ .. إلخ) ومشطٍ، وأُجرةِ قَيِّمَةٍ، بتشديد الياء
стр. 1803
والطَّهارَةِ مِنْ الحَدَثِ (١) والخَبَثِ (٢)، وغَسْلِ الثِّيَابِ.
وعَلَيْه لَهَا: خادِمٌ (٣)، إنْ كانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا (٤). وتَلْزَمُه (٥): مُؤْنِسَةٌ لِحَاجَةٍ (٦).
التحتية: التي تَغسلُ شعرَها وتسرِّحُه وتضفِّرُه. م ص [¬١].
(١) قوله: (والطَّهارَةِ من الحَدَثِ) أي: حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ.
(٢) قوله: (والخَبثِ) أي: ونجاسَةٍ على الثوبِ، أو البدنِ، أو البقعَةِ.
(٣) قوله: (وعليه) أي: الزوجِ (لها) أي: للزوجَةِ (خادِمٌ) واحدٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النِّساء: ١٩]، ومِنَ المعروفِ إقامةُ الخَادِم لها إذَنْ، أي: إن كانَ مثلُها يُخدَم.
(٤) قوله: (إن كانَت ممَّن يخدَمُ مِثلُها) ليسَارٍ أو كِبَرٍ أو صِغَرٍ. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (وتَلزَمُهُ) أي: الزَّوجَ.
(٦) قوله: (مُؤنِسَةٌ لِحَاجَةٍ) كخَوفِ مكانِها، وعَدوٍّ تخافُ على نَفسِهَا منه؛ لأنه ليسَ منَ المعاشَرةِ بالمَعروفِ إقامتُها بمكانٍ لا تأمن فيه على نَفسِها. قال الشهابُ الفتوحي: والظاهرُ أن القولَ قولُها في احتياجِها إلى مُؤنِسَةٍ. وتعيينُ المؤنِسةِ للزَّوجِ، ويكتفي بتونيسه هو لها. م ص [¬٣] وزيادة.
стр. 1804
فَصْلٌ
والواجِبُ عَلَيْه (١): دَفْعُ الطَّعَامِ (٢) في أوَّلِ كُلِّ يَوْمٍ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (والواجِبُ عَليهِ) أي: على الزَّوجِ.
(٢) قوله: (دَفعُ الطَّعامِ) من خُبزٍ وأُدمٍ ونحوه، لزَوجَةٍ وخادِمِها وكلِّ من وجَبتْ عليه نفقتُه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (في أوَّلِ كُلِّ يَومٍ) أي: ويكونُ الدَّفع في أولِ كلِّ يومٍ، يعني: من طُلوعِ الشمسِ. والواجبُ دفعُ ما ذُكِرَ من خُبزٍ .. إلخ، لا حَبٍّ، ولا يلزمُها قبولُه؛ لما فيه من تكليفِها طحنَه وعجنَه وخَبزَه. ولقولِ ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المَائدة: ٨٩]. قال: الخبزُ والزيتُ [¬٢]. وعن ابن عمر: الخُبزُ والسَّمنُ، والخُبزُ والزَّيتُ، والخُبزُ والتَّمرُ، وأفضَلُ ما تُطعِمُونَ الخُبزُ واللَّحمُ [¬٣]. ولأنَّ الشرعَ وردَ بالإيجَابِ مُطلَقًا من غَيرِ تَقديرٍ، فرُجِعَ فيه إلى العُرف، وهو دفعُ القُوتِ، وكنفَقَةِ المَمَالِيكِ. فإن طلَبَت مكانَ الخُبزِ حَبًّا أو دَقيقًا أو دَراهِمَ ونحوَها، لم يلزمهُ بذلُه. قال ابن نصر الله: لو تزوَّجهَا في يومٍ بعدَ مُضيِّ أكثرِهِ، هل يلزمه نفقةُ اليومِ كلِّه أو
стр. 1805
ويَجوزُ: دَفْعُ عِوَضِهِ (١) إنْ تَرَاضَيَا (٢).
ولا يَمْلِكُ الحاكِمُ: أن يَفْرِضَ عِوَضَ القُوتِ دَرَاهِمَ- مَثَلًا- إلَّا بتَرَاضِيهِمَا (٣). وفَرْضُهُ لَيْسَ بِلازِمٍ (٤).
ويَجِبُ لَهَا: الكِسْوَةُ (٥)
نِصفُها؟ لا نعلمُ فيها لأصحابِنا قولًا. وقال الشافعية: يلزمُه نفقةُ اليومِ كلِّه. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (ويَجوزُ دفعُ عِوَضِه) كدراهِمَ عن نفقَةٍ وكِسوةٍ؛ لأنَّ الحقَّ لا يعدُوهُما. ولكلٍّ منهُما الرجوعُ بعدَ التراضِي في المُستقبَلِ.
(٢) قوله: (إن تَراضَيا) ولا يُجبَر مَنْ أبَى منُهما ذلِكَ؛ لعدمِ وجوبِه عليه.
(٣) قوله: (دراهِمَ مثلًا إلَّا بتراضِيهمَا [¬١]) أي: الزَّوجَينِ، فلا يُجبر من امتنعَ منهُما. قال في «الهدي»: أما فرضُ الدراهمِ، فلا أصلَ له في كتابٍ ولا سنةٍ، ولا نصَّ عليه أحدٌ من الأئمَّةِ؛ لأنها معاوضةٌ بغيَرِ الرِّضا عن غيرِ مستَقِرٍّ. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (وفَرضُهُ لَيسَ بلازِمٍ) أي: لا يلزم. وفي «الفروع»: وهذا متَّجهٌ معَ عدمِ الشقاق، وعَدمِ الحاجَةِ. فأما معَ الشقاقِ كالغَائبِ مثلًا، فيتوجَّهُ الفَرضُ؛ للحاجةِ إليه، على ما لا يَخفَى؛ قطعًا للنزاع. ع ب [¬٣].
(٥) قوله: (ويَجِبُ لها الكِسوَةُ) وغِطاءٌ ووِطاءٌ، وسِتارةٌ يحتاجُ إليها. قال في
стр. 1806
في أوَّلِ كُلِّ عامٍ. وتَمْلِكُهَا: بالقَبْضِ (١)، فَلا بَدَلَ (٢) لِمَا سُرِقَ (٣)، أوْ بَلِيَ (٤).
«شرح المحرر»: وأما الكسوةُ، فيجبُ عليه دفعُها في أولِ كلِّ سنةٍ؛ لأنه وقتُ الحاجةِ إليها. فيُعطيها السنةَ؛ لأنه لا يُمكِنُ ترديدُ الكِسوةِ شَيئًا فَشيئًا، بل هو شيءً واحِدٌ يُستدام إلى أن يبلَى، فكانَ عليه دفعُه عندَ الحاجَةِ إليه. وقال في «الإنصاف»: وعليه كِسوتُها في كلِّ عامٍ مرَّةً. وقال في «المبدع»: وعليه كِسوتُها في كلِّ عامٍ؛ لأنه العادة، ويكونُ الدفعُ في أوله؛ لأنه أولُ وقتِ الوجوبِ. انتهى من خط م ص [¬١].
(١) قوله: (وتَملِكُها بالقَبضِ) أي: وتملِكُ ذلِكَ من الطعامِ والكِسوةِ بقَبضِ ذلِكَ، كما يملِكُ ربُّ الدينِ دينَه بالقَبض، فاندَفَعَ به ما يقالُ: كان ينبَغي للمصنف تثنيةُ الضميرِ في قوله: «وتملِكُها بالقَبض».
(٢) قوله: (فلا بَدَلَ) على زَوجٍ.
(٣) قوله: (لِمَا سُرِقَ) من ذلك. وتَملِكُ التصُّرفَ فيه على وجهٍ لا يضُرُّ بها. انتهى الوالد.
(٤) قوله: (أبو بَلِيَ) أي: ولا بدلَ على زوجٍ إذا بَليَت الكِسوةُ لوقتٍ لا يبلَى مثلُها فيه عادةً، بل بكثرةِ الدخُولِ والخُروجِ، أما إن بَليَت في الوَقتِ الذي يَبلَى فيه مثلُها، لزِمَه بدَلُها؛ لأنه من تَمامِ كِسوتِها، كما في «الكافي» [¬٢].
стр. 1807
وإنْ انْقَضَى العَامُ والكِسْوَةُ باقِيَةٌ (١): فَعَلَيْه كِسْوَةٌ للعَامِ الجَدِيدِ (٢).
وإنْ مَاتَ (٣)، أوْ مَاتَتْ (٤)، أوْ بَانَتْ، قَبْلَ انْقِضَائِهِ: رَجَعَ عَلَيْهَا بقِسْطِ مَا بَقِيَ (٥).
(١) قوله: (والكِسوَةُ) التي قَبضَتها منه (باقِيةٌ).
(٢) قوله: (فعَليه كِسوَةٌ للعَامِ الجَديدِ) اعتبارًا بمُضيِّ الزمانِ دونَ حقيقةِ الحَاجَةِ، بخلافِ ماعون ونحوِه، كمِشطٍ، إذا انقضَى العامُ وهو باقٍ، فلا يلزمُه بدَلُه؛ اعتبارًا بحَقيقَةِ الحَاجَةِ؛ لأنه إمتاعٌ. وألحقَ به ابنُ نصر اللَّه الغِطاءَ والوِطَاءَ، وقوَّاهُ في [¬١] «تصحيح الفروع» لعدم جوازِ اختصاصِها به عنه عُرفًا وعادَةً، أشبهَ المسكَنَ. ح ف الفروع ﵀.
(٣) قوله: (وإنْ مَاتَ) الزوجُ قبلَ مُضيِّ العَامِ.
(٤) قوله: (أو ماتَت) قبلَ مُضيِّه.
(٥) قوله: (رَجَعَ عليها بقِسطِ ما بَقِيَ) من العامِ؛ لتبيُّنِ عَدمِ استحقاقِها له، وكذا نفقةٌ تعجَّلتها؛ بأن دَفَعَ إليها نفقةَ مدَّةٍ مستقبَلَةٍ، ثم ماتَ، أو ماتَت، أو بانَت قبلَ مُضيِّها، فيرَجِعُ عليها بقِسطِ ما بَقِيَ، لكن لا يَرجِعُ زوجٌ ببقيَّةِ يَومِ الفُرقَةِ؛ لوجُوبِ نفقَتِه بطُلوعِ نَهارِهِ، فإن أعادَها في ذلِكَ اليومِ، فالأظهرُ: لا يلزمُه نفقتُها ثانيًا، إلَّا على ناشزٍ [¬٢] في أثناءِ يومٍ قَبضَتْ نفقتَه، فيرِجعُ عليها بباقِيه؛ لتمكُّنِها من مطاوعَتِه الواجبَةِ عليها. ويُرجَع بالبناء للمفعول على زَوجَةٍ ببقيَّةِ النفقةِ مِنْ مالِ غَائبٍ بظُهورِ مَوتهِ؛ لارتفاعِ وجوبِ النفقةِ عَليها
стр. 1808
وإنْ أَكَلَتْ مَعَه عادَةً، أو كَسَاهَا بِلا إذْنٍ: سَقَطَتْ (١).
بموتِه، فلا تَستحقُّ ما قبضَته بمَوتِه. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (وإن أكَلَتْ) زوجتُه (معَه) أي: زَوجِها (عَادَةً، أو كَسَاها بلا إذنٍ) منها أو مِنْ وليِّها، وكانَ ذلكَ بقدرِ الوَاجِب عليه. (سَقَطَتْ) نفقتُها [¬٢] وكسوتُها؛ عملًا بالمعرُوف. وظاهِرُه: ولو بعدَ فَرضِ نحوِ دراهِمَ عن نفقتِها، فإن ادَّعت تبرُّعَه بذلِكَ، حَلَفَ. م ص [¬٣].
стр. 1809
فَصْلٌ
والرَّجْعِيَّةُ مُطْلَقًا (١)، والبَائِنُ والنَّاشِزُ الحَامِلُ (٢)، والمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَامِلًا: كالزَّوْجَةِ، في النَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، والمَسْكَنِ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (والرجعيَّةُ مُطلَقًا) أي: والمطلَّقةُ الرجعيَّةُ مُطلَقًا، سواء كانَت حامِلًا أو لا، لها النفقَةُ، فالإطلاق مأخوذٌ من تَفصيلٍ لاحِقٍ. الوالد.
(٢) قوله: (والبائنُ، والناشِزُ الحَامِلُ) لهما النفقةُ مدَّةَ الحَملِ؛ لأنَّ النفقَةَ للحَملِ نفسِه، لا لها من أجلِه، فتَجبُ بوُجودِه، وتسقُط عندَ انقِضائِه. قال م ص [¬١]. قلت: فلو ماتَ ببَطنِها، انقَطَعَت؛ لأنها لا تَجبُ لميِّتٍ. قال ابن نصر الله: لو جاوزَ الحملُ [¬٢] أكثَرَ مدَّةِ الحَملِ، فالظاهِرُ سُقوطُ النفقَةِ؛ لعدَمِ لحُوقِه به، وقد أفتيتُ به سنةَ خمسٍ وثلاثينَ وثمانمائة. انتهى.
(٣) قوله: (كالزَّوجَةِ في النَّفقَةِ .. إلخ) لا فيما يعودُ بنظافَتِها من دُهنٍ وسدرٍ، وثَمنِ ماءٍ، وثمنِ مشطٍ، وأُجرةِ قيّمَةٍ، ونحو ذلك ككنسِ الدارِ وتنظيفِها، فلا يلزمُه جميعُ ذلك لمطلَّقتهِ الرجعيَّةِ، لأنها لم تكُنْ في حُكمِ الزَّوجَاتِ من كلِّ وَجهٍ؛ أخذًا من قاعِدَةِ: «أنَّ المشبَّه لا يُعطى حُكمَ المشبَّهِ به من كلِّ وجه». انتهى الوالد.
стр. 1810
ولا شَيْءَ: لِغَيْرِ الحامِلِ مِنْهُنَّ (١)، ولا: لِمَنْ سَافَرَتْ (٢) لِحَاجَتِهَا، أو لِنُزْهَةٍ (٣)، أو زِيارَةٍ، ولَوْ بإذْنِ الزَّوْجِ (٤).
وإنِ ادَّعَى نُشُوزَهَا، أوْ: أَنَّهَا أخَذَتْ نَفَقَتَها، وأنْكَرَتْ: فَقَوْلُهَا بيَمِينِهَا (٥).
(١) قوله: (ولا شَيءَ لِغَيرِ الحَامِلِ منهُنَّ) أي: المطلَّقاتِ. يُستثنى من هذا زَوجةُ الكافرِ المدخُولِ بها إذا أسلَمت ولم يُسلِم زوجُها حتَّى انقضَت عدَّتُها، فإنَّ البينونَةَ ثبتت من حِينِ اختِلاف الدِّينِ، ولها نفقةُ العدَّةِ. ويُعايا بها. انتهى. ابن نصر الله. فيقال: ما تقولُ في امرأةٍ بانت من زوَجِها، ولم تكُن حَامِلًا ووَجَبَ لها نفقةٌ؟
(٢) قوله: (ولا لِمَنْ سَافَرَت) أي: ولا نفقةَ لزوجَةٍ سَافَرت. أما لو سَافرَت بإذنِه في حاجتِه، فإن لها النفقة قال [¬١] ابن نصر الله: وأما سفرُها لانقِطاعِ نفقَتِها؛ لتُطالِبَ بها عند حاكِمٍ، أو ليفسخَ نكاحَها [بسبب انقطاع نفقتها لعدم حاكم ببلدها يريد فسخ نكاحها] [¬٢] بذلِكَ، فيُحتمَلُ أن لا تَسقُط بذلِكَ؛ لأنه ضرورةٌ، كما لو خَرجَت إلى حاكِم بلدِهَا لتُطالِبَه بنفقَتِها. ويُحتملُ سقوطُها. ويُحتمل الفَرقُ بينَ قصيرِ السفرِ وطَويلهِ.
(٣) قوله: (أو لنُزهَةٍ) أي: أو سافرَت لنُزهَةٍ، ولو بإذنِه.
(٤) قوله: (ولو بإذن الزَّوجِ) في الجَميعِ.
(٥) قوله: (فقولُها بيمينها) لأنها مُنكِرةٌ، والأصلُ عدمُ ذلِكَ، لكن لو كانَت
стр. 1811
ومتَى أعْسَرَ (١) بنَفَقَةِ المُعْسِرِ، أوْ كِسْوَتِهِ (٢)، أوْ مَسْكَنِهِ (٣)، أوْ: صَارَ لا يَجِدُ النَّفَقَةَ إلَّا يَومًا دُونَ يَوْمٍ (٤)،
بدارِ أبيها، وادَّعت أنها خَرجَت بإذنه، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. وإن دفَعَ إليها شيئًا زائدًا على الكسوةِ، مثلَ مَصاغٍ وقَلائِدَ، وما أشبَه ذلِكَ، على وَجهِ التَّمليكِ، فقد مَلَكَتْه، وليس له إذا طلَّقهَا أن يُطالبَها به. وإن كان قد أَعْطَاها لتتجَمَّل به فقط، لا على وَجهِ التَّمليكِ المُعيَّنِ، فهو باقٍ على مِلكِه، فله الرجوعُ فيه متى شاء، سواءٌ طلَّقها، أو لا، «إقناع» [¬١].
(١) قوله: (ومَتَى أعسَرَ) فلم يَجِد القوتَ، أي: ولو كانَ تحته مُوسِرةٌ. ح ف.
(٢) قوله: (بنفقَةِ المُعسِرِ، أو كِسوَتِه) أو ببعضِهِما، أي: بعضِ النفقَةِ وبعضِ الكِسوةِ. والبعضُ يصدُق بالقَليلِ والكَثيرِ. والظاهرُ: أن أقلَّ ذلِكَ ما تتضرَّرُ بفواتِه المرأةُ عُرفًا. وبذلِكَ أفتيتُ في جُمادَى الآخرَةِ، سنةَ سبعٍ وثلاثين وثمانمائة. ابن نصر اللَّه على «الفروع».
(٣) قوله: (أو مَسكَنِه) أي: أو أعسرَ بمَسكَنِه.
(٤) قوله: (أو صَارَ) الزوجُ (لا يَجِدُ النفقَةَ) لزَوجَتِه (إلَّا يَومًا دُونَ يَومٍ) خُيِّرَت الزوجَةُ؛ للحُوقِ الضَّررِ الغَالِب بذلِكَ بها؛ إذ البدنُ لا يقومُ بدونِ كفايتِه، وسواءٌ كانت حرةً بالغةً رشيدةً، أو رقيقةً، أو صغيرةً، أو سفيهةً، دونَ سيدِها ووليِّها، فلا خِيرةَ له، ولو كانَت مجنونةً؛ لاختِصاصِ الضرَرِ بها، بينَ فسخِ نكاحِ المعسرِ، وبينَ مُقامٍ معه مَعَ مَنعِ نفسِها؛ بأن لا تُمكِّنَه من الاستمتاعِ بها؛ لأنه لم يُسلِّم إليها عِوضَه. ع ب [¬٢].
стр. 1812
أوْ: غَابَ المُوسِرُ (١)، وتَعذَّرَتْ عَلَيْهَا النَّفَقَةُ (٢) بالاسْتِدَانَةِ (٣) وغَيْرِهَا (٤): فلَهَا الفَسْخُ (٥)، فَوْرًا ومُتَراخِيًا (٦).
ولا يَصِحُّ: بِلا حَاكِمٍ، فيَفْسَخُ (٧) بِطَلَبِهَا، أوْ تَفْسَخُ بِأَمْرِهِ (٨).
(١) قوله: (أو غَابَ المُوسِرُ) قَيَّدَ به؛ للخلافِ فيه عندَ الشافعي، وإلا فالمُعسِرُ حكمُه كذلِكَ بلا خِلافٍ. ح ف.
(٢) قوله: (وتَعذَّرَت عليها النَّفقَةُ) بأن لم يترُك لها نفقَةً، ولم يُقدَر له على مَالٍ، ولا يمكِنها تَحصيلُ نفقَتِها. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (بالاستِدانَةِ) أي: الاقتِراضِ، أو نَحوِ ذلِكَ.
(٤) قوله: (وغَيرِها) أي: وتعذَّرت عليها النفقَةُ بغيرِ الاستدانةِ، كتعذُّر الإنفاقِ عليها من مالِه، كحالِ الإعسارِ، بل أولَى، ولأنَّ في الصبرِ ضَررًا أمكَنَ إزالتُه بالفَسخِ، فوجَبَ إزالتُه؛ دَفعًا للضَّرر. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (فَلها الفَسخُ) جواب «متى».
(٦) قوله: (فورًا ومترَاخِيًا) لأنه خيارٌ لدَفعِ ضررٍ، أشبهَ خَيارَ العَيبِ في المَبيعِ. ع ب [¬٣].
(٧) قوله: (ولا يَصِحُّ) الفَسخُ في ذلِكَ كلِّه (بلا حَاكِمٍ، فيفسَخُ) الحَاكِمُ.
(٨) قوله: (بطَلَبِها، أو تَفسَخُ بأمرِه) أي: الحاكِم، للاختلافِ فيه [¬٤]، كالفَسخِ للعُنَّةِ وتوقُّفِه على طَلبِها؛ لأنه لِحقِّها. فإن فَرَّق بينَهما، فهو فَسخٌ لا رجعةَ
стр. 1813
وإنِ امْتَنَعَ المُوسِرُ مِنَ النَّفَقَةِ، أو الكِسْوَةِ (١)، وقَدَرَتْ عَلَى مَالِهِ (٢): فلَهَا الأخْذُ مِنْهُ (٣) بلا إذْنِهِ، بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا وكِفَايَةِ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ (٤).
فيه، كتفريقِه [¬١] للعُنَّةِ. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وإن امتنَعَ المُوسِرُ منَ النَّفقَةِ .. إلخ) الظاهِرُ: أنه لا مفهُومَ له، بل كذلِكَ لو مَنعَ المتوسطُ أو الفقيرُ ما وَجَبَ عليه أو بعضَه، وقدَرَت له على مال، أخذَت كفايتَها وكفايةَ ولدِها. فلو أسقطَ لفظةَ «مُوسِر» لكانَ أشملَ. واللَّه أعلم. ثم رأيتُ للشهابِ الفتوحيِّ ما يوافقُ ما ذكرتُه، وهو ما نصَّهُ عندَ قولِ «المحرر»: فإذ مَنع الموسِرُ؛ الظاهر أنَّ المرادَ به هنا القادرُ على النفقةِ، لا الذي في مقابَلةِ الفَقيرِ. قاله شيخُنا عثمان [¬٣].
(٢) قوله: (وقدُرَت علَى) أخذِ ذلِكَ من (مالِه) ولو من غَيرِ جنسِ الوَاجِب، كالدراهم. ح ف.
(٣) قوله: (فلها الأَخذُ منهُ) أي: من مالِ الزَّوجِ.
(٤) قوله: (بلا إذنِه) كِفايَتها وكفايةَ ولدِها وخادِمِها بالمَعروفِ. وإن لم تَقدِر على أخذِ كفايَتِها وكفايةِ ولدِها من مالِه، أجبرهُ الحاكِمُ إذا رفَعَت أمرَها إليه، على كفايتِها وكفايةِ ولدِها بالمعَروفِ؛ لأن ذلكَ واجبٌ عليه. فإن أبى الزوجُ ذلك، حبسَه الحاكمُ. فإن صبرَ على الحَبس، وقَدَرَ الحَاكِمُ على مالِه، أنفَقَ منه علَيها وعلى مَنْ وجَبَت له النفقةُ؛ لأنها حقٌّ واجبٌ عليه. فإن
стр. 1814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَقدِرِ الحَاكِمُ له على مالٍ يأخذُه، أو يقدِر الحاكِمُ على النفقَةِ من [¬١] مالِ الغَائبِ، ولم يَجد الحَاكِمُ إلَّا عُروضًا أو عقارًا، باعَه وأنفقَ منه، فيدفَعُ الحَاكِمُ إليها نفقَةَ يومٍ بيومٍ. فإن تعذر ذلك عليها؛ بأن لم يكن نَقدٌ ولا عُروضٌ، ولا عقارٌ، فلها الفسخُ؛ لتعذرِ الإنفاقِ عليها من مالِه، كحَالِ الإعسَارِ، بل هذا أولَى بالفَسخِ. ولو فَسخَ الحَاكمُ نِكاحَ الزوجَةِ؛ لفَقدِ مَالٍ لزَوجِها الغائبِ يُنفقُ منه، ثم تبيَّن له مالٌ، قال ابن نصر اللَّه في «حواشي القواعد الفقهية»: الظاهرُ صحةُ الفسخِ وعدَمُ نقضِه؛ لأن نفقَتها إنما تتعلَّق بما قُدِرَ عليه من مالِ زَوجِها، وأما ما كانَ غائبًا عنها لا عِلمَ لها به، فلا تكلَّف الصبرَ لاحتمالِه، ولا تشبه مسألةَ المتيمِّمِ [¬٢] إذا نَسيَ المَاءَ في رحلهِ؛ لأنَّ الماءَ في قَبضةِ يدِه، ونسيانُه لا يخلُو من تَقصيرٍ وتَفريطٍ، بخلاف هذه، ولم أجد في المسألةِ نقلًا. انتهى. ع ب [¬٣].
стр. 1815
بابُ نَفَقَةِ الأقَارِبِ، والمَمَالِيكِ (١)
يَجِبُ علَى القَرِيبِ (٢): نَفَقَةُ أقَارِبِهِ، وكِسْوتُهُم، وسُكْنَاهُمْ، بالمَعْرُوفِ، بثَلاثةِ شُرُوطٍ:
بابُ نفقَةِ الأقَاربِ والمَمَالِيكِ
قدَّمَ الأصحابُ نفقةَ الزوجَاتِ؛ لأنها مُعاوضَةٌ، وكذلِكَ فعلُوا في بابِ زكاةِ الفِطرِ، إلا أنَّهم هُناكَ جعلُوا بعدَها العبدَ، وقدَّموا هنا الأقاربَ؛ لشرَفِهم. والمرادُ بالأقارِبِ: مَنْ يرثُه المنفِقُ بفرضٍ أو تَعصيبٍ، فيدخُلُ فيهم العتيقُ. واعلم: أنَّ شروطَ نفقَةِ القَريبِ ثَلاثةٌ، كما ذكره المصنف:
أن يكونَ المنفَقُ عليه فَقيرًا لا مالَ له ولا كَسبَ. وأن يكونَ مُنفِقٌ يجدُ ما يفضُلُ عن نفقتِه، ونفقةِ زَوجتِه ورقيقِه، يومَه وليلتَه. وأن يكونَ المنفِقُ وارثًا لمنفَقٍ عليه بفَرضٍ أو تعصيبٍ إن كان من غيرِ عمودَي نسبِه. أمَّا هُما فتجبُ لهما، ولو من ذوي الأرحامِ [¬١]. وهذا الشرطُ، أعني: كونَ المنفِقِ وارِثًا، يُغنِي عن اتحادِ الدِّينِ؛ لأنه حيث ثبتَ الإرثُ ثبتَ الإنفاقُ، ولو مع الاختلافِ. عثمان [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (والمَمَالِيكِ) من الآدميِّين والبَهائِم.
(٢) قوله: (يَجِبُ على القَريبِ .. إلخ) وأجمعوا على وجوبِ [¬٣] نفقَةِ الوالِدَين
стр. 1816
الأوَّلُ: أنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ، لا مَالَ لَهُمْ، ولا كَسْبَ (١).
الثانِي: أنْ يَكونَ المُنْفِقُ غَنِيًّا؛ إمَّا بِمَالِهِ أوْ كَسْبِه. وأنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ (٢) وزَوْجَتِه (٣) ورَقِيقِهِ (٤)،
والمولُودين؛ لقولِه تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسرَاء: ٢٣]. ومن الإحسانِ الإنفاقُ عليهما عندَ حاجتِهما، وحديثِ هندٍ: «خُذِي ما يَكفِيكِ وولَدَكِ بالمَعرُوفِ». متفق عليه [¬١]، ولأن ولَدَ الإنسانِ بعضُه، وهو بعضُ والدِه، فكما يجبُ عليه أن ينفقَ على نفسِه وأهلِه فكذلِك على بَعضِه وأهلِه. م ص [¬٢].
(١) قوله: (أنْ يَكُونُوا .. إلخ) أي: الأقاربُ المنفَقُ عليهِم فُقراءَ؛ لأنَّ النفقَةَ إنما تجبُ على سَبيلِ المُواسَاةِ، والغَنيُّ يَملِكُه، والقَادِرُ بالتكسُّبِ مُستغنٍ عنها. وشَرطُه الحريةُ، فمتَى كان أحدُهما رَقيقًا، فلا نفقةَ. فإن كانُوا مُوسِرينَ بمالٍ أو كَسبٍ يكفيهِم، فلا نفقةَ لهم؛ لفقدِ شَرطِه، فإن لم يكفِهم ذلكَ، وجبَ إكمالُها. ع ب [¬٣].
(٢) قوله: (وأن يفضُلَ عن قُوتِ نَفسِهِ) أي: المنفِق.
(٣) قوله: (وزَوجَتِهِ) أي: ويفضُلَ عن قوتِ زَوجتِه.
(٤) قوله: (ورَقيقِه) أي: ويفضلَ عن قوتِ رَقيقِه، من حاصِلٍ أي: مما يحصُلُ له في كلِّ يومٍ من الكَسبِ أو متحصِّلٍ، أي: من مُتجمِّدٍ من الكَسبِ، من صناعةٍ أو تجارةٍ، أو ريعِ وقفٍ، ونحو ذلك، إذا كانَ ذلك حلالًا فيهما.
стр. 1817
يَوْمَهُ ولَيْلَتَه (١).
الثالِثُ: أنْ يَكونَ وَارِثًا لَهُمْ بفَرْضٍ (٢) أوْ تَعصِيبٍ (٣)،
فإن لم يفضُل عندَه عمَّن ذُكِرَ شيءٌ، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ وجوبَ النفقَةِ على سبيلِ المواسَاةِ، وهي لا تَجبُ مع الحَاجَةِ.
ولا تجبُ على قَريبٍ من رأسِ مالِ التجارَةِ، ولا تجبُ النفقةُ من ثَمنِ ملكٍ، ولا من ثمنِ آلةِ عملٍ، فلا يلزمه بيعُ ذلك والإنفاقُ عليه منه؛ إذ ربما أفنتهُ النفقةُ، فيحصُلُ له الضررُ، وهو ممنوعٌ شرعًا. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (يومَهُ وليلَتَهُ) ظرفان لقوله: «وأن يفضُلَ».
(٢) قوله: (وارِثًا لهم بفَرضٍ) كأخٍ من أمٍّ.
(٣) قوله: (أو تَعصِيبٍ) كأخٍ وعمٍّ لغيرِ أمٍّ. أي: لا برَحِمٍ؛ كخالٍ، مما سِوَى عمودَي نَسبِه، سواء ورِثَه الآخرُ من تَجبُ له النفقةُ، كأخٍ للغَني أو لا، كعمةٍ وعتيقٍ، فإنَّ العمةَ لا ترثُ من ابنِ أخيها بفَرضٍ ولا تَعصيبٍ. وكذا العتيقُ لا يرثُ مولاهُ، وهو يرثُه، فتجبُ النفقةُ على الوارِثِ دونَ العتيقِ. قال في «المبدع»: ظاهرُ المذهَب: أن النفقةَ تجبُ على كلِّ وارِثٍ لمورِّثِه بشرطِ إرثِ المنفِقِ وغناه وفَقرِ المُنفَقِ عَليه. وقال أيضًا: وشرطُه الحريَّةُ، فمتَى كانَ أحدُهما رقيقًا، فلا نفقةَ. وقال في «المستوعب»: فإن اجتمعَ أخوانِ، أحدُهما حرٌّ، وبعضُ الأخرِ حرٌّ وبعضُه رقيقٌ، فعلَى كلِّ واحدٍ منهُما من النفقَةِ بقدرِ ميراثِه منه؛ لأنَّ مَنْ بعضُه رقيقٌ يَرثُ بقَدرِ ما فيه من الحريَّةِ. ح ف.
стр. 1818
إلَّا: الأُصُولَ والفُرُوعَ (١)، فتَجِبُ لَهُمْ (٢) وعَلَيْهِم مُطلَقًا (٣).
وإذَا كانَ للفَقِيرِ وَرَثَةٌ دُونَ الأَبِ: فنَفَقَتُه علَى قَدْرِ إرْثِهِم (٤).
(١) قوله: (إلَّا الأُصولَ والفُرُوعَ) وهما عَمودَي نسبِه، الوالدَين والأولاد.
(٢) قوله: (فتجبُ) النفقةُ (لهُم).
(٣) قوله: (مُطلقًا) سواء ورِثَ المنفِقُ من عَمودَي نسبِه بفرضٍ أو تَعصيبٍ أو لا، حتَّى ذي الرَّحمِ منهم، حجَبَهُ مُعسِرٌ أو لا، يعني: أنه لا فَرقَ في وجوبِ النفقَةِ على عَمودَي النسبِ بينَ كونِ مَنْ تَجبُ عليه مِنهم وارِثًا في الحَالِ، أو مَحجُوبًا بوارِثٍ مُعسرٍ، ولهذا صرَّحوا بوجُوبها على جدٍ موسرٍ معَ فقرِ أبٍ، وجدَّةٍ موسِرةٍ مع فقرِ أمٍّ، بخلافِ ما إذا كانَ مِنْ غَيرِ عَمودَي النَّسَبِ، فإنها لا تَجبُ عليه إلا إذا كانَ وارِثًا في الحَالِ، فلا تجبُ عليه إن كان [¬١] محجُوبًا بغيرِه، ولو معَ فقرِ الحاجِب وغِنى المَحجُوبِ، فلو كانَ له ابنٌ فقيرٌ وأخٌ موسِرٌ، فلا نفقَةَ على واحدٍ منهُما. ح ف.
(٤) قوله: (فنفَقتُه على قَدرِ إرثِهم) منه. أي: المنفَقِ عَليه؛ لأنه تعالى رتَّبَ النفقةَ على الإرث، والأبُ الغنيُّ ينفرِدُ بنفقَةِ ولَدِه. فمن له جدٌّ وأخٌ لغيرِ أمٍّ، النفقةُ بينهُما سواءٌ؛ لأنَّهما يرثانِه كذلِكَ تَعصيبًا، أو له أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ، فالنفقةُ عليه بينَهما سواء؛ لأنَّهما يرِثانِه كذلِكَ فرضًا وردًا. ومَنْ له أمٌّ وجدٌّ، النفقةُ عليهما أثلاثًا، أو له ابنٌ وبنتٌ، النفقةُ عَليهِمَا أثلاثًا، كإرثِهمَا له. ومن له أمٌّ وبنتٌ، النفقةُ عليهِمَا أرباعًا، ربُعُها على الأمِّ وباقيها على البنتِ؛ لأنهما يَرِثانِه كذلِكَ فَرضًا وردًا، أو له جدةٌ وبنتٌ، فنفقتُه عليهِما أرباعًا، كإرثِهما
стр. 1819
ولا يَلْزَمُ المُوسِرَ مِنْهُم مَعَ فَقْرِ الآخَرِ سِوَى قَدْرِ إرْثِه (١).
ومَن قَدَرَ علَى الكَسْبِ (٢): أُجْبِرَ (٣) لِنَفَقَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (٤)، مِنْ
له كذلِكَ فرضًا ورَدًا. ومن له جدَّةٌ وعاصِبٌ غَيرُ أبٍ، كابنٍ وأخٍ وعمٍّ، فنفقتُه عليهِما أسداسًا، سدسُها على الجدَّةِ وباقيها على العاصِبِ؛ لأنهما يرِثَانِه كذلك. وعلى هذا العمل حسابُها؛ لأنها تابعةٌ للإرثِ.
(١) قوله: (ولا يَلزَمُ المُوسِرَ … إلخ) أي: ومن له ورثَةٌ بعضُهم مُوسِرٌ وبعضُهم مُعسِرٌ كأَخوين موسرٌ والآخرُ معسِرٌ، لا يلزمُ المُوسِرَ منهم مَعَ فقرِ الآخر سِوى قَدرِ إرثِه فَقَط؛ لأنه إنما يَجِبُ عليه مع يسارِ الآخَرِ ذلِكَ القَدرُ، فلا يتحمَّلُ عن غيرِه إذا لم يَجد الغَيرُ ما يجِبُ عليه، إذا لم يَكُنْ مِنْ عَمودَي النَّسَبِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ومَنْ قَدَرَ على الكَسبِ) بحيثُ يفضُلُ عن كَسبِه ما ينفقُه على قَريبِه.
(٣) قوله: (أُجبِرَ) على التكسُّبِ.
(٤) قوله: (لنفَقَةِ مَنْ تَجِبُ .. إلخ) لأنَّ تركَه مع قُدرتِه عليه [تضييعٌ لمَن يَعولُ، وهو منهيٌّ عنه بقولِه ﷺ : «كفى بالمَرءِ] [¬٢] إثمًا أن يضيِّعَ مَنْ يَعول» [¬٣]. م ص [¬٤] وإيضاح.
стр. 1820
قَرِيبٍ وزَوْجَةٍ.
ومَن لَمْ يَجِدْ مَا يَكْفِي الجَمِيعَ: بَدَأَ بِنَفْسِهِ (١)، فزَوْجَتِهِ (٢)، فَرَقِيقِهِ (٣)، فَوَلَدِه (٤)، فأَبِيهِ (٥)، فأُمِّه (٦)، فوَلَدِ ابْنِهِ، فجَدِّهِ (٧)، فأخِيهِ، ثُمَّ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ.
(١) قوله: (بدَأَ بنَفسِهِ) لقوله ﵇: «ابدَأ بنَفسِكَ» [¬١].
(٢) قوله: (فَزوجَتِهِ) لأنَّ نفقتَها معاوضةٌ، فقُدِّمت على ما وَجَب مُواسَاةً [¬٢]، ولذلِكَ تَجِبُ مع يَسارِهمَا وإعسَارِهِمَا، بخلافِ نفقَةِ القَريبِ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (فرَقيقِهِ) الفاءُ للتعقِيبِ في التَّرتيبِ. لوُجُوبِها مع اليَسارِ والإعسَارِ.
(٤) قوله: (فوَلدِه) لوجُوبِ نفقَتِه بالنَّصِّ.
(٥) قوله: (فأَبيهِ) لانفِرادِه بالولايةِ واستحقَاقِ الأَخذِ من مالِ وَلدِه، وقد أضَافَه إليه ﵇ بقولِه: «أنتَ ومالُك لأَبيكَ» [¬٤]. م ص [¬٥].
(٦) قوله: (فأُمِّهِ) لأنها تُدلِي إليه بلا واسِطَةٍ، ولها فَضيلةُ الحَملِ والرَّضَاعِ والتَّربيةِ.
(٧) قوله: (فجَدِّه) لأن له مزيةَ الولادةِ والأبوَّةِ. م ص [¬٦].
стр. 1821
ولِمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ: أنْ يَأخُذَ مِنْ مالِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْه بِلا إذْنِهِ، إنْ امْتَنَعَ (١).
وحَيْثُ امتَنَع مِنْهَا (٢) زَوْجٌ أوْ قَرِيبٌ، وأنْفَقَ أجْنَبِيٌّ (٣) بنِيَّةِ الرُّجُوعِ: رَجَعَ (٤).
وَلا نَفَقَةَ: مَعَ اخْتِلافِ الدِّينِ (٥)، إلَّا: بِالوَلاءِ (٦).
(١) قوله: (إن امتَنَعَ) من دَفعِهَا، كما يجوزُ لزوجَةٍ الأخذُ من مالِ زَوجِها إذا مَنَعَها النفقةَ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وحَيثُ امتنَعَ مِنها) أي: النفقَةِ.
(٣) قوله: (وأنفَقَ) عليها (أجنبيٌّ).
(٤) قوله: (رَجَعَ) لأنَّ الامتناعَ قد يكونُ لضعفِ مَنْ وَجَبَت له، وقُوَّةِ مَنْ وجَبَت عَليه، فلو لَمْ يملِك المُنفِقُ الرجوعَ، لضَاعَ الضعيفُ، م ص [¬٢].
(٥) قوله: (ولا نفقَةَ مَعَ اختِلافِ الدِّينِ) بقَرابةٍ، ولو من عَمودَي نَسبٍ؛ لأنَّهما لا [¬٣] يتَوارَثانِ إذَن. م ص [¬٤].
(٦) قوله: (إلَّا بالوَلاءِ) فتجبُ للعَتيقِ على مُعتِقِه بشَرطِه، وإن باينَه في الدِّينِ؛ لأنه يَرِثُه مع ذلِكَ، فَدخَل في عُمومِ قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. فإن ماتَ مولاهُ، فالنفقَةُ على وارِثِه من عَصبَةِ مَولاه. م ص [¬٥].
стр. 1822
فَصْلٌ
وعَلَى السَّيِّدِ: نَفَقَةُ مَمْلُوكِهِ (١)، وكِسْوتُهُ (٢)، ومَسْكَنُه، وتَزْوِيجُه إنْ طَلَبَ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (وعَلَى السيِّدِ نفقَةُ مملُوكِه) أي: تلزمُ السيدَ من مالِه إن لم يكُن للرَّقيقِ كسبٌ، وتَمامُها إن كانَ لا يَكفيه، وله أن يجعَلَها من الكَسبِ، وأن ينفقَ عليه من مالِه، ويأخذَ كسبَه. ولا فرقَ في ذلك بين القِنِّ والمُدبَّرِ والمعلَّقِ عتقُه بصفَةٍ، ولو آبِقًا، أو مَريضًا، أو كانَ أمةً ناشِزًا؛ بأن امتنَعَت من تَمكِينِ سَيدِهَا من الوَطءِ ونَحوه، طعامًا من غالِب قُوتِ البلَدِ، سواء كانَ قُوتُ سيدِه دونَه، أو فوقَه [¬١]، أو مثلَه. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (وكِسوَتُه) أي: وتلزمُ السيدَ كِسوتُه مطَلقًا، غَنيًا كان المَالِكُ، أو فقيرًا، أو مُتوسطًا، من غالِب كِسوَةِ أمثالِه من العَبيدِ بذلِكَ البلَد. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وتَزويجُه [¬٣] إنْ طلَبَ) أي: ويلزمُ السيدَ تزويجُه، ذَكرًا أو أنثى، إن طَلَبَ؛ لقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النُّور: ٣٢]. ولِدُعاءِ الحَاجَةِ إلى النكاحِ غالبًا، وكالمحجُورِ عليه لِسَفهٍ، ولأنه يُخافُ من تَركِ إعفافِه الوقوعُ في المَحظُورِ، بخلافِ
стр. 1823
ولَهُ: أن يُسافِرَ بِعَبدِه المُزَوَّجِ، وأنْ يَسْتَخْدِمَه نَهارًا.
وعلَيْه: إعْفَافُ أَمَتِهِ (١)، إمَّا بِوَطْئِهَا (٢)، أوْ تَزْوِيجِهَا، أوْ بَيْعِهَا (٣).
طلَبِ الحَلوَى. م ص [¬١].
(١) قوله: (وعليه إعفَافُ أَمَتِهِ) أي: ويلزمُ السيدَ إعفافُ أمتِه إنْ طلبتهُ.
(٢) قوله: (إما بوَطئِهَا) تفصيلٌ للإعفَافِ، أي: يفضِّلُها [¬٢] باستمتاعِه بها، ولو كانَت مكاتبةً بشَرطِه؛ بأنْ كاتَبَها بشَرطِ أنْ يطأَهَا زمنَ كِتابتِهَا؛ لأنَّ القَصدَ قَضاءُ الحَاجةِ وإزالةُ دَفعِ ضَررِ الشهوَةِ، وذلكَ حاصِلٌ باستِمتَاعِه بها. وتُصدَّقُ أمةٌ طلَبَت تَزويجَها، وادَّعَى سيدُها أنه يَطؤُها، في أنه لم يَطأ؛ لأنه الأَصلُ، ويَجِبُ خِتانُ مَنْ لم يَكُنْ مَختُونًا مِنهُم. «منتهى وشرحه الصغير» [¬٣].
(٣) قوله: (أو تَزوِيجِها أو بَيِعهَا) أي: ويلزمُ السيدَ؛ إزالةً لضَررِ الشَّهوةِ عنها. ويزوِّجُ أمةَ صَبيٍّ أو مَجنُونٍ مَنْ يَلي مالَه، إذا طلَبتهُ.
وإن غابَ سيدٌ عن أمِّ ولدِه غيبةً منقطِعةً لا تُقطعُ إلَّا بكُلفَةٍ ومَشقَّةٍ، زُوِّجَت لحاجةِ نفقَةٍ أو وَطءٍ. فإن امتنعَ سيدُها مما يَجبُ لرقيقِه عليه من نَفقَةٍ وكِسوَةٍ وإعفافٍ، وجبَ عليه إزالةُ ملكهِ عنه ببيعٍ أو هبةٍ أو عِتقٍ ونحوِها، بطلبِهَا، كفُرقَةِ زوجةٍ امتنَعَ مِنْ مَالَهَا عليه؛ إزالةً للضَّررِ. وفي الخبرِ: عبدُك يقولُ: أطعِمنِي وإلَّا فَبعنيِ، وامرأتُك تَقولُ: أطعِمنِي أو طلِّقنِي [¬٤]. م ص [¬٥].
стр. 1824
ويَحْرُمُ: أنْ يَضْرِبَهُ علَى وَجْهِهِ (١). أوْ يَشْتِمَ أبَوَيْه، ولَوْ كَافِرَيْنِ (٢). أوْ يُكَلِّفَه مَنْ العَمَلِ مَا لا يُطِيقُ (٣).
(١) قوله: (ويَحرُمُ أن يَضرِبَهُ على وَجهِهِ) لقولِه ﵇: «اتَّقوا الوَجهَ» [¬١].
(٢) قوله: (أو يَشتِمَ أَبوَيه) أي: الرقيق (ولو كَافِرَين)، ومن بابِ أولَى: المُسلمَين، قال الإمامُ أحمد: لا يُعوِّدُ لِسَانَه الخَنَا [¬٢] والرَّدَى، ولا يَدخلُ الجنَّةَ سَيئُ المَلَكَةِ، وهو الذي يُسيءُ إلى ممالِيكِه.
قال المصنف [¬٣]: ويتجهُ تحريمُ لَعْنِ الحَجَّاجِ، ويَزِيدَ، وقواعِدُ الشريعَةِ تَقتَضِيه. ثم رأيتُه نَصَّ الإمام، وعليه الأصحابُ، خِلافًا لابن الجوزي وجَماعةٍ. نقلَهُ الوالد.
(٣) قوله: (أو يُكَلِّفَهُ من العَمَلِ) أي: ويحرمُ على السيِّدِ أن يكلِّفَهُ، أي: الرَّقيقَ، من العَمل المُشِقِّ؛ لحَديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «إخوانُكُم خَولُكم، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمَن كان أخوه تحت يده، فليطعمه ما يأكل، وليلِبسْهُ ممَّا يلبَس، ولا تكلِّفوهُم ما يَغلِبهم، فإن كلفتُموهم، فأعينُوهم عليه». متفق عليه [¬٤]. م ص [¬٥].
стр. 1825
ويَجِبُ: أنْ يُرِيحَه وَقْتَ القَيْلُولَةِ (١)، ووَقْتَ النَّوْمِ (٢) والصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ (٣).
وتُسَنُّ: مُدَاوَاتُهُ (٤) إنْ مَرِضَ، وأنْ يُطْعِمَهُ مِنْ طَعَامِهِ (٥). ولَهُ: تَقْيِيدُهُ إنْ خَافَ عَلَيْه (٦)،
(١) قوله: (وقتَ القَيلُولَةِ) وهو وقتُ الظَّهيرَةِ. وقال أبو المعَالِي: لا يحلُّ أن يُتعِبَ دابتَه أو نفسَه، إلَّا لغَرضٍ صَحيحٍ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ووَقتَ النَّومِ) أي: ويجبُ على السيدِ أن يُريحَ عبدَه وقتَ النَّومِ.
(٣) قوله: (والصَّلاةِ المَفرُوضَةِ) أي: ويجبُ على السيدِ أن يُريحَ مملوكَه وقتَ الصلاةِ، بجرِّ [¬٢] «الصلاة»؛ لأنها مُضافٌ إليه، وحَذفُ المضافِ المذكورِ قبلَه دليلٌ عليه.
(٤) قوله: (وتُسَنُّ مُداواتُه) أي: المَملوك. قاله في «التنقيح». قال في «الفروع»: وظاهرُ كلامِ جَماعةٍ: يُستحبُّ، وهو أظهر. وقال في «الإنصاف»: قلتُ: المذهبُ؛ أنَّ تَرْكَ الدَّواءِ أفضلُ. ووجوبُ المُداوَاةِ قَولٌ ضَعيفٌ. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (وأن يُطِعِمَهُ) أي: ويسنُّ أن يُطعِمَ المَملُوكَ (مِنْ طَعَامِهِ) وإلباسُه من لِباسِه.
(٦) قوله: (وله تَقييدُه إنْ خَافَ عَليهِ) أي: ولسيِّدِ رَقيقٍ أن يُقيِّدَه إنْ خَافَ عليه