ذَكَرًا كَانَ أوْ أُنْثَى (١)، فَدِيَتُهُ: غُرَّةٌ (٢)، قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ (٣)،
أو الحريةُ فيه. ح ف.
(١) قوله: (ذكَرًا كانَ أو أُنثَى) تعميمٌ للجنَين؛ لأنه ﵇ قضَى في الجَنين بغرَّةٍ، وهو يُطلَق على الذكَرِ والأنثى؛ لأنَّ المرأةَ تُساوي الذكَرَ فيما دُونَ ثلثِ الديةِ. ح ف.
(٢) قوله: (فَديتُه غُرَّةٌ) ولو ألقَت بالضَّربِ ونَحوِه أجنةً، ففي كُلِّ واحدٍ منهم غُرَّةٌ، ولو ألقتهُم أحياءً لوقتٍ [¬١] يعيشونَ لمِثلِه ثمَّ ماتوا، ففي كلِّ واحدٍ منهم ديةٌ كامِلَةٌ. ولو ألقَت رأسَين أو أربعَ أيدٍ، لم يَجب أكثَرُ من غُرّةٍ؛ لأنه يجوزُ أن يكونَ مِنْ جنينٍ واحدٍ، وما زادَ مشكوكٌ فيه. وإن ضربَها فألقَت يدًا، ثم ألقَت جَنينًا، فإن كان إلقاؤهُما متقارِبًا، وبقيَت المرأةُ متألمةً إلى أن ألقته، دخَلَت اليدُ في ضمانِ الجنين، ثم إن كان سَقَطَ ميتًا، أو حيًّا لوقتٍ لا يعيشُ لمثلِه، ففيه غرةٌ، وإلا فديةٌ كاملةٌ. وإن بقيَ حيًّا لم يَمت، فعلى الضاربِ ضمانُ اليدِ بديَتها. وإن ألقت اليدَ وزالَ الألمُ، ثم ألقَت الجَنينَ، ضَمِنَ اليدَ وحدَها، ثم إن ألقَته ميتًا، أو حيًّا لوقتٍ لا يعيشُ لمثلِه، ففي اليدِ نِصفُ غرَّةٍ. وإن ألقَته حيًّا لوقتٍ يعيشُ لمثلِه، ثم ماتَ، أو عاشَ، وكانَ بينَ إلقاءِ [¬٢] اليدِ وإلقائِه مدَّةٌ يُحتَملُ أن تكونَ الحياةُ لم تُخْلَق فيه قبلَها، أُريَ القَوابلَ، فإن قُلنَ: إنها يدُ مَنْ لم تُخلَق فيه الحياةُ، أو يدُ من خُلِقَت فيه ولم يَمضِ له ستةُ أشهُرٍ، أو أشكَلَ عليهنَّ، وجَبَ نِصفُ غُرَّةٍ. ح ف.
(٣) قوله: (قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ) صفةٌ ل «غرة». وذلِكَ نِصفُ عُشرِ الديةِ، روي
стр. 1892
وهِي خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ (١).
والغُرَّةُ: هِي عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ (٢). وتَتَعَدَّدُ الغُرَّةُ: بتَعَدُّدِ الجَنينِ.
ذلك عن عمرَ وزيدٍ [¬١]. لأنه أقلُّ ما قدَّره الشرعُ في الجِنايةِ، وهو أَرشُ الموضِحَةِ، وأما الأنمُلةُ، فمقدَارُها ثبتَ بالحِسَابِ من ديةِ الإصبعِ. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وهِيَ خَمسٌ من الإبِلِ) ظاهرُه: يتعينُ التَّقويمُ بذلِكِ. وليس كذلِكَ إلَّا على القولِ بأنَّ الإبلَ أصلٌ في الدِّيةِ، كما هو اختيارُ الخِرقي. والمذهَبُ: أن الخَمسةَ المتقدِّمَ ذكرُها أصولٌ. قال ابن ظهيرة في «شرح الوجيز»: والتقويمُ يكونُ بواحِدِ من الخَمسَةِ، على اختيارِ المصنفِ والجُمهورِ، وذلك راجعٌ إلى اختيارِ الجانِي، كما له الاختيارُ في دفعِ أيِّ الأصولِ شاءَ إذا كانَ موجِبُ جنايتِه ديةٌ كامِلَةٌ. فعلَى هذا أنَّ قيمتَها عُشرُ ديةِ أمِّه، يقوِّمها الجَانِي بأيِّ الأصولِ الخمسَةِ شاءَ، واعلم أنهم لم يذكُروا من الإبلِ التي تقوَّم بها الغرَّةُ، والظاهِرُ أنه في العَمدِ وشِبهِه تقوَّمُ بالخَمسَةِ من الأربعَةِ أنواعٍ المتقدِّمةِ في كامِل الدِّيةِ، وفي الخَطأ بأربَعةٍ منها، والخامِسُ ابنُ مخاضٍ، فسكتُوا عن التعيينِ؛ اكتفاءً بما في أصلِ الديةِ. ح ف.
(٢) قوله: (عَبدٌ أو أَمَةٌ) بدلٌ من «غرة» وأصلُها الخيارُ. سُمِّي بها العبد والأمة؛ لأنهما من أنفسِ الأموالِ. ووجهُ وجوبِ الغرةِ في الجنين: حديث أبي هريرة
стр. 1893
ودِيَةُ الجَنِينِ الرَّقِيقِ: عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ (١).
قال: اقتتلَت امرأتانِ من هُذيلٍ، فرَمت إحداهُما الأخرَى بحَجَرٍ، فقتلَها وما في بطنِها، فاختصمُوا إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقَضَى أنَّ ديةَ جنينِها عبدٌ أو أمةٌ، وقَضَى بديةِ المرَأةِ على عاقِلتِها، وورِثَها ولدُها ومَنْ معهُ. متفق عليه [¬١]. مورُوثَةٌ عن الجَنينِ، كأنه سَقَطَ حيًّا ثم ماتَ؛ لأنها بدلُه، ولأنها ديةُ آدميٍّ حرٍّ فوجبت أن تُورَث عنه كسائرِ الدياتِ. فلا حقَّ فيها لقاتِلٍ؛ لأنه لا يرثُ المقتولَ، ولا لكامِلِ رِقٍّ؛ لأنه مانِعٌ للإرثِ، ويَرِثُ المبعَّضُ منها بقَدرِ حريَّتهِ، كَغيرَهَا. ويرثُ الغرَّةَ عصبةُ سيدٍ قاتِلٍ جنينَ أمتِه الحرَّ، كأن ضربَ بطنَ أمِّ ولدِه فأسقَطَت ولدَها منه، فلا يرِثُه هو؛ لأنه قاتِلٌ، ويرثُه من عَدَاهُ من وَرَثَتِه. ولا يُقبَلُ في الغرَّةِ خَصِيٌّ ونحُوه، كخُنثَى. ولا يُقبَلُ فيها مَعِيبٌ عيبًا يُردُّ به في بَيعٍ، كأعورَ ومكاتَبٍ، وكالزكاةِ، ولا مَنْ له دُونَ سبعِ سِنينَ؛ لأنه لا يَحصُلُ به المقصُودُ من الخِدمَةِ. وإن أعوَزَتِ الغُّرةُ، فالواجِبُ قيمتُها من أصلِ الديةِ، وهي الأصنافُ الخمسةُ من أيها شاءَ الجانِي. «منتهى وشرحه» [¬٢].
(١) قوله: (ودِيَةُ الجَنينِ الرَّقيقِ) ولو أُنثى (عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ) كما لو جَنَى عليها موضِحَةً. وإن كانَ الجنينُ قِنًّا وأمُّه حرَّةً؛ بأنْ أعتَقَها سيدُها واستثناه فتقدَّر أمُّه الحرَّةُ أمةً، ويؤخَذُ عُشرُ قيمتِها يومَ جنايةٍ عليها نقدًا، كسائِرِ أرشِ الأموال. م ص [¬٣] وزيادة.
стр. 1894
وَدِيَةُ الجَنِينِ المَحْكُومِ بكُفْرِهِ (١): غُرَّةٌ، قِيمتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ (٢).
وإِنْ ألْقَتِ الْجَنِينَ حَيًّا (٣) لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وهُوَ نِصْفُ سَنَةٍ فَصَاعِدًا (٤): فَفِيهِ مَا في الحَيِّ (٥).
(١) قوله: (ودِيَةُ الجَنينِ المَحكُومِ بكُفْرِهِ) أي: وليسَ أحدُ أبويه أشرفَ دِينًا من الآخرَ، كأن كانَ من ذمِّيينِ كتابيَّينِ [¬١] أو مَجوسيَّينِ، أو كانَ من وثنيَّين غَيرِ حربيَّين. أما لو كانَ محكُومًا بإسلامِه، فتقدَّم حكمُها. ولو كانَ من ذميَّةٍ، فوَطِئَها مسلمٌ وذميٌّ في طُهرٍ واحِدٍ، وجَبَ فيه ما فِي جَنينِ الذميِّ، فإن أُلحِقَ بعد ذلِكَ بالمُسلِم، فعليه تَمامُ الغرَّةِ. ح ف.
(٢) قوله: (غُرَّةٌ قِيمَتُها … إلخ) أي: فإن كانَ من كتابيَّين، قيمتُها سِتمائةِ درهمٍ، وإن كانَ من مجوسيَّين أو وثنيَّين أو غيرِهما من المُشرِكين، قيمتُها أربعونَ دِرهمًا. ح ف.
(٣) قوله: (وإنْ ألقَتِ الجَنينَ حَيًا) ثم ماتَ من الضربَةِ. ح ف.
(٤) قوله: (وهو نِصفُ سَنةٍ فصَاعِدًا) ولو لم يستهلَّ صارخًا، إذا كانَ فيه حياةٌ مستقرَّةٌ. ويُعلَمُ ذلِكَ بنَفَسِهِ، أو ارتضَاعِهِ، أو عطاسِه، ونحو ذلك؛ لأن ذلكَ أدلُّ على الحياةِ من الاستهلالِ، أما مجرَّدُ الحركَةِ والاختِلاجِ فلا يدلَّان [¬٢]؛ لأنَّ ذلك قد يكونُ بخُروجِه من مَضيقٍ، فلم يتيقَّن حياتُه. وعن الإمامِ روايةٌ: أنه لا يثبتُ له هذا الحُكمُ إلَّا إذا استهلَّ. ح ف.
(٥) قوله: (فَفيهِ .. إلخ) أي: من الديةِ إن كانَ حرًا، والقيمَةِ إن كانَ قِنًّا. هذا
стр. 1895
فإنْ كانَ حُرًّا: ففِيهِ دِيَةٌ كامِلَةٌ (١)، وإنْ كَانَ رَقِيقًا: فقِيمَتُهُ. وَإنْ اخْتَلَفَا (٢) في خُرُوجِه حَيًّا أوْ مَيِّتًا (٣): فقَوْلُ الجَانِي (٤).
ويَجِبُ في جَنِينِ الدَّابَّةِ: ما نَقَصَ (٥) مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ.
ظاهِرٌ إن كانَ ممَّا يجبُ به المَالُ. ح ف.
(١) قوله: (ففيهِ دِيَةٌ كامِلَةٌ) لأنه ماتَ بجِنايتِه، أشبهَ ما لو باشَرَ قتلَه.
(٢) قوله: (وإن اختَلَفَا) أي: الجانِي، ووارثُ الجَنين. م ص [¬١].
(٣) قوله: (في خُروجِهِ) أي: الجَنينِ (حيًّا) بأنَ قال الجَاني: سقَطَ ميتًا. ففيه غرَّةٌ. وقال الوارِثُ: بل حيًّا ثم ماتَ، ففيه الدِّيةُ، ولا بيِّنَةَ لواحِدٍ منهُما. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (فقَولُ الجَانِي) بيَمينِه؛ لأنه منكِرٌ لما زادَ عن الغرَّةِ، والأصلُ براءتُه منه، وإن أقاما بينتَينِ بذلِك، قُدِّمَت بينةُ الأم؛ لأنها مثبِتَةٌ، ومعها زِيادةُ عِلمٍ. م ص [¬٣] وزيادة.
(٥) قوله: (ما نَقَصَ) فاعِلُ «يجب»؛ لأن البهيمةَ إنما يجِبُ بالجِنايةِ عليها قَدْرُ نَقصِهَا، فكَذَا في جَنينِها. قال م ص [¬٤]: قال في «القواعد»: وقياسُه: جنينُ الصيدِ في الحرَمِ والإحرَامِ. انتهى.
стр. 1896
فَصْلٌ في دِيَةِ الأَعْضَاءِ
مَنْ أتْلَفَ مَا في الإنْسَانِ مِنْهُ وَاحِدٌ (١)، كالأنْفِ (٢)، واللِّسَانِ (٣)، والذَّكَرِ (٤): فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (٥).
فصلٌ في دِيَةِ الأعضاءِ
(١) قوله: (مَنْ أَتْلَفَ .. إلخ) أي: مَنْ أتْلَفَ ذلكَ خطأً أو شِبْهَ عمدٍ، وكَذَا إذَا كانَ ذلكَ عَمْدًا وعُفِي إلَى الدِّيَةِ. ح ف.
(٢) قوله: (كالأنْفِ) وهُو اسمٌ للمَارِنِ مع القَصَبةِ، فلَو قطَعَه مع القَصَبةِ أو بعضِهَا، فدِيةٌ واحدةٌ، لكن سَيأتِي: إذا قُطِعَ المارِنُ وَحْدَه ففِيهِ الدِّيةُ. ولَو قُطِعَ مع الأنْفِ اللَّحْمُ الذي تَحْتَه، ففِي اللحمِ حكومةٌ مع الدِّيةِ، ولو قُطِع الأنفُ إلا جِلْدةً بَقِي مُعلَّقًا بها، فلم يَلْتحِمْ، واحْتِيجَ إلى قطعِه، ففِيه دِيتُه، وإنْ ردَّه فالتَحَمَ، أو أَبَانَه فرَدَّه فالتَحَم، فحكومةٌ. ح ف.
(٣) قوله: (واللِّسانِ) يَنْطِقُ به كبيرٌ، أو يُحرِّكُه صغيرٌ ببكاءٍ، ففيه دِيةُ نَفْسِه، أي: وهُو مَنْ بلَغ حدًّا يَتكلَّمُ فيه وكانَ يَتكلَّم به. واحتُرِزَ به عن لسانِ الأخْرَسِ وبقَولِه: أو يُحرِّكُه صغيرٌ ببكاءٍ، عمَّا لو بلَغ حدًّا يُحرِّكُه فيه بالبكاءِ ولم يُحرِّكْه، ففِيه حكومةٌ. أمَّا لَو قُطِعَ لسانُ طِفْلٍ لم يتكلَّمْ لطُفولِيَّتِه، ففيه الدِّيةُ أيضًا؛ لأنَّ ظاهِرَه السلامةُ وعدمُ كلامِه لأنَّه لا يُحْسِنُه. ولو قُطِعَ بعضُ اللِّسانِ، فالواجِبُ فيه بعضُ الدِّيةِ بالحسابِ منها. ح ف.
(٤) قوله: (والذَّكَرِ) ولو لصغيرٍ أو شيخٍ.
(٥) قوله: (ففِيه ديةٌ كاملةٌ) أي: دِيَةُ نفسِ المقطوعِ منه. فإنْ كانَ من ذَكَرٍ حرٍّ
стр. 1897
ومَن أتْلَفَ مَا في الإنسانِ مِنْهُ شَيْئانِ (١)، كَاليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ (٢)، والعَيْنَيْنِ (٣)،
مسلمٍ، ففِيه الديةُ، وإنْ كانَ مِنْ حرَّةٍ مسلمةٍ، ففيه دِيتُها، وإنْ كانَ من خُنْثَى مُشْكِلٍ، ففيه دِيتُه، على ما تقدَّم تفصيلُه. انتهَى الوالِدُ.
(١) قوله: (ومَن أتْلَفَ ما فِي الإنْسانِ مِنْه شَيْئانِ) وكذا ما فِيه ثلاثةُ أشياءَ، ففِيها الدِّيةُ، وفِي كلِّ واحدٍ منها ثُلُثُها، كالأنفِ بالنسبةِ إلى المِنْخَرَيْنِ والحاجِزِ بِينَهُما. وما فيه منه أربعةُ أشياءَ، ففيها الدِّيةُ، وفِي كلِّ واحدٍ منها رُبُعُها، كالأجفانِ. وما فيه منه عَشَرةُ أشياءَ، ففيها الديةُ، وفِي أحدِهَا عُشْرُها، كأصابِعِ اليَدِينِ أو الرجليْنِ، وسيأتِي ذلكَ كلُّه في المَتْنِ. ح ف.
(٢) قوله: (كاليَدَيْنِ والرِّجْليْنِ) أي: إنْ كانَا أَصِليتيْنِ وليسَ بهما شَلَلٌ، سواءٌ كانَ القَطْعُ من الكُوعِ، أو المنكبِ، أو مِمَّا بينَهما. وإنْ كانَ قطَعَهما من الكُوعِ، ثم قطَعَهُما من المِرْفَقِ، أو مِمَّا قَبْلَه أو بعدَه، ففِي المقطوعِ ثانيًا حكومةٌ. وإنْ جنَى على يدِه فعوَّجها، أو نقَص قُوَّتَها، أو شَانَها [¬١]، فحكومةٌ. وإنْ كسَرها ثُمَّ انْجَبَرَت مُسْتقيمةً فحكومةٌ لشَيْنِها [¬٢] إن شانَها ذَلِكَ، وإن عادَت معوجَّةً، فالحكومةُ أكثر. وإنْ قالَ الجانِي: أنا أكْسِرُها، ثم أجبُرْها مستقيمةً، لم يمكنْ مِنْ ذلكَ، فإنْ كسَرها تَعدِّيًا، ثم جبَرها فاستقَامت، لم تَسْقُط الحكومةُ التي في اعْوِجاجِها، وفي الكسرِ الثانِي حكومةٌ أخْرَى. وكذا حُكْمُ الرَّجُلِ. ح ف.
(٣) قوله: (والعَينَينِ) ولَوْ مع حَوَلٍ أو عَمَشٍ. قال الأصمعِيُّ: الحَوَلُ في العينِ:
стр. 1898
والأُذُنَيْنِ (١)، والحاجِبَيْنِ، والثَّدْيَيْنِ (٢)، والخُصْيَتَيْنِ (٣)،
أنْ تكونَ كأنَّهَا تَنظُرُ إلى الحَجاجِ بفتحِ المهملةِ بعدَها جيمانِ وهو العَظْمُ الذي يَنبُتُ على الحاجِبِ. وفي العينِ أيضًا القَبَلُ: أن تكونَ كأنَّهَا تَنظُرُ إلى عُرْضِ الأنْفِ، وكلاهُمَا بفتحتيْنِ مصدرُ حَوِلَتْ عَيْنُه تحولُ حوَلًا، وقَبِلَت تقبَل قَبَلًا. والعَمَشُ: هو ضَعْفُ البَصَرِ مع سَيَلانِ الدَّمْعِ في أكثَرِ الأوقاتِ. ح ف وزيادةٌ.
(١) قوله: (والأُذنيْنِ) فَفِيهمَا الدِّيَةُ، وفي أحدِهِما نصفُها، وفي قَطْعِ بعضِ إحدَيْهما قِسْطُه مِنْ الدِّيةِ، يُقَدَّرُ بالأجزاءِ، إلَّا الشَّحْمةَ ففيها حكومةٌ. ح ف.
(٢) قوله: (والثَّدييْنِ) أيْ: ثَدْيَيْ أُنْثى، أيْ إنْ كانَا بِحَلَمَتَيْهِما ولم يَكُونَا أشَلَّيْنِ، وفي أحدِهِما نِصْفُها، وفي الحَلَمَتَيْن الدِّيةُ، وفي إحداهُما نِصْفُها، وإنْ قطَع الثدييْنِ بِحَلَمَتَيْهِما، فديةٌ واحدةٌ. فإنْ حصَل مكانَ قَطْعِهِما جائِفَةٌ، ففيها ثُلُثُ الدِّيةِ مع دِيتِهِمَا، وجائِفَتانِ، فديةٌ وثُلُثانِ. وإنْ جَنَى عليهما فأذْهَبَ لَبَنَهُما فحكومةٌ. وإنْ جنَى عليهما من صغيرةٍ، فوَلَدت فلَمْ يَنْزِلْ لها لَبَنٌ، فإنْ قالَ أهلُ الخِبْرةِ: قَطَعَتْه الجنايةُ، فعلَيْه ما عَلَى مَنْ أذْهَب اللَّبَنَ بعدَ وُجُودِه، وإنْ قالوا: قد يَنْقطِعُ مِنْ غيرِ الجنايةِ، لم يَضْمَنْ. وإنْ نقَص لَبَنُها فحكومةٌ. قال ابنُ نصرِ اللهِ: الثَّدْيُ للرَّجُلِ والمرأةِ، ومنهم مَنْ خصَّه بها. قال النوويُّ: والصوابُ الأوَّلُ، لكنَّ أكثرَ استعمالِه فيها. انتهَى. ح ف.
(٣) قوله: (والخُصيَتينِ) وكذا لو أسَلَّهُما، أو رَضَّهُما. وإن قَطَعَهُما فذَهَب نَسْلُه، فديةٌ واحدةٌ فقط. وتَجِبُ في العَانَةِ الدِّيةُ، فإنْ أخَذَ منها شيئًا من ذَكَرِه أو فَرْجِها، فحكومةٌ مع الدِّيةِ.
стр. 1899
ففِيهِ (١): الدِّيَةُ، وفي أحَدِهِمَا: نِصْفُهَا. وفي الأجْفَانِ الأرْبَعَةِ: الدِّيَةُ (٢)، وفي أحَدِهَا: رُبْعُهَا.
والحُكومةُ: أنْ يَقومَ مَجْنِيٌّ علَيْه كأنَّه قِنٌّ لا جِنايَةَ به، ثُمَّ يُقوَّمُ والجنايةُ به قد بَرِئتْ، فما نقَصَ من القِيمَةِ فللمَجْنِيِّ عليه على جانٍ، كنِسْبتِه من الدِّيةِ.
فيَجِب فيمَن قُوِّمَ لو كانَ قِنًّا صحيحًا بعشرينَ، وقُوِّم لو كانَ قِنًّا مَجْنِيًّا عليه تلكَ الجنايةُ، بتسعةَ عشرَ نصفَ عُشْرِ دِيتِه، أي: المَجْنِيَّ عليه؛ لنَقْصِه بالجنايةِ نصفَ عُشْرِ قِيمتِه لو كانَ قِنًّا، ولو قُوِّم سليمًا بستِّينَ، ثُمَّ مَجْنِيًّا عليه بخمسينَ، ففيه سُدُسُ دِيتِه؛ لنَقْصِه بالجنايةِ سُدُسَ قِيمتِه. ولا يَقومُ مَجْنِيٌّ عليه حتَّى يَبْرَأَ؛ ليستقرَّ الأرْشُ. فلَوْ لَمْ تَنْقُصْهُ الجِنايةُ حالَ بُرْءٍ، قُوِّمَ حالَ جَرَيان دمٍ؛ لئلَّا تَذْهَبَ الجنايةُ على مَعْصومٍ هَدَرًا، فإنْ لم تَنْقُصْه الجنايةُ حالَ جَرَيانِ دمٍ، أو زَادَتْه الجنايةُ حسنًا، كقَطْعِ سلعة أو ثُؤْلُولٍ، فلا شيءَ فيها؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ بِهَا. ح ف وإيضاح.
(١) قوله: (فَفِيه) أفْرَد الضميرَ؛ نظرًا لقولِه: «ما في الإنسانِ» وترَكُ التَّثْنيةِ؛ نظرًا للشيئيْنِ، كما فعَل «المُنْتَهى»، وكلاهُما صحيحٌ؛ لأنَّ المُصَنِّفَ نظَر للمعنَى، و «المنتهى» نظَرَ اللَّفظَ.
(٢) قوله: (وفِي الأجفانِ الأربعةِ الدِّيَةُ) لأنَّها أعضاء، ففيها جَمالٌ ظاهرٌ ونَفْعٌ كامِلٌ؛ لأنَّها تُكِنُّ العينَ وتَحْفَظُها مِنْ الحرِّ والبَرْدِ، ولولاها لقَبُحَ مَنْظرُ العينِ. وأجفانُ عينِ الأعْمَى كغيرِهَا؛ لأنَّ ذهابَ البصرِ عيبٌ في غيرِ الأجفانِ. م ص [¬١].
стр. 1900
وفي أصابِعِ اليَدَيْنِ: الدِّيَةُ، وفي أحدِهَا: عُشْرُهَا. وفي الأنْمُلَةِ، إنْ كانَتْ مِنْ إبْهَامٍ (١): نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وإنْ كانَتْ مِنْ غَيْرِه: فثُلُثُ عُشْرِهَا (٢). وَكَذَا: أَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ.
وفي السِّنِّ: خَمْسٌ مِنْ الإبِلِ (٣). وفي إذْهَابِ نَفْعِ عُضْوٍ مِنْ الأعْضَاءِ: دِيَتُهُ كامِلَةً.
(١) قوله: (إنْ كانَتْ من إبْهَامٍ) لأنَّ في الإبهامِ مِفْصَليْنِ، ففِي كلِّ مِفْصلٍ نصفُ عَقْلِ الإبهامِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فثُلُثُ عُشْرِهَا) أي: الدِّيةَ؛ لأنَّه ثلاثُ مفاصِلَ، فتُوزَّعُ دِيتُه عَليْها.
(٣) قوله: (وفي السنِّ خَمْسٌ من الإبِلِ) أو الثَّنِيَّاتِ أو الضِّرْسِ، ولو مِنْ صغيرٍ.
فائدةٌ: الأسنانُ اثنانِ [¬٢] وثلاثونَ، أربعُ ثنايَا، وهي التي في مَقْدِمِ الفَمِ؛ اثنانِ من فوقَ واثنانِ من أسفلَ، وأربعُ رباعيَاتٍ بفتح الراءِ وتخفيفِ الياءِ وهي التي بِجانبِ الثنايَا الأرْبَعِ، وأرْبَعُ أنيابٍ، وهي التي بِجانبِ الرباعيَاتِ، وعشرونَ ضِرْسًا، في كلِّ جانبٍ عشرةٌ؛ خمسةٌ من فوقَ وخمسةٌ من أسفلَ، فيَكونُ جميعُهَا مائة وستون بعيرًا، منها أربعةٌ ضواحِكُ، وهي التي بجانبِ الأنيابِ، واثَنَا عشرَ طواحينَ بجانبِ الضواحِكِ، بجانبِ كلِّ ضاحِكٍ منها ثلاثةٌ، وأرْبَعُ نواجِذَ وهُمَا آخرُها.
ويُشْترطُ لوجوبِ الدِّيةِ في الأسنانِ: اليَأْسُ من العَوْدِ بمُضِيِّ المدَّةِ التي تقولُها أهلُ الخبرةِ، أو موتُ المجنِيِّ عليه. وأنْ تكونَ السنُّ أو نَحْوُها
стр. 1901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصليةً، غيرَ سوداءَ ولا كَالَّةٍ، ولا متحركةٍ بفعلِ جَانٍ قبلَه. وأنْ يَكونَ فيها بعضُ نَفْعٍ من المَضْغِ وحِفْظِ الطعامِ والرِّيقِ، وإلَّا فالواجِبُ حُكومةٌ.
ويُشترَطُ لوجوبِ كمالِ الدِّيةِ المذكورةِ: أنْ تَكونَ السِّنُّ ونحوُها باقيةً كلَّها. وأنْ لا تَكونَ خُلِقَتْ ناقصةً في الطولِ عن عادةِ الأسنانِ، وإلَّا سقَط منها بقَدْرِ ما ذهَب أو نقَص. قال ابنُ نصرِ اللهِ: وليسَ في البَدَنِ شيءٌ من جنسٍ تَزيدُ دِيتُه على دِيةِ النفسِ إلَّا الأسنانُ. قال في «المغنِي»: وقد رُوِي أنه ليسَ فيها إلا الديةُ؛ قياسًا على سائِرِ ما فِي البَدَنِ، والصحيحُ الأوَّلُ؛ للخبرِ [¬١]. ح ف.
стр. 1902
فَصْلٌ في دِيَةِ المَنَافِعِ
تَجِبُ الدِّيَةُ كامِلَةً (١): في إذْهَابِ كُلٍّ مِنْ سَمْعٍ (٢)،
فصلٌ في دِيةِ المنافِعِ
(١) قوله: (تَجِبُ الديةُ كامِلَةً) في كلِّ حاسَّةٍ. أي: القوَّةِ الحاسَّةِ. يُقالُ: حسَّ وأحسَّ، أي: علم وأيْقَنَ، وبالألفِ أفْصَحُ، وبِهَا جاء القرآنُ. قال الجوهريُّ: الحواسُّ المشاعِرُ الخمسُ [¬١]: السمعُ، والبصرُ، والشمُّ، والذوقُ، واللمسُ. وبخط والدِ صاحبِ «المنتهَى» على «المحرَّرِ»: لم يَذكُرُوا أعنِي الفقهاءَ ك «المنتهى» والمصنِّفُ حاسةَ اللمسِ مع كونِه من الحواسِ التي أثْبَتَها المتكلمونَ؛ لأنه لا يُفْقَدُ مع حياةِ الإنسانِ، وأمَّا إذا فُقِد في بعضِ الأعضاءِ، كما إذا شُلَّت يدُه فبَطَلت حاسةُ اللمسِ منها، فإنَّه يَجبُ ديةُ ذلكَ العُضوِ.
واعْلَمْ: أنَّه لا تجبُ الديةُ في منفعةٍ حتَّى يُيْأسَ من عَوْدِها بمُضِيِّ مدةٍ تقولُها أهلُ الخبرةِ، أو يَموتَ المجنِيُّ عليه. وإنْ قلَع أجنبِيٌّ عَيْنَ مَنْ ذهَب بصرُه في مدَّةِ الانتظارِ، استقرَّ على الأولِ الدِّيةُ أو القصاصُ، وعلى الثانِي حكومةٌ. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (مِنْ سَمعٍ) أيْ: إذا ذهَب من الأذنيْنِ. وهو: قوَّةٌ مُودَعَةٌ في العَصَبِ المفروشِ في مقعرِ الصِّماخِ يُدرَكُ بها الأصواتُ بطريقِ وصولِ الهواءِ
стр. 1903
وبَصَرٍ (١)، وشَمٍّ (٢)، وذَوْقٍ (٣)، وكَلامٍ (٤)، وعَقْلٍ (٥)،
المُتكيِّفِ بكيفيةٍ الصَّوْتِ إلى الصِّماخِ، بمعنى: أنَّ الله تعالَى يخلق الإدراكَ في النفسِ عندَ ذلكَ. ح ف.
(١) قوله: (وبَصَرٍ) أي: إذا ذهَب من العينيْنِ. وهو: قوَّةٌ مُودعةٌ في العَصَبتيْنِ المجوفتيْنِ اللتيْنِ يَلتقيانِ ثُمَّ يفترقانِ، بها يُدرَكُ الأضواءُ والألوانُ والأشكالُ، والمقاديرُ والحركاتُ، والحسنُ والقُبْحُ، وغيرُ ذلك مِمَّا يَخلُقُ اللهُ تعالَى إدراكَها في النفسِ عندَ استعمالِ العَبْدِ تلكَ القوَّةَ. ولو ذهَب البصرُ ثم عادَ، لم تَجِبِ الديةُ، وإذا كانَ قد أخَذَها، ردَّها. ح ف.
(٢) قوله: (وشمٍّ) أي: إذا ذهَب من المِنْخَرَيْنِ. وهو: قوَّةٌ مُودعَةٌ في الزائدتيْنِ الناتئتيْنِ في مُقدِّمِ الدماغِ الشبيهتيْنِ بحلمتَي الثَّدْي، يُدْرَكُ بها الروائِحُ بطريقِ وصولِ الهواءِ المتكيِّفِ بكيفيةِ ذي الرائحةِ إلى الخَيْشومِ. ح ف.
(٣) قوله: (وذَوْقٍ) أي: إذا ذهَب المَذَاقُ كلُّها من اللِّسانِ. وهو: قوَّةٌ مُثْبتةٌ في العصبِ المفروشِ على جرمِ اللسانِ، يُدرَكُ بها الطعومُ بوصولِهَا للعَصَبِ. ح ف.
(٤) قوله: (وكلامٍ) أي: إذا ذهَب كلُّه؛ بأنْ صارَ لا يَنْطِقُ بحرفٍ من حروفِ الهجاءِ الثمانيةِ والعشرينِ. ح ف.
(٥) قوله: (وعَقْلٍ) قال بعضُهم: بالإجماعِ. لأنَّه أكبرُ [¬١] المعانِي قَدْرًا وأعظمُها نفعًا؛ إذْ به يتميَّزُ الإنسانُ عن البهائِمِ، وبه يَهتدِي للمصالِحِ، ويَدخُلُ في التكليفِ، وهو شرطٌ للولايةِ، وصِحَّةِ التصرفاتِ، وأداءِ [¬٢] العباداتِ؛ بأنْ
стр. 1904
وحَدَبٍ (١)، ومَنْفَعَةِ مَشْيٍ (٢)، ونِكَاحٍ (٣)، وأكْلٍ (٤)، وصَوْتٍ (٥)،
ضَرَبَه، أذْهَب عقلَه كلَّه. ولو أنْكَر الجانِي زوالَ عقلِه ونَسَبَه إلى التَّجانُنِ، راقَبْناه في خَلَواتِه، فإنْ لم تَنضبطْ أحوالُه، وجَبَتِ الدِّيةُ، ولا يُحلَّفُ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (وحَدَبٍ) بفتحِ الحاءِ والدالِ المهملتيْنِ، مصدرُ حدِبَ، بكسرِ الدالِ، إذَا صارَ أحْدَبَ؛ لذهابِ الجمالِ بذلكَ؛ لأنَّ انتصابَ القامةِ من الكمالِ والجمالِ، وبه شرفُ الآدمِيِّ على سائِرِ الحيواناتِ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ومنفَعَةِ مَشْيٍ) أي: وتَجِبُ الديةُ كاملةً في ذهابِ منفعةِ مَشْيٍ؛ بأنْ صارَ لا يُمْكِنُه المَشْيُ؛ لأنَّه نفعٌ مقصودٌ، أشْبَه الكلامَ. م ص [¬٣] بإيضاحٍ.
(٣) قوله: (ونكاحٍ) أي: وتَجبُ كاملةً في منفعةِ نكاحٍ، كأنْ كسَر صُلْبَه فذهَب نكاحُه، رُوِيَ عن عليٍّ [¬٤]؛ لأنَّه نفعٌ مقصودٌ، أشْبَه المَشْيَ. م ص [¬٥].
(٤) قوله: (وأكْلٍ) أي: وتَجِبُ كاملةً في منفعةِ أكْلٍ؛ لأنَّه نفعٌ مقصودٌ، أشْبَهَ الشمَّ. م ص.
(٥) قوله: (وصَوْتٍ) أي: وتَجبُ كاملةً في ذهابِ منفعةِ صوتٍ؛ بأنْ تغيَّر صوتُه فصارَ أبَحَّ، أو نَحْوَه. ح ف وزيادة.
стр. 1905
وبَطْشٍ (١).
وإنْ أفْزَعَ إنْسانًا، أوْ ضَرَبَه، فأحْدَثَ بغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ أو رِيحٍ، ولم يَدُمْ: فعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ. وإنْ دَامَ: فعَلَيْهِ الدِّيَةُ (٢).
وإنْ جَنَى عَلَيْه، فأذْهَبَ سَمْعَهُ، وبَصَرَهُ، وعَقْلَهُ، وشَمَّهُ، وذَوْقَهُ، وكَلامَهُ، ونِكَاحَهُ: فعَلَيْه سَبْعُ دِيَاتٍ (٣)، وأرْشُ تِلْكَ الجِنَايَةِ. وإنْ مَاتَ مِنْ الجِنَايَةِ: فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ (٤).
(١) قوله: (وبَطْشٍ) أي: وتَجبُ كاملةً في ذهابِ منفعةِ بَطْشٍ؛ لأنَّ فيه نفعًا مقصودًا؛ بأنْ صارَ لا يَقدِرُ على العملِ بيدَيْه، فإنْ صارَ لا يَقدِرُ على العملِ بإحداهُمَا، فنِصْفُ الديةِ. ح ف.
(٢) قوله: (وإنْ دامَ، فعلَيْه الديةُ) كاملةً، فصيَّره لا يَستَمْسِكُ غائطًا، ولا بَوْلًا، أي: بصيرورتِه لا بِحَبْسِ ذلك؛ بأنْ يُضرَبَ على بطنِه فلا يَسْتمسِكُ الغائِطَ، أو على مثانَتِه فلا يَستمسِكُ البولَ. ح ف.
(٣) قوله: (سبع ديات) كاملةً.
(٤) قوله: (فعلَيْه ديةٌ واحدةٌ) كاملةً.
стр. 1906
فَصْلٌ في دِيَةِ الشَّجَّةِ والجَائِفَةِ (١)
الشَّجَّةُ: اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ والوَجْهِ (٢). وهِيَ خَمْسَةٌ (٣):
فصلٌ في ديةِ الشَّجَّةِ والجائِفَةِ
(١) قوله: (والجائِفَةُ) أي: ودِيةُ الجائفةِ. أي: بيانُ ما يَجبُ فيها. وأصلُ الشجِّ: القَطْعُ، ومنه: شجَجْتُ المفازَةَ، أي: قطَعْتُها. م ص [¬١].
(٢) قوله: (اسمٌ لجرحِ الرأسِ والوَجْهِ) فقط. سُمِّيت بذلكَ؛ لقطعِها الجِلْدَ. وفي غيرِهِمَا يُسَمَّى: جرحًا لا شجةً. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وهي خمسةٌ) أي: الشَّجةُ باعتبارِ أسمائِهَا المنقولةِ عن العربِ عشر مرتبة؛ خمسٌ منها فيها حكومةٌ وهي:
الحارِصَةُ: التي تَحرِصُ الجِلْدَ، أي: تَشُقُّه ولا تُدْمِيه.
ثُمَّ البازِلَةُ: الداميةُ الدامعةُ التي تُدْمِيه.
ثُمَّ الباضِعَةُ: التي تُبضِعُ اللحمَ، أي: تَشُقُّه بعدَ الجلدِ، ومنه: البُضْعُ.
ثُمَّ المتلاحمةُ: الغائِصَةُ فيه.
ثم السِّمحاقُ: التي بينها وبينَ العَظْمِ قشرةٌ رقيقةٌ تُسمَّى السمحاقُ؛ سُمِّيت الجراحةُ الواصِلَة إليها بها.
ففي كلٍّ من هذه الخمسةِ حكومةٌ؛ لأنه لا توقيفَ فيها من الشَّرْعِ، ولا قياسَ يَقْتضِيه.
стр. 1907
أَحَدُهَا: المُوضِحَةُ: الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ (١) وتُبْرِزُهُ (٢). وفَيهَا: نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ؛ خَمْسَةُ أبْعِرَةٍ (٣). فإنْ كَانَ بَعْضُهَا في الرَّأْسِ وبَعْضُهَا في الوَجْهِ: فمُوضِحَتَانِ (٤).
الثانِي: الهاشِمَةُ: الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ (٥) وتَهْشُمُهُ (٦). وفِيهَا: عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ.
وخمسٌ من الشجاجِ فيها مقدَّرٌ من الشَّرعِ. واقتصَر عليها المصنف دونَ الأولِ؛ للاختصارِ.
(١) قوله: (التي تُوضِحُ العَظْمَ) أي: تُبْدِي وَضَحَه، أي: بَياضَه. ح ف.
(٢) قوله: (وتُبْرِزُه) عطفُ تفسير على «تُوضِحُ» ولو بقَدْرِ رأسِ إبْرةٍ، فلا يُشتَرَطُ وضوحُه للناظِرِ. والوَضَحُ: البيانُ. سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها أبْدَت بياضَ العَظْمِ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (وفيها نصفُ عُشْرِ [¬٢] الديةِ) أي: دِيةِ الحرِّ المُسْلِمِ. فمِنْ حرٍّ (خمسةُ أبعرةٍ) أي: أو حُرَّةٍ، كما نبَّه عليه في «الإقناعِ» هنا. هو الموافِقُ لِمَا سلَف من أنَّهما يَستويانِ في مُوجبٍ دونَ ثُلُثِ ديةٍ. م خ [¬٣].
(٤) قوله: (فَمُوضَحتَانِ) لأنَّه أوْضَحَه في عضويْنِ، فلكلٍّ حُكْمُ نفسِه. م ص [¬٤].
(٥) قوله: (الهاشِمَةُ التي تُوضِحُ العَظْمَ) أي: تُبرِزُه.
(٦) قوله: (وتَهْشِمُه) أي: تَكسِرُه. ولو أوْضَحه موضحتيْن، هشَم العظمَ في
стр. 1908
الثَّالِثُ: المُنَقِّلَةُ (١): الَّتِي تُوضِحُ (٢) وتَهشُمُ (٣) وتَنْقُلُ العَظْمَ (٤). وفِيهَا: خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا.
الرَّابِعُ: المَأْمُومَةُ (٥): الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ (٦). وفَيهَا: ثُلُثُ الدِّيَةِ.
الخَامِسُ: الدَّامِغَةُ (٧):
كلِّ واحدةٍ منهما، واتَّصل الهَشْمُ في الباطِنِ، فهاشِمَتانِ. ح ف.
(١) قوله: (المُنَقِّلةُ) هي بِميمٍ مضمومةٍ ثم نونٍ مفتوحةٍ ثم قافٍ مكسورةٍ مشددةٍ. ح ف.
(٢) قوله: (التي تُوضِحُ) العَظْمَ وتُبْرزُه.
(٣) قوله: (وتَهشِمُ) العَظْمَ، أي: تَكسِرُهُ.
(٤) قوله: (وتَنقِلُ العَظْمَ) أي: عن مَحِلِّه إلى آخَرَ. ح ف.
(٥) قوله: (المَأْمُومةُ) وتسمَّى: الآمَّةَ. قال ابنُ عبدِ البرِّ: أهلُ العراقِ يَقولونَ لَهَا: الآمَّةُ. وأهلُ الحجازِ: المَأْمومةُ.
وتسمَّى أيضًا: أمَّ الدماغِ؛ لوصولِها إلى الجلدةِ التي تَحفَظُ الدماغَ. م ص [¬١].
(٦) قوله: (التِي تَصِلُ إلى جلدةِ الدماغِ) أي: إلى الخريطةِ التي فيها الدماغُ، أي: المخُّ، ولا يَخرِقُها. ح ف.
(٧) قوله: (الدَّامِغَةُ) بالغينِ المعجمةِ. م ص [¬٢].
стр. 1909
الَّتِي تَخْرِقُ الجِلْدَةَ (١). وفِيهَا: الثُّلُثُ أيضًا (٢).
(١) قوله: (التي تَخْرِقُ الجلدةَ) أي: جلدةَ الدماغِ. وصاحِبُها لا يَسلَمُ غالبًا. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وفِيها الثُّلُثُ أيضًا) أي: وفيها ثُلُثُ الديةِ، كما في المأمومةِ أيضًا؛ كما في كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ مَرْفوعًا [¬٢]. م ص [¬٣].
стр. 1910
فَصْلٌ
وفي الجائِفَةِ: ثُلُثُ الدِّيَةِ. وهِي: كُلُّ مَا يَصِلُ إلَى الجَوْفِ (١)، كبَطْنٍ (٢)، وظَهْرٍ، وصَدْرٍ، وحَلْقٍ (٣). وإنْ جَرَحَ جَانبًا، فخَرَجَ مِنْ الآخَرِ: فجائِفَتَانِ (٤).
ومَنْ وَطِئَ زَوْجَةً صَغِيرَةً لا يُوطَأُ مِثْلُهَا (٥)، فَخَرَقَ (٦) مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ ومَنِيٍّ، أوْ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ: فعَلَيْه الدِّيَةُ (٧)،
فصل
(١) قوله: (وهِي كلُّ ما يَصِلُ … إلخ) أي: والجائِفَةُ كلُّ جُرْحٍ وصَل إلى الجوفِ، أي: ما لا يَظهَرُ منه للرائِي. انتهَى. الوالِدُ.
(٢) قوله: (كبَطْنٍ) ولو لم تَخْرِقْ مِعًى. أي: بأن وصَل الجُرْحُ إلى بطنِه. وكذا يُقالُ في الباقِي. ح ف.
(٣) قوله: (وحلق) ومَثانةٍ، وبينَ خُصيتيْنِ، ودُبُرٍ. «منتهى» [¬١].
(٤) قوله: (فجائفتانِ) فعَلَيْه ثُلُثَا الدِّيةِ، لكلِّ جائِفَةٍ الثُّلُثُ.
(٥) قوله: (ومَنْ وطِئَ زوجَةً صَغَيرةً لا يُوطَأُ مِثْلُها) بأنْ كانَتْ دونَ سبعٍ والزوجُ كبيرٌ، أو وَطِئَ زوجةً نَحِيفةً لا يُوطأُ مثلُها؛ لكونِهَا نحيفةً والزوجُ غَلِيظٌ. ح ف وزيادة.
(٦) قوله: (فخرَق) بوَطْئِه.
(٧) قوله: (فعَلَيْه الدِّيةُ) ويَكونُ ذلكَ في مالِه إنْ كانَ عَمْدًا مَحْضًا، وهو يَعلمُ
стр. 1911
إنْ لَمْ يَسْتَمْسِكِ البَوْلُ (١)، وإلَّا: فجَائِفَةٌ (٢).
وإنْ كانَتْ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ (٣)، أوْ أَجْنَبِيَّةً (٤) كَبيرَةً مُطاوِعَةً، ولا شُبْهَةَ (٥)، فَوَقَعَ ذلكَ (٦): فهَدَرٌ (٧).
أنَّها لا تُطِيقُه، وأنَّ وَطْئَه يُفضيها. وإنْ علِم وكانَ مِمَّا يحتملُ أن لا يفضَّ، فعلى العاقِلَةِ. وإنِ اندَمَل الحاجِزُ، وزالَ الإفضاءُ، فحكومةٌ فقط. ح ف.
(١) قوله: (إنْ لم يَسْتَمْسِكِ البولُ) لإبطالِه نَفْعَ المَحِلِّ الذي يَجتمِعُ فيه البولُ، كما لو جنَى على شخصٍ فصارَ لا يَستمسِكُ الغائِطَ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وإلَّا فجَائِفَةٌ) أي: وإلَّا بأنِ استَمْسَكَ البولُ، فعليه أرْشُ جائفةٍ؛ ثُلُثُ الديةِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وإنْ كانَت مِمَّنْ يُوطَأُ مثلُها) مُحْتَرَزُ قولِه: «لا يُوطأ .. إلخ» أي: بأنْ كانَتْ كبيرةً، أو بنتَ تسعٍ وليستْ نَحِيفةً، أو كانَتْ نحيفةً لكن الزوج صغيرًا أو نَحِيفًا. ح ف وإيضاح.
(٤) قوله: (أو أجنبيَّةً) أو إنْ كانت الموطوءةُ حرَّةً أجنبيةً غيرَ زوجةِ الواطِئِ.
(٥) قوله: (ولا شُبْهَةَ) لواطِئٍ في وَطْئِها. وأمَّا معَ الشُّبْهةِ أو الإكْرَاهِ، فلَهَا المَهْرُ؛ لاستيفائِه منفعةَ البُضْعِ. انتهى. الوالد.
(٦) قوله: (فوقَع ذلكَ) أي: خَرْقُ ما بينَ السبيليْنِ. م ص [¬٣].
(٧) قوله: (فهَدَرٌ) لحصولِه من فعلٍ مأذونٍ فيه، كأرْشِ بَكَارتِها ومَهْرِ مثلِه،
стр. 1912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكما لو أَذِنَتْ في قَطْعِ يَدِها [¬١]، فسَرَى القطعُ إلى نفسِها، بخلافِ ما لو أذِنَتْ في وطئِها فقطَع يدَها؛ لأنَّه ليسَ من المأذونِ فيه ولا من ضرورتِه. م ص [¬٢].
стр. 1913
بابُ العَاقِلَةِ
وهِي: ذُكُورُ عَصَبَةِ الجَانِي نَسَبًا (١) وَوَلاءً (٢).
ولا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ: عَمْدًا (٣).
بابُ العَاقِلَةِ
سُمِّيتِ العاقلةُ بذلكَ من العقلِ، أي: المنعِ؛ لأنَّهم يَمنَعُون عن القاتِلِ، أو لأنَّها تعقلُ لِسانَ ولِيِّ المقتولِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (نَسَبًا) حتَّى عمودي نسبه، وحتَّى مَنْ بَعُدَ، كابنِ ابنِ عمِّ جدٍّ جانٍ [¬٢]. م ص وزيادة [¬٣].
(٢) قوله: (ووَلاءٍ) يَعنِي إذا كانَ الجانِي عتيقًا، ولم يَكنْ له عصبةٌ من النَّسَبِ، فعاقِلَتُه مُعْتِقُه إنْ كانَ ذكرًا، ثم عَصَباتُه، فإنْ كانَ المُعْتَقُ امرأةً، حمَل عنها جنايةَ عتيقها من يَحمِلُ جنايتَها من عَصَباتِها، ثُمَّ علَى مولَى المولَى، ثُمَّ على عَصَباتِه الأقربُ فالأقربُ كالميراثِ. ح ف.
(٣) قوله: (ولا تَحمِلُ العاقلةُ عَمْدًا) وجَب به قَوَدٌ أو لا، كجائفةٍ ومأمومةٍ، ولا تَحمِلُ صُلْحَ إنكارٍ؛ بأنْ يَدَّعِي عليه قتلَ خطأٍ أو شِبهِ عمدٍ، فتُنكِرُه، ثُمَّ يصالِحُ المُدَّعِي على مالٍ. ولا تَحمِلُ اعترافًا؛ بأنْ يقرَّ جانٍ على نفسِه بجنايةِ خطأٍ أو شبهِ عمدٍ تُوجِبُ ثُلُثَ الديةِ فأكْثَرَ، وتُنكِرُ العاقلةُ ذلكَ؛ لأنَّ إقرارَه لا
стр. 1914
ولا عَبْدًا (١). ولا إقرَارًا. ولا ما دُونَ ثُلُثِ دِيَةِ ذَكَرٍ مُسْلِمٍ (٢). ولا قِيمَةَ مُتْلَفٍ (٣).
وتَحْمِلُ: الخَطَأَ، وشِبْهَ العَمْدِ (٤)،
يَسرِي على العاقِلَةِ. وعُلِمَ بهذا أنَّما تَحمِلُ ذلكَ إذا ثبَت بالبَيِّنةِ أو بتَصدِيقِها. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (ولا عَبدًا) أي: ولا تَحمِلُ العاقلةُ قيمةَ عبدٍ جُنِي عليه، أو قيمةَ طَرَفِه، ولا تَحمِلُ جنايتَه؛ بأنْ قتَله عمدًا أو خطأً، بل يَتعلَّقُ ذلكَ برقبتِه؛ لأنَّ العبدَ يَضمَنُ ضمانَ المالِ، أشْبَه سائِرَ الأموالِ.
فما تقدَّم من العمدِ المَحْضِ، والعبدِ، وقيمةِ الدابَّةِ، وصُلْحِ الإنكارِ، والاعترافِ، وما دونَ ثُلُثِ الدِّيةِ، في مالِ الجانِي؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ الجنايةِ على الجانِي حالًا؛ لأنَّه بدلٌ مُتْلَفٌ، كقيمةِ المتاعِ، خُولِفَ في غيرِ ذلكَ لدليلٍ، فبَقِي على الأصلِ. «إقناع وشرحه» [¬١].
(٢) قوله: (ولا ما دُونَ ثُلُثِ ديةٍ … إلخ) أي: ولا تَحملُ العاقلةُ ما دونَ ثُلُثِ ديةِ ذكرٍ حرٍّ مسلمٍ، كثلاثِ أصابِعَ، وأرْشِ موضِحَةٍ. فلا تَحمِلُ العاقلةُ ديةَ يدِ المرأةِ أو رِجْلِها، أو نحوِ ذلكَ، ولا ديةَ مجوسيٍّ أو وَثَنِيٍّ. ح ف.
(٣) قوله: (ولا قيمةَ متلف) أي: ولا تَحمِلُ العاقلةُ قيمةَ مُتْلفٍ من عبدٍ ودابةٍ، ونحوِ ذلكَ. ع ب [¬٢].
(٤) قوله: (وتَحْمِلُ الخطأَ .. إلخ) أي: وتَحمِلُ العاقلةُ الخطأَ وشِبْهَ العمدِ، أي: إذا كانَ ذلكَ يُوجِبُ الديةَ كامِلَةً. ح ف.
стр. 1915
مُؤجَّلًا (١) في ثَلاثِ سِنِينَ.
وابتِدَاءُ حَوْلِ القَتْلِ: مِنْ الزُّهُوقِ (٢). والجُرْحِ (٣): مِنْ البُرْءِ (٤).
ويُبْدَأُ: بالأَقْرَبِ فَالأقْرَبِ، كَالإرْثِ (٥). ولا يُعتَبَرُ (٦): أنْ يَكُونُوا وَارِثِينَ (٧)(١) قوله: (مؤجلًا) ما وَجَبَ في الخطأِ وشِبْهِ العمدِ؛ لقضاءِ عمرَ وعليٍّ بالديةِ علَى العاقلةِ في ثلاثِ سنينَ [¬١]، ولا مُخالِفَ لهما في عصرِهِما، ولأنَّها تحمُّلُ مواساةٍ؛ فاقْتَضَت الحكمةُ تَخْفِيفَه عليها. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (من الزُّهُوقِ) أي: زُهوقِ الرُّوحِ.
(٣) قوله: (والجُرحِ) أي: وابتداءُ حَوْلٍ في الجُرحِ.
(٤) قوله: (من البُرْءِ) لأنَّه وقْتُ الاستقرارِ.
(٥) قوله: (ويبدأُ بالأقربِ فالأقربِ، كالإرْثِ) لكنْ تُؤخَذُ من بعيدٍ؛ لغيبةِ قريبٍ، فإنْ تساوَوْا في القُرْبِ، وكثُرُوا، وُزِّع الواجِبُ بينَهم بحسبِ ما يَسهُلُ على كلٍّ منهم. فيحملُهم الديةَ، فإنِ اتَّسعتْ أموالُ الأقربِينَ لَهَا، لم تَتجاوَزْهُم، وإلا انتُقِل إلى مَنْ يَلِيهم. ويُقدَّمُ في التحميلِ مَنْ يُدلِي بأبويْنِ على مَنْ يُدلِي بأبٍ، فيُبْدَأُ بالشقيقِ من الإخوةِ والأعمامِ وأبناءِ كلٍّ على مَنْ لأبٍ. ح ف وزيادة.
(٦) قوله: (ولا يُعتَبَرُ) في العاقِلَةِ.
(٧) قوله: (أنْ يَكونُوا وارِثِين) في الحالِ. أي: حالِ العَقْلِ. م ص [¬٣].
стр. 1916
لِمَنْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، بَلْ مَتَى كَانُوا يَرِثُونَ لَوْلا الحَجبُ: عَقَلُوا (١).
ولا عَقْلَ: عَلَى فَقِيرٍ (٢)، وصَبِيٍّ، ومَجْنُونٍ (٣)، وامْرَأةٍ، ولَوْ مُعْتِقَةً (٤).
ومَن لا عَاقِلَةَ لَهُ، أوْ لَهُ وعَجَزَتْ (٥):
(١) قوله: (لَوْلا الحَجْبُ، عَقَلوا) لأنَّهم عصبةٌ، أشْبَهُوا سائِرَ العَصَباتِ، يُحقِّقُه أن العقلَ موضوعٌ على التناصُرِ وهم من أهْلِه. وليسَ من العاقِلَةِ الإخوةُ لأمٍّ، ولا سائِرُ ذوِي الأرحامِ، ولا النساءُ؛ لأنَّهم ليسوا من ذوِي النصرةِ، ولا الزوجُ، ولا المَوْلَى من أسفلَ، وهو العَتِيقُ؛ لأنَّه لا يَرِثُ. «إقناع وشرحه» [¬١].
(٢) قوله: (ولَا عَقْلَ على فَقيرٍ) لا يَمْلِكُ نصابًا زكويًّا عندَ حلولِ الحَوْلِ فاضلًا عن حوائجِه.
(٣) قوله: (وصبِيٍّ ومجنونٍ) أي: ولا عَقْلَ على صبيٍّ ومجنونٍ؛ لأنَّهما ليسَا من أهْلِ النصرةِ والمعاضَدَةِ. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (وامرأةٍ) أي: ولا عَقْلَ على امرأةٍ (ولَو) كانت المرأةُ (مُعْتقةً)، أو خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو قِنٍّ؛ لأنَّه لا مالَ له. أو مُبايِن لدينِ جانٍ؛ لفَوَاتِ النصرةِ. ولا تَعاقُلَ بينَ ذِمِّيٍّ وحربِيٍّ؛ لانقطاعِ التناصُرِ بينَهُما، «منتهى وشرحه الصغير» [¬٣].
(٥) قوله: (وعَجَزت) عن جميعِ ما وجَب بجنايتِه خَطأً. م ص [¬٤].
стр. 1917
فَلا دِيَةَ عَلَيْهِ، وتَكُونُ في بَيْتِ المَالِ، كدِيَةِ مَنْ مَاتَ في زَحْمَةٍ، كجُمُعَةٍ وطَوَافٍ. فإنْ تَعَذَّرَ الأخْذُ مِنْهُ: سَقَطَتْ (١).
(١) قوله: (كَدِيَةِ مَنْ ماتَ في زَحْمةٍ … إلخ) حالًا؛ لأنه ﵇ وَدَى الأنصاريَّ الذي قُتِلَ بخيبرَ من بيتِ المالِ [¬١]. وتَسقُطُ الديةُ بتعذُّرِ أخْذٍ منه؛ لوجوبِهَا ابتداءً على العاقِلَةِ دونَ القاتِلِ؛ لأنَّه لا يُطَالَبُ بها غيرُ العاقِلَةِ، فلا يُعتَبَرُ تَحمُّلُهم لَهَا ولا رِضَاهُم، فلا تُؤخَذُ من غيرِ مَنْ وجَبَت عليه [¬٢]، كما لو عُدِمَ القاتِلُ. وعنه: تَجِبُ في مالِ القاتِلِ، قالَ في «المقنعِ»: وهو أوْلَى. أي: من إهْدَارِ دمِ الأحرارِ في أغْلَبِ الأحوالِ، فإنَّه لا يَكادُ تُوجَدُ عاقلةٌ تَحمِلُ الديةَ كلَّها، ولا سبيلَ إلَى الأخْذِ من بيتِ المالِ، فتَضِيعُ الدماءُ، والدِّيةُ تَجِبُ على القاتِلِ، ثُمَّ تتحملُها العاقِلَةُ، وإنْ سَلَّمنا وجوبَهَا عليهم ابتداءً لكنْ معَ وجودِهِم، كما قالوا في المُرْتَدِّ: يَجِبُ أرْشُ خطئِه في مالِه؛ لأنَّه لا عاقلةَ له تَحمِلُها. ش ع [¬٣].
стр. 1918
بابُ كَفَّارَةِ القَتْلِ
لا كَفَّارَةَ: في العَمْدِ (١). وتَجِبُ (٢):
بابُ كفارةِ القتلِ
سُمِّيت بذلكَ من الكَفْرِ، بفتحِ الكافِ، أي: السِّترُ؛ لأنَّها تَستُرُ الذنبَ وتُغطِّيه. وأجْمَعوا على وجوبِهَا في الجملةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النِّساء: ٩٢]. الآية. م ص [¬١].
(١) قوله: (لا كفَّارةَ في العَمْدِ) المَحْضِ؛ لمفهومِ قولِه تعالَى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ﴾ [النِّساء: ٩٢]. وسواءٌ كان موجبًا للقصاصِ أو غيرِه. ش ع [¬٢].
(٢) قوله: (وتَجِبُ) الكفَّارةُ كاملةً، سواءٌ كانَ المقتولُ مسلمًا، أو كافرًا مضمونًا كالذِّمِّيِّ والمستأمنِ؛ لأنَّه مقتولٌ ظلمًا، فوجَبَت فيه الكفارةُ، كالمُسْلمِ، وسواءٌ كانَ المقتولُ حرًّا أو عبدًا؛ لعمومِ قولِه تعالَى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً﴾ [النِّساء: ٩٢]. وسواءٌ كانَ المقتولُ صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثَى؛ لِمَا سبَق. وسواءٌ كان القاتِلُ كبيرًا عاقلًا، أو صبيًّا، أو مجنونًا، حرًّا [¬٣] أو عبدًا، أو ذكرًا أو أنثى؛ لأنَّه حقٌّ مالِيٌّ يَتعلَّقُ بالقتلِ، فتَعَلَّقَتْ بهم. ولا تَجِبُ كفارةُ اليمينِ على الصبيِّ والمجنونِ؛ لأنَّ كفارةَ
стр. 1919
فِيمَا دُونَهُ (١)، في مَالِ القَاتِلِ (٢) لنَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ (٣)،
اليمينِ تتعلَّقُ بالقولِ، ولا قولَ للصغيرِ والمجنونِ، وهذه تَتعلَّقُ بالفعلِ، وفِعْلُهما متحقِّقٌ، ويتعلَّقُ بالفعلِ ما لا يَتعلَّقُ بالقولِ. «إقناع وشرحه» [¬١].
(١) قوله: (فيمَا دونَه) بأنْ قُتِلَ خطأً أو شِبْهَ عمدٍ؛ للآيةِ. وأُلْحِقَ بالخطأِ شبهُ العمدِ؛ لأنَّه في معناه، بخلافِ العمدِ المَحْضِ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (في مالِ القاتِلِ) قال في «المنتهَى»: ولو كانَ القاتِلُ كافرًا أو قِنًّا أو صغيرًا أو مَجْنونًا. قال حفيدُه: قوله: ولو كافرًا. أي: ويكفِّرُ بالعِتْقِ لا غير، وفي ذلكَ إشارةٌ إلى خلافِ أبِي حنيفةَ. وقولُه: أو قِنًّا. لعمومِ الآيةِ، وخالَف فيه أبو حنيفةَ. وقولُه: أو صغيرًا أو مَجْنونًا. لأنَّ ذلكَ حقٌّ مالِيٌّ يتعلَّقُ بالقَتْلِ، لا عبادةً. وفيه إشارةٌ إلى خلافِ أبِي حنيفةَ، وعلَّله بأنَّ ذلكَ عبادةٌ، وهي لا تَجِبُ على الصغيرِ والمجنونِ.
(٣) قوله: (لِنفَسٍ مُحرَّمةٍ) أو شارَكَ فيها، ولو نفسَه، أو قِنَّه، أو مُستأمِنًا، أو معاهَدًا، خطأً أو ما أُجْرِيَ مُجْراه في عدمِ القصاصِ، أي: فيُؤخَذُ من تَرِكَتِه إنْ كانَ قتَل نفسَه خطأً أو شِبْهَ عمدٍ، كما لو أمْسَك حَيَّةً ظانًّا أنَّها لا تَقتُلُ غالبًا، فقَتَلَتْه؛ لعمومِ الآيةِ. وشِبْهُ العمدِ كالخَطَأِ. وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ. وقال المُوفَّقُ: وقولُ أبِي حنيفَةَ أقربُ إلى الصوابِ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى؛ فإنَّ عامِرَ بنَ الأكْوَعِ قتَل نفسَه خطأً [¬٣]، فلَم يَأمُرِ النبيُّ ﷺ بكفارةٍ. وأمَّا قولُه تعالَى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ﴾ [النِّساء: ٩٢]. فإنَّما أُريدَ به ما إذا
стр. 1920
ولَوْ جَنِينًا (١).
ويُكَفِّرُ الرَّقِيقُ: بالصَّوْمِ (٢). والكافِرُ: بالعِتْقِ. وغَيْرُهُمَا: يُكَفِّرُ بعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ. فإنْ لَمْ يَجِدْ: فصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتتَابِعَيْنِ. ولا إطْعَامَ هُنَا.
وَتتعدَّدُ الكَفَّارَةُ: بتَعَدُّدِ المَقْتُولِ (٣).
ولا كَفَّارَةَ (٤): عَلَى مَنْ قَتَلَ مَنْ يُباحُ قَتْلُه، كزَانٍ مُحْصَنٍ، ومُرْتَدٍّ (٥)، وحَرْبِيٍّ، وبَاغٍ (٦)،
قتَله غيرُه، فدليلُ قولِه تعالَى: ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ [النِّساء: ٩٢]. وقاتِلُ نفسِه لا ديةَ عليه؛ بدليلِ قَتْلِ عامِرِ بنِ الأكْوَعِ. ح ف.
(١) قوله: (ولو جَنِينًا) بأنْ ضرَب بطنَ حامِلٍ، فألْقَتْ جَنِينًا ميِّتًا، أو حيًّا ثُمَّ ماتَ؛ لأنَّه نفسٌ مُحَرَّمةٌ، ولا كفارةَ بإلقاءِ مُضغةٍ لم تُصوَّرْ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ويُكفِّرُ الرقيقُ بالصَّوْمِ) لأنَّه لا مالَ له. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وتتَعدَّدُ الكفَّارَةُ بتعدُّدِ المقتولِ) كتعدُّدِ الدِّيَةِ بذلكَ؛ لقيامِ كلِّ قتيلٍ بنفسِه، وعدمِ تعلُّقِه بغيرِه؛ بأنْ قتَل واحدٌ جماعةً، أو شارَك في قَتْلِهم، لزِمَه كفاراتٌ بعَدَدِهم، كجزاءِ الصَّيْدِ. «إقناع وشرحه» [¬٣].
(٤) قوله: (ولا كفارةَ .. إلخ) معطوفٌ على قولِه: «لا كفارةَ في العمدِ».
(٥) قوله: (ومُرْتَدٍّ) بعدَ استتابةِ ثلاثةِ أيامٍ ولم يَتُبْ؛ لأنَّه قتَلٌ مأمورٌ به، والكفارةُ لا تَجِبُ لمحوِّ المأمورِ به، وكذَا يُقالُ فيمَن ذُكِرَ في هذا المقامِ.
(٦) قوله: (وباغٍ) أي: إذا قتَله أحدٌ من أهلِ العدلِ. ح ف.
стр. 1921
وقِصَاصٍ (١)، ودَفْعًا عن نَفْسِهِ (٢).
(١) قوله: (وقصاصٍ) أي: ولا كفارةَ علَى مَنْ قتَل مَنْ يُباحُ قتلُه، كالقتلِ قصاصًا، فلا تَجِبُ على الولِيِّ، ولا علَى مستَوْفِيه عنه. ح ف وإيضاح.
(٢) قوله: (ودفعًا عن نفسِه) ويَعلمُ أنَّه لا يَندفِعُ إلا بقتلِه لصولِه علَيْه؛ لأنَّه مأذونٌ فيه شَرْعًا. م ص [¬١] وإيضاح.
стр. 1922
كتابُ الحُدُودِ
لا حدَّ: إلَّا علَى مُكَلَّفٍ (١)، مُلْتَزِمٍ (٢)،
كتابُ الحدودِ
جَمْعُ حدٍّ، وهو لغةً: المنعُ. وحدودُ اللهِ: مَحارِمُه؛ لقولِه تعالَى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]. وحدوده أيضًا: ما حدَّه وقدَّره، كالميراثِ وتزويجِ الأربعِ؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]. وما حدَّه الشرعُ لا تَجوزُ فيه زيادةٌ ولا نقصٌ. وعُرْفًا: عقوبةٌ مقدرةٌ شرعًا في معصيةٍ؛ لتَمْنَع الوقوعَ في مثلِها.
وموجباتُه خمسةٌ: الزِّنَى، والقذفُ، والسرقةُ، وقطعُ الطريقِ، وشربُ المسكرِ. وأما البَغْيُ والردَّةُ فقد عَدَّهما قوم فيما يُوجِب الحدَّ؛ لأنه يُقصَدُ بقتالِهم المنعُ من ذلكَ ولم يعدُّهُما قومٌ منها [¬١]؛ لأنَّه لا يقصد بهما الزَّجْرُ عما سبَق، وإنَّما يُقاتَلُ فاعِلُ ذلكَ على الرجوعِ عمَّا هو علَيْه من تَرْكِ الطاعةِ والكفرِ، فهو كقتالِ الكفارِ على الإسلامِ، فلا يُسمَّى حدًّا لذلك. ح ف.
(١) قوله: (لا حدَّ إلَّا على مُكَلَّفٍ) أي: بالِغٍ عاقلٍ، لا صغيرٍ ومجنونٍ.
(٢) قوله: (مُلْتَزِمٍ) أحكامَ المسلمينَ، مسلمًا كانَ أو ذميًّا، بخلافِ حربِيٍّ ومُسْتَأْمَنٍ ومهادِنٍ في حقِّ اللهِ تعالَى فقط، وأمَّا حدُّ الآدمِيِّ، فيُسْتَوْفَى منه. عثمان [¬٢].
стр. 1923
عَالِمٍ بالتَّحرِيمِ (١).
وتَحْرُمُ: الشَّفَاعَةُ، وقَبُولُهَا، في حَدِّ اللَّهِ تَعالَى بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ الإمَامَ (٢). كتابُ الحُدُودِ.
وتَجِبُ: إقامَةُ الحَدِّ، ولَوْ كَانَ مِنْ يُقِيمُهُ شَرِيكًا في المَعْصِيَةِ (٣).
ولا يُقِيمُهُ: إلَّا الإمَامُ، أوْ نَائِبُهُ (٤)، والسَّيِّدُ علَى رَقِيقِه (٥).
(١) قوله: (عالِمٍ بالتحريمِ) لا جاهِلَه، كمَن جهِل تحريمَ الزِّنَى.
(٢) قوله: (بعدَ أنْ يَبْلُغَ الإمامَ) الظَّرْفُ متعلِّقٌ ب «تَحْرُمُ». أي: يَثْبُتُ عندَه. والمرادُ ببلوغِ الإمامِ: الإتيانُ به بالمحدودِ إليه، كما في الحديثِ [¬١]، لا مجرَّدُ البلوغِ. وعُلِمَ منه: جوازُهُما قبلَ ذلك. واحْتُرِزَ بحدِّ اللهِ عن حدِّ الآدميِّ، كحدِّ القذفِ، فإنَّه يَجوزُ أن يُشْفَعَ فيه عندَ مَنْ وجَب له مُطْلَقًا. ح ف.
(٣) قوله: (ولَو كانَ من يُقيمُه شريكًا في المعصيةِ) لوجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْيِ عن المنكرِ، حتَّى في هذه الحالِ، ولا يُجْمَعُ بينَ معصيتيْنِ، كما لو كانَ الإمامُ أو سَيِّدُ القومِ يَشرَبُ الخمرَ أيضًا أو يَزْنِي. ح ف.
(٤) قوله: (ولا يُقِيمُه) أي: الحدَّ (إلا الإمامُ)، سواءٌ كانَ للَّهِ تعالَى كحدِّ زِنى، أو يكونُ لآدمِيٍّ كحدِّ قذفٍ؛ لأنَّه يَفتقِرُ إلى اجتهادٍ، ولا يُؤمَنُ الحَيْفُ في استيفائِه، فوجَب تفويضُه للإمامِ أو نائبِه. عثمان [¬٢].
(٥) قوله: (والسِّيدُ على رقيقِه) بالرفعِ عطفٌ على «الإمامُ» إذا كانَ حرًّا، بخلافِ مكاتَبٍ، مُكَلَّفًا عالِمًا به، أي: بكَيْفِيَّتِه من عددِ الجَلْدِ، والأماكنِ
стр. 1924
وتَحْرُمُ: إقامَتُهُ في المَسْجِدِ (١).
وأَشَدُّه: جَلْدُ الزِّنَى (٢)، فالقَذْفِ،
التي يُجْلَدُ فيه، وصفتِه، وعالِمًا بشروطِه ولو فاسقًا أو امرأةً إقامتُهُ [¬١] بجلدٍ، أو إقامةِ تعزيرٍ على رقيقِه، إذا كانَ كلُّه له لا مُبَعَّضٌ. وعُلِمَ منه: أنَّه ليس لمكاتَبٍ ومُبَعَّضٍ شريكٍ في قِنٍّ إقامته عليه؛ لقصورِ ولايتِه، ولا لغيرِ مُكَلَّفٍ من صغيرِ ومجنونٍ؛ لأنَّهما ليسَا من أهلِ الولايةِ، وكذَا الجاهلُ به أو بشروطِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه إقامتُه على الوَجْهِ الشرعيِّ. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (وتَحْرُمُ إقامتُه في المسجدِ) لنَهْيِه ﵇ أن يُسْتَقادَ بالمسجدِ، وأنْ تُنْشَدَ الأشعارُ، وأنْ تُقامَ فيه الحدودُ [¬٢]. ولأنَّه لا يُؤمَنُ حدوثُ ما يُلوِّثُ المسجدَ، فإنْ أُقِيم به، لم يُعَدْ؛ لحصولِ المقصودِ من الزَّجْرِ. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (وأشدُّه جَلْدُ الزِّنَى) أي: وأشدُّ الجلدِ في الحدودِ جلدُ الزِّنَى؛ لأنَّه تعالَى خصَّ الزِّنَى بمزيدِ تأكيدٍ بقولِه: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النُّور: ٢]. ولأنَّ ما دُونَه أخفُّ منه عددًا، فلا يَجوزُ أن يَزيدَ في إيلامِه ووَجَعِه، على أنَّ ما خفَّ عددُه خفَّ صِفتُه. وحدُّ القذفِ حقٌّ آدمِيٌّ، وحدُّ الشربِ محضُّ حقِّ اللهِ، والتعزيرُ لا يَبْلُغُ بهِ الحدَّ. ع ب [¬٤].
стр. 1925
فالشُّرْبِ (١)، فالتَّعْزِيرِ.
ويُضْرَبُ الرَّجُلُ: قَائِمًا (٢)، بالسَّوْطِ (٣).
(١) قوله: (فالشربُ) أي: فجَلْدُ شربِ خمرٍ، وإنَّما كانَ حدُّ الشربِ أخفَّ من حدِّ القذفِ وإنِ اتَّحَدَا في العددِ؛ لأنَّ حدَّ الشربِ قيلَ: إنَّه أربعونَ، فكانَ أخفَّ؛ للاختلافِ في عددٍ، بخلافِ حدِّ القذفِ فإنَّه لا خلافَ في أنَّه ثمانونَ. وليُعْلَمَ أنَّ كلَّ موضعٍ وجَب فيه الضربُ من حدٍّ أو تعزيرٍ، فشرطُه التألِيمُ. ح ف.
(٢) قوله: (ويُضْرَبُ الرجلُ قائمًا … إلخ) [أي: كالزانِي المحصنِ، وقاطِعِ الطريقِ المُتَحتِّمِ قتلُه، وكذا لو قطَع يدَه وأخَذ المالَ، أو يدِ سارقٍ. ويُعزَّرُ القاتِلُ والقاطِعُ؛ لافتياتِهِما على الإمامِ] [¬١]. ظاهِرُه: وجوبُ ضربِه قائمًا، كما هو مُقْتَضَى التعليلِ، أعنِي: ليُعْطِي كلَّ عضوٍ حظَه من الضربِ، وأنْ يَكونَ بالسَّوْطِ، كما هو مُقْتَضَى الدليلِ، أعنِي: الحديثَ المروِيَّ عن زيدِ بنِ أسلمَ [¬٢] المذكورَ في «شرحِ المنتهَى»، إلَّا في حدِّ الشربِ إذا رأَى الإمامُ أو نائبُه الضربَ بنِعَالٍ، أو جَرِيدٍ، أو أيْدٍ. ح ف بإيضاح.
(٣) قوله: (بالسَّوطِ) قال في «القاموسِ»: السوطِ: المَقْرَعةِ، مأخوذةٌ من
стр. 1926
ويَجِبُ: اتِّقَاءُ الوَجْهِ، والرَّأْسِ، والفَرْجِ، والمَقْتَلِ (١). وتُضْرَبُ المَرْأَةُ: جالِسَةً، وتُشَدُّ عَلَيْها ثِيَابُهَا، وتُمْسَكُ يَدَاهَا (٢).
السَّوْطِ وهو الخَلْطُ؛ لأنَّها تَخْلِطُ اللحمَ بالدمِ. انتهى.
قال في «الرعايةِ» مِنْ عندِه: حَجْمُ السوطِ بينَ القضيبِ والعَصَا. وهو معنَى ما في «شرحِ المهذبِ» للحنفيَّةِ. وفي «المختارِ» لهم: بسوطٍ لا ثَمَرةَ لَه. قال في «المبدعِ»: فيَتعيَّنُ أن لا يَكونَ من الجِلْدِ. لا خَلَقٍ، نصًّا. بفتحِ اللامِ؛ لأنَّه لا يُؤلِمُ. ولا جديدٍ؛ لئلَّا يَجْرَحَ. وفي «الرعايةِ»: بينَ اليابِسِ والرطبِ. بلا مدٍّ ولا رَبْطٍ، ولا تَجْريدٍ من ثيابٍ؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: ليسَ في دِينِنا مدٌّ ولا قيدٌ ولا تَجْريدٌ [¬١]. ولا يُبالِغُ في ضربٍ، ولا يُبْدِي ضاربٌ إبطَه في رفعِ يدٍ للضربِ. أي: فيَحْرُمُ ذلكَ. م ص [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (ويَجِبُ اتِّقاءُ الوَجْهِ) أي: ويَجِبُ في الجلدِ اتِّقاءُ الوَجْهِ، (و) اتقاءُ (الرأسِ، و) اتقاءُ (الفرجِ، و) اتقاءُ (المَقتَلِ) كفؤادٍ وخصيتيْنِ؛ لئلَّا يؤدِّي ضربُه في شيءٍ من هذه المواضِعِ إلى قَتْلِه أو ذهابِ مَنْفعتِه، والقَصْدُ أدبُه فقَطْ. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (وتُشَدُّ عليها ثيابُهَا … إلخ) لئلَّا تَنكشِفَ، ولأنَّ المرأةَ عورةٌ، وفِعْلُ ذلكَ أسْتَرُ لها. ويَتَّقِي وجْهَها ورأسَها وفَرْجَها والمَقْتَلَ، ويُضْرَبُ من جالِسٍ ظهرُه وما قارَبَه كجَنْبِه؛ لأنَّه لا يَتمكَّنُ الضارِبُ من ضربِ غيرِ ذلكَ؛ إذ الوجهُ والرأسُ والبطنُ ممنوعٌ من ضَرْبِها، والألْيَتانِ قد وَطِئ بهما الأرضَ،