ويَجِبُ: اتِّقَاءُ الوَجْهِ، والرَّأْسِ، والفَرْجِ، والمَقْتَلِ (١). وتُضْرَبُ المَرْأَةُ: جالِسَةً، وتُشَدُّ عَلَيْها ثِيَابُهَا، وتُمْسَكُ يَدَاهَا (٢).
السَّوْطِ وهو الخَلْطُ؛ لأنَّها تَخْلِطُ اللحمَ بالدمِ. انتهى.
قال في «الرعايةِ» مِنْ عندِه: حَجْمُ السوطِ بينَ القضيبِ والعَصَا. وهو معنَى ما في «شرحِ المهذبِ» للحنفيَّةِ. وفي «المختارِ» لهم: بسوطٍ لا ثَمَرةَ لَه. قال في «المبدعِ»: فيَتعيَّنُ أن لا يَكونَ من الجِلْدِ. لا خَلَقٍ، نصًّا. بفتحِ اللامِ؛ لأنَّه لا يُؤلِمُ. ولا جديدٍ؛ لئلَّا يَجْرَحَ. وفي «الرعايةِ»: بينَ اليابِسِ والرطبِ. بلا مدٍّ ولا رَبْطٍ، ولا تَجْريدٍ من ثيابٍ؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: ليسَ في دِينِنا مدٌّ ولا قيدٌ ولا تَجْريدٌ [¬١]. ولا يُبالِغُ في ضربٍ، ولا يُبْدِي ضاربٌ إبطَه في رفعِ يدٍ للضربِ. أي: فيَحْرُمُ ذلكَ. م ص [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (ويَجِبُ اتِّقاءُ الوَجْهِ) أي: ويَجِبُ في الجلدِ اتِّقاءُ الوَجْهِ، (و) اتقاءُ (الرأسِ، و) اتقاءُ (الفرجِ، و) اتقاءُ (المَقتَلِ) كفؤادٍ وخصيتيْنِ؛ لئلَّا يؤدِّي ضربُه في شيءٍ من هذه المواضِعِ إلى قَتْلِه أو ذهابِ مَنْفعتِه، والقَصْدُ أدبُه فقَطْ. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (وتُشَدُّ عليها ثيابُهَا … إلخ) لئلَّا تَنكشِفَ، ولأنَّ المرأةَ عورةٌ، وفِعْلُ ذلكَ أسْتَرُ لها. ويَتَّقِي وجْهَها ورأسَها وفَرْجَها والمَقْتَلَ، ويُضْرَبُ من جالِسٍ ظهرُه وما قارَبَه كجَنْبِه؛ لأنَّه لا يَتمكَّنُ الضارِبُ من ضربِ غيرِ ذلكَ؛ إذ الوجهُ والرأسُ والبطنُ ممنوعٌ من ضَرْبِها، والألْيَتانِ قد وَطِئ بهما الأرضَ،
وإنْ اجتَمَعت حُدُودٌ للَّهِ تعالَى مِنْ جِنْسٍ (١): تَدَاخَلَتْ (٢). ومِنْ أجناسٍ: فَلا (٣).
(١) قوله: (وإنِ اجْتَمَعتْ حدودٌ للَّهِ تعالَى .. إلخ) بأنْ زَنَى مرارًا، أو سَرَق مرارًا، أو شرِب الخمرَ مرارًا. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (تَداخَلَتْ) فلا يُحَدُّ سوَى مرةٍ. حكاه ابنُ المنذرِ إجماعَ كلِّ من يُحفَظُ عنه من أهلِ العلمِ. قال حفيدُ «المنتهى»: بأنْ فعَل أحدَها مرارًا قبلَ أن يُحَدَّ للأوَّلِ، أمَّا لو حُدَّ للأوَّلِ، حُدَّ ثانيًا؛ لقولِه ﵇ في الأَمَةِ: «إنْ زنَت فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زنَت فاجْلِدُوها، ثُمَّ إن زنَت فاجْلِدُوها» [¬٢]. انتهَى.
(٣) قوله: (ومِن أجناسٍ فلا) أي: وإنِ اجْتَمعتْ حدودٌ للَّهِ تعالَى من أجناسٍ، كأنْ زنَى وسرَق وشرِب الخمرَ، فلا تَتداخَلُ، وفيها قَتْلٌ؛ بأنْ كانَ في المثالِ مُحْصَنًا، استُوفِي القتلُ وحْدَه؛ لأنَّ التداخُلَ إنَّما هو في الجِنْسِ الواحِدِ. م ص وزيادة [¬٣].
стр. 1929
بابُ حَدِّ الزِّنَى
الزِّنَى (١): هُو فِعْلُ الفَاحِشَةِ في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ (٢).
فإذَا زنَى المُحْصَنُ: وَجَبَ رَجْمُهُ (٣)
بابُ حَدِّ الزنَى
(١) قوله: (الزِّنَى: هو فِعْلُ الفاحِشَةِ) بالقَصْرِ في لغةِ الحجازِ، والمدِّ عندَ تَمِيمٍ. وهُو من أكبرِ الكبائِرِ، وأكبرُ الذنوبِ بعدَ شركٍ وقتلٍ. قال الإمامُ أحمدُ: لا أعلمُ بعدَ القتلِ ذنبًا أعظمَ مِنْ الزِّنَى. ويَتفاوَتُ؛ فزِنًى بذَاتِ زوجٍ أو [¬١] مَحْرَمٍ، أعظمُ مِنْ زِنًى بِمَنْ لا زَوجَ لَهَا وأجنبيةٍ، فإنْ كانَ زوجُها جارًا، انضمَّ له سوءُ الجوارِ، أو قريبًا، انضمَّ له قطيعةُ الرَّحِمِ، والفاحِشَةُ الزِّنَى. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (في قُبُلٍ أو دُبُرٍ) أي: في قُبُلِ أجنبيةٍ أو دُبُرِها، أو دُبُرِ ذَكَرٍ. وسُمِّيَ فاحِشةً؛ لأنَّ اللهَ تعالَى سَمَّاه كذلك في القرآنِ. والزانِي: من غيَّب الحشفةَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ تغييبًا حرامًا. وحُرِّمَ الزنَى لحِفْظِ النسلِ؛ لأنَّه لو أُبِيحَ لاختَلَطَت الأنسابُ. وأمَّا اللواطُ وإتيانُ المرأةِ في دُبُرِها، فإنَّه لو أُبِيحَ لاستُغْنِيَ عن الوطءِ في القُبُلِ الذي خُلِقَ للوَلَدِ، فمُنِعَ مِنْ وطْءِ ما سِوَاه؛ حِفْظًا للنسلِ وتكثيرًا. ح ف.
(٣) قوله: (فإذَا زنَى المُحْصَنُ .. إلخ) أي: المُكَلَّفُ، يَجِبُ رجْمُه بالحجارةِ وغيرِها، وتَكونُ الحجارةُ متوسِطَةً، كالكَفِّ، فلا يُرْجَمُ بصخرةٍ كبيرةٍ، ولا
стр. 1930
حتَّى يَمُوتَ (١). والمُحْصَنُ (٢):
يُطَوَّلُ عليهِ بحَصبَاءَ خفيفَةٍ، ويُتَّقَى قَصْدُ الوَجْهِ. ح ف.
(١) قوله: (حتَّى يَموتَ) ولا يُنْفَى؛ لأنَّه غايةٌ في التغليظِ، ولأنَّه بالرَّجْمِ يُنْفَى عن الدُّنْيا رأسًا. ح ف.
(٢) قوله: (والمُحصَنُ) بفتحِ الصادِ و كسرِها. والإحصانُ أصلُه المَنْعُ، وله مَعانٍ:
أحدُها: الإحصانُ المُوجِبُ رَجْمَ الزانِي، وهو بمعنَى التزويجِ، كقولِه تعالَى: ﴿محصنين غير مسافحين﴾ [النِّساء: ٢٤]. قالوا: معناه: حصُنَ بالنكاحِ لا بالزنَى.
الثانِي: الإحصانُ بمعنَى العِفَّةِ، وهو إحصانُ المقذوفِ، وهو المرادُ بقولِه تعالَى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النُّور: ٤]. وقولِه تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ [النُّور: ٢٣].
الثالثُ: بمعنَى الحريَّةِ، وهو المرادُ بقولِه تعالَى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النِّساء: ٢٥]. وقولِه تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المَائدة: ٥].
الرابعُ: بمعنَى الإسلامِ، وهو المرادُ بقولِه تعالَى: ﴿فإن أحصن﴾ [النِّساء: ٢٥] عندَ جماعةٍ، حكاه الواحديُّ عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والشعبِيِّ، والنخعِيِّ، والسُّدِّيِّ [¬١]. ح ف.
стр. 1931
هُوَ مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ (١) في قُبُلِهَا (٢)، بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ (٣)، وهُمَا حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ (٤).
وإنْ زَنَى الحُرُّ غَيْرُ المُحْصَنِ: جُلِدَ مِائةَ جَلْدةٍ، وغُرِّبَ عامًا (٥) إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ.
(١) قوله: (هو مَنْ وطِئَ زَوْجتَه) لا سُرِّيَّتَه، فلا يَحصُلُ الإحصانُ بذلكَ.
(٢) قوله: (في قُبُلِها) لا في دُبُرِها، أو دونَ الفَرْجِ.
(٣) قوله: (بنكاحٍ صحيحٍ) فلا يَحصُلُ الإحصانُ بوَطْئِها في النكاحِ الفاسِدِ، ك: بلا وَلِيٍّ، أو بلا شهودٍ، إذا لم يُحكمْ به، أو في الباطِلِ، أو بِمِلْكٍ، أو بشُبْهةٍ. ح ف.
(٤) قوله: (وَهُمَا حُرَّانِ مُكلَّفَانِ) أي: والزَّوجَانِ حرَّانِ مُكَلَّفانِ، فلا يَحصُلُ الإحصانُ لواحِدٍ منهما لو كانَا حالَ الوَطْءِ صغيريْنِ، أو مَجْنونيْنِ، أو رقيقيْن، أو أحدُهما كذلك، ولو عتقا وعقلَا وبلغَا بعدَ النكاحِ، ثم وَطِئَها، صارَا محصنيْن. ولا إحصانَ بمجردِ العَقْدِ، ولا بالخَلْوَةِ، ولا بوطءِ زِنَى أو شُبْهةٍ. ح ف وزيادة.
(٥) قوله: (وغُرِّبَ عامًا) ولو رأَى الإمامُ الزيادةَ على ذلكَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ المدَّةَ منصوصٌ عليها، فلم يَدخُلْها الاجتهادُ. ولو أرادَ الحاكِمُ التغريبَ، فخرَج الزانِي بنفسِه ثم عادَ، لم يَكْفِه. والبدويُّ يُغرَّبُ عن حِلَّتِه [¬١] وقومِه، ولا يمكَّنُ من الإقامةِ بينَهُم. ولو عادَ الزانِي من تَغْريبِه قبلَ مُضِيِّ الحَوْلِ، أُعِيدَ تغريبُه حتَّى يُكْمِلَ الحَوْلَ مسافرًا، ويبنِي على ما مضَى.
стр. 1932
وإنْ زَنَى الرَّقِيقُ: جُلِدَ خَمْسِينَ (١)، ولا يُغَرَّبُ (٢). وَإنْ زَنَى الذِّمِّيُّ بِمُسْلِمَةٍ (٣): قُتِلَ (٤). وإنْ زَنَى الحَرْبِيُّ: فلا شَيْءَ عَلَيْه (٥). وإنْ زَنَى
وتُغرَّبُ الأنثَى بمَحْرَمٍ باذلٍ نفسَه معها وُجُوبًا، وعليها أُجْرتُه، فإنْ تعذَّرت أجرتُه منها لعدمٍ أو امتناعٍ، فمَن بيتِ المالِ. فإنْ أبَى المَحْرَمُ السفرَ معها، أو تعذَّر؛ بأن لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، فوَحْدَها. ويُغرَّبُ غريبٌ ومغرَّبٌ إلى غيرِ وَطَنِهما. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (وإنْ زنَى الرقيقُ جُلِدَ خمسِينَ) جلدةً، ولا يُرْجَمُ، ولو وَطء زوجتَه بنكاحٍ صحيحٍ.
(٢) قوله: (ولا يُغرَّبُ) أي: الرقيقُ؛ لأنَّ التغريبَ إضرارٌ بسيدِه. ويُجْلَدُ ويُغرَّبُ مُبَعَّضٌ بحسابِه، فالمتنصَّفُ [¬١] يُجْلَدُ خمسًا وسبعينَ جلدةً، ويُغرَّبُ نصفَ عامٍ، ويُحْسَبُ زمنُ التغريبِ عليه من نصيبِه الحرِّ. ومَن ثُلُثُه حرٌّ، لزِمَه ثلثَا حدِّ الحرِّ؛ ستٌ وستونَ جلدةً، وسقَط الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ متَى دارَ بينَ الوجوبِ والإسقاطِ، سقَط. ويُغرَّبُ ثُلُثَي عامٍ. والمُدَبَّرُ والمكاتَبُ وأمُّ الولدِ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصفةٍ، كالقِنِّ في الحدِّ؛ لأنَّه رقيقٌ كلُّه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وإنْ زنَى الذِّمِّيُّ بمسلمةٍ) أو أصابَهَا باسمِ نكاحٍ.
(٤) قوله: (قُتِلَ) لانتقاضِ عهدِه.
(٥) قوله: (وإنْ زنَى الحربِيُّ فلا شيءَ عليه) لعدمِ التزامِه لأحكامِنا. ع ب [¬٣].
стр. 1933
المُحْصَنُ بغَيْرِ المُحْصَنِ: فَلِكُلٍّ حَدُّهُ (١). ومَن زَنَى ببَهِيمَةٍ: عُزِّرَ (٢).
وشَرْطُ وُجُوبِ الحَدِّ ثَلاثَةٌ (٣):
(١) قوله: (فَلِكُلٍّ) من المحصنِ والبِكْرِ. (حَدُّهُ) وزانٍ بذاتِ مَحْرَمٍ، كغيرِها. وحدُّ لوطيٍّ، فاعلًا كان أو مفعولًا، كزانٍ، فإنْ كانَ مُحْصَنًا رُجِمَ، وإلا جُلِدَ مائةً وغرِّب عامًا. ومملوكُه كغيرِه؛ لأنَّ الذَّكَرَ ليسَ محلَّ الوطءِ، فلا يُؤثرُ ملكُه لَه، ودُبُرُ أجنبيةٍ كاللواطِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ومَن زنَى ببَهيمةٍ) ولو سمكةً (عُزِّرَ) لأنَّه أتى محرمًا لا حدَّ فيه ولا كفارةَ، وإنَّما لم يُحَدَّ؛ لأنَّ الحديثَ [¬٢] الذي ورَد به، قد تكلِّم فيه، ولا يصحُّ قياسُه على وطءِ المرأةِ؛ لأنَّه ليسَ بمقصودٍ يَحْتاجُ في الزَّجْرِ عنه إلى حدٍّ؛ إذ النفوسُ الشريفةُ، بل وغيرُها، تَعافُه وتَنفِرُ منه. ح ف.
(٣) قوله: (وشَرْطُ وجوبِ الحدِّ ثلاثةٌ) زادَ [¬٣] في «الكافِي» ثلاثةً أيضًا، ولا بدَّ منها أيضًا:
أحدُها: أن يَكونَ الزانِي مُكَلَّفًا. ولم يَذكُرْه المُصنِّفُ هنا؛ للعلمِ به مما تقدَّم في كتابِ الحدودِ.
الثانِي: أن تكونَ المرأةُ مختارةً.
الثالثُ: أنْ يَكونَ الزانِي عالِمًا بالتحريمِ. وهما مذكورانِ في كلامِه في
стр. 1934
أَحَدُها: تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ (١)، أوْ قَدْرِهَا، في فَرْجٍ (٢) أو دُبُرٍ لآدَمِيٍّ حَيٍّ (٣).
الثانِي: انتِفَاءُ الشُّبْهَةِ (٤).
كتابِ الحدودِ، وإنْ لم يَكُنْ علَى طريقِ التعدادِ.
ولو كانَ أحدُهُما غيرَ مُكلَّفٍ أو جاهلًا بالتحريمِ، والآخَرُ بخلافِ ذلكَ، وجَب الحدُّ على مَنْ هو أهلٌ له دونَ الآخَرِ، ولو زنَى ابنُ عشرٍ أو بنتُ تسعٍ، عُزِّرَا. ح ف بإيضاح.
(١) قوله: (أحدُها: تغييبُ الحَشَفةِ) الأصليةِ تَغْيِيبًا يُوجِبُ الغُسْلَ. ظاهرُه: ولو بحائِلٍ؛ لعمومِ المَنْعِ. واحتُرِزَ بذلكَ عمَّا لو غيَّب الخُنْثَى المُشكِلُ ذَكَرَه في فرجِ امرأةٍ، فإنَّه لا حدَّ على واحدٍ منهما، بل يُعزَّرَانِ. ح ف.
(٢) قوله: (في فَرْجٍ) أصلِيٍّ. احتُرِزَ به عمَّا لو [¬١] وَطِئَ الذَّكَرُ خُنْثَى مشكلٍ في قُبُلِها، فإنَّه لا حدَّ على واحدٍ منهما، بل يُعزَّرَانِ، أيضا. ح ف.
(٣) قوله: (لآدمِيٍّ حَيٍّ) فلا حدَّ بوطءِ ميِّتٍ أو مَيِّتةٍ؛ لأنَّه فرجٌ غيرُ مُشْتَهًى، فأشْبَه ما لو أدْخَل إصبعَه فيه، بل علَيْه التعزيرُ فقط، ح ف.
(٤) قوله: (الثانِي: انتفاءُ الشُّبْهةِ) لقولِه ﷺ : «ادْرَؤُوا الحدودَ بالشُّبُهاتِ ما استَطَعْتُم» [¬٢]. فلا يُحَدُّ بوطءِ أَمَةٍ له فيها شَرِيكٌ، أو امرأةٍ ظنَّها زوجتَه أو سُرِّيَّتَه. انتهى. الوالد.
стр. 1935
الثالِثُ: ثُبُوتُهُ: إمَّا بإقْرَارٍ (١) أرْبَعَ مَرَّاتٍ (٢)، ويَستَمِرُّ علَى إقْرَارِهِ (٣). أوْ بِشَهَادَةِ أرْبَعَةِ رِجَالٍ عُدُولٍ (٤).
(١) قوله: (إمَّا بإقرارٍ) مُكَلَّفٍ.
(٢) قوله: (أربعَ مرَّاتٍ) ولو في مجالِسَ. وفي «مُختصرِ ابنِ رَزِينٍ»: بمَجلِسٍ. قال ابنُ نصرِ اللهِ: هل المرادُ بالمجلسِ مجلسُ الحُكْمِ، أو أعمُّ من ذلك؟. ح ف.
(٣) قوله: (ويَستمِرُّ على إقرارِه) حتى يتمَّ الحدُّ، فلو رجَع أو هَرَب، تُرِكَ. ويُعتَبَرُ أن يُصرِّحَ المقرُّ بذِكْرِ حقيقةِ الوطءِ. م ص [¬١] وزيادة.
(٤) قوله: (أو بِشَهَادَةِ أَربعَةِ رجالٍ) أي: ويَثبُتُ الزنَى بشهادةِ أربعةِ رجالٍ … الخ.
اعْلَم: أنَّه يُشْترَطُ في ثبوتِه بالشهادةِ خمسةُ شروطٍ، تَضمَّنَ بعضَها كلامُ المصنِّفِ:
أولُها: أنْ يَكونُوا أربعةً.
الثانِي: أن يكونوا رجالًا كلَّهم.
الثالثُ: أن يَكونوا عدولًا.
الرابِعُ: أن يَشْهدُوا في مجلسِ واحدٍ، ولو جاءُوا واحدًا بعدَ واحدٍ حيثُ لم يُؤدُّوها إلا بعدَ كمالِهم.
الخامسُ: أن يَصفُوا صورةَ الزِّنَى، فيَقولونَ: رأَيْنا ذَكَرَه في فرجِها.
ولا تُشْتَرطُ حُرِّيتُهم، ولا إنكارُ المشهودِ عليه. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: إن
стр. 1936
فإنْ كَانَ أَحَدُهُمْ غَيْرَ عَدْلٍ: حُدُّوا للقَذْفِ (١).
وإنْ شَهِدَ أربعَةٌ بزِنَاهُ (٢) بفُلانَةَ، فَشَهِدَ أربَعَةٌ آخُرُونَ: أنَّ الشُّهُودَ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا (٣): صُدِّقُوا، وحُدَّ الأَوَّلُونَ (٤) فَقَطْ (٥) للقَذْفِ والزِّنَى (٦).
وإنْ حَمَلَتْ مَنْ لا زَوْجَ لَهَا، ولا سَيِّدَ: لَمْ يَلْزَمْهَا شَيءٌ (٧).
جاءُوا متفرقِينَ، فهم قَذَفةٌ، فلم تُقْبَلْ شهادتُهُم. عثمان [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (حُدُّوا للقَذْفِ) لعدمِ كمالِ شهادتِهِم، كما لو لم يَكْمُلِ العددُ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وإنْ شَهِدَ أربعةٌ بزِنَاهُ) أي: فلانٍ.
(٣) قوله: (أنَّ الشُّهودَ هم الزُّناةُ بها) دونَ المشهودِ علَيْه. م ص.
(٤) قوله: (وحُدَّ) الأربعةُ الشاهدونَ به (الأَوَّلُون) وكذا أيضًا تُحَدُّ المرأةُ؛ لثبوتِ زِناها بشهادةِ الآخرِين، لا الرجلَ؛ لعدمِ ثبوتِ زِناه، ولفِسْقِ مَنْ شهِد عليه. ح ف وزيادة.
(٥) قوله: (فَقَطْ) دونَ المشهودِ عليه؛ لقدحِ الآخرينَ في شهادتِهِم عليه. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (للقَذْفِ والزِّنَى) لأنَّهم شهِدوا بزنَى لم يَثبُتْ، فهم قَذَفةٌ وثبَت عليهم الزنَى بشهادةِ الآخرينَ. م ص [¬٤].
(٧) قوله: (لم يَلْزَمْها شيءٌ) بذلكَ الحَمْلِ، ولا يَجِبُ أن تُسألَ؛ لِمَا فيه من
стр. 1937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إشاعةِ الفاحِشَةِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه. وإنْ سُئِلتْ، فادَّعَت أنَّها مُكْرهةٌ أو وُطِئتْ بشُبْهةٍ أو لم تُقرَّ بالزِّنَى أربعًا، لم تُحَدَّ؛ لأنَّه يُدْرَأُ بالشبهةِ. عثمان [¬١].
стр. 1938
بابُ حَدِّ القَذْفِ
مَنْ قَذَفَ غَيْرَه بالزِّنَى (١): حُدَّ للقَذْفِ ثَمَانِينَ إنْ كانَ حُرًّا (٢)، وأرْبَعِينَ إنْ كَانَ رَقِيقًا (٣).
بَابُ حَدِّ القَذْفِ
حدُّ القذفِ، هو في الأصلِ: رَمْيُ الشيءِ بقوَّةٍ، ثم استُعْمِلَ في الرمِي بزنًى ونحوِه من المكروهاتِ. وشُرِعَ حَدُّه؛ لحفظِ العِرْضِ. ح ف.
(١) قوله: (مَنْ قَذَفَ غَيَرَهُ بالزِّنَى) قال في «المنتهى» [¬١]: والقاذِفُ مُكلَّفٌ مختارٌ، ولو أخْرَسَ وقذَف بإشارةٍ مُحْصَنًا، ولو مَجْبُوبًا، أي: مقطوعَ الذَّكَرِ، أو كانَت مقذوفةٌ ذاتَ مَحْرَمٍ من قاذِفٍ، أو كانَتْ رَتْقاءَ.
(٢) قوله: (حُدَّ للقذفِ ثمانينَ إنْ كانَ حرًّا) لقولِه تعالَى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النُّور: ٤] ح ف.
(٣) قوله: (وأربعينَ إنْ كانَ رقيقًا) لأنَّ آيةَ القذفِ مُخصصةٌ بالإجماعِ علَى أنَّ العبدَ القاذِفَ يُجْلَدُ على النصفِ من الحرِّ. قاله في «شرحِ التحريرِ» [¬٢]
ومُبَعَّضٌ بحِسَابِه، فمَن نصفُه حرٌّ ونصفُه رقيقٌ يُجْلدُ سِتّين؛ لأنَّه يَتبعَّضُ، فكانَ على القِنِّ فيه نصفُ ما على الحرِّ، فلو كانَ ثَمَّ كسرٌ، سقَط، فمَن ثُلُثُه حرٌّ وثُلُثَاه رقيقٌ، فحَدُّه اثنانِ وخمسونَ جلدةً، ويَسْقُطُ الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ يُدْرَأُ بالشبهةِ. م ص وزيادة.
стр. 1939
وإنَّمَا يَجِبُ بشُرُوطٍ تِسْعَةٍ (١):
أرْبَعَةٌ مِنها في القاذِفِ: وهُوَ: أنْ يَكُونَ بالِغًا، عاقِلًا (٢)، مُختَارًا (٣)، لَيْسَ بوالِدٍ (٤) للمَقْذُوفِ، وإنْ عَلا (٥).
وخَمْسَةٌ في المَقْذُوفِ: وهُو: كُونُهُ حُرًّا، مُسْلِمًا (٦)، عَاقِلًا (٧)، عَفِيفًا عَنْ الزِّنَى (٨)،
(١) قوله: (وإنَّما يَجِبُ بشروطٍ تِسْعةٍ) أشار بذلكَ إلى أنَّه لا بدَّ في القذفِ من استجماعِ هذه الشروطِ، والواوُ للاستئنافِ البَيَانِي، كأنَّ سائلًا سألَه وقالَ له: وما شروطُ وجوبِ القذفِ؟ فقال ما ذُكِرَ.
(٢) قوله: (بالغًا عاقِلًا) أي: يُشْتَرَطُ لوجوبِ الحدِّ للقذفِ تكليفُ القاذِفِ، فلا حدَّ على صغيرٍ ومجنونٍ ومبرسمٍ ونائِمٍ، بخلافِ السَّكْرانِ. ح ف.
(٣) قوله: (مختارًا) فلا حدَّ على مُكْرَهٍ.
(٤) قوله: (ليسَ بوالِدٍ) بأنْ لا يَكونَ القاذِفُ أصلًا للمقذوفِ.
(٥) قوله: (وإنْ علا) كالجدِّ.
(٦) قوله: (وهو كونُه حرًّا مسلمًا) أي: فلا حدَّ بقذفِ قِنّ وكافِرٍ، بل يَجِبُ التعزيرُ. ولم أرَ حُكْمَ المُبَعَّضِ، والظاهِرُ أنَّه كالقِنّ؛ لأنَّه إذا أُطْلِقَ الحرُّ فالمرادُ: كامِلُ الحريَّةِ. ح ف.
(٧) قولُه (عاقلًا) خرَج به المجنونُ، فإذا قُذِف المجنونُ، لا يُحَدُّ قاذِفُه؛ لأنَّ زناه لا يوجِبُ الحدَّ، فلا يعيَّرُ به؛ إذ الحدُّ للقذفِ إنَّما وجَب دفعًا للعارِ عن المقذوفِ. ح ف.
(٨) قوله: (عفيفًا عن الزِّنَى) بأنْ يَكونَ مُحْصَنًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النُّور: ٤]. فلا يُحَدُّ مَنْ قذَف من ثبَت زِنَاه ببَيِّنةٍ، أو شهِد به
стр. 1940
يُوطَأُ وَيَطَأُ مِثْلُهُ (١).
لكِنْ: لا يُحَدُّ قَاذِفُ غَيْرِ البَالِغِ حَتَّى يَبْلُغَ (٢)؛ لأنَّ الحَقَّ في حَدِّ القَذْفِ للآدَمِيِّ (٣)،
شاهدانِ، أو أقرَّ به ولو دونَ أربعٍ؛ لأنَّ غيرَ العفيفِ لا يُشِينُه القَذْفُ، بخلافِ مَنْ لم يَشْهدْ بزِناه أحدٌ ولم يقرَّ به؛ لأنَّه عفيفٌ ظاهرًا، وإنْ كانَ زانيًا باطنًا. ح ف.
وأنْ لا يَعفُوَ المقذوفُ، وأن لا يُلاعنَ القاذِفُ، إنْ كانَ زوجًا، وأن لا يأتِيَ القاذفُ ببَيِّنةٍ بِمَا قذَفه به من الزِّنَى أو اللواطِ، أو يُصدِّقُ المقذوفُ على ذلكَ. ح ف.
(١) قوله: (يُوطَأُ ويَطَأُ مِثلُه) أي: ويُشترَطُ كونُ المقذُوفِ يُوطَأُ ويَطأُ مثلُه، كابنِ عشرٍ فأكثَرَ، وبنتِ تسعٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يَلْحَقُه العارُ بإضافة الزِّنَى إليه، فأشْبَه البالِغَ؛ ولهذا كانَ عيبًا في المَبِيعِ في ابنِ العشرِ كالكبيرِ، فيُحَدُّ مَنْ قذَفَهُما كالكبيريْنِ، ولا يُحَدُّ قاذفُ مَنْ دونَ ذلكَ؛ لأنَّه لا يُعيَّرُ به لتحقُّقِ كذبِ القائِلِ، بل يُعزَّرُ. وفي «الفصولِ»: ولو قالَ: زَنَى بكِ جنِيٌّ لا يُجامعُ مثلُه، لم يَكنْ قاذفًا، ويُعزَّرُ. ح ف.
(٢) قوله: (لَكِنْ لا يُحَدُّ قاذِفٌ … إلخ) استدراكٌ على قولِه: «يُوطَأُ ويَطَأُ مثلُه» دفَع به ما يُتوَهَمُ ثبوتُه من أنَّه إذا قُذِف ابنُ [¬١] عشرٍ، يُحَدُّ قاذِفُه في الحالِ.
(٣) قوله: (لأنَّ الحقَّ في حدِّ القذفِ للآدمِيِّ) تعليلٌ للاستدراكِ؛ لأنَّ في الحدِّ قطعًا للأذَى الحاصِلِ له بالقَذْفِ، فكانَ الحقُّ في ذلكَ له. ح ف وإيضاح.
стр. 1941
فَلا يُقامُ بِلا طَلَبِهِ (١).
ومَنْ قَذَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ: عُزِّرَ (٢).
ويَثْبُتُ الحَدُّ هُنَا، وفي الشُّرْبِ، والتَّعزيرِ، بأَحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا بإقْرَارِهِ مَرَّةً. أو شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
(١) قوله: (فلا يُقَامُ بلا طَلَبِه) مُفرَّعٌ على التعليلِ، أي: فلا يُقامُ حدُّ قذفٍ بلا طلبِ المقذوفِ بعدَ بلوغِه؛ إذْ لا أثَرَ لطَلَبِه قبلَ بلوغِه؛ لعدمِ اعتبارِ كلامِه، ولا طَلَبَ لوَلِيِّه عنه؛ لأنَّ الغَرَضَ منه التَّشفِّي، فلا يَقومُ غيرُه مقامَه فيه، كالقَوَدِ. لكن لا يَسْتوفِيه بنفسِه، فإنْ فعَله لم يُعتدَّ به، بل يَستَوْفِيه له الإمامُ أو نائبُه. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (ومَن قذَف غيرَ مُحْصَنٍ عُزِّرَ) ردعًا له عن أعراضِ المعصومِينَ، وكفًّا عن إيذائِهم.
والمُحْصَنُ في بابِ القذفِ: الحرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ عن الزِّنَى ظاهرًا، ولو تائبًا منه؛ لأنَّ التائِبَ مَنْ الذنبِ كمَن لا ذنبَ له. فلا حدَّ بقَذْفِ قِنٍّ وكافرٍ؛ لأنَّ حرمتَهُما ناقصةٌ، بل يَجبُ التعزيرُ، كما تقدَّم. م ص [¬٢] وزيادة.
стр. 1942
فَصْلٌ
ويَسقُطُ حَدُّ القَذْفِ بأرْبعةٍ: بعَفْوِ المَقْذُوفِ (١). أوْ: بتَصْدِيقِه (٢). أو: بإقَامَةِ البَيِّنَةِ (٣). أوْ: باللِّعَانِ (٤).
والقَذْفُ: حَرَامٌ، وواجِبٌ، ومُبَاحٌ. فيَحْرُمُ: فِيمَا تَقَدَّمَ (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (بعَفْوِ المقذوفِ) ولو بَعْدَ طلبِه؛ لأنَّه حقُّه. ولا يَسقُطُ بالعفوِ عن بعضِه، فلَوْ قذَف جماعةً بكلمةٍ واحدةٍ، فعفَا بعضُهُم، لم يَسقُطِ الحدُّ بالنسبةِ لِمَنْ لم يَعْفُ، ويُسْتوفىَ له كاملًا، بخلافِ القصاصِ؛ لأنَّه لا يَتبعَّضُ. ش ع [¬١].
(٢) قوله: (أو بتَصْديقِه) فإنْ صدَّقه، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه أبْلَغ من إقامةِ البَيِّنةِ. ش ع [¬٢].
(٣) قوله: (أو بإقامةِ البَيِّنةِ) فإنْ أتَى القاذِفُ بالبَيِّنةِ أربعةِ رجالٍ على ما قذَفَه بِه، سقَط عن القاذِفِ حَدُّه.
(٤) قوله: (أو باللِّعانِ) أي: ويَسقُطُ حدُّ القذفِ بلِعانِ القاذِفِ المقذوفَ، إنْ كانَ القاذِفُ زوجًا؛ لِمَا تقدَّم في اللِّعانِ. ش ع [¬٣] بإيضاح.
(٥) قوله: (فيَحرُمُ فيما تقدَّمَ) وهو قَذْفُ الحرِّ المُسلمِ العَفيفِ.
стр. 1943
ويَجِبُ: عَلَى مَنْ يَرَى زَوْجَتَه تَزْنِي (١)، ثُمَّ تَلِدُ وَلَدًا يَقْوَى في ظَنِّهِ أنَّهُ مِنْ الزَّانِي (٢)؛ لِشَبَهِهِ بِهِ. ويُباحُ: إذَا رَآهَا تَزْنِي، وَلَمْ تَلِدْ مَا يَلْزَمُهُ نَفْيُهُ (٣). وفِرَاقُهَا: أوْلَى (٤).
(١) قوله: (ويَجِبُ علَى مَنْ يرَى زَوْجتَه تَزْنِي) في طُهْرٍ لم يَطأْهَا فيه، فيَعتزِلُها. «منتهى» [¬١].
(٢) قوله: (ثُمَّ تَلِدُ ولدًا يقوَى في ظنِّه أنَّه من الزَّانِي) فيَلزمُه قذفُها، ونَفْيُ الولدِ باللِّعانِ؛ لجريانِ ذلكَ مَجْرَى اليقينِ في أنَّ الولدَ من الزانِي، حيثُ أتَتْ به لسِتَّةِ أشهرٍ فأكثرَ من وطءِ الزانِي، وإذَا لم يَنْفِ الولدَ، لَحِقَه ووَرِثَه وورِثَ أقارِبَه، ووَرِثُوا منه، ونظَر إلى بناتِه وأخواتِه ونَحْوهِنَّ، وذلكَ لا يَجوزُ، فوجَب نَفْيُه؛ إزالةً لذلكَ. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (ولم تَلِدْ ما يَلْزَمُه نَفْيُه) بأنْ لَمْ تَلِدْ أصلًا، أو ولَدَت ما لا يُمْكِنُ كونُه من الزانِي؛ بأنْ تَأتِي به لأقلَّ من ستةِ أشهرٍ من وَطْئِه ويَعيشُ، أو يَطأُها [¬٣] في طهرٍ واحدٍ وتأتِي به لستةِ أشهرٍ فأكْثَرَ، لكنْ لا يَغلِبُ على الظنِّ أنَّه من الزانِي؛ لشَبَهِه به ونحوِه. ح ف.
(٤) قوله: (وفِراقُهَا) إذِنْ (أولَى) لأنَّه أسْتَرُ، ولأنَّ قَذْفَها يُفْضِي إلى حَلِفِ أحدِهِما كاذبًا إنْ تَلاعَنَا، أو إقرارِها، فتُفْتَضَحُ. ولا يَجوزُ قَذْفُها بِمَنْ لا يُوثَقُ به؛ لأنَّه غيرُ مأمونٍ على الكذبِ عليها ولا برُؤْيتِه رجلًا عندَها غيرَ معروفٍ بالزِّنَى إنْ لم يَستَفِضْ زِناها؛ لجوازِ دخولِه سارقًا ونحوِه.
فَصْلٌ
وصَرِيحُ القَذْفِ (١): يَا مَنيُوكَةُ (٢)، يَا مَنيُوكُ، يَا زَانِي، يا عَاهِرُ (٣)، يَا لُوطِيُّ (٤). و: لَسْتَ وَلَدَ فُلانٍ (٥): فَقَذْفٌ لأُمِّهِ.
فَصْلٌ
(١) قوله: (وصَرِيحُ القَذْفِ .. إلخ) وللقذفِ صريحٌ وكنايةٌ، وصريحُه لا يُحتَمَلُ غيرُه.
(٢) قوله: (يا مَنيُوكةُ) إنْ لم يُفسِّرْه قاذفٌ بفعلِ زوجٍ أو سيدٍ، فإنْ فسَّره بذلكَ، فليسَ قذفًا. م ص [¬١] وزيادة.
(٣) قوله: (يا عَاهِرُ [¬٢]) أصلُ العُهْرِ: إتيانُ الرجلِ المرأةَ ليلًا؛ للفُجُورِ بِها، ثُمَّ غلَب على الزِّنَى، سواءٌ جاءَها أو جاءَتْه ليلًا أو نَهَارًا. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (يا لوطيُّ) لأنَّه في العُرْفِ: مَنْ يأتِي الذَّكَرَ؛ لأنَّه عَمَلُ قومِ لُوطٍ. فلَو قالَ: أردتُ بقَولِي: يا لوطيُّ: أنَّك من قومِ لوطٍ، أو أنَّكَ تَعمَلُ عملَهُم غيرَ إتيانِ الذكورِ، لم يُقْبَلْ منه ذلكَ؛ لأنَّه خلافُ الظاهِرِ، ولا دليلَ عليه. م ص [¬٤] وزيادة.
(٥) قولُه (فقَذْفٌ لأمِّه) أي: المقولِ له؛ لإثباتِه الزِّنَى لأمِّهِ [¬٥]؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمَّا
стр. 1946
وكِنايَتُه (١): زَنَتْ يَدَاكَ، أوْ: رِجْلاكَ (٢)، أو: يَدُكَ، أوْ: رِجْلُكَ، أو: بَدَنُكَ، يَا مُخَنَّثُ (٣)، يَا قَحْبَةُ (٤)،
أن يَكونَ لأبِيه أو غيرِه، فإذَا نَفَاه عن أبِيه، فقَدْ أثْبَتَه لغيرِه، والغيرُ لا يُمْكِنُ إحبالُه لَهَا في زوجيَّةِ أبِيه إلا بالزِّنَى، فكانَ قذْفًا لها، وكأنَّهم لم يَنظُرُوا لاحتمالِ الشُّبْهةِ؛ لبُعْدِه. م ص [¬١].
(١) قوله: (وكِنَايتُهُ) وهِي: كلُّ لفظٍ يُفْهَمُ منه إضافةُ الزِّنَى إليه مع احتمالِ غيرِه. ح ف.
(٢) قوله: (زَنَت يَدَاكَ، أو) زنَت (رِجْلاكَ .. إلخ) لأنَّ زِنَى هذه الأعضاءِ لا يُوجِبُ الحدَّ؛ لحديثِ: «العينانِ تَزْنِيانِ وزناهُمَا النظرُ، واليدانِ تَزْنِيانِ وزِناهُما البطشُ، والرجلانِ تَزْنيانِ وزِناهُمَا المَشْيُ، ويصدِّقُ ذلكَ الفرجُ أو يُكذِّبُه» [¬٢]. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (يا مُخَنَّثُ) هو كنايةُ عن الوطءِ في الدُّبُرِ. واحتُرِزَ به عن الخبيثِ بالباءِ فإنَّه ليسَ من الكناياتِ على المَذْهَبِ، وحينئذٍ يُنْظَرُ ما الفَرْقُ بينَه وبينَ قولِه للأُنْثَى: يا خبيثةُ. ح ف.
(٤) قوله: (يا قَحبَةُ) المرأةُ البَغِيُّ، وجَمْعُها قِحَابٌ، ككلبٍ وكلابٍ. قال السَّعدِيُّ: قحبَ البعيرُ والكلبُ: سعَل. وهي في زمانِنا: المُعدَّةُ للزِّنَى. م ص وزيادة [¬٤].
стр. 1947
يا فَاجِرَةُ (١)، يا خَبِيثَةُ (٢).
أوْ يَقُولُ لِزَوْجَةِ شَخْصٍ: قَدْ فَضَحْتِ زَوْجَكِ، و: غَطَّيْتِ رَأْسَهُ (٣)، و: جَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا، و: عَلَّقْتِ علَيْهِ أَوْلادًا مِنْ غَيْرِهِ (٤)، و: أفْسَدْتِ فِرَاشَهُ (٥).
فإنْ أرادَ بِهَذِه الألْفَاظِ (٦)(١) قوله: (يا فاجِرَةُ) الفجورُ في الأصْلِ: الانبعاثُ في المعاصِي والمحارِمِ، وصارَ يُستعمَلُ في الزِّنَى. ح ف.
(٢) قوله: (يا خبيثةُ) صفةٌ مُشَبَّهةٌ، ك: خبَث الشيءُ [¬١] فهو خَبِيثٌ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وغَطَّيْتِ رأسَه) لأنَّه يَحتملُ أن يَكونَ: بشَكواكِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (وجعَلْتِ له قُرُونًا [¬٤] .. إلخ) أي: أنه يَحتمِلُ: من زوجٍ آخرَ، أو وَطْءٍ بشُبْهةٍ. م ص [¬٥].
(٥) قوله: (وأفْسَدْتِ فراشَه) أي: يَحتمِلُ أنَّه بالنشوزِ والشِّقاقِ، أو مَنْعِ الوطءِ. م ص [¬٦].
(٦) قوله: (فإنْ أرادَ بهذِه الألفاظِ) بالجرِّ؛ بدلٌ من اسمِ الإشارةِ؛ بأنْ أرادَ بألفاظِ [¬٧] الكنايةِ.
стр. 1948
حَقِيقَةَ الزِّنَى: حُدَّ. وإلَّا: عُزِّرَ (١).
ومَن قَذَفَ أهْلَ بَلْدَةٍ، أوْ جَمَاعَةً (٢) لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً: عُزِّرَ، ولا حَدَّ.
وإنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، وقَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ (٣): فَلِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ. وإنْ كَانَ إجْمَالًا (٤):
(١) قوله: (وإلَّا عُزِّرَ) أي: وإلَّا يُرِدْ حقيقَةَ الزنَى؛ بأنْ فسَّره بمحتملٍ غيرِ قذفٍ، قُبلَ، وعُزِّرَ لارتكابِه معصيةً لا حدَّ فيها ولا كفارةَ، كما يعزَّرُ بقولِه: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا فاجِرُ، يا حمارُ، يا تَيْسُ، يا رافضِيُّ، يا خَبِيثَ البَطْنِ أو خَبِيثَ الفرجِ، يا عدوَّ اللَّهِ، يا ظالِمُ، يا كذَّابُ .. إلى آخرِ ما ذكَره في «المنتهى» [¬١]. وتأتِي في التعزيرِ.
(٢) قوله: (ومَن قذَف أهلَ بلدةٍ أو جماعةً .. إلخ) وكذا لو سبَّهُم بغيرِ الزِّنَى. والمرادُ بالجماعةِ: الذي لا يُتصوَّرُ زِناهُم عادةً، الكثيرونَ عُرْفًا. ح ف.
(٣) قوله: (وقَذَفَ كلَّ [¬٢] واحدٍ بكلمةٍ) بأنْ قَذَفَهم بكلماتٍ جملةً، فعلَيْه لكلِّ واحدٍ حدٌّ؛ لتعدُّدِ القذفِ، وتعدُّدِ مَحِلِّه، كما لو قَذَف كلًّا منهم. م ص [¬٣] وزيادة.
(٤) قوله: (وإنْ كانَ إجمالًا) أي: وإنْ كانَ القَذْفُ للجماعةِ إجمالًا، كقولِه لهم [¬٤]: زناةُ.
стр. 1949
فَحَدٌّ واحِدٌ (١).
(١) قوله: (فحَدٌّ واحِدٌ) أي: فعَلَيْه حدٌّ واحدٌ، إذا طَالَبُوه، ولو متفرقينَ، أو طالَبَ واحدٌ منهم، فيُحَدُّ لِمَنْ طَلَب، ثم لا حدَّ بعدَه؛ لقولِه تعالَى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النُّور: ٤]. الآية. فلم يُفرَّقْ بينَ مَنْ قذَف واحدًا أو جماعةً؛ ولأنَّ الحدَّ إنَّما وجَب بإدخالِ المعرَّةِ. ع ب [¬١].
стр. 1950
بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ
مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا مَائِعًا (١). أوْ: اسْتَعَطَ بِهِ (٢). أو: احْتَقَنَ بِهِ (٣). أو: أكَلَ عَجِينًا مَلْتُوتًا بِهِ (٤)،
بابُ حدِّ المُسْكِرِ
المسكِرُ اسمُ فاعلٍ من: أسْكَرَ الشرابُ فهو مُسكِرٌ، إذا جعَل صاحبَه سكرانَ، أو كانَ فيه قوَّةٌ تَفعَلُ ذلكَ. قال الجوهريُّ: السكرانُ خلافُ الصاحِي، والجمعُ: سكرَى وسكارَى، بضمِّ السينِ وفتحِها. والمرأةُ سَكرَى، ولغةُ بنِي أسدٍ: سكرانةٌ. ح ف.
(١) قوله: (مَنْ شرِب مسكرًا مائعًا) تناوَلَ المُسْكِرَ، وهو كلُّ شرابٍ أسْكَرَ كثيرُه، فهو خمرٌ من أيِّ شيءٍ كانَ. فعلَى هذا: ما أسْكَر مِمَّا لا يُشرَبُ كالحشيشةِ، فليسَ بخمرٍ، ولهذا قال في «المقنع»: كلُّ شرابٍ أسْكَر كثيرُه فقليلُه حرامٌ، مِنْ أيِّ شيءٍ كانَ، ويُسمَّى خمرًا. وقال ابنُ قندسٍ في «حاشيةِ الفروعِ»: دخَل في كلامِ المصنفِ الحشيشةُ؛ لأنَّه صرَّح في بابِ إزالةِ النجاسةِ أنَّها تُسكِرُ؛ لأنَّه قالَ: والحشيشةُ المُسْكِرَةُ. ح ف.
(٢) قوله: (أو استعطَّ به) أي: بالمُسْكِرِ، أي: أدْخَلَه من أنفِه؛ لأنَّه وصَل إلى باطنِه. ح ف.
(٣) قوله: (أو احْتَقَن بِه) لأنَّه وصَل إلى جوفِه، وكذَا لو تَمْضَمْضَ به فوصَل منه شيءٌ إلى جوفِه، لا إنْ لم يَصِلْ. ح ف.
(٤) قوله: (أو أكَل عجينًا مَلْتُوتًا به) فلو خُبِز العجينُ، فأكَل من خبزِه، لم يُحَدَّ؛
стр. 1951
ولَو لَمْ يُسْكِرْ (١): حُدَّ ثَمانِينَ إنْ كَانَ حُرًّا، وأَربَعِينَ إنْ كَانَ رَقِيقًا (٢). بشَرْطِ (٣): كَوْنِهِ مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا (٤)، مُختَارًا (٥)، عالِمًا أنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِر (٦).
لأنَّ النارَ أكَلَت أجزاءَ الخمرِ. ش ع [¬١].
(١) قوله: (ولَو لم يَسْكرْ) الشارِبُ؛ لأنَّ القليلَ خمرٌ، فيَدخُلُ في العمومِ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ شرِب الخمرَ فاجْلِدُوه» [¬٢]. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (وأربعينَ إنْ كانَ رقيقًا) عبدًا كانَ أو أَمَةً، ولو مكاتبًا أو مُدَبَّرًا أو أمَّ ولدٍ. ولم يَتكلَّموا هنا على المُبَعَّضِ، ولعلَّه اكتفاءً بذكْرِه في حدِّ الزنَى والقذفِ، مِنْ أنَّه بالحسابِ مِمَّا فيه؛ الرقُّ والحريَّةُ. ح ف.
(٣) قوله: (بشَرْطِ) متعلِّقٌ ب «حُدَّ».
(٤) قوله: (كَوْنِهِ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا) لا صغيرًا ومَجْنونًا.
(٥) قوله: (مُخْتَارًا) لشُرْبِه، فإنْ أُكْرِهَ على شُربِه بإلجاءٍ أو تَهْديدٍ أو وعيدٍ مِنْ قادرٍ، لم يُحَدَّ.
(٦) قوله: (عَالِمًا أنْ كَثِيرَه يُسْكِرُ) أيْ: فلا حدَّ إنْ شرِب خمرًا لم يَعلَمْ أنَّه خمرٌ. ويُصدَّقُ إنْ قالَ [¬٤]: لم أعلمْ أنَّ كثيرَه يُسكِرُ.
стр. 1952
ومَنْ تَشَبَّه بشُرَّابِ الخَمْرِ (١)، في مَجْلِسِهِ وآنِيَتِهِ (٢): حَرُمَ، وعُزِّرَ (٣).
ويُعزَّرُ مَنْ وُجِدَ منه رائِحتُها، أو حضَر شُرْبَها، لا مَنْ جَهِل التحريمَ، لكِن لا تُقْبَلُ دعوَى الجهلِ مِمَّنْ نشَأ بينَ المسلمينَ؛ لأنَّه لا يَكادُ يَخْفَى عليه التحريمُ، بخلافِ حديثِ عهدٍ بإسلامٍ، وناشئٍ بباديةٍ بعيدةٍ عن البلادِ، فيُقبَلُ منه. ويَثبُتُ بإقرارِه مرَّةً، كقَذْفٍ، أو شهادةِ عدليْنِ على الفِعْلِ، أو الإقرارِ بِه. م ص [¬١].
(١) قوله: (بِشُرَّابِ) بضمِّ الشينِ وتشديدِ الراءِ، جَمْعُ شارِبٍ، أي: للخمرِ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (في مَجْلِسِه وآنِيَتِه) زادَ فِي «المنتهَى» [¬٣]: وحاضَر مَنْ حاضَرَه بمحاضرِ الشرابِ. قال حفيدُه: ظاهِرُه: أنَّ التحريمَ إنَّما يَكونُ إذَا فعَل هذه الأمورَ الثلاثةَ.
(٣) قوله: (حَرُمَ، وعُزِّرَ) ولو كانَ المشروبُ لَبنًا، وهذا مَنْشأُ ما وقَع في قهوةِ البُنِّ، حيثُ استَنَد إليه [¬٤] مَنْ أفتَى بحرمتِها، ولا يَخْفَاك أنَّ المحرمَ التشبُّهَ لا ذاتُها، حيثُ لا دليلَ عليه؛ لعدمِ إسْكَارِهَا، كما هو مَحْسُوسٌ. فلو اجتمَع جماعةٌ، وزَيَّنوا مجلسًا، وأحضَرُوا آلاتِ الشرابِ وأقداحَهُ، وصَبُّوا فيها السَّكَنْجَبينَ [¬٥] بينَهم، ونصَبُوا ساقيًا يَدورُ عليهم ويسقِيهم، فيَأخُذُونَ من
стр. 1953
ويَحْرُمُ: العَصِيرُ (١) إذَا أَتَى عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ (٢)، ولَمْ يُطْبَخْ (٣).
الساقِي ويَشْرَبونَ، ويحيِّي بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة بينهم، حرم ذلك؛ لأنَّ في ذلكَ تَشْبِيهًا بأهلِ الفسادِ. قال الغَزَالِيُّ فِي «الإحياءِ» فِي كتابِ السماعِ، ومعناهُ قولُ «الرعايةِ»: ومَن تشبَّه بالشرابِ في مَجْلِسِه وآنيتِه، وحاضَر مَنْ حضَره بمحاضِرِ الشرابِ، حَرُمَ وعُزِّرَ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (ويَحْرُمُ العَصِيرُ) أي: عَصِيرُ عِنَبٍ أو قَصَبٍ أو رُمَّانٍ أو غَيْرِه، إنْ غلَى كغليانِ القِدْرِ؛ بأنْ قذَف زَبَدَه، نصًّا. وظاهِرُه: ولَو لَمْ يُسْكِرْ؛ لأنَّ عِلَّةَ التحريمِ الشدَّةُ الحادِثَةُ فيه، وهي تُوجَدُ بوجودِ الغليانِ. انتهَى. الوالِدُ.
(٢) قوله: (إذا أتَى عليه ثلاثةُ أيامٍ) أي: ويَحْرُمُ عصيرٌ إذَا أتَى علَيْه ثلاثةُ أيامٍ بلَيالِيهنَّ، وإنْ لم يَغْلُ، نصًّا. الوالِدُ.
(٣) قوله: (ولَم يُطْبَخْ) فإنْ طُبِخَ عصيرٌ قبلَ تحريمٍ، أي: قبَل غليانِه وإتيانِ ثلاثةِ أيامٍ بلياليهِنَّ، حلَّ إنْ ذهَب بطبخِه ثُلُثَاه.
ويُكْرَهُ الخليطانِ كنَبِيذِ تمرٍ مع زَبِيبٍ، لا وَضْعَ نَحْوِ تمرٍ في ماءٍ لتَحْلِيتِه، ما لَمْ يَشتَدَّ، أو تتمَّ له ثلاثةُ أيامٍ. عثمان [¬٢].
стр. 1954
بَابُ التَّعْزِيرِ
يَجِبُ: في كُلِّ مَعْصِيَةٍ (١) لا حَدَّ فِيهَا، ولَّا كَفَّارَةَ (٢).
بابُ التَّعزِيرِ
وهو لغةً: المَنْعُ، ومنه التعزيرُ بمعنَى النُّصْرةِ؛ لأنَّه يَمنَعُ المعادِي من الإيذاءِ لِمَنْ يَنصُرُه [¬١]. واصطلاحًا: التأدِيبُ؛ لأنَّه يَمنَعُ مِمَّا لا يَجوزُ فِعلُه. م ص [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (يَجِبُ فِي كلِّ مَعْصِيةٍ) أي: مِنْ فِعْلٍ مُحرَّمٍ، وكذا تَرْكِ واجِبٍ، مثلُ تعزيرِ المماطِلِ بالحَبْسِ والضربِ حتَّى يُوفِّي دَينَه، وكذا كلُّ مَطْلٍ بواجِبٍ، مثلُ مَنْ ترَك الاختيارَ وقد أسْلَم وتحتَه أكثرُ من أربعٍ، ومَن أخَّر الحجَّ مع وجودِ شرطِه، ومَن ترَك ردَّ الأعيانِ المستحَقَّةِ من الودائِعِ والعَوَارِي ونحوِ ذلكَ. ح ف.
(٢) قوله: (لا حدَّ فيها ولا كَفَّارةَ) أي: فلا يَجتمِعُ التعزيرُ مع أحَدِهِما إلَّا فيمَا إذَا شرِب مسكرًا في نهارِ رمضانَ، فإنَّه يَجتمِعُ معَ الحدِّ فيها خاصَّةً، ولهذا وجَب في اليمينِ الغَمُوسِ؛ لأنَّه لا كفارةَ فيها على المذهبِ. وظاهِرُ المَتْنِ: وجوبُه في كلِّ معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفارةَ مطلقًا، كمباشرةٍ دونَ الفرجِ، وجنايةٍ لا قَوَدَ فيها، أي: ولا كفارةَ؛ ليَخرُجَ قَتْلُ الخطأِ وشِبْهِ العمدِ، وذلكَ
стр. 1955
وهُوَ: مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، لا يَحْتاجُ في إقامَتِهِ إلَى مُطالَبَةٍ (١). إلَّا: إذا شَتَمَ (٢) الوَلَدُ وَالِدَهُ، فَلا يُعَزَّرُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ وَالِدِهِ (٣). ولا يُعَزَّرُ الوَالِدُ بِحُقُوقِ وَلَدِهِ (٤).
ولا يُزَادُ في جَلْدِ التَّعْزِيرِ: عَلَى عَشَرَةِ أسْوَاطٍ. إلَّا: إذَا وَطِئَ أَمَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ، فيُعَزَّرُ بِمِئَةِ سَوْطٍ إلَّا سَوْطًا (٥).
كالجائِفَةِ ونحوِهَا إذا فعَل ذلكَ عَمْدًا، وكالضَّرْبِ والصَّفْعِ. ح ف باختصارٍ.
(١) قوله: (وهُوَ من حُقُوقِ اللَّهِ تعالَى … إلخ) لأنَّه مشروعٌ للتأدِيبِ، فيُقِيمُه الإمامُ إذا رَآه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (إلَّا إذا شَتَمَ) مُسْتثنَى من قولِه: «لا يَحتاجُ .. إلخ».
(٣) قوله: (فَلا يُعَزَّرُ إلا بِمَطالبةِ والِدِه) بتَعْزِيرِه؛ لأنَّ للوالِدِ تَعزِيرَه بنفسِه، كما يُعلَمُ مِمَّا سبَق في النفقاتِ. وظاهِرُ «المنتهَى»: لا يَحتاجُ إلى مُطالَبةٍ. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (ولا يُعزَّرُ الوَالِدُ بِحقُوقِ وَلَدِه) كمَا لا يُحَدُّ لقذفِه، ولا يُقادُ به. ش ع [¬٣].
(٥) قوله: (فيُعزَّرُ بمائةِ سَوْطٍ إلا سَوْطًا) ليَنقُصَ عن حدِّ الزِّنَى، سواءٌ كانَ بِكْرًا أو مُحْصَنًا؛ تَعزيرًا له. وسقَط عنه الحدُّ بذلكَ؛ لأنَّه شُبْهةٌ، والحدودُ تُدْرأُ بالشبهاتِ؛ لأنَّه رُوِي عن عمرَ ﵁ في أَمَةٍ بينَ رجليْنِ
стр. 1956
وإذا شَرِبَ مُسْكِرًا نَهَارَ رَمَضانَ، فيُعَزَّرُ بعِشْرِينَ، مَعَ الحَدِّ (١).
ولا بَأْسَ: بِتَسْويدِ وَجْهِ مَنْ يَستَحِقُّ التَّعْزِيرَ، والمُنَادَاةِ عَلَيْه بِذَنْبِهِ (٢).
وَطِئَها أحدُهُما: يُجلَدُ الحدَّ إلا سَوْطًا واحدًا [¬١]. ح ف.
(١) قوله: (فيُعَزَّرُ بعِشْرينَ) سَوْطًا زائدةً على حدِّ المسكرِ؛ لفِطْرِه في نهارِ رمضانَ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ولا بَأْسَ بتَسْويدِ وَجْهِ .. إلخ) أي: ولا يَحرُمُ التعزيرُ بتسويدِ وجْهِه. ويَكونُ التعزيرُ أيضًا بالحَبْسِ، والصَّفْعِ، والتَّوبِيخِ، والعَزْلِ عن الولايةِ، وإقامتِه من المَجْلسِ، والنَّيْلِ من عِرْضِه، ك: يا ظالِمُ، يا مُعْتدِي. ولا بَأْسَ بندائِه عليه بذَنْبِه، ويُطافُ به مع ضَرْبِه حسْبَما يَرَاه الحاكِمُ، وبصَلْبِه حيًّا. ولا يُمنَعُ من أكْلٍ ووَضُوءٍ، ويُصلِّي بالإيماءِ، ولا يُعِيدُ. وفي «الفنونِ»: للسلطانِ سُلُوكُ السياسةِ، وهو الحَزْمُ عندنا. ولا تَقِفُ السياسةُ على ما نطَق به الشَّرْعُ. قالَ م ص: قلتُ [¬٣]: ولا تَخرُجُ عمَّا أُمِرَ به، أو نُهِيَ عنه. ولا يُجردُ للضَّربِ، بل يَكونُ عليه القميصُ والقميصانِ، كالحدِّ. وإنْ رأَى الإمامُ العفوَ عنه، جازَ. ومن استَمْنَى بيدِه من رجلٍ أو امرأةٍ بلا حاجةٍ، عُزِّرَ؛ لأنَّه معصيةٌ، فإنْ فعَله خَوْفًا حالًّا أو مآلًا مِنْ زنًى أو لواطٍ أو إتيانِ بهيمةٍ، فلا شيءَ عليه، كما لو فعَله خوفًا على بَدَنِه، بل أوْلَى، أو خافَ اشتقاقَ مثانتِه، أو تولُّدَ ضررٍ في بدنِه، إنْ لم يَقدِرْ على نكاحٍ، ولو لأَمَةٍ، ولو قِيلَ بوجوبِه
стр. 1957
ويَحْرُمُ: حَلْقُ لِحْيَتِهِ (١)، وأَخْذُ مَالِهِ (٢).
إذَنْ لكانَ متجهًا؛ قياسًا على المُضطر إلى الميتةِ، بلْ أوْلَى؛ لأنَّ الاستمناءَ أخفُّ تحريمًا من الميتةِ. والزِّنَى وإتلافُ النفسِ كلاهما من الكبائِرِ. ابنُ نصرِ اللهِ وزيادة.
(١) قوله: (ويَحْرُمُ حَلْقُ لِحْيَتِه) أي: ويَحْرُمُ التعزيرُ بِحلْقِ لحيتِه، وقَطْعِ طَرَفِه، وجَرحٍ؛ لأنَّه مُثْلةٌ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وَأَخْذُ مَالِه) أي: ويَحرُمُ تعزيرٌ بأخْذِ مالِه أو إتْلافِه؛ لأنَّ الشرعَ لم يرد بشيءٍ من ذلكَ عمَّن يُقْتَدَى به. م ص [¬٢] وزيادة.
стр. 1958
فَصْلٌ
وَمِنَ الألْفَاظِ المُوجِبَةِ للتَّعْزيرِ: قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ (١): يَا كَافِرُ (٢)، يَا فَاسِقُ، يَا فَاجِرُ، يَا شَقِيُّ، يا كَلْبُ، يا حِمَارُ، يَا تَيْسُ، يا رَافِضِيُّ، يا خَبِيثُ (٣)، يَا كَذَّابُ، يا خَائِنُ، يا قَرْنَانُ، يَا قَوَّادُ، يا دَيُّوثُ، يا عِلْقُ (٤).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ومِنَ الألفَاظِ المُوجِبَةِ للتَّعْزيرِ) خبرٌ مقدَّمٌ. و (قولُه لغَيْرِه) مبتدأٌ مؤخرٌ. فإذَا شتَم نفسَه أو سَبَّها، فلا يُعزَّرُ. قالَ في «الفصيحِ»: الشَّتْمُ: رَمْيُ أعراضِ الناسِ بالمعايِبِ، وذِكْرُهُم بقبيحِ القَوْلِ، حضرًا أو غَيْبًا. وقالَ المطرزيُّ: الشَّتْمُ عندَ العربِ: الكلامُ القَبِيحُ غيرُ القَذْفِ. ح ف.
(٢) قوله: (يا كافِرُ) أي: إذا لم يَعتَقِدْ كُفرَه، وإلَّا كفَر، كما في «نهايةِ المبتدئينَ». ح ف.
(٣) قوله: (يا خَبِيث) البطنِ، يا خَبِيثَ الفَرْجِ. وتقدَّم معناه، وكذا تقدَّم معنَى الفجورِ في القَذْفِ.
(٤) قوله: (يا قَرْنَانُ) وكذَا: يا معرَّصُ، يا عَرْصةُ، يا مسوسُ، زنَت يَمِينُك، يا منافِقُ، يا سارِقُ، يا عَرْعَرُ، يا أقطعُ، يا ابنَ الزَّمَنِ، يا حَرُورِيُّ، ونحوُ ذلكَ.
والقَرْنَانِ، كالديوثِ: مَنْ يُدْخِلُ الرجالَ على امرأتِه. والقوَّادُ: السمساريُّ في الزِّنَى، ومثلُ ذلكَ في الحُكْمِ قولُه: «يا عِلقُ». وعندَ الشيخِ تقيِّ الدِّينِ: أنَّ قولَه: يا عِلقُ، تَعريضٌ. م ص [¬١].
стр. 1959
ويُعَزَّرُ: مَنْ قَالَ لذِمِّيٍّ: يا حَاجُّ (١). أوْ: لَعَنَه بغَيْرِ مُوجِبٍ (٢).
(١) قوله: (ويُعزَّرُ مَنْ قالَ لذمِّيِّ: يا حَاجُّ) لِمَا فيهِ من تَشْبِيهِهم في قَصْدِ كنائِسِهم بقصَّادِ بيتِ اللهِ الحرامِ، وفيه تعظيمٌ لذلكَ.
(٢) قوله: (أوْ لَعَنَه بغَيْرِ مُوجِبٍ) وهذا أيضًا لا يَختَصُّ بالذمِّيِّ، بلْ لَعْنُ الحَرْبِيِّ المُعيَّنِ كذلكَ أيضًا؛ لأنَّه يُرجَى له المغفرةُ، وكذا الفاسِقُ بالاعتقادِ أو العَمَلِ. واحتُرِزَ به عن غيرِ المعيَّنِ من الكفَّارِ، فإنَّه جائِزٌ لَعْنُ مَنْ ورَد النصُّ بلعنِه، ولا إثْمَ عليه في تَرْكِه. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: وفي لَعْنِ المُعيَّنِ من الكفَّارِ، ومن أهلِ القبلةِ، وغيرِهم، ومِن الفُسَّاقِ بالاعتقادِ أو العملِ لأصحابِنا أقوالٌ:
أحدُها: أنَّه لا يَجُوزُ بحالٍ.
الثانِي: يَجوزُ في الكفارِ دونَ الفسَّاقِ.
والثالثُ: يَجوزُ مُطْلَقًا.
ولهذا ذكَر اختلافَ الأقوالِ في لَعْنِ الحَجَّاجِ ويَزيدَ، وأنَّ أكثرَ نصوصِ الإمامِ علَى عدمِ جوازِ لَعْنِهِما. وقالَ: المنصوصُ عن أحمدَ: لَعْنُ المطلقِ العامِّ لا المعيَّنِ. واستدلَّ له بالنصوصِ التي جاءَتْ مطلقةً، كالراشِي والمُرْتَشِي، وآكِلِ الرِّبَا ومُوكِلِه وشاهديه. فصارَ للأصحابِ في الفسَّاقِ ثلاثةُ أقوالٍ: المَنْعُ عمومًا وتَعَيُّنًا. والثانِي: إجازتُهَا. والثالثُ: التفريقُ، وهو المنصوصُ. انتهَى.
وقال القاضِي: مَنْ حكَمْنا بكفرِهِم من المتأوِّلينَ، فجائِزٌ لَعْنُهم. ح ف.
فلا قَطْعَ: عَلَى مُنْتَهِبٍ (١)، ومُخْتَطِفٍ، وخَائِنٍ في وَدِيعَةٍ (٢). لَكِنْ (٣): يُقْطَعُ جَاحِدُ العَارِيَّةِ (٤).
بعدَ سقوطِه مِنْ الجيبِ نِصابًا؛ لأنَّه سَرِقةٌ من حِرْزٍ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (فلا قَطْعَ علَى مُنْتَهِبٍ) الفاءُ في جوابِ شرطٍ مُقدَّرٍ، أي: إذا عَلِمْتَ أنَّ السرقةَ الأخْذُ علَى وَجْهِ الاختفاءِ، فلا قَطْعَ على مُنْتهِبٍ (ومُخْتطِفٍ). المُنْتهِبُ: اسمُ فاعِلٍ من انتهب [¬٢] الشيءَ، إذا استَلَبَه ولم يَخْتلِسْه. والمُخْتطِفُ: اسمُ فاعلٍ من اختلَس الشيءَ إذا اختَطَفه. فمعناهُمَا واحدٌ، عن ابنِ فارسٍ. وقال السَّعدِيُّ: خلَس الشيءَ: استَلَبَه، والاسمُ الخِلْسةُ. قال ابنُ نصرِ اللهِ ﵀: كأنَّ الاختلاسَ الأخْذُ بسرعةٍ، وهو الذي يَقْتضِيه الاختطافُ، والانتهابُ لا يُشتَرَطُ فيه ذلكَ، بل هو الأخْذُ نهارًا في طُمَأْنينةٍ. والظاهِرُ أنَّه يَكونُ في الغالِبِ مِنْ جماعةٍ، والاختلاسُ أيضًا يَكونُ نهارًا، لكن خَطْفًا وسُرْعةً. والغصبُ يَشْملُهُما؛ لأنَّه مُطلَقُ الاستيلاءِ على مالِ الغيرِ قَهْرًا. انتهَى.
(٢) قوله: (وَخَائِنٍ في وَدِيعةٍ) وعاريةٍ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بسرقةٍ. والخائِنُ: هو الذي يُؤتَمَنُ على شيءٍ، فيُخْفِيه أو بعضَه، أو يَجْحَدُه، من التخَوُّنِ، وهو: التَّنقيصِ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (لكن) استدراكٌ على قولِه: «فلا قَطْعَ .. إلخ».
(٤) قوله: (يُقْطَعُ جاحِدُ العاريةِ) قِيمَتُها نِصابٌ. وَيُعَايَا بها، فيُقالُ: سارِقٌ
стр. 1962
الثَّانِي: كَوْنُ السَّارِقِ: مُكَلَّفًا. مُخْتَارًا. عَالِمًا بِأَنَّ مَا سَرَقَهُ يُسَاوِي نِصَابًا (١).
الثَّالِثُ: كَوْنُ المَسْرُوقِ مَالًا (٢). لكِنْ لا قَطْعَ: بسَرِقَةِ المَاءِ (٣). ولا: بإنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ أوْ مَاءٌ (٤).
وجَب عليه قطعُ يدِه مع أنَّه لم يَسرِقْ شيئًا؟. ح ف.
(١) قوله: (كَوْنُ السارِقِ مُكَلَّفًا، مختارًا .. إلخ) لأنَّ غيرَ المُكَلَّفِ مرفوعٌ عنه القلمُ. «مختارًا» لأنَّ المُكْرَهَ معذورٌ. «عَالِمًا» بمسروقٍ، وبتحريمِ المسروقِ، فلا قَطْعَ على صغيرٍ ومجنونٍ ومُكْرَهٍ على السرقةِ. ولا قَطْعَ بسرقةِ منديلٍ قيمتُه دونَ نصابٍ، بطَرَفِه نصابٌ مشدودٌ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ سَرِقتَه، فأشْبَه ما لو تعلَّق بثوبِه، ولا بسرقةِ جوهرٍ يظنُّ قيمتَه دونَ نصابٍ، فبانَتْ أكثرَ؛ لأنَّه لا يَعرِفُه إلا خَوَّاصُ الناسِ، ولا قَطْعَ على جاهلِ تحريمِ سرقةٍ، ويُقبَلُ قولُه في ظنِّ ذلكَ إنْ جهِلَه مثلُه، وإلَّا فلا يُقبَلُ منه ذلك، كأنْ نشَأ بينَ المسلمينَ. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (كَوْنُ المَسْروقِ مالًا) لأنَّ غيرَ المالِ ليسَ له حُرْمةُ المالِ ولا يُساوِيه، فلا يَلحَقُ به، والأخبارُ مقيِّدةٌ للآيةِ. محترمًا؛ لأنَّ غيرَ المحترمِ، كمالِ الحربِيِّ، تَجوزُ سَرِقتُه. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (لكِنْ لا قَطْعَ بسَرِقَةِ الماءِ) لأنَّه لا يُتموَّلُ عادةً.
(٤) قوله: (ولا بِإنَاءٍ فيه خَمْرٌ أو مَاءٌ) لاتِّصالِهِما بِمَا لا قَطْعَ فيه.
стр. 1963
ولا: بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ (١). ولا: بِمَا عَلَيْه مِنْ حُلِيٍّ. ولا: بكُتُبِ بِدَعٍ (٢)، وتَصَاوِيرَ (٣). ولا: بِآلَةِ لَهْوٍ (٤). ولا: بصَلِيبٍ، أوْ صَنَمٍ (٥).
(١) قوله: (ولا بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ) أي: ولا يُقْطَعُ بسرقةِ مصحفٍ؛ لأنَّ المقصودَ منه ما فيه من كلامِ اللهِ تعالَى، ولا يَحِلُّ أخْذُ العِوَضِ عنه. (ولا بِمَا عليه من حُليٍّ)، ككيسِ المصحفِ، ولو بلَغَت قيمتُه نِصَابًا؛ لأنَّه تابِعٌ لِمَا لا يُقْطَعُ بسرقتِه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ولا بكُتُبِ بِدَعٍ) أي: ككُتُبِ الزندقةِ والرافضةِ ونحوِهِما. ح ف.
(٣) قوله: (وتَصَاوِيرَ) أي: ولا يُقْطَعُ بكتبِ تصاويرَ؛ لأنَّها واجِبَةُ الإتلافِ، ومثلُها سائِرُ الكتبِ المُحَرَّمةِ. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (ولا بِآلَةِ لَهْوٍ) كمِزْمارٍ وطبلِ غيرِ حَرْبٍ؛ لأنَّه معصيةٌ، ومثلُه نَرْدٌ وشِطْرَنجٌ، ولأنَّ للسارِقِ حقًّا في أخْذِهَا لكَسْرِها، فهو شُبْهةٌ، ولو كانَ عليه حلْيَةٌ تَبلُغُ نصابًا؛ لأنَّها تابِعَةٌ لِمَا لا يُقْطَعُ به. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (أو صَنَمٍ) أي: ولا قَطْعَ بسرقةِ صنمِ نقدٍ ذهبٍ أو فضةٍ تبعًا للصناعةِ المُحرَّمةِ المُجْمعِ على تَحْريمِها، بخلافِ صناعةِ الآنيةِ، أشْبَهَتِ الأوتارَ التي [¬٤] بالطِّنبورِ. م ص [¬٥].
стр. 1964
الرَّابِعُ: كَوْنُ المَسْرُوقِ نِصَابًا. وهُوَ (١): ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ (٢). أوْ: رُبُعُ دِينَارٍ (٣). أو: مَا يُساوِي أحَدَهُمَا (٤). وتُعتَبَرُ القِيمَةُ (٥): حَالَ الإخْرَاجِ (٦).
(١) قوله: (وَهُو) أي: النصابُ المسروقُ.
(٢) قوله: (ثلاثةُ دَرَاهِمَ) خالِصَةً، أو ثلاثةُ دراهمَ تَخلُصُ من فضةٍ مغشوشةٍ بنَحْو نُحاسٍ. م ص [¬١] وزيادة.
(٣) قوله: (أوْ رُبْعُ دِينارٍ) أي: مِثقالُ ذَهَبٍ، ويَكفِي الوَزْنُ من الفضةِ الخالِصَةِ أو التِّبْرِ الخالِصِ، ولو لم يُضْرَبَا، فلا قَطْعَ بسَرِقَةِ دُونِ ذلكَ. ويُكمَّلُ أحدُهما بالآخَرِ، فلو سرَق درهمًا ونصفَ درهمٍ من خالِصِ الفضةِ، وثمنَ دينارٍ من خالِصِ الذهبِ، قُطِعَ؛ لأنه سَرَق نصابًا. م ص [¬٢] وزيادة.
(٤) قوله: (أو ما يُساوِي أحَدَهُما) أي: أو سرَق ما يَبلُغُ قيمةَ أحدِهِمَا، أي: نِصابَ الذهبِ والفضةِ من غَيرِهِما؛ بأنْ سرَق عرضًا يَبلُغُ قيمتُه ثلاثةَ دراهمَ فضةٍ، أو رُبْعَ دينارٍ ذهبًا. ح ف وزيادة.
(٥) قوله: (وتُعتبَرُ القِيمَةُ) أي: قِيمةُ مسروقٍ ليسَ ذهبًا ولا فِضةً. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (حالَ الإخْرَاجِ) من الحِرْزِ؛ اعتبارًا بوَقْتِ السرقةِ؛ لأنَّه وَقْتُ الوجوبِ لوجوبِ السَّببِ فيه. فلو نقَصَت بعدَ إخراجِه، قُطِعَ، لا إنْ أتْلَفَه فيه بأكْلٍ أو غيرِه، كإراقةِ مائِعٍ، أو نقَصه بذبحٍ، كشاةٍ قِيمتُها نصابٌ فذَبَحها في الحِرْزِ، فنقَصَت قيمتُها عنه، ثُمَّ أخْرَجَها، فلا قَطْعَ، أو نقَصَه بغيرِ الذبحِ؛ بأنْ شَقَّ فيه ثوبًا، فنَقَصَت قيمتُه عن النصابِ، ثُمَّ أخْرَجَه، فلا قَطْعَ. وكذا لَو أتْلَف
стр. 1965
الخامِسُ: إخْرَاجُهُ (١) مِنْ حِرْزٍ. فَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ: فَلا قَطْعَ (٢).
وحِرْزُ كُلِّ مَالٍ: مَا حُفِظَ فِيه عادَةً (٣). فنَعْلٌ برِجْلٍ (٤)، وعِمَامَةٌ علَى رَأْسٍ: حِرْزٌ. ويُخْتَلَفُ الحِرْزُ: بالبُلْدَانِ، وبالسَّلاطِينِ (٥).
بعضَه فيه، ويعايَا بهذه الصورةِ، فيُقالُ: رجلٌ هتَك الحِرْزَ وأخَذ نصابًا، ولا قَطْعَ عليه بذلك؟. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (إخْرَاجُه) أي: النصابُ.
(٢) قوله: (فلَوْ سَرَقَ مِنْ غيرِ حِرْزٍ) بأنْ وجَد بابًا مفتوحًا أو حِرْزًا مهتوكًا، فأخَذ منه نصابًا (فلا قَطْعَ)؛ لفواتِ شَرْطِه، كما لو أتْلَفَه داخِلَ الحِرْزِ بأكْلٍ أو غيرِه، وعلَيْه ضمانُه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وحِرْزُ كُلِّ مَالٍ ما حُفِظَ فيه) ذلكَ المالُ (عادَةً) لأنَّ معنَى الحِرْزِ الحِفْظُ، ومنه: احتُرِزَ من كَذَا. ولم يَرِدْ من الشَّرْعِ بَيانُه، ولأنَّه عُرْفٌ لُغَويٌّ يَتقدَّر به، كالقَبْضِ والتفرُّقِ في البيعِ.
ويَختَلِفُ الحِرْزُ باختلافِ جنسِ المالِ، وباختلافِ بَلَدِه كِبَرًا وصِغَرًا؛ لخَفَاءِ السارِقِ بالبَلَدِ الكبيرِ؛ لسَعَةِ أقْطَارِه أكْثَرَ منه في البَلَدِ الصغيرِ. ويَختَلِفُ الحِرْزُ أيضًا باختلافِ عدلِ السلطانِ. م ص [¬٣] وزيادة.
(٤) قوله: (فَنَعْلٌ بِرِجْلٍ) حِرْزٌ، ومثلُه خُفٌّ ونَحْوُه.
(٥) قوله: (وبالسلاطينِ) أي: بعَدْلِ السلطانِ وقُوَّتِه، وضدِّهما، أي: جَوْرِه وضعفِه. فإنَّ السلطانَ العَدْلَ يُقِيمُ الحدودَ، فتقلُّ السُّرَّاقُ خوفًا من الرَّفْعِ